دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 56. أين كانت الدولة العثمانية لما احتل قلب العالم الإسلامي؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلطان عبد الحميد كان داعماً تماماً لعرابي ولحركة عرابي، وقدم السلطان عبد الحميد على أنه خائن، وقدم أحمد عرابي على أنه بطل، وكليهما الزمن الذي جاء بعدهما زمن لا يحبهما. أنت مخيط تخييط للملف، وكيف يمكن أن يجمع البحر في قدح؟ كيف جرى احتلال هذه البلاد؟ زي ما جرى السيطرة على الهند، وزي ما جرى السيطرة على الصين. أين كانت الدولة العثمانية من هذا كله؟ القرن ده كل عام تقريباً كان فيه نكبة، اللي هو إحنا بدنا أي مشكلة نعملها عشان ما نسددش الديون. دائماً سؤال الهزيمة ده عنده إجابتين؛ إجابة دعونا نفعل كما فعلوا، عشان هيك لما تطلع على صور السلاطين العثمانيين توصل عند محمود الثاني لابس بدلة وطربوش. الإجابة الثانية تعالوا إحنا نشوف غلطنا في إيه عما كنا عليه ونعدل. ما هو طبيعي ما أنت بتضعف، بدك تداين، بدك تتخلى، بدك تخسر أراضي. بل أذكره إجابة لسؤال لماذا لم يستطع أحد إنقاذ الجزائر؟

هذا الاحتلال المباشر من مقتضياته أن يكون هناك قتل وسفك للدماء وبالحرب وبالأسلحة ولا بالوجود فقط؟ جاؤوا لابن الشهبندر الأخير، جاؤوا له برؤوس أبنائه في وجبته التي في سجنه. إذاً المحتل من اسمه يتحكم في كل شيء لدرجة أنه يخلع حاكماً ويضع حاكماً. طبعاً هيجي القرن العشرين، هيبقى فيه ذروة أخرى للتفوق الغربي، وهيبقى فيه انحطاط أكثر للعالم الإسلامي. سننتقل من الاحتلال الناعم إلى الاحتلال الخشن، إلى الاحتلال المباشر، دي لحظة الانكسار.

سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مائة سؤال في التاريخ؛ هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن الأسئلة الملحة التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض، أو ما أطلق عليه الشبهات. أين نحن؟ لا نزال في حقبة الاستعمار الأجنبي، المحور التاسع من محاور هذه السلسلة الطيبة المباركة. إذا كنت ممن انضم إلينا حديثاً، فهذه السلسلة مقسمة إلى عشرة محاور، ونحن الآن في المحور التاسع، لذلك يتطلب الأمر أن تعود وتبدأ من البداية حتى تتحصل على الخير الكثير والوفير أيضاً. أيضاً لمن انضم إلينا، نحن وصلنا إلى الحلقة السادسة من هذا المحور؛ لا يستقيم ولا يصلح أن تبدأ هذه الحلقة كما تعودنا دائماً إلا بالترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذنا الفاضل.

حياكم الله يا أبا الحارث، الله يبارك فيك.

وعليه أستاذ محمد، وصلنا الآن إلى السؤال 87، جاهز السؤال 87؟

توكلنا على الله.

اليوم سنتحدث أو سننتقل أستاذ محمد من الاحتلال الناعم إلى الاحتلال الخشن إلى الاحتلال المباشر، وهذه الكلمة تعني أننا سننتقل إلى احتلال قلب العالم الإسلامي. أنت بتعرف أننا لم نفرغ من الالتفاف الإنجليزي حول بلادنا العربية والإسلامية حتى فجأة جاؤوا الفرنسيون واحتلوا الجزائر 1830م، وكالعادة لم تستطع أي جهة ولا أي دولة ولا أي شعب أن يمد يد العون لإنقاذ الجزائر كما كنا نفعل منذ ثلاثة قرون. وما هي إلا نصف قرن من الزمان حتى تمدد الاحتلال الفرنسي إلى تونس؛ إحنا مش كنا بالأطراف واليوم بدنا نحكي عن احتلال قلب العالم الإسلامي؟ فبدأ يتمدد فوصلنا إلى تونس أيضاً، ثم جاء الإنجليز واحتلوا قبرص، ثم احتلوا مصر أخيراً.

وعليه بدنا نسأل أستاذ محمد، كيف جرى احتلال هذه البلاد بهذه الطريقة؟ أين كانت الدولة العثمانية من هذا كله؟ لماذا لم ينجد أي قطر من هذه الأقطار؟ ثم نأتي إلى سؤال الشبهة أو السؤال المركزي والأساسي والرئيسي؛ لما نحكي عن الاحتلال المباشر أستاذ محمد، نأتي إلى سؤال الصراع: هل فعلاً أن السلطان عبد الحميد رحمه الله تعالى ساعد الإنجليز في احتلال مصر من خلال إصدار منشور عصيان أحمد عرابي الذي مكن الإنجليز من احتلال مصر؟ وبالتالي أستاذ محمد قدم السلطان عبد الحميد على أنه خائن، وقدم أحمد عرابي على أنه بطل. يعني للتوضيح أكثر: هل كان يملك أحمد عرابي أدوات الدولة؟ وهل كان السلطان عبد الحميد يمتلك خياراً أفضل؟ نعم ولا لا؟ أيضاً على غير المتوقع، لم تنشأ حركات مقاومة قوية في مصر تجاه الاحتلال الإنجليزي. وأخيراً أريد أن أسأل ماذا أراد الإنجليز من احتلال مصر والسيطرة عليها؟ لكن عندي تنويه صغير أستاذ محمد للإخوة المشاهدين، نحن في محور الاستعمار إخواني، واللي جاي محور الدول المعاصرة، هذه ملفات ضخمة جداً جداً جداً، يعني أنت لما بدك تكتب السؤال بتعرف عن إيش تسأل، مش هيك أستاذ؟

صحيح، صحيح.

ليش بحكي هي القصة؟ لأنه بعض الإخوة بشوفوا أن السؤال طويل، لازم أسأل سطر هيك وأروح أغيب. على فكرة أنا جاءتني فكرة أني أكتب على ورقة السؤال هيك وأسكت أنا وأفرجيك الورقة، أفرجها هيك للكاميرا تمام وما أحكي أنا ولا كلمة من لآخر الحلقة. هي ملفات، لك تعليقات سلبية، آه والله جانا شوية تعليقات فأنا احتار، يعني إذا تحدثنا مشكلة وإذا لم نتحدث مشكلة. إخواننا عادة الحلقات لما تكون ساعتين وساعتين ونصف، وزن مشاركتي في الحلقة لطرح التساؤلات التي أعتقد أنها مهمة بتكون خمس دقائق ولا أربع دقائق من ساعتين ونصف، فهذا شيء يعتبر عظيم جداً. طيب أستاذ محمد أنا ما بدي أستطرد كثيراً، لكن هي ملفات كبيرة بعينك الله، ولا بد من السؤال أن يكون متفرعاً حتى نستطيع أن نقدم أفضل ما يمكن، تفضل أستاذ.

حياكم الله يا أبا الحارث، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. بدايةً أعرب عن تضامني معك تجاه التعليقات، شو بدنا نعمل؟ يعني يا أبا الحارث من أقل الناس المتداخلين، وحقيقة أسأل الله أن يزيدك؛ يتمتع المذيع فيما أرى الذي يحبه الجمهور، أنا عن نفسي لما بتبقى قاعد أمام حلقة أحب المذيع الذي يتلبس ثوب المحاور الضعيف؛ لأنه هو ده اللي بيمثل الجمهور، لما بيقعد معاه خبير فيلسوف مؤرخ، أنا عايز الأسئلة العادية اللي في دماغ الناس بالضبط. فرغم أن أبا الحارث رجل صاحب منصة وله جهود تاريخية وله مشاريع سابقة، لكن يحسن تمثيل هذا الدور، الله يحفظك، أسأل الله أن يجعلك من المخلصين. أرجع وأقول برضو أن الملفات اللي إحنا بنفتحها فعلياً هي ملفات ضخمة وكبيرة، إحنا في النهاية بنحاول نلقي نظرة عامة على العالم الإسلامي وعلى الأحداث الفارقة والفاصلة فيه، ولذلك لا يسعنا حتى الأحداث الفارقة والفاصلة نفسها إحنا بنضطر ننتقي منها، وإلا في التاريخ، أنت كيف يمكن أن يجمع البحر في قدح؟ مش ممكن، التاريخ واسع ومتناثر وكثير، وشيء لا يجمعه عقل واحد فضلاً عن أن يجمعه برنامج، نحاول ونجتهد ونسأل الله التوفيق والإعانة.

أنا هبدأ من السؤال اللي في النص بتاع فين الدولة العثمانية؛ لأننا فاكر لما كنا في محور الدولة العثمانية ذكرنا أن الدولة العثمانية لماذا لم تنقذ الأندلس؟ وقلنا أنها حاولت، وذكرنا أنها حافظت على الشمال الأفريقي من الغزو الإسباني والبرتغالي، وذكرنا أنها أمنت مصر والشام والعراق ثلاثة قرون، وذكرنا أنها كانت تقاتل في أربع دول. طيب فين بقى الدولة العثمانية، خصوصاً وأننا الآن كما ذكرت يا أبا الحارث انتقلنا من احتلال أطراف العالم الإسلامي إلى احتلال قلبه؟ وانتقلنا أيضاً من النفوذ الأجنبي إلى النفوذ العسكري المباشر والجيوش الموجودة، طيب فانا خليني آخذ السؤال ده وأبدأ به علشان يلقي ضوءاً كاشفاً على هذه الفترة.

الجماعة الذين اهتموا بعدد من الكتب العالمية بتاريخ العالم، مش عايز أتوقف عند التفاصيل، حاجة زي معالم تاريخ الإنسانية لهيربرت جورج ويلز، والكتاب ده أربع مجلدات، وهو نفسه اختصره في مجلد واحد اسمه موجز تاريخ العالم؛ كتاب زي التاريخ الكامل للمؤرخين فرنس، صدر في مركز في سلسلة عالم المعرفة العدد رقم 400 تقريباً. في طبعاً محاولات أقل بتحاول تنظر للتاريخ العالمي من وجهة نظر كيف تفوقت أوروبا، من أهم ما صدر مؤخراً فيها كتاب ويليام ماكنيل صعود الغرب، ده قصدي أهم ما ترجم مؤخراً صدر عن منتدى العلاقات في الدوحة حوالي 1000 صفحة، كتاب متميز حقيقة. هناك برضو من تكلم عن التاريخ، طبعاً في أرنولد توينبي في دراسة تاريخ العالم، اللي هو الجزء المترجم منه أربع مجلدات اللي هو مختصر دراسة التاريخ؛ قصدي أنت لما بتقلب في هذا تصل إلى استنتاج، الاستنتاج ده ممكن يبقى كاشف في حلقتنا. ويليام ماكنيل له رسم بياني، ويليام ماكنيل بيقول منتصف القرن التاسع عشر يعني 1850م، كانت اللحظة التي انهار فيها التوازن العالمي منذ بداية التاريخ. إزاي؟ بيقول منذ بداية التاريخ العالم كله ده كان فيه أربع قوى كبيرة، تمام، الأربع قوى الكبيرة دول تقدر تقول الصين، الهند، الشرق الأوسط، أوروبا، دول أربع قوى كبيرة كل واحد فيهم مالي مكانه ومالي مركزه. يحصل شوية صعود، شوية هبوط، بس في النهاية العالم متوازن. نيجي عند 1850م دي ونلاقي أن ما اكتسبته أوروبا من التفوق التقني ومن الأسباب التي قلناها في حلقة لماذا تفوق الغرب، خلى أوروبا تستطيع أن تتسيد العالم وتمثل الغلبة الحضارية على الثلاث قوى، فبقى في أوروبا كأنها هي بنفسها متصلة مع العالم. انتهى كلامه ويليام ماكنيل، الكلام ده بالنسبة لنا إحنا كعرب ومسلمين فيه خسارتين مش خسارة واحدة، يعني الناس كلها خسرت خسارة واحدة، إلا إحنا خسرنا مرتين.

