دخولتسجيل الدخول

100سؤال في التاريخ | 57. لغز السلطان عبد الحميد الثاني.. الشخصية المعقدة والزمن الصعب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أنا لا أخفيك سرًا أن ملف عبد الحميد من الملفات الكبيرة والمعقدة، وعن كيف استطاع أن يدير ويحكم تركة ثقيلة جدًا، وأن يصمد في الحكم 33 عامًا كشخص لم يكن يتوقع أن تصل إليه السلطنة أصلًا. لما استلم كانت عندنا خزينة مفلسة، وديون بالملايين، واستلم جيشًا منهكًا، واستلم تمردات لها أول ما لها آخر. الأهم من ذلك أنه استلم صلاحيات وأوروبيين يريدون أن ينقضوا، وداوني بالتي كانت هي الداء. الواحد حين ينظر لهذه التفاصيل يعرف من أين جاءت القصة، وحين يقول لك "ذبح الأرمن" لأجل إقليم أرادوا الدفاع عنه باسم الوطن، من أجل إقليم خسرت الدولة العثمانية كل الجانب الأوروبي.

وهل يلام السلطان عبد الحميد في أنه عطل الدستور؟ وأنت تتخلص من معاهدة بهذا الشكل بمعاهدة أقل ضررًا. لما أنت تحكي لنا أستاذ محمد أنه يرى كل هذه الاحتلالات ولا يتدخل لأنه لا يريد حروبًا، طيب ما هم يحتلوننا في الآخر! العبارة ظاهرها صحيح، لكن الذي يدخل في التفاصيل يرى صورة أخرى. طيب اليوم لماذا نحن نريد أن نلوم هذه الدول التي لا يعرفون أن يقفوا لا مع السودان ولا مع فلسطين؟ يعني مثلًا شوف عبد الحميد، مهما أنكر عليه الطاعنون فيه، ما أحد يستطيع أن يقول إنه خان حركة مقاومة، أو أنه كان يتواطأ عليها أو يتآمر عليها.

هل هو دعم الصهيونية؟ تنازل عن شيء من فلسطين؟ كان صخرة هائلة في تدفق اليهود إلى فلسطين. مناقبه كثيرة جدًا. في النهاية عبد الحميد كان السد الذي لما انهار انهارت الدولة العثمانية، ولا عبد الحميد هو الذي أدى إلى المصائب التي أوصلت إلى انهيار الدولة العثمانية؟ الذي يسمعك ويسمع الإجابة التي تفضلت فيها قد يصاب بشيء من الارتباك. نحن قلنا إنه ملف معقد فأنا مرتبك، شو أعمل؟ حالة التاريخ زي حالة الطب، زي حالة الهندسة، زي حالة الدين؛ أنت إذا لست متخصصًا في موضوع تذهب إلى من تثق بعلمه ودينه.

سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من سلسلة "100 سؤال في التاريخ". هذه السلسلة كما تعودنا دائمًا وأبدًا نجيب من خلالها عن التساؤلات الملحة التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. نحن لا نزال في المحور التاسع، محور حقبة الاستعمار الأجنبي، ولمن انضم إلينا وصلنا إلى الحلقة السابعة. كما تعودنا دائمًا وأبدًا لا يستقيم ولا يصلح أن تبدأ هذه السلسلة دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلًا وسهلًا أستاذ محمد.

حياكم الله يا أبو الحارث، يا مرحبًا.

حياكم الله أستاذ محمد. إذا كنت عزيزي المشاهد ممن يكره الأسئلة الطويلة فأنا أحب أبشرك أن السؤال الذي سأطرحه سؤال طويل، فأنت دبر حالك؛ بدك تعمل "سكيب" عن السؤال وتروح للإجابة على طول زي ما بدك، بدك تسمعه مشان تعرف شو سألنا وبالتالي الأستاذ محمد شو حيجاوب فلك ذلك أيضًا. أستاذ محمد اسحب نفسًا عميقًا لأننا وصلنا لسؤال 88، سؤال كبير وبصراحة أنا مش عارف أسأله أم لا أطرحه، كيف؟ يعني جلست أشغل بالي.

نعم، لكن شوف أنا سأسأل ولك كامل الحرية ابدأ من أين ما بدك، لأنه صراحة تقريبًا يعتبر هذا السؤال من أصعب أسئلة السلسلة. هناك أسئلة صعبة طرحت ولكن هذا السؤال أيضًا هو من أصعب أسئلة السلسلة في محور حقبة الاستعمار الأجنبي. أستاذ محمد، أتتذكر نحن أجلنا ملف السلطان عبد الحميد الثاني إلى هذا المحور؟ وجاء اليوم الموعد، اليوم سنتحدث عن قصة السلطان عبد الحميد الثاني وغروب شمس الخلافة العثمانية. لماذا نتحدث عن السلطان عبد الحميد الثاني في هذا المحور أستاذ محمد؟ لأنه وصل إلى الحكم في زمن الاحتلال، ويمكن يكون في ذروة زمن الاحتلال.

قيل عنه سلطان قوي، محبوب، متدين، استطاع أن يبقى في الحكم 33 عامًا، ومع ذلك لم يستطع أن يوقف الانحدار أو الانهيار الذي تعرضت له هذه الدولة، إلى أن وقع الانقلاب عليه وعُزل عن الحكم. السلطان عبد الحميد الثاني الذي يعتبر من أشهر سلاطين الدولة العثمانية في عصر الضعف، أريد أن أسأل حوله أستاذ محمد مجموعة من التساؤلات كما تعودنا في هذا المحور، لأنه صراحة هو محور بحبوح واسع، لا تعرف من أين تؤكل الكتف.

أولًا نريد أن نسأل: كيف استطاع أن يدير ويحكم تركة ثقيلة جدًا، وأن يصمد في الحكم 33 عامًا؟ تعرف أنت المعطيات هذه لو أعطيتها لأي أحد ثاني مهما كان بارعًا في السياسة وتقول له احكم تفضل، حيقول لك شكرًا أنا متبرع لكم فيها، إلى اللقاء باي باي. السؤال الثاني: لماذا عجز السلطان القوي خلال فترة حكم طويلة نسبيًا عن تجديد الدولة العثمانية؟ ومن ثم كيف جرى الانقلاب عليه؟ ونريد أن نسأل أستاذ محمد يعني هيك بكل موضوعية وبكل حياد: ما هو التقييم الموضوعي لشخص السلطان عبد الحميد الثاني؟ وأيش كان مصير الدولة العثمانية بعد خلعه وعزله أيضًا؟ إذا طبعًا تحب هيك تتكرم علينا وتعطينا هدية في البداية، هيك تعمل لنا مدخل، إذا كان بالإمكان تحكي لنا كيف كان شكل الدولة العثمانية هذا العالم، أيش التفاصيل حتى نحن نشكل الدنيا سياسيًا كيف كان لما هو استلم الحكم؟

أما الشبهات، وهي السلسلة أستاذ محمد تحكي عن الشبهات؛ شوف بالأساس أنا كنت أريد أن أقف هنا بالأسئلة، بس أنا لما فتحت ملف السلطان عبد الحميد طلعت لي كمية شبهات. شوف، أنا حصرتها زي الصاروخ عشان ما أطول أكثر من هيك، وزي ما حكيت لك اعمل الذي بدك إياه أنا والله موافق. شوف الشبهات التي لفتت هيك على السريع -هذه بعضها مش كلها-: شبهة الحكم الاستبدادي وتعليق الدستور؛ شبهة قمع الحريات والرقابة الصارمة، هي قصة الشرطة السرية وهوس المؤامرات؛ مما أثير حوله شبهة المذابح الحميدية؛ شبهة بيعه لفلسطين وتواطئه وتآمره مع الصهاينة على عكس ما يشاع أنه لم يتنازل عن شبر من أرض فلسطين؛ شبهة استغلال الدين سياسيًا؛ وأيضًا شبهة الارتهان للألمان؛ شبهة مسؤوليته عن أحداث 1909 وخلعه التي عرفت بأحداث 31 مارس أعتقد؛ وشبهة تضخيم صورته عبر الاضطهاد. شبه كثيرة جدًا، من أين ستبدأ؟ كيف ستستمر؟ أين ستنتهي؟ لك القرار والخيار، أنا على الذكر والدعاء والميكروفون معك أستاذ محمد.

على بركة الله نبدأ. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أنت برأت نفسك تقول اعمل "سكيب" للسؤال، أنا أقول له يعمل "سكيب" للإجابة كذا، لا مشكلة. السؤال ماشي بس يعني... أيوه يا سيدي، شوف يا سيدي، أنا لا أخفيك سرًا أن ملف عبد الحميد من الملفات الكبيرة والملفات المعقدة. وعبد الحميد من أكثر السلاطين العثمانيين الذين كتب عنهم كتب، بل هو على حد علمي أكثر من كتب عنه كتب ومؤلفات من السلاطين العثمانيين؛ يعني لا الفاتح ولا سليمان القانوني ولا الأسماء العثمانية البارزة ولا الأحداث العثمانية البارزة كتب عنها، على الأقل فيما أعلم، مثل ما كتب عن عبد الحميد.

وأنا عن نفسي لا أتذكر الآن كم مرة كنت في برنامج أتكلم عن عبد الحميد، ولا كم مرة أديت محاضرة ولا دورة عن عبد الحميد، ومع ذلك في كل مرة أتكلم عنه ما زلت أتحير من أين أبدأ، وكيف يمكن معالجة هذا الموضوع؟ لأنه فعلًا هو رجل معقد، كثير المداخل وفي زمن معقد، والنتائج التي بنيت على سياسته وعلى خلعه وحتى تناول تاريخه فيما بعد أيضًا أمر معقد. طيب نبدأ من أين؟ سأقول لك يا سيدي صلي على النبي. اللهم صل على سيدنا محمد.

خليني أقول لك هو عبد الحميد لماذا موضوع شائك أصلًا؟ إيش الذي خلى عبد الحميد شخصية مركزية في التاريخ الإسلامي وفي التاريخ العثماني؟ لأنه أول حاجة لأن عبد الحميد هو نموذج لتاريخ مغلوب. فاكر نحن في بدايات هذه السلسلة لما تكلمنا عن سؤال: "هل التاريخ يكتبه المنتصر؟" فقلنا ساعتها إنه في بعض المؤرخين شايفين التاريخ يكتبه المنتصر، يكتبه بوسيلتين مش وسيلة واحدة؛ وسيلة أنه منتصر فلازم يقدم روايته للتاريخ علشان يبرر انتصاره ويعظم انتصاره ويرسخ انتصاره. يعني أي واحد عمل حرب، أي واحد عمل انقلاب، أي واحد عمل ثورة لازم يقول هو عمل كذا ليه؟ لازم يروي التاريخ علشان يؤكد روايته للتاريخ وإلا سيبقى انتصاره هذا بلا معنى، أو سيصبح ظلمًا وجورًا وطغيانًا. الحاجه الثانية المنتصر عنده وسائل إجبارية لكتابة التاريخ، عنده ضرورة دافعة وعنده أدوات المنتصر الحاكم عشان يكتب تاريخ.

الحاجة الثانية أنه لما ينتصر بيبقى نموذجًا ملهمًا. مش شرط كل الذي يكتبون في مدح هذا المنتصر يبقى هو أجبرهم أو اشتراهم بالمال أو هددتهم، لا؛ هو لما انتصر صار نموذجًا ملهمًا ومتفوقًا فأعجب به آخرون فكتبوا تاريخه على الوجه الذي يظهر مناقبه. طيب هل فعلًا التاريخ يكتبه المنتصر؟ ذكرنا أنه المؤرخين منقسمين بأن التاريخ فعلًا يكتبه المنتصر والناس تقول لا التاريخ دائمًا أكبر من المنتصر، والدليل على ذلك أنه أول ما المنتصر هذا يروح ويصبح تاريخًا ينبعث تاريخ خصومه من جديد؛ فالتاريخ كأنه يثأر من المنتصر الذي أجبره على أن يسير في مسار معين.

عبد الحميد هو نموذج آخر؛ خليفة مسلم عمليًا الخلافة الإسلامية والخليفة المسلم الذي هو رئيس المسلمين جميعًا، النموذج هذا منذ عبد الحميد إلى أيامنا هذه نموذج مغلوب. نموذج مغلوب، وبالتالي فسائر المنتصرين الذين غلبوه، وسائر من لا يحب عودة هذا النموذج مرة أخرى، لا بد أن يقدم الرواية التي تجعل عبد الحميد شخصًا مبغوضًا ومنبوذًا ومكروهًا. الذي غلب هو في تشويه الذي غلب تمام. فبالتالي تعال أنت شوف نموذج عبد الحميد هذا؛ الذين غلبوه ما زالوا موجودين حتى الآن، والذين يكرهون نموذجه ما زالوا هم السائدين الغالبين الحاكمين الموجهين لحركة التاريخ حتى الآن.

يعني أستاذ محمد السلطان عبد الحميد الثاني لا يصنف من المغلوبين؟

يصنف من المغلوبين. ولأجل أنه من المغلوبين، ولأجل أن نموذجه نموذج الخلافة الإسلامية نموذج مغلوب ومهزوم وانتهى، والذين غلبوه ما زالوا هم المتحكمين، لا بد أن التاريخ يبقى ضد عبد الحميد. فبالتالي تعال شوف الآن عبد الحميد هذا؛ نموذج الخليفة المسلم القومي يكره نموذج الخليفة المسلم؛ فبالتالي الموجة القومية التي كانت، الموجة القومية التي انتشرت في العالم بعد عبد الحميد، في موجة قومية عند الأتراك وموجة قومية عند الأكراد وموجة قومية عند الفرس وموجة قومية عند العرب، كل هذه الموجات القومية لا بد أن تنظر وتروي تاريخ الخلافة الإسلامية في نموذج عبد الحميد باعتباره اللحظة الأخيرة في هذه الخلافة على أنه كان نموذجًا سيئًا.

وعلشان كذا غالب الكتابات القومية تطعن في عبد الحميد، تركية أو عربية أو فارسية أو كردية، أي حد النزعة القومية عنده عالية عبد الحميد بالنسبة له عدو وسبب من أسباب المصائب التي نحن فيها الآن. تمام؟ حتى المواقف اللامعة، يعني حتى موقف فلسطين مثلًا، أنت عارف؟ عارف أنت من الذي روى أن عبد الحميد قال: "لن أستطيع أن أفرط في شبر من فلسطين"؟ الذي روى ذلك هرتزل نفسه؛ هرتزل في يومياته هو الذي قال إن عبد الحميد رد عليَّ هذا الرد. قصدي أقول مش واحد إسلامي ولا واحد عثماني هو الذي نسب هذا الأمر لعبد الحميد، ومع ذلك لا يرضى القوميون عن أن يكون عبد الحميد صاحب موقف صلب في فلسطين، فيطلع كتاب مثلًا من مركز قومي اسمه "دور عبد الحميد في تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين". طبيعي طالما في حالة قومية لا بد تطعن في الخلافة الإسلامية التي هي خارجة عن المعنى القومي.

