ما حقيقة الثورة العربية الكبرى؟ وهل نستطيع أن نقول إنها أنهت ستة قرون من الحكم ونقلتنا إلى حكم عربي مأزوم؟ بعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني بدأت الدنيا تنفتح، فكيف كان المشهد؟ ولماذا فشل مشروع الشريف حسين ونجح مشروع آل سعود؟ عبد العزيز يريد شرعنة ملكه في الجزيرة العربية، بينما الشريف حسين مطلبه في السماء.
لذلك، المراسلات بين السعوديين والبريطانيين كانت مع مكتب الهند، بينما مراسلات الشريف حسين وأهل الحجاز كانت مع القاهرة. هل يحق للبريطانيين أن يأتوا ليقسمونا ويشرشحونا ويبهدلونا، ولا يحق لي أنا الشريف حسين أن أدافع عن الخلافة؟ أي تفسيرات ساذجة للحرب اركنها على جنب. هذا هو الذي خرب الدنيا.
أنت الآن يا أستاذ محمد تجيب على سؤال مهم: جمال باشا فشل في هجومه الأول على الإنجليز. هذا هو الذي سمي بالسفاح، ولماذا سمي بالسفاح؟ عندما تطلق على أحد مصطلح أنه سفاح، يتبادر لذهنك أنه قتل مليوناً أو نصف مليون، أي قاتل ذابح. أنا قائد جيش في حرب تكاد تودي بالدولة، ووجدت ناساً معارضين للدولة متواصلين مع السفارات الأجنبية؛ قولوا لي أي بلد في أي حتة في الدنيا تفعل ماذا في المتواصلين هؤلاء؟ إذا لم يحاكموهم محاكمة مدنية يقلبونها عسكرية ويمكن يعدموهم، وما تخفي صدورهم أكبر.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة 100 سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة التي تعرض تاريخنا الإسلامي الكبير العريض العظيم الذي نعتز به دائماً وأبداً. لمن انضم إلينا، نحن لا نزال في المحور التاسع: حقبة الاستعمار الأجنبي، هذا المحور الضخم، هذا المحور الثقيل الذي أسئلته كلها طويلة.
لا يستقيم ولا يصلح لا من قريب ولا من بعيد أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذ محمد. اليوم سنتحدث عن قصة جداً مهمة، كوننا نحكي عن حقبة الاستعمار، ونحن بدأنا نقرب من حالنا كثيراً زمنياً. سنتحدث ونفتح قوساً كبيراً اسمه قصة الثورة العربية الكبرى، وفي الطريق ستمر معنا قصة الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة.
كأن السلطان عبد الحميد الثاني كان باباً وانكسر. لو أردت أن أعمل تشبيهاً، كيف أن سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه تحسه باباً؛ باستشهاده اندلعت الفتنة إلى اليوم، سبحان الله. وتحس أنه اشتعلت بعد هذه الأمور في أرجاء الدولة العثمانية؛ اندلعت الحرب العالمية الأولى، واندلع التمرد العربي أو الثورة العربية الكبرى، وغيرها من الإشكالات في كل الأطراف والمراكز. وعليه نسأل أستاذ محمد: ما حقيقة الثورة العربية الكبرى؟ وما هي أسباب اندلاعها؟
دعنا ننتقل أيضاً إلى لحظة جداً مهمة في هذا العالم، لحظة ولد فيها عالمنا المعاصر، وهي الحرب العالمية الأولى. ما يهمنا حقيقة: لماذا شارك العرب ضد العثمانيين في الحرب العالمية الأولى؟ ولماذا أصلاً دخل العثمانيون الحرب العالمية الأولى؟ ما أسباب انهزامهم فيها هذه الهزيمة الكبرى التي أنهت وجودهم؟ وكيف أدى هذا كله إلى انهيار المنظومة الإسلامية كلها؟ وكيف تحولت البلاد الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى إلى الوقوع بلا استثناء تحت الهيمنة الغربية المباشرة وغير المباشرة؟
بارك الله فيكم يا أبا الحارث. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقه قولي. حقيقة، أستطيع أن أقول إن هذه الحلقة ربما تكون أصعب الحلقات علي قاطبة؛ لأنك تحكي فيها عن الغروب، عن نهاية أمة المسلمين كأمة واحدة ذات رمزية جامعة، وعن نهاية الانفصام بين العنصرين الكبيرين الأخيرين فيها، وهما العرب والترك. هذه اللحظة تكثفت فيها ووصلت إليها كل الأخطاء على المستوى العثماني والتركي، وعلى المستوى العربي، وحتى على المستوى العالمي.
القصة شديدة التشعب، وتخفق دائماً محاولاتي في أن تأتي بقصة محبوكة وممسوكة لكثرة ما في هذا الأمر من تفاصيل وتشابك في الموضوعات. هذه من اللحظات التي يمكن أن تحكي فيها التاريخ وأنت لا تستطيع أن تتخذ موقفاً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويكون الأمر مزعجاً ومربكاً جداً؛ خصوصاً أنه لا يزال يلامسنا، ولا نزال نعيش آثاره. نحن نتحدث عن أخطاء متبادلة كان ضحيتها ملايين الأرواح العربية المسلمة، لأننا حتى هذه اللحظة ما نزال ندفع ثمن تلك اللحظة التي كانت قبل أكثر من 100 عام.
خلينا نقسم الموضوع إلى ثلاثة مشاهد: المشهد الأول مشهد التطورات في أوروبا، المشهد الثاني هو المشهد التركي بعد سقوط السلطان عبد الحميد، والمشهد الثالث هو المشهد العربي، وهو موضوعنا الأساسي، الثورة العربية الكبرى.
الأوروبيون لم يعيشوا لحظة أهنأ ولا أسلم بالاً ولا أكثر استقراراً ورخاءً وسيادة ونفوذاً من لحظات ما قبل الحرب العالمية الأولى. فنحن الآن من بعد عام 1909 وحتى 1914، بدأت أوروبا تبدو وكأن أمورها مرتاحة. الملوك والقوى الكبرى بينهم نسب؛ حتى لو استعرضت صورهم ستجدهم يتشابهون، ملوك روسيا والنمسا وبريطانيا. كانت هناك مظاهر تضامن بين العائلات الأوروبية.
هذه اللحظة كانت لحظة ذروة الشعور الأوروبي بالتفوق، وبأن سائر ما كان في تاريخهم قبل ذلك الآن يؤتي ثمرته وحصاده. الأوربيون كانوا شايفين أن تخلصهم من تدخل الكنيسة في الدولة أنتج هذا العلم وهذا التفوق والسيادة، وهذا الرخاء الاقتصادي. رغم أننا عدينا بحروب، وفي نابليون في النص، لكننا وصلنا لحالة توازن ومشاكلنا بنحلها، ومسيطرين على كل العالم. لحظة لطيفة لا يتوقع أحد فيها أن الأمور يمكن أن تبور.
المشكلة أن أثر الحرب العالمية الأولى في أوروبا كان عكس أثرها في العالم العربي والإسلامي. الفكرة القومية كانت مزدهرة، كل الناس كانت شايفة أن أوروبا القومية التي تخلصت من المعنى الإمبراطوري للشعوب المختلفة هي التي تتفوق وتهيمن وتزدهر. معنى الدين لم يعد حاضراً، والكنائس تذبل حقيقة، فبالتالي النموذج الأوروبي المتفوق جعل المعنى القومي معنى عالياً ومطلوباً عند العرب وسائر الشعوب.
منطقة البلقان كانت الحالة القومية فيها أعلى بكثير، وهي حالة تدعمها أوروبا لكي تفتت الدولة العثمانية. عندنا صرب وبلغار وجبل أسود ويونانيون. بقية هذه العناصر من 1878، ومنذ عهد عبد الحميد، يتدفق عليها الدعم والإسناد الأوروبي لكي تنفصل عن الدولة العثمانية.
حالة البوسنة والهرسك، عندما ضمتها الإمبراطورية النمساوية بعد أن كانت مع الدولة العثمانية، انتقل الصراع القومي من كونه نزاعاً بين العثمانيين والنمساويين إلى كونه نزاعاً بين الروس والنمساويين؛ لأن الروس رأوا أنفسهم ورثة الشعوب السلافية، ورثة الصليبية الأرثوذكسية، ورثة القسطنطينية. الروس من ذلك الوقت وحتى الآن يرون القسطنطينية كما نرى نحن المسلمين بيت المقدس؛ أرض احتلها المسلمون وينبغي تحريرها. هذه النزعة القومية المدعومة من الروس تفجرت لما شاب صربي نشط ينادي بالقومية اغتال ولي عهد النمسا وهو يزور البوسنة.
هذه الشرارة البسيطة قلبت العالم المستقر الهادئ. كان الدكتور مصطفى محمود يقول: من يقرأ التاريخ لا يمكن أن ييأس، لأنه دائماً فيه حوادث بسيطة جداً تقلب الدنيا. المهم، هذه الرصاصة المباركة قتل فيها ولي عهد النمسا، فأعلنت الإمبراطورية النمساوية الحرب على صربيا. الروس جاؤوا فنصروا الصرب، وأعلنت الحرب على النمسا. الألمان جاؤوا إلى حليفتهم النمسا، فأعلنوا الحرب على روسيا. الإنجليز والفرنسيون المتخوفون من الصعود الألماني دخلوا الحرب إلى جانب روسيا ضد ألمانيا والنمسا. أصبح العالم كله بسبب هذه الرصاصة في حرب.
فيما يتعلق بالمشهد العثماني، نحن وقفنا في حلقة عبد الحميد عند خلعه، وقد استجاب بدايةً للثورة التي كان منشأها الجيش الموجود في البلقان. قد يتساءل البعض لماذا لم يستطع عبد الحميد بشبكة جواسيسه ودهائه السيطرة على الأوضاع، والسبب هو أن البلقان في ذلك الوقت كان تحت ما يشبه الرقابة الدولية، فأتيح لهؤلاء أن يكون لهم حضور وقوة. خضع عبد الحميد وأعلن الدستور، وهي اللحظة التي فرح فيها الناس، ولكن بعد قليل بدأ يظهر أن من يحكم لم يحقق أهدافه. حصلت الحركة التي تسمى الحركة المضادة، ووصلنا إلى لحظة خلع عبد الحميد.
لم يخلع عبد الحميد حزب أو جمعية الاتحاد والترقي بمفردها، فهذه الجمعية كانت جزءاً من طيف معارضة أوسع يسمى تركيا الفتاة. لكن الشخصيات القوية فيهم هم زعماء الاتحاد والترقي المعروفون: أنور باشا وجمال باشا وطلعت باشا. هذا الثلاثي الهائل لم يحب في اللحظات الأولى أن يتولى الحكم بنفسه، بل ترك الحكم للطيف الواسع الذي قام بوضع الدستور وتشكيل مجلس المبعوثان. هذا الطيف كان خليطاً بين من هو معجب بالغرب تماماً ومن يريد تجديد الدولة العثمانية، وبين من يرى أن التخلص من الإسلام هو السبيل للتقدم، وبين من يرى أن التجديد يكون عبر البرلمان والدستور والتخلص من الحكم الفردي.
كان عنوانهم العريض هو تركيا الفتاة، وهؤلاء كانوا يرون أن وجود حكم دستوري برلماني فيه مواطنة ولا يفرق على أساس الدين هو الطريق للحداثة، وهو ما سيجعلهم دائماً في الحلف الغربي الذي يحميهم من التدخل الروسي. هنا سيتكرر الغدر الأوروبي كما تكرر مع مدحت باشا؛ فقد كان يعتقد أن وقوفه مع النظام الدستوري الغربي سيمنع أوروبا من تركه، لكن أوروبا تركت الدولة العثمانية حتى كاد الروس يقتحمون إسطنبول، فكانت معاهدة سان ستيفانو ثم معاهدة برلين.
فوجئت الدولة العثمانية بمشكلتين تحدثان في وقت واحد: انفجار الأوضاع الأرمنية وحرب البلقان الأولى. بالنسبة للأرمن، فقد انفجرت الأوضاع في مناطقهم، والآراء التاريخية متضاربة حول من بدأ بالذبح، لكن خلاصته أنه وقعت مذابح بين المسلمين والأرمن. كان الأرمن يرون أن هذه لحظة لا تعوض للحصول على الاستقلال كما حصل عليه جماعة البلقان، خاصة وأنهم جزء من المعارضة وجزء من الحكم الحالي. هذه الأجواء دفعت نحو التوسع والمناداة بالاستقلال، بينما كان المسلمون يعانون من هجمات أرمنية، وهو ما دفع الدولة لإرسال الجيش وتهدئة الأوضاع ومنح مزيد من الصلاحيات للأرمن.