ليه؟ المرة الأولى أننا احتُللنا، جرى احتلالنا زي ما جرى السيطرة على الهند، وزي ما جرى السيطرة على الصين، فقوة عمود من الأعمدة الأربعة في العالم وقع، وإحنا كنا منه. لكن الخسارة الثانية بقى اللي هي خسارتنا إحنا لوحدنا، هو أننا كنا مركز العالم، ما حدش كان يقدر يتواصل مع العالم إلا لما يعدي علينا. تمام؟ فوجود الأمة في مركز العالم، سيطرتها على البحار، على المضايق، على الطرق البرية، أوروبا ما تعرفش تشوف حاجة من الصين ولا يجي لها حاجة من الصين إلا لما تعدي على المسلمين، تجارة أو علم أو مواصلات. الصين مع الهند، الهند مع أوروبا، وهكذا. عند 1850م أوروبا بقت موجودة بنفسها عند كل الحتت دي، فإحنا فقدنا أننا احتُللنا، وفقدنا مركزيتنا في العالم، ما بقيناش إحنا الأمة اللي موجودة القادرة على التحكم حتى في علاقات الحضارات الأخرى بعضها ببعض.

طيب، القرن التاسع عشر ده، اللي هو 1800م وأنت طالع، تقدر تسميه لو أنت قاعد في إسطنبول قاعد مكان الخليفة أو جنب الخليفة، تقدر تسميه قرن النكبات. ده القرن ده كل عام تقريباً كان فيه نكبة، يا الله متخيل؟ طبعاً أنا هقول لك شوية حاجات وأكيد هيقع مني شوية حاجات تانيين. بس أنت مثلاً افتتح هذا القرن 1800 - 1801م ومصر تحت الاحتلال الفرنسي الحملة الفرنسية، 1801م كانت مصر جرى خلعها أو حررت من الفرنسيين ولكن بالمساعدة والدعم الإنجليزي، مش لوحدنا. طيب 1804م عندك الوهابيين أخذوا مكة، 1805م أخذوا المدينة، سيطروا على الحجاز، وطبعاً أرجع وأقول دلوقتي أنا مش في تقييم الحركة الوهابية ولا في تقييم محمد بن عبد الوهاب، أنا بتكلم على مسار الحدث بشكل عام. كويسة أنك وضحت؛ لأنه برضو كمان البعض بيعتبر حديثنا عن الوهابيين ضمن هذا المحور مشكلة، فإحنا لا نقيمهم.

لا طبعاً، أنا دلوقتي بتكلم على التاريخ كما جرى، فبقول لو أنت قاعد مكان السلطان العثماني فالسلطان العثماني عمالة تنكمش الأرض من تحته، نعم تمام. فإحنا بدأنا بمصر وبعد كده فقد الحجاز مع مكة والمدينة، طيب. وبعد كده 1805م كان محمد علي استطاع أن ينصب بغير رضا السلطان العثماني ودي حاجة جديدة. تروح على 1800 مثلاً 1809م تلاقي فيه تمرد من علي باشا الألباني، واحد كان يحكم اليونان والي عثماني، لكن كان شخصية قوية، فبدأ من دلوقتي يعمل علاقات مباشرة مع الدول الأجنبية ويتمرد، كأنه استلهم نموذج محمد علي، طيب، على 1811 - 1812م عندك حرب روسية وهذه الحرب الروسية بدأت تخسر فيها الدولة العثمانية وانتهت باتفاق اسمه اتفاق بوخارست. وروسيا كانت تستطيع أن تمتد أكثر من ذلك لولا أنها كانت مهددة ساعة إذ بنابليون، نابليون بعد ما طلع من مصر كان له أمجاد أخرى في أوروبا، يعني انتصر انتصارات واحنا عارفين، زي ما إحنا عارفين، أن نابليون اقتحم روسيا، بس أنت عند 1812م هتبدأ تؤسس لاستقلال الصرب، استقلال الصرب هو القرن ده هتظهر فيه كل المساوئ التي أشرنا إليها والإخفاقات بتاعة الدولة العثمانية. طيب، أدي قلنا 1812 - 1813م، كمل ادخل مثلاً لغاية 1820م هتلاقي استقلال اليونان الحركة التي حصلت في اليونان، وثورة المورة في العشرينات وساعتها الدولة العثمانية تعجز أن تسيطر على هذه الثورة حتى تستعين بالأسطول المصري وإبراهيم باشا والأسطول الجزائري، وأول ما يجوا ينتصروا على ثورة المورة يأتي تحالف إنجليزي فرنسي روسي، فيجبر الدولة العثمانية على منح استقلال اليونان، إحنا بنتكلم في 1827 - 1828م و1829م، فينسحب إبراهيم باشا 1830م تأتي فرنسا وتحتل الجزائر.

طبعًا اللي أنا بحكيه ده كله بمناسبة موضوع الجزائر؛ كل اللي أنا بحكيه ده ذرائع باهتة وذرائع مالهاش معنى، لأن أنت من عند 1807، ونسيت أقول 1807 قتل السلطان سليم الثالث، وبعد ذلك جاء السلطان مصطفى الرابع، ثم قتل أيضًا وتولى محمود الثاني، فإنت بتتكلم عن حالة من الفوضى حتى في داخل الدولة العثمانية بين السلطان والانكشارية.

ما الذي دعا إنجلترا وفرنسا وروسيا أن هم يتحالفوا ضد الدولة العثمانية لإعادة استقلال اليونان أو لمساعدة اليونانيين على الاستقلال؟ حقيقة ما فيش حاجة، هو المفروض أن في تمرد حصل في أي دولة، جماعة عايزين ينفصلوا، المفروض أن ده لا يمنح أحدًا الحق في التدخل لكي يساعد هؤلاء المتمردين. ولذلك هم قدموا حرفيًا وهم بيقولوا: «والله إحنا شايفين إن هنا في مظالم، وإن إحنا شايفين إن إحنا مسؤولين عن هؤلاء، وإن إحنا أصلاً جايين علشان نمنع إبراهيم باشا من أن يتقدم تقدمًا عسكريًا»، رغم أن السلطان الذي كان قائمًا في ذلك الوقت هو السلطان محمود الثاني، الذي يعتبر أول سلطان عثماني نجح في فرض التغريب، وكان محببًا بالنسبة لقسم من الأوروبيين.

بدأت كما يذكر من واحد اسمه أندرو هويت كروفت، له كتاب اسمه «الكفار: موجز الصراع بين الإسلام والغرب»، يقول إنه بدأت في أوروبا بعض الناس تنظر نظرة أخرى إلى السلطنة العثمانية. ليه بتنظر نظرة أخرى إلى السلطنة العثمانية؟ لأنهم هيبقوا غربيين شوية، وطبعًا التهديد الأهم بالنسبة لهم في ذلك الوقت أو الأشد كان التهديد الروسي، فممكن يبقى العثمانيين -زي ما تقول- نوع من الأصدقاء أو التحالف في مواجهة الروس. سآتي بعد شوية لحسبة الروس، بس أنا دلوقتي في كلمة الذرائع؛ هم بأي ذريعة؟ ما فيش أي ذريعة حقيقة.

ولذلك أرجع وأقول إنه من لم يفهم -ونحن كمسلمين أوضح أنه لابد أن نقرأ التاريخ بفهم إسلامي- من نسي هذا التواصل العقدي لن يستطيع أن يفهم أشياء كثيرة من التاريخ. من لم يستطع أن يفهم أن العقيدة والفكرة هي المحرك الأهم في الصراعات، فلن يفهم لماذا تدخلت هذه الدول على اختلافها؛ أنت عندك بريطانيا بروتستانت، فرنسا كاثوليك، روسيا أرثوذكس، كلهم تدخلوا لدعم من؟ اليونان ضد الدولة العثمانية، الثوار اليونانيين.

كون الأستاذ محمد يتحدث عن القرن التاسع عشر وأهم النكبات التي فيه، فمن أهمها أيضًا سقوط الهند وقيام الإمبراطورية البريطانية، وهذا لسه جاي لك في 1858، نحن لسه ما وصلناش له. أنا بس دلوقتي وقفت في موضوع الجزائر علشان أقول إن الذرائع كانت كلها ذرائع تافهة، فمنها ذريعة اليونان، ومن أشهرها ذريعة احتلال الجزائر: حادثة المروحة المشهورة مع الداي حسين.

ببساطة كده، باختصار أنه لما عملت فرنسا الثورة الفرنسية لا شك أن هذا كان زلزالًا مهددًا لكل الملكيات الأوروبية؛ فكرة أن في شعب يخلع الملك بتاعه وينهي عهد أسرة حاكمة ويقول لك نحن عايزين نختار الرئيس بتاعنا، الفكرة دي نفسها فكرة مزلزلة لكل الملكيات بغض النظر عن حبهم أو كرههم للعيلة اللي كانت تحكم فرنسا، وهذا موضوع ثاني. وأرجع أقول، تشوف المثل ده في واقعنا لمن كان معاصرًا؛ من أمثالي كده في أيام ثورة يناير في مصر، تلاقي حتى اللي ما كانوش يحبوا حسني مبارك انزعجوا جدًا من قدرة الشعب المصري على خلع حسني مبارك، حتى اللي ما يحبهوش، لأن فكرة الثورة نفسها وتغيير الأنظمة.

في ذلك الوقت، فرضت أوروبا مقاطعة على فرنسا، فلم تجد فرنسا إلا أن تستورد الحبوب من الجزائر، والجزائر كانت تعطي فرنسا بهذا الاعتبار أن فرنسا في النهاية دولة حليفة، وباعتبار أن المصلحة مختلفة عن المصلحة الأوروبية، فكانت الجزائر تعطي فرنسا الحبوب إلى أن تراكمت ديون كثيرة على فرنسا لمدة 30 سنة، من 1796 إلى 1827، وهي المرة التي حصلت فيها حادثة المروحة.