طيب نحن الآن كمان نحن كعرب على الأقل وحتى الأتراك سبنا المعنى القومي ودخلنا في المعنى الوطني، يعني نحن زدنا تقسمًا. طيب المعنى الوطني هذا يحب الخلافة الإسلامية الجامعة؟ لا، كيف أعرف أقول أنا مصري ومصر للمصريين، وأنا ابن النيل وابن الحضارة الفرعونية، وأنا الذي علمت الدنيا وأنا الذي كبّرت العالم وأنا الذي علمتكم يا بتوع الخليج وأنا... كيف أقول الكلام هذا عند النزعة الوطنية هذه وأنا أرضى عن عبد الحميد؟ نفس الكلام الرجل الذي في السعودية، الرجل الذي في المغرب، الرجل الذي في الجزائر، الرجل الذي في العراق، يعني أي حد عنده النزعة الوطنية عالية أكيد عبد الحميد بالنسبة له نوع من الاحتلال، لأنه القسمة التي موجودة الآن هي قسمة هو يتبناها.

طيب العلماني يكره عبد الحميد لأنه عبد الحميد هو نموذج الخلافة الإسلامية، فبالتأكيد أي مؤرخ علماني أو مقتنع بالفكرة العلمانية شايف عبد الحميد ممثلًا لنموذج متخلف كان من أسباب أن الحياة في هذه المنطقة تدخل إلى التخلف وإلى الظلام، وما نبقاش على النمط الأوروبي؛ بل سيكون شايفه طبعًا العلماني هذا سواء كان عربيًا أو كرديًا أو تركيًا، بل سيكون شايفه ارتدادًا عن المحاولة العلمانية التي بدأها محمود الثاني، التي حولها سليم الثالث وبدأها محمود الثاني ومشى فيها عبد المجيد الأول. سيكون شايف عبد الحميد ردًا على هذا الكلام. وبالتالي يا شيخ مراد فعبد الحميد لا بد أن يظل مشتومًا ولا بد أن يظل مطعونًا فيه، والسلطان الأحمر والمستبد والدموي بحق أو بباطل طالما أن الذين يكتبون التاريخ ويتحكمون في مساره هم مين؟ هم أعداء النموذج بتاع عبد الحميد. لكن في الأكم من سنة الأخيرة أستاذ محمد...

بدأت صورته تتحسن، ما السبب؟ عظيم، برضه بدأت صورته تتحسن. لو نبص على الكتب التي كتبت في مدح عبد الحميد، ونبص على تواريخها وأماكن صدورها، هنلاقي نفس المعادلة التي أقولها سارية. ما الذي حصل؟ حصلت صحوة إسلامية في السبعينيات والثمانينيات. هذه الصحوة ترافقت مع أن حلم الخلافة خفت، أي أن المسلمين خفت حلم الخلافة عندهم؛ فلا يوجد الآن الحاكم الموجود في مصر، أو السعودية، أو المغرب، أو في أي حتة، عنده الآن تهديد عملي اسمه الخلافة.

ففي ناس عايزة تعيش على الماضي ولا يهدد نظامه الآن، فما عندهوش مانع أنه يناقش هذه الفكرة، أو أنه يسمح بوجود هذه الفكرة، أو أن تأتي حالة مثل حالة أربكان، تورغوت أوزال، أردوغان في تركيا، ويروا أنفسهم امتداداً للعثمانيين، فيسمحوا بالكلام الذي يعني يسمحوا بإعادة كتابة التاريخ مرة أخرى بدون الحساسية الموجودة من عبد الحميد. فعلشان كده في الأقطار التي كان فيها نوع حرية وكان فيها عدم عداء مع تركيا المعاصرة، وما فيش تهديد بعودة الخلافة إلى العثمانيين مرة أخرى، في هذه الحالات صدرت وظهرت الكتب والمؤلفات التي ترجع إلى فترة عبد الحميد وتعيد نفض الغبار عنها.

أول ما حصل بقى الارتباك ما بعد الربيع العربي بين الدول العربية وبين تركيا، عاد مرة أخرى التقليب في التاريخ العثماني على أساس هذا العداء السياسي. فبالتالي في هذه الفترة التي أقول لك فيها صحوة إسلامية وفي أنظمة خلاص ما بقتش خايفة من تهديد تركي، والأصلاً الأتراك منكفئون على أنفسهم ومنعزلون عن التدخل في السياسات؛ في هذه الفترة أيضاً الإسلاميون حقيقةً قدموا تاريخاً مناقبياً وفضائلياً لعبد الحميد كان رد فعل بنفس قسوة العلماني والقومي وهو يطعن في عبد الحميد ويسلبه كل مزية. جاء الإسلامي الذي يرى الدفاع عن عبد الحميد والرد على الشبهات التي ألصقت به وتبرئته من كل نقيصة، فعندنا حصلت في هذه الفترات ردة فعل معاكسة كان فيها برضه نفس الغلو المقابل. لأجل ذلك أقول ما يزال حتى الآن تاريخ عبد الحميد محتاجاً إلى نظرة أكثر إنصافاً وأكثر موضوعية حتى الآن.

يا أستاذ محمد، قبل ما ندخل في الجد، نبدأ نجاوب اللي بيسمعك وبيسمع الإجابة التي تفضلت فيها، وحابب يكون دارساً للتاريخ أو باحثاً في الحضارة أو حتى صاحب قرار، قد يصاب بشيء من الارتباك؛ ليش؟ لأنه إذا نحن والله علمانيين وقوميين طالما هذا الشخص محسوب على الإسلاميين فتعال نشرحه ونشوهه ونحطه في مناهج التدريس ونخرب بيته، ولما تنعدل الكفة شوية ويسيطر الإسلاميون شوية طالما هو هذا الشخص محسوب على الإسلاميين فتعال نحن نلمعه ونضبطه ونقول أنه التاريخ لفه ببعض الشبهات والمشاكل ونرد عنه ونعمل عنه مؤلفات. طيب أنا كدارس، يا أخي أنا بدي التاريخ الحقيقي، أنا بدي شهود عيان حقيقيين، أنا بدي أنقل رواية مضبوطة عشان أعرف ايش اللي صار عشان أعرف كيف أتحرك، فأنا مرتبك شو أعمل؟ والله يا أبا الع، يعني قصدي أنا شاكك في هؤلاء وهو شاكك في هؤلاء ولا أنهم ردة فعل، وين أروح أنا في حالي؟

أقول لك، احنا برضه جاوبنا على هذا السؤال قديماً، إنما من المفيد تكرار الإجابة عنه. الإنسان بين حالتين: حالة أن هو شخص عادي يحب أن يفهم، وحالة واحد ناوي يبحث بنفسه ويتخصص. اللي ناوي يبحث بنفسه ويتخصص لا مهرب له من أن يقرأ كل الروايات، ويظل يوازن بينها، ويقرأ للقومي ويقرأ للعلماني ويقرأ للوطني، ويفتح الملفات ويتابع المراسلات، ويحاول يكون الصورة من موازنة كل هذه الروايات بعضها ببعض مع التسلح طبعاً بالقراءة الناقدة والفاحصة، وأنه يحاول يفهم الوضع على ما كان عليه.

إنما الإنسان العادي، هذا أمر لا يسعه؛ فحالة التاريخ زي حالة الطب زي حالة الهندسة زي حالة الدين، أنت إذا مش متخصص في الموضوع تذهب إلى من تثق بعلمه ودينه مع بعض، يعني تذهب إلى من تثق بكفاءته وأمانته. كفاءته يعني ده واحد فعلاً اطلع على هذه الأمور، وأمانته ترى أنه يصدقك وأنه ليس متلوناً مع الموجة السياسية، ليس متلوناً مع مصالحه الذاتية والشخصية، فهذا هو الذي لا، لأنه علم زي كل العلوم.

طيب، ده أحد الوسائل التي مخلياه عبد الحميد شخص يتشوه تاريخه، أنه عبد الحميد نموذج مغلوب. الحاجة الثانية أنه عبد الحميد فعلياً عاش 33 سنة في أجواء مليئة بالتعقيد. نحن كأمة الآن بعد أكثر من 100 سنة من وفاة عبد الحميد، عبد الحميد خلع 1909 ومات 1918، احنا النهارده في 2026، عاش في الحكم 33 سنة. إلى الآن هذه الأمة لم أكن أريد أن أقول لم تهتدي، أريد أن أقول نخبتها غير متفقة على الأسئلة الكبرى المفصلية التي الإجابة عليها تكون تحديداً للموقف من عبد الحميد.

مثلاً، إلى الآن عندنا سؤال النهضة والهزيمة: لماذا هزمنا وكيف ننتصر؟ فيه اللي بيقول لك احنا هزمنا عشان تمسكنا بالإسلام، وفي واحد بيقول لك احنا هزمنا عشان تخلينا عن الإسلام. كيف ننتصر؟ واحد بيقول نرجع للإسلام، واحد بيقول نزود تحديث والتصاق بالغرب وتعلم ما عند الغرب من العلوم ودي الطريقة. طيب السؤال المفصلي ده، أي إنسان بيتبنى إجابة من هذه الإجابات سيقرأ من خلالها عبد الحميد؛ يا ترى عبد الحميد ده كان ارتداداً على التغريب الذي بدأه محمود الثاني وعبد المجيد الأول، ولا كان محاولة تصحيح وعودة إلى الجذور؟ الموقف الفكري ده يترتب على قراءة شخصية عبد الحميد.

طيب أنت إيه موقفك من الديمقراطية؟ تمام، الموقف من الديمقراطية هتلاقي واحد بيقول الديمقراطية هي ضرورة، الديمقراطية نوع من حرية الشعوب، البديل للديمقراطية هو الاستبداد. الراجل ده بهذا الموقف الفكري نتوقع أنه يكون ضد عبد الحميد، ليه؟ لأنه عبد الحميد راح معطل الدستور ومعطل البرلمان وحكم بنفسه 30 سنة. ممكن واحد تاني تلاقيه بيقول لك لا على فكرة أنا مع الديمقراطية ومع الدستور ومع الحكم النيابي، بس أنا فاهم أنه هذا الأمر ما كانش ينفع أيام عبد الحميد، وبالتالي فالموقف ده لا يؤثر على تقييم شخصية عبد الحميد، وأنه الديمقراطية التي أريد لعبد الحميد أن يفعلها ويتبناها إنما كانت في حقيقتها وسيلة غربية لتمزيق وتشتيت وتدمير الأمة العثمانية والدولة العثمانية.

تمام، خد عندك بقى أسئلة كثيرة بهذا المعنى هي في حقيقتها أسئلة فكرية؛ يعني مثلاً إيه موقفك من التغول الأمني؟ إيه موقفك من كثرة عدد أجهزة وعناصر الأمن التي لها صلاحيات أنها تقتحم بيتك وتقتحم تليفونك وتفتش على حسابك في البنك؟ أي واحد سوي وطبيعي هيقول إيه؟ طبعاً أنا ضد هذا الكلام. أول ما يقرأ في تاريخ عبد الحميد أنه كان معتمد على جهاز من الجواسيس والعيون، هيبقى ده موقف ضد عبد الحميد.

في النهاية، عبد الحميد كان الشخص السد الذي لما انهار انهارت الدولة العثمانية، ولا عبد الحميد هو الذي أدى إلى المصائب التي أوصلت إلى انهيار الدولة العثمانية؟ أيوه، بدنا نجاوب، ده سؤال ثاني. طيب عبد الحميد كان، أريد أن أصوغها بشكل يبدو مهذباً ومحايداً، عبد الحميد الآن بعد 33 سنة في الحكم كان محتاج إيه تاني؟ إيه الفرصة التي كان محتاجها تاني؟ فهل عبد الحميد واحد فاشل وأخفق في تجديد الدولة العثمانية؟ عندك 33 سنة، والذين انقلبوا عليك هم رجال عصرك، المفروض الشباب الذين أنت علمتهم ودربتهم، الشباب الذين أنت فتحت لهم المدارس، الشباب الذين هم تربوا على المناهج التي أنت أشرفت عليها، هل عبد الحميد هو الذي أدى إلى نهايته بنفسه أخفق وفشل، ولا عبد الحميد هو الذي أجل انهيار الدولة ثلث قرن؟ مهم تمام.

كل الأسئلة دي يا شيخ مراد بتلاقيها موجودة في كتب عبد الحميد على هيئة تقييم ضمن الأحداث والحوادث، وهي في حقيقتها محاولة المؤرخ الإجابة على سؤال عصره الآن، وهي دي طبيعة التاريخ. طبيعة التاريخ أن أنت تقرأها أصلاً علشان تحاول تجاوب على سؤال عصرك الآن؛ فعبد الحميد حقيقة شخصية كبيرة، شخصية كثيرة التفاصيل معقدة، الناس مختلفون فيها لأنهم ما زالوا مختلفين حول تشخيص المرض الذي نحن فيه دلوقتي، وحول سبيل النهوض والخروج منه إلى المستقبل.

عظيم جداً، إذا كل الذي راح هذا اسمه الناس مختلفين، ليش هي شخصية مختلف عليها أو فيها؟ كويس، خلاص نروح بقى لعبد الحميد، خلينا نحكي قصة عبد الحميد كده السنوات الأولى علشان نحاول نصل لتركيبة هذا الرجل. عبد الحميد ولد 1842، يعني إيه 1842؟ يعني لما ولد عبد الحميد كانت الدولة العثمانية قد بدأت فعلاً في التغريب، وكان محاولة سليم الثالث التي أخفقت، لكن سليم الثالث كان جاء بمدارس عسكرية على النمط الأوروبي، بدأ يأتي بخبراء غربيين، بعده محمود الثاني نجح في تدمير الانكشارية وفي إنشاء هذا الجيش الجديد. أبوه نفسه عبد المجيد أصدر 1839 الخط الهمايوني أو "جلهانه" الذي هو دخلنا في التحديث؛ نحن سبنا الشريعة وبدأنا نعتمد القانون ونعتمد التحديث والقيم الغربية. بعدها بثلاث سنين من هذا الخط ولد عبد الحميد.

عبد الحميد لما ولد كان عنده أخبر منه اسمه مراد، وأبوه لما تولى الحكم، عبد المجيد عندما تولى الحكم كان عمر عبد المجيد 16 سنة، ولما تولى الحكم تولاه في أحرج لحظة مرت على الدولة العثمانية منذ تأسيسها إطلاقاً؛ التي هي لحظة أن محمد علي يكاد يستولي على الدولة، هزم الجيوش العثمانية، والأسطول العثماني ترك مرافئه وذهب إلى الانضمام إلى محمد علي، يعني هذه الدولة حقيقة لم تبقَ إلا بالقوة الأجنبية التي اختلفت حول ميراث الدولة العثمانية؛ فالإنجليز والفرنسيون ما حبوش أن الروس هم الذين يدخلوا، والروس تسابقوا لكي يستولوا على ما يكون لهم نفوذ على الدولة العثمانية. الكلام ده قابله عبد المجيد وهو 16 سنة سلطاناً.