هنا بدأ الناس يشعرون بقيمة عبد الحميد، الذي قاوم الضغط الأوروبي لثلاثة وثلاثين عاماً. أما حرب البلقان الأولى، فقد أعلنت فيها دول البلقان: اليونان والجبل الأسود وصربيا وبلغاريا، الحرب على الدولة العثمانية. كانت صدمة بالنسبة للحاكمين في تركيا، فقد فوجئوا بأن أوروبا تدعم هذه الحرب، وأن الدولة العثمانية هُزمت أمام دول كانت تابعة لها قبل سنوات. كانت هزيمة عسكرية ومعنوية قاسية، لدرجة أن بلغاريا احتلت أدرنة، مما أدى إلى تراجع الدولة العثمانية.
يجب ألا ننسى احتلال إيطاليا لليبيا عام 1911، حيث بررت إيطاليا ذلك بذارائع واهية. أرسلت الدولة العثمانية جيشاً بقيادة أنور باشا، وهناك اكتشف أنور باشا أهمية الرابطة الإسلامية، حيث اعتمد الصمود الليبي على الطريقة السنوسية والدعم الشعبي. عاد أنور باشا من ليبيا لمواجهة حرب البلقان، وعندها وجد الثلاثي الكبير: جمال وطلعت وأنور، أن المسائل تفلت من أيديهم. فقاموا بانقلاب ثانٍ، وأمسكوا بزمام الحكم، وأصبح أنور باشا وزيراً للحربية، وطلعت باشا وزيراً للبحرية، واستمر جمال باشا حاكماً لإسطنبول.
كان هؤلاء القوميون الاتحاديون يرون أن الأوروبيين غدروا بهم، وأصبح همهم الأكبر هو الخوف من القوميات الموجودة داخل الدولة، وتحديداً العرب والأرمن. لقد تمرد الأرمن وعولج الأمر، وبقي السؤال الذي يؤرقهم دائماً: متى سيتمرد العرب؟
لكن أيضاً متى سيتمرد العرب؟ وخصوصاً أن الدول الأوروبية تحيط بالعالم العربي، ففرنسا وإسبانيا موجودتان في الشمال الأفريقي، ومصر والسودان موجود فيهما الإنجليز، والإنجليز موجودون أيضاً على ساحل الخليج، وحتى إيطاليا موجودة في العراق؛ فثمة طوق أجنبي يحيط بالمنطقة العربية.
هذا العقل أنتج الخطأ الهائل الذي نحن بصدد الحديث عنه، وهو عزم الاتحاد والترقي على التتريك. سياسة التتريك هذه كانت لأول مرة تصير، فمنذ دخل سليم الأول مصر أو الشام أو الحجاز، وحتى حينما جاءت الجزائر، لم يفرض أحد اللغة التركية، ولم يفرض أحد أن تكون المدارس والإدارات باللغة التركية في البلاد العربية، ولم يفرض أحد أن يبقى الموظفون أتراكاً، بل كان هناك عرب موجودون داخل الدولة العثمانية في وزرائها وفي مستشاريها.
أشد وأكثر ما كان العرب حضوراً هو زمن عبد الحميد، فأنت تنقل من لحظة كان العرب فيها كثر في عصر السلطان عبد الحميد وفي حاشيته. لقد زوج عبد الحميد ابنتيه من شابين من العرب، وكان في حرسه أبناء الأمير عبد القادر الجزائري، وكان شيخه في الطريقة الصوفية هو أبو الهدى الصيادي مستشاره الشخصي، وعزة باشا العابد من دمشق، وشيخه في الطريقة القادرية فيما بعد أحمد ظفر المدني الذي كان أصله من ليبيا ومن المدينة المنورة. أنت تتحدث عن حالة كان فيها أناس من دمشق وحلب والقاهرة والحجاز وليبيا موجودين عند السلطان، وقد أنشأ مدرسة العشائر. فجاء هؤلاء ليحدثوا الانهيار والانقلاب، وبدأ لهم حينها تبلور الشخصية القومية المؤمنة بالمركزية، وبدأ لهم أنه لا بد من التخلص من القوميات، بمعنى التتريك.
هذا جانب، والجانب الثاني الذي كان يتشكل في دماغ الاتحاديين في إسطنبول هو أن أوروبا خادعة وغدارة، وأنه حتى حينما أقمنا ديمقراطية وحرية ودستوراً وبرلماناً لم يمنع هذا من الأطماع الأوروبية ولم يجعل أوروبا تقف معنا. كانت الأمور لطيفة بين العثمانيين وبين الإنجليز والفرنسيين والألمان قبل دخول أوروبا في الحرب، وبالذات الألمان؛ لأن من قاموا بالتجديد وإعادة التدريب والحداثة في الجيش العثماني كانوا ألماناً من أيام عبد الحميد، وأساتذة جمال وأنور كانوا ألماناً. لكن الآن الخطر الهائل بالنسبة لهم هو روسيا، فدخلوا في صفقة، وهذه الصفقة جزء منها كان من تبرعات الأمة لشراء بارجتين حربيتين تصنعهما بريطانيا، فلو أضيفتا للبحرية العثمانية لاستطاعت حمايتهم من جهة الروس.
لو نظرت في الخريطة، ستجد روسيا الضخمة الهائلة مخنوقة بمضيق البوسفور، فتركيا تمسك بخناق العالم من خلال مضيقين: مضيق البوسفور، وبعده مضيق الدردنيل. هما الوصلة بين البحر الأسود الواسع وبين بحر إيجة المطلع على البحر المتوسط والمتصل ببحار العالم؛ فبالتالي كان البوسفور حاضراً في كل الاتفاقيات. إذا استطاعت الدولة العثمانية أن تحوز هاتين المدمرتين، فهي ستشعر بأمان كبير من جهة الروس.
في زيارة لفرنسا يتابع أنور باشا السفينتين اللتين جرى شراؤهما بالاكتتاب والتبرعات، فأبلغه المهندسون العثمانيون بأن البريطانيين يتلكؤون في تسليم هاتين المدرعتين، كلما اقترب الموعد اخترعوا شيئاً؛ المهم أنهم يماطلون. ضغط أنور باشا، وبعد تفاصيل كثيرة أعلنت بريطانيا رفضها إضافة هاتين السفينتين وأخذتهما رغم أنها أخذت ثمنهما؛ نصب واحتيال عيني عينك.
ماذا يعني هذا؟ حين تفقد التوجيه القرآني في عداوة الذين كفروا، تضيع السياسة. الخلاصة الآن: ماذا يعني هذا الكلام وأوروبا مقبلة على حرب أو قد دخلت الحرب فعلاً؟ يفهمه العثماني الموجود في الأستانة على أنه تواطؤ غربي روسي لتسليم المناطق العثمانية للروس. أنا الآن ليس لي علاقة بحربكم هذه، فلماذا ترفضون دفع المدمرتين اللتين هما حمايتي من جهة الروس؟
الحكاية مستمرة من البدايات، والحرب العالمية لم تبدأ في يوم واحد، بل بدأت على شهور، وهي الشهور التي نتحدث عنها. العثماني حين يرى أن أوروبا تمنعه من الوسيلة التي يرى هو أنها تحميه من الأسطول الروسي، فمعنى ذلك أنه ناوي تسليم أراضي للدولة العثمانية للروس مباشرة. بدأ في محاولة اختبار النوايا؛ عرض على الفرنسيين أن تدخل الدولة العثمانية في الحلف مع الروس والإنجليز قبل أن تبدأ الحروب، فوجد صدوداً، فالفرنسي قال: لا أستطيع إدخالك في حلف إلا بعد استشارة حلفائي. ذهب السفير العثماني للروس في سان بطرسبرج، العاصمة الروسية آنذاك، ليستكشف أيضاً، فواجهوه بصدود، حتى حين عرض اتفاقية بعدم التعدي على أراضي الدولة العثمانية في أي تسويات سياسية قادمة، لم يوافقوا.
هنا أيقن الأتراك العثمانيون بأن هناك اتفاقيات سرية تهدف إلى تقسيم الأرض العثمانية، فما كان يمنع هؤلاء من الاستجابة لعروضنا للحلف هو وجود تلك الاتفاقيات. فلم يجدوا إلا أن يتحالفوا مع الألمان، لكنهم حاولوا المماطلة والتلكؤ طويلاً في الدخول معهم في الحرب. أما الألمان حين وجدوا أنفسهم محاصرين من الروس والإنجليز والفرنسيين، فقد كان العثمانيون بالنسبة لهم فرصة، من حيث وجود نفوذ عثماني، ومن حيث الصداقة التي كانت بين عبد الحميد وبين القيصر ويلهلم الثاني الذي جاء إلى الشرق في زيارة مشهورة، وعمل له النصب الذي أمام مسجد السلطان أحمد، وهو الساقية التي لو نظرت في أقواسها ستجد حرف الدبليو بجانب طغراء عبد الحميد. وقد زار يومها قبر صلاح الدين، وقال إنه ينبغي على المسلمين أن يعتمدوا أن إمبراطور ألمانيا صديق للإسلام والمسلمين.
أنت الآن تجيب على سؤال مهم جداً، وهو ليش الدولة العثمانية دخلت في الحرب. نحن في محور الاستعمار، ومشين نحكي شو عمل فينا الاستعمار في الآخر، وإلى أين وصل معنا كعالم إسلامي، كان لا بد أن نحكي كيف سقطت الدولة العثمانية، وكيف دخلت في الحرب العالمية، وصولاً إلى فكرة التمردات والثورات من بلقان من أرمن من عرب، حتى نصل إلى نتيجة أخيرة: نحن شو اللي وصلنا للي نحن فيه اليوم؟
العثمانيون دخلوا في حلف مع الألمان، لكن حتى بعدما دخلوا في الحلف قاموا بخدمة للألمان؛ فقد كانت هناك بارجتان ألمانيتان طردهما الأسطول الفرنسي في البحر المتوسط، فاستقبلتهما الدولة العثمانية وزعمت أنها اشترتهما، فمن ناحية حمتهم، ومن ناحية عوضت المدمرتين اللتين أخذهما الإنجليز. هذه اللحظة هي التي بدأت تشير إلى أن العثمانيين داخلون في الحرب. الخطوة التالية أنهم سيفتحون الجبهة من عندهم، والجبهة التي تهمنا هي جبهة الشام، وسيكون رجلها الأبرز جمال باشا الذي أرسل قائداً للجيش الرابع.
جمال باشا كان هدفه مهاجمة البريطانيين الموجودين في مصر، وفكرته العسكرية تقوم على ضربتين قويتين: الضربة الأولى هي التقدم إلى قناة السويس. قناة السويس كانت بمثابة مركز الشبكة الاستعمارية، وخط المواصلات الرئيسي بين البريطانيين في الهند والشرق والخليج وبين البريطانيين في الغرب، فكل هؤلاء يتواصلون من خلالها ويبعثون أسلحة وإمداداً ورجالاً عبرها. أن تضرب قناة السويس وتسيطر عليها يعني أنك قمت بشل ربع الجيش الإنجليزي الإمبراطوري، ولذلك ما كان يمكن للبريطانيين أن يفرطوا فيها أبداً، فقد حفروا خنادق كخط دفاع عند المسافة التي تستطيع المدافع العثمانية أن تهدد بها السفن العابرة.
الحاجة الثانية هي أنه لو انتصر العثمانيون، فبالتأكيد كل موارد مصر التي أدخلتها بريطانيا في الحرب العالمية الأولى من رجال وحبوب وغلال وأغذية وجنود ومهندسين ستخرج من يدها؛ فلو استطاع العثمانيون قطع قناة السويس، ثم إخراج البريطانيين من مصر وإثارة الشعب عليهم، ستكون بريطانيا قد فقدت الهند. هذه هي مساحة دور الجيش الرابع ودور العثمانيين حين جاءوا إلى الشام، لنفهمها ضمن سياق الحرب العالمية الأولى.
كل بلادنا صارت مستعمرة، إلا مناطق استعمار غير مباشر، مناطق بسيطة كده لكن كله بعد كده استُعمر. إحنا لغاية دلوقتي كانت الدولة العثمانية موجودة في الأناضول، موجودة في الشام، في العراق، في الحجاز، في الخليج؛ طبعاً هذا كله كان عثمانياً. إحنا دلوقتي وقفنا عند جمال باشا سنة 1915، هنرجع بقى شوية قبل ما الحرب تندلع، عشان نروح للمشهد العربي؛ الشريف حسين حاكم الحجاز.
