كيف تحولت مصر من دولة تبني مشروعاً قوياً إلى دولة تابعة ومهيمن عليها؟ كل القوة التي عند الأمة والتي نزعت من الأمة وصارت محتكرة في السلطة، وهبت للأجانب. لأن أولاد محمد علي يا أستاذ محمد لم يكن ولاؤهم للغرب كهوية، أنا أجزم لك بأن هذا غير صحيح، كان ولاؤهم للغرب من أجل ضمان مشروع بقائهم في الحكم. سعيد أغلق المدارس، ستجد أنه كان يمول المدارس التنصيرية والغربية، يا لطيف، واحد شايف أن الشعب الجاهل أسلس في قيادته، فلماذا ننفق على تعليمه؟
لا، هي لا تمشي بصراحة. الأستاذ مراد مثلاً جاي من اليونان وأنا راجل مصري، أي مشكلة حصلت بيننا نذهب أنا وهو للقنصلية اليونانية، وهناك تكون المحكمة، مش للقضاء المصري، مش للقضاء المصري. وبعدين يا أستاذ محمد أنت ليش هيك متحامل على أبناء محمد علي؟ أنا شديد الإعجاب بهذا السؤال. صار في عندنا دولة جديدة، يعني صار في نظام جديد، شكل جديد في الحكم، أنت ليش بدك إياه إسلامي؟ واحد زي إسماعيل، ليه إسماعيل يعمل دار أوبرا؟ ليه مهتم يعمل مسرح؟
ما هو هذه التفاصيل يا أستاذ محمد مهمة جداً. إسماعيل راح فرنسا، أعجبه قصر من القصور الذي بناه واحد من البارونات، قال له القصر ده بكام؟ فراح ضرب له مبلغ في السما علشان ما يفكرش يشتريه، قال له طيب أنا هشتري منك. الخديوي إسماعيل هذا الذي له قصر بإسطنبول هون هو نفسه. مين البائع؟ مسيو فرانسوا مش عارف إيه، الرجل الفرنسي. مين المشتري؟ قال له المشتري المدموزيل فلانة بنت المسيو فلان، يعني هو بده يشتري هدية للبنت، بده يشتري هدية للبنت مش له، مش له. إيه ده؟ وأداه هدية للبنت، أنا بدي أصير أحكي مصري.
هلا يا أستاذ محمد خلص يعني، يا أستاذ محمد أنا بعد الحلقة هاي بدي أروح أقيس الضغط. أيوه، لا شوف ما بالك بقى بالذي يقرأ التفاصيل؟ يعني هو ما فيش في تاريخنا إلا مصر؟ هذا واقع بدون أي نزعة وطنية ولا عنصرية.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة "100 سؤال في التاريخ"، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي، ومن خلالها نقف عند أهم المحطات. للي متابع معنا وللي انضم حديثاً أين نحن؟ نحن في المحور التاسع، حقبة الاستعمار الأجنبي، من أهم محاور هذه السلسلة، أنصحك أنك تشوف كل الحلقات السابقة على منصة تاريخنا.
الحقيقة أنه في الحلقة السابقة طرحنا على الأستاذ محمد سؤالاً كبيراً ضخماً بحبوحاً واسعاً، لا يخلص بحلقة واحدة بصراحة، كان رقم السؤال 86. تقريباً صورنا ساعتين وشوي وكسر، لكن ارتأينا أن نكمل الجزء المتبقي من هذا السؤال في هذه الحلقة، لذلك نحن لا نزال مع بعض في السؤال رقم 86. شو رقم حلقتنا لليوم؟ وصلنا إلى الحلقة الـ 55. كما تعودنا دائماً، لا يستقيم ولا يصلح أن تبدأ دون الترحيب بضيفنا الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً يا أستاذنا. حياكم الله يا أبا الحارث، الله يبارك فيك.
لا زلنا يا أستاذ محمد في سؤال 86، كان في قسم لا نستطيع تجاوزه، لا بد أن نقف عنده وخصوصاً أنه القصة متعلقة بمصر. نعم، فما بينفع هي مصر عليها هيك مرور الكرام، ما أنت عارف. فترة الاحتلال الناعم، لا نزال فيها، أو الاحتلال غير المباشر كما تسمى في بعض المصادر، وهي الفترة التي طبعاً مهدت للاحتلال الأجنبي المباشر لمصر، وللعديد أيضاً من الدول التي سنتحدث عنها لاحقاً. لكن هي في عالمنا الإسلامي بدأت من مصر، وبالتالي في فترة حكم محمد علي باشا واللي تحدثنا عنها في الفترة السابقة. طيب، أين وصلنا الآن؟ مات محمد علي باشا في الحلقة السابقة، وتابع أبناؤه ومن جاء بعده الحكم، ويفترض أنهم يا أستاذ محمد سيواصلون بشكل طبيعي مشروع أبوهم أو جدهم في بناء دولة حديثة قوية، وعليه نطرح التساؤلات: هل فعلاً استمر بناء الدولة الحديثة القوية أم تعثر؟ هذا من شق، ولا انكشف وهم القوة هيك ونحن ماشيين بنبني؟ هل مضى أبناؤه على نفس الخط وعلى نفس النهج ولا تغيروا؟ إيش اللي صار معهم؟
هذا الكلام يقودنا إلى السؤال الأبرز، كنا طرحناه طبعاً في الحلقة السابقة ولكن لم نستطع لضيق الوقت أن نجاوبه، هو إذا كان محمد علي بنى دولة قوية متفوقة ولكن بخبرات أجنبية طبعاً، فلماذا سقطت مصر في يد الاحتلال الإنجليزي خلال فترة حكم أبنائه بعد 70 سنة من هذا النمو والتطور الذي طبعاً زعم واقتنع فيه البعض أو أنه كان تطوراً حقيقياً؟ هذا فصلناه في الحلقة السابقة، وبالتالي كيف تحولت مصر من مشروع أو دولة تبني مشروعاً قوياً إلى دولة تابعة ومهيمن عليها؟
قبل ما تبدأ بالإجابة يا أستاذ محمد، نحن بنحكي عن مصر، وبالتالي في سؤال جداً ملح ومهم، وعلى فكرة ورد في بعض التعليقات من الناس: يا أخي أنتم ليش مركزين على مصر في الكلام؟ يعني هو فش في تاريخنا إلا مصر؟ ما تحكونا عن شيء ثاني؟ ليش هيك مركزين على مصر؟ أنتم يا أخي المصريين عنصريين شيء ولا شو قصتكم؟ يعني بعضهم كتب: هو في العالم غير المصريين؟ ما تحكوا عن شيء ثاني. هذا طبعاً سؤال تكرر في التعليقات، وبالتالي ليش نحن بنركز يا أستاذ محمد على مصر؟ هناك مغرب، هناك شمال وشرق ووسط، وجهات كثيرة، تحدثوا، احكوا. هذا سؤال حبذا هيك توضحه لنا أيضاً. لماذا مصر؟ تفضل يا أستاذ محمد.
بارك الله فيك يا أبا الحارث، ما شاء الله سؤال فخم وضخم حتى قسمه الثاني فخم لوحده. طيب، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. يا سيدي، تذكر لما تكلمنا في المحور الأول قلنا إننا محتاجين ندرس التاريخ، فإيه بالضبط اللي إحنا محتاجين ندرسه؟ وذكرنا في ذلك الوقت أنه ممكن نقسم التاريخ إلى ثلاثة أقسام: السيرة والخلافة الراشدة، هذا قسم، والحضارة الإسلامية أو تاريخ الدول الإسلامية (الأموية، العباسية، العثمانية وغيره) هذا قسم، والتاريخ الحديث والمعاصر هذا قسم ثالث. وساعتها ذكرنا أنه لو إحنا حابين نرتبهم عن أهمية الدراسة، فأول ما ينبغي للمسلم أن يعرفه هو السيرة والخلافة الراشدة، عشان يعرف النموذج، يعرف القدوة، يعرف ماذا ينبغي أن يكون النموذج الأساسي. ورقم اثنين في الأهمية هو التاريخ الحديث والمعاصر، علشان يعرف كيف انحرفنا، كيف سقطنا، كيف انهارت أحوالنا، كيف تحولنا من العز والقوة والتمكين إلى هذا الذل والاستضعاف الذي نحن فيه. ورقم ثلاثة هو أن الواحد يبقى عنده معرفة إجمالية بالتاريخ الإسلامي.
فحقيقة التوقف عند هذا السؤال، سؤال كيف بدأ الانهيار، كيف بدأ الانكسار، كيف بدأ الانحدار، وهو النموذج الذي نقول إنه أول تجربة له كانت هي التي نجحت في مصر، هذه من الأهمية بمكان يتلو مباشرة أهمية أن تتعرف على السيرة والخلافة الراشدة. حقيقة لو أن في حد مش مهتم يعرف التاريخ الإسلامي كان إزاي ممكن أبلعها وأفوتها له، لكن لا يجوز له ألا يعرف كيف حصل هذا الانكسار. طيب الانكسار ده حصل ودخلنا في السؤال الثاني بقى بتاع المصريين اللي هم عندهم نزعة عنصرية دول. هذه التجربة، تجربة كسر وتحطيم المجتمع الإسلامي وهيمنة الغرب عليه، هذه التجربة بدأت في مصر ونجحت في مصر، فلذلك هذه التجربة توضع تحت المجهر باعتبارها أول تجربة. طبعاً أنا ما بقولش إن مصر أول بلد احتلت، لا، إحنا ذكرنا أنه كان في احتلالات في شمال وغرب وشرق وجنوب، لكن النموذج الذي نجح أولاً بأيدٍ غير استعمارية، غير إنجليزية، غير فرنسية، والنموذج الذي نجح في تحطيم المجتمع الإسلامي وتمهيد هذه البلاد للهيمنة الغربية، وكان ذا قدر مركزي بحيث إنه يؤثر في الأمة، هو الذي حصل في مصر. يعني هتلاقي فترة محمد علي والأسرة العلوية هي من الفترة التي إذا نظرت إليها من وجهة نظر إسلامية هي فترة الانكسار الهائل. هذا ليس شيئاً يفخر به المصريون، إحنا مش بنقوله ومش بنركز عليه علشان دي حاجة حلوة، ده إحنا كنا سابقين إلى نموذج التحطيم. طبعاً لا شك أنه المتغربين والعلمانيين أو اللي ما عندهمش الزاوية الإسلامية لقراءة التاريخ هيكونوا شايفين أن مصر سباقة إلى الحداثة، سباقة إلى التغريب، وسباقة إلى العلمنة، وسباقة إلى التنوير. بينما من وجهة النظر الإسلامية، لا، هذا سبق إلى الانحراف، هذا سبق إلى الانحدار، إلى الانهيار إذا صح التعبير. ده أولاً، لماذا نركز على مصر؟ علشان هذه التجربة بدأت في مصر.