طيب وبعد ذلك، نحن قلنا أنه عنده أخبر منه، عبد المجيد هذا مات 1861، وتبعه بعد ذلك السلطان عبد العزيز الذي هو عمه، لأنه ما زالوا أولاده صغار، مراد صغير وعبد الحميد صغير، عمه الذي هو السلطان عبد العزيز، مضى أيضاً في سبيل التغريب، ولكن كان عنده بقى أوضاع أشد وأثقل مما وجدها عبد المجيد. كان عنده حرب القرم التي هي في الخمسينيات، حرب القرم أدت إلى ديون الدولة العثمانية، بدأنا ننشئ المؤسسات الربوية البنوك، بدأنا نقترض من المصارف الأجنبية، النفوذ الأجنبي يزيد، عبد العزيز نفسه هو الذي اقترض كثيراً وهو الذي أعلن إفلاسه، وعبد العزيز جزء من محاولة معالجة الأزمة الاقتصادية أنه صار يمنح الولاة المحليين استقلالهم مقابل زيادة الجزية، كما فعل مع الخديوي إسماعيل في مصر، وكما فعل مع باي تونس.

طيب هذا، شوف، هذا سبب مهم جداً عشان نفهم كيف وصلنا إلى أقصى حالة الضعف، كيف وصلنا إلى عبد الحميد، كويس؟ ومع ذلك فعبد العزيز هذا لم تكن النخبة، طبعاً عبد العزيز بكثير مما فعله أثار عليه الإسلاميين والشيوخ، ولكنه أيضاً بطبيعة تربيته التي كانت أقرب إلى المحافظة وأقرب إلى التربية العثمانية التركية لم يكن متغرباً، فغضب عليه أيضاً التغريبيون الذين وصلوا الآن إلى مواضع الوزارة والصدر الأعظم، فالتقى كلا الاتجاهين على اختلافهما في إزالة عبد العزيز، لكن من الذي قام بالضربة القاضية؟ قام بها مدحت باشا، يعني مدحت باشا الذي هو كان لكي يكون صدراً أعظم، وعبد العزيز خلع بفتوى من شيخ الإسلام، وبعد احتجاجات شارك فيها حتى طلاب العلوم الشرعية، وقتل بعد خلعه بأربعة أيام.

قتل بعد خلعه بأربعة أيام، إذاً قتل من خلال التقطيع، أوردت وسمعت أنا بالمقص، وطبعاً قيل أنه انتحر. يا إلهي، نعم. طيب، إذا نحن دلوقتي عبد الحميد سنه 32 سنة 34 سنة في هذه اللحظة، يعني شهد وفاة أبيه وبعدين شهد مقتل عمه، مقتل عمه، أخوه الذي أكبر منه الذي هو مراد كان أيضاً مع التغريبيين ومع مدحت باشا وضد السلطان عبد العزيز، وهو الأمير المرشح لكي يتولى العهد، فهو عبد الحميد كشخص لم يكن يتوقع أن تصل إليه السلطنة أصلاً. يعني قاعد أنا أمير "شهزاده" هكذا وماليش، لأن هو قبله في عمه ما زال شاباً الذي هو عبد العزيز، وعبد العزيز لما تشوف صورة عمه كان ضخم طول بعرضه، صحة هائلة يعني.

وبعدها كمان أخوه؛ لأنه أبوه ما زال صغيراً، لأنه أبوه أصلاً لما مات، نحن قلنا تولى 1839 بعد كده إلى 1861، لما تولى كان 16 سنة، فيعني مات بمرض السل، هو يقال أحياناً مات من كثرة شرب الخمر، كثرة شرب الخمر هي التي جاءت به إلى مرض السل، فعبد الحميد لم يكن ينتظر أن يكون ولي سلطاناً، كانت لمسافة بعيدة. ثم أن عبد الحميد ماتت أمه وهو في العاشرة من عمره، والتي ربته كانت جارية أبيه أو قيل زوجة أبيه على تفصيل بقى. فنشأة عبد الحميد كانت أقرب إلى النشأة، وطبعاً نشأة سلطان، يعني جيء له بمن يعلمه الخط والحساب والتاريخ والاقتصاد، وطبعاً درس العربية والفارسية والفرنسية فضلاً عن التركية بالتأكيد، ودرس التاريخ عند قاضي العسكر، عند مؤرخ الوقائع، يعني واحد مؤرخ رسمي، قضاة العسكر هم الذين.

نشأة عبد الحميد كانت نشأة متدين، فكان على خلاف مع أخيه مراد الخامس الذي يكبره بسنتين. لما قُتل عبد العزيز، تولى مراد الخامس الحكم، وهناك تفصيل في حالته؛ فبعض الناس يقولون إن عقله كان به اختلاط، وبعضهم يقول إنه لم تكن لديه مشكلة عقلية، لكن عندما رأى كيف قُتل عمه عبد العزيز أُصيب بانهيار، فلم يستطع البقاء في الحكم أكثر من ثلاثة أشهر.

بعد ذلك حدثت مؤامرة أخرى، حيث جاء بعبد الحميد الأشخاص الذين قتلوا عبد العزيز، وهم مدحت باشا، وحسين عوني وزير الحربية، وراشد باشا وزير الخارجية، هؤلاء هم الثلاثة الكبار في هذا الموضوع. صهر عبد العزيز حسن الشركسي، أخو زوجته؛ لأن زوجته كانت شركسية، استطاع أن يقتحم اجتماع الوزراء ويقتل حسين عوني ورشيد باشا انتقامًا لعبد العزيز. هذا الموضوع فرّق في أن حسين عوني كان شخصية في غاية القوة، وكان مراد الخامس عندما بدا أنه مختل عقلياً ولن يستطيع القيام بمهمته، أراد أن يعين ابن مراد نائباً للسلطان ليكون هو القائم على أمر السلطان فعلياً، ويصرف الولاية عن عبد الحميد. لو بقي حسين عوني حياً ما كان أحد ليقدر على القيام بحركة نقل الخلافة من مراد إلى عبد الحميد.

لحظة تولي عبد الحميد كانت لحظة هائجة جداً، ولذلك عام 1876م يُسمى في التاريخ العثماني عام السلاطين الثلاثة، حيث قُتل عبد العزيز، وخُلع مراد، وجيء بعبد الحميد؛ فكان عاماً فيه فوضى وارتباك. ما أقدموا على توليته إلا لما أحسوا أنه يمكنهم أن يكونوا هم أصحاب الأمر. مدحت باشا كانت فكرته تنادي بالملكية الدستورية التي تقلص صلاحيات السلطان لحساب حكومة واسعة الصلاحيات، وصدر أعظم واسع الصلاحيات، وبرلمان واسع الصلاحيات على نحو ما أعجبه ورآه في بريطانيا. عبد الحميد قبل بهذه المعادلة، سواء كان ذلك صراحة أو ضمناً، فالمعادلة هي أنك ستكون ملكاً دستورياً، ولا تسمع للسلطان بما يفعل، بل توجد حكومة تدير الأمور.

تولى عبد الحميد عام 1876م وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وكان أول شيء يحدث في عهده هو الارتباك داخل الدولة العثمانية، وحتى الارتباك الشعبي. كما قلنا، كانت هناك مظاهرات واحتجاجات على عبد العزيز، وهذا كان يسمع مباشرة عند الدول الأوروبية، التي تقول: الحق خذ لك حتة؛ وكذلك عند القوميات التي تريد الانفصال. فظهرت مشكلة في الصرب، وفي البلغار، ومشكلة في اليونان، وفي الجبل الأسود في لحظة التوتر والاضطراب. إذاً، لما تولى عبد الحميد كان أمام هذا الوضع المشتعل داخلياً ومشتعل خارجياً، والسلطة الحقيقية في يد واحد علاقاته ممتازة بالإنجليز، وهو متشرب الفكرة الغربية، وهو مدحت باشا.

استلم عبد الحميد خزينة مفلسة، وديوناً تقدر بـ 250 إلى 300 مليون ليرة عثمانية، وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس اليوم، واستلم جيشاً منهكاً، وتمردات كثيرة، وأوروبيين يريدون الانقضاض عليه، والأهم من ذلك أنه لم يستلم صلاحيات، بل استلم اسماً فقط، استلم خليفة. أول مشكلة حقيقية حدثت هي أن الروس دخلوا على الخط في مشكلة الجبل الأسود، وتجاوب معها البلغار والصربيون. مدحت باشا كان متصوراً أنه بإعلان الدستور وإنشاء البرلمان سيصبح جزءاً من المجتمع الأوروبي، وبالتالي تصير مصالح الدولة العثمانية مع مصالح الأوروبيين كتلة واحدة ضد المصلحة الروسية، فلا يمكن أن ندخل في حرب مع روسيا إلا ونحن جزء من أوروبا التي لن تسمح بالتمدد الروسي، خصوصاً وأننا ندخل النمط الغربي والنظام الغربي.

فكانت غاية مدحت باشا كتابة الدستور، وقد كتبه وأعلنه، وكان بعد ذلك تأسيس مجلس المبعوثان. ومجلس المبعوثان هذا يوازيه مجلس آخر اسمه مجلس الشيوخ، وبالمناسبة، وهذه نقطة يغفل عنها أو يتجاهلها من يتهمون عبد الحميد بالاستبداد، هي أن الدستور الذي كُتب وصلاحيات عبد الحميد في تعيين كل مجلس الشيوخ وفي اختياراته ضمن مجلس النواب، تجعل أيضاً للخليفة صلاحيات عالية جداً، فعبد الحميد كان يستطيع تنفيذ النزعة الدكتاتورية دستورياً، فنصوص الدستور أعطته صلاحيات هائلة. لكن كان الشكل هو شكل الالتحاق بأوروبا.

دخلنا في مشكلة مع الروس، ومدحت باشا، لأنه كان مقتنعاً بأن أوروبا لا يمكن أن تتركنا لو تعاركنا مع الروس، غذى الاتجاه إلى الحرب مع الروس. وتغذية هذا الاتجاه جاءت من طريقين؛ فهو صاحب الحكومة، ومع التمكن العالي، وهو الذي يملك النفوذ الأكبر على الوزراء في الباب العالي، وهو الذي يملك السيطرة العملية على مجلس النواب. عندما يقف رئيس وزراء، ومجلس النواب يجتمع لأول مرة، والناس لا تعرف بعد ما هي صلاحياتها، ولا تملك رأياً للرقابة؛ فإنه يعرض الأمر على مجلس النواب بحيث يستصدر قراراً برفض العرض الروسي والإقدام على الحرب.

انتهت التجربة الأولى باتجاه مدحت باشا ومجلس المبعوثان إلى الحرب مع روسيا. الحرب مع روسيا استمرت من أبريل 1877م إلى يناير 1878م. فيها كلام جميل وبطولات هائلة، والغازي عثمان باشا قدم إبداعات في بلفنا، ولكن النتيجة كانت أن الروس وصلوا إلى أدرنة والطريق إلى إسطنبول مفتوح، ولم يفكر أحد من الغرب فيهم. وصلوا إلى تهديد وجودي، بل إن بعض المصادر تذكر أنهم وصلوا إلى يشيل كوي، وهي الآن في قلب إسطنبول الأوروبية.

عبد الحميد كواحد قاعد مكان السلطان، ما الذي جلبته لنا هذه الديمقراطية؟ أين أودتنا؟ أنا كسلطان كنت أرى ألا ندخل في حرب مع الروس، حتى أن الإمبراطور نيقولا الأول كانت بعض المصادر تذكر أنه لم يكن محباً للحرب، وطالب بإلحاق إقليم أو قطاع من الدولة العثمانية بالجبل الأسود، وهو في معظمه مسيحيون، لكي يسكت القوميين الثلاثة الموجودين في روسيا. الدنيا كانت تتجه للتهدئة، وهم دفعوها للحرب، وأوروبا لم تقف معنا، والآن الجيوش الروسية على أبواب إسطنبول في تهديد وجودي.

لذلك، عزل عبد الحميد مدحت باشا ونفاه، وأصدر قراراً بإغلاق مجلس المبعوثان وتعطيله؛ لأنه لم يأتِ من ورائه إلا خراب الديار والتهديد الوجودي. ثم إن مجلس المبعوثان ظهر فيه أننا حينما جبنا فيه ناساً من كل العثمانيين، والمساواة التي كانت بين الملل في الخطوط الهمايونية السابقة، جعلت المجلس نوعاً من الكتل، كل كتلة بدلاً من أن تنفصل بحروب وثورة، أصبح لها ممثلون في المجلس تريد أن تنفصل من خلالهم. وهذا أثار في الذين لا يريدون الانفصال أنهم هم أيضاً يريدون الانفصال، فقبل هذه اللحظات لم تكن تجد الأرمن يريدون الانفصال، بعد هذه اللحظات قال الأرمن نحن نريد الانفصال ودولة، فقد رأوا جنبهم الصربي والبلغاري واليوناني البلقاني.

انتهت هذه الحرب بمعاهدة مذلة وبعض المصادر تسميها المعاهدة الانتحارية، وهي معاهدة سان ستيفانو؛ خلاصتها أن الدولة العثمانية أُزيلت عملياً من كل أوروبا تقريباً، بقي لها قلعة هنا أو سيادة اسمية هناك، لكن الانفصالات والاستقلال كان هذا هو واقعها. فلذلك بعض المؤرخين يقول من أجل إقليم أرادوا الدفاع عنه باسم الوطن، خسرت الدولة العثمانية كل الجانب الأوروبي. كنا نملك في أوروبا اليونان وبلغاريا وكل البلقان، ولكن بتفاوت واضطراب، لأننا في أيام عبد العزيز كان هناك معاهدات تعطي مساحات استقلال مثل حكم ذاتي، أو وجود حامية عسكرية، أو أن الحاكم يرشحه أهل البلد والسلطان ينصبه، روابط تزيد وتضعف، لكن الوجود بشكل عام كان هشاً. الآن الدولة العثمانية بدأت تعترف لهذه البلاد بالاستقلال التام، وبدأت موجات من ترحيل المسلمين.

الاوروبيون أنفسهم لما رأوا معاهدة سان ستيفانو قالوا: لا، لا ينفع هذا الكلام، ماذا حصل؟ نحن سنقلب المعادلة هذه من جديد ونعمل معاهدة ثانية؛ فالوضع هذا يعطي للوجود الروسي والنفوذ الروسي إمكانيات هائلة تضر بالمصالح الأوروبية. بعض المؤرخين يقول إن عبد الحميد من خلال سياسته جذب الروس أو أوقف حرب الروس بمعاهدة سان ستيفانو، ثم استخدم دهاءه ودبلوماسيته في إثارة الأوروبيين ليرجعوا ويناقشوا الموضوع ويفتحوه. الدليل على ذلك أنه أعطى الإنجليز قبرص مقابل أن نعيد فتح الملفات من جديد، واستعاد فعلاً بعض الأماكن من الروس، ودخلنا في معاهدة ثانية اسمها معاهدة برلين في يوليو 1878م.

فرجعوا وعملوا ترتيبات أخرى تجبُّ معاهدة سان ستيفانو وترسخ معاهدة برلين، مما يرضي الروس بدون أن يأخذ كل هذه المصالح. ومما يُروى أن ممثل الأتراك قال لبسمارك في ألمانيا: البنود هذه ضد المصلحة العثمانية، قال له: نحن أصلاً لا نعمل هذه المعاهدة من أجل المصلحة العثمانية، بل من أجل المصالح الأوروبية. فقد كانت "داوني بالتي كانت هي الداء"، أنت تتخلص من معاهدة بهذا الشكل بمعاهدة أقل ضرراً، ولذلك دخلت قبرص في السيادة الإنجليزية في عام 1878م، وكان سبب هذا الإجراء أن يدفع الروس للجلوس على الطاولة ومناقشة الموضوع مرة ثانية للوصول إلى اتفاقية توازن بين المصالح الروسية والمصالح الأوروبية.

