نقدر نقول عندنا خبر حلو وخبر وحش في مسألة المصادر. الخبر الحلو هو أن عندنا غزارة شديدة في المصادر، وهذه الغزارة لم تتوقف بل هي في تزايد مستمر. على قول أحدهم: السوشيال ميديا ستكون الملف الجنائي لكل واحد منا.
ده مصدر جديد بقى ما كانش موجود؛ يعني أنت عمرك ما هتلاقي كلام عن هارون الرشيد ولا كلام عن سليمان القانوني بهذا التفصيل، وهذا الشيء هو اللي خلانا نحكي عبارة أنهم هم اللي كتبوا لنا تاريخنا. نعم، في جزء من ذلك؛ لأنه أيضاً نحن لم نكتب تاريخنا بشكل مستقل.
طيب، هذا الخبر الحلو، أما الخبر الوحش فهو تيه التوجهات، انهمار في المعلومات وما عندكش العين التي كانت تتمتع برؤية إسلامية أصيلة علشان تقول ده صح وده غلط. نحن كيف كباحثين بدنا نتأكد من هذا الكتاب؟ أنه اللي كاتبه رجل تابع للدولة، وعليه أنا ما أقرأوش؛ يعني أبعد عنه. التاريخ هو مجموعة من المعلومات، وهذه المجموعة من المعلومات لا يمكن تفهم إلا إذا نظمت في سياق، فبالتالي عمل المؤرخين طول عمرهم هو أنهم يرتبوا هذه المعلومات في سياق. ده الخبر الوحش والخبر الحلو.
أنت عايز تعرف أسماء الكتب؟ استنى، ما هو في سؤالين ثلاثة، أنت بدك تروح للكتب على طول. الاستعمار استعمر الأرض، استعمر الاقتصاد، استعمر الإمكانات، هل استعمر العقل؟ نعم، نعم طبعاً. ولما يجيك شاب يقول لك: أنا مستعد، يا أخي ما هو دوري؟ هذا سؤال واحد كسول شوية، كل إنسان أدرى بنفسه ماذا يفعل لانتشال وإنقاذ هذه الأمة أو مساعدة غيره ممن يرى أنه يمكن أن يساهم في إنقاذ هذه الأمة.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة، نجيب عن كل ما تعرض له تاريخنا الإسلامي الكبير العريض، أو أهم ما تعرض له هذا التاريخ الكبير الذي دائماً وأبداً نحن نعتز فيه؛ شو ما كان، لأنه تاريخنا. وعليه نحن في هذه السلسلة نحاول مش بس نجاوب عن هذه التساؤلات، نحاول أن نعرف من أين بدأنا، وكيف وصلنا إلى هنا، وكيف سنعبر كما عبروا. لمن انضم إلينا حديثاً، نحن لا نزال في المحور التاسع؛ محور حقبة الاستعمار الأجنبي، محور ثقيل، محور كبير، فيه تساؤلات كبيرة أيضاً كثيرة جداً، واليوم وصلنا إلى آخر سؤال في هذا المحور. أين وصلنا تحديداً؟ وصلنا إلى الحلقة التاسعة.
لا يستقيم لا من بعيد ولا من قريب أبداً نهائياً أن تبدأ هذه الحلقة إلا بالترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذنا الفاضل.
حياك الله يا أبو الحارث، بارك الله فيك.
أستاذ محمد، محور حقبة الاستعمار الأجنبي، وصلنا للسؤال التسعين، جاهز للسؤال التسعين؟
الله المستعان.
الحقيقة أن هذا سؤال المصادر، كما تعودنا دائماً، السؤال الأخير في كل محور هو سؤال المصادر؛ لأنه الناس يسألوننا بعد هذه الصولات والجولات في التاريخ: يعني إيش بدنا نقرأ؟ إيش بدنا نحكي؟ إيش كل هالكلام؟ لكن أستاذ محمد، أنت تعرف أن سؤال المصادر لهذا المحور، سبحان الله والمحور القادم، مختلف عن المحاور السابقة.
نعم صحيح.
زمان كنا بنحكي: يعني إيش المصادر يا أستاذ محمد؟ فتح لنا إلى كتب، لكن نحن اليوم بنحكي عن مرحلة وثقت، مش وثقت؛ تصورت وتسجلت، وصار فيها مراسلات وصحف ومجلات وكتب ومخطوطات ومصادر كثيرة جداً جداً، ووثائق وتقارير وكل هالكلام. لكن الكثير من هذه المصادر كتبها ووثقها المستعمر.
نعم.