الأمر الثاني هو أنه بدون أي نزعة عنصرية ولا شيء، هو هناك أمور، وربك يخلق ما يشاء ويختار، في أمور خارجة عن إرادة الجميع، في أمور ساقت إليها عوامل تاريخية وجغرافية وإرادة ربانية فوق كل ذلك، بيجعل بعض الأمور أهم من بعض، كما خلق الله الشهور وفضل عليها شهر رمضان، خلق الله البلاد وفضل عليها مكة، خلق الله الرسل وفضل عليهم محمداً. فهذه البلاد التي هي مصر، لها قدر كبير وهائل في عموم العالم الإسلامي، هذا منذ كانت، ولذلك مر معنا قول عمرو بن العاص: "مصر ولاية جامعة تعدل الخلافة". يعني أكثر القصص المذكورة في القرآن الكريم هي قصة سيدنا موسى، كانت فين؟ كانت في مصر مع فرعون، فبالتالي هذا البلد هو بلد مركزي ومؤثر في حياة غيره. وسبب ثالث لا أستحي أن أقوله أيضاً، أنه معرفتي أنا بالتاريخ المصري أفضل من معرفتي بغيره من التواريخ، فبالتالي هذا جزء آخر يدعم أننا نتكلم عن مصر، فبالنهاية ما يزال عندي ضعف كبير في التاريخ الأفريقي وفي تاريخ شرق آسيا وفي تاريخ وسط آسيا، وكل هذه البلاد جرى فيها مثل ما جرى في مصر على أنواع متفاوتة، فأهلها أحق ببيانها وهم أجدر بذلك، فعسى أننا نبقى أجبنا على سؤال الجماعة المصريين دول.
حتى الدارسين يا أستاذ محمد يستخدمون مصطلح أنه عندما تضطرب مصر يختل الميزان. هذا واقع بدون أي نزعة وطنية ولا عنصرية، هذا واقع. وعلى فكرة حتى لو أنت سبتك من العرب خالص وتابعت ما يكتبه المؤرخون الأجانب، فهتلاقيهم برضه واقفين عند مصر، يعني هتلاقي قصة مصر دي قصة حاضرة عندهم، مش علشان هم مثلاً فرنسيين ولا إنجليز ولا أمريكان ولا ألمان، قصدي ما عندهمش بقى هذه النزعة، فهو في الآخر بيزن الأمور وزنها الحقيقي؛ لأنه بالنهاية هذا الانكسار الذي حصل في مصر ما حصلش زيه في الدولة العثمانية إلا بعدها بـ 80، 90 سنة. تمام، فهي البداية كانت في مصر.
وبالتالي، لما بنقول الانحدار ده كيف حصل في مصر؟ حصل على مرحلتين: المرحلة الأولى مرحلة محمد علي، والمرحلة الثانية هي مرحلة أبنائه، والمرحلتان دول مع بعض الحقبة دي هي حقبة زي ما قلنا كده بيسميها جوان كول: "مرحلة وجود المستعمرة بغير استعمار". مرحلة أن تعمل دولة على نمط الأجانب بدون وجود قوات عسكرية أجنبية، مرحلة أن يحكمك من هم بوصف النبي صلى الله عليه وسلم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ناس شكلهم مسلم، اسمهم مسلم، يعني من جلدتنا، لكن هواهم، مزاجهم، روحهم، ثقافتهم، أغراضهم، ولاؤهم، انتماؤهم هو للغرب، فلذلك النموذج حصل في مصر بأشد ما يمكن. واللي متابع معانا الحلقتين اللي فاتوا، إحنا قلنا إنه ما فشل فيه نابليون مع كل ما بذله من تمثيل ومن محاولات، نجح فيه محمد علي بكل خشونة وبكل قسوة وعنف. طيب لو أنا بختصر دلوقت إيه اللي عمله محمد علي؟ لو أنا بختصر المرحلتين بحيث ندي أفقاً عاماً عن اللي حصل: محمد علي حطم المجتمع الإسلامي، أخذ كل مصادر القوة وراكمها عند السلطة، لما جاء أولاده من بعده حقيقة لم يكملوا مشروعه هو، ولكن الذي حصل أن كل القوة التي عند الأمة والتي نزعت من الأمة وصارت محتكرة في السلطة، وهبت للأجانب. ببساطة كده. نعم.
بس بنقطة نظام سريعة، عشان بس كلمة أن محمد علي حطم المجتمع الإسلامي؛ لأنه هذه الحلقة منفصلة عن السابقة يا أستاذ محمد، هي الكلمة شرحناها كثيراً في الحلقة السابقة، فمش عشان يعني قصدي ما تروح هيك على التعليقات وتبدأ تكتب، لازم تشوف الحلقة السابقة وبعدين نكمل هنا، بس هيك استدراك سريع. تفضل.
تمام لا بأس. هل هم الذين بدؤوا بالتخلي؟ لا الحقيقة الذي بدأ بالتخلي هو محمد علي نفسه. محمد علي نفسه بمجرد أن حصل على الفرمان الذي يجعل الحكم فيه وفي أولاده على مصر والسودان، هو بنفسه تخلى عن مشروعه، أو ما يقال مشروعه بقى، يعني مشروع إنشاء دولة قوية، ده تأويل من بعده لما قام به، لكن حقيقة مشروعه هو أنه يعمل سلالة ملكية تحكم بشكل منفصل. فبالتالي عند 1840، هو بنفسه سرح الجيش، هو بنفسه فك الترسانة البحرية، هو بنفسه سمح بفتح الأسواق المصرية للبضائع الأجنبية. تمام، طيب ما مهده محمد علي من تحطيم؟
المدارس الأهلية في مؤسسات تضخمت بها الدولة، وفي جيش الدولة، وفي أموال بيد الدولة، كل ده عمل إيه؟ لما جاء الذين بعده سعيد وإسماعيل وتوفيق، عملوا إيه بكل اللي هم لاقوه ده؟ وهبوه للأجانب في حقيقة الأمر، ما هو مهد لهم بذلك. فبالتالي هتبص بقى على أي جانب من جوانب الحياة في مصر، هتلاقي الجانب ده بدأ يصب في مصلحة الأجانب، يعني مثلاً نبدأ بحاجة زي التعليم.
الناس متصورة أن المصريين كانوا في حالة من الضياع والظلام، وما عندهمش مدارس إلا الكتاتيب، والكتاتيب بتودي الأزهر، ونروح الأزهر نقعد نتخانق في «بسم الله الرحمن الرحيم» والباء باقي المصاحبة ولا باقي الابتداء والإعراب، والمسلسلات بتاعة زمان. وفاكر أنا مسلسل طه حسين وهو بيقول للشيخ: يا شيخ أنا قريت المتن ما عرفتش، يقول له يبقى لازم تقرأ الشرح اللي وراه، يقول له قريت الشرح برضه ما فهمتش، يقول له يبقى ما قريتش الحاشية اللي بعد الشرح، يقول له برضه قريت الحاشية ما فهمت، يقول له ما قريتش التحرير. هذا كلام غير صحيح أبدًا، ومش موجود.
شكل التعليم اللي موجود في مصر على هذا النمط السيئ، باعتبار أنه كان مجرد لغويات ومجرد جدالات، هذا لم يكن صحيحًا. ذكرنا قبل ذلك أنه لا، مصر كان فيها أفكار، كان فيها ثقافة، كان فيها تعليم، لكن كان فيها فساد في النظام السياسي يمنع أن التعليم ده يتحول إلى تقدم عسكري وتقدم حربي. طيب، محمد علي لما أنشأ المدارس، المدارس التي أنشأها محمد علي ليست مدارس لمحاولة نشر التعليم بين الناس، هو محمد علي أنشأ مدارس علشان يأتي فيها بالأساليب الحربية الأوروبية؛ عايزين نعرف الجماعة دول بيدرسوا حساب، بيدرسوا هندسة، بيدرسوا ميكانيكا، وأخذ إليها الأطفال كما كان يأخذ الشباب إلى الجيش، يعني المدارس كانت نمط من أنماط الجندية. والمدارس نفسها بعد 1840 انهارت ضمن مشروع، محمد علي أنشأ مدارس من أجل خدمة الجيش.
احنا قلنا محمد علي عمل نظام أن الدولة خُلقت لخدمة الجيش، عمل إحصاء علشان يجيب أفراد للجيش، عمل مستشفيات عشان يعالج الناس اللي في الجيش، حتى التعليم أول ما ضمن لنفسه الولاية انهار التعليم بعد سنة 1840.
عباس -رحمه الله- في "تقويم النيل" لأمين سامي، وهو كتاب من الكتب المهمة في رصد اليوميات التاريخية المصرية، عباس شايف أن سوق الناس إلى المدارس بهذا الشكل الذي جرى به أدى إلى انهيار الحرف والصناعات، غير أن الأهالي أنفسهم مش حابين هذا الموضوع، فأغلق عدداً من المدارس.
شوف، في عباس حتة محتاج دائمًا تبحثها بدقة؛ الناس بتقارن بين عباس وبين ذروة محمد علي، ما بتقارنش بين عباس وبين محمد علي بعد 1840. بتلاقي المؤرخين يقول لك: شوف محمد علي كان عامل كام مدرسة وعباس راح ألغاها، لا، أنت لما تيجي تدقق تلاقي أنه بعد 1840 في انهيار في المدارس أصلاً، فما ينفعش تحمل عباس مسؤولية الانهيار من 1840؛ ففي خطورة الاستشهاد الخاطئ بالتاريخ. فانا دلوقتي موضوع المصانع ده حقيقة مش فاكره، إن شاء الله ممكن أراجعه، لكن اللي أنا متأكد منه المدارس، أنا قريت البيان الذي أصدره، هو رأى أن سوق الناس أدى إلى خراب، هو قال: كسدت الزراعة وبارت الصناعة.
بالنسبة لسؤالك هل كان هناك بديل؟ ناسي أن احنا عندنا الأزهر، وناسي أن عندنا مدارس، وناسي أن عندنا نظام تعليمي محمد علي أصلاً أراد أن يزاحمه. يعني اللي بيقول ما فيش بديل ده حصر نظرته للتعليم في المدارس التي أنشأها محمد علي، وفاكر أنه المدارس التي أنشأها محمد علي شملت القطر واستكثر فيها من الناس، وجاء عباس راح عملها، وده مش صحيح. محمد علي أصلاً ما أنشأش مدارس لرفع الجهالة عن الناس، محمد علي أنشأ مدارس مخصوصة ساق إليها بعض الناس لدراسة الأمور الهندسية والحربية فقط، والمدارس التي أنشأها محمد علي دي لم تستمر طوال عهده، بعد 1840 حصل وأغلقت كثير من هذه المدارس. عباس لما بيغلق مدارس مش معنى كده أنه بيقفل باب التعليم، عباس لما بيغلق بعض المدارس معناه أنه بيقطع يد بعض الأجانب، وبيقطع نفوذ بعض الذين بُعثوا إلى أوروبا وشايف أن هم متأثرين بالغرب وهينشروا في البلد دي التغريب، وشايف أنه بيرجع الناس لمنظومة التعليم اللي كانت مستقرة عندهم أصلاً، اللي هي الأزهر وما حوله من المدارس؛ أنت عندك الجامع الأحمدي في طنطا، وعندك المساجد والمدارس في الإسكندرية.