أصدر عبد الحميد قراره بإلغاء مجلس المبعوثان وتعطيل عمله؛ لأن هذه الحرب ودخولها والوصول إلى هذه الحالة هي ثمرة لمدحت باشا ومجلس المبعوثان، وكلاهما استصحب قرار الدخول في الحرب. أوقف هذا الموضوع، وحصلت قبل معاهدة برلين حادثة أخرى مهمة، وهي حادثة قادها شخص اسمه علي سعاوي، حيث اقتحم بعض الشباب القصر وأرادوا تنفيذ انقلاب على عبد الحميد وإخراج مراد الخامس الذي كان محجوراً عليه مرة أخرى. المحاولة فشلت، وقُتل فيها حوالي 23 شخصاً، والباقون حُكم عليهم وحُبسوا لفترة، لكن هذه الحادثة كانت بداية.

تُضاف إلى السجل النفسي لعبد الحميد؛ لنفسر بها الشويه اللي جايين. قف معنا هنا عند سنة 1878، التي هي بداية الحكم الفردي لعبد الحميد. لو أنت رايح تقرأ التاريخ من دماغ عبد الحميد، وتحاول تدخل في دماغه وتشوف الراجل ده إيه التاريخ اللي مخزنه في دماغه؛ ستجد الآتي: عبر الـ100 سنة اللي فاتت الدولة العثمانية شغالة هزائم، كلما دخلت حرباً هُزمت. سليم الثالث حاول يدمر الإنكشارية وهو اللي قُتل، محمود الثاني دمر الإنكشارية وأسس الجيش الحديث، ولكن هذا الجيش الحديث لم ينتصر أبداً.

الغرب تمدد بنفوذه حتى وصل إلى قلب الدولة العثمانية ورأسها الصدر الأعظم، فضلاً عن الأجيال من الشباب التي صارت تنادي بالمشروطية، واللي هو الدستور يعني، وبحالة البرلمان. هذا الجيل لما نفذنا له اللي هو كان عايزه وعملنا دستور وعملنا برلمان، اتضح أنها كانت وسائل غربية لزيادة تمزيق الدولة العثمانية، وقد كادت تودي بها وتنهيها تماماً.

الاعتراضات التي كانت توجد في هؤلاء الشباب أو كانت توجد في قيادة الدولة أدت إلى قتل السلطان عبد العزيز وخلع مراد، وكاد أن يُنفذ انقلاب على عبد الحميد. ولذلك ستجد عبد الحميد منذ هذه اللحظة يبدأ سياسة، هذه معالمها تحس أنها ردود فعل على هذا التاريخ وعلى هذه الحالة النفسية. على مستوى السياسة الخارجية، عبد الحميد كأنه رفع شعاراً يقول: لا حروب بعد اليوم؛ لأن النتيجة أننا عمالين ننهزم منذ 100 سنة. لذلك عبد الحميد لم يدخل حرباً إلا مضطراً، أبداً لم يفكر في الدخول في حرب مع الغربيين.

عبد الحميد شايف عبر الـ100 سنة اللي فاتت برضه أن تركة الدولة العثمانية الذين يتلمظون لها ويتشوقون لها مختلفين؛ عندك الروس وعندك الأوروبيين، والأوروبيون نفسهم بينهم حروب ومشاكل ومنازعات. وأول ما تيجي الدولة العثمانية تنهزم أمام الروس تلاقي الطرف الثاني داخل عايز يساعد الدولة العثمانية لكي يمنع غيره من أن ينفرد بالتركة. فبالتالي صارت سياسة عبد الحميد: لا حروب بعد اليوم، وخلينا نشوف إزاي نوصل لمصالحنا بالتفاهم أو بالمواءمات أو بالمناورات أو بضرب بعضهم ببعض. وعبد الحميد أجمع من تكلم عنه أنه كان داهية سياسياً عبقرياً.

الحاجة الثالثة أنه يجب على السلطان أن يحفظ نفسه من طرفين: الطرف الأول هم رجال الدولة، والطرف الثاني هم حتى شباب الدولة؛ لأن دول نفذوا فعلاً اغتيالاً وخلعاً، ودول كادوا أن ينفذوا اغتيالات وانقلابات. فلذلك عبد الحميد، هذا ما يفسر سياسته الأمنية في إنشاء الجهاز السري، جهاز العيون، التقارير المرفوعة إلى عبد الحميد، ويفسر قلة خروجه وظهوره وبروزه للناس حتى أطلق عليه حبيس يلدز. هو كمان يقال إنه حبيس يلدز لأنه لما تولى الحكم كان مرتعباً خائفاً من قصة قتل عمه، فهو شايف كل اللي حواليه ممكن كمان يقضوا عليه، فكان برضه خائفاً من الاغتيال.

هذا سبب يمكن يكون مشروع لعدم ظهوره أو خروجه. ما إحنا قلنا إنه خائف من طرفين مش من طرف واحد، مش بس رجال الدولة، وإنما حتى الشباب اللي ممكن يستغلوا ضعفاً أمنياً فيقتحموا القصر زي حادثة علي سعاوي. قيل إن المرة الوحيدة اللي طلع فيها لصلاة الجمعة صار فيها تفجير أو شيء زي هيك؛ لا، هي مش المرة الوحيدة، دي بتاعة الأرمن سنة 1905، لكنه كان حريصاً على أداء صلاة الجمعة، كان يروح دائماً. بس هو مثلاً مش من الشخصيات التي زارت ولايات أو حتى خرجت خارج تركيا؛ مثلاً عبد العزيز عمه لما كان موجوداً في السلطنة قام بجولة أوروبية وذهب أيضاً إلى مصر وزارها، وعبد الحميد كان رفيقاً له في هذه الزيارة. فبالتالي عبد الحميد ما كانش بقى من بتوع الزيارات الخارجية ولا حتى الزيارات داخل الولايات.

فبالتالي يا مولانا يا أبا الحارث، دخلنا في مرحلة الحكم الذي يطلق عليه الحكم الاستبدادي وحكم الجواسيس وانتشار العيون. الاستبداد الحميدي هذا هو سياقه: أنه ما فيش برلمان، ما فيش دستور، وفي شبكة من الجواسيس والعيون. الناس اللي بيقولوا ما الذي دفع عبد الحميد لهذا؟ بيحكوا الحكاية اللي أنا حكيتها دي، ويستدلون على أن عبد الحميد لم يكن سلطاناً أحمر ولم يكن مستبداً بالمعنى الذي يتبادر إلى أذهان الناس وقتما يسمعون هذه الألفاظ، بأن عبد الحميد طول حياته على كثرة المعارضين لم يقتل أحداً. غاية ما كان عند عبد الحميد السجن، وكمان سجن خفيف، وأحياناً يتحول إلى إقامة جبرية، وأحياناً يتم العفو.

الحادثة الوحيدة التي يمكن أن تتكلم فيها عن عبد الحميد هي حادثة قتل مدحت باشا؛ هو طبعاً الأول نفاه، وبعدين حوكم لكونه متهماً في قتل عبد العزيز، وحكم عليه بعد ذلك بالسجن والنفي، لكن اكتشفت مؤامرة إنجليزية لإخراج مدحت من سجنه. فلما اكتشفت، بالمنطق السياسي الذي يرى أنه خصمه، هذا الخصم الأهم المدعوم أوروبياً والذي له نفوذ داخلي، فهذه هي الحالة الوحيدة التي يتهم فيها عبد الحميد. لما تلاقي واحد عاش 33 سنة في هذه الأجواء شديدة الاضطراب، وفي هذه الأوضاع الأمنية شديدة الخطورة، وفي الآخر ما تلاقي له غير حادث واحد، فهذا ينفي تماماً أن عبد الحميد يكون المستبد الذي تتصور شكله وقت ما تسمع هذا الكلام. لا سيما أن الذين جاؤوا بعده، سواء بتوع الاتحاد والترقي أو فيما بعد أيام أتاتورك أو فيما بعد أيام الحكم التركي كله والذين جاؤوا في العالم العربي كلهم، عبد الحميد بالنسبة إليهم ملاك مجنح؛ لأن اللي حصل في عالمنا العربي واللي حصل في تركيا بعد عهد عبد الحميد نهر من الدماء، نهر من الدماء حقيقةً. فلذلك كلمة الاستبداد الحميدي حطها في هذا القالب، أنه رجل يحكم بشكل بنفسه.

هل هذا أدى إلى أن نجح عبد الحميد في سياسته؟ هنا بقى هنطلع مرة أخرى بالتدخلات الأوروبية، أولاً بتبدأ تظهر معانا مشكلة الأرمن، والذين كانوا يسمون الأقلية المخلصة أو الملة المخلصة، لأنها ملة لم تُعرف بالتمردات. لكن حيث إن الأرمن الموجودين في شرق الأناضول على التماس مع الخطوط الروسية، التي تحب روسيا أن تتمدد إليها، أنت بين روسيا وبين مناطق الأرمن في القوقاز، التي هي المنطقة المحصورة بين البحر الأسود وبحر قزوين، وحيث إن فيه إنجليز كذلك، فهنا بدأت تظهر التمردات داخل الأرمن.

التمردات داخل الأرمن هذه كيف تعامل معها عبد الحميد؟ تعامل معها بأنواع السياسة التي يحاول فيها أن يهدئ الأمور. المذابح، أحياناً الأرمن دول عملوا تمردات مسلحة وأحياناً هاجموا قرى مسلمة، فشكّل من أبناء هذه المناطق، اللي هم أغلبهم أكراد، الخيالة الحميدية أو الفرسان الحميدية، الذين كانوا هم بمثابة قوات عسكرية خاصة بمنطقة خاصة، تولت حماية هذه المناطق تجاه الأرمن، وبالتالي تولت أيضاً السيطرة على هذه الجهات، وبدون إدخال العنصر التركي أو العناصر الأجنبية التي يمكن أن تتسبب في مزيد من القلاقل والمشاكل.

الأرمن دول هم كانوا ناس عايشين هون في إسطنبول وما حولها، ولا أرمن اللي في أرمينيا؟ ولا أرمن شو هم؟ وهدول الأرمن في إيش طالبوا؟ ماذا يريدون؟ هو طبعاً أصل المناطق الأرمنية هي المناطق الموجودة في شرقي الأناضول الآن، اللي هي المنطقة اللي هي ما شمال العراق وشرق تركيا الآن تحت القوقاز، اللي هي منطقة أرمينيا القديمة. لكن هذا لا يمنع كما لم يمنع أي أحد أن التجار والعمال وأصحاب رؤوس الأموال موجودين في إسطنبول، وبيتاجروا في إسطنبول، وعندهم مصانع، وعندهم بنوك، وعندهم شركات، يعني حاجة عادية، خصوصاً وأن العاصمة كانت مفتوحة زي ما وُجد فيها عرب ووُجد فيها شركس وألبان وأرناؤوط، وُجد فيها كذلك الأرمن.

هم مطالبون بإيه؟ يطالبون بالاستقلال. ما هو أنت دلوقتي لما بنقول هم، عارف أنت اللي بيقولك إحنا جربناها ونفعت؟ هو دلوقتي لما بيلاقي بتاع الجبل الأسود جربها ونفعت، والصرب جربوها ونفعت، والبلغار جربوها ونفعت، واليونان جربوها ونفعت، طب اشمعنى إحنا؟ ولما بالذات كمان يبقى عندك دعم إنجليزي ولما يبقى عندك دعم روسي، فكل هذا يثير حالة أنه حتى لو أغلب الأرمن مخلصين ومش عايزين ينفصلوا، القيادات التي تتلقى التمويل ويبقى عندها فلوس ويبقى عندها شيء من نفوذ، بشوية الفلوس الزيادة وشوية النفوذ الزيادة لعلاقاتها مع الخارج، تصير اجتماعياً أعلى من اللي مش عايز. لو أغلب الأرمن مش عايزين، لكن في مجموعات أو في زعماء طموحين، الزعماء دول بمجرد أن صارت لهم علاقات مع الروس ومع الإنجليز، وبمجرد أن صار عندهم مزيد أموال، يتسيدون الحالة الأرمنية فيبقوا معبرين عن الأرمن ويشعلون هذه الثورة. فهم كانوا عايزين انفصال، ومحاولات الانفصال دي عولجت سياسياً كما عولجت بهذه المعالجة الأمنية التي أحكيها لك، اللي هي بتاعة الخيالة الحميدية.

طالما هو سمح لكل هؤلاء أن يستقلوا، يعني بعد تمرداتهم، ما كان سمح للأرمن كمان؟ هو أصلاً ما سمحش، هو أُجبر على هذا، وبعدين أنت بتتكلم على تاريخ ممتد من أيام محمود الثاني. قصة الأرمن مش هي أول ناس بيطلعوا له، دول كانوا من ضمن اللي بيطلعوا، لأن الدولة العثمانية وصلت بعد معاهدة سان ستيفانو للحظة خطيرة. وهو شاف أن معاهدة سان ستيفانو وفرت بالفعل استقلالاً للأقليات بتاعة البلقان، طيب ما إحنا كمان عايزين نستقل! والدولة لما بتمنح واحداً استقلالاً غصباً عنها وثانياً استقلالاً غصباً عنها، ما فيش حد بيقول طب ما أنا كمان أستقل، ما كده كده ما فيش دولة، كل جماعة شايفين نفسهم عرقية أو قومية أو عندهم مطالب يقول لك إحنا دولة.

ده موضوع الأرمن. الحاجة الثانية بقى التي ظهرت في نفس هذا الوقت هي المطلب الصهيوني، إحنا بنتكلم في 1895 و1896، ده شغل الأرمن، 1896 دي نفسها ظهر كتاب الدولة اليهودية بتاع هيرتزل، وظهرت فكرة أن إحنا كمان نعمل دولة لليهود في فلسطين. طبعاً خلينا ما نفتحش موضوع فلسطين ده دلوقتي، إن شاء الله يبقى لها حلقة في التاريخ المعاصر، بس إشارة سريعة هنا، هيرتزل اللي هو عمال يفكر لدولة لليهود، فكر والله أن الدنيا كلها بتضطهد اليهود، بالذات الروس في ذلك الوقت، الروس بالذات سنة 1881 كان لهم مذابح هائلة في اليهود؛ لأن اليهود اتهموا بأنهم اغتالوا القيصر الروسي. فهو بيدور لقى أن اليهود لن ينفعلوا إلا مع المشروع الذي يقربهم إلى فلسطين، يقول لهم أوغندا، يقول لهم الأرجنتين، يقول لهم مش عارف إيه؛ هيرتزل ما كانش متديناً كان علمانياً، لكن هو التقط هذا المعنى الديني عند اليهود أن مشروع إنشاء دولة لليهود ده ما حدش هيفكر يتحمس له وما حدش يهودي هيدفع فلوسه في تمويله إلا لو كان عودة إلى الأرض المقدسة وأرض الآباء والأجداد.