ففي سؤالي بالأخير الحقيقة هو سؤال المصادر: ما هي المصادر التي تحيلنا إليها حتى ندرس هذا التاريخ ونفهمه أكثر؟ أكيد هذا هو السؤال الرئيسي، لكن كنت أريد أن أسألك حقيقة قبل أن تقول لنا ماذا نقرأ وإلى أين نذهب: كيف نقرأ مصادر المستعمر ومصادرنا لهذا المحور تحديداً؟ يعني كيف نوازن بينهما؟ عموماً أستاذ محمد هذا هو سؤال المصادر، الميكروفون معك، أعانكم الله، وأنا أعرف أن المصادر لهذه الحلقة أو لهذا المحور المسألة ليست سهلة، حتى سردها أو الانتقاء منها مسألة ليست سهلة، تفضل.
حياكم الله يا أبا الحارث، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. حقيقة سؤالك في بطنه الإجابة، نحن نقدر نقول كذا، عارف أنت كان عندنا نكتة زمان عند المصريين يقول لك: حسنين ومحمدين كانوا عايزين يطلعوا الدور المئة في عمارة من العمارات ولقوا الأسانسير بايظ.
آه.
تمام.
أيوه.
فطلعوا لغاية الدور تسعة وتسعين، كويس. فبيقول حسنين لمحمدين: عندي لك خبر حلو وخبر وحش. أيوه. قال له: خلينا في الخبر الحلو. قال له: احنا في الدور تسعة وتسعين، باقي دورنا. قال له: الخبر الوحش؟ قال له: احنا غلطانين في العمارة. الله. فالحل النط من الدور تسعة وتسعين وننتحر.
فجرياً على هذه النكتة، احنا نقدر نقول عندنا خبر حلو وخبر وحش في مسألة المصادر. فيما قبل ذلك لما كنا نتكلم عن السيرة، عن الخلافة الراشدة، الدولة الأموية، الدولة العباسية، فترة الدول المستقلة، كان يبقى سؤال المصادر نقول: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة؛ لأن هذه الفترات فترات اشتغل عليها كثير من العلماء والمحققين، ويعني مُحِّصت ونُضجت. وطبعاً ترك السابق للحق وجاء اللاحق فاستفاد من السابق، لكن القصد أنه صار لدينا ما يشبه عملية العسل المصفى، فإنت يبقى عندك قدر من المصادر بتشعر أنها احتوت أفضل وأنضج وأمتن ما كتب في هذا الأمر، فتحيل إليها الناس على قدر من الاطمئنان.
أما نيجي بقى عند فترة المصادر دي، اللي هو حقبة الاستعمار، فهتلاقي زي ما قلت لك عندنا الخبر الحلو والخبر الوحش. الخبر الحلو نبدأ به الأول، هو أننا عندنا غزارة شديدة في المصادر. هذه الغزارة في المصادر جاءت من أكثر من سبيل؛ أو أدى إليها أكثر من شيء: أولاً أنه نشأ ما يسمى الدولة، في هذه الفترة نشأ ما يسمى بالدولة، نحن قلنا الدولة الحديثة أو النمط الذي صنعه الغرب ثم عممه على عالمنا الإسلامي، نمط الدولة اللي هي عندها دفاتر وإحصائيات ووثائق لكل شيء، وعندها أرشيف، وعندها احتفاظ بمصادر، وعندها مراسلات رايحة جاية، وعندها جهاز إداري عمال يسجل.
فنشأت هذه الدولة بحد ذاته أنشأ عدداً هائلاً من الوثائق، والعدد الهائل من الوثائق مع تراكمه أنشأ أرشيفاً كبيراً، هذا ليس موجوداً في الفترات السابقة؛ ليس شيئاً على هذا القدر من الغزارة، مش بس علشان الفترات السابقة بعيدة ووثائقها ضاعت، لا؛ علشان طبيعة الدولة نفسها ما كانتش زمان زي ما هي دلوقتي. الدولة دلوقتي توثق كل شيء، فبالتالي صار لدينا عدد هائل من الأوراق التي تحكي تفاصيل تاريخ ذلك الوقت، ده من حيث وجود الدولة أصلاً.