سيبك من الشريف حسين دلوقتي، ارجع للعرب من أول ما خلعوا عبد الحميد أو من أول الدستور بتاع عبد الحميد؛ كان شايفينه إزاي؟ السنة دي سماها العرب سنة الحرية 1908، وكان الفرح والسرور والحبور والانتشاء بالدستور يعم كل الدنيا، ويعم العرب. كان في شعور عام عمال يتخزن ويتراكم طول عهد عبد الحميد بالحق أو بالباطل، يقوله المخلص أو يقوله المغرض، بأنه عبد الحميد حاكم استبدادي متعفن، مال الدنيا جواسيس وعيون، قراره فردي، مش جريء، ما بيحاربش، الدولة عمالة تتأكل منه، لا بد من الدستور والبرلمان والكلام ده. هذا الخزين المتراكم واللي عمالة تضغط عليه الصحافة الموجودة في مصر اللي كانت تحت السيطرة الإنجليزية، هذا كله سنة 1908 كان عام فرح وسرور، والناس كلها كانت في غاية السعادة؛ شوقي كان له قصيدة يقول فيها: حي البريئة قاصيها ودانيها، قد حاز الخلافة بالدستور حاميها.
لما عبد الحميد رجع فألغى العمل بالدستور وبعد كده حصل عليه الانقلاب؛ الشعور العام إن الجماعة دول هم جماعة تجديديون ثوريون، مؤمنون بالدستور وبالقانون، والحمد لله إنهم خلصوا من عبد الحميد اللي كان عايز يرجع الرجعية. أحمد شوقي كان له قصيدة لطيفة جداً بيتكلم عن عبد الحميد لما خُلع، مطلعها يقول فيها: سلِ الديارَ ذاتَ القصور، هل جاءها نبأُ البدور؟ لو تستطيعُ حكايةً، لبكتك بالدمعِ الغزيرِ. مهم سيبك، قصيدة في غاية الروعة، اللي يهمني منها دلوقتي وهو بيقول: أعظم بهم من أسيرين، وبالخليفةِ من أسير، دول ناس كويسين جداً، وبرضه الخليفة ده والله كان راجل كويس عبد الحميد، حسابُ مثلك عند مقتدر غفور. عايز يعني يقول صبروا عليك السنين الطويلة ولم تصبر سوى شهور، أسدٌ هصورٌ أنشبَ الأظفارَ في أسدٍ هصور، الكبار بيلعبوا مع بعض وبيقاتلوا بعض، وبيقول يعني شيخ الأمور ماذا دهاك من الأمور، وكنت داهية الأمور عبد الحميد يعني، بيقول إيه: ونحُبهُ ونُجلهُ، بين الشماتةِ والنكير. يعني واخد موقف أنا زعلان من عبد الحميد ده بس هو معجب بالجماعة التانيين دول، ولا ينكر قوتهم، وطبعاً فيها إدانة لعبد الحميد إنه ما صبرش على البتاع وفيها حتى شوية طعن كده بنساء الخلافة، الآمرين على الولاة، الناهين على الصدور العظام. المهم الخلاصة إن خلع عبد الحميد كان لحظة عملياً طرب لها العالم العربي، وأنا بحكي في الوضع العربي دلوقتي.
إحنا بنلوم العالم العربي، الشعوب العربية، وقصدي واحد حاسس حاله هو ما عنده معلومة مؤكدة، بس هو حاسس حاله إنه هو مظلوم، وشوية هالورق والجرائد اللي بتنطبع والإعلام والبروباجندا بتشوه في سمعة السلطان وأنا شايف الوضع سيء. أنا مش بلوم، ده أنا عمال أحكي الحكاية دي علشان إحنا اتكلمنا عن عبد الحميد الحلقة اللي فاتت فقصدي أقول الأصل إن إحنا يعني بدا في المرة اللي فاتت إن عبد الحميد كان شخصية مخلصة وكان شخصية مهمة والدنيا باظت من بعده، بس أنا دلوقتي بحكي الأجواء العامة؛ العرب تلقوا هذا الخبر بانتشاء وسعادة وسرور عظيم جداً.
العرب اللي تلقوا الخبر ده بالانتشاء والسعادة والسرور، تقدر تقول إن هم شعب كبير عظيم طويل عريض، مؤمن بالخلافة الإسلامية ومؤمن بالجامعة العربية التركية وما عندهوش أدنى إشكال إنه ينتقل الحكم من عبد الحميد للاتحاديين، ما عندوش أدنى إشكال، بل إن انتقاله دي لحظة مهمة. ولكن لا تنسى إن في طبقة، هذه الطبقة تنادي بالقومية العربية، القومية العربية دي لم تولد في هذا الزمن، لم تولد في هذا العام، وإنما متى وُلدت جذورها البعيدة؟ قبل 70 سنة من هذه اللحظة، بيظهر لك كده ناس خصوصاً من نصارى الشام، خصوصاً من نصارى لبنان: إحنا يا جماعة عرب مش مسلمين، الأمة أمة عربية مش أمة إسلامية، إحنا عرب وعايزين نبقى عرب، وزي ما في بلقان وبلغار وصرب ومجر وأرمن، إحنا عرب.
القومية العربية دي واحد بينادي بها طيف واسع، لكن في ناس بتنادي بها بغضاً في الإسلام، وفي ناس تنادي بها إعجاباً وانبهاراً بالنموذج الأوروبي، ما أنت دلوقتي أوروبا دي المتفوقة اللي عمالة تلطش لنا وتهزمنا وتسحقنا، أنا شايف الإنجليز إنجليز والفرنسيين فرنسيين والألمان ألمان، ودول كانوا طول عمرهم أساساً إحنا بنهزمهم أول ما بقوا قوميات اعتدل حالهم، فبالتالي ينادي بالقومية على أساس الإعجاب بأوروبا، وفي اللي بينادي بالقومية ليس على أساس الانفصال من الدولة العثمانية، بل على أساس الدولة العثمانية يبقى فيها قدر من اللامركزية، يعني معترفين للدولة العثمانية للأسرة التركية العثمانية، لكن على الأقل يبقى في قدر من اللامركزية، خصوصاً وإحنا شفنا إنه لما مُنح بعض العرب بعض الاستقلال الذاتي أو انتزعوه أقاموا دولة قوية، ونموذج محمد علي ملهم في هذه اللحظة؛ عمل جيش، الجيش عرف يوسع حدود المملكة، وعرف حتى يحارب الدولة العثمانية، فيبقى قدر من اللامركزية هو القدر الأنسب لتجديد الدولة العثمانية.
في طيف واسع وكله تحت شعار القومية العربية، وكل واحد تحت القومية العربية له مجموعات؛ ما كانوا مجموعة واحدة، وجماعات وكل جماعة داخلها أطياف. يبقى الآن في حالة كده حالة قومية عربية، أول ما حصل خلع عبد الحميد بدا يظهر جماعة تركيا الفتاة، وبعد كده هيجي ينقلب عليهم الاتحاديين وسيبرز الوجه القومي التركي الطوراني. إيش يعني الطوراني؟ الطوراني اللي هو التركي الأصلي، اللي هو إحنا أتراك، إحنا أتراك وبس، أتراك نقطة. هذا ظهر بالصدفة ولا لأنه العرب بدهم قومية عربية فنحن كمان بدنا قومية تركية؟ كيف يعني؟ الأمور على المستوى الفكري متوازية، في أجانب موجودين في العالم العربي زي ما في أجانب موجودين في تركيا، وفي العالم العثماني في انبهار عربي بالغرب وفي انبهار عثماني بالغرب، كل ده على المستوى، وطبعاً في جواسيس وفي مخططات أجنبية، لكن كل ده على المستوى الفكري الآن إيه اللي حصل الجديد الذي طرأ وحفز هذه الأمور إن الجماعة القوميين الأتراك بقوا موجودين في السلطة؟
أحمد قدري له كتابه اسمه مذكراتي في الثورة العربية الكبرى، أول صفحة فيها بيقول: بص إحنا من أول ما الأتراك جم حكموا البلاد العربية كنا سمن على عسل مع بعض وما حدش في العرب فكر في الخلع من الأتراك وكنا حلوين وتمام. قال أنا فاكر وأنا ماشي في الأستانة في إسطنبول بعد خلع عبد الحميد ألاقي واحد تركي بيخطب وبيقول خلعنا عبد الحميد ومن كان حاشيته، إنه عرب عزة باشا عرب، أبو الهدى الصيادي، قال فانا استغربت هو ليه أساساً مركز على كلمة عرب فلان وعرب فلان؟ لو كانت المشكلة في إن هم خونة ما يقول هم خونة زي ما في خاين تركي، زي ما في خاين شركسي، زي ما في خاين قرنقوطي؛ فأشمعنى ركز على عرقيتهم العربية؟ فبيقول هاهنا وُلدت أول بذرة إنشاء جمعية الإخاء العربي.
لكن كل ده يا مولانا كان عند المتعلمين، عند الطبقات العليا التي لها في السياسة التي قريبة من دوائر الحكم التي عرفت تروح باريس أو لندن تدرس، عند النخب الضيقة كمان، لكن عموم الناس لا تتصور الانخلاع عن الدولة العثمانية. لكن خد بالك إنه في طيف، هذا الطيف سيحصل إيه بقى؟ هيترسخ ويقوى ويزداد بعاملين يتضافران معاً؛ العامل الأول هو إن اللي جاي يحكم البلد دي قوميون أتراك مؤمنون بالقومية التركية وعايزين يعملوا تتريك. شو معنى كلمة تتريك؟ تتريك يعني المدارس تبقى باللغة العثمانية، الإدارة تبقى باللغة التركية، ما فيش حد في الحكومة تركي، ما فيش حد مش شرط يبقى حد في البرلمان أصلاً حتى تركي. الراجل التركي القومي في ذلك الوقت، طبعاً القومية التركية فيها كثير من التشوهات حتى الفكرية والعملية لأن هم ورثوا أصلاً دولة عثمانية ما فيهاش أزمة قومية بين المسلمين، لكن إيه معنى التركي كما بدا في هذه اللحظة؟ اللي هو أسوأ النماذج، إنه أنا تركي بحكم البلاد العربية زي ما الإنجليزي بيحكم الهند، زي ما الفرنسي بيحكم الجزائر. أنت عمرك شفت هندي في البرلمان الإنجليزي؟ عمرك شفت هندي في الحكومة الإنجليزية؟ عمرك شفت جزائري في البرلمان الفرنسي؟ عمرك شفت جزائري ولا تونسي في الحكومة الفرنسية؟ ما حدش يكلمني بقى على عربي في البرلمان التركي أو في الحكومة التركية، والترك أيوه وهذا التتريك سيجري على الدول العربية اللي هي لا تزال تحتهم.
العامل الثاني هو العامل الأجنبي الذي لا يمكن أن تنساه، أي حاجة تساهم في دحض الدولة العثمانية في تمزيق الدولة العثمانية إحنا بندعمها وبنأيدها، مش كده برضه؟ طالما أنت عمال تثير في الأرمن وفي البلغار وفي الصرب وفي اليونانيين، والله في فرصة إن العرب ينخلعوا خير وبركة. وهذه الفكرة كانت وجدت في كتابات المستشرقين قبل ذلك الوقت بـ30 سنة، يعني في كتاب ولفرد سكاون بلانت مستقبل الإسلام يتحدث عن الخلافة العربية: تعالوا يا جماعة نجيب الخلافة إلى شخصية عربية، وكان يرشح لذلك شريف مكة، إن هو يبقى الخليفة العربي إذا حصل الانقسام بين العرب وبين الأتراك، فهذه ضربة قاصمة للدولة العثمانية. طبعاً هو بيقول الكلام ده قبل 30 سنة من اللي إحنا بنتكلم فيه، وبيقول لك خدوا بالكم ده المسلمون عندهم حديث: «الأئمة من قريش». يعني هو دور الشريف حسين طبعاً لا، دلوقتي ما فيش شريف حسين بقى في الوقت اللي هو كتب فيه ما فيش شريف حسين، لكن مين الزعيم العربي اللي طبعاً يجب أن يكون خارج الدولة، خارج السيطرة الأجنبية اللي ممكن يشعل هذه الثورة؟ مين الشخص الزعامي؟ شريف مكة باعتباره سليل النبي ﷺ وباعتبار إن هو بيحكم مكة أقدس الديار العربية، له مكانة فيها، فالحال الراجل ده عامة مقام ينفع نفكر إزاي نخليه خليفة عربي.
أي حاجة داخلة في تثوير العرب على العثمانيين وفي تمردات العرب على العثمانيين الإنجليز معاها وبيدعموها وبيؤيدوها، طبعاً الفرنسيين في أماكنهم وهكذا. طب هي نقطة جداً مهمة يا أستاذ محمد، يعني هم الإنجليز انتبهوا للشريف حسين لما هو تحرك ولا هم منتبهين له قبل ما يتحرك؟ لا ده أنا بكلمك دلوقتي في الجذور، لسه ما وصلناش لهذه النقطة، أنا بكلمك في الجذور؛ فبقول الفكرة دي موجودة في الأروقة الفكرية بيكتبوها الخبراء قبل اللحظة اللي إحنا بنتكلم فيها دي بـ30 سنة، لسه رايحين لتطبيقها.