سعيد الذي جاء بعده، والذي كان أوروبي الهوى والميول، ألغى ديوان المدارس، يعني ألغى وزارة التعليم، وقال: لماذا نعلم الشعب، ولماذا ننفق أموالنا في تعليم الشعب؟ إن الشعب الجاهل أسلس قيادًا لدى الحاكم. ومع ذلك لا تجد كثيراً من الناس يدينه، طيب سعيد ده الذي أغلق المدارس ستجد أنه كان يمول المدارس التنصيرية والغربية، مدارس راهبات، إلى هذا الحد تأثراً بالغرب وعشقاً بالنموذج الغربي.
عباس كان رجل متربي في السفارة الفرنسية، وأستاذه الذي رباه هو فرديناند ديليسبس، كان يحب الفرنسيين ويحبونه، وكان يكره من يصلي من الجنود، وزي ما قلت لك كده أغلق ديوان المدارس، وأنفق على المدارس التنصيرية والتبشيرية، مدارس الراهبات ومدارس الطليان وغيره.
التعليم اللي هيتسمى "تعليم أهلي" ده، اللي الناس لما بتقرأه بتبقى فكراها مدارس نشأت لخدمة الناس، هو التعليم في حقيقته الذي يشرف عليه الأجانب. التعليم ده سيتوسع في زمن إسماعيل، وبرضه سيشرف عليه إما أجنبي أو واحد كان مبتعث إلى أوروبا وراجع يأسس مدرسة. المدارس التي ازدهرت في عهد إسماعيل دي، لما تيجي تقرأ أنت مذكرات الناس، طبعاً الكلام ده ما بيظهرش في كتب التاريخ العام، فتلاقي أن المدارس دي مدارس علمانية بهذا المعنى، اللفظ ده مكتوب مثلاً في كتاب "عهدي" الذي ألفه الخديوي عباس حلمي الثاني، بيحكي عن جده إسماعيل، بيفخر أن جده أنشأ مدارس علمانية. وتجد مثلاً في كتاب اسمه "من أخلاق العلماء"، تجد بعض المواقف التي تدلك على أنه المدارس دي كانت مدارس ليس فيها أي دين ولا أي أخلاق، بل كانوا في رمضان يعرضون الطعام على أبناء المسلمين ويقولون بدافع الحرية: اللي عايز يصوم يصوم، واللي مش عايز يصوم ما يصومش. يبقى المدرسة التي أنشأتها الدولة بتعرض، وما عندهاش مشكلة في الإفطار جهرة في نهار رمضان، وهو بيقول الناس اللي فيها منخلعون من الدين ومنخلعون من الأخلاق وما حدش مهتم.
الناس بقى اللي هم الشعب المصري، كانوا شايفين أن هذه المدارس هي نوع من أنواع الاستعباد الذي يوازي ويناظر الاستعباد في الجندية. يبقى المدارس دي، أنا بقول لك اهو، عنوان تعليم، أنت أول ما تقرأ تحس أنه حاجة جميلة، أنه تقدم، أنه نهضة، تدخل شوية في التفاصيل تلاقي أنه هذه المدارس كانت أدوات نفوذ للغرب، وأدوات تخريج طلبة وجيل يوالي الغرب، أو بالمفاهيم الغربية، ناس ما بتدرسش دين ولا أخلاق، إنما بيدرسوها إما العائدين من البعثات أو الأجانب بنفسهم. هدف هذه المدارس تخريج طبقة الموظفين، يبقى مش تخريج طبقة علماء أو قضاة أو كما كان يفعل الأزهر.
طب على فكرة، ده له آثار اجتماعية هائلة وخطيرة. أولاً، طبقة العلماء التي طول عمرها بتخرج من المدارس الإسلامية دي، وأنا على فكرة لما بقول "طبقة علماء" مش معنى كده أن كل اللي درسوا في الكتاتيب أو في الأزهر أو في الجامع الأحمدي أو في غيره كانوا بيطلعوا وعاظ أو علماء شريعة، لا، هو بيستكمل العلم الذي يطيقه أو الذي تسمح له به ظروفه، ثم يذهب إلى التجارة، يذهب إلى حرفة، يتخصص حتى في جانب علمي بحسب ما تسمح له الظروف، لكن البيئة والتربية والأفكار اللي عمال يشربها بتخليه في الآخر جزء من المجتمع مش جزء من السلطة. ده الفارق الهائل بين العالم وبين القانوني. لو أنت بتحط النموذج الإسلامي مقارنة بالنموذج الغربي، النموذج الغربي بيطلع قانوني، والنموذج الإسلامي بيطلع عالم. لو أنت تنظر عموماً، طبقة العلماء كانت أقرب إلى الناس ولا أقرب إلى السلطة؟ كانت أقرب إلى الناس. طبقة القانونيين في عمومها أقرب إلى الناس ولا أقرب إلى السلطة؟ أقرب إلى السلطة في عمومها أيضاً.
تقدمه في الصلوات وعماله تستفتيه في الأمور وعمال يخطب فيها، فالعالم ده تكوينه الفكري وتكوينه النفسي وصعوده الاجتماعي بعيداً عن السلطة. وفي الآخر القانون والقيم اللي في دماغه قانون وقيم أخذها من الله ورسوله ومن تاريخ المسلمين؛ ما أخذهاش من السلطان. تخيل لما يحصل احتكاك بين السلطة وبين الشعب في واحد ظالم مثلاً، أو في ثورة، أو فيه جهاد، أو في أي حاجة، العالم ده بطبيعته هيبقى مع مين؟ بطبيعة اللي في دماغه وبطبيعة تكوينه النفسي الاجتماعي غالباً ما كان العلماء دائماً أقرب إلى الشعب. ودائماً في علماء سوء وعلماء سلطان، أنا ما بقولش إن تاريخ المسلمين ملائكة، لكن الراجل القانوني -الذي هو المناظر للعالم في النظام الغربي أو النظام الحديث- ده راجل كيف تكون؟ تكون منذ أن درج في المدرسة التي أنشأتها الدولة، درس المنهج الذي وضعته الدولة، وتدرج فيها.
هو بيدفع مصاريف لكن شايف إن الدولة دي هي التي لها فضل عليه، وشايف إنه لا يتدرج إلا بشهادة طالعة من الدولة. وبعدين لما يتخرج من المدرسة هيدخل الكلية اللي عاملاها الدولة، وهيتخرج من الكلية بتاعة الدولة ويتوظف في المؤسسة التي عملتها الدولة. ولو ما فيش جامعة أو ما فيش مؤسسة هيفضل في الشارع، فعلياً ما عندوش مورد رزق آخر ويسترزق بالمال الذي تعطيه الدولة الراتب. فلان ده إذا فسد السلطان أو فسد الحكم أو فسد الرئيس بيبقى أقرب إلى مين؟ بيبقى دائماً أقرب إلى استقرار الدولة وترسيخ السلطة. فعلشان كده أغلب العلماء كانوا في جانب الناس، وأغلب القانونيين كانوا في جانب الدولة.
خصوصاً وأنه أصلاً ما عندوش مرجعية فوق الدولة، القانوني ده ما عندوش مرجعية فوق الدولة، الدولة هي مرجعيته الأولى. العالم ده مرجعيته الله وهو يرى أنه مكلف بإقامة الدين، مش مكلف بإطاعة السلطان ولا بإطالة حكمه. حتى لو العالم قرر إنه يسند السلطان أحياناً فهو مش بيسنده ولاءً للسلطان، بل بيسنده إقامةً للدين؛ لأنه تقديره هو الشرعي والفقهي إن الثورة دي مثلاً مش هتنجح أو ستؤدي إلى دماء أكثر أو ما عندناش القدرة على بديل أفضل، فهو بالنهاية ليس ولاؤه وانتماؤه ومنطلقه في فهم الأمور وتكييفها ولاءً للدولة، وإنما تطبيقا للدين.
ببساطة شديدة كده مش كل العلماء الذين لم يندرجوا في ثورة أو لم يقفوا أمام سلطان جائر كان ذلك منطلقاً لهم من ولائهم للسلطان أو للدولة، لا، ده في غالبهم كان منطلقاً من حسبتهم هم السياسية والشرعية لشرعية هذه الثورة أو لقدرتها على الإصلاح دون أن تقع في مفاسد أكبر. اتضح كده الفرق بين الاثنين كويس؟ فبالتالي لما بنيجي نقول إن هذا النموذج الذي يطلع التعليم الإسلامي زوحم بالنموذج الذي يطلع التعليم الغربي؛ نعم، والتعليم الغربي بيطلع موظفين، وبطبيعة الحال الموظفين ناس مربوطين بالسلطة ومربوطين بالرواتب، فبالتالي هم أشد ولاءً للدولة.
نيجي للسؤال الثاني الذي تقول فيه إنهم ما كانوش موالين للغرب على أساس إنهم ولاء انتماء أو هوية، ولكن كانوا موالين للغرب على أساس إن مصلحتهم كده، أنا أجزم لك بأن هذا غير صحيح. الناس بالذات سعيد وإسماعيل، وهذان ومن قبلهم محمد علي وإبراهيم، دول ناس كان عندهم انتماء للغرب، إعجاب وغرام وهيام بالغرب وبقيم الغرب، لدرجة إنه في حاجات أصلاً ما كانتش مطلوبة إنه يعملها هو عملها. يعني أنا لما بقول واحد شايف إن الشعب الجاهل أسلس في قيادته فلماذا ننفق على تعليمه؟ طيب أنا أفهم لو الراجل ده بيدور على حكمة وعلى شعب جاهل يروح قافل المدارس كلها، لكن ألاقيه يقفل مدارس المصريين ويروح يدعم مدارس المنصرين! لا، هي ما بتمشيش بصراحة. واحد زي إسماعيل، ليه إسماعيل يعمل دار أوبرا؟ ليه مهتم يعمل مسرح؟ ليه مهتم يجيب فرق تمثيل وغناء من الشام؟ دي حاجات كلها مش مطلوبة منه، ما حدش جه قال له اعمل كده.