وبالمناسبة، هذه ليست ظاهرة على العربي والإسلامي بس، دي حتى ظاهرة أوروبية، الجماعة بتوع التاريخ بيقفوا عند منتصف القرن الثامن عشر، وبيبقوا شايفين أن ده قفزة في مسار التاريخ؛ لأنه لما نشأت الدول الأوروبية وأرادت بعد كدة كل دولة أن تصنع لنفسها تاريخاً، فاستخرجت أرشيفاتها لكي تصنع لنفسها تاريخاً. فبالتالي احنا عندنا نشأة الدولة في حد ذاته، ثم أضف عليها الدولة عايزة تكتب لنفسها تاريخاً، فبالتالي توفر كثير من المؤرخين والموظفين، ويصيد يقول الإعلاميين، وقول الرهبان، وقول الصحفيين، وقول أي حد؛ علشان يكتب التاريخ بتاع هذه الدولة، وهذا شيء يحدث بطبيعته عند كل لحظة انقسام، والدولة لما تحب تكتب تاريخها بيبدأ ندور في التفاصيل الصغيرة، فبالتالي الدول نشأت بقى عندنا مصادر كتير.
الدولة أرادت أن تكتب تاريخها، فبقوة الدولة رغباً أو رهباً، جاءت بكثير من الناس لكي يكتبوا هذا التاريخ؛ يعني الدولة مثلاً بقى عندها وسائل إعلام، بقى عندها مدارس، وبقى عندها جامعات، وبقى عندها مراكز بحثية، كل دول هيعملوا إيه؟ كل دول وهم بيحفروا في تاريخ الدولة بيكتبوا تاريخ الدولة؛ فبقى عندنا قدر كبير من الموظفين والناس اللي ترتبط حياتهم بالترقي العلمي.
زمان مثلاً، ما حدش بيكتب في التاريخ إلا اللي بيحب التاريخ أو اللي عايز يدرس تاريخ، لكن دلوقتي أنت ارتبط مسارك الوظيفي كمتعلم في الجامعة أو كطالب في المدرسة أو كإعلامي في الصحافة الحكومية، فيما بعد هيبقى عندنا إذاعة وتلفزيون؛ ارتبط تطورك الوظيفي وحاجتك الوظيفية حتى لو أنت ما بتحبش التاريخ أن أنت تروح تعمل إيه؟ تكتب أو تضيف تلقي بسهم في هذا التاريخ. وطبعاً الدولة بتعمل بعدين مسابقات لكتاب التاريخ، وهكذا؛ فبالتالي نشأة الدولة في حد ذاتها على هذا المنطق أدى إلى كثرة المصادر، كثرة عندنا وثائق وأرشيفات، وعندنا مسابقات، وعندنا جامعات، وعندنا مدارس، وعندنا صحافة، وكل هذا يكتب تاريخ الدولة ويبحث في تفاصيلها ويسجلها.
فبالتالي أنت بتلاقي نفسك النهاردة، احنا في 2026، قادر ترجع لصحيفة صدرت 1870، و1880، و1890، وتأخذ منها تاريخ ذلك الوقت. طيب، هذا مسار عامل من العوامل، وهذه الغزارة لم تتوقف، بل عمالة تزيد ويتكدس الموضوع، طبعاً حتى وصلنا في عصرنا الحالي ده، لأن دلوقتي كل واحد قادر يكتب تاريخه؛ يعني اللي بيكتب دلوقتي على فيسبوك وتيك توك وأي سوشيال ميديا، أنا متصور مثلاً أن بعد سنوات، ربما تقل أو تزيد، الفيسبوك يتيح أرشيفه للناس؛ الفيسبوك ده لما ظهر ظهر 2006 عندنا على الأقل، فهذه فترة كتب فيها الناس يومياتهم، وبالذات أيام الثورات وما شابه؛ فإذا أتاح الفيسبوك أرشيفه، هتلاقي كل واحد كان عنده اللي يكتبه. فطبعاً الغزارة دي غزارة مستمرة، على قول أحدهم: السوشيال ميديا هتكون الملف الجنائي لكل واحد منا لاحقاً.
طيب ما علينا، ما هي طبعاً وسيلة؛ كم حُذفت ملفات وحسابات وحُجبت منشورات، لكن ظني أنهم محتفظون بهذا الأرشيف. طيب على كل حال، فده عامل من العوامل التي أدت إلى غزارة المصادر.
عامل ثانٍ من العوامل التي أدت إلى غزارة المصادر أننا كنا بلاداً مستعمرة؛ يعني إيش بلاد مستعمرة؟ يعني الغرب بعث لنا كثيراً من المستشرقين، الجواسيس، الرحالة، حتى الزائرين والسائحين، لأن بلادنا بقيت فرص عمل وفرص تنمية وفرص تجارة، فكثير من هؤلاء المستشرقين والرحالة، وطبعاً القناصل الأجانب، هؤلاء قدموا تقاريرهم لدولهم؛ اللي جاي مبعوث علشان يكتب تقرير، أو القنصل الأجنبي اللي موجود في هذه البلاد بيبعث دائماً تقاريره لدولته، أو الرحالة المستكشف المغامر السائح، ده واحد عايز يقدم مادة ممتعة لبني قومه، فبيكتب رحلته.