لكن دلوقتي في هذه اللحظة تعال أنت عالم عربي، عالم عربي نخبة موجودة في سوريا بالذات، سوريا طبعاً مصر في كل الأحوال كانت حاضنة نخب عربية كتير تنادي بالقومية لأن هم كده موجودين بعيد عن يد الدولة العثمانية، فالاحتكاك والاشتباك هيحصل فين؟ في منطقة الشام. يعني في موجة قومية موجودة في الصحف موجودة عند النخب، الموجة دي كل واحد بينادي بالقومية أو عايزها بأي معنى من المعاني اللي إحنا قلناها، بيخاف من عبد الحميد يروح جاي مصر لأن مصر تحت السلطة الإنجليزية وفيها حرية صحافة فبنكتب اللي إحنا عايزينه وبنقول اللي إحنا عايزينه، طيب مش عاجبها مصر يروح باريس يروح لندن، والمنشورات والصحف تهرب ضمن الجوابات الدبلوماسية بتاعة السفارات لأن هي ما بتتفتش، فبالتالي بتدخل وبتتوزع، حتى الروس كانوا في موانئهم يستقبلون السفن اللي فيها المنشورات دي ويوزعوها على شواطئ البحر الأسود، اللي هي عند بقى سامسون عند طرابزون، يعني روسيا اللي هي روسيا اللي ما فيهاش يعني كلها وحشية عايزة الحرية برضه في الدولة العثمانية. هذان العاملان فجرهما لحظة ما بعد خلع عبد الحميد، تعال بقى أنت انظر كده من وجهة نظر عربي شايف المشهد، الجماعة دول من أول ما تولوا البلقان هزمتهم، وراحوا احتلوا حتى قدرنا، الأرمن.
يكادون أن يأخذوا استقلالًا ذاتيًا، حتى إيطاليا اضطروا أو مش هيتقال بقى اضطروا، هيتقال تخلوا عنها؛ لأنك حقيقة لا تقدر أن تقول تخلوا عنها، هذا هو الإنصاف، ولكن في حرب البلقان رايح يدافع عن أيدينا تمام؛ فبالتالي يبقى ليبيا التي كانت متحررة هيتقال بقى إن الحكومة دي سلمتها تسليمًا للإيطاليين، والجماعة دول ما فيش مش طالع في دماغهم حاجة لحل هذه المشكلات إلا أن هم يجوا يفرضوا علينا نحن العرب التتريك.
فخذ بالك بقى من الأجواء اللي طبعًا اللي أنا بقوله دلوقتي في سطرين ده، اتكتبت فيه أنهار من المقالات والكتب والدراسات والخطب، مش كلمتين كده يعني؛ تكون شعور عام بأنه ده الجماعة دول علمانيون، مش بتوع خلافة إسلامية، ده الخلافة الإسلامية عطلت، ده الشريعة نحيت، ده الجماعة دول ما عندهمش عربي في الوزارة وعندهم يهود وعندهم أرمن في الوزارة وما عندهمش عرب، الجماعة دول عمالة تتاكل البلاد منهم، الجماعة دول بيسلموا الدول العربية، وضيف شوية أكاذيب على شوية الحقائق التي نحن نقولها أو حتى ضخ أو اروي الحقائق دي بمعانٍ أخرى؛ فهنا بدأ يحصل نوع من التململ، وبرضه سيظل هذا التململ عند النخب بس، لا يجد حتى الآن صدى شعبيًا.
متى سينفجر؟ سينفجر كالآتي: الشريف حسين عنده مشكلة قديمة مع الأتراك، عبد الحميد كان يدرك بثاقب نظره وبما قرأه من التقارير أن الرجل ده راجل عنده طموحات انفصالية، فكان مخليه عنده في إسطنبول معزز مكرم، لا يسيء ولا بيعمل، وحتى بعض أولاده ولدوا في إسطنبول، هو نفسه ولد في إسطنبول؛ سمعت أنا عن نفسي فعلاً دلوقتي مش فاكر المعلومة دي وارد جدًا يبقى ولد في إسطنبول، لكن القصد أنه الشريف حسين بعض أولاده ولدوا في إسطنبول، لكن أنت موجود هنا معزز مكرم، سيبك من إيه وشريف مكة موجود برضه راجل من عيلته يعني، بس هي الشريف حسين بالذات عبد الحميد كان مش موديه مكة.
متى راح مكة؟ لما خُلع عبد الحميد الاتحاديون ما اهتموش بهذا الموضوع، توكل على الله يعني مشي مش إشكال يعني ما لم يكونوا يرون منه خطرًا فسيبوه يروح مكة. مين هم الاتحاديون؟ هو مش السلطان عبد الحميد قبل ستة أشهر من خلعه هو اللي عينه شريفًا لمكة على علمي يعني؟ أنا مش عارف. المهم يعني شوف طبعًا ممكن تحصل على اللقب والذي يتولى الحكم فعليًا واحد ثاني كأنه نائب عنك تمام، لكن عبد الحميد كان يحتفظ به منعًا لتواصلاته مع البريطانيين.
خلاص، وبرضه لما قرأ زي ما قلنا كده أحد الكتب وهو كتاب مستقبل الإسلام بتاع ويلرد سكاون بلانت، وفي المذكرات المنسوبة إلى عبد الحميد أنه كان يخشى من فكرة الخلافة العربية التي بريطانيا بتفكر فيها، فهو فعليًا لم يخرج من إسطنبول إلا لما خلع عبد الحميد. ماشي طبعًا والي الحجاز في ذلك الوقت، لما خرج الآن واحد عنده طموح زي الشريف حسين مقابل ناس دماغهم في الحكم أتراك مركزيون علمانيون؛ فحصل الاصطدام، طبعًا الشريف حسين بينادي باللامركزية والجماعة بتوع الاتحاد والترقي دول عايزين دولة مركزية وما عندهمش أي مساحة لترك أي حد عربي والي حتى ولو كان على مكة والمدينة.
هنا هتحصل الحادثة التي يشكك فيها البعض والتي يستند عليها البعض، دي حادثة مركزية مهمة، عارف أنت لما بتحصل أي خناقة بين اثنين أول سؤال مين اللي بدأ؟ الحادثة اللي أنا أقولها لك دي هي بتاعة مين اللي بدأ. يقال إنه وهيب باشا والي الحجاز أرسل، كان فيه حقيبة وهذه الحقيبة أما فُتشت فاستخرجت منها أوراق تدل على أن الاتحاديين ناويين يعزلوا الشريف حسين، أو وقعت منه أوراق فرآها بعضهم فقرأ فيها نوايا الاتحاديين لعزل الشريف حسين، هنا بدأت العداوة. دي الرواية التي طبعًا ينحاز إليها القوميون دائمًا أو ينحاز إليها كل أعداء الأتراك، وبالمناسبة وأنا لا أنفي أنها قد تكون صحيحة يعني؛ عايز أقول تضارب المصالح واضح جدًا بين الاثنين فبالتأكيد كان هيحصل اشتباك، وارد جدًا برضه ده يبقى صحيح مش نافيها، بس عايز أقول رواية القوميين للتاريخ واقفة عند هذه اللحظة.
أصلًا الشريف حسين رفض أن يمتد سكة حديد الحجاز إلى مكة؛ لأنه امتداد سكة حديد الحجاز إلى مكة بيساوي مباشرة قربه الجغرافي والزمني من الجيوش العثمانية، فهو رفض أن تمتد، قال إنه ده بيعطل أوضاعنا الاقتصادية ونقل الحجاج عبر الجمال وده طبعًا بيعمل لنا أزمات مع الحالة الاقتصادية والاجتماعية الموجودة. المهم فالنزاع كان قائمًا بين واحد عايز لامركزية وعايز يبقى صاحب نفوذ في مكانه وعنده طموح طبعًا، وبين الاتحاديين اللي دماغهم كلها مركزية تتريك. فمن قبل أن تبدأ الحرب العالمية الأولى الشريف حسين هو الذي أرسل ابنه عبد الله إلى المكتب البريطاني، اللي هو مركزه بقى في القاهرة؛ علشان يستطلع رأي البريطانيين لو حصلت حرب أو حصل توتر وتمرد العرب على الأتراك بريطانيا هتكون معانا ولا لا؟ هذا كان أول تواصل، ده أول تواصل فبراير 1914 قبل ما تدخل الدولة العثمانية أصلًا الحرب أساسًا.
لكن كان تقدير البريطانيين إيه ده؟ يعني ده مين وهيعمل إيه وعنده أصلًا قوات إيه علشان يواجه الجيش التركي وإيه لازمته أساسًا؟ فالمهم يعني قالوا له والله تركيا دي حلفتنا وإحنا ما ينفعش نتكلم في هذا الموضوع أساسًا إحنا والأتراك حلفاء، لسه الأتراك ما دخلوش الحرب. دخلت تركيا الحرب، أظن نوفمبر 1914، اتغير الوضع، راح الشريف حسين بعث ابنه عبد الله ثاني يقول لهم إيه موقفكم من دعم ثورة عربية على الحكم التركي؟ عبد الله ده اللي هو أول ملك للأردن، اللي هو فيما بعد يعني هيبقى أول ملك للأردن ساعتها. الإنجليز برضه ما كانوا شايفين إن الموضوع ده مهم ولا مؤثر، ولكن زي ما أنت عارف الإنجليز ما بيقطعوش الخط؛ فأمهلوه واستمهلوه.
يحدث في هذه اللحظة يا أبا عبد يا أبا الحارث أنه يحصل إيه؟ سيب المشهد العربي وتعال نروح للدولة العثمانية؛ الدولة العثمانية لما لقت نفسها داخلة في حرب، فجندت كثيرًا من الشعوب الواقعة تحت يديها، وأبرزهم بطبيعة الحال الترك والعرب، وهؤلاء العرب أخذوا من بلادهم، فمنهم من حارب في جاليبولي ولغاية دلوقتي قبورهم موجودة.
فالآن لدينا ناس بتسافر علشان تجند، حشد كبير، أنت داخل في حرب عالمية، وهذا الحشد بطبيعة الحال صداه بقى في العالم العربي أنه المزارع وقفت، التجارة وقفت، العائلات خربت؛ خصوصًا وأنه الإنجليز والفرنسيين فرضوا حصارًا بحريًا، جابوا أسطولهم وقف في البحر المتوسط لمنع التجارة فشحت الغلال والبضائع وغلت وارتفعت الأسعار؛ فهنا بدأت في الشام أزمة اجتماعية وأزمة اقتصادية، وفوق ذلك كانت سنين مجاعة وسنين جراد، وهذا الجراد أيضًا أفنى كثيرًا من الزروع والمحاصيل، فعاش أهل الشام في محنة شديدة في ذلك الوقت.
المحنة الشديدة التي كانت في ذلك الوقت حطها مع جمال باشا الذي جاء يحكم الشام قائد الجيش الرابع، وهو يريد أن يستنفر معه كل الطاقة لكي حين يهجم على البريطانيين الموجودين في مصر يحقق انتصاره هذا. وبالتالي فالحالة في الشام كانت حالة صعبة، الحالة الصعبة دي ترافقت مع جمال باشا فشل في هجومه الأول على الإنجليز، فعاد إلى الشام محملاً بالهزيمة، طبعًا جمال باشا وهو جاي بيحاول يمتص ويهدئ حالة القومية العربية اللي موجودة عند النخب والأعيان والوجوه، لما جاء إلى الشام عائد بعد هزيمته الأولى مثقلاً بأعباء هذه الهزيمة عمل إيه بقى؟
كان تقديره أن جزءًا من الهزيمة هو وصول معلومات إلى الإنجليز، وبالتالي راح مقتحم السفارات التي كانت قد أغلقت بقى لما الدولة أعلنت الحرب، السفارات الإنجليزية والفرنسية أغلقت؛ فاقتحم هذه السفارات واستخرج الوثائق، فوجد في الوثائق مراسلات بين هذه السفارات وبين القيادات والزعامات العربية؛ هذا اللي خرب الدنيا.