في ساعة، إذا كان السفير الفرنسي أو القنصل الفرنسي في الجزائر في لقاء عادي أو في يوم عيد الفطر، وحصل حوار بينه وبين الداي حسين؛ الداي حسين يقول له -وفي روايات أكثر من رواية لكن أرق الروايات- يقول إنه الداي حسين يسأله: «أنا عمال أبعث رسائل لملك فرنسا ورسائل ودية كالعادة وهو لا يرد عليّ، يا ترى ما بيردش عليّ ليه؟»، فالقنصل يقول له: «أنا أصلاً الملك كان ساعتها شارل العاشر أكبر من أنه يرد على واحد تابع، أنت مش من مستواه أساسًا عشان يفكر فيك، إحنا كلامنا مع السلطان مباشرة».

فيقول لك حسين ضايق كده ولوح بالمروحة، المروحة التي كان يجلب بها الهواء أو ينش بها الذباب، لوح بها فاعتبرها قنصل فرنسا إهانة لشرف فرنسا، فهذه كانت الذريعة. أرق رواية تقول ذلك، والأشد تقول إنه ضربه بالمروحة ثلاث مرات، أي ضربه صفعًا، فقال له: «ده بقى اعتداء على شرف فرنسا»، وبالتالي جاء الأسطول الفرنسي ليحاصر الجزائر من 1827 إلى أن احتلها 1830. فإنت بتتكلم عن ذريعة إيه؟ يعني نحن نريد أي مشكلة نعملها لكي لا نسدد الديون، ونحتل أيضًا. وسمعت أن رقمًا كبيرًا كان 26 مليون فرنك، وهو رقم ضخم وفرنسا طبعًا مش عارفة تسدده؛ لأن فرنسا في ذلك الوقت كانت قد خاضت حروبًا هائلة، والنتائج النهائية لهذه الحروب هي الهزائم، نابليون عمل حاجات ضخمة لكن في الآخر هُزم في واترلو، وبعد ذلك شارل العاشر كان عنده أيضًا أزمات داخلية ودبلوماسية.

الخلاصة أننا يجب أن نرى أن كل ذرائع الاحتلال ستكون تافهة. حتى مثلاً فيما بعد، أيام ما إنجلترا ستحتل مصر، ماذا حدث؟ أنت حتى تجد في مذكرات عرابي يقول: «الأسطول الإنجليزي جاء أمام السواحل المصرية ورابض»، انظر إلى العدوان! وفي الآخر أرسل رسالة إلى السلطان العثماني أن البحرية المصرية تقوم بإصلاح المدافع، يقول: «إننا شايفين الجيش يعمل إصلاحًا للقلاع، وإذا استمر هذا الإصلاح فهذا اعتداء على شرف بريطانيا العظمى سنضطر للتعامل معه»، ما هذا البلطجة؟ فيقول أحمد عرابي: «وكنا نعجب من تسيير السفن وإنزالها أمام...».

السواحل ليست عملاً عدائياً، بينما إصلاح الطوابي هو العمل العدائي؛ واحد يصلح القلاع التي على الساحل عنده، هذا عمل عدائي على شرف بريطانيا، والذي يأتي بجيشه أمام البلد ليس عملاً عدائياً. وهكذا، المهم أنني أقول لك، ونحن ماشيون هكذا، ستجد عندك من 1822 تمرد اليونان، 1826 التخلص من الإنكشارية، المواقع المشهورة 1827، هو الاستعانة بإبراهيم باشا، وعند 1828 و1829 دخلنا في التحالف الإنجليزي الفرنسي الروسي ضد الدولة العثمانية، والذي وفر فعلاً استقلال اليونان.

طيب، عند 1831 سيبدأ تمرد محمد علي، ومحمد علي سيهزم الدولة العثمانية أكثر من هزيمة من 1831 و1832 و1834، إلى أن يصل إلى كوتاهيا، وبعد ذلك 1839. عند 1839 سيموت السلطان محمود ويتولى عبد المجيد، وعبد المجيد ساعتها كان سلطاناً صغيراً في السن، 16 سنة، وهزيمة 1839 هذه هزيمة هائلة؛ لأنه كان الجيش البري هزم، والأسطول العثماني البحري فر إلى محمد علي. مشاكل بين قائد الأسطول وبين الصدر الأعظم، وشاف أنه السلطان ده سلطان صغير وتعبان، ففر بالأسطول إلى محمد علي، فالدولة العثمانية حقيقة خسرت كثيراً. تجدد عندها الموقف بتاع 1827 في نفارين، لما هزمت أمام الروس برياً، وبعدين هزمت أمام الأساطيل الإنجليزية والفرنسية بحرياً؛ لأنه في موقعة نفارين هذه دمر الأسطولان المصري والعثماني، ومعهم طبعاً كانت قطعة أيضاً جاءت من الجزائر. فأنت تتكلم عن مراحل من الضعف والانكماش.

محمود الثاني بدأ يدخل في طور التغريب، هو كان تقديره وطبعاً إعجابه بالغرب، وطبعاً هزائمه أمام الغرب، أفضت إليه؛ أنت عارف، بص، في لحظة الهزيمة دائماً سؤال الهزيمة هذا عنده إجابتان. إجابة: دعونا نفعل كما فعلوا، فصل في أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب، الغرب هزمنا، تعالوا نشوف الغرب عمل إيه ونعمل زيه. الإجابة الثانية: تعالوا نحن نشوف غلطنا في إيه عما كنا عليه ونعدل. وطبعاً الإجابة هذه أرجع وأقول أنها ليست مجرد إجابة نظرية، هذه إجابة تدفع إليها قوى اجتماعية وقوى سياسية وأوضاع اقتصادية وطبيعة الشخصيات التي موجودة في ذلك الوقت؛ أقرب إلى الإسلام تشوف نحن انحرفنا في إيه، ولا أقرب إلى الغرب تشوف نحن ما قلدناهم في إيه. إجابة محمود الثاني وطريقته كانت: تعالوا نشوف الغرب عمل إيه واحنا نعمل زيه. عشان هيك لما تطلع على صور السلاطين العثمانيين بتلاقي لبسهم إسلامي وعمامة وكذا وإلى آخره، بتوصل عند محمود الثاني، بالضبط لابس بدلة وطربوش. طارت العمامة وراحت الجبة، ولذلك هذه بداية أن الطربوش يبقى علامة على التغريب، طبعاً هو بعد 100 سنة ثانية سيبقى الطربوش علامة على الإسلام وعلى التخلف مقابل القبعة، البرنيطة، تمام، لأننا سنأخذ خطوة ثانية، وهو أن الطربوش علامة على الانتماء العثماني الإسلامي، والقبعة الأوروبية هي التي.

واصل معك، لأن محمود الثاني هزيمته أمام الغرب دفعته إلى سلوك المسار الإصلاحي، ولذلك هنلاقي مثلاً عدد من القرارات، من أهمها إنشاء جيش على النمط الحديث وتدمير الإنكشارية 1826. لكن الجيش الذي أنشأه على الطريقة الحديثة لم ينتصر أيضاً، دي الحتة التي ينساها أغلب الذين يؤرخون لمحمود الثاني وأغلب الذين يؤرخون للدولة العثمانية. أنا قد أتفق مع الجميع في أنه الإنكشارية صار جيشاً فاسداً، كثرت مشكلاته وكثر فساده، ماشي، إنما إنشاء جيش على الطريقة الأوروبية، عايز أقول لك إن 90% مما قرأته أنا في تاريخ الدولة العثمانية أو من ناقشوا هذا الموضوع كانوا يؤيدون إبادة الإنكشارية؛ لأن هذا الجيش صار جيشاً مثقلاً بالمشاكل، وصار جيشاً ينقلب على السلاطين، وصار جيشاً ينهزم أمام الغربيين، ماشي، قصدي مش هنناقش الموضوع ده دلوقتي، لكن لا يذكرون بنفس القدر أنه هذا الجيش الحديث الذي أسس على النمط الأوروبي والذي أتي له بمدربين أوروبيين، هذا الجيش الحديث نفسه أيضاً لم ينتصر. هذا مما ينسونه، لم ينتصر، وأشد من ذلك أنه نفس هذا الجيش أيضاً سينقلب على السلاطين، وهينقلب على عبد الحميد، تمام، وهيحكم البلاد حكماً عسكرياً، هل هيجي حد يقول كان ينبغي على عبد الحميد أن يدمر الجيش الحديث؟ ما حدش بيقول كده. هل دلوقتي أنت في أي دولة في عالمنا ده، وأنا مش عايز أقول لك أي دولة، شوف كل عالمنا العربي، كل دولنا العربية لم تنتصر ولا مرة واحدة على العدو، ولا انتصار واحد، وأهو أنت راجل بتاع تاريخ. انتصار 73 أركنه على جنب عشان في كلام، المهم غير انتصار 73 عشان ما ندخلش في الشبهة، تفتكر انتصاراً لأي دولة عربية على أي حد؟ ما فيش.

القصد هنا أن الجيش الذي أسسه محمود الثاني أيضاً لم ينتصر، وظل يلقى الهزائم سواء من جيوش محمد علي أو من الجيوش الروسية أو البريطانية أو الفرنسية، وظلت تنفصل منه البلاد. إحنا بعد كده داخلين عندك طول فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينات والسبعينات، كل ده الدولة العثمانية بتدخل في حروب بتنهزم أو بتحصل عليها تمردات من الصرب، من البلغار، من الجبل الأسود، من البوسنة والهرسك، ودائماً ما تدخل روسيا تساند أو إنجلترا وفرنسا تفرض، وتصل الدولة العثمانية إلى تسويات يتناقص شيء من أطرافها وتعطي استقلالاً لهذه الأقليات. نحن قلنا لماذا هذا يحصل بعد 300 و400 سنة من سيطرة الدولة العثمانية على هذا، ذكرنا ونحن نتكلم عن إخفاقات الدولة العثمانية، أنه من مشاكل الدولة العثمانية أنها لم تتعرب، ومن مشاكل الدولة العثمانية حقيقة أنها لم يترسخ ولم يتشرب الإسلام كثيراً من أهل هؤلاء الناس، وذكرنا أنه من عيوبها الإفراط في التسامح، المؤسسات وكل شيء بقي كامناً كما هو، كان بحاجة إلى نفث وإثارة وحقن أوروبي علشان يثور قومياً من جديد. أذكر نابليون كان يقول: العثمانيون أخطأوا خطأ عظيماً في اليونان حين تركوا كتلة كبيرة من المسيحيين تفوق أعدادها أعداد سادتهم الأتراك، وهذا الخطأ سيدفعون ثمنه عاجلاً أم آجلاً، الكلام ده هو كان بيقوله 1814، وفعلاً اليونان حصلت على استقلالها أو انفصلت عن الدولة العثمانية سنة 1830.