ما بدنا نرفه الشعب يا أستاذ محمد، يعني تتركه هيك! أنت متخيل إن الشعب ده قاعد من غير ترفيه؟ هو في شعوب قاعدة من غير ترفيه؟ مش كل شعب عنده وسائل ترفيه، عنده الحكواتي عنده حتى ملاهيه وعنده وسائل لترفيهه وفساده، أنت متخيل الشعب المسلم ده عايش ملائكة من غير خمر وزنا ومشاكل؟ إنه ما جاش حد يفسدهم فهم ما زالوا، لا، لكن كان في حقيقة إرادة لتحويل هذه البلد إلى قطعة من أوروبا، وهو يصرح بهدفه ذلك، فهذا الهدف هو يصرح به. فالمهم، أنت كنت عند سعيد وأنا قطعتك هون، يا أستاذ محمد عشان يكون معنا المشاهد، نحن كنا سألنا مجموعة من التساؤلات فأنت قاعد بتحكي لنا وتجاوب على سؤال إنه كيف أبناؤه، هو انهار المشروع في زمن محمد علي وبدأ ينهار أيضاً مع أبنائه وصولاً إلى الهيمنة والاحتلال.
كويس، احنا هذا اللي قاعدين بنعمله هلا، ووصلنا عند سعيد. أنا كنت رايح أخدها ملفات وموضوعات، فكنت بقول مثلاً أي مجال من مجالات الحياة صرت تجد إنه يساهم في إزاحة النظام الإسلامي والمجتمع الإسلامي وإدخال الغرب إليه، سواء تعليم أو قانون وتشريع أو سياسة وإدارة وهكذا. فبدأنا بالتعليم، فأقول إن التعليم شهد مرحلتين: مرحلة عند سعيد مش عايز تعليم لكن بيدعم النصارى، ومرحلة عند إسماعيل عايز تعليم، بس التعليم الذي يريده هو تعليم غربي، لدرجة إن المدارس التي فيه لا بتدرس دين ولا يهمها أخلاق، وفي الآخر هدفها إنها تخرج موظفين. كل ده بيعمل إيه؟ بيخلي الحركة الاجتماعية بتاعة الناس تسيب الأزهر والنظام التعليمي القديم وتروح داخلة في المدارس التي ترعاها الدولة.
في مدرسة بترعاها الدولة، اللي بيطلع منها بيبقى موظف في جهاز الدولة، عنده أمان مالي قاعد مش خايف من التقلبات، عنده مرتب، وفي الآخر بيبقى جزء من نخبة المستقبل، نخبة الدولة. تمام، عارف أنت دلوقتي يعني زي إيه مثلاً؟ لما الناس تشوف الأطباء والمهندسين والصيادلة عندهم فلوس كتير، ساعتها بتبقى كليات الطب والصيدلة والهندسة دي كليات القمة، كل الناس عايزة أولادها يروحوا فين. طيب لما يجي جيل بعد كده ويشوف إن الناس اللي عندها فلوس كتير هم لاعيبة الكورة والفنانين، فيروح يحصل انحياز اجتماعي كده ناحية استكشاف مواهب الولد، البنت دي بتغني حلو، البنت دي بترقص حلو، الولد ده بيغني كويس، فنروح ندخله في الكورة ونروح ندخله في الغناء؛ لأنه خلاص النخبة الجديدة هي نخبة هذه. دلوقتي مثلاً عندك نخبة المؤثرين الاجتماعيين أو نخبة المؤثرين على الإنترنت، فبتلاقي الناس كلها فاتحة بث مباشر وبتحاول تجيب لايكات وهكذا.
إذاً التعليم بدأ يدخل التعليم الأجنبي يزاحم التعليم الإسلامي، تعليم علماني، تعليم يستهدف خروج موظفين، تعليم متأثر بالغرب ومبتعد عن القيم الإسلامية؛ ده التعليم. تعالى أدخل مثلاً على القانون مثلاً، هتلاقي من أيام محمد علي وبدأ إقصاء الشريعة وإنشاء مجالس، مثلاً مجالس التجار ويبقى فيها مصريين وفيها أجانب للفصل في القضايا التجارية، راح بقى القضاء الشرعي أو القضاء الشرعي انحصر في الأمور التي تكون بين المسلمين. بعد شوية القضاء الشرعي سينحصر في الأمور غير الاقتصادية وغير التجارية، وبعد شوية سينحصر في الأحوال الشخصية: جواز، طلاق، ميراث، وبعد شوية هيجي عبد الناصر يلغي القضاء الشرعي كله؛ البداية كانت من هنا.
طيب يا ترى هذا الكلام تم، كيف تم؟ ستجد مثلاً حصل عندك في أيام إسماعيل حاجة غريبة جداً، حاجة اسمها المحاكم القنصلية. يعني إيه محاكم قنصلية؟ يعني الأستاذ مراد مثلاً جاي من اليونان وأنا راجل مصري، أي مشكلة حصلت بينا نروح أنا وهو للقنصلية اليونانية وهناك تكون المحكمة، مش للقضاء المصري، أي حد مشكلته مع حد أجنبي يروح فين؟ يروح للمحاكم القنصلية. طيب المحاكم القنصلية غالباً ما كانت بتحكم لمين؟ لصاحبها طبعاً. أنت يا مصري مش عاجبك الاستئناف بتاع هذا القرار تروح إن شاء الله على البلد نفسها، تروح أثينا لو أنت متخانق مع فرنسي، تروح باريس لو متخانق مع إنجليزي تروح لندن.
يا الله! إلى هذا الحد؟ إلى هذا الحد. طيب كان إيه اللي بيحصل؟ يعني مسألة القانون والقضاء دي مسألة هائلة أصلاً، عايز أقول لك كان ساعتها في ذلك الزمن أي حد مش لاقي شغلانة، أي حد مطرود من وظيفة، أي حد فقير، أي حد أوروبي بيتعلق في مركب هجرة غير شرعية كده عشان يوصل مصر، لأنه لو وصل مصر انفتحت له أبواب الحياة؛ لأن مصر فيها النظام اللي بيخليه سيد على المصريين. تمام، يعني أنا هتخيل معاك قصة تكررت كثيراً، القصة دي بتقول إيه؟ واحد يوناني، مالطي، إنجليزي، أي حد نزل معهوش فلوس يروح ضارب خناقة مع أي واحد مصري، فين المحكمة؟ في القنصلية بتاعته، المحكمة بتاعته هتحكم له. أدي أول صفقة خدناها، دي أول صفقة خلاص، أنت كده بقى معاك فلوس!
وإلى هذا الحد، الأجنبي في ذلك الزمن كان يستطيع أن يقاضي حتى الخديوي نفسه. هذا من باب تقديس الأجانب يعني؟ فعلاً حصل ما يشبه تقديس الأجانب فعلاً، من أيام محمد علي لدرجة أنا كنت قلت لك الحلقة اللي فاتت عن راجل رحالة اسمه ريتشارد بيرتون، الراجل ده كان بيقول إيه؟ بيقول أنت لو دخلت قسم الشرطة في مصر ففي عندك ثلاث مستويات: لو أنت أجنبي إنجليزي فرنسي مش عارف إيه ما حدش يقدر يمسك بسوء، لو أنت هندي وفارسي وحتة بعيدة كده فغالباً ما هتبقى موجود في حماية حد من الأجانب فبرضه ما حدش هيمسك بسوء بس مش زي الأولاني، أما المصري فهو ده اللي لازم هيتظلم وهيضرب في قسم الشرطة؛ ولذلك بيقول لك في تقليد في الشرطة اسمه "القفا"، حتى كاتبها بالإنجليزية (KIFA) والله كاتبها بالإنجليزية كده. ما فيش حد بيدخل قسم الشرطة من غير ما يضرب القفا ده.
لما تقرأ أحوال مصر في ذلك الزمن، أحوال يعني عهد في غاية السواد، وشيء مهما أنا اتكلمت فيه ما حدش هيتخيله إلا إنه يرجع ويقرأه، وما حدش هيتخيله؛ ما هي التفاصيل يا أستاذ محمد مهمة جداً هي اللي بتوضح لنا ماذا كان، مش العناوين الكبيرة. بالظبط، أنت المشهد العام مشهد إن البلد بيحصل فيها مباني، فمثلاً عباس حلمي الثاني اللي كتب مذكراته اسمها "عهدي" بيتكلم عن جده إسماعيل، بيقول إيه؟ بيقول إن من مزايا جدي طبعاً إنه فتح الباب للأجانب فدخل إلى مصر في عهده 100 ألف أجنبي، وذكر إن الأجانب دول كانوا متميزين بالشراهة.
من الأمور التي تكررت، زي ما قلت لك كده، واحد يوناني شحات ولا مالطي شحات ينزل قرية في مصر ويفتح هناك خمارة، وممكن يستخدم ويستعين ببنت، طبعاً بنته دي بتبقى بنت أوروبية ما عندهاش التحفظ بتاع المصريات، فاللي عايز يشرب يتفضل أهلاً وسهلاً، اللي عايز فوق السكر بكر برضه ممكن، كل واحد وحسب أخلاقياته. معاك فلوس يا حبيبي؟ مش معاك فلوس؟ طيب خلاص بسجل عليك في النوتة بس أنا أخدت منك قرش هتدفعه لي بعد شهر قرش ونص، ربا ربا. في ذلك الوقت بالنسبة للمصريين كانت الضرائب هائلة؛ عهد الخديوي إسماعيل ده ضرائب على كل حاجة، وممكن نرجع للكلام ده في تفصيله في مذكرات واحد زي عرابي مثلاً، مذكرات عرابي منشورة في ثلاث مجلدات يصف فيها الضرائب كانت على إيه، على كل حاجة، إزاي.
طبعاً الضرائب دي مش مفروضة على الراجل صاحب الحانة ده ولا الراجل اليوناني، الراجل الفلاح جاءته ضريبة غير قادر على أدائها، يروح الراجل اليوناني مدي له فلوس بالربا، مدي له فلوس بالربا، ثم تأتي اللحظة التي لا يستطيع فيها الفلاح السداد فيبيع أرضه لليوناني اللي هو كان جاي شحات وما فتحش غير خمارة. بعد كم من السنين بقى 10، 20، 30، بيبقى اليوناني ده صاحب آلاف الأفدنة وأصحابها الأصليون صاروا عبيداً عنده، شغالين عنده! هذا نمط تكرر مش مرة ولا اثنين ولا ثلاثة؛ ولذلك كان ينزل الجنود مع الذي يجبي الضرائب ومعاهم أصحاب الربا، يعني الثلاثة دول نازلين في نفس الوقت. الراجل بتاع الضرائب ده وهو نازل البلد نازل معاه جنود، اللي هيدفع خير وبركة، واللي مش هيدفع غالباً هيتضرب، واللي مش عايز يتضرب يستلف من الربوي ده، فيقرضه بالربا، كلها كم شهر كم سنة وصاحب الربا ده يروح مستولي على الأرض.