جمال باشا هذا هو اللي اسمه جمال باشا السفاح، هو الذي اسمه جمال باشا السفاح، طبعًا أنا شخصيًا عندي محاضر المحكمة التي هو عملها للزعامات العربية دي، مطبوعة ومنشورة من وقتها مش مطبوعة ومنشورة دلوقتي؛ عايز تقول جمال باشا كان ديكتاتور، كان ظالم، كان مش عارف إيه، ماشي أنا مش بدافع عنه هنا، لكن أنت خذ بالك جمال باشا وهو بيشرح موقفه بيشرحه إزاي: أنا قائد جيش في حرب تكاد تودي بالدولة، ووجدت ناس معارضين للدولة متواصلين مع السفارات الأجنبية، قولوا لي كده أي بلد في أي حتة في الدنيا بتعمل إيه في المتواصلين دول؟ حتى لو كانت صيغ التواصل دي ليس فيها ما يثبت بشكل قاطع الخيانة، لكن دلوقتي يقول ما الآن حتى في وقتنا ده ماذا تفعل دولة وجدت مراسلات بين حد داخل الدولة وبين عدوها اللي هي بتخوض معاه حرب؟ يعني إذا ما حاكموهم مش محاكمة مدنية بيقلبوها عسكرية ويمكن يعدموهم، بالضبط هو ده اللي عمله جمال باشا.
هو اللي عمله جمال باشا أنه جاء بالناس الذين اتهمهم فأعدمهم، الناس دول كام واحد؟ روايات على تفاصيل 9 أو 13 أو 21 أو 34، أكبر رقم هو 34 على أكثر من مرة بعد محاكمات، دول ثبت عليهم الخيانة؛ بينما كانت سيرته عند العرب كنفس السيرة عند الأرمن برضه لما حس أن الأرمن متواصلين مع الروس؛ فنقل الأرمن إلى الديار العربية ونقل عربًا إلى الأناضول وأقطعهم عن أرضهم أرضًا أخرى ومش عارف إيه، طبعًا عقوبة النفي عقوبة شديدة ما فيش كلام، لكن عايز أقول ما رأيناه من سلوك الدول بعد الدولة العثمانية أشد بكثير جدًا جدًا مما فعله جمال باشا الذي نحن أساسًا مش شايفين أنه كان حاكمًا صالحًا.
قصة المذابح الأرمنية وقصة التهجير الأرمني أو ما يسمى في العالم العربي هنا سفر برلك، كل هذا هو محاولة من وجهة نظر العثمانيين بقى أو الأتراك الاتحاديين بقى في هذه اللحظة ما تقدرش تقول أن هم عثمانيون، هو محاولة فصل العلاقات التي تؤدي إلى هزيمة الدولة والتواصل بين هؤلاء الناس وأعداء الدولة العثمانية.
طيب هذا إعدام زعامات عربية لا شك أن فيهم مظلومين، ولا شك أنه فيه بعض مبالغات في الأحكام، ولا شك ولا شك، أعاد من جديد بعث القومية العربية على صيغة انفصالية، الصيغة الأولى شو كانت؟ الأطياف التي نحن قلناها كده من أول اللامركزية إلى أن هم دولة يعني قوميتين، دولة عثمانية ذات قوميتين، وفي صيغة انفصالية قديمة بس الآن الصيغة الانفصالية القديمة دي ما كانتش موجودة إلا عند النصارى العرب، الآن بقت موجودة في ظل حكم جمال باشا الذي لقب لهذا بالسفاح.
حقيقة تلقيبه بالسفاح فيه ظلم، يعني عايز أقول لك أدنى حاكم عربي في لحظة حرب لو حسبت الذين أعدمهم أو حتى زيد مش في لحظة حرب الذين حاكمهم بتهمة الإرهاب والذين حاكمهم بتهمة تهديد أمن الدولة وتهديد الأمن القومي وتعكير السلم الاجتماعي، يعني الآلاف؛ فأنت عشان تصرف لواحد مصطلح أنه سفاح بيتبادر لذهنك أنه قاتل له مليون، نص مليون، 5 مليون، يعني قاتل ذابح، ولذلك واحد زي أحمد الشقيري وده واحد من ألمع القوميين ومن رؤوسهم لما كتب في مذكراته -أحمد الشقيري ده كان أبوه أسعد الشقيري مفتي الجيش الرابع اللي قائده جمال باشا- وكان هو على خلاف مع أبيه، أبوه كان عثمانيًا إلى النهاية وهو كان عروبيًا قوميًا، هو في الآخر كتب وهو بيستعرض هذه الفترة يقول: يعني بعد اللي إحنا شفناه دلوقتي فحقيقة جمال باشا هو أكثر واحد أو آخر واحد يمكن أن يطلق عليه السفاح بعد اللي إحنا شفناه.
ها هنا يا مولانا بيحصل بقى في هذه الأجواء، إحنا قلنا إن البريطانيين لم يقطعوا خطًا بس ما زالوا مهملين الشريف حسين وشايفينه مالهوش لازمة ومش هيقدر يغير في الحرب شيء، حتى وقعت هذه الواقعة؛ جندي من الجنود العرب اللي أصلهم من سوريا في جاليبولي هرب من الجيش العثماني وذهب إلى الجيش الإنجليزي وسلم نفسه، وقال لهم بأنه جزء من تنظيم سري أو من جماعة سرية تنادي بالقومية العربية وأنهم يقبلون بزعامة الشريف حسين. هنا دي كانت اللحظة التي تبدأ أو يبدأ العقل البريطاني يفكر في أن الشريف حسين ده اللي موجود في الحجاز له بالفعل أتباع موجودون في الشام ومن أتباعه بالفعل ناس بتحارب. اللي هرب ده اسمه محمد شريف الفاروقي، شخص مشهور يعني لأن هروبه ده كان بداية خطة كبيرة للغاية؛ الجماعة الموجودون في الشام اللي هم أصحاب الجمعيات القومية الذين استفزهم جمال باشا حتى بالإعدامات، هذه الجمعيات القومية السرية لم تكن تجد لها زعيمًا، وحتى يا سيدي لو وجدت لها زعيمًا يجمع شملها فالزعيم ده مش هيعرف يبرز في.
تلاقى هذان المشهدان: مشهد وهيب باشا في الحجاز، الذي وجدنا معه الوثائق التي تظهر أن الاتحاديين يريدون عزل الشريف حسين، مع الشريف حسين الذي لا يريد الاتحاديين. فأرسل الشريف حسين ابنه فيصل، الذي سيكون فيما بعد ملك سوريا ثم ملك العراق، ليشكو وهيب باشا عند الحكومة العثمانية، وهي حكومة الاتحاديين.
وفي طريقه إلى إستانبول، ينزل في دمشق ليرى وضع الجمعيات التي تنادي بالقومية، وقد وجد الجماعة القوميين في فيصل، ابن الشريف حسين، القائد الذي يمكن أن يقودهم في عمليتهم هذه، كما وجد هو فيهم الجنود والأتباع الذين يمكن أن يؤثروا على ميزان المعركة.
وعندما ذهب فيصل إلى إستانبول، نستطيع أن نقول إن رد الاتحاديين لم يكن جيدًا. هنا الشريف حسين قدم عرضين: عرضًا للإنجليز، وعرضًا للاتحاديين. كان عرض الاتحاديين هو أن يحارب معهم، لأن الجبهة الموجودة في سيناء من أخطر الجبهات، وهم محتاجون لرجال القبائل ليحاربوا.
قال لهم الشريف حسين: «والله هذا الموضوع صعب ولا أقدر عليه؛ لأن البحر الأحمر موجود فيه القوات الإنجليزية، ولو دخلت الحرب سيبدأون بحصار الموانئ، ميناء جدة بالذات، وبالتالي تشح البضائع وترتفع الأسعار وتحصل مجاعة». فكان يتلكأ في إجابة مطلب الاتحاديين بأن يحارب معهم. وفعليًا الإنجليز في ذلك الوقت كانوا في حالة سيئة حقًا؛ حتى في جاليبولي هُزموا، وفي منطقة "قوة العماره" كانوا محاصرين ويُخشى أن يُهزموا.
أما العرض المقدم للعثمانيين فكان يطالب باللامركزية، والاعتراف بحكمه وبحكم وراثي من بعده، مع الإعفاء من أحكام الإعدامات الصادرة بحق بعض الزعامات العربية. ولكن إذا نظرت للأمر من منظور تركي قومي، بمنطق "التتريك" وهو في حالة حرب، سيقول له: «هذا الكلام ليس من شأنك وليس من مصلحتك، فلا تتكلم فيه كثيرًا».
أما العرض الذي عرضه على الإنجليز، فهو إمكانية محاربة العثمانيين مقابل دولة. وهذا ما يُعرف في التاريخ باسم "مراسلات حسين - مكماهون"، لأن الطرف الثاني هو مكماهون، المندوب الذي كان موجودًا في القاهرة. كان يطلب دولة حدودها ببساطة: الشام، والعراق، والجزيرة العربية.
طبعًا الإنجليز قالوا له: «ما تشغل بالك بموضوع الحدود، فهذا موضوع سابق لأوانه، ونحن نحب العرب ونؤيد مطلب الاستقلال العربي، ولا نمانع في خلافة عربية». وكان مكماهون عندما يرسل له يستخدم أسلوبًا من التملق، فيقول له: «السيد الحسين النسيب، سليل الدوحة المحمدية والشجرة الأحمدية، أمير مكة محط رحال المؤمنين وقبلة الصالحين»، ليعطيه من طرف اللسان حلاوة ويصرفه عن موضوع الحدود.
لكنه رد عليه بأن موضوع الحدود هو أهم موضوع يجب أن نتكلم فيه، وأنه لن يتحرك إلا إذا حددوا له الحدود. فقال له الإنجليز: «انظر، لدينا بعض المشاكل؛ أولًا المدينتان اللتان نسيتهما، وبعد ذلك نريد غرب ساحل الشام، وهذا يتبع فرنسا، وفرنسا حليفتنا ولها مصالح في هذا المكان، ونحن أيضًا لنا وجود إنجليزي في البصرة وبغداد ولنا مصالح».
حاولوا تضييق الدولة التي يريدها بلباقة، لكنهم تركوا له مساحة للحديث والتفاهم. وفي النهاية، قطع الاتحاديون طريق الكلام معه، فقبل الشريف حسين بهذه التنازلات عمليًا؛ حيث وافق على أن يكون الوجود في العراق مقابل ثمن مناسب، وأن فرنسا يمكن التفاهم على مصالحها. الخلاصة أن النتيجة كانت قبوله بالحدود التي ضيقها عليه الإنجليز، وبدأ بإعلان الثورة العربية ضد الأتراك في 20 يونيو 1916.
في ذلك الوقت، كان الإنجليز والفرنسيون يبرمون اتفاقية "سايكس-بيكو". ففي اللحظة التي بدأت فيها الثورة العربية الكبرى، كان الإنجليز والفرنسيون يقسمون بينهم مناطق الشام والعراق، رغم أنهم كانوا شبه مهزومين في الحرب العالمية.
أوروبا كانت تُطحن، والألمان كانوا يحققون انتصارات، وإن لم يكن ذلك بشكل تام، إذ كانت الأمور متأرجحة حتى دخلت الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك ظل هناك توازن قائم؛ فهناك هزائم ومعارك وضحايا هائلون، لكن التفكير في الانتصار كان موجودًا. والاتفاق لم يكن على أساس أنهم منتصرون، بل كان من أجل حسم الغنائم مسبقًا حتى يحاربوا مع بعضهم دون مشاكل، أو حتى لا يرجعوا ويتحاربوا فيما بينهم على الغنائم لاحقًا.
وكما قلنا، الدولة العثمانية كانت ستدخل في حلف، فرفضوا إعطاءها. وإلى تلك اللحظة، ماذا بقي للدولة العثمانية بعد احتلال الطليان لليبيا وخسارة البلقان وكل أوروبا؟ لم يتبقَّ معها رسميًا سوى الجزء الآسيوي، وهو الشام والعراق والجزيرة العربية وتركيا الحالية (الأناضول). وفي عام 1916، كان الإنجليز يعملون على اتفاقية "سايكس-بيكو" واستشاروا فيها الروس.
وافقوا لأن الروس مكاسبهم التي يريدونها هي مكاسب في الأناضول والقسطنطينية، يعني مكاسب في جهة أخرى.
عندما تحكي قصة الشريف حسين أو تحكي قصة الثورة العربية الكبرى، من ألطف الأشياء هنا أن الأمير عبد الله ذهب لوالي الطائف، وقال له: "سيدي الوالد باعثني لأن هناك قبيلة فلانية تمردت، فأنا جئت لأسلم عليك وأستأذنك وأودعك". فالرجل يقول له: "أنا أستحلفك بالله"، وأحضر له المصحف كي يحلف عليه، وقال: "وصلتني إشاعات على أنكم تنوون الثورة والتمرد، أريدك أن تحلف على المصحف بأن هذه إشاعات". فقال له: "أنت تتوقع أنني ممكن أضمر الثورة وأجي عندك اليوم؟ هذا شيء غير ممكن"، وأخذ ضيافته وحبه وأحضانًا وتقبيلًا ووداعه وكل شيء، هو خرج من هنا في نفس الليلة حاصره من هنا. في نفس الليلة! فهذه كانت البداية.