أنت خذ عندك هزائم مستمرة طوال هذا القرن. إحنا كنا وصلنا لـ 1840، بعد 1840 وقعت الدولة العثمانية اتفاقية مع إنجلترا تساوي فتح الأسواق العثمانية للمنتجات الإنجليزية، وطبعاً هذا تأثير اقتصادي هائل؛ أن عندك دولة قوية عندها ثورة صناعية، عندها إنتاج غزير، وأنت ما عندكش الصناعة التي تنافسها، فبالتالي إغراق الأسواق ده هيؤدي إلى نزوح رأس المال وكسر الاقتصاد الوطني أو المحلي. طيب ندخل على 1852 و53 إلى 56، حرب هائلة اسمها حرب القرم، روسيا أيضاً انتصرت فيها على الدولة العثمانية لولا أن تدخل في النهاية الإنجليز والفرنسيون إلى جانب الدولة العثمانية، فكسروا الروس، ووصلوا إلى معاهدة كانت في مؤتمر برلين، خلاصتها أيضاً تنازلات من الدولة العثمانية ومنح استقلالات لهذه القوميات والأقليات. لكن مما ظهر في حرب القرم أنه كانت لأول مرة الدولة العثمانية تدخل في مرحلة من الديون، الديون الأجنبية، مصارف الديون الأجنبية هذه صارت هي الصداع، بداية انكسار الاقتصاد العثماني انكساراً لا علاج له، لم يعالج بعد ذلك، وظلت فكرة الديون دي فكرة أو ورقة تزعج كل السلاطين العثمانيين فيما بعد.

نحن في زمن أي سلطان بدأنا نستدين؟ نحن الآن في الخمسينات، عبد المجيد، عبد المجيد، عبد المجيد اللي هو أبو عبد الحميد، تمام، الراجل ده حكم من 1839 إلى 1861، هيجي عند 1861 هيموت ويتولى أخوه عبد العزيز، وعبد العزيز من 1861 إلى 1876 هيحكم 15 سنة، وقتل عبد العزيز، وجاء بعده مراد الخامس لكنه لم يحكم إلا ثلاث شهور. بس خليني أرجع لك شوية، ونحن خلينا لسه مكملين في عبد المجيد، عبد المجيد هذا هو الذي حصل في عهده أيضاً أمر آخر هائل وهو احتلال الهند، احتلال الهند طبعاً كان 1858. قبل احتلال الهند لدينا زمن من سيطرة الإنجليز على الهند عملياً وبالذات اقتصادياً من خلال شركة الهند الشرقية، إحنا ذكرنا مقدمات لهذه السيطرة لما تكلمنا عن تاريخ الهند، هذه الشركة نمت وتوسعت، ولما ذهب السلاطين الأقوياء، هي طبعاً كان أول محاولاتها للتوسع والتي ضربت لما ضربها السلطان أورنجزيب، هذا ضربها واضطروا إلى أن يتوسلوا له مرة أخرى ويرجونه العفو، فأعاد لهم وجودهم، يعني سمح لهم بالوجود، لكن دخلت بعده الدولة، دولة الهند الإسلامية بقى في حالة من الضعف، هذه الشركة صارت تمتلك أراضي، بعد شوية صارت تسلح نفسها، بعد شوية صارت تتمدد، تستولي بالديون أحياناً، وتستولي بالامتيازات أحياناً، وتضرب بين حكام الهند المستقلين أحياناً، حتى صار لها نفوذ، وبعدين بدأت تعمل علاقات خارج الهند حتى مع الصين وحتى مع اليابان. المهم سنة 1858 كان حصل الثورة الكبرى على الوجود الإنجليزي، واستطاعت هذه الشركة بما لها من قوة، وذهبت بريطانيا بما لها من رؤوس أموال يهمها نجاح شركة الهند الشرقية وبما لها من نفوذ في السيطرة على هذا الطريق، أن تكسر هذه الثورة ويزول الحكم الإسلامي سنة 1858، ويتأسس الحكم البريطاني في الهند.

طبعاً يعني إيه تأسس الحكم البريطاني في الهند؟ كسر واحد من الأعمدة الإسلامية الثلاثة في العالم، إحنا قلنا إنه نهاية عهد المجد الإسلامي كان في ثلاث إمبراطوريات، وأنا أقول الإسلامي هنا يعني المحسوبين إسلاميين، ثلاث إمبراطوريات: العثمانيين، إمبراطورية المغول في الهند، والصفويين، الصفويين طبعاً ذكرنا أنه كانت دولة سيئة للغاية وكان لها آثار سيئة، بس في النهاية العالم الإسلامي محسوبون على المسلمين في النهاية. فلما تسقط الهند، فهي سقطت واحداً من الأعمدة الثلاثة التي كانت تمثل قوة المسلمين منذ القرن الخامس عشر، القرن السادس عشر. طيب يعني إيه برضه سقط؟ يعني الهند صارت مواردها الكثيرة، الهند أغنى بلاد العالم، وصار رجالها عدداً هائلاً من السكان، وصار موقعها الاستراتيجي، كل هذا في يد الإنجليز، وهو ده اللي عمل الوضع المتفوق للحضارة الغربية، زي ما قال ويليام ماكنيل، إنه الغرب بقى موجود في الهند فهو مسيطر على الهند، وبيتواصل مع الصين وبيتواصل مع الشرق الأوسط، فخلاص ما بقاش محتاج، يعني التوازن العالمي انهار. طيب 1858 قلنا ذهبت الهند، 1868 بعدها بـ 10 سنين بس بدأت روسيا تستولي على الأقاليم الإسلامية الكبيرة، طشقند وسمرقند، إحنا بدأنا بقى التمدد الروسي في أقاليم آسيا الوسطى، أو ما كنا نسميه في التاريخ الإسلامي بلاد ما وراء النهر، مناطق بخارى وسمرقند التي هي الآن جمهوريات آسيا الوسطى، الآن بدأت روسيا تستولي على هذه الدول.

إذا رجعنا إلى حالة الدولة العثمانية وعدينا حرب القرم ودخلنا في مسائل الديون ودخلنا في كل هذا، كان يحصل بالتوازي مع مزيد من التغريب داخل الدولة العثمانية، مزيد من التغريب، يعني سنة 1839 وسنة 1856 صدر دستوران أو خطان شريفان، خطان همايونيان. مفاد هذين الخطين على تفاصيل وترتيب وطبعاً كلهم تحت الضغط الأوروبي، بس إيه مفادهم إيه؟ الخلاصة إيه اللي يهمنا؟ أنه الدولة العثمانية حقيقة تخلت عن الشريعة الإسلامية، وبدأت تصدر القوانين التي تزيح الشريعة وتسود القانون. آه، يعني مثلاً حرية الردة عن الإسلام، خلاص الردة لم يعد لها عقوبة، عمل قوم لوط لم يعد له عقوبة. هنا بداية التخلي عن الشريعة الإسلامية واستيراد القوانين من فرنسا ومن إيطاليا ومن غيرها، وهنا بدأ يتراجع كل الحالة الإسلامية والحالة العلمية، إحنا قلنا بدايات انهيار التوازن بدأت كده بذورها من عند سليمان القانوني، لكن الآن نشهد كيف أن الدولة استطاعت أن تصدر القوانين التي تتجاوز فيها الشريعة، ولا يستطيع أحد أن يعيدها أو أن يثور عليها. طبعاً حصلت احتجاجات، وهذه الاحتجاجات زي احتجاجات طلاب العلوم الشرعية 1867 و76، وأدت إلى مقتل وخلع السلطان عبد العزيز ثم مقتله، لكن بالنهاية الذي كان خلف خلع عبد العزيز واحد متغرب أكثر منه، مدحت باشا، كان شايف أن الرجل ده مش ماشي في التغريب بالقدر الكافي، واستغل ثورة العلماء وثورة طلاب العلوم.

الشرعية لأجل أن يدعمه في خلع عبد العزيز، فضلاً عن أننا تكلمنا عن الديون، وهذه الديون كانت بالربا الفاحش من المصارف الأوروبية. فمن يأتي ليتكلم عن حالة الدولة العثمانية على هذا النحو الذي نتكلم فيه، حروب مستمرة، هزائم مستمرة، تخلي مستمر عن البلاد، ثورات في مناطق البلقان واستقلالات.

ومن الأشياء التي أحب أن أنبه إليها جداً: الذي يشوف خريطة تركيا دلوقتي يتشوه في ذهنه تاريخ الدولة العثمانية. الدولة العثمانية كانت موجودة في البلقان قبل أن تكون موجودة في الأناضول، وعمقها في البلقان وأوروبا الشرقية أكثر من عمقها في الأناضول. فخروج الأناضول من تحت سيطرتها كان بمثابة خروج أصلها، خروج مادتها البشرية، خروج مواردها الخصبة من تحت أيديها. خريطة تركيا دلوقتي ليست وريثة الدولة العثمانية على الحقيقة، تركيا جزء مشوه من الدولة العثمانية.

أليس من يضعف له الحق أن يقوم بصناعة التوازنات؟ عندما تتحول الدولة من دولة قرار، صاحبة قرار مستقل، وتضعف، إلى دولة تحاول أن تكون دولة تصنع توازنات، بالتالي ليش بنلومهم؟ ما هو طبيعي، ما أنت بتضعف، بدك تداين، بدك تتخلى، بدك تخسر أراضي. أم لا؟ ولا كان بإمكانه يعمل شيء، عنده انكشارية تحكموا فيه، السلاطين صاروا أسرى للبلاط السلطاني وليس.

شوف طبعاً أولاً، أنا لا أذكر هذا على سبيل اللوم بل أذكره إجابة لسؤال: لماذا لم يستطع أحد إنقاذ الجزائر؟ عندنا مثل مصري يقول لك: "جيتك يا عبد المعين لقيتك يا عبد المعين عايز تنعان". فهو ده اللي أنا بحكيه، أن الدولة العثمانية نفسها منذ بداية القرن وهي في مآسي ومشاكل، حتى النجاحات الجزئية التي نجحت فيها انقلبت عليها شراً. مثلاً لو أنت قاعد مكان السلطان العثماني هتلاقي أن القضاء على الوهابيين إنجاز، بس مين اللي قضى عليهم؟ محمد علي، هيبقى أخطر من الوهابيين.

القضاء على ثورة المورة في الأول يعتبر إنجاز، مين اللي قضى عليهم برضو محمد علي؟ وبعد كدة جاء الإنجليز والفرنسيون والروس فانقلب عليها واستقلت اليونان، انفصلت. حتى الأمور التي كانت تبدو كإنجازات وقتية عادت وصارت أشد عليها مما كانت. مثلاً واحد زي علي باشا الألباني كان بيحكم اليونان بشكل استقرار وأمان، شخصية قوية للغاية، لكن لما هو نفسه انقلب وبعد كدة دخلت معه الدولة العثمانية في حرب، هذا من أحد أسباب اشتعال الثورة في اليونان.