احنا طبعاً حيث إن بلادنا كانت بلاداً محتلة ومستعمرة، فكانت مأوى ومثوى ومزاراً لكثير جداً من المستشرقين والرحالة والسائحين، وحتى الذين جاءوها للاستشفاء؛ مرضى وجايين يستشفوا فكتبوا يومياتهم وكتبوا رحلاتهم وكتبوا أيامهم التي قضوها، فضلاً عن تقارير الجواسيس، فضلاً عن العمل الاستشراقي اللي هو كان جزءاً أحياناً من الدولة وأحياناً جزءاً خارج الدولة. طيب، هذا أيضاً أدى إلى مصدر هائل جداً جداً من أن تدرك طبيعة التاريخ الذي كان موجوداً في ذلك الوقت؛ أننا عندنا تراث هائل ضخم من الرحالة الذين زارونا وكتبوه.
وغير ذلك أيضاً داخل عنصر أننا بقينا دولة مستعمرة، أن حتى وزارة الخارجية في الدولة التي استعمرتنا، وحتى المسؤول الرئيسي، الملك، كتب مذكراته؛ فاحنا أصلاً بقينا جزءاً من التاريخ الغربي، فبقينا بنعرف جزءاً من تاريخنا كما كتبه فلان في مذكراته؛ فلان ده يبقى وزير خارجية، يبقى رئيس حكومة، يبقى ملك، فهذا أيضاً لما كتب تاريخه هو أو كُتب له تاريخه هو، لقينا أنفسنا موجودين في تاريخه هو. ده مصدر جديد بقى ما كانش موجود؛ يعني أنت عمرك ما هتلاقي كلام عن هارون الرشيد ولا كلام عن سليمان القانوني بالغزارة والقوة عند ملوك ذلك الوقت عندهم هم في ذلك الزمن، وهذا الشيء هو اللي خلانا نحكي عبارة أنهم هم اللي كتبوا لنا تاريخنا.
نعم، في جزء من ذلك، لأنه أيضاً نحن لم نكتب تاريخنا بشكل مستقل؛ دولنا منذ ذلك الوقت، الاستعمار حتى هذه اللحظة التي نحن فيها، لا تزال تحت الهيمنة الغربية وتحت الاحتلال، حتى رغم أنه حصلت استقلالات شكلية، لكن ما زلنا لم نخرج من أسر الهيمنة الغربية. فبالتالي، وكثير من هذه الدول اللي هي الدول الوطنية المعاصرة تتحسس من فتح أرشيفاتها؛ لأن أرشيفاتها مليئة بالفضائح، فلذلك كثير من تاريخنا محجوب عنا نحن، ونقرأه نحن في مذكرات صناع القرار وفي الأرشيف البريطاني والأرشيف الفرنسي والأرشيف الهولندي والإسباني والألماني وهكذا.
طيب، فاحنا كدة قلنا حاجتين أدوا إلى غزارة المصادر: نشأة فكرة الدولة بما تلاها، ونشأة أننا كنا جزءاً من العالم الغربي، فكان عندنا مستشرقون ورحالة وقناصل أجانب وكثير. مظهر ثالث برضو أن هذه الفترة تميزت بكثرة من كتبوا مذكراتهم الشخصية؛ يعني لا تكاد تجد حدثاً رئيسياً إلا وشخصياته كتبت مذكراتها الشخصية هذه.
الغزارة لم تكن معهودة أيضاً في العصور الماضية، أن كل واحد يكتب جزءاً من تاريخه. لا، لم يكن موجوداً ذلك قبل ذلك، الآن عندك عدد هائل من المذكرات. حاجة رابعة هي عملية الصحافة والإعلام؛ الإعلام ده اللي هو بدأ صحافة وهيبقى بعد كده إذاعة وتلفزيون وغيره، يعني الإعلام برضه باعتبار أنه صار ذراعاً من أذرع السلطة، وأحياناً السلطة أتاحته لعدد من الناس. فهذا الإعلام أوجد حركة صحفية، فبالتالي صار لدينا تاريخ ذلك الوقت موجوداً في الصحف والمجلات التي صدرت، ولم يكن مثل ذلك شائعاً ولا ذائعاً فيما قبله من العصور.