هنا سيحصل ما يلي: عندما تنظر إلى الدولة العثمانية على خط الشام، قلنا إن المعارك تدور في سيناء، وفي سيناء هؤلاء الإنجليز محافظون على خط القناة ألا يقترب منه العثمانيون. طيب، خط سكة حديد الحجاز واصل إلى المدينة، والمدينة فيها قوة عثمانية بقيادة قائد مشهور جداً اسمه فخر الدين باشا، القائد المشهور في التاريخ العثماني. مكة، جدة، ينبع، رابغ، هذه المناطق هي المناطق التي سرعان ما استولى عليها الثوار أو المتمردون العرب، وأخرجوا منها القوات التركية.
واحد مثل جمال باشا قاعد في الشام، هذا كان أسوأ نبأ وقع عليه تستطيع أن تقول في كل تاريخه، وهو نبأ أن هناك تمرداً عربياً. لماذا؟ لأنه أساساً موجود في هذه المنطقة ومرتب كل قواته على أنها تواجه الإنجليز الموجودين في سيناء، وإلى الآن الإنجليز لا يعرفون التحرك خارج خط الخمسة أميال بعد قناة السويس. وهو يواصل تفاوضه مع الشريف حسين على أن يرسل برجال يحاربون معه في هذه الجبهة، ويتوقع بعد ما تلقاه الإنجليز من هزائم سواء في العراق أو في جاليبولي أن مجرد انكسارهم على خط قناة السويس يساوي تغيراً حاسماً في المعركة، فإذا به يصحو ويجد أن الجيش العربي الذي كان ينتظر ظهوره ويفاوض عليه قد انشق عليه، وصار يحاصر القوات العثمانية.
هل تتصور أنت أن جيشاً بعدما كنت توزعه في عدو واحد، أصبحت توزعه على عدوين في جبهتين مختلفتين؟ وهذه مساحة واسعة وهائلة وشاسعة، أنت تتكلم على الحجاز والجزيرة العربية. الشريف حسين بعد ما استولى على المناطق القريبة صار عاجزاً عن أن يتقدم، وعن أن يطرد أي قوات عثمانية أخرى؛ فالحصون العثمانية الموجودة قادرة على الدفاع عن نفسها، وهؤلاء مجرد مقاتلين عرب حتى بنادقهم بدأت تنتهي وذخيرتهم بدأت تنتهي. فبالتالي صار يطالب ويلح على البريطانيين أن يمدوه بالرجال وبالسلاح، والبريطانيون أساساً ليس عندهم أي مساحة ليحضروا رجالاً من أي مكان. وفوق ذلك مسألة أن يبعث جنوداً بريطانيين للحجاز، الرجل الموجود في مصر البريطاني، والرجل الموجود في الهند، قالوا لهم: "هذا الكلام لا ينفع، لأنه عندما يأتي كفار يدنسون الأرض المقدسة، فهذا يعني أن الجبهات الهادئة في الهند أو في مصر أو في غيرها ستنقلب على البريطانيين".
هنا صارت أزمة أن هذه الجبهة -نعم نحن مقدرون أنها مفيدة- لكن هذه الجبهة ليست قادرة على أن تتقدم؛ فائدتها لغاية الآن أنها شلت قوات عثمانية، وما أصبح الخطر الموجود على جبهة سيناء خطراً كبيراً. هنا سيظهر من؟ سيظهر أشهر اسم في الثورة العربية وهو لورنس العرب. لورنس العرب هذا، كان شاباً يحب التاريخ، يحب الآثار، مغرماً جداً بالحملات الصليبية، رسالة الدكتوراه بتاعته كانت تصميم القلاع في الحملات الصليبية، فهو أصلاً من قبل ما تحصل حرب كان نازلاً يلف في هذه المناطق ليرى القلاع الموجودة في حلب؛ يعني هي هذه دماغه، تعلم اللغة العربية، علاقته مع البدو باعتباره منقب آثار؛ نحن قلنا إن الأجانب كانوا موجودين في ذلك الوقت في مسألة الرحلات والتنقيب عن الآثار.
لورنس العرب لما اشتعلت الحرب، اثنان من إخوته قتلا في هذه الحرب العالمية الأولى، واحد كان طياراً والثاني جندي عادي، المهم الاثنين قتلا، وهو وضع خدماته باعتباره يفهم اللغة العربية ويعرف يعيش مع البدو عند السلطة الإنجليزية. قالت له: "بص، روح شوف الجماعة بتوع الشريف حسين هؤلاء، أنت ما رأيك، نبعث لهم جنوداً أم لا نبعث لهم؟". طبعاً لورنس مذكراته مطبوعة ومترجمة اسمها "أعمدة الحكمة السبعة"، يقول فيها: "إنه أنا كان تقديري أن كل المكاسب لا تستحق قطرة دم من جندي إنجليزي واحد".
ماذا فعل لورنس العرب؟ كان وجوده في البداية بمثابة إنقاذ لهذه الثورة العربية، أن بريطانيا لا تزال معكم، وكان تقديره أنه لا، نحن لسنا محتاجين لأي جنود، نحن محتاجون لأموال لكي نعرف نبقي القبائل المحاربة موجودة، بدل ما الأموال تنفد ويروح كل واحد رايح لقبيلته، وتروح الثورة تنتهي وينفرد الشريف حسين مع نفسه؛ لا، نحن نريد أموالاً كي تظل القوات العربية موجودة، ونريد أسلحة كي يظلوا قادرين على الحرب. والمعارك التي نحن محتاجون منكم الآتي: أسلحة، أموال، وأحياناً سنحتاج تدخلاً عسكرياً من البحر، يعني طائرات تقصف أو سفن تضرب الموانئ العثمانية التي نحن ننوي مهاجمتها، والباقي نحن سنعمله مع العرب، يعني أنا لوحدي مع هذه القوات العربية سنكمله.
طبعاً تعرف كان الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله يقول: إن علي عزت بيجوفيتش كان في ندوة في نقابة الصحفيين في القاهرة بعد حرب البوسنة، وقال: "الغرب بعد ما يشارك في ذبحك ممكن يعمل لك سرادق عزاء"، هذا نموذج الغرب، فأنت تقرأ الآن مذكرات لورنس، يقول لك: "يا أخي، أنا كنت عارف أنني أكذب عليهم، ضميري يعذبني، كنت أعرف أن في سايكس بيكو، وعارف أننا لن نعطيهم شيئاً ولا استقلالاً، الجماعة هؤلاء يموتون ببلاش، أنني لا أتحمل". يعني هو بعد ما عمل المصيبة، هكذا هو، وكثير من مذكرات الغربيين فيها هذا المعنى.
أستاذ محمد كونه فتحت سيرة التمويل، وأنا أريد أن أريحك قليلاً، أنت الله يعينك، صار لك ساعتين تحكي. كتاب "سلام ما بعده سلام"، هذا كتاب معتبر في الذي نحكي فيه، من أهم الكتب في ذلك الوقت المكتوبة في هذه الفترة، يستشهد به؛ لأنه أصلاً معتمد على الوثائق والمراسلات بشكل أساسي. شوف، طالما أننا في 1916 تقريباً، أنا أريد أن أذهب لك لـ "سلام ما بعده سلام"، أنا هيني فاتحه، أريد أن أقرأ لك نصاً له علاقة أيضاً بقصة التمويل، لأنه أيضاً الشريف حسين جاب تمويلاً من العثمانيين: "كان الحسين بفطنته قد حصل على أكثر من 50,000 جنيه ذهباً من الباب العالي لإعداد وتجهيز قوات لمكافحة البريطانيين، إلى هذا المبلغ أضاف القسط الأول من دفعة كبيرة من بريطانيا لإعداد وتجهيز قوات لمكافحة الأتراك، وقد أعلنت الثورة في الحجاز في وقت ما بين 5 و10 حزيران/يونيو 1916، وتحرك الأسطول البريطاني فوراً على طول ساحل الحجاز، فروّع بذلك القوة الألمانية التركية وحال دون تقدمها أكثر. خذ الأغرب منها، كان اعتقاد المكتب العربي -بدنا نحكي عن المكتب العربي هذا في القاهرة- أن الثورة العربية ستلقى التأييد من سائر أنحاء العالم الإسلامي والعالم العربي، والأهم أن المكتب العربي اعتقد أن الثورة ستلقى التأييد مما اعتقد البريطانيون أنه جيش عثماني أكثريته من العرب، وكان فيصل وأبوه الحسين قد قالا إنهما يتوقعان أن ينضم إليهما نحو 100,000 جندي عربي، وهذا العدد كان يمثل نحو ثلث القوة المقاتلة للجيش العثماني، وفي أنباء أخرى أن الحسين توقع أن ينضم إليه 250,000 جندي، أي كامل عدد الجنود المقاتلين في الجيش العثماني تقريباً، لكن الثورة العربية التي كان الحسين يأمل في حدوثها لم تحدث إطلاقاً؛ فلم تنضم إليه وحدات عربية من الجيش العثماني".
صحيح، طبعاً هو الجزء الذي يتكلم فيه في الأول، هو جزء ما قبل إعلان التمرد على العثمانيين، جزء والعثمانيون يفاوضونه على أساس أن يجند معهم رجالاً ينضمون إلى الحرب في جبهة سيناء، فيقول لهم: "طيب عايزين فلوس، طيب محتاج وقت لتجهيز القبائل"، فهذا المال الذي أخذه من الاتحاديين هو هذا الوقت الذي كان يتواصل فيه مع الطرفين، ويحصل دعم من الطرفين. الشريف حسين رجل ذكي إذاً؟ يعني ليس شخصاً؛ لأنه أيضاً في بعض التقييمات له كشخص أنه رجل دين وليس رجل سياسة. لا، هو ليس غبياً، لا تستطيع أن تقول إنه غبي، لكن عنده مشكلتان، المشكلة الأولى هي أن طموحه وغريزته الشبقة للخليفة العربي غطت على كل شيء. الإنسان الذكي عندما يبقى عنده شهوة جامحة، هذه الشهوة الجامحة تجعله يفكر بالرغبة، تجعله يستخدم عقله يطوعها لشهوته، تمام، فهو هذا الذي عمله. لأننا ستأتي بعدين معنا مفاجآت مدهشة، لكن هو في أصله ليس غبياً، طبعاً لا تستطيع أن تقول إنه غبي، لكن كان لديه من التشوق إلى حلم الخليفة العربي ما عطل عنده كل بصر وبصيرة، ولم يكن عنده من الدين والورع والفهم ما يجعله ينظر إلى الإنجليز على اعتبار أنهم أعداء، بل وثق فيهم ثقة عمياء، ورآهم أقرب إليه من الاتحاديين.
نحن سنكمل القصة، لكن نحن الآن عندما نفتح ملف الشريف حسين، هو بالنسبة للعالم الإسلامي والعالم العربي -عدا الإخوة وأحبابنا الأردنيين- هو معلومة، لكن هو عند الأردنيين خط أحمر، فنحن الذي قاعدين بنعمله أننا بنحكي القصة عشان نوصل للأخير للعبرة التي نريد حكايتها بنهاية هذه الحلقة. أنا أريد أن أؤجلها للآخر وأحكيها وأعلق عليها. أنا أتكلم الآن عن الشريف حسين زي ما اتكلمت في وقت سابق عن محمد علي، الذي هو أيضاً بالنسبة للمصريين مؤسس مصر الحديثة، وفي الآخر نحن بنحكي تاريخاً، وأنا أعرف أن التاريخ كلما اقتربنا فيه من الوقت الحديث كلما صار الأمر أكثر حرجاً، لأنه لا يزال تاريخاً حياً، لكن المؤكد الذي أحكيه هذا حصل من قبل أكثر من 100 سنة، وثائقه منشورة، وكتبه منشورة، مذكرات الناس الذين صنعوه منشورة، وأنا أحكيه بأكبر قدر ممكن من الإنصاف، لكن بالنهاية له موقف، وأن هذا الذي فعله الشريف حسين هو في حقيقته أشد من خيانة ابن العلقمي الذي اجتُحِت به بغداد، الذي عمله الشريف حسين هذا أوصلنا الآن إلى هيمنة غربية كاملة، ولولا هذه الثورة العربية الكبرى ما كانت نشأت إسرائيل أصلاً، ولا كانت احتلت فلسطين. إلى هذا الحد! نعم، هذه لحظة فارقة في تاريخنا الإسلامي، لا نزال ندفع ثمنها حتى الآن.