وهكذا، هل كان عنده بدائل أخرى؟ حقيقة يا أبا الحارث بوضوح، نحن دلوقتي ونحن نتكلم عن التاريخ يهمنا أن نقول كنا صح ولا كنا غلط؟ لما أنت تشوف محمود الثاني ذهب وراء التغريب، حتى لو بعض الناس في زمانه كانوا يرون أنه لا طريق إلا هذا الطريق، فالناس اللي بتقرأ التاريخ دلوقتي يجب أن تقول هذا الطريق خاطئ؛ لأن نتائجه ظهرت لنا تماماً. ما ينفعش نيجي دلوقتي بعد ما الطريق تبين فشله ونرجع نقول لا كان طريقاً صحيحاً. طيب كان طريقاً خطأ، هل كان معذوراً ولا ما كانش معذور؟ نختلف حولها، طبعاً أنا أرى أنه لم يكن معذوراً، وأرى أنه أتي من إعجابه بالغرب، وكان يلهمه أن الغرب متفوق، ويلهمه أن محمد علي نجح في مصر بهذه القسوة والاستبداد، بس هو ما عرفش يبقى بنفس القسوة والاستبداد، وما عرفش يطلع جيش زي اللي طلعه محمد علي، طب محمد علي نفسه ما هو جيش انهار أمام التفوق الغربي. هل هذا كان صحيحاً؟ دلوقتي ينبغي أن يقول المؤرخ بالتأكيد لم يكن صحيحاً. أما ما هي البدائل فمثار كلام طويل لا يتسع له المقام بطبيعة الحال.

أنا بحكي عن المبدأ نفسه يا أستاذ محمد، أنه هو لأنه بيضعف بده يعمل توازنات حتى يبقى، وبالتالي هو لن يستطيع أن يساعد الجزائر ولا غيرها. فعلاً هو لن يستطيع أن يساعد الجزائر، لكن فعلياً الدولة العثمانية دخلت في مرحلة من التوازن، وده إن شاء الله إذا يسر الله وتكلمنا عن عبد الحميد هيظهر عنده أكثر. التوازن هو أن روسيا من جهة والأوروبيين من جهة أخرى أعداء أيضاً، ليسوا على وئام، فدخول الدولة العثمانية بين هذين القطبين من القوى العالمية حقيقة ساهم في تأجيل انهيارها؛ لأنها كانت أحياناً تعتمد على الروس وأحياناً تعتمد على الإنجليز والفرنسيين، ولأن مصالح الطرفين كلاهما كان حريصاً ألا ينفرد بها آخر.

يعني أنت لو قاعد في باريس أو قاعد في لندن وشايف عندك عدو اسمه الروس وعندك عدو اسمه العثمانيين، سترى أن الروس عدو أشد خطراً. وبالتالي فحين يأتي أو يوشك الروس أن يساعدوا العثمانيين ويتوغلوا في بلادهم، ها هنا لا بد أن تتدخل إنجلترا وفرنسا لكي تعطي السلطان العثماني ثقلاً، ولكي لا يتنازل التنازل الهائل للروس، فتمنع بذلك تحقق مصالح الروس. طيب افرض التنازل اللي هيعمله السلطان العثماني ده كان على مزاجها؟ مثلاً زي محمد علي، محمد علي حبيب الفرنسيين وما عندوش مشاكل كتير مع الإنجليز. محمد علي لما كاد يقتحم إسطنبول ساعة إذ جاء الروس. ولما جاء الروس وجد الأوروبيون أن نفوذ الروس وتوغلهم في الدولة العثمانية خطر، فعندئذ اتحد الروس والإنجليز والفرنسيون على إعادة وإرجاع محمد علي.

وهكذا، هذا النفوذ لم يكن عسكرياً فقط، ومش بس نفوذ ديون، ده الآن صارت روسيا ترى نفسها حامية لكل النصارى الأرثوذكس داخل الدولة العثمانية، وفرنسا ترى نفسها حامية للنصارى الكاثوليك والموارنة داخل الدولة العثمانية، وبريطانيا مش لاقية حد تحميه فنزلت لكي تحمي الدروز. الكلام ده كان يؤدي إلى حروب أهلية، تحصل مشكلة في كنيسة القيامة بين واحد كاثوليكي وواحد أرثوذكسي، قد تتطور إلى حرب، روسيا تعلن الحرب وتطالب بامتيازات جديدة للأرثوذكس داخل كنيسة القيامة، وتأتي فرنسا ولا ترضى عن هذا الامتياز الجديد وتحاول أن تهدد، وأحياناً يتطور هذا إلى حرب أهلية. مثلاً عند 1860 كان لدينا حرب أهلية قوية بين الدروز وبين المارونيين، وهي دي الحرب التي جاءت فيها بريطانيا لكي تحمي الدروز ويكون لها قدم تدخل في الشام وفي الأحوال، وطبعاً كان فيه مذابح برضو بتحصل، فضلاً عن نفوذهم عند الصرب والجبل الأسود وبلغاريا واليونان. وفي نفوذ في قلب قلب العالم الإسلامي عند بيت المقدس وعند الشام، فبالتالي الدولة العثمانية كانت ذاهبة إلى الضعف والانحلال والانهيار.

لما تيجي عند فترة الستينات هتلاقي مع ضغط الأزمة المالية واحد مثلاً زي الخديوي إسماعيل في مصر، بدأ يفتح نهر الأموال على السلطان عبد العزيز ورجاله مقابل أن يأخذ امتيازات، زي ما قلنا في الحلقة اللي فاتت: امتياز أنه يبقى خديوي، وأن السلطة تكون في نسله من بعده، وأنه يعقد اتفاقيات مستقلة مع الدول الأوروبية. الراجل اللي محتاج فلوس والناس اللي محتاجين فلوس في الدولة العثمانية يأخذون من هذا، ولكنهم يعطون مزيداً من الاستقلال للحالة المصرية، فالدولة العثمانية أصلاً عمالة تنكمش إلى أن نأتي إلى لحظة قتل عبد العزيز، وندخل في عصر مراد الخامس، وهو لن يحكم إلا ثلاث شهور أو حتى ما حكمش، هو أساساً مراد الخامس كان تغريبياً للغاية، وكان مدحت باشا يأمل أن يكون هو السلطان الذي سينفذ التغريب؛ لأنه مدحت باشا أصلاً كان سفيراً في لندن وأعجب جداً بالحكم الدستوري، وهو يعتبر أبو الدستور العثماني إلى أن يأتي زمن السلطان عبد الحميد.

السلطان عبد الحميد تولى وهو عنده 34 سنة، سنة 1876، فوجد نفسه أمام وراءه ثلاثة أرباع قرن أو قرن من الهزائم التامة، ومن تمرد الولاة، سواء في البلقان غير المسلمين أو حتى المسلمين، علي باشا الألباني ومحمد علي والوهابيين. ويرى أنه حتى رجال الدولة المقربين صار لديهم نزوع تغريبي، وأن هذه الحالة التغريبية هي حالة لم تنتج شيئاً؛ لأننا قلنا كل مؤسسات محمود باشا لم تنقذه، وجيشه لم ينتصر. وحتى لما تحولت الدولة بعد ذلك إلى الحكم المركزي، إلغاء الأوقاف وإنشاء البنوك والسيطرة على الأموال وإلغاء الجزية وفرض ضرائب، قلنا الخطين الهمايونين دول كانوا ابتعاداً عن الشريعة ودخولاً في التغريب.

وبالمناسبة، أحب أن أقول إنه حتى كثير من غير المسلمين في الدولة العثمانية ما كانوا راضيين عن ده، هذه كانت رغبة الدولة الأوروبية، أنت بدل ما تبقى مسيحي أو يهودي وأمورك بتحلها داخل الكنيسة أو داخل دينك أو داخل الملة بتاعتك، لم يكن مرحباً أنه في الآخر قضاياك تعرض على الدولة العثمانية على محكمة مدنية. الفكرة لم يكن هذا انسجاماً حتى مع رغبات غير المسلمين، إنما كان تحديثاً للدولة العثمانية على النمط الأوروبي أو تغريباً على النمط الأوروبي.

فعبد الحميد جاء والرجل القوي هو مدحت باشا، ورأى قبله مقتل عبد العزيز وخلعه قبل مقتله بأربعة أيام، فعبد الحميد في اللحظات الأولى فعلياً هيبقى شخص سلم لمدحت باشا ما يريد وما يحب. فمدحت باشا راح عامل دستوراً وعاملاً نظاماً برلمانياً على النمط الذي وجده في أوروبا، جمع طوائف مختلفة وأعيان، عمل مجلس أعيان وعمل مجلس شيوخ وعمل دستوراً. هذا مدحت باشا هو الصدر الأعظم في عهد عبد الحميد.

حصل اشتباك آخر مع الروس، ودي تستطيع أن تقول أنها الحرب القاصمة التي كانت 1877 و1878. هذه الحرب عبد الحميد كان يرى أننا يمكن أن نحلها بالتفاوض بدون الدخول في حرب، لكن مدحت باشا قال له أنت سلطان دستوري والقرار يبقى للحكومة ولمجلس النواب ولمجلس الأعيان، التجربة اللي شافها. النتيجة في النهاية أعلنت الحرب، الدولة العثمانية هزمت هزيمة شديدة، والروس وصلوا حتى أدرنة على بعد كم كيلو من إسطنبول، والثمن المدفوع في المعاهدات كان ثمناً باهظاً، منح الاستقلال النهائي لكل هذه الديار ودفع ضريبة هائلة للروس أشد مما كان في حرب القرم، وهي المعاهدة التي جاءت بمعاهدة برلين.

عبد الحميد اضطر أن يمنح، طبعاً الدولة هتنهار، نحن رايحين نحتل إسطنبول، فعبد الحميد اشترط عليه الإنجليز ومقابل المساعدة التي ساعدوه في هذه الحرب أخذوا قبرص 1878، وبعد شوية احتلت تونس 1881. فعبد الحميد قرر أن النظام الديمقراطي ده، دي برضو الفكرة أنه مش كل الأدوية تنفع في كل الوقت وتنفع لكل الناس. النظام الديمقراطي ده عمل إيه؟ دخلنا في حرب؛ لأن الذين قرروا أن يدخلوا الحرب ناس ما عندهمش المعلومات الكافية وناس حتى ما دفعوش الثمن، وأدوا إلى هذا السبيل. والغرب ما دخلش مع مدحت باشا كما كان يتوقع، وتركنا لقمة سائغة للروس، وفي الآخر انتصار الروس أدى إلى تنازلات للروس وللإنجليز. فعندئذ عبد الحميد ألغى الدستور وأوقف مجلس المبعوثان الذي هو البرلمان، ويبدأ ها هنا ما يسميه المؤرخون عهد الاستبداد الحميدي وعهد حكم الرجل الواحد.