فبالتالي نحن لدينا في كل فترة الحقبة الاستعمارية حقيقة عدد هائل ومصادر غزيرة جداً. المصادر الغزيرة دي بقى كل اللي احنا قلناه ده أدى إلى برضه بروز عدد من الباحثين والمؤرخين، الذين ممكن يبقى الواحد موجود هنا عايش دلوقتي في أيامنا ذلك، بس تخصص في أرشيف القرن العشرين، فيطلع دراسات هائلة وقوية. فكل ده مهد لظهور أيضاً طبقة من المؤرخين المهتمين بالأعمال الأرشيفية، سواء كانوا بيجمعوا أرشيفات أو سواء بيطلعوا عليها ويحللونها. فهذه غزارة المصادر ده الخبر الحلو، طيب هذا الخبر الحلو اللي هو إيه غزارة المصادر، نيجي بقى للخبر الوحش.
الخبر الوحش هو تقدر تقول تيه التوجهات، أيوه، تيه بقى اللي هو إيه؟ أنت عندك أخبار كتير كتير كتير كتير، فأنت أولاً عندك انهمار في المعلومات، وما عندكش العين الفاحصة التي كانت تتمتع برؤية إسلامية أصيلة علشان تقول صح وده غلط. تمام، يعني تقدر تقول على قدر من التجوز والتفصيل أنه الجبرتي كان آخر مؤرخ على النمط الإسلامي القديم، اللي هو واحد شارب الإسلام؛ فعارف إيه الصح وإيه الغلط، فلما بيقول ده صح أو بيقول ده غلط، الميزان اللي قاعد في دماغه ده وبيفلتر هو الميزان المصنوع والمصبوغ والمغموس في الفكر الإسلامي.
بعد ذلك بقى ستنشأ التوجهات الكثيرة التي الصح والغلط بتاعها مش مبني على الميزان الإسلامي. زي إيه مثلاً؟ نقول لك قصة واحد عندنا واحد مثلاً في مصر اسمه أبو التعليم المصري ده، اسمه علي باشا مبارك. علي باشا مبارك ده ابن أسرة متوسطة، هذه الأسرة سحقتها سياسة محمد علي، قصته هو في نفسه قصة مأساوية من هروب وضرائب وشتات، قصة مأساوية. لكن علي باشا مبارك لما دخل في سلك الدولة صار موظفاً حكومياً كما تحب الدولة، صار عبداً لدولة محمد علي. طيب علي باشا مبارك ده على مستوى العلم والمعرفة أحد أساطين الناس، له كتاب ضخم اسمه البهجة التوفيقية عن خطط مصر.
لكن هذه رواية الدولة، يعني مثلاً حصلت ثورة في مكان من الأماكن، الثورة دي أنت حين تقرأ تفاصيلها وتاريخها بتلاقي في ظلم شديد، في عنف شديد، في اضطهاد شديد؛ الثورة دي كانت طبيعية. كيف يصفها مؤرخ الدولة؟ يصفها باعتبار اللي عملها ده متمرد وخرج عن النظام وخرج عن الدولة ولقي عقابه. تمام، هذه الثورة نفسها لو وجدت في زمن الجبرتي عمره ما كان هيكتبها بهذا الشكل. تمام؟ فهنا نشأ أيضاً عقل الدولة، نشأ الفكر الدولتي.
أيوه، الفكر الدولتي اللي هو إيه؟ اللي هو الميزان بقى، عايز أقول لك المؤرخ اللي كان في دماغه فكر إسلامي تبدل وبقى فيه مؤرخ في دماغه فكر الدولة، اللي هو الدولة واجبة السمع والطاعة مهما فجرت ومهما كفرت ومهما فحشت ومهما استبدت بالناس. هو أنا طبعاً بقول الكلام بشكل فج أهو، لكن هو ده خلاصة العقل، اللي هو في الآخر لو ما عندكش طرق اعتراض تسمع وتطيع وتسلم أمرك لله، ولو عندك طرق اعتراض، فهو الطرق بتاعة الاعتراض اللي الدولة حطتها لك هي التي تمشي فيها. حصل عندك أي انفعال آخر، أي بتاع آخر، حتى لو كنت تثور لعرضك ولا لدمك ولا لدينك ولا، مش كل ده اسمه خروج عن النظام وخروج، واسمك الشقي التعيس الذي أدى إلى ولا تذكر الدولة بسوء.