هذا هو المشهد اللي كنا نشوفه بالمسلسلات، الخواجات والمش عارف إيه، هذا منه طبعاً؛ لأنه ده كان أثراً اجتماعياً هائلاً. الثروة المصرية انزاحت من يد المصريين إلى يد الأجانب بهذه الطريقة. أنت عندك نظام.
هذا قانون يخلي حصول الأجنبي على الثروة سهلاً جداً، ويخلي خروج المصري عن أرضه سهلاً جداً أيضاً. عندك ضرائب وعندك قسوة هائلة في انتزاعها، فخلاص يسلمهم إلى المرابين. هذا هو القانون وهذا هو التشريع، أن عندك محاكم قنصلية، وما عندكش حتى سيادة قانونية.
لما حبوا يحسنوا هذا الموقف راحوا عملوا حاجة اسمها المحاكم المختلطة؛ يعني محاكم فيها مصريون وفيها أجانب. شكلها هكذا تحسين، لكن في حقيقتها المصري الذي دخل المحكمة مالهوش لازمة؛ قاعد كاتب بس. وفي الآخر المحكمة المختلطة الصوت النافذ فيها للقضاة الأجانب. أنا أدخل على المحكمة فألاقي قضاة من مصر وقضاة من الأجانب، قاضي مصري واثنان أو ثلاثة أجانب. وهذا صار لأننا كنا اعترضنا على فكرة أن القنصلية هي التي تحاكم؛ بدلاً من أننا رايحون للقنصلية نفسها، فيك الخصام وأنت الخصم والحكم. فعملوا لنا شكلاً خلاص، بقيت محاكم مختلطة ليست تبع المحاكم القنصلية، شكلها هكذا لكن في حقيقتها أيضاً أجنبية.
بالنسبة لجانب القانون، البلد صارت دجاجة تبيض ذهباً للأجانب. طيب، عايز تمسك الأحوال المالية مثلاً؛ نحن قلنا إن محمد علي كسر المجتمع الإسلامي وأخذ كل الفلوس والموارد، بما في ذلك الأوقاف، وخلاها ملكه هو. الأموال هذه راحت فين؟ أنفقها هؤلاء المبذرون على شهواتهم. أتكلم عن الحكام والطبقة التابعة لهم، وهنا يا أبا الحارث تسمع أساطير كأنك في ألف ليلة وليلة في مشاهد التبذير والإنفاق والإسراف. هنا تلاقي البلد ولدت قصوراً، كل شوية تسمع عن قصر جديد بني.
كل قصر طبعاً من الذي يبنيه؟ الأجانب، المهندسون الأجانب. ومن الذي يزخرفه ويزينه؟ الفنانون الأجانب. ومن الذي يتم التعهد معه على الإشراف والبناء؟ أيضاً الأجانب. فأنت عندك قدر هائل، تشبه كلمة "أنا بنيت قصوراً وسأبني قصوراً، أنا أعمل بلداً جديداً"، هذا كان يقال بهذا المنطق بالضبط، والبلد غارقة في الديون والشعب غارق في الأكواخ. الشعب المصري في ذلك الوقت كان في غاية السوء والبؤس.
تسمع أساطير ألف ليلة وليلة، منها مثلاً -والكلام الذي سأقوله كتبه في مذكراته أحمد شفيق باشا؛ كان موظفاً في الديوان الخديوي، يعني واحد يرى بعينه وواحد تبعهم- ففي مذكراته يقول: إسماعيل هذا كان يده تكره المال، وكأنه يشعر أنه إذا مس المال فإنه يقبض على جمر، فلذلك كان أسرع ما يكون إنفاقاً له.
الحكاية التي أقول لك عليها: إسماعيل راح فرنسا، أعجبه قصر من القصور الذي بناه واحد من البارونات، واحد من البارونات عمل لنفسه تحفة، فأعجبت إسماعيل جداً وراح يزوره، قال له: القصر هذا بكم؟ فالبارون عرف أن الرجل مسرف ويحب الامتلاك ومخه تعبان، فراح ضرب له مبلغاً في السما حتى لا يفكر في شرائه، قال له: هذا القصر أنا أنفقت عليه مبلغاً هائلاً، أضعاف أضعاف ثمنه الحقيقي. قال له: طيب أنا سأشتريه منك. فأسقط في يده، لن يعرف طبعاً كيف يبوظ علاقته مع خديوي مصر، فقال له: ماشي، لا يغلى عليك، وبالثمن هذا خلاص. هات يا ابني الكاتب، هات يا ابني البتاع ده. مين البائع؟ مسيو فرانسوا، الراجل الفرنسي. مين المشتري؟ قال له: المشتري المدموزيل فلانة، ابنة المسيو فلان.
هو كان يريد شراء هدية للبنت، ليس له! فالرجل كسب ثمن قصره أضعافاً دون أن يتنازل عنه، انتقل من ملكيته لملكية ابنه؛ لأن إسماعيل حابب يبقى رجلاً "شيك" أو رقيقاً. إسماعيل هذا الذي له قصر بإسطنبول، هو القصر الذي فيه القنصلية المصرية الآن، نزل فيه كان قصره الذي على البحر فوق.
إسماعيل كان حياته قصوراً وخموراً ورفاهية ونزهة، وكما يقول الرافعي: هو الذي ابتدع بدعة الاصطياف في أوروبا، هذا أول واحد تطلع في دماغه أن الصيف نقضيه في أوروبا، وطبعاً هذا ألقى بظلاله على الطبقة المحيطة به. والطبقة المحيطة هذه بيطلع فيها الشباب التافه الذي يرجع يفرط في أرضه وثرواته للمرابين؛ ما هو لا ينفع أن أكون ابن الباشا فلان ولا أذهب لأوروبا كل صيف، هذه تصبح عادة اجتماعية. في مذكرات الأميرة جُيدان، التي كانت زوجة عباس حلمي لفترة بسيطة، كانت تحكي عن أفراح الطبقة العليا في مصر، الناس ترمي ذهب على الراقصات، والنساء يرمين ذهب على الراقصات. سرير الدخلة سرير معمول من العاج المطرز بالأحجار الكريمة، ياقوت وزمرد. هذا للإسراف في مشاهد الأفراح الموجود عند الطبقة العليا بالمجتمع.
عندما تتكلم عن المالية، تلاقي المالية المصرية منهوبة من الفلاحين أكيد، لا أحد جابه من بيت أبوه ولا حوش من مصروفه، أنت تتكلم عن أمور مفروضة بالضرائب. وطبعاً هذا الكلام فيه أهوال، فيه أهوال كيف جُمعت الضرائب، والناس كيف كانت تُضرب بالكرباج، وكيف كانت تبيع حتى أولادها أحياناً، وكيف كانت تفر من القرى.
نحن في محور الاستعمار، والاستعمار الناعم، الذين يتحكمون الآن في المجتمع هل هم فرنسيون أم الإنجليز دخلوا الآن؟ هي كتلة، عندنا تشكيلة، كلمة الأوربيين تعني إنجليز وفرنسيين، أغلبية فرنسية ثم إنجليزية، وبعدين تشكيلة أخرى من أمريكان وألمان وسويد ودانمارك وبلجيكا وطبعاً إيطاليون. وهؤلاء في مجموعهم صاروا متغلغلين في المجتمع، ليس فقط في التجارة والأراضي، بل متغلغلون حتى في مناصب الدولة الرسمية.
في عهد إسماعيل كان قادة الهيئات المهمة أجانب؛ قائد مصلحة البريد أجنبي، الذي يمسك السكك الحديدية أجنبي، الذي يمسك المساحة أجنبي، مدير مديرية الاستواء أجنبي، والي مصوع اللي هي إريتريا حالياً كان رجلاً إنجليزياً جنرال اسمه منزنجر، وقادة الفرق في الجيش إنجليز وفرنسيون. عندك عدد من الهيئات وتختم بأنه يوجد وزراء أجانب.
بالنسبة لمصر، هل نحن حتى هذه اللحظة ولاية عثمانية، لنا علاقة بالباب العالي؟ نحن قلنا إن محمد علي أخذ فرماناً أن الحكم فيه له ولأولاده، لكن على شرط ألا يقترض من الخارج بدون إذن السلطنة العثمانية، وألا يعمل علاقات تتناقض معها. من بعده أبناؤه حاولوا أن يفكوا هذه القيود، فوصلنا لذروتها عند إسماعيل. إسماعيل لكي يحصل على لقب "الخديوي" -وهي حاجة ترفعه فوق أن يكون والياً- ولكي يكون لديه الحرية أن يقترض من المصارف الأجنبية بدون العودة للدولة العثمانية، ولكي يجعل الوراثة في نسله؛ أنفق في سبيل ذلك ملايين الجنيهات رشاوى ودعاية على ثلاث جهات: السلطان العثماني عبد العزيز، وحاشية السلطان، والصحافة الأوروبية لتضغط على السلطان. ومن ضمن ذلك رفع المبلغ الذي تدفعه مصر للدولة العثمانية من 80 ألف كيس إلى 150 ألف كيس سنوياً.
هذا الثمن الذي دفعه ليأخذ لقب الخديوي وليجعل الوراثة في أبنائه وليصبح عنده حرية الاقتراض. بدأ الاقتراض في السلطة المصرية عند سعيد، وسعيد ما كان عنده أي داعٍ للاقتراض، ومع ذلك بدأ يقترض من المصارف الأجنبية حتى مات والديون على مصر 11 مليون جنيه سنة 1863. ثم إسماعيل بعد 13 سنة مات، أو خُلع من الحكم، والديون على مصر أكثر من 90 مليون جنيه، ونحن نشتري القصور ونعطيها للمدموزيل.
بالنسبة لقرار حفر قناة السويس، هذا ملف آخر كبير. لما تبقى شايف الدولة يتولى مناصبها النافذة الأجانب، وتوجد مظاهر حضارية مثل سكك حديد وطرق برية، كل هذا شكله كويس، لكنه لم يكن لمصلحة المصريين. كل الطرق التي اتعملت كانت للمحاصيل الزراعية، بدلاً من أخذها على ظهور الخيل والحمير والبغال، تنقل بعربات السكك الحديدية من المصدر إلى الميناء مباشرة بأقل تكلفة، لتنقل بالسفن إلى مصانع النسيج الموجودة في إنجلترا بأقل تكلفة تقع على الأجانب. كل الحالة الاقتصادية في خدمة الأجانب، لا أحد منتفع بها تقريباً. فبالتالي البلد كانت دجاجة تبيض ذهباً للأجانب.
عندما تقرأ هذه التفاصيل فعلاً يرتفع الضغط وتدعو عليهم؛ لأن هؤلاء دمروا البلد ودمروا الناس. أول واحد أعرفه في التاريخ ربط الناس في مدفع وقذفهم هو فاضل باشا في عهد الخديوي إسماعيل، كان في ثورة في قرية في أسيوط عندنا في الصعيد.