قال لك خلاص، شوف أنا بقول لك العلماني المخلص لا يعادي دين قومه، غير العلمانيين اللي عندنا في العالم العربي دول أو في العالم الإسلامي، فأرض الأجداد دي فين؟ عند العثمانيين. فمن هنا بدأ هيرتزل مشروعه لمحاولة استخلاص قطعة أرض لليهود، مش بقى في القدس ولا حاجة، إلى الشمال الشرقي من القدس، ما يقدرش يجي يقول إحنا عايزين حتة لليهود في القدس. فـ1896 طلع كتاب الدولة اليهودية، 1897 كان المؤتمر الصهيوني الأول، وظلت محاولاته بقى مع عبد الحميد إلى أن مات 1906، يعني عدة محاولات مش محاولة، وعدة عروض، وأحياناً عروض مجانية، لكن عبد الحميد عمل إيه بقى؟ استغل هيرتزل لمصلحته هو في تهدئة الحالة الأرمنية، يعني عبد الحميد لم يقطع مع هيرتزل القطع التام. التواصل هو هيرتزل حاول يقابل عبد الحميد أكثر من مرة وأفلح أن هو يقابله مرة.

على علمي لم يستطع السلطان مقابلته، قابله مرة ووصل له أي شافه. هو هيرتزل بدأ يحاول يسعى حتى من خلال المحيطين بعبد الحميد، وعبد الحميد أحياناً كان إذا واجهه أو أرسل له رسالة مباشرة ففيها الرفض القاطع. لكن علشان هيرتزل ما يتحولش إلى عدو، وهنا ذكاء عبد الحميد كان بيخلي حد من مستشارينه؛ وزير خارجية أو رئيس وزراء يقول له: طب ما تقترح الاقتراح ده، طب ما بلاش الحتة بتاعة فلسطين دي ونشوف حتة في قبرص، طب أنت لو عرضت على السلطان أنك تدعم المجهود الحربي مثلاً في حرب اليونان ولا في الأرمن، ممكن ده يبقى وسيلة طيبة.

وفعلاً هيرتزل بالمناسبة استغل مجهوده في دعم الدولة العثمانية، يعني هيرتزل أيام حرب عبد الحميد مع اليونان كان أنشأ صحيفة في أوروبا تدافع عن الدولة العثمانية وتتبنى منطقها، وأنشأ مستشفى ميداني لعلاج الحرب العثمانية، وتواصل مع الأرمن علشان يهديهم ويبطلوا تمردات؛ لكي يكون كل هذا يداً يقدمها للسلطان، وعشان كده حتى السلطان أداله كمان وسام لمجهوده. في الحقيقة لو أنت بتشوف العلاقة، لو القضية الفلسطينية انتهت بعلاقة هيرتزل وعبد الحميد، عبد الحميد كسب تماماً وهيرتزل ما طلعش إلا بوسام، لم يخرج بشيء قط. السلطان كان صحي له واستخدمه، لكن الإشكال فين؟ إنه من ورثوا عبد الحميد كانوا سكة، ومن ورث هيرتزل كان سكة ثاني.

لكن هيرتزل مشروعه، يعني أنت لو بتقيم هيرتزل نفسه، مشروعه فشل ومات قبل أن يرى شيئاً، ولذلك هيرتزل كان يتمنى في نهاية عمره لو تم اغتيال عبد الحميد. هو حتى لما عرض عليه عملية لاغتيال عبد الحميد، بيقول: أنا لولا ما أنا خايف إنها تتكشف، وفي الآخر ده يروح يدمر كل مشروعنا تماماً، لكنت أتمنى أنه يقتل هذا الرجل. شوف، وخايف كمان يدمر له كل مشروعه، خايف إنه لو اتكشف يبقى كده لم يبقَ له أمل.

طبعاً نرجع لها بالتفصيل بعدين في موضوع فلسطين، بس قصدي أقول لك هنا إن الفكرة اللي عملناها ونفعت في البلقان، ففي فكرة إنها تطلع في أرمينيا وفي فكرة إنها تطلع لليهود في فلسطين من جديد، فبدأت الدولة نفسها تعاني من هذا الاهتزاز في عصر عبد الحميد. طبعاً حصلت حرب مع اليونان كانت 1897 و1898، الحرب دي التي تخلت الدول الغربية فيها عن اليونان لظروف وتفاصيل، بس عايز أقول لك مباشرة في خلال شهر واحد العثمانيون كانوا منتصرين على اليونانيين والطريق إلى أثينا مفتوح. هنا تدخلت الدول الأوروبية لكي تحجب مكاسب وغنائم وحصاد النصر عن العثمانيين، وتعطي لليونانيين حياة أخرى وكأنهم لم يحاربوا؛ يعني نرجع كما كنا، هذا هو التدخل الأوروبي في الحرب اليونانية.

فتجي بقى هتلاقي تمردات وشغب من الأرمن في العاصمة، يعني مثلاً تفجيرات في بعض المحاولات لتفجير المصرف المركزي العثماني، ومنها محاولة اغتيال السلطان عبد الحميد سنة 1905 وهو طالع من صلاة الجمعة. هي الفكرة دي جت ازاي؟ الأرمن كيف يفكروا في اغتيال عبد الحميد؟ استعانوا بشخص -لا أدري إذا كان مجرياً أو صربياً- المهم واحد جه كده عمال يدرس حركات عبد الحميد، فلم يجد إلا أنه بيطلع لصلاة الجمعة ويكرر خروجه، فبدأ يحسب المسافة التي يستغرقها من الخروج من المسجد إلى الوصول إلى عربته؛ المسافة دي بتاخد مثلاً دقيقة أو 10 ثوانٍ، فركب القنبلة في عربية تابعة لقنصلية أو لسفارة أجنبية وضبطها على هذا الوقت؛ أول ما تشوف عبد الحميد على باب المسجد شد فتيل القنبلة.

طبعاً أنا الأرقام عندي مش دقيقة قوي لكن أنا بقول المثال؛ يشاء الله أنه عبد الحميد وهو طالع من صلاة الجمعة شيخ الإسلام يوقفه ويكلمه في موضوع، فلما أوقفه باظت الحسبة بتاعة الوقت دي، وإذا بهذا الكلام يطول حتى تنفجر العربة وعبد الحميد بعيداً عنها، فنجا من محاولة الاغتيال هذه. يقال استعانوا بشخص بلجيكي اسمه إدوارد، وهؤلاء هم اللي كان اسمهم العنصر الثوري الأرمني الطشناق.

نحن لساتنا بنحكي في قصة الأرمن ومشاكساتهم وتمرداتهم حتى نفهم كيف انتهى الحال بهم بالآخر. أنا دلوقتي بقول إنه انتهى الحال بيهم في الآخر إن هم برضه في عصر عبد الحميد لم يحققوا مكاسبهم، وهيجي بس ملفهم ده صار ملفاً يستخدمه المعارضون لعبد الحميد، ولقب عبد الحميد كما لقب بالسلطان الأحمر، لقب بقاتل الأرمن، وهي اللي خلت مصطلح المذابح الحميدية تطلق عليه، وهذه مصطلح المذابح الحميدية يرجع إلى الخيالة الحميدية، بدل ما هم بيحموا القرى ويسيطروا على القرى الأرمنية بحيث تظل في الدولة هنا ذكروا المذابح الحميدية. طيب المذابح الحميدية دي حقيقية ولا مش حقيقية؟ يحتاج إلى بحث أكبر، لكن المؤكد عندي أن الأرقام التي تروجها المصادر الغربية مبالغ فيها للغاية، ومذابح الأرمن في المسلمين يثبتها مؤرخون محايدون حتى غربيون.

أنا دلوقتي واقف عند لحظة لماذا استبد عبد الحميد وكيف حاول أن يعالج هذه الملفات الانفصالية التي بدأت تبرز له بعد معاهدة سان ستيفانو؟ فقلنا الأرمن لم ينجحوا، بس حصلت مشكلة صار لهم قضية بعد ما كانوا الملة المخلصة، واليهود صار لهم قضية بعد ما كانوا الملة المخلصة. ويبقى لدينا الآتي، عبد الحميد قلنا إنه من سياسته لا حروب ونحاول نستخدم الدهاء إلى أن يوقع الله بين الأعداء المتشاكسين هؤلاء، وهو كان شايف إن المصالح الأوروبية في كل الأحوال تتضارب، وبالتالي لو كان الأمر بالذكاء وحده لكان عبد الحميد قد انتصر عليهم، لكن الأمر لم يكن بالذكاء وحده؛ كان إيه اللي بيحصل؟ إن الدول الأوروبية كانت تختلف ثم تتفق على عبد الحميد.

الدول الغربية كانت تتضارب مصالحها فيكون التصالح على اقتطاع جزء آخر من بلاد عبد الحميد؛ يعني فرنسا معترضة على إنه بريطانيا خدت قبرص، بريطانيا تقول لها إيه؟ طب إيه رأيك نحن سنغض الطرف عن أن تأخذي تونس؟ فتروح فرنسا تحتل تونس دون أن يفعل عبد الحميد شيئاً. احنا قلنا ما فيش حروب؛ لأن الحروب كما هي في ذاكرة عبد الحميد كلها بتخسر، وآخر حرب كانت جايبة الناس لغاية إسطنبول، يعني فيها تهديد وجودي.

فرنسا احتلت تونس سنة 1881، طلعت لنا الثورة المصرية سنة 1882، الدول الغربية صحيح متضاربة المصالح وعبد الحميد قال لهم تعالوا في مؤتمر قسطنطينية وابحثوا المسألة المصرية، وفي الآخر إنجلترا ضربت عرض الحائط بالدول الأوروبية ونزلت واحتلت مصر بشكل منفرد والدول الأوروبية سلمت لها بهذا الاحتلال، ومن مصر بريطانيا احتلت السودان فيما بعد، ومن السودان بدأ يبقى كمان في مطامع فرنسية في الحبشة وفي إريتريا، وكل دي كانت مناطق تابعة حتى اسمياً للسلطنة العثمانية، وكل هذه الأمور اتفق حولها الإنجليز والفرنسيون والطليان، وعبد الحميد لا يستطيع أن يفعل شيئاً؛ نحن بنتكلم في بعد مسافة هائل، وفي جيوش كانت مهددة في إسطنبول نفسها، وكمان الجيوش ما تزال تحافظ على هذا البقاء الهش في البلقان وما تزال غير قادرة على تحقيق نصر تحصد مكاسبه في اليونان.

فمش هذا الشيء هو اللي بيخلي الناس تحكي إنه نحن الاحتلال اللي بنعيشه اليوم أو اللي كنا عايشينه سببه السلطان عبد الحميد؟ وبالتالي هم معذورون، لما أنت بتحكي لنا أستاذ محمد إنه يرى كل هذه الاحتلالات ولا يتدخل لأنه ما بدوش حروب، طب ما هم بيحتلونا. لو أنت بتنظر في ظواهر الأمور، عايز أقول لك إن أحياناً بيقول لك الاختصار خداع، لما أنت تنظر في ظواهر الأمور وتقول عبد الحميد هو السلطان الذي احتلت في وقته قبرص وتونس ومصر والسودان وإريتريا ولم يفعل شيئاً، لو أنت بتقول الجملة دي ظاهرها الصحة، لكن لما تنظر في الظروف تجد إنه فعلياً لم يكن قادراً على تسيير الجيوش. أنا إلى الآن أقول موقفي فيه، أنا عمال أعرض المشكلة بس أمك بحيث تنظر في الوضع الذي كان هو فيه؛ العبارة ظاهرها صحيح لكن اللي بيدخل في التفاصيل بيرى صورة أخرى، على فكرة كان في كتاب عنوانه الهزيمة في التفاصيل.

المهم، هل سياسة عبد الحميد دي سياسة ناجحة؟ دلوقتي هقول رأيي، هي مش ناجحة، وأرى إنه ليست ناجحة، وأنا عارف إنه هيطلع اللي هيقول لي لم يكن يستطيع وكان معذوراً وكان مضطراً وفي كلامه وجاهة، تمام لكن عبد الحميد عمل إيه؟ عارف السلحفاة لما تدخل القوقعة علشان تحمي نفسها من الضربات؟ هو عبد الحميد عمل كده، حاول أن ينكمش أو ينكفئ بالدولة العثمانية حتى يتقاتل الأقوياء من حوله، فلم يتقاتلوا من حوله فقط بل تقاتلوا عليه هو. طيب امتى حصل الاشتباك اللي هو كان مستنيه ويراه بعين بصيرته؟ بعد ما اتخلع، الحرب العالمية الأولى؛ يعني هو قعد 30 سنة يستنى إن هم يشتبكوا بعيد عنه، هم ما اشتبكوش بعيد عنه إلا بعد ما خلع.

فبالتالي، عبد الحميد كان ذكاءً مجرداً من القوة، وهذا لا يقوم للذكاء المسلح بالقوة؛ يعني الآخرون ما كانوا أكثر منه ذكاءً، كانوا أكثر منه قدرة وقوة وفاعلية، وهذا هو الفارق الذي حسم هذه المعارك. حتى عبد الحميد في مذكراته -ولو إن المذكرات المنشورة فيها شكوك في صحة نسبتها إليه- يقول: أنا لو كنت تدخلت في مصر لكنت قد فقدت الشام. يعني لو صحت إليه ادي تفسير بلسانه، ولو ما صحتش إليه يا سيدي ادي تفسير بمن حاول أن يتقمص شخصه وروحه؛ إنه لو كنت دخلت علشان أحفظ مصر من الاحتلال الإنجليزي ما كنتش أفقد مصر بس، كنت هفقد مصر والشام. بل إنه واحد زي شكيب أرسلان فيما بعد يكتب بأن أحد أسباب دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى هو محاولتها استنقاذ مصر من الإنجليز.

أما سؤالك هل الشعوب كانت تنادي على دار الخلافة وتستنجد؟ في مصر عملياً مع محمد علي ثم أسرة محمد علي كانت منفصلة عملياً عن الدولة العثمانية، وفيها نظام يخدم الأجانب وفيها قوات أجنبية، يعني الجيش المصري اللي على رأسه الخديوي أصلاً قواده إنجليز وفرنسيس وألمان وطليان، اللي بيقودوا المعارك؛ يعني الخديوي إسماعيل لما تمدد بعد السودان وتمدد إلى الحبشة وإلى إريتريا مين اللي قادوا هذه المعارك؟ كانوا قادة فيهم إنجليز وأمريكان وبلجيك وطليان، فالمكان ده ما كانش أصلاً الدولة العثمانية لها علاقة به منذ أيام محمد علي.

كونه محمد علي كاد أن يصل إلى إسطنبول، وقف عند كوتاهية باتفاقات دولية؛ فبالتالي عملياً ما كانش فيه تواجد عثماني، فكان بعيداً عن أن ينادي. لكن مثلاً لما تحصل ثورة أو لما يحصل محاولة تمرد على الأجانب، زي حالة عرابي، سريعا ما يلتصق بالسلطان العثماني باعتبار أن البلد تبع العثمانيين ويطلب ويرى فيه الشرعية.