بل يعتبر أي شيء فعلته الدولة هو نوع من الحفاظ على النظام أو حتى نوع من تفضل الدولة على الناس. يعني مثلاً عندك محمد علي اجتاح السودان، هو عايز يجيب عبيد، عايز يجيب ذهب وعايز يجيب عبيد، وأفحش في السودان قتلاً واضطهاداً. تيجي تقرأ عند مؤرخي المدرسة القومية المصرية، لا يمكن تجد إدانة لمحمد علي على ما فعله في السودان مستحيل، ولو وجدت إدانة تبقى منزاوية كده سطر سطرين كده خفيفة. لأن الراجل اللي قاعد يكتب التاريخ بيكتبه من وجهة نظر الدولة، طيب بيبقى شايف إيه اللي عمله محمد علي؟ شايفه فتح وتوسع وتمدد وقوة وازدهار وبتاع. تمام، وتغيب رواية مين؟ رواية الناس الذين اضطهدوا وذبحوا دول. فبالتالي مع كل هذه المصادر اللي أنا بحكي لك عنها، إلا أن كل مصدر تقدر تقول فيه إيه كده شوية سموم جاية من دماغه؛ المصادر الدولتية فيها هذه الفكرة الدولتية.
المصادر التي كتبها المستشرقون والرحالة والقناصل الأجانب أكثر إنصافاً واعتدالاً من مصادر الدولة، لأن هو بيقدم تقرير حقيقي لسادته ولأنه عايز يعرف الحقيقة، هو مش بيخدمنا إحنا، هو بيكتبها لأنه عايز يعرف الحقيقة وعايز يقدم لدولته الحقيقة كما كانت. ولكن برضه بيقرأها بالرؤية الغربية، دي حاجة ما يعرفش ينفلت منها، يعني الرؤية الغربية، الرؤية الاستعمارية أو حتى لو مش استعمارية، يعني حتى لو رحالة ومش تبع الدولة، حتى لو مستشرق ومش تبع الدولة، في الآخر تركيبته الفكرية، نظرته للأمور، هو مش بيقرأ المجتمع الإسلامي هذا بميزان إسلامي.
فلذلك وقت ما بتقرأ كلام كتبه، وطبعاً ممكن يكذب دي يعني ما فيش إنسان، يعني إيه قصدي، هو مش مبرأ برضه. القناصل صحيح أكثر دقة، القناصل الأجانب أكثر دقة وإن كانت تدخل أغراضهم السياسية أحياناً، لكن الرحالة ده واحد عايز يكتب كتاب أدبي يمتع القارئ الغربي فبيكدب أحياناً ويبالغ أحياناً. والغربيين عندهم هوس عجيب، هذا يعني من المدمن على قراءة كتب المستشرقين يفهمه، عندهم هوس عجيب جداً بمسألة النساء والشذوذ، دي حتة موجودة عند الغربيين، يعني محتاجة بقى دراسة أعمق عشان تعرف ليه كل ما يتعلق بالنساء أو ما يتعلق بعمل قوم لوط يحبوا يتكلموا فيه ويحبوا يفسروه ويحبوا يضخموه ويحبوا يزودوا ويحبشوه ويحطوا بهارات.
يعني القصة دي من زمان ولا زمان بالقرن اللي بنحكي عنه؟ لا لا من زمان، يعني قصدي فترة الاستعمار دي كلها في المستشرقين الغربيين خصوصاً، يعني طبعاً أوائلهم، طبعاً كل ما إحنا جينا في الزمن وتعددت المصادر وتقربت وسائل الإعلام، بقى أكثر تحفظاً. لكن قبل كده لما بيبقى حاسس إنه ما حدش زار المكان ده واتكلم عنه غيره، هو بيبقى واخد راحته شوية في التحبيش والبهارات. تمام، بس اللي يهمني أقوله دلوقتي أنه الكتب أو المصادر التي كتبها غربيون في الآخر هي مسكونة بنظرة غربية.
طيب إحنا حتى عندنا في عالمنا الإسلامي، زي ما ظهر عندنا رؤية دولتية ظهر عندنا برضه رؤية تغريبية، ناس معجبة بالغرب، فهؤلاء حين كتبوا فكتبوا، وهذه الفكرة المسمومة موجودة ومتسربة في كتاباتهم. وبعدين لقيت برضه تجد أنه المؤرخ بتاع المقاومة، خليني أقول أنا هضرب لك المثال المهم أو المثال الفج قوي؛ في مؤرخ وطني قومي بيكره الإنجليز وبيكره الاحتلال وبيحب الشعب، الراجل ده أحد عيوب روايته أنه بيطلع المقاوم شخصية مصقولة ملائكية، ندر أن يذكر عيوبه. الكلام ده ما كانش موجود عندنا في تاريخنا الإسلامي، أنت تلاقي تاريخنا الإسلامي عادي من أول الطبري وأنت جاي، الراجل يروي الرواية كما وردت له ولا يتدخل فيها بشيء، وأحياناً مثلاً ممكن يقول لك ضعيفة، أحياناً يقول لك هذا لا يصدق، لكن حين يرويها يرويها، وحين يذكر العيوب والمساوئ يذكر العيوب والمساوئ جنب المحاسن وما يحسش بتناقض.