قاو الكبرى قرية اسمها قاو. الثورة دي إيه اللي حصل؟ سببها بسيط، واحد مسيحي اشترى جارية مسلمة، وده بالأصل لا يجوز شرعًا، لكن ليكن؛ اشتراها كأنه اشترى خادمة، فهو أرادها لنفسه فامتنعت عليه. راحت هربت ولجأت إلى الشيخ اللي اسمه أحمد الطيب. راح الشيخ أحمد الطيب قال له: أنت سيبك منها وخذ ثمنها الذي اشتريتها به. قال له: لا، أنا عايزها هي برضه، فامتنعوا عن تسليمها له. حصلت مشكلة، والمشكلة دي تطورت إلى أن مركبًا يونانيًا معديًا في النيل أصابه شيء من هذا الاضطراب، مات فيه يوناني وأصيب واحد ثاني. حصل إيه بقى؟ جيش يخرج من القاهرة وجيش يرجع من السودان، وتم إبادة الثلاث قرى التي انحازت إلى أحمد الطيب.
يا الله، إبادة وحرق وقتل ونساء وأطفال وتقطيع بالفؤوس. بيربط اللي بيمسكه على مدفع ويفجر به المدفع فتتناثر أشلاؤه. الكلام ده احنا ما عرفناهوش إلا من رحالة أجانب تصادف وجودهم في ذلك الوقت، روت بعض هذه التفاصيل طبيبة أو كاتبة إنجليزية كانت مصابة بمرض السل، فقالوا لها: أنتِ جو بريطانيا وفرنسا مش هينفع معاكي، روحي صعيد مصر الجو هناك جاف. فهي كان عندها يوميات بتسجلها، وبعدين تُرجم ونشر كتاب اسمه رسائل من مصر، والكاتبة اسمها لوسي داف جوردون؛ هي التي كتبت بعض هذه التفاصيل.
أنت وأنت بتطلع على عموم الناس كيف كانت حياتهم بائسة، وكيف أن هي امرأة أجنبية، وهي على فكرة لا صاحبة سلطة ولا غيره، بس هي علشان أجنبية كانت تملك أن تفعل ما تشاء. هي على فكرة شخصية طيبة وحلوة، وأحبت الناس في الصعيد وكتبت عنهم بشكل كويس، وكتبت حتى عن الدين بشكل كويس، لكن هي أجنبية فكان كل الناس يخافوها. مثلاً جاءت السلطة تأخذ خادمها للتجنيد الإجباري، وهي عايزاه، فخادمها ده متصل بالقنصل الفرنسي، القنصل الفرنسي قال لهم: طلعوه، فطلعوه مباشرة.
رجل بيذبح في الناس وهي معدية بمركب قالوا لها: تعالي شوفي الراجل ده بيعمل فينا إيه؟ قالت: ولما برزت له فراوغني وهرب مني، ويخشى أن أكتب عنه شيئًا. الوالي أو الضابط اللي ما عندوش إشكال يذبح المصريين ذبح، كان خايف أن الأجنبية تشوفه وتكتب عنه، فينزل عليه سخط الخديوي. في حالات بشعة لدرجة أنها قالت في كتابها ده، أو أستطيع أن أقول إنه في كتابها ده ترصد البذور الأولى للكراهية بين المصريين والأتراك. وقالت إن أنا سمعت بعض العربان بيقولوا: يا ريت الإنجليز ييجوا يحتلونا. وبيقولوا برضه إن الأتراك دول محتلين، ودي كانت أول مرة تظهر هذه الكراهية بين الناس؛ طول عمر الناس مش شايفة التركي محتل. هنا مع الضغط الهائل في زمن الخديوي إسماعيل والاستبداد الهائل ده، بدأت تظهر هذه الفكرة، وبدأت تظهر فكرة «مصر للمصريين» التي أُلصقت فيما بعد بالثورة العرابية زورًا، لكن لا أنكر أنه كان ضمن الثورة العرابية من يريد «مصر للمصريين» مقابلةً بالأجانب اللي بقوا إنجليز وفرنسيين وشركس وترك.
هنا لأول مرة بيحصل ده بطبيعة القهر الذي حصل زمن الخديوي إسماعيل، وده حاجة مش هينفع حتى نتكلم فيها لكثرة ما فيها من التفاصيل، لكن طبعًا الكتب الموجودة والمترجمة في ذلك كثيرة لمن يبحث عنها، وإلا فالرواية الرسمية بتهيّأ لك أن إسماعيل ده كان صانع نهضة في مصر. نيجي لموضوع قناة السويس؛ المؤرخ الوطني المصري عبد الرحمن الرافعي، وأنا بقول لك وطني ومصري، هو حتى يُسمى عند المؤرخين المصريين زعيم المدرسة الوطنية في كتابه التاريخ، الراجل ده لو لقى في الإنجاز ١٠٪ إنجاز يروح يكتبه على أساس أنه ٧٠٪. أنا على فكرة ما بقولش إنه وحش، أنا بقول إنه كان وطنيًا بمفهوم القرن التاسع عشر؛ يعني أنا مصري وأبويا مصري ودمي مصري وفرعوني، التركيبة دي. ولذلك هو أخذ على عاتقه أن يكتب؛ ومع ذلك عنده من وقار القانون ووقار المؤرخ ما منعه أن يكون مطبلاً كما يحدث لكثير من غير المحترمين. المؤرخ الوطني القومي ده بيقول إن سعيد ارتكب خطيئتين في عهده، ما قالش التنصير وما قالش دعم المدارس الأجنبية مع أنه كتب الكلام ده، قال: حفر قناة السويس والديون، إنه ابتدأ الديون. المؤرخ الوطني القومي شايف أن حفر قناة السويس إحدى الخطايا التي ارتكبها سعيد، وبيقول إنه لو قُدر والقناة دي رجعت لمصر في يوم من الأيام فينبغي ألا ننسى ما دفعته فيها مصر من الأموال ومن الدماء ومن ذهاب الاستقلال.
طبعًا لما بتكلم في موضوع القناة ناس كثير من الناس بتفاجأ بهذا الواقع، لكن برضه باختصار شديد؛ البحر الأحمر والبحر المتوسط طول عمرهم موجودين، مش حاجة جديدة، ففكرة فتح قناة بين البحرين موجودة من أيام الفراعنة، موجودة لأنه في بحر، فأي ملك هيفكر يفتح بدل ما يبقى له أسطول هنا وأسطول هنا هيفكر أنه يفتحهم مع بعض. ومع ذلك لم تقدم أي دولة حكمت مصر -دولة وطنية- على شق هذه القناة، البديل كانوا بيعملوا قناة تصل من البحر الأحمر إلى النيل، والنيل واصل بالبحر المتوسط. طيب إيه الفرق؟ الفرق كبير، التهديد العسكري لما هارون الرشيد فكر يفتح قناة السويس، ولما سليم الثاني فكر يفتح قناة السويس، ولما حتى لويس الرابع عشر الملك الفرنسي عرض على السلاطين العثمانيين أن يفتحوا قناة السويس؛ كل دول رفضوا، ورفضوا أيام ما كان البحر المتوسط والبحر الأحمر ده بتاعهم.
رفضوا وهم خايفين من التهديد، أنه يحصل أي اضطراب أو انهيار أو ضعف، فالأسطول الأوروبي الصليبي يروح داخل قناة السويس دي، ويروح داخل البحر الأحمر ويبقى بيهدد الحرمين. بتبقى أنت عامل قناة السويس دي بالنسبة للعالم الإسلامي زي ما يكون بيتك قاعد بين شارعين ورحت أنت فاتح البيت، فالشارعين دخلوا على بعض. فأول ما الشارعين يدخلوا على بعض، ناس كتير بدل ما تفكر تلف حوالين العالم الإسلامي أو حتى تيجي تستأذنك: هل ممكن تسمح لي بالعبور؟ ناس كتير تفكر تعمل إيه؟ تروح داخلة في الشارع على طول عنفًا أو سِلماً، وهو ده اللي حصل فعلياً. فبالتالي إيه الفرق؟ الفرق أنه لو فيه أسطول صليبي يفكر يدخل في الدلتا علشان يدخل على القناة التي تصل بين النيل وبين البحر المتوسط، هيدخل في عمق الكثافة البشرية وعمق الأرض التي هي أصلاً لا تصلح للملاحة الكبيرة وللأساطيل الكبيرة، فهيبقى مواجه بعوائق جغرافية ومواجه بكثافة شعبية. لكن لما تفتح بحرين على بعض في حتة صحراء، فأي أسطول قوي هيروح داخل مباشرة، فضلاً عن أنه هتبقى في مشكلة ثانية، مشكلة اقتصادية.
المشكلة العسكرية دي بتولد مشكلة سياسية، أن المكان ده يحوز أهمية كبرى بدل ما أنت بتلف حول كل قارة أفريقيا، تروح داخل في قناة السويس دي؛ دي مشكلة سياسية. وعلشان كده محمد علي لما عُرض عليه أنه ينفذ اللي ما عملهوش نابليون -إحنا قلنا إن نابليون كان من مشاريعه يفتح قناة السويس- لكن هم حسبوا أن البحر الأحمر فوق البحر المتوسط بس بأمتار فامتنعوا؛ مهندسين فرنسيين، أما أيام محمد علي قالوا له: لا، كان فيه غلط في الحساب، البحرين على مستوى واحد ونقدر نفتح. محمد علي قال: لا أريد أن أجعل في مصر بوسفورًا آخر؛ محمد علي كان رافض. محمد قال لك: هي مصر لوحدها كدة مطمع للقوى الأجنبية، لما أروح أنا عامل فيها قناة تخلي ليها أشد أهمية لكل المستعمرين، تربط بين الشرق والغرب.
هو مين اللي وافق على حفر قناة السويس؟ هو المغفل اللي اسمه سعيد. سعيد ده كان ربيب ديليسبس، يعني أبوه الروحي كان ديليسبس لدرجة أنه حتى خلاه هو يكتب العقد، وسعيد مضى عليه على عماياني كدة. وحتى بعض المؤرخين بيقول لك العقد ده لا يوقع عليه إلا مخمور، ما فيش حد؛ لأننا هنيجي لتفاصيل، بس دلوقتي خلينا في المبدأ. المبدأ أنه لما تفتح قناة أخرى في مصر، قناة تشق الأراضي المصرية نفسها وتربط بين الشرق والغرب، ده بيخلي الحالة في مصر أشد إغراءً وأشد أهمية للقوى الأجنبية، وأنت دلوقتي في لحظة ضعف مش في لحظة قوة. يعني البوسفور كان دائمًا حاضر عند العثمانيين في أي معارك، تلاقي مثلاً حصلت حرب، أحد اتفاقيات نتائجها حرية الملاحة في البوسفور، أو غلق البوسفور ضد الملاحة العسكرية.