ينسب إليه "السلطان الأحمر"، وحقيقة كلمة السلطان الأحمر هي محض كذبة، لكن كونه حكم حكماً واحداً وفردياً، هذا صحيح. هل كان صواباً ولا كان خطأ؟ هذا هو الخلاف. ستجد دائماً أن المنبهر لا يفرق بين ما يصلح وما لا يصلح، حتى الإنجليز أنفسهم، طبعاً هو لقى برضو أن البرلمان ده بدأت تنشأ فيه النزاعات الانفصالية، بدل ما بتحاول تهدي الأمور الانفصالية، جبت مجتمعين فيه مع بعض؛ لما الأرمن يبقى عندهم انفصال يروحوا الشركس يشوفوهم فيفكروا في الانفصال، يروحوا العرب يشوفوهم فيفكروا في الانفصال. والحجة اللي بيقولها دي هو نفس الحجة التي ممكن يقولها ذلك، أنت عملت بيئة لتمزيق الإمبراطورية العثمانية؛ لأن الدولة العثمانية لم تكن كالفرنسيين والإنجليز، الفرنسيين والإنجليز ما عملوش مثلاً مجلس أعيان جابوا فيه البلاد التي احتلوها لكي تحكم معهم، لن تلاقي مثلاً في البرلمان الإنجليزي ناس هنود مثلاً. لكن الدولة العثمانية لأنه ما كانش عندها منطق الاحتلال أصلاً كما ذكرناه، فكل هؤلاء كانوا مواطنين ورعايا عثمانيين، فأنت لما تجيبهم عشان يثيروا مسألة الانفصال، أنت كده عملت البيئة التي تزيد من نكبات الدولة العثمانية.

في ذلك الوقت، سأجيء للسؤال الأخير أو الشبهة التي قلت عليها، هي بتاعة أحمد عرابي، هل فعلاً عبد الحميد أصدر منشوراً بأنه عرابي عاصٍ ولا لا؟ أنا آسف أستاذ محمد، براحتك، أنت كنت ماشي معنا هيك حلو في الزمن، ما شاء الله عنك، ما مسكت لنا يوماً تقريباً سنة، ووصلنا لعند 1800 و...

أفضل التوقف عند عبد الحميد، لأنه ملف وحده وملف كبير.

كل الاحتلالات التي حكيت لنا عنها في هذه السنين، ما هو موضوع حلقتنا اليوم؟ نحن نقول إننا انتقلنا من الاحتلال الناعم إلى الاحتلال المباشر. هذا الاحتلال المباشر من مقتضياته أن يكون هناك قتل وسفك للدماء وبالحرب وبالأسلحة وبالإذلال، ولا بالوجود فقط؟ تستطيع أن تقول إنه لم تكن هناك قصة احتلال إلا وفيها قتل وسفك دماء واعتداء على الأعراض، والدولة العثمانية عاشت لحظة في غاية الصعوبة وفي غاية العنف.

لو أردت أن تبدأ من البدايات، فما حصل في بلغاريا وصربيا واليونان في العشرينات وفي الثلاثينيات كان كله مجازر ومذابح. وهنا بالمناسبة لا أعفي العثمانيين؛ لأن العثمانيين تتكلم عن دولة في آخرها وتتحرك بدافع البقاء الغريزي، وهناك جنود منفلتون وهناك ولاة متمردون؛ فلا أنفي أنه وقعت من العثمانيين أيضاً مذابح ومجازر. وهذا هو الجزء الذي يتم التركيز عليه كثيراً جداً في الكتابات التاريخية، لكن الذي يُنسى هو ما فعله اليونان وما فعله الصرب وما فعله البلغار وما فعله الجبل الأسود من قتل المسلمين وإبادتهم، وهناك قرى كاملة أُبيدت وهناك قرى كاملة هُجّرت.

تماما، الاحتلال الفرنسي للجزائر وحده كان تستطيع أن تقول إنه عملية إبادة جماعية. بعد خمسين سنة أو بعد أربعين سنة من احتلال الجزائر كان عدد القتلى الجزائريين يقارب أو يجاوز المليون قتيل، وأنا أتكلم الآن على شيء حصل منذ 200 سنة تقريباً؛ فكانت الأعداد مختلفة تماماً. فأنت تتكلم عن حالة من الإبادة الجماعية، وطبعاً المشكلة أن أكثر هذه الأحداث غير موثق وغير مترجم باللغة العربية؛ لأنه أكثره يعتمد على الأرشيف العثماني نفسه وهذا ليس مترجماً، لكن مع ذلك هناك كتب تشرح هذا أو تشير إلى طرف منه.

هذا فضلاً عن فكرة عما سيأتي بعد ذلك، لكن في اتفاقية سان ستيفانو كانت مع الروس، وكان من بين شروطها هو ترحيل كل المسلمين من الأفلاق والبغدان -التي هي تقريباً الآن رومانيا ومولدوفيا- ترحيل المسلمين خلال سنة ونصف، يعني تهجير المسلمين قسرياً من ديارهم. مثلاً في صربيا كان من ضمن بنود الاتفاقية أنه لا يبقى في صربيا مسلمون إلا قادة الحامية؛ الحامية العثمانية التي كانت مجرد شكل اسمي، وبعد ذلك في اتفاق آخر أُلغيت هذه الحامية وأُعطي الصرب الانفصال أو الاستقلال. فدائماً ما كان عندنا دماء، دائماً، لكن التدخلات الإنجليزية كانت أقل في عادتها من الاحتلالات الأخرى؛ كالروس والفرنسيين. وليس معنى هذا أن الإنجليز قوم ودودون، لا، هم الإنجليز قوم باردون عمليون؛ يستخدمون الشدة حيث لا يجدي إلا هي، لكن ما وراء ذلك فلا توجد عندهم مشاكل؛ يستخدمون الشدة حين تكون واجبة وإلا دخلوا في مسألة أنهم يأخذون ما يريدون بسهولة.

فأنت عندك مثلاً الهند كان فيها مذابح، وذكرنا قبل ذلك في حلقة الهند أنهم جاؤوا لابن الشهبندر الأخير برؤوس أبنائه في وجبته التي في سجنه وضعوا رؤوس أبنائه، فقال: «نعم الميتة التي ماتوها». فأنت تتكلم عن حالة من الوحشية، وحالة الهند طبعاً كان فيها مذابح ومجازر، لكن مثلاً دخولهم مصر لم يترتب عليه كثير قتل؛ لماذا؟ لأنه حصل قدر من الاستسلام مع عرابي، وحصل كذلك دخول تقدر تقول تمازجت فيه السياسة مع الحرب.

عبد الحميد وعرابي كلاهما الزمن الذي جاء بعدهما زمن لا يحبهما؛ فكلاهما كان مبغوضاً وكلاهما كان منبوذاً وكلاهما كُتب تاريخه بعين المبغضين له. لكن الذي حصل أن عرابي أخذ حقه بدري شوية سنة 1952، لما حصل انقلاب 23 يوليو 1952 على أسرة محمد علي، فجاء ذكر عرابي على أساس أنه بطل فبدأ يرتد إليه بعض حقه. أما عبد الحميد فلم يرجع إليه بعض حقه إلا مع تورغوت أوزال -الرئيس التركي- بعد 100 سنة تقريباً من وفاته، ثم في عهد أردوغان.

الحادثة التي أنا عن نفسي لم أرَ أحداً بحثها ودرسها بشكل موضوعي هي حادثة إصدار السلطان عبد الحميد منشور عصيان عرابي، ولذلك اهتممت ببحث هذا الموضوع تحديداً، وقدمته لمؤتمر كان في سنة 2018 عن عبد الحميد في الذاكرة العربية: موقف عبد الحميد من الثورة العرابية. ما أكلمك عنه جلست عليه فترة أقلب فيه إلى أن وصلت إلى نتيجة أحسب أنها هي النتيجة الصحيحة.

القصة باختصار كالاتي: الخديوي إسماعيل فيه شبه كده من السلطان عبد العزيز، الرجل متغرب غاية ما يكون التغرب ومع ذلك فشل، عنده ديون كثيرة وعنده مشاكل كثيرة والناس في فقر شديد والبلد فيها نفوذ أجنبي هائل ومش عارف يحل الموضوع، فبدأ الغضب يتسارع وكلما عمل شيئاً تنفلت منه وتأتي ضده. فبرز في مصر تمرد بدأت بذرته من الجيش؛ مجموعة من الضباط الوطنيين يتزعمهم أحمد عرابي، أو كان زعيمهم الأبرز هو أحمد عرابي، وفيهم محمود سامي البارودي الذي هو شركسي وليس عربياً وليس مصرياً.

هذه بذرة التمرد سرعان ما تلقفتها حالة مدنية ساخطة أيضاً من العلماء ومن الأعيان ومن السياسيين، فبات البلد كله في حالة كراهية لبقاء إسماعيل. طبعاً إسماعيل خديوي مستبد، فحاول أن يعتقل هذه البذرة التي هي بذرة الضباط، فحصل تمرد عسكري أخرجوا عرابي وأصحابه من السجن وساروا. طبعاً هذا توفيق، لكن أنا أتكلم الآن على إسماعيل، إسماعيل في البداية لم يستطع أن يستوعب هذه الحالة، فباختصار اتفقت الأطراف القوية على عزل إسماعيل؛ السلطان عبد الحميد والإنجليز والفرنسيون.

السلطان عبد الحميد كان يريد عزل إسماعيل لأنه رأى أن إسماعيل أخذ مصر وانفصل بها عن الدولة العثمانية، ومصر كثر فيها الأجانب، وعبد الحميد عنده مشروع إسلامي وعنده مشروع استعادة البلاد الإسلامية. رقم اثنين: الناس لا تريد إسماعيل لشدة النفوذ الأجنبي. رقم ثلاثة: الأجانب أنفسهم أرادوا أيضاً خلع إسماعيل لأغراض أخرى، أولها الأمور البادية الواضحة للعيان أن إسماعيل أعلن إفلاسه، وقال: أنا ليس عندي فلوس أسددها، وأنا الآن عندي برلمان وعندي حكومة دستورية هي التي تقول لي اعمل أو لا تعمل، فهم قالوا له بالمنطق: الديمقراطية علينا نحن، لا ينفع تستخدم الديمقراطية ضدنا.

المهم حكمت عليه المحاكم المختلطة بنزع أملاكه. إسماعيل لما رأى حالة تململ شعبي وحالة سلطان غاضب راح شال الوزيرين الأوروبيين وكلف حكومة جديدة، والبرلمان المصري أراد أن تكون مسؤولة أمامه. اتفقت إرادات الأطراف على خلع إسماعيل وتولية توفيق. جاء توفيق وتولى برعاية، فأنت تحاول تسحب ثورة وتضحي برأس النظام لتحافظ على النظام، فمهمة توفيق والحكومة الجديدة أنها تمتص هذه الثورة وتهدئها. فمن 1879 إلى 1881 وهو يحاول أن يفعل هذا بهدوء، يفكك الحالة العسكرية ويعيد السيطرة مرة أخرى على البلد وعلى الحكومة، فوقع اصطدام؛ كلنا كنا متفقين على عزل إسماعيل، لكن الآن وقع اصطدام بين الجماعة الوطنيين الذين رأس حربتهم الجيش وأحمد عرابي يريدون حكومة دستورية مسؤولة أمام البرلمان تراجع الميزانية وتفصل فيها، والإنجليز والفرنسيون يقولون: لا يا حبيبي، البلد هذه بلدنا، ونحن منذ 70 سنة مستفيدون منها، لا توجد حاجة اسمها وزير إنجليزي أو فرنسي يقف قدام برلمان مصري يقول له صرفت هذه في ماذا وعملت هذه في ماذا!