لكن المؤرخ القومي أو الوطني اللي حاسس نفسه وهو بيكتب تاريخ البلد، فهو في مهمة وطنية قومية، فأول ما يكتب عن رموز البلد يروح كاتب عنهم بهذا المعنى، اللي هو معنى إيه؟ أن ده كان بطل ومصري ومجاهد وباسل، ويخبي مشاكله، يخبي أخطاءه؛ ممكن يكون بيعملها بشكل عاطفي لكن ده بيحصل. لكن حتى أنا شوف أنا بذكر لك حتى اللي عايز يقوم بمهمة هي في نظره خيرة جداً وهو مش تابع لأي حد، المعنى الذي سيطر عليه ساقه إلى كتابة التاريخ، تاريخ فيه قدر من العاطفية، ده لم يكن يظهر في تاريخنا الإسلامي على هذا النحو، لم يكن يظهر على هذا النحو.
طيب طبعاً فكرة الوطنية برضه، لما المؤرخ يكتب بفكرة وطنية، بفكرة القومية، بفكرة حتى الإعجاب بالغرب أحياناً، كل ده يؤثر على كتابة التاريخ، لأن أنت عمال تحكي وقائع وترويها بشكل القارئ بيشرب منه انحيازاتك. يعني هتلاقي مثلاً حاجة لا تخطر مثلاً في ذهن أحمد عرابي زي الاستقلال عن الدولة العثمانية، كل اللي كتبوا عن أحمد عرابي تقريباً من المدرسة القومية المصرية جعلوه مناضلاً مصرياً عشان مصر تستقل، زي مثلاً سلسلة الرافعي مثلاً، ما مثلاً يعني الرافعي ده اعتبره إمام المدرسة القومية المصرية في التاريخ. تمام، بيكتب بهذه الروح، وعلى فكرة أنا مش برضه مش بقول كده علشان الناس تزهد في سلسلة الرافعي، دي كتب لا يمكن الاستغناء عنها والرجل جمع معلومات لا تجدها في مصادر أخرى، ده أنا بحكي لك على إيه، أنت عندك غزارة في المعلومات بس الخبر الوحش أن أنت عندك تيه في التوجهات.
فعندك أفكار غربية، عندك أفكار قومية، عندك أفكار وطنية، عندك أفكار علمانية، كل هؤلاء حين كتبوا التاريخ كتبوه على هذا النحو في الفترة دي، فبالتالي بقدر ما جاءتنا هذه الفترة بكثير من المصادر، جاءتنا بكثير من التيه. والعلمانيين ما لهمش يعني؟ ما هو بص العلمانيين دول بقى متفرعين، يعني هو التوجه الوطني إيه ما هو في حقيقته علماني، لأنه توجه وطني عايز مصر للمصريين، فمش واخد باله من الأمور المهيمنة في ذلك الوقت من الانتماء العثماني والانتماء الإسلامي، نفس الكلام بالنسبة للقوميين برضه ما عندهمش التصور ده حين يكتبوه بأثر رجعي. فلذلك لم يعد سهلاً يا أبا الحارث أن أنت تيجي وتقول أهم مصادر هذه الفترة هي واحد اتنين تلاتة على نحو ما كنا نفعل في الحلقات السابقة، لا دلوقتي بقيت هتقول مصادر كتير بس لازم.
طيب سؤال برضه ممكن يرد في ذهن البعض، طب ليه الإسلاميين ما كتبوش أو أصحاب وجهة النظر الإسلامية ليه ما كتبوش تاريخاً من وجهة نظر إسلامية لهذه الفترة؟ على رأس لساني عارف بدّي أسألك إياه كويس. طب تمام، يعني وينهم فعلاً يعني؟ صحيح السبب في ذلك أنه الدولة التي قامت، سواء دولة الاستعمار أو ما بعدها، لا ترحب بالإسلاميين ولا بهذه الأفكار، وحيث إنها لا ترحب بالإسلاميين ولا بهذه الأفكار، فلا بد أن يقل الإسلاميون وتقل روايتهم، لأنه أولاً يستطيع أن يصدرها، ما فيش وسائل إعلام وما فيش منافذ ثقافة وما فيش مدارس هتنزل هذه الرواية، ما فيش جامعات هتنزل هذه الرواية.