مثلاً مصطفى كامل يقاوم الإنجليز يروح برضه ينادي بالهوية العثمانية، وكان زي ما في مندوب سامي إنجليزي كان في مندوب سامي عثماني، وكان الغازي أحمد مختار باشا، وكان الناس يحبونه ويجلونه؛ حتى عباس حلمي الثاني في مذكراته يذكر كيف كان الناس يحبون ويلجؤون إلى أحمد مختار باعتباره ممثل الدولة العثمانية وممثل الخلافة الإسلامية.

أنا شو قصدي من السؤال أستاذ محمد؟ إنه إذا بدي أعمل مقايسة، يعني مقاربة؛ أي هو طالما أنه السلطان عبد الحميد بده يدخل في حروب وأنت اسمياً بتحكمنا ومش قادر تدافع عنا، طيب اليوم ليش نحن بدنا نلوم هالدول اللي مش عارفين يوقفوا لا مع السودان ولا مع فلسطين ولا مع؟

سؤال ممتاز برضه. ماشي، طيب عبد الحميد لم يكن قادراً على تسيير جيش لإنقاذ هذه الأطراف البعيدة التي تعتبر انفصلت قبل مولده هو بـ 40 سنة. البلاد دي انفصلت قبل مولده هو أصلاً بـ 40 سنة، ولكنه لم يدخر وسعاً في دعم كل حركات المقاومة بما استطاع، معنوياً أو بالمال.

طبعاً، حتى البلاد التي لم تقع أصلاً لم تكن أصلاً داخل الولاية العثمانية، يعني حتى الهند كان له مجهود في دعم ثوار الهند على الاحتلال الإنجليزي، والهند طول عمرها لم تكن مع الدولة العثمانية. أي شخصية نافذة صاحبة مقام، يعني أنا قلت لك إنه هو أدّى الباشوية لمصطفى كامل باشا، وهو أصلاً مصطفى كامل مات وهو 34 سنة، يعني كان شاب لطيف صغنون كده يعني ما بيعملش حاجة، يعني أدّى له رتبة الباشوية، أدّى أحمد عرابي رتبة الباشوية والوسام المجيدي في صراعه مع الخديوي؛ لأنه ضد النفوذ الأجنبي. فالمال بالدعم المعنوي كان عبد الحميد قائماً وبيتحرك في هذا.

طبعاً الأماكن التي كانت تحت سيادته لا، كان مباشرة هتلاقي قرارات وفرمانات زي ما هنيجي مثلاً في موضوع فلسطين، وزي ما هنتكلم في موضوع سكة حديد الحجاز والربط بين هذه المناطق، الحرص على أنه مثلاً عمل مدرسة للعشائر، مدرسة يأتي فيها أبناء العشائر العربية لكي يتعلموا في دار السلطنة العثمانية، الحرص على المظاهر الإسلامية، بل حتى الحرص على أنه خليفة، يعني فكرة إحياء الجامعة الإسلامية وإحياء الخلافة الإسلامية لكي تكون سياسة تشمل كل المسلمين، حتى في الديار التي بالفعل زالت عنها السلطة العثمانية، لأنه في الآخر هو خليفة مسلم.

هو كان شغال، هو كان شغال برغم كل الديون والمؤامرات والتمردات والانفصالات، اللي كان بيبني مدارس وكان بيبني جوامع وكان بيبني سكك، وكان بيشتغل وكان، ولا ننسى أننا سنأتي على إيجابيات وإنجازاته. هو شغال، الجزء اللي أنا بقوله دلوقتي إنه كان شغال في دعم المقاومة بما استطاع، لكن دون تسيير الجيوش. يعني مثلاً شوف عبد الحميد مهما أنكر عليه الطاعنون فيه، ما حدش يقدر يقول إنه خان حركة مقاومة أو إنه كان يتواطأ عليها أو يتآمر عليها، بينما هذا الذي يحصل الآن، لا يعني شوف هو أي مقارنة بين عبد الحميد وبين ما بعده المقارنة دائماً في صالح عبد الحميد، يعني في كل الأحوال المقارنة في صالح عبد الحميد.

طيب كان في نقطة صغيرة بس عشان ما نبعدش عنها كثير، كونه نحن فاتحين ملف السلطان عبد الحميد وفتحنا ملف اليهود والصهيونية قبل شوي، بس باختصار نعم لا، يعني هل هو يعني بس عشان هي الشبهة أثيرت كثير، دعم الصهاينة، تنازل عن شيء من فلسطين، عمل أي شيء زي هيك؟ في منه هالحكي؟

لا، عبد الحميد كان صخرة هائلة في تدفق اليهود إلى فلسطين رغم الضغط الشديد عليه من الدول الأوروبية نفسها، وهذا الكلام من قبل أن يظهر هيرتزل أصلاً، يعني من قبل ما يبقى في مشروع هيرتزل كان في مشروعات قبل كده يهودية سابقة أخفقت، وكان في محاولات يهودية سابقة أخفقت، كيف أخفقت؟ أخفقت بقرارات عبد الحميد؛ الفرمانات التي يصدرها لمنع استقبال اليهود في الموانئ الفلسطينية، أو منع إقامة اليهود أكثر من شهر أو أكثر من شهرين أو أكثر من ثلاث شهور، كل ده نتيجة ضغط، أو في جعل القدس وما حولها متصرفية خاصة بالسلطان، أو في جعل الأرض المشاع خاصة بالسلطان لا تخضع لفكرة التعامل والشراء، أو في منع اليهود الذين قدموا إلى هذه الأرض بعد عام كذا من شراء وتملك الأراضي، أو في حظر دخول اليهود حتى لو تمتعوا بجنسية أجنبية أخرى إلى الموانئ الفلسطينية.

واللي عايز يزور لا تزيد مدة زيارته عن كذا، وعمل لهم جواز سفر مخصوص بلون مخصوص يكتب فيه تاريخ الزيارة بحيث يسلم جواز سفره مقابل جواز السفر ده بحيث يسهل متابعته وتتبعه. في تغيير المتصرف حين شكا إليه أهل بيت المقدس أن الراجل ده شوية كده فاسد وبياخد رشاوي وبيفوت الناس وببيع أراضي، وجعل القدس تابعة للباب العالي مباشرة بحيث ترتفع في الولاية ما تبقاش تابعة لولاية الشام.

لكن لو أنت بتتكلم بقى على الأرقام، فأرقام اليهود زادت في عهد عبد الحميد. ليه بقى زادت في عهد عبد الحميد؟ عندك أكثر من سبب يمكن أن يفسر به ذلك، أو مش يمكن أن يفسر به، يعني أكثر من سبب تظهره الوثائق: أولاً الزيادة الطبيعية في المواليد. الحاجة الثانية إنه في بعض الناس اليهود العثمانيين أصلاً، اليهود العثمانيين كانوا بيروحوا وييجوا دول مش ممنوعين من حاجة، يعني طبعاً الدولة العثمانية محتلة فرنسا، مش معترفة بالاحتلال قصدي، الجزائر مش معترفة بالاحتلال، تونس مش معترفة بالاحتلال، مصر مش معترفة بالاحتلال وشايفة إن كل ده حاجة سيئة، اليهودي اللي موجود في تونس واليهودي اللي موجود في مصر لو قرر إنه ينتقل من مصر ويروح ساكن فلسطين ده لا يخضع للقوانين اللي إحنا بنتكلم فيها؛ لأن ده أصلاً ملة عثمانية.

طيب في فساد مع الموظفين العثمانيين، في فساد، في أحياناً الدول الغربية اشتغلت بقناصلها في إدخال يهود تحت مسمى أنهم حماية أجنبية، يعني ده مش داخل على أساس إنه يهودي، ده داخل على أساس إنه نائب القنصل أو الملحق الفلاني في القنصل، فدول دخلوا في ثغرات في القوانين العثمانية. في انتقال الأراضي جرى استغلالها أحياناً، ثغرات في القانون أو ثغرات عند الموظفين الفاسدين، ودول موجودين يعني في كل حال، والدولة العثمانية كانت في سباق نحو سد هذه المنافذ. فاللي هيبص للأعداد صماء كده هيقول زادت، لكن اللي هيبص للظروف التي أحاطت هيقول إنه لولا قرارات عبد الحميد كانت دولة إسرائيل نشأت قبلها، لأنه أصلاً في ذلك الوقت يعني سنة 1881 وما بعدها كان عندك موجات هجرة من اليهود الروس، موجات هجرة كبيرة وهائلة، لم يستقر منها في فلسطين بعد كل هذه القوانين إلا أعداد بسيطة، بتتكلم عن 2%، 3% وفضلوا أن يذهبوا بعد ذلك إلى أمريكا أو إلى أوروبا. يعني الملف ده زي ما بقول لك كده بوضوح، عبد الحميد كان صخرة منعت تدفق وسكن اليهود في فلسطين في وقته.

طيب إحنا كنا طرحنا مجموعة كبيرة من التساؤلات أستاذ محمد وأنت كنت ماشي معنا. أنا بقى عمال بتبني في مسار سنصل معه في النهاية إلى خلع السلطان وانهيار الدولة أو دولة الخلافة. ماشي، طيب إحنا فسرنا السنوات الأولى، فسرنا كيف شكلت سياسة عبد الحميد، فسرنا وجود مشكلات هتبدأ تشتغل ويشتغل عليها الغربيون وتشتغل عليها الصحافة الغربية. نيجي لمرحلة سياسة أخرى من سياسة عبد الحميد، هو اهتمامه بالجامعة الإسلامية.

اهتمامه بالجامعة الإسلامية، عبد الحميد كان أحرص العثمانيين المتأخرين على لقب الخليفة وعلى تفعيل هذا اللقب، وعلى أن بلاطه يكون فيه نماذج وممثلين لكثير من الشعوب اللي موجودة تحت يده. يعني إحنا هي أصلاً أمه شركسية، أم عبد الحميد هي شركسية، لكن مثلاً إحنا دلوقتي بنتكلم باللغة العربية فكثر العرب في بلاط عبد الحميد، عندك الشيخ أبو الهدى الصيادي من سوريا، وعندك الشيخ محمد ظافر المدني من المدينة وأصله من ليبيا، ده كان شيخ عبد الحميد في الطريقة القادرية، وأبو الهدى الصيادي أظن شيخه في النقشبندية، زوج ابنتيه من أبناء الأمير عبد القادر الجزائري. عبد الحميد كان في صدوره العظام، كان مستشاره طبعاً أحمد عزت باشا العابد، الرجل الشخصية الدمشقية المشهورة، وكان في صدوره العظام حليم باشا، حليم باشا يعتبر مصري لأنه من أسرة محمد علي، وكان منهم خير الدين التونسي كان صدراً أعظم كذلك. فهو حاول أن يربط هذه الشعوب الإسلامية بوجود ممثلين في بلاطه، أي شخصية نابغة كانت تظهر كان يستضيفها عنده على شرط -وهنا نرجع للخط الأحمر بتاع عبد الحميد- أن الشخصية دي ما تعملش مشاكل، ولذلك فسدت العلاقة بينه وبين جمال الدين الأفغاني الذي هو أبرز رجال عصره.

ده ملف طبعاً، شوف أنا برضه أقوله باختصار وهقوله لك كنتيجة. طبعاً جمال الدين الأفغاني، اختلفوا فيه؛ ناس بتقول عميل للإنجليز وناس بتقول من أعظم رجال الإسلام. أنا مع الجماعة الثانيين دول، إنه من أعظم رجال الإسلام، وأنه لا دليل على أنه لا عميل ولا حتى فيه خدش في ولائه للأمة. وعبد الحميد برضه رجل مسلم مخلص متدين، لكن الاثنين الكبار دول الشخصيتين الكبيرتين دول ما كانوش ينفع يشتغلوا مع بعض.

جمال الدين الأفغاني ده واحد سيرته سيرة ثائر مناضل مكافح وشخصية في غاية القوة والصلابة، وكل مكان نزل فيه كان له فيه أثر؛ في أفغانستان، وفي طبعاً عارف أنا الخلاف اللي هو هل هو أفغاني ولا هو إيراني، وحقيقة ده خلاف ما يفرقش وإحنا بنتكلم عن أثر الإنسان في الإسلام، هل هو سني ولا شيعي، وبرضه الخلاف ده ما يفرقش طالما الراجل كان بيتحرك لمصلحة أمة. هو نفسه ذكر عن نفسه أنه سني حنفي، لكن الناس ما بيصدقوه أو في ناس ما بتصدقوش. طيب ماشي، حتى لو ما صدقناهوش وحتى لو كان شيعي، أنت ما الذي تحتاجه من الشيعي؟ يعني دلوقتي أنت أيها السني، متى يرضيك الشيعي؟ إذا الإنسان هذا كان مع مصلحة الأمة، لا يتكلم في الأمور المختلف فيها، لا يطعن في الصحابة؛ ألا يكفي ذلك؟ طيب عبد جمال الدين الأفغاني لا يعرف عنه طرح هذه الإشكالات يعني الإشكالات بين السنة والشيعة، وحتى ما ينسب إليه من أنه كان دهرياً وكان مناظره مع رينان هذا الكلام عند التحقيق لا يصح. شوف كل دي تفاصيل أنا استطرت فيها، سيبك من كل اللي أنا قلته ده.

المهم هو علاقته بجمال الدين. أنا أصلاً الملف ده علشان سخن أنا بنسى نفسي فيه، المهم جمال الدين الأفغاني خلاصة ما عندي على الأقل يا سيدي، أو خلاصة رأيي فيه إلى هذه اللحظة التي أتكلم فيها، أنه شخص من أعظم رجال الإصلاح في الإسلام، لكنه كان ثائراً ما ينفعش مع عبد الحميد اللي مليان خطوط حمراء وصاحب سياسة "لا حروب، وتعالوا ندور إزاي نفسد بين أعدائنا دون أن نشتبك معهم في حرب".

جمال الدين الأفغاني ده واحد راح الهند اطرد، راح إيران اطرد، ونسب إليه أنه الاثنين اللي اغتالوا الشاه ناصر الدين هم أصلاً تلاميذ الأفغاني، وطبعاً دي حاجة هائلة، عارف أنت لما تبقى ملك وقدامك واحد زعيم ممكن تلاميذه يقتلوك يعني دي حاجة مخيفة جداً، راح مصر كاد يفعل ثورة وفعلاً طرد ونفي. فعبد الحميد جاءه، أول لقاء بينهم كان لقاء لطيف وظريف والاثنين أعجبوا ببعض، والأفغاني يكتب في خاطراته إنه عقل عبد الحميد لو وزن بأربعة من دهاة العالم لوزنهم، والراجل ده أنا اطلعت على ما في رأسه من المخططات إزاي يتصدى لها. المهم أنما بقى الدنيا تمشي إزاي، ما ينفعش واحد زي الأفغاني ده تحطه في أي مكان يروح يقلب لي الدنيا، مع واحد زي عبد الحميد مش عايز مشاكل.

طب هو السلطان عبد الحميد ليش استدعاه عشان الجامعة الإسلامية؟ عشان الجامعة الإسلامية ولأنه زعيم إسلامي، يعني بده يشغله في الجامعة، بده يمسكه إياها، شو بده يعمل؟ هو طبعاً لا شك أنه أراد أن يستفيد منه من زعامته ومن قوته ومن مكانته في العالم الإسلامي.