في بقى أثر اقتصادي آخر، أنه دلوقتي مش كل الناس هتروح للإنجليز تلف حول قارة أفريقيا عن طريق رأس الرجاء الصالح، الناس اللي عايشة في إيطاليا والناس اللي عايشة في فرنسا والناس اللي عايشة في البلقان، دول أيهم أسهل؟ يروحوا هم يتاجروا مع المصريين ومع الشوام، ويشتروا من المصريين والشوام بضاعة الهند وفارس والشرق. نفس الكلام بالنسبة للهنود؛ بدل ما يروحوا بنفسهم على أوروبا، يروحوا يتاجروا مع المصريين، فلذلك كانت مصر والشام، وبالذات مصر، هي قلب التجارة العالمية. زي ما قلت لك كده، بيتك قاعد فيه في مفترق طريقين عالميين للتجارة، فبالتالي نشأت في مصر التجارة الوسيطة، ونشأت الخدمات التجارية، النقل، المواصلات، الخانات، الفنادق، التسهيلات؛ مركز تجاري عالمي، تجارة الشرق وتجارة الغرب جاية عندك. طب لما أنت تروح فاتح لهم قناة، بتقول لهم اتفضلوا اعبروا مهما خدت منهم من كارته -رسوم العبور- ورسوم العبور في الآخر رايحة على السلطة مباشرة، مش مستفيد منها الشعب، بينما حركة التجارة دي كلها كان مستفيد منها الشعب وضرائبها حتى أكبر بكثير بالنسبة للسلطة.
طيب هو سعيد إيه اللي دفعه أنه يوافق على إنشاء القناة؟ ماذا يريد؟ فعليًا هذا لغز من ألغاز التاريخ. لا، أنا اسمي دولة أنا ببني دولة لم تكتمل، وعندي ديون، وجتني فكرة استثمارية؛ لا، ما عندك ديون، ده هو استدان علشان يحفر القناة، كمان؛ أيوه، هو القناة هي التي أدت به إلى أن يستدين، وأعطى حق امتياز للفرنسيين. شوف أنا بقول لك بشكل عقلاني أنت مش هتعرف تفسر الموقف اللي حصل، فهو كان مغفل، وبعض المؤرخين قالوا فعلاً إنه كان مغفل وكان ساذج وما كانش بيفهم وكان يثق في الأجانب، أو كان عميل الله أعلم، لكن أنا أميل إلى أنه كان مغفل، كان مغفل لدرجة السفه والجنون؛ يعني مش واحد بيتغفل مرة ولا مرتين، لا عنده أزمة حقيقية، عنده مشكلة في الإدارة، عنده مشكلة في الدماغ والتفكير فوق الإدارة بصراحة.
لأنه وافق لديليسبس على حفر القناة، وده المبدأ وده الخطر الكبير. تعال يا عم الشيخ نكتب عقد التفاصيل؛ فإذا به يكتب عقد امتياز على هذا النحو يا أبا الحارث، عقد امتياز أن الشركة التي ستعمل قناة السويس هي شركة فرنسية، وتشاركها السلطة المصرية، خلاص؛ يعني الشركة الفرنسية هتنفذ والسلطة المصرية شريكة في هذا الموضوع. العقد لما تقرأه إذا بكل التكاليف ملقاة على عاتق المصريين؛ المصريين مكلفين يجيبوا ناس يشتغلوا بالسخرة، المصريين مكلفين بتوصيل المياه الحلوة العذبة للمناطق التي نحفر فيها، المصريين عليهم وعليهم وعليهم، والفرنسيين تقريبًا ما عليهم شيء. سخرة يعني يؤتى بالرجال يشتغلوا بالقهر وبالإجبار، نعم.
ولذلك القناة المصرية، سيق مليون مصري، مات منهم ١٢٠٠. ١٢٠٠ ماتوا في حفر القناة، انحفرت كيف؟ بالفؤوس، وانتشرت بينهم الأمراض، وكانوا يعاملون كالعبيد بالنسبة للشركة الفرنسية. وفي الآخر لما مات سعيد قبل أن تتم القناة، جاء إسماعيل وأحب يستخدم الناس الكثيرة التي عمالة تروح دي في زراعة القطن، علشان اليومين دول كان القطن فيه أسعاره مرتفعة لأن فيه حرب أهلية أمريكية منعت من تصدير القطن الأمريكي، فبقى فيه شح قطن في السوق، فاحنا عايزين نزرع قطن أكثر، فعايزين الناس دول يزرعوا قطن علشان نستفيد من هذا الارتفاع. راح إسماعيل سحب الأفراد، قال لهم: خلاص كدة أنتم كده كده أصلاً الأفراد خلصوا مهمتهم، وهتشتغلوا بقية الشغل بالآلات، راحت الشركة الفرنسية اعترضت واشتكت، وده مخالفة للعقد، ورفعت قضية وحكم فيها نابليون الثالث.
حكم فيها بأن الحكومة المصرية ملزمة بدفع تعويض للشركة الفرنسية 80 ألف فرنك أو 80 مليون فرنك، ولا أذكر الرقم بدقة، وهذا مبلغ ضخم على عمال لا يحتاجونهم، وعلى أراضٍ لم يعودوا بحاجة إليها. الدولة العثمانية والبريطانيون كانوا يراقبون المشهد، بل إن البريطانيين كانوا يأخذون مزايا بديلة عند كل مرحلة؛ فيأتون للخديوي سعيد ويقولون له: كيف تعطي هذا للفرنسيين؟ ثم يأخذون امتياز السكك الحديدية بين القاهرة والسويس، فصارت مصر مفرقة بين أيدي الأجانب.
البريطانيون تحديداً كانت لديهم الهند، ففتح القناة كان مخيفاً بالنسبة لهم. لقد أخذ البريطانيون مزايا من سعيد، ثم دخلوا على الخط مع إسماعيل وقالوا له: عليك ديون كثيرة، نحن سنشتري نصيبك في القناة، فباع لهم نصيبه بأربعة ملايين جنيه، فصارت الشركة فرنسية إنجليزية ومصر لا يد لها فيها.
كان العثمانيون على علم بأن القناة تُحفر، لكننا نتحدث عن فترة الستينيات من القرن التاسع عشر، وهي فترة كان فيها السلاطين، مثل عبد العزيز وعبد المجيد ومراد ثم عبد الحميد، يواجهون مشاكل أخرى جسيمة، كالثورة في اليونان وحرب القرم واحتلال الأفلاق والبغدان، فكان وضعهم لا يسمح لهم بالتدخل، فضلاً عن قوة النفوذ الأجنبي.
منذ حفر القناة صارت مصر مركز الشبكة الاستعمارية العالمية؛ لأنها الطريق الأقصر بين الشرق والغرب، وبين الهند وبريطانيا، فكان التركيز على تأمين القناة معضلة مستمرة منذ ذلك الوقت وحتى اللحظة التي أتحدث فيها معك، بل إن المسؤولين عن تأمين القناة إلى هذه اللحظة شركات إسرائيلية؛ فالمسألة ليست متروكة للمصريين. أي حرب أو مفاوضات في التاريخ المصري منذ ذلك الوقت حتى الآن، بند القناة حاضر فيها، بل هو البند الأهم؛ لأن القناة فصلت سيناء عن مصر، وصارت مصر تعاني من معضلة جغرافية هائلة.
لذلك، أول ما بدأ الاحتلال الإنجليزي لمصر فكر أحمد عرابي في ردم القناة؛ لأنه كان مرتباً كل أموره للتصدي للاحتلال القادم من الإسكندرية، وفعلاً استطاع الجيش المصري الهزيل أن يوقف الجيش البريطاني العظيم عند كفر الدوار ويهزمه. لكن من أين جاء الاحتلال؟ جاء من القوات التي جلبها البريطانيون من الهند عبر البحر الأحمر من الشرق، وهو الأمر الذي لم يتوقعه عرابي. حاول عرابي فعلاً ردم القناة، لكن ديلسيبس قال له: كيف؟ هذا يخالف القانون الدولي ولا يجوز؛ وبريطانيا لا يمكن أن تستخدم ممر العمل السلمي هذا للأغراض الحربية. وبعد أن دخلوا ونزلوا، أرسل له ديلسيبس رسالة يقول له فيها: أنا آسف، لقد خالف البريطانيون القانون الدولي واستخدموه للأغراض الحربية، وأنت الآن حر في أن تفعل ما تشاء؛ طبعاً كان ذلك بعد فوات الأوان. لذلك هُزم عرابي في الشرقية عند التل الكبير وهو يواجه القوات القادمة من الهند، لا التي جاءت من الإسكندرية.
ظلت بريطانيا متمسكة باحتلال مصر بحجة الدفاع عن القناة؛ لأن الجيش المصري لم يكن قادراً على الدفاع عنها. وتكرر الأمر في حرب 56، وحتى في حرب 73 كان كل إنجاز المصريين هو عبور القناة، ولا تزال حتى الآن معضلة كبيرة جداً. لماذا هذا غير معروف؟ ولماذا لا أحد يفهم أخطار وأضرار القناة؟ لأننا نعيش في أنظمة غير وطنية حقيقة، وهذا الكلام له تفاصيل كثيرة كتبت عنها، لكن لا يسعني التفصيل الآن.
سأجيب على سؤالك التخيلي: لو أنني أمسكت الحكم في مصر، هل أغلق القناة؟ وفقاً لشكل العالم اليوم، نعم، سأقول لك تمام. كان هناك رؤيتان لهذا الأمر؛ رؤية تقول: حيث إن القناة تمت وهي مهمة للتجارة العالمية، ونحن ضعفاء ولا نستطيع إغلاقها، فلنستفد منها أقصى استفادة ونقلل أضرارها. هذا الرأي يرى إنشاء مجمع خدمات نقل وتجارة واستثمار حول القناة، وهذا كان مشروع الرئيس مرسي رحمه الله لتطوير محور قناة السويس؛ بجلب شركات من كل الدنيا للقيام بأعمال النقل والصيانة والخدمة، بحيث تصبح دول كثيرة لها مصلحة في استمرار عمل القناة، فلا نكون أسرى لدولة واحدة، ويصبح تهديد القناة أمراً تتوجس منه دول كثيرة.