الخلاصة الآن أن لورنس لوحده دماغ إنجليزية معها أموال، وطبعاً هو أيضاً شخصية موهوبة، لا توجد كلمة، وعسكري موهوب لا توجد كلمة، هو الذي استطاع أن يجعل هذه القوات العربية تصير شوكة في ظهر العثمانيين، وعمل حركة أو نقول عمل حركتين مهمتين، الحركة الأولى أنه التفت بالقبائل العربية فصار يدمر خط سكة حديد الحجاز، يعني إيش يدمر؟ يعني يقطع الإمدادات عن القوة العثمانية الموجودة في المدينة، وعن أي قوة عثمانية موجودة في أي ناحية في الجزيرة العربية بعد ذلك، أنك تقطع خط الإمداد. الحاجة الثانية، استخدم ما يسميه ليدل هارت -هذا شخصية نجم عند العسكريين، له كتاب اسمه "الاستراتيجية وتاريخها في العالم" يشرح فيه الخطط الاستراتيجية- يقول لورنس العرب استخدم أسلوب "الوخزات"، الذي هو أنا لن أدخل في حرب مباشرة مع العثمانيين، لكن كل شوية سأطعنهم طعنة من بعيد تؤثر فيهم، لكن تؤثر فيهم بالشكل الذي لا يجعلهم يعيدون تشكيل قواتهم، لأنهم لو أعادوا تشكيل قواتهم سيقضون على هذه القوات العربية، فهو ظل يضربهم، كأنه يقول لك الذبابة والأسد أو القرد والنملة، الذي هو تضربه وما يعرف يجيبك، حرب عصابات على نمط الوخزات، هو هذا الذي جعل الجيش العثماني يرهق إرهاقاً كبيراً، مش قادر حتى يدفع ويدعم جنوده بأي قوات أخرى، لأنه ليس شايف عدو، وأدى به في النهاية إلى الانهيار. عند هذه اللحظة، لأول مرة يبدأ يتبدل الموقف في جبهة سيناء، والبريطانيون يروحون ناقلين خط المواجهة من سيناء.
الواسعة الفسيحة الشاسعة إلى العريش، غزة، وبئر السبع. اطمأنوا تماماً ألا يأتيهم أي عدو من جانبهم الشرقي، فعملياً هذه الثورة العربية حمت كل ميمنة الجيش البريطاني وهو يواجه العثمانيين، وضيقت على العثمانيين وأجبرتهم على أن ينكمشوا في خط مواجهة البريطانيين. فجعلت البريطانيين يستطيعون أن يستخدموا الموارد والقوات المصرية في أنهم يمدوا عبر سيناء طرقاً ممهدة وأنابيب مياه عذبة. فحصلت هنا معركة غزة الأولى ومعركة غزة الثانية، والعثمانيون انتصروا فيها. ولما اكتمل إمداد أنابيب المياه العذبة والطرق الممهدة، استطاع الجنرال اللنبي أن يهزم القوات العثمانية في معركة غزة الثالثة، وبذلك فتح الطريق إلى احتلال بيت المقدس.
ما كانش ممكن للبريطانيين احتلال بيت المقدس بدون مجهود الثورة العربية الكبرى. تمام، إيه اللي حصل بعد كده؟ البريطانيون منعوا العرب من أنهم يدخلوا معاهم بيت المقدس، بل استخدموهم استخداماً أكثر انحطاطاً. لورنس قال لهم إيه؟ ولورنس كان عارف ساعتها أن في سايكس بيكو، قال لهم: إذا وصلنا مباشرة إلى دمشق ودخلناها في البداية، فلن يستطيع البريطانيون أن يعطوها للفرنسيين؛ يعني تعالوا نفرض بالأمر الواقع وجوداً عربياً. فبالتالي بقى في أمام العثمانيين المنهارين عدو في طريقين: طريق أقرب للساحل هو طريق الجيش البريطاني، وطريق أقرب إلى البر هو طريق الجيش العربي. وهذا أدى إلى سلسلة من التداعيات والهزائم والانهيارات. وطبعاً كان القائد السياسي في ذلك الوقت هو فيصل ابن الشريف حسين.
لكن حصلت هنا حاجة مهمة ما ينفعش نعديها. وإحنا بنشاهد تقدم الجيش العربي مع حكم جمال باشا في الشام مع الدعايات الحقيقية والمبالغ فيها، هنا بيحصل مع كل مرحلة انهيار وانسحاب لقوات عربية تدخل مع المنتصر. يعني عرب كانوا في الجيش العثماني، مع الجوع والمجاعة، مع الهزيمة، فراراً من الحرب، كل ده بيروح رايح للقوات العربية. فهو صحيح لما أعلن الثورة ما حدش انضم، وظل يُرى أنه عاصٍ وشق عصا الجماعة على الخليفة الإسلامي، وأنه والى الكفار وعاهد الإنجليز وحارب معهم، كان منبوذاً منكوراً في عموم العالم العربي والإسلامي. لكن مع التقدم اللي موجود على الأرض صار يرث الهلكة والجوعى والذين يريدون الفرار من الحرب من القوات العربية. الحاجة الثانية أن الشريف حسين وهو بيتكلم ما كانش بيقول أن أنا مع البريطانيين، هو كان بيقول أنا ضد الاتحاديين العلمانيين الذين عطلوا الشريعة والذين أهمشوا الخليفة، فأنا عايز أرد للخليفة العثماني حقه. لو ما عندناش وثائق دلوقتي كان هيحصل في زمننا ده مثلما حصل في زمانه هو، الناس تنقسم. لكن أنت وأنت بعد ما بتشوف مراسلات الشريف حسين-مكماهون، بتجد لا، هذا رجل كان يريد أن يحارب فعلاً العثمانيين لرغباته هو.
ستحصل مفاجأة غير متوقعة لكل الأطراف وإحنا في خضم الحرب وقبل ما تنتصر هذه القوات العربية. يعني غير كل المفاجآت التي صارت، هذه أكبر مفاجأة ستحصل. روسيا، أحد أكبر الدول التي دفعت ثمناً هائلاً في الحرب، ستؤدي المشكلات التي حصلت فيها إلى ثورة شيوعية؛ هي الثورة البلشفية ١٩١٧، ويستقيل القيصر وتأتي حكومة وتحدث حرب أهلية ويتولى الشيوعيون الحكم. وأول ما يتولون الحكم هينشرون من ملفات الخارجية اتفاقية سايكس بيكو. انشر الغسيل يا باشا. صدمة هائلة عارمة للكل. ومباشرة بعثوا هذا إلى العثمانيين، العثمانيون بعثوا نسخة منها إلى جمال باشا، جمال باشا بعثها إلى الشريف حسين عن طريق ابنه فيصل. أهو يا عم دليل لا يقبل الطعن ولا الشك، جاي من روسيا اللي ما حدش توقع أنه يحصل فيها ثورة؛ البريطانيون يغدرون بكم وقد قسموا هذه الأرض بينهم وبين الفرنسيين في اتفاقية وافق عليها الروس. نرجع لعقلنا ونستهدى بالله ونعرف أن اللي حصل ده غلط ولكم الاستقلال الذي تريدونه. طبعاً دلوقتي هم برضو العثمانيون في حالة من الهزيمة، مش زي الحالة الأولى. من يعمل إيه الشريف حسين؟ يأخذ هذا الكلام ويروح يرسله إلى البريطانيين. والله مأساة، أنت وأنت بتقرأ الكلام ده بيصيبك الصداع وضغطك بيرتفع وبتبقى مش مصدق، يعني جاءك إلى يدك!
طيب البريطانيون بقى إيه؟ ارتعبوا لأنهم إذا فقدوا هذه الجبهة، الجبهة دي دلوقتي حصدت ثمار ورجعت العثمانيين وفتت في عضدهم. فيعمل إيه بقى؟ تلتهب الدبلوماسية البريطانية وترسل إلى الشريف حسين تؤكد بأن هذا الكلام من أكاذيب العثمانيين ومن أكاذيب جمال باشا، وأن دي كانت اتفاقية كده في أول الحرب قبل ما تبدأ أساساً، لكن دي اتفاقية تجاوزها الزمن وكانت حاجة مؤقتة وخلصت. المهم، أرسلوا إليه واحد واثنين وثلاثة ورسائل ومبعوث خاص لكي يهدئه ويخدره حتى يزول عنه أثر الشعور بالخديعة وبالغدر. طيب عمل إيه الشريف حسين؟ كمل في مساره عادي، ما في أي ترتيبات جديدة. وبعد ذلك احتلت بيت المقدس وبعد ذلك احتلت الديار العربية ثم انهار العثمانيون.
وهنا جازاه البريطانيون جزاء سنمار. عارف بقى جزاء سنمار؟ المثل العربي المشهور الذي يقول لك في واحد ملك أراد أن يبني قصراً لا مثيل له، فراح لمهندس اسمه سنمار وقال له عايزك تعمل لي حاجة ما حصلتش، عمل له حاجة ما حصلتش. مستني المكافأة فالمكافأة أنه قتله؛ ليه قتله؟ علشان ما يعملش التحفة دي لحد تاني. فهذا صار يضرب به المثل جزاء سنمار. حصل إيه بقى يا مولانا؟ فيصل ذهب إلى دمشق إلى سوريا شكل فيها حكومة عربية. الفرنسيين قالوا الحتة دي تبعنا يا جماعة. فيصل يبعت للبريطانيين: يا جماعة حلفاؤكم الفرنسيين، معلش اسمعوا الكلام، معلش فوتوا الموضوع، معلش اهدوا، معلش مش مشكلة، إلى أن اجتاحه الفرنسيون وأخذوا منه سوريا.
الشريف حسين طبعاً الآن فرغت كل أوراقه، مش معاه حاجة يقدمها، هو مستني الوعد يتنفذ، فكل شوية يبعت للبريطانيين اللي بيحصل ده ما ينفعش والاستقيل، لغاية لما المراسلات البريطانية بتقول: طب ما تخليه يستقيل يا جماعة بدل ما هو تاعبنا وقرفنا كده! راحوا بعثوا له وقالوا له والله حكومة صاحب الجلالة لا تمانع في أن تستقيل وتنقل الملك لابنك علي. كانت صدمة هائلة. طب العراق؟ البريطانيون قالوا إحنا هنحتلها احتلالاً مباشراً. يعني مشهد الوعود المراسلات التطمينات كله راح. حتى الحجاز، سمحت بريطانيا لعبد العزيز آل سعود باجتياح الحجاز وضمها إلى سلطانه، وكان يسمى سلطان نجد. فتقدم عبد العزيز آل سعود وسيطر حتى على الحجاز. هو كان فين؟ في العقبة، قالوا له والله حكومة صاحب الجلالة شايفة أنه في تهديد على حياتك من اجتياح سلطان نجد عبد العزيز إلى العقبة، فإحنا هنبعث لك سفينة تروح بها قبرص. طب أروح قبرص ليه؟ ما يروح عمان، ما يروح دمشق، العراق مثلاً، ما فيش غير قبرص تروح قبرص.
فيصل الذي كان ملك سوريا، حصلت ثورة في العراق، فرأت بريطانيا أنه ما تيجي نكرر تجربة مصر عندنا، ملك تحت طوعنا وحمايتنا، وحيث إن الناس دول مش عايزين احتلال إنجليزي تعال نحتل اللي يحتلهم أو نحكم اللي يحكمهم. فجابوا فيصل من سوريا علشان يبقى ملك العراق، وهي دي الفترة الملكية التي انتهت ١٩٥٨. عبد الله اللي هو الأخ الأكبر من فيصل، عملوا له الدولة المعروفة الآن باسم الأردن، وهي أصلاً قطعة في الصحراء لم تكن شيئاً قبل ذلك. ففي مؤتمر مع وزير المستعمرات تشرشل قال له أنت إيه رأيك خد الحتة دي، وجاء البريطانيون فأنشأوا الأردن مثلما أنشأوا إسرائيل، يعني في دولتين ما كانش لهم وجود قبل الحرب العالمية الأولى صار لهم وجود. وكانت دولة بلا مقومات، وهذا أثار غضب عبد الله جداً لأن أخوه الأصغر يتولى العراق، العراق أرض خصبة ونهرين الرافدين وعندها أموال، لكن هو كان لا يستطيع أن يحيا بدون الرواتب الإنجليزية المدفوعة، ومن سنة ١٩٢١ لسنة ١٩٤٦ على الأقل بريطانيا هي التي تولت الإنفاق على الحكومة التي نشأت في الأردن وعلى الإنفاق على الجيش الأردني.