جمال الدين الأفغاني لما في الفترات التي كان موجوداً عندنا فيها في مصر، فعلاً كان صاحب عباءة قوية، يعني تلاميذ جمال الدين الأفغاني دول يا شيخ مراد كانوا زعماء، منهم الزعماء الدينيين، محمد عبده ورشيد رضا، ومنهم الزعماء العلمانيين، يعني واخد بالك قصدي هو محمد عبده حتى بيقول عنه بيقولوا: كأنه حقيقة كلية تجلت في كل نفس بما يشاكلها، شخص خطير قادر يؤثر في الجميع. فعبد الحميد بقى على سياسته الهادئة عمل إيه؟ أبقاه عنده في إسطنبول، عشان الراجل ده لما بيطلع بره لا تأمن ماذا يمكن أن يفعل، يعمل ثورة هنا يعمل بتاع، والثورة اللي تحصل مثلاً زي في مصر تروح تجيب لنا البريطانيين. عبد الحميد مش عايز يصل إلى.

أي لحظة اشتباك ومواجهة؛ علشان ما تفسدش عليه. جمال الدين الأفغاني أمر مختلف، شايف أن هذه الحالة التي نحن فيها هي حالة الأعداء يتصارعون علينا ويأكلون مننا؛ ولذلك جمال الدين الأفغاني مثلاً يكتب في خاطراته أيضاً: أنه يوشك أن يعم الاحتلال الأجنبي سائر بلاد المسلمين، وقد كان بعدما مات الأفغاني.

لأن المعادلة كما يراها الأفغاني، شوف المعادلة كما يراها عبد الحميد: مش عايزين مشاكل، المشكلة بتخسرنا. المعادلة كما يراها الأفغاني: إحنا مش عايزين مشاكل، المشاكل بتتحل على حسابنا إحنا. فالاثنين دول ما يمشوش مع بعض، فلذلك عبد الحميد أبقاه في إسطنبول، معزز مكرم، بس لا بيسمح له بالخروج والحركة، ولا بيسمح له ولا بياخد بآرائه؛ حتى مات في إسطنبول سنة ١٨٩٨م.

يقال إن الذي خلى علاقته تتوتر كثير وخلاه في إسطنبول أنه كانت ظهرت عاد الماسونية، فيقال إن الماسونية كانت تستقطب كل المعارضين السياسيين، وأي حدا بده يعمل مشاكل فهي كانت مارز جميل، فيقال إنه هو انضم إلى شيء ماسوني ووصلت الأخبار للسلطان، فهو الذي اشتغل على إنهاء ملفه.

معلومة برضه علشان نفهم التاريخ في سياقه؛ الماسونية في ذلك الزمان كانت تشبه منظمات حقوق الإنسان في زماننا هذا. شيء لطيف، يعني أنت دلوقتي لو حد منتمي لمنظمة حقوق الإنسان، العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش، هل حد شايف أن ده مطعن من المطاعن؟ ما حدش بيشوف أن ده مطعن، إنما دي حالة إنسانية، حالة للدفاع عن حقوق الإنسان، حالة للدفاع عن الشعوب؛ مع أن إحنا كلنا عارفين أن المنظمات دي متمولة من الغرب، وأن الغرب ده مش جمعية خيرية، وأنه الغرب ده لا شك أنه يستخدمها ويستفيد ببياناتها في معرفة أحوال الناس وأحوال الشعوب وتفاصيل.

لكن في ظل الاستبداد الهائل اللي إحنا فيه، وفي ظل المشاكل اللي إحنا فيه، وأنه الغرب بيرفع شعار حقوق الإنسان، فده جزء من تجلي حقوق الإنسان. فالماسونية في ذلك الزمن هي الناس الأحرار اللي هم ضد الاستبداد وضد الاحتلال، وما كانتش يعني لما واحد يجي يفتح محفل ماسوني مش معنى كده أنه واخد من الرئيس الأعلى للمحافل الماسونية، لا ده هو بيفتح المحفل الماسوني عادي زي ما أنت دلوقتي تقدر بقانون الجمعيات تعمل جمعية وتخلي تخصصها حقوق إنسان ويبقى لك علاقات بالخارج.

فانضمام الأفغاني وعبده للماسونية هو كان انضماماً قصيراً ومؤقتاً ولم يستمر، وعلى هذا النحو الذي نحكيه الآن من أنه كان تجمعاً أو كانت بمثابة الغطاء للشخصيات التي تنادي بالحريات وبحقوق الشعوب؛ فما كانش معروف أن الماسونية هي نوادي سرية منظمة لها أهداف عالمية، لم يكن هذا معروفاً في ذلك الوقت؛ ولذلك هتلاقي كثير ناس عدت على الماسونية وطلعت في ذلك الزمن، زي ما أنا متأكد أنه بعد عصرنا ده ملف حقوق الإنسان ده هيبقى ملف مليء بالتفاصيل، وهتلاقي فيه فضائح تصم من كل من انتمى إلى منظمة حقوق الإنسان.

بلاش حتى بعيد، دلوقتي لسه من يومين واحد أصدقاؤنا المهتمين بالملف الإنساني ده، تقرير رفضت هيومن رايتس ووتش نشره عن أن حرب غزة هي حرب إبادة جماعية، مع أنه رجع من القسم المختص، ورجع من بتوع المعايير القانونية وبتوع معايير الجودة، ورُفض؛ لأنه أصلاً رئيس هيومن رايتس ووتش دلوقتي له استثمارات في إسرائيل. طيب أجي أنا دلوقتي ينفع أمسك الناس اللي اشتغلت مع هيومن رايتس ووتش تدافع عن المعتقلين ولا تدافع عن المعذبين، وأقول له تعال يا عميل إسرائيل اللي كان لا حول ولا قوة إلا بالله! يعني إحنا شوف وين واصلين، أنت بتناقش هل هذا قمر ولا ليس قمراً، تخيل أنت لهون؛ هي جريمة ولا مش جريمة؟ يا سلام، وإحنا نوافق أو نرفض، شو هالمسخرة!

فالفكرة قصدي يعني اللي دخلنا في كل السكة دي؛ إحنا قلنا إن هو ملف معقد، إحنا كنا بنحكي عن الجامعة الإسلامية. بالضبط الذي دخلنا في كل السكة دي هو موضوع الجامعة الإسلامية، أنه كانت من وسائل عبد الحميد لمناهضة أي احتلال أجنبي، ولمحاولة التماسك مع كل الأطراف الإسلامية. كل الخيوط الإسلامية دي هي مسألة الجامعة الإسلامية، وكان لها بقى فاعليتها الأخرى، من أهم فاعلياتها سكة حديد الحجاز. سكة حديد الحجاز هي طبعاً السكة التي بُنيت هي من دمشق إلى المدينة المنورة، دي السكة اللي اتبنت فعلياً.

طموح عبد الحميد من إسطنبول؟ لا، إسطنبول كانت مربوطة بأوروبا. الأحلام بقى، أو التطور، أن السكة دي تمتد ترتبط بإسطنبول، تعدي على أنقرة، ويبقى لها فرع كده في الجنوب، وبعدين تروح معدية على حلب ثم دمشق، ومن دمشق تروح رايحة لبغداد والموصل والبصرة، وتكمل على المدينة ومكة واليمن؛ ده يعني دي الخطة الطموحة.

فهذا الربط طبعاً له فوائد على كل المستويات، فوائد دينية وده أهمها طبعاً، اللي هو أي قافلة حجاج يا جماعة بدل ما هي عمالة تقطع الطريق في الصحراء في طرق ممهدة بين الموصل ودمشق وبين بغداد ودمشق، تعالوا على دمشق وخدوا القطار السريع اللي بيروح المدينة، وبعدين المرحلة الثانية وصل لمكة. ولو تم هذا الربط فإنا أقول لك عندك هدف ديني ممتاز جداً، عندك هدف أمني وعسكري سرعة نقل الجيوش، وعندك هدف اقتصادي سرعة نقل البضائع، بدل ما البضائع بتتشال على جمال وحمير فبتتشال على قطارات سكة حديد، وده في النهاية أنت دلوقتي بتتكلم عن حالة برية.

على الأقل التجارة الإسلامية بتاعة البلاد الإسلامية دي بدل ما تجذبها السواحل لأن السواحل فيها أساطيل بريطانية وفرنسية، ويبقى الأجانب مستفيدين لأنهم سادة البحار، تعالى خليها تدخل إلى البر وتبقى في البيئة الإسلامية. طبعاً في ذلك الوقت كان كل الكلام ده محرر، يعني قصدي ما كانش فيه حد الإنجليزي في العراق، كل ده هيحصل بعد الحرب العالمية الأولى. فهذه الحالة منها تعارف بين المسلمين، منها ارتباط العالم الإسلامي، منها علاجات عسكرية وسرعة نقل الجيوش، ومنها كذلك ازدهار تجاري؛ لأن أنت حتى على خطوط المواصلات دائماً هتنشأ التجارة الخدمية والتجارة الوسيطة. فمن إنجازات عبد الحميد التي للأسف لم يطل الاستفادة الإسلامية بها هي خط سكة حديد الحجاز، واللي اتبنى في زمانه هو من دمشق إلى المدينة المنورة.

طبعاً فيه ملمح لطيف، يقال إنه لما بيبنوا، وهي شركة ألمانية اللي بنت، يقال إنه أمر القطار عندما يدخل إلى المدينة المنورة ينحط له زي ربر أو شغلة حتى لا يزعج الصوت، المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم ساكنها، وبالقابل هنا قريب من قبره القطار لما يمر محطوط على السكة ربر عشان.

يعني هذا ملمح، لكن اللي أنا بدي أحكيه يا أستاذ محمد شوف سبحان الله، أنت وأنت بتحكي أنا قاعد بتخيل الآتي، أنه سبحان الله شوف مادة الحديد، في بني آدمين وسياسيين وعقول صُنعت من مادة الحديد أسلاك شائكة وحدود مزقت جسد الأمة، وفي بني آدمين صُنعوا من مادة الحديد سكك تبقي جسد الأمة متواصلاً غير ممزق حتى في أضعف الحالات؛ فسبحان الله.

نعم، نعم. طيب، كان إذاً من محاولات إصلاح الوضع القائم أنه عمل سكة حديد وجامعة إسلامية. نعم، هو عبد الحميد أي نظر موضوعي له سيرى أنه عبد الحميد كان مهتماً بمسألة المدارس وإنشاء المدارس والكليات والمستشفيات، يعني مسألة العمارة عند عبد الحميد مسألة واضحة يعترف له بها أدنى من الموضوعيين؛ يعني هو كان حريصاً على أنه يحصل فعلاً نهضة ورقي. حتى أنه بنى يقال مدرسة في الصين وسماها المدرسة الحميدية، وأهل الصين كانوا مبسوطين جداً في افتتاحها؛ شوف أهو ده برضه من آثار الجامعة الإسلامية، اللي هو حرصه على بل حتى في اليابان، وفي اليابان أيضاً.

في اليابان لكن أنا الآن لا أذكر هل بنى مدرسة هناك أم أنه نوى أن يبني مدرسة هناك، لكن في رحلة أو في تاريخ الشيخ طنطاوي نسيت اسمه اللي هو الراجل الروسي المشهور، وفي رحلة الحاج رشيد الرحلة الكبيرة اللي هي رحلة ألف صفحة، كنت تجد صدى عبد الحميد عند المسلمين في هذه المناطق الفسيحة في روسيا في اليابان في كمبوديا في جاوه اللي هي إندونيسيا، الرجل كان متواصلاً لأنه هذه كانت من سياسته.

طيب هل نقفز قفزة شاسعة ونروح لفكرة الانقلاب عليه؟ ماشي، شوف هو طبعاً زي ما قلت لك موضوع كبير، خليني قبل ما أروح للانقلاب عليه أدخل إلى إخفاق مهم من إخفاقات عبد الحميد، وهو الجيش الحميدي، الجيش الذي أنشأه عبد الحميد. طبعاً اللي أنا هقوله دلوقتي ده استفدته من الأستاذ محمد يوسف العوض، له بحث اسمه إخفاقات السلطان عبد الحميد كان قدمه في المؤتمر اللي هو كان سنة ٢٠١٨م "عبد الحميد الثاني في الذاكرة العربية"، وحقيقة هذا الإخفاق لم أره مذكوراً عند غيره. طيب ماذا يقول؟ دلوقتي عبد الحميد بيحاول يسعى للتوازن بين القوى الأوروبية، فاشتدت العلاقة بينه وبين الألمان، الألمان هم كانوا أكثر ناس العلاقة بينهم وبين العثمانيين مفيدة لكليهما، ألمانيا جغرافيتها تجعلها محصورة عن أن تنافس المستعمرين في امتداداتهم في آسيا وفي أفريقيا؛ فبالتالي العلاقة الألمانية العثمانية كانت علاقة جيدة. طيب من ضمن هذه المنافسات والتوازنات العلاقة مع الألمان، أنه عهد بتدريب جيشه إلى الخبراء الألمان.

الخبراء الألمان دول كان عندهم عدد من المشكلات التي كان ينبغي الانتباه إليها ولم يجري الانتباه إليها، أهمها الشخصيات التي جاءت للتدريب إيه أفكارها، والمناهج التي جاؤوا ليعلموها لطلاب الجيش الحميدي إيه محتواها. مما رصده أخونا الأستاذ محمد يوسف العوض، أنه هو طبعاً يجيد الألمانية وله كان يعمل على مشروع اسمه "تراجم الضباط الألمان في الجيش العثماني"، مشروع هائل وخطير حقيقة؛ الخبراء الألمان كانوا من مدرسة ترى أن الجيش هو المسؤول عن الأمة، بمعنى أنه ينبغي أن يقود الجيشُ الأمة، لا سيما في حالة الحرب، الجيش هو السيد. الكلام ده قيل شفاهةً بالتأكيد وكُتب كان موجوداً في الكتب، وتحمل إليه التجربة الألمانية التي هي التجربة التي وصلت إلى الوحدة وإلى أن تصير ألمانيا قوة عظمى مع بسمارك.

تعال أنت قارن بين الإنكشارية وبين الجيش الجديد؛ الإنكشارية دول عقيدتهم عقيدة عثمانية خالصة، ما حدش داخل حاطط في دماغهم أي فكرة غربية، وحتى تمرداتهم تقدر تسميها بالنهاية تمردات فئوية، يعني لا يجرؤ الإنكشاري على إزالة الدولة العثمانية، آه ممكن يزيل مين السلطان اللي واقف له في مصلحته ده، لكن بعد ما يزيل السلطان اللي واقف له في مصلحته يروح يجيب إيه؟ سلطان ثاني عثماني برضه، بس ونتفهم. لكن الجيش الحديث دخلت إليه مع هذه الفكرة الألمانية الفكرة القومية، مش الفكرة الإسلامية، تمام.

بعض الضباط الألمان كان بيقول طب ما وليه أصلاً الدولة العثمانية تبقى موجودة في البلقان؟ ما تتخلى عن البلقان، البلقان دي طول عمرها فيها مشاكل، وحتى فيها نسبة كبيرة من المسيحيين، وليه أصلاً إسطنبول تبقى هي العاصمة؟ إسطنبول نفسها فيها مسيحيين كثير وفيها يهود وفيها أرمن، وليه ما نخلي عاصمة الدولة العثمانية في حلب مثلاً؟ الفكرة القومية فكرة جديدة دي بقى، دي فكرة ما تدخلش في دماغ الإنكشاري، تدخل في دماغ جندي أو ضابط الجيش الحديث.