لكن حدث الانقلاب وجاء المشروع الثاني الذي يزيد من أضرار القناة، وهو مشروع عبد الفتاح السيسي بتوسيع التفريعات؛ فعملياً أصبح لدينا قناتان، وبذلك أصبحت مسألة عبور الجيش المصري إذا احتلت إسرائيل سيناء مستحيلة. لقد كان السادات يكتب في مذكراته أن القناة هي أصعب مانع مائي في التاريخ، والآن أصبح لديك مانعان! لا يمكن لحاكم وطني أن يسمح ببقاء هذا المانع المائي في مصر؛ وأؤكد لك أنني أستشرف المستقبل، ولا بد أن يأتي يوم ويُردم فيه هذا المانع. إسرائيل نفسها، وهي تطل على البحرين، لم تفكر أبداً في عمل مانع مائي يمثل إشكالاً جغرافياً لحركة جيوشها، بل تعمل خط سكة حديد فقط.
بخصوص سؤالك عن الشعب المصري؛ أولاً لأن التاريخ المصري في غالبه كُتب على نحو يجعل من دولة محمد علي وأبنائه مرحلة نهضة وتقدم، فكان المتضررون هم الذين قاوموا هذه الدولة، لذا لا تزال أخبار مقاومة المصريين غير مؤرخة بشكل جيد أو لائق. ومع ذلك، هناك دراسات بدأت تظهر تشير إلى انتفاضات كبرى ضد محمد علي بين عامي 1820 و1824. وتسمع عن تنظيمات داخل الجيش في عهود سعيد وإسماعيل وعباس حلمي الثاني، لكن كل هذا لا يزال مدفوناً تحت عناوين مثل التمرد أو اللصوصية أو قطاع الطرق أو الخوارج بمصطلحات ذلك الزمان.
أهم حركة مقاومة هي التي نبتت في الجيش ووجدت احتضاناً من الناس، وهي حركة أحمد عرابي. بدأت الحركة كتمرد عسكري على سلطة الدولة التي يتحكم فيها الأجانب، خاصة أن عرابي ظل 19 سنة لا يترقى لأن الخديوي إسماعيل رفض ترقية المصريين، وسلط عليهم الشراكسة والأتراك. ومن قادة هذه المقاومة كان محمود سامي البارودي، وهو شركسي الأصل. هذه الحركة سرعان ما تلقفتها حالة شعبية عامة نشأت في المساحة المدنية، وهنا يشار إلى جمال الدين الأفغاني الذي كان يدعو للإصلاح والثورة، وكان سحره يطغى على الجميع، وانضم إلى هذه الحركة مشايخ الأزهر وعلى رأسهم الشيخ محمد عليش رحمه الله.
هذه الحركة هي التي زلزلت أسرة محمد علي لأول مرة، وكان لها تمظهرات في الاعتداء على رئيس الوزراء وطرد الوزير الأجنبي، ثم مظاهرة عرابي الشهيرة التي أراد فيها إثبات حال الحرية والبرلمان وزيادة عدد الجيش. هذا الارتباك الذي حدث جعل هناك اتفاقاً على القاعدة المتكررة، وهي التضحية برأس النظام للحفاظ على النظام نفسه؛ فعُزل الخديوي إسماعيل.
من عزله؟ اتفقت مصالح ثلاثة أطراف: الطرف الأول هو الثورة التي تريد عزله، والطرف الثاني هو السلطان العثماني عبد الحميد، الذي كان لديه نزعة إسلامية لاستعادة مصر من النفوذ الأجنبي، والطرف الثالث هو الأقوى، وهم الإنجليز والفرنسيون الذين رأوا أن إسماعيل صار مبغوضاً لدرجة أن استمراره سيؤدي لانفلات البلد. فجاء الخديوي توفيق بمهمة احتواء وامتصاص الثورة والانقلاب عليها. ولما حصل هذا، ولم يكن أمام الإنجليز إلا التدخل بجيوشهم لتثبيت حكم أسرة محمد علي وإخماد الثورة العرابية، كانت هذه هي اللحظة الأولى التي تجد فيها التدخل العسكري المباشر.
تجد فيها اتحاداً ظاهراً وبيناً بين الاحتلال وبين الحكم الوطني.
أحمد عرابي في العقل الجمعي المصري، هل هو بطل، أم خائن، أم متمرد؟ ممتاز، أحمد عرابي ظل مشتوماً ومنبوذاً ومبغوضاً سبعين سنة. لأنه حُمّل السبب في أنه جاء بالاحتلال الإنجليزي، ذلك الإنسان الأحمق المتهور المندفع الذي لم يعمل حساباً للإنجليز، ولم يعمل حساباً للسياسة العالمية، وبالتالي لو كان قعد ساكتاً لكنا قعدنا حلوين تمام.
هي تلك اللحظة الفارقة بالضبط، الدفاع عن سلطة الخديوي، إلى أن حصل انقلاب يوليو 1952. فانقلاب يوليو 1952 كان انقلاباً على أسرة محمد علي، أو ثورة عليها، وخلعاً لها؛ فعندئذ بدأت تعتدل كتابة التاريخ، وبدأ يشار إلى عرابي باعتباره بطل ثائر على أسرة محمد علي، وباعتبار أن هذه الأسرة هي التي جاءت بالاحتلال الإنجليزي، وهي التي لجأت إليهم، وأن الاحتلال أصلاً إنما جاء لكي يسند هذه الأسرة ويدعمها.
فهنا بدأ يكتب عن عرابي بصورة مغايرة. صحيح أيام الملكية خرجت بعض الكتب، مثل كتاب محمود الخفيف وكتاب الرافعي، لكن القيمة والتقدير عاد إلى عرابي بعد 1952 كجزء من استعمال السياسة للتاريخ ضمن أغراضها السياسية. لكن بغير شك، استقرت الرواية الآن على أن أحمد عرابي بطل، وبطل كبير، وهو كذلك؛ فأنت في الآخر ترى أن البطل يأخذ صفة البطولة من أعماله حتى ولو أخفق. مسألة النجاح والإخفاق هذه حساب وتدبير آخر، ونبحث في أسباب إخفاق عرابي والمشاكل التي كانت عنده، لكن هذا لا يخدش من أنه هو ومحمود سامي البارودي والناس الذين كانوا معه كانوا أبطالاً حتى وإن لم يبلغوا مقصودهم.
فظل عرابي مشتوماً حتى على ألسنة الوطنيين بهذا المعنى إلى أن زالت. وبالمناسبة، كل واحد يُسمى إرهابياً في زمن يرجع يبقى بطلاً في زمن آخر، فاكر أنت عمر المختار لما قيل عنه القبض على العاصي عمر المختار، ونفس الكلام كتب عن القبض على العاصي عرابي، ثم يتحول إلى بطل في الآخر.
نحن هنا ندخل في الاحتلال الإنجليزي، وهذا يمكن أن نناقشه في محور التاريخ المعاصر إن شاء الله. طبعاً الاحتلال الإنجليزي قاومه المصريون في الأخير. ونحن الآن انتقلنا من الاحتلال الناعم غير المباشر إلى الاحتلال المباشر.
يعتبر أن لحظة الاحتلال الإنجليزي هي اللحظة الفاصلة التي سنرى بعدها ما حدث. نحن الآن في سنة 1882، وهناك انتهى ما يسمى بالاحتلال الناعم. هو هذا الاحتلال الناعم له علاقة فقط بمصر، أم كان هناك احتلالات ناعمة أخرى؟ كان هناك احتلالات ناعمة أخرى طبعاً، بس هذا التبدي الذي كان في مصر ليس له مثيل. حصل احتلال اقتصادي واحتلال ناعم ومدارس في الهند، مهد للاحتلال الإنجليزي للهند المباشر سنة 1858.
وحصل بشكل أقل من ذلك بكثير في الدولة العثمانية، تسربت المؤسسات التغريبية ووسائل التعليم والقوانين وإصدارات الجلخانة والخط الهمايوني وغيره، بس كل ذلك يقوم به سلاطين عثمانيون لا تقدر أن تتهمهم في انتمائهم للعالم الإسلامي.
بما أننا سنتوقف عند الاحتلال الناعم وبداية حقبة الاحتلال الخشن للإنجليز لمصر، كيف كان شكل الجغرافيا الإسلامية في ذلك الوقت من حيث الاحتلالات؟ وما الذي سقط عنا، وما الذي لا يزال على قيد الحياة، وما الذي تحت حكمنا؟
الهند كانت سقطت خلاص وقام فيها الرجل البريطاني سنة 1858، ونحن الآن في مرحلة محمد علي التي تمتد من 1805 إلى 1882، فسقوط الهند كان في عهد الخديوي سعيد. وانتهى الحكم الإسلامي في الهند، وصار لدينا احتلال جديد. ونضيفه إلى الاحتلالات الموجودة، طبعاً بعد ذلك سنة 1881 احتلت تونس، وقبلها سنة 1878 استولى البريطانيون على قبرص لأنهم اعتبروا ذلك جزءاً من مقابل دعمهم للدولة العثمانية هم والفرنسيين ضد الروس في حرب القرم.
فأنت عندك سنة 1878 أيضاً راحت قبرص. طبعاً هناك انكفاء في حالة الإسبان والبرتغال، لكن هناك تمدد حاصل في أفريقيا وآسيا، وأنت الآن داخل على مرحلة احتلال قلب العالم الإسلامي، وهي أخطر ما يمكن أن يكون، التي تمتد من 1830 مثلاً باحتلال الجزائر، وتنتهي 1914 بإسقاط الدولة العثمانية والاستيلاء على كل الأرض الإسلامية؛ الشام والعراق والجزيرة العربية.
طول ما أنت تحكي أنا أتخيل وأقول في نفسي: كيف جاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلق النموذج الذي يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؟ يخلق نموذج العزة لهذا الإنسان الذي يحفظ له كرامته، ثم يأتي نموذج آخر يشتري قصراً للمزمزيل. أنا لست فاهماً، نحن دائماً نقارن بالنموذج الإسلامي، والنموذج الإسلامي يصنع منك بني آدم، فأنت لماذا مصرّ أن تظل تحت الهيمنة والسيطرة؟ ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]، ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139]. لو كان التقرب إلى الغرب ينقذ أحداً، لكان واحداً مثل الخديوي إسماعيل ظل إلى نهاية حياته معززاً مكرماً متوجاً، ولكن سبحان الله، كثير من الشواهد تخبرنا بنهاية العملاء ونهاية الذين كانوا يسارعون في الغرب، قضوا مخلوعين ومقتولين ومنقلباً عليهم.
جزاك الله خيراً، وسنلتقي في الحلقة القادمة مع السؤال 87. أما أنتم إخواني أينما كنتم، أشكركم من الأعماق، وأتمنى أن نكون وفقنا في هذه الحلقة بمعلومات مفيدة وجيدة تفتح أفقاً لتغيير واقع مؤلم نعيشه جميعاً. لا تنسوا أن تشاركوا هذه الحلقة مع أحبابكم وأصحابكم أينما كانوا حتى يعم الخير على الجميع، وإلى أن نلتقي في الحلقة القادمة دمتم في رعاية الله.
محمد إلهامي