طب الشريف حسين نفسه راح فين؟ نُفي في قبرص، وهناك كانت نهاية الكوميديا السوداء يا أبا الحارث. ماذا حصل؟ حاكم قبرص في ذلك الوقت كان هو سكرتير المكتب العربي في القاهرة، الذي كان فعلياً صديقاً للشريف حسين، كان هو حاكم قبرص واسمه رونالد ستورز. وبالمناسبة مذكراته ترجمت بعنوان توجهات شرقية غربية. راح قبرص، أنزلوه في شقة مهانة، صار لا يجد أن يدفع أجرة البيت مع أن عنده ابن ملك العراق وابن ملك الأردن، وقبل ذلك كان علي الحجاز في الحجاز. وحصل بقى موقف في غاية الإهانة، جاء عربي إلى قبرص رفع عليه قضية أن الراجل ده أنا أديته ذهب على سبيل الأمانة والوديعة وهو ما ردهاش لي. يعني عارف أنت لما تبقى بتحلم بخلافة عربية وفي الآخر تلاقي نفسك في قبرص منفياً ومش عارف تدفع الإيجار وواحد بيجي يتبلى عليك، فبيكلم صاحبه بقى اللي هو رونالد ستورز، بيقول له والله دي محكمة ما أقدرش أتدخل، إحنا دولة قانون، طالما الراجل طلبك للمحكمة وطالما القاضي طلبك لازم تروح بنفسك، حتى مش وكيل ولا حد يروح بالنيابة عنك. فصار الزعيم الشريف الذي يجر إلى المحكمة. وبعدين الراجل ما عرفش يثبت دليله فقال له أنا في شاهد، مين الشاهد؟ قال له امرأة الشريف حسين، لما لما أديت له الفلوس كانت هي موجودة. فتأمر المحكمة باستدعاء زوجة الشريف حسين. طبعاً بالنسبة لنا اليومين دول تحس الكلام عادي، في ذلك الزمن إيه إهانة كبرى! كانت النساء الصالحات أو المحافظات لا يخرجن للرجال ولا يبرزن للرجال ولا يراهن الرجال. ما بالك بقى بمن هن في صميم الشرف، هن سليلات بيت النبوة، وفي صميم العرب، هو ما فيش أصلاً واحدة بتقعد مع جوزها وقت ما يكون حد بيدي له فلوس ولا بيكلمه في حاجة، يعني المرة لا تنكشف أصلاً على الرجال الغرباء. فأجبر على أن يؤتى بها لكي تكون شاهدة.
فكانت هذه... طيب لو نيجي بقى نقيم الثورة العربية الكبرى، بدون هذه الثورة العربية الكبرى، بالتأكيد -عايز أقول في أسوأ أسوأ الأحوال- خليني أبدأ من حتة تانية. الشريف حسين كان عنده عرض للاتراك، والاتحاديين، وعنده عرض للإنجليز، خلينا نقول لو الاثنين أخلفوا وعودهم -طبعاً إحنا شفنا ماذا فعل الإنجليز- الأتراك كان آخرهم هيعملوا إيه؟ الاتحاديين كان آخرهم هيعملوا إيه؟ هيخلوه على الأقل والي في مكانه أو يا سيدي سيعزلونه من ولايته في مكانه، أسوأ ذلك أنهم سينفونه، لكن بالتأكيد لن يهينوا زوجته، بالتأكيد ده أسوأ الأشياء. فاكر أنت لما كنا اتكلمنا في الأندلس وقلنا إن القرار الصحيح الوحيد الذي اتخذه المعتمد بن عباد هو أنه يأتي بيوسف بن تاشفين ليحارب معه، ولما قال له ولده يا أبتِ أخشى أنهم إن جاءوا الجزيرة لا يخرجون منها، فراح قال له يا بني رعي الإبل خير من رعي الخنازير. يعني في الآخر لو يوسف بن تاشفين هيخلف وعده وألفونسو هيخلف وعده، أنا هبقى هناك راعي إبل وهبقى هناك راعي خنازير، فرعي الإبل خير من رعي الخنازير. فبالتالي هذه الثورة العربية الكبرى لو لم تدخل إلى جوار البريطانيين سنتوقع أنه برضو في أقل الأحوال سوءاً أن البريطانيين لن يستطيعوا أن يحتلوا فلسطين ولا الشام ولا أن ينفذوا اتفاقية سايكس بيكو ولا أن ينشئوا إسرائيل، يعني آخرهم هيبقوا موجودين في خط دفاعهم في سيناء مش هيقدروا يتجاوزوه بعد ذلك.
لكن اللي حصل أنه بعد ذلك بريطانيا احتلت الشام واحتلت العراق، فرنسا احتلت سوريا، أنشأت لبنان، تمزق هذا العالم العربي. وبالمناسبة هذه الثورة العربية، مثلاً لورنس بيقول في كتابه إنها استطاعت أن تقتل ٣٥ ألف جندي عثماني، فيهم عرب، وأن تأسر أو تحيد ٣٥ ألفاً آخرين، فأنت بتتكلم عن قوة ٧٠ ألفاً ذهبت في الصراع العربي. جورج كليمانصو رئيس الحكومة الفرنسية قال إنهم اقتحموا الأماكن ببسالة وقاتلوا معنا، واللنبي كان له مدح في قوة القوات العربية وكيف صنعت. وبالنهاية حرفياً الخطوة الأولى في تمزق العالم العربي حالياً هو الثورة العربية الكبرى، والخطوة الأولى في إنشاء إسرائيل بهذا الشكل كان هو هذه الثورة العربية الكبرى. لكن يا أستاذ محمد أنت في حدثين أعتقد لازم برضو نعرج عليهم، لأنه قفزنا عنهم، كان في عندنا برضو شيء اسمه وعد بلفور، وكان في عندنا كمان التحرك السعودي في شبه الجزيرة، والبعض يسأل لماذا فشل مشروع الشريف حسين ونجح مشروع السعود، وهناك وعد أصلاً قطع لليهود.
ونحن نعرف لما طلع آرثر من الغرفة كان حيزمان قاعداً، وقال له إن المولودة ذكر فانبسط؛ يعني قال له أوباً، خلاص صارت لنا فلسطين الأرض الموعودة. فما علاقة الشريف حسين باحتلال فلسطين وإقامة الدولة المزعومة؟
هو هذا يا مولانا؛ لأنه أولاً على أي شيء اعتمد بلفور وهو بيتكلم عن فلسطين؟ اعتمد على أن بريطانيا ستحتل هذه المنطقة، المنطقة دي كانت منطقة عثمانية طوال هذه الفترة، وكل ما حصل قبل ذلك ليس إلا محاولة لشرعنة الوجود اليهودي في هذا المكان وتكثيره فقط. لدرجة أن هيربرت صمويل اللي هو يعتبر أول حاكم مدني بريطاني، هو نفسه لما سنة 1915 ذهب إلى فلسطين رأى أنه لا يمكن أن تقوم دولة يهودية الآن، ولذلك كان تقريره يوصي بأن تخضع هذه المنطقة لانتداب بريطاني؛ تيجي بريطانيا تمثل الحاضنة التي تستقبل وتمهد للدولة الإسرائيلية. طيب من وكيف ذهبت أصلاً بريطانيا إلى هذا المكان؟ اعتماداً على نتائج الثورة العربية الكبرى.
هي احنا قلنا قبل كده قبل انطلاق هذه الثورة العربية الكبرى البريطانيين ما كانوا قادرين يغادروا خط سيناء اللي هو خط الدفاع عن القناة، بعد كده خلاص الدنيا انفتحت بل بقى معاهم جيشين: جيش داخل في الساحل اللي هو بتاعهم، وجيش داخل في المناطق الخلفية اللي هو الجيش العربي. فقصدي وعد بلفور مبني على أننا سنسيطر على هذا المكان أو سنحتل هذا المكان.
موضوع السعود؛ بريطانيا كان عندها مكاتب مركزية بتدير الأنحاء، مكتب القاهرة ومكتب الهند. فبتاع الهند ده مش بيشرف على الهند بس، بيشرف على الهند وأحوازها، وبتاع القاهرة ده بيشرف برضه على القاهرة وأحوازها. فأين نقطة الاحتكاك بينهما؟ هو في منتصف الجزيرة العربية؛ يعني شرق الجزيرة العربية ده وما صار بعد ذلك دول الخليج، ده كان تبع المكتب الهندي، وله طبعاً ممثل موجود في البحرين. لكن الحجاز وما يتعلق به كان مين اللي بيشرف عليه؟ مكتب القاهرة، فلذلك المراسلات بتاعة السعوديين مع البريطانيين كانت مع مكتب الهند، ومراسلات الشريف حسين وبتوع الحجاز كان مع القاهرة.
دي حقائق لا يسع أحداً أن ينكرها؛ الإنكار فين يا جماعة؟ هل هؤلاء كانوا عملاء وينفذون خطة، ولا تلاقت مصالحهم وعرفوا يتفاهموا مع القوى الدولية؟ لكن ما حدش يقدر ينكر مراسلات حسين مكماهون، ولا العلاقات التي كانت بين عبد العزيز والبريطانيين. فالآن هناك فارق هائل بين الطرفين؛ بين عبد العزيز آل سعود وبين الشريف حسين. عبد العزيز يريد شرعنة ملكه الذي في الجزيرة العربية، بينما الشريف حسين مطلبه في السماء، يطالب بخلافة عربية على الجزيرة والعراق والشام.
فالبريطاني اللي قاعد فوق، وبالمناسبة عادي جداً أنك تلاقي مثلاً في زمننا ده دولتين والاثنين تابعتين لأمريكا ويتخانقوا مع بعض؛ فالقوة الكبرى بتسيب المساحة دي. بالتالي كان مطلب عبد العزيز آل سعود أخف كثيراً على قلب الإنجليز من مطلب الشريف حسين؛ ده واحد عايز ملك في شبه الجزيرة العربية، والتاني عايز خلافة عربية. فبالتالي وقتما تضعضعت العلاقة مع الشريف حسين، رضوا بأن عبد العزيز آل سعود يجتاح منطقة الحجاز ويضمها إلى حكمه.
لماذا نلوم الشريف حسين وهو شايف أن الخلافة بتنتهي والدولة العثمانية بتنهار؟ يعني هو يحق للبريطان يجوا يقسمونا ويشرشحونا ويبهدلونا، ولا يحق لي أنا الشريف حسين أن أدافع عن الخلافة؟ الكلام ده كان ينفع يبقى مقبول لو الشريف حسين عنده قوة ذاتية تمكنه من أي شيء، لكن هو ما كانش عنده القوة الذاتية اللي تخليه حتى يقتحم المدينة، أو يسيطر على ميناء جدة، أو يسيطر على أي مكان إلا بالدعم البريطاني. لو كان هو البديل الذي يجدد دولة آل عثمان المنهارة ويعيد الخلافة للعرب، كان ممكن السؤال يطرح، لكن الشريف حسين كان أضعف بكثير على مستوى المال والتسليح من أن يدخل معركة عالمية بهذا الشكل وينجز فيها شيئاً. هو حارب بالأموال البريطانية وبالدعم البريطاني، وحين جفته بريطانيا، لم يستطع بنفسه أن يحصل على شيء أبداً.
هم يعترفون بأنهم كانوا انتهازيين وكانوا براجماتيين، وغدروا به غدراً هائلاً. لا يمنع هذا من أنهم رأوه شخصاً ضعيفاً منذ البداية، ولم يكونوا مهتمين لولا أن وجدوا أنه يمكن استغلال هذه الحالة العربية. وفي الآخر صنعوا له دولة في الصحراء أعطوها لولده عبد الله، وجاؤوا بفيصل وأعطوه حكم العراق، وكانت البلدان تحت الهيمنة الإنجليزية إلى نهاية العهد الإنجليزي.
دعوة القومية العربية دي كانت دعوة كاذبة من بدايتها، لأنه حتى أعظم طلب طلبه الشريف حسين كان دولة عربية تضم الشام والحجاز والعراق، أما العرب بتوع مصر وليبيا فلم يفكر في المطالبة بها؛ لأنهم فعلاً كانوا تحت الاحتلال. هي حقيقة لم تكن دعوة صادقة، بل كانت محاولة لوراثة ما بقي من الدولة الإسلامية العثمانية. وإذا بتسألني عن درس، أذكر قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: 118-119]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
لا تثق بعدوك أو بوعود عدوك في حالتك الضعيفة. الشريف حسين في لحظة زمنية ما أعلن نفسه خليفة، لكن ما حدش عبره. التاريخ مليء بالعبر والدروس، وأسأل الله تعالى أن نكون قد قدمنا في هذه الحلقة النفع والفائدة. أمامكم المصادر والكتب والوثائق والمراسلات، وبقيت هذه الأخبار محطة إشاعات بين كل الأطراف إلى أن وقعت بين أيدينا، فعرفنا نحن إيش الصح وإيش الغلط وإيش اللي صار.
محمد إلهامي