كويس، فعندك ظهرت فكرة القومية وظهرت فكرة أن الجيش هو المسؤول عن الأمة، والذي ينبغي أن يقود الأمة؛ فبالتالي كان هذا هو التمهيد للانقلاب على عبد الحميد نفسه، يعني الذين انقلبوا على عبد الحميد هم الذين تربوا في المدارس التي أنشأها عبد الحميد والذين كانوا تحت نظر عبد الحميد. فهذا رافد خطير دخل إلى الجيش العثماني وأدى إلى الانقلاب على السلطان عبد الحميد.

كذلك عبد الحميد عمل مدارس، عمل منشآت، ولكن كان يجب أيضاً أن يعرف بأنه صحيح حتى مهما تفهمنا ووصلنا إلى الحد الأقصى في تفهم هو ليه وقف البرلمان ووقف الدستور، لكن ما فيش نظام حاكم ينفع يعيش بدون معترضين؛ يعني الخلاف سنة طبيعية بين البشر، إذا ما فيش مسارات مفتوحة طبيعية يمكن أن تستوعب الناس اللي عندهم آراء مخالفة، الطبيعي أنهم هيعملوا إيه؟ الطبيعي أنهم هيشتغلوا برضه في المعارضة، لكن في أجواء سرية؛ وده الفارق حتى الحاصل حتى الآن بين المدرسة الغربية بشكل عام وبين المدرسة الشرقية بقى، روسيا والصين، اللي هو لازم يبقى فيه مساحات طبيعية للمعارضة؛ لأن الناس من طبيعتها الاختلاف، لو ما عارضش فوق الأرض هيعارض تحت الأرض، فوق الأرض هيكتفي بالكلام أو بالتجمعات المدنية، لكن تحت الأرض لا بد أن يمتد إلى العمل المسلح.

فدلوقتي ما الذي حصل؟ أن عبد الحميد دفع كل المعترضين مع إغلاق المجال العام إلى أوروبا أو الدول الإسلامية الواقعة تحت الاحتلال، يعني واحد موجود في الشام، زعلان من عبد الحميد ولا زعلان من الوالي.

صارت مصر أحد المناطق التي تصدر فيها الصحف المناهضة للدولة العثمانية، واختلط في المعارضين لعبد الحميد المخلص والمغرض، والإنسان المسلم السوي الحريص على المصلحة، والإنسان المتابع للغرب الذي يريد قومية أو علمانية أو التخلص من التوجه الإسلامي؛ فكل هؤلاء بقوا جبهة واحدة غصباً عنهم. فكنت تجد في معارضة عبد الحميد عدداً من المع الناس الذين لا يتهمون في دين ولا في إخلاص. فبالتالي عبد الحميد من خلال إغلاقه المجال العام، وفر الفرص لكي يتكتل في معارضته وفي العمل ضده من كان يحب الإسلام ومن كان غير ذلك. ولذلك كثير من الذين شهدوا الانقلاب على عبد الحميد صرحوا بندمهم على ذلك؛ لأنه ما كان متصوراً أن البديل سيكون أسوأ من هذا. بل إن عبد الحميد بهذا الإغلاق كان سبباً في رواج وازدهار الفكرة التي تقول: لابد من نقل الخلافة من الترك إلى العرب. هذه الفكرة كما نطق بها إنجليز وكما نطق بها متغربون، نطق بها مخلصون أيضاً.

أحب أن أقربها للناس المعاصرين بالرئيس مرسي رحمه الله؛ فالرئيس مرسي يشبه عبد الحميد في عدد من الوجوه. ومن اللطائف هنا، مرة كتبت عن عبد الحميد ومرسي تسعة أوجه شبه، وكنت سأكتب العاشرة؛ وهي أن الاثنين سيتم الانقلاب عليهما، لكن كرهت أن أكتبها. فأخذت جريدة المصري اليوم في مصر المقال وعملت عنواناً: مؤرخ إسلامي يتوقع انقلاب الجيش على مرسي، واستنتجوا هم العاشرة التي ما رضيت أن أكتبها. كتبته في حياة مرسي، رحمة الله عليه. مرسي كان يختلط في المعترضين عليه أبناء الثورة الحقيقية الذين يريدون أن يتمكن هو من السلطة، والذين كانوا مغرضين ويريدون أن يزيلوه من السلطة. لما تجد واحداً ليس حاسماً وأنت لا تعرف كيف تساعده، وترى الأمور تنسحب من تحت قدميه وهو يقول لك: الأمور تمام، الأمور ممتازة، أنت فقط خليك في حالك؛ فهذا كان حرفياً ما يقال.

فإن مظاهرات 30 يونيو نزل فيها بعض من كان مخلصاً مغفلاً، طبعاً لا يوجد كلام، مغفل وجاهل ولا ينبغي أن يكون له كلام في السياسة. لكن لا أستطيع أن أنفي أنه كان من هؤلاء المخلصين من نزل، وأنا أعرف من نزل في 30 يونيو واستشهد في رابعة؛ تخيل! فعبد الحميد اختلط في الذين عادوه وانقلبوا عليه المخلصون والمغرضون. لاجل إغلاق المجال العام، وأنا أتكلم الآن عن رأيي الشخصي، أنا أرى أن مسألة صمود الثبات لا شجاعة الإقدام جعلت عبد الحميد يفوت فرصاً في غاية النفاسة، تجمدت على سياسة لا حروب بعد اليوم، فصارت منهج الدولة؛ والدولة عمالة تتآكل.

هو نفسه لما حصل الانقلاب عليه من الجيش لم يرد أن يواجه الجيش مواجهة؛ فهناك قوات تابعة لعبد الحميد وموالية له، وهم الجيش الأول في إسطنبول، لأن الذين انقلبوا على عبد الحميد هم الجيش الثالث الذين كانوا في سالونيك، وما كان للسلطان العثماني القدرة ولا السيطرة التامة هناك. فاستسلام عبد الحميد لهذا الانقلاب أراه من إخفاقاته ومن عيوبه، ويشبه جداً استسلام مرسي للانقلاب الذي حصل في مصر. هذه الإخفاقات هي التي نسجت قصة الانقلاب على عبد الحميد، عندك الآن جيش يتلقى أفكاراً واختلط فيه المعارضون المخلصون وغير المخلصين، فتحرك الجيش. لم يتحرك في البداية لعزل عبد الحميد، بل تحرك في البداية لكي يعيد الدستور الذي أوقفه عبد الحميد قبل 30 سنة. أرسل عبد الحميد كتيبة لهذا الجيش، فانحازت الكتيبه إلى الجيش الذي تمرد على عبد الحميد. وقبلها أرسل مبعوثين فقتلوا، فوجد عبد الحميد أن المواجهة ستكون اصطداماً وقتلاً بين فرق الجيش، فنزل على رأيهم، وأعلن الدستور، واستعاد مجلس المبعوثين مرة أخرى، وهي ما تسمى المشروطية الثانية على أساس أن التي كانت في 1876 تسمى المشروطية الأولى.

لكن في ظل هذا الوضع المنفلت حصلت مظاهرات بعد ذلك مضادة لهذا الأمر. بعض المؤرخين يقول أنها من تنفيذ الاتحاد والترقي؛ لأنهم لم يتوقعوا أن يمتص عبد الحميد مطالبهم بهذا الشكل، وكانوا يرون أنهم لو سكتوا، فسرعان ما سيمتص عبد الحميد هذه الموجة ويعيدهم إلى ثكناتهم أو يوزعهم على المناطق المختلفة، ويروح يلغي الدستور ثانيةً كما فعل. فبالتالي كان لابد لهم من إثارة حالة من الفوضى تمكنهم من تطوير الانقلاب الذي يريدونه لخلع عبد الحميد. مؤرخون آخرون يقولون لا، هذا رد فعل طبيعي من أنصار السلطان، بل قد يكون بتحريض منه، فالسلطان كان يحتاج ظهيراً شعبياً، كان يحتاج في الأول أن ينحني للعاصفة وبعدين يحتاج ظهيراً شعبياً لكي ينقلب على ما خضع له. أيهما الصحيح؟ لا أدري على وجه التحقيق، لكن أنا من أنصار أن عبد الحميد هو الذي حرض، ومن أنصار أنه رد فعل طبيعي، هذا الذي أميل إليه في حدود ما قرأت، ولكن أعترف بأن الأمر يحتاج إلى مزيد بحث.

تطور الأمر إلى اقتحام مجلس المبعوثان، وإصدار القرار، وأخذ الفتوى من شيخ الإسلام بخلع السلطان عبد الحميد. وكتبت الفتوى المشهورة: إذا قام السلطان بحرق كتب دينية ومش عارف إيه، وحطوا كل التهم مثل تهمة التخابر مع حماس والكلام التعبان هذا كله. فهل يجوز خلعه؟ أو يجب خلعه؟ الفتوى بـ "يجب"، وذهبوا بها إليه وأعلنوه بها، وبذلك خلع السلطان عبد الحميد بعد 33 سنة من حكمه. فهو السلطان رقم 34، وتولى وهو ابن 34 سنة، وحكم 33 سنة، يعني لو كانوا سابوه سنة لكانت تمت 34؛ كانت العبارة استقامت. وبعدين نفي إلى سالونيك أيضاً لكي يكون تحت هيمنتهم وبعيداً عن أي قوى تحبه أو يمكن أن تعيده مرة أخرى إلى الحكم، وظل فيها حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى فنقلوه إلى إسطنبول، وبه تنتهي قصة عبد الحميد.

دخل أربعة أشخاص على السلطان عبد الحميد؛ واحد أرنؤوطي، واحد يهودي، واحد شركسي، وواحد جورجي، ليس فيهم تركي مسلم! تخيل أنت من الذين خلعوه. وانتهت قصته، وإذا أردت عزيزي المشاهد تفاصيل حياته الشخصية، متى كان يذهب إلى المنجرة ليشتغل، متى كان يشرب القهوة، نوع القهوة، كيف يصحو، كيف يستحم، فعليك بما كتبته ابنته عائشة، فهي أكثر من كتب عن حياته. كان له خمسة من الأبناء الذكور وأربع بنات، وهو له أكثر من ذلك، لكن لا أحقق الآن، فمنهم من مات وهو صغير. كان يحب القهوة اليمنية، يحتسي في اليوم ستة إلى سبعة فناجين حسب ما كتبت عائشة ابنته.

لقد زرت قصر يلدز وشفت التفاصيل التي حكتها، وشفت البدائع المصنوعة بيده، هو طبعاً كان نجاراً ماهراً، تحفة يعني بيعمل تحفة، فنان. فهي تحكي أنه كان حتى يفصل، كان لازم يروح على هذه المنجرة. كان يحب أن يقرأ أو ينادي أحداً يقرأ له في التاريخ وتحديداً في الروايات، عشان مخه يقف قليلاً عن المصائب التي تحدث، فكان واسع المعارف حقيقة. مناقبه كثيرة جداً، ونحن حاولنا في هذه الحلقة أن نقطف زهرة من كل بستان من بساتين عبد الحميد. فترة حكمه طويلة، يقال إنه ثاني أقوى سلاطين الإمبراطورية العثمانية بعد السلطان سليمان القانوني. مقارنة بالظروف والمعطيات، يعتبر سليمان القانوني وعبد الحميد هما أقوى سلاطين هذه الدولة.

لا شك في النهاية أن عبد الحميد كان سداً، وكان انكساره انكسار الأمة كلها، ومن بعده شهدت الأمة التمزق النهائي الذي ما زلنا نعاني منه حتى هذه اللحظة، وأن أضعف فترات عبد الحميد هي أفضل من كل الفترات التي جاءت بعدها. وباعتباره رمزاً للخلافة الإسلامية ورمزاً للأمة الجامعة، فلحظة عبد الحميد هي لحظة يتمناها الآن كل إنسان عربي ومسلم، وحتى كل إنسان وطني، أن يبقى عندك هذه القوة الهائلة؛ لأنه ما تزال تركيا حتى الآن أضعف بكثير مما كانت عليه الدولة العثمانية، كل أوضاعنا بعد هذه اللحظة أشد وأسوأ بكثير من وضعنا في ذلك الوقت.

إذا أردت يا أستاذ محمد أن تقيم السلطان عبد الحميد بشكل موضوعي بجملة واحدة، ما الذي ممكن أن تحكيه؟ عبد الحميد كان خليفة مسلماً مخلصاً لدينه ومخلصاً لأمته، ولكن عيبه الأساسي أنه كان إصلاحياً، كان يمثل صمود الثبات لا شجاعة الإقدام، ومن هنا أوتي.

مع نهاية الدولة كان قد تمزق العالم الإسلامي تمزقاً تاماً، وكان كل العالم الإسلامي تحت الهيمنة الأجنبية، مناطق قليلة مثل الجزيرة العربية وتركيا ليست تحت حكم أجنبي مباشر، لكن تحت هيمنة أجنبية. عند لحظة سقوط الخلافة كانت المناطق الباقية مثل الشام والعراق قد احتلت، احتلهما الإنجليز والفرنسيون. الشام اتفاقية سايكس بيكو، وبعد كذا نقضت بالانتداب الفرنسي في سوريا والإنجليز في العراق وفي الأردن وفي فلسطين، وطبعاً مصر كانت مع الإنجليز. الجزيرة العربية كلها تحت الهيمنة الإنجليزية، الإنجليز هم الذين رسموا الحدود، حدود نفوذ بين العراق وبين الشام وبين الحجاز، كل التفاصيل وضعها الإنجليز. كل الشمال الأفريقي كان مع الإنجليز، الإسبان، الفرنسيين، الإيطاليين، ليبيا احتلت 1911. طبعاً البلقان سقطت قبل ذلك وأزيح منها الدولة العثمانية. الهند كلها تحت السيطرة الإنجليزية، دول شرق آسيا كذلك، ماليزيا، إندونيسيا، كل هذا تحت الهيمنة الإنجليزية والفرنسية والهولندية. أفريقيا كلها كانت مقسمة بين إنجليز وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا، كانت تحت الاحتلال الأجنبي، لأنه أصلاً كان هناك مؤتمر في برلين 1887، كان مؤتمراً لتقسيم أفريقيا بين الدول الغربية. وبعد كذا بدأ يظهر طبعاً الأمريكان وبدأوا يدخلون على الخط، والحرب العالمية الأولى هي التي تدخلنا على كل هذه الملفات.

ما قصرت حقيقة ومتعب، الله يعطيك ألف عافية.

إخواني أينما كنتم، إذا نسينا شيئاً مهماً أو فاتنا شيء أو أخفقنا في شيء، اكتبوا لنا إياه في التعليقات حتى يعم الخير على الجميع. لا تنسوا أنكم تشاركوا هذه الحلقة وكل حلقات هذه السلسلة مع أحبابكم وأصحابكم حتى يعم الخير أيضاً على الجميع. جزاكم الله خيراً، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة من هذه السلسلة دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.

لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته، قادته وعلماؤه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك؛ ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب. تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل.

نستنطق التاريخ.