ها هنا وقع الشقاق والفصال بين الطرفين وتجددت الثورة مرة أخرى. لما تجددت الثورة مرة أخرى وجهة نظر الإنجليز والفرنسيين كالتالي: ينبغي أن تتدخل الدولة العثمانية لكي تحافظ على استقرار الأوضاع في مصر وتثبيت حكم الخديوي أمام الخارج المتمرد عاصي عرابي. وبالتالي بالنسبة للإنجليز والفرنسيين توفيق وحكم أسرة محمد علي يثبت بدماء عثمانية، تأتي القوات العثمانية تقاتل العرابيين، فتقاتل الجيش المصري، والأموال تدفعها الخزينة المصرية، وهذا فعلاً العرض الذي عرضه الإنجليز والفرنسيون.

عبد الحميد من وجهة نظره وجد في هذه العصبة أمله في أن يستعيد مصر مرة أخرى، يستعيدها من النفوذ الأجنبي أو حتى يستعيدها من أسرة محمد علي، فهناك مراسلات سرية بينه وبين عرابي من ثلاث طرق مؤكدة ومن طريقين يغلب فيهما الظن. السلطان عبد الحميد كان يريد أن يرجع مصر، وشايفها فرصة سانحة ممتازة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، فلذلك عبد الحميد كان داعماً تماماً لعرابي ولحركة عرابي، وتبدى هذا في أكثر من موقف منها بعثة نظامي وبعثة درويش، وهو عبد الحميد الذي أعطى لعرابي لقب باشا وهو الذي أعطاه الوسام المجيدي.

لكن عبد الحميد كان عنده مشكلة ممكن نأتي لها بالتفصيل، هو أنه يريد هذه القصة أن تحصل بدون ما نضطر للدخول في حرب، هذه سياسة عبد الحميد التي اعتمدها طول عهده، مش عايزين حرب. فهو عمال يراسل عرابي ويدعمه: يا ولدي إني أثق فيك، يا ولدي أنا ما عندي إشكال أصلاً مين يبقى خديوي مصر سواء من أسرة محمد علي أو من خارجها، كان في احتمال واحد ثانٍ اسمه حليم باشا من أسرة محمد علي وعبد الحميد كان عينه صدراً أعظم فيما بعد، لكن أهم حاجة خذ بالك من تصرفاتك، لا تؤدِّ إلى تدخل الأجانب. هذا القيد قيد هائل في ذلك الوقت، عارف أنت لما تبقى في ثورة ومحتاج حسم وعندك هذا القيد. عرابي أيضاً يجد في عبد الحميد شرعية، أنت الآن واحد في الجيش المصري لما واحد يقول لك أنت لماذا عصيت الأوامر، لماذا تثور على الخديوي؟ فعرابي وجد في عبد الحميد الشرعية العليا: نحن أتباع السلطان، ونحن أصلاً نريد مصلحة البلد. عرابي رجل إسلامي ومذكراته تنطق بإسلامية شديدة، وتعلم في الأزهر، وكان في كل أوقاته يؤكد على أنه مخلص للسلطان العثماني وأن حركته ليست حركة انفصال، بل حركة تبعية وإصلاح في الجيش.

اشتعلت معركة سياسية هائلة بين الإنجليز والأوروبيين من طرف وعبد الحميد من طرف ثانٍ، خلاصتها: الإنجليز يقولون لعبد الحميد لابد أن تنزل جيشاً عثمانياً يعيد الأمن والاستقرار، وعبد الحميد يماطل في هذا ويقول: الموضوع ما يستاهل، أنا تواصلت مع الناس وقالوا لي إنهم كويسون وإنهم تبعنا، ولا يوجد خطر على الأجانب ولا خطر على غير المسلمين. لما يئس الإنجليز من استجابة عبد الحميد راحوا عملوا إيه؟ راحوا نزلوا بأنفسهم، جاؤوا بجيوشهم وأساطيلهم لاحتلال مصر. عبد الحميد كل ما يحس أن الإنجليز رايحين يعملوا حركة يروح يسبقهم بعمل حركة، يقول لهم: طيب تعالوا نعمل مؤتمر القسطنطينية، مؤتمر لبحث المسألة المصرية، أنتم لستم أصحاب المصلحة فقط.

انتم لكم مصالح في مصر وخايفين عليها. تعال نجيب الفرنسيين، ونجيب الألمان، ونجيب البتاع، ويروحوا يجيبوا بقية الدول عشان الموضوع يتعرقل، وتختلف المصالح، وتضطرب. وحاول الإنجليز إدارة مؤتمر القسطنطينية فلم يعرفوا، وضربوا بتوجهاته عرض الحائط، ونزلوا بجيوشهم إلى مصر. وحصلت المشكلة بتاعة عرابي، وبتاعة قناة السويس، وغيرها.

عبد الحميد لما رأى الإنجليز رايحين ينزلوا مصر، وضع الوضع تغير فعلياً. الآن معركة السياسة عبد الحميد كسبان فيها، والإنجليز ليسوا قادرين على الحصول على جنود عثمانيين، ولا تثبيت حكم الخديوي بشرعية سلطانية. هنا الوضع تغير، المعارك السياسية عبد الحميد هو الذي كسبان فيها، لكن لما تغير الموقف على الأرض وبقيت قوات إنجليزية على الأرض، انقلب الموقف السياسي. فإذا بعبد الحميد يريد أن يرسل جيشاً عثمانياً إلى مصر بدل ما مصر تضيع وتخرج من أسرة محمد علي للإنجليز، ينزل جيش عثماني حتى ولو سيثبت حكم الخديوي، بس في الآخر نحافظ على الرابطة التي كانت بين مصر وبين الدولة العثمانية، وعلى الأقل لا نسمح باحتلال إنجليزي في مصر.

هنا تغير الموقف السياسي، الإنجليز قالوا له: لن نسمح للسلطان بإنزال جيوش الآن، والحرب رايحة تشتعل، إلا لو أصدر بياناً واضحاً يقول فيه بتثبيت حكم الخديوي، وأن عرابي هذا عاصي. عبد الحميد ماطل حتى في صياغة الكلام، والسفير الإنجليزي في إسطنبول يومين ثلاثة وهو يراجع الصياغة، ومنفعل أن الصياغة لا تؤدي الرسالة المطلوبة.

لكن حيث إن الإنجليز داخلون على الأرض، ونزلوا على الأرض فعلاً، ودخلوا إلى مصر فعلاً، وجيش عرابي في الإسكندرية، تم احتلال الإسكندرية فعلاً. صحيح جيش عرابي وقف أمام الإنجليز في كفر الدوار، لكن في قوات إنجليزية جاءت من قناة السويس مع خدعة ديليسيبس ونزل الإنجليز على الطرف الشرقي. عبد الحميد ماذا كان يريد؟ كان يريد إنقاذ الموقف، أن تنزل جنود وجيوش عثمانية لكي لا ينفرد الإنجليز باحتلال مصر، أو لا ينفردوا بالقرار في مستقبل مصر. فبعد فوات الأوان، وبعد نزول الاحتلال فعلاً، وبعدما بدا أن عرابي مهزوم فعلاً، ساعةئذٍ أصدر هذا المنشور، والغرض أن هذا المنشور هو الشرط الإنجليزي لكي يسمحوا بنزول قوات عثمانية.

عبد الحميد كان قصده أن هذا إجراء شكلي. أنا بدي أنقذ الوضع، عرابي هزم تقريباً، فإما أن تنفرد إنجلترا بمصر، وإما أن يكون العثمانيون والإنجليز موجودين في مصر، وشركاء في إخماد هذه الحركة أو شركاء في المستقبل. الإنجليز كسياستهم عملوا إيه؟ أخذوا المنشور وطبعوا منه مئات آلاف النسخ أو أكثر. وتشوف رسالة السفير لقائد الأسطول يقول له: أول ما يجي لك حد من الأسطول العثماني عايز ينزل مصر، تجيبه بألطف العبارات الممكنة، أنه لم تصلني أوامر بعد لأسمح بنزول قوات عثمانية. الإنجليز أخذوا المنشور ووزعوه، وده كان قبل يومين فقط من هزيمة التل الكبير، ومنعوا الجنود العثمانية من أن تنزل، حيث إننا تكلفنا إخماد هذه الثورة بجنودنا وبأموالنا. فلذلك من دقق في التواريخ رأى أن عبد الحميد لم يصف عرابي بالعاصي أو بالخائن إلا في هذا الظرف الدقيق الذي يريد به إنقاذ بقية اتصال مصر بالدولة العثمانية، وأراد به إنقاذ مصر أن ينفرد الإنجليز بقرارها.

من اللطيف أو الدليل هنا أن عرابي مات قبل عبد الحميد، عرابي لم يهاجم السلطان عبد الحميد رغم أنه المتضرر الأول، وكتب مذكراته بعد عودته من منفاه، ولم يهاجم عبد الحميد، بل لم يصدق أن عبد الحميد يمكن أن يصدر هذا القرار، وقال: إن القرار ده ممكن يكون أصدره سعيد باشا، الإنجليز رشوا سعيداً الذي هو رئيس الوزراء ووزير الخارجية في ذلك الوقت. القصد هنا أن هذه التفصيلة حقيقة لم يكن يحب أحد أن يصل إليها من المؤرخين لأنها ضد التوجهات القومية والوطنية. المؤرخ الوطني الذي قاعد يكتب في مصر وشايف أن استقلال مصر حاجة مهمة ولطيفة ومتميزة، وشايف أن الاحتلال التركي، أسهل عليه أن يقول: هذا الاحتلال التركي سلمنا للإنجليز، وهذا السلطان باع عرابي، وهذا الخليفة الإسلامي، عشان يطعن في الخلافة الإسلامية ويطعن طبعاً في مجمل العلاقة الإسلامية.

على كثرة ما كتب في التاريخ المصري، إلا أن هذه الحادثة تحس أن المؤرخين الوطنيين المصريين، وأنا قرأت كل ما أتيح لي من كتب وأنا أدور على سر هذا الموضوع، تشعر أنهم، حتى مؤرخين معروفين بالدقة وبالصبر وبالتنقيب وبالأرشفة، يعني ناس أساطين في مجالهم، ويجي عند الحتة دي وتحس الدنيا باظت عنده والتواريخ راحت، والتحليل والعقلانية والموضوعية طارت فعلياً، لأنه في الآخر عنده النزعة الوطنية المصرية تعميه وتصمه عن أن يرى الأمور في طبيعتها. وبالتالي، إصدار عبد الحميد هذا المنشور هو الشذوذ، أنا مثلاً بعد هذه السنين كنت أحب ألا يصدره، لكن وهو أصدره، أنا أتفهم لماذا أصدره، أتفهم الضغط الذي كان واقعاً فيه، خصوصاً وأنا تابعت المراسلات التي كانت بينهم.

ما الذي كان يتوجب على السلطان عبد الحميد أن يفعل حتى لا نصل إلى هذه النتيجة؟ هنا الحتة التي أقول لك عليها، خلينا في عبد الحميد، لما نجيء لعبد الحميد نحاول نتصور هذا الرجل كيف تشكل عقله، كيف تشكلت نفسيته، كيف تكونت سياسته التي اعتمدها، طب والسياسة دي في الآخر كانت مفيدة ولا ما كانتش مفيدة؟ خلينا عبد الحميد ده، حلقته مهمة جداً.

أنا صافن وأنا بأحكي أنه هذا المحتل شوف كيف يقرر أنه يعزل حاكماً ويضع حاكماً، أنه يسمح للجيش أن ينزل أو يمنع الجيش أن ينزل، وآخر شيء يقول لك ما هو الاحتلال أو الاستعمار لا، نحن ما نتدخل بقرارنا، لا يصل إلى منطقة أو مرحلة أن يصنع حاكماً أو يضع لك حاكماً؟ ونحن بأحكي عن تاريخ قريب يعني مش بعيد، فهي كارثة. إذا المحتل يتحكم في كل شيء، لدرجة أنه يحل حاكماً ويضع حاكماً. وبالمناسبة، ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية، أمريكا فعلاً اعتمدت هذا النمط، أنا ليه أنزل وأحكم بنفسي إذا كنت قادراً على التحكم في من يحكم البلد؟ أنا عندي قاعدة أمريكية، طالما عندي قاعدة أمريكية في البلد الفلاني، طب أنا أتدخل ليه؟ ما يجيء واحد من نفس القبيلة ويجيء واحد من نفس البلد وهو بيبقى أعرف بها وعنده عصبته وعنده خبرته المحلية، أنا في الآخر واخد مكاسب الاحتلال دون أن أدفع تكاليفه. أصلاً البلاد التي فيها قواعد أمريكية، هي أمريكا التي تصرف على القاعدة؟ ده البلد هي التي تصرف على القاعدة الأمريكية، هو مستمتع بمغانم الاحتلال.

خلاصة شبهة أن عبد الحميد خائن وعرابي بطل؟ عبد الحميد أصدر المنشور في اللحظة الأخيرة، حيث كان عرابي قد هزم فعلياً أو كانت هزيمته في حكم المحتوم، لمحاولة إنقاذ مصر من الوقوع تحت الاحتلال الإنجليزي.

ليش ما في أي حد من الأقطار التي تم احتلالها ساعد الأقطار الأخرى؟ كما قلنا حالة التفكك والتمزق والاستقلالات الداخلية، أنت لما تبص على الدولة العثمانية علشان تقول مين يساعد مين، إذا كان الرجل الموجود في مصر، محمد علي وأولاده، هم أساساً من أعداء الدولة العثمانية، وكادوا أن يقتحموا عاصمتها. الجزيرة العربية ما تزال فيها الحركة الوهابية، وهذه الحركة استقلت فعلياً، وهاجمت بغداد وهاجمت دمشق وهاجمت حتى وصلت إلى حلب واستولت على الحجاز، مين القوة التي ممكن مثلاً تروح تساعد الجزائر مثلاً؟ الدولة العثمانية إذا كانت تعاني من استقلالات في عمقها، البلقان، بلاد حكمتها من 300 و400 سنة وهي تثور عليها زي الصرب، والبلقان، وأفلاق والبغدان، بتفقد أراضي، بتفقد جزيرة القرم، بتفقد أراضي في القوقاز، فمن الذي يدافع عن من؟ ونموذج محمد علي، هذا النموذج نفسه اتكرر في إيران مع واحد اسمه الشاه ناصر الدين، هذا أخذ النصف الثاني، حكم من 1848 لـ 1896، عمل فيها الذي عمله محمد علي. فأنت بتتكلم عن حالة من الضعف ومن التمزق ومن التشتت، ما كان السلطان العثماني قادراً أن يحافظ على ما تحت قدمه، فضلاً عن أن يدافع عن هذه الأقطار البعيدة.

مع نهاية القرن التاسع عشر، شكل الدولة العثمانية جغرافياً كيف كان؟ نقدر نقول عند عهد عبد الحميد، كانت الدولة العثمانية هي الأناضول، والشام، والحجاز، والعراق، وليبيا، لكن فقدت تونس، فقدت الجزائر، فقدت مصر، فقدت قبرص، وفقدت عملياً أكثر البلقان، وإن ظل هناك سيادة اسمية على بعض المناطق. ولايات السودان مع من كانت؟ تابعة لمصر، محمد علي راحت بالاحتلال الإنجليزي، لأنه بقى عندنا احتلال إنجليزي، والاحتلال الإنجليزي ألحق الجيش المصري واستولى على السودان، احتلال مصر اعتبره يساوي احتلال السودان بالمرة. وفي ذلك الوقت بريطانيا كان لها مستعمرة في عدن 1820، وكانت سيطرت أو وقعت اتفاقيات مع حكام الخليج، نقدر نقول انتهت هذه الاتفاقيات بخضوعهم جميعاً في 1853، بس كانت عايزة إيه من الخليج ومن عدن؟ حراسة الطريق إلى الهند، ما كان لها أطماع داخل هذه البلاد، لأن البلاد هذه قبل اكتشاف البترول كانت صحاري، والناس التي فيها عايشين على السمك، عايشين على صيد اللؤلؤ، فكانت عندها قواعد بحيث بس سفنها تعرف تتمون، تعرف تنزل بدون ما يتعرض لها، طبعاً حصلت أحياناً ثورات ومحاولات زي القواسم، فضربت، وطبعاً حصل برضه معارك في اليمن فضربت وتفوق عليها البريطانيون بالمدافع والأسلحة.

في المحور التاسع، شكل العالم العربي من حيث الاحتلالات من عند المغرب الأقصى إلى الدولة العثمانية؟ المغرب الأقصى سيأتي له الاحتلال بعد بداية القرن العشرين بشوية، لكن كان عملياً تحت السيادة أو تحت الهيمنة والنفوذ الأجنبي، إسبانيا والمغرب مع بعض، الجزائر مع فرنسا، تونس مع فرنسا، ليبيا باقية مع الدولة العثمانية، مصر مع الإنجليز، الشام مع الدولة العثمانية، الحجاز مع الدولة العثمانية، العراق مع الدولة العثمانية، والأناضول مع الدولة العثمانية. ساحل الخليج هذا كما قلنا في نفوذ للبريطانيين، إيران يقتسمها النفوذ الإنجليزي والروسي، الإنجليز واخدين الجنوب، والروس واخدين الشمال نفوذ عملي، وبعد كده الهند مع الاحتلال الإنجليزي، وبقية العالم الإسلامي، هنا احتلال إنجليزي، وفي احتلال فرنسي، وفي احتلال هولندي، وفي احتلال بلجيكي على حسب حالة الجزر وتبعيتها، في تفاصيل وتداخل، مناطق ما وراء النهر يتمدد إليها الروس الإمبراطورية الروسية، حتى الصين وقعت تحت الهيمنة الإنجليزية في حربين مشهورتين، حرب الأفيون الأولى وحرب الأفيون الثانية، دول الحربين بريطانيا حاربت فيها الصين لكي تسمح بزراعة الأفيون، تجبرها على زراعة الأفيون لأنه مفيد بالنسبة للبريطانيين.

هذا القرن، القرن التاسع عشر، قرن يجيب صداع من العيار الثقيل، العالم الإسلامي تقريباً احتله تحت الاحتلال المباشر، مش الناعم، إلا هذه المناطق التي حكينا عنها.

القرن التاسع عشر هذا كان ذروة التفوق الغربي، وانحطاط أو انهيار العالم الإسلامي. طبعاً هيجيء القرن العشرين هيبقى فيه ذروة أخرى للتفوق الغربي، وسيبقى فيه انحطاط أكثر للعالم الإسلامي، ولكن هذه لحظة الانكسار، هذه لحظة الانهيار.

تلك اللحظة التي كانت الأمة شايفه فيها إنها أمة واحدة. لكن هييجي القرن العشرين وهيبقى مفهوم الأمة نفسه مفهوم ممزق ومشتت. وفتح باب الاحتلال والاستعمار؛ ومنهم من خرج من الباب وعاد من النافذة، ومنهم من بقوا إلى آخره. طبعا قصة الجزائر هي قصة كبيرة لحالها، احتلال الجزائر صراحة هذا بده حلقات وحلقات عشان توقف عليه وتحكيه، هو إحنا أصلا ما حكيناش على احتلال أي قطر.

ممارسات المحتل في كل هذه الأقطار على أهل البلاد أياً كان تصنيفهم كان شرساً عنيفاً. ممارسات الاحتلال في أي قطر من الأقطار بتساوي ممارسات الاحتلال الناعم؛ اللي هو محمد علي في مصر، اللي هو عبد المجيد ومحمود؛ اللي هو تركيز السلطة بيد الدولة وتجريد المجتمع من السلطات. يعني في كل مواطن الاحتلال حصل الآتي: تجريد الناس من السلاح، الاستيلاء على الأوقاف، التضييق على اللغة العربية والتعليم الديني، كسر شأن العلماء، إنشاء المدن الحديثة التي بتبقى مكشوفة أمام السلطة. يعني ما فعله الاحتلال الناعم هو بنفسه ما فعله الاحتلال المباشر.

القاعدة واحدة خلاصتها: سحب كل عناصر القوة وتركيزها في يد سلطة الدولة، وتجريد المجتمع من كل أنواع القوة؛ قوة مادية أموال وأسلحة، وقوة معنوية وعلمية بقى اللي هو الأوضاع الاجتماعية والثقافية والتعليمية، وحالة العلماء. كل هذا جرى تفتيته لحساب إنشاء دولة حديثة، الدولة بتعمل مدارس، الدولة بتسيطر على القضاء، الدولة تسيطر على الأموال، الدولة تحتكر السلاح، الدولة تسيطر على الإحصاء؛ كل واحد معاه بطاقته في جيبه، أملاكه مسجلة وموثقة، تفرض عليه الضرائب بدون مفهوم. هذه هي حالة الاحتلال.

أستاذ محمد جزاك الله خيراً، انتهت الحلقة مع هذه الكلمات الطيبات. أما أنتم إخواني أينما كنتم ما تنسوا أن تشاركوا هذه الحلقة مع إخوانكم أحبابكم أصحابكم، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة من هذه السلسلة دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.

لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي، ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته، قادته وعلماؤه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب. تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.