أقول لك قصة توضح المثال، اتعملت مسابقة في عشرينات القرن العشرين عن عايزين كتاب يجمع تاريخ آداب اللغة العربية. فجورجي زيدان كتب تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي كتب تاريخ آداب اللغة العربية، وفي واحد ثالث برضه كتب، الآن عندك تلات كتب في نفس الموضوع، قولي كده أي هذه الكتب سينتشر ويشتهر؟ لا ريب أن الذي سينتشر ويشتهر هو الأقرب إلى مزاج الدولة. طب إحنا دلوقتي في ذلك الوقت كنا في عصر الاحتلال البريطاني، مصطفى صادق الرافعي إسلامي قح أصيل، جورجي زيدان راجل مصري ومفكر لكن نصراني شامي، صحفي صاحب جريدة الهلال، قريب طبعاً من الحالة الإنجليزية.
جورجي زيدان وخليني أقول يا سيدي، أولاً توقع من الذي سيكسب المسابقة؟ هيبقى جورج زيدان. طيب خلينا نقول المسابقة دي ما اتعملتش والكتابين ظهروا في نفس الوقت، إيه اللي يحصل؟ جورج زيدان ده واحد رئيس دار الهلال، يعني أول ما هيكتب الكتاب سواء الكتاب فاز ولا ما فازش، هو يعرف ينزله كأجزاء مجانية مع مجلة الهلال ومع جريدة الهلال، مصطفى صادق الرافعي ما عندوش هذه الخاصية، ما عندوش هذه الإمكانية. تمام، طيب وبالتالي جورج زيدان اللي بيقدر يوزع كتابه مجاناً مع مصطفى صادق الرافعي اللي ما بيقدرش، جورج زيدان المعروف في أوساط الدولة اللي أي حد لما يجي يدرس في الجامعة ياخد يدرس كتاب جورج زيدان أحسن له ولا ياخد كتاب الإرهابي المتطرف مصطفى صادق الرافعي، ياخد كتاب جورج زيدان، فهيبقى موجود في الجامعات.
طيب الصحافة لما تحب تنشر أو الإعلام أو الإذاعة أو ما شابه، فبالتالي فطبيعي أن تروج الرواية الموافقة لهوى الدولة القائمة وأفكارها الاحتلال وما بعد الاحتلال. فهذا الزمن الذي كان فيه الإسلاميون يعني بطبيعة الحال هم الجانب المغلوب، لم يستطيعوا لا أن يكونوا رؤساء جامعة، ما كانوش عمداء كليات، ما كانوش رؤساء مراكز بحثية تابعة للدولة، ما كانوش أصحاب جرائد وصحف، ما تولوا رئاسة قنوات؛ كل هذا كان يزيد من رواج الرواية الأخرى، سواء رواية وطنية، رواية قومية، رواية أقرب.
تظل الرواية الشيوعية واليسارية هي الأقرب، وهذا الأمر ما زال مستمراً حتى هذه اللحظة؛ فالإسلاميون في عمومهم لم تعتدل أوضاعهم، ولم يتبوؤوا مكان القيادة أو التوجيه، فبالتالي ظلت روايتهم ضعيفة. وضعف الرواية يعني أيضاً قلة أعدادهم؛ فأنت عندما تعرف أن هناك طريقاً مظلماً لا تدخله. وعندما تعلم أنك تقدم رواية تضرب رواية الدولة الرسمية، أولاً رسالتك لن تُقبل، أو حتى لو قُبلت لن تروج، وستظل موجودة على الأرفف، ولن تقدر على ترويجها إعلامياً، لا في صحافة ولا في مجلات ولا في إذاعة أو في تلفزيون.
فظلت الرواية الإسلامية أو القراءة الإسلامية للتاريخ ضعيفة، وهذا أدى أيضاً إلى ضعف عدد المؤرخين الإسلاميين، وضعفت أدواتهم؛ فلم يعودوا قادرين على الوصول للأرشيف لأنهم ليسوا أشخاصاً نافذين، وهي أمور تقوم لها مؤسسات كبرى. فلذلك ما يزال التاريخ الإسلامي لهذه الفترة ضعيفاً، والذين قاموا به قاموا بجهود فردية، بعضهم لا شك أبدع وأخرج كلاماً قوياً ومتميزاً، لكن يظل دون أن يكون مصدر، أو دون أن يكون حالة ثقافية عامة أو حالة مؤثرة في رواية المصادر. فبتلاقي شذرات هنا وهنا، وأسماء لمعت، وكتباً لمعت.
أما عن حال التوهان، فأنت سألت عن الحل؛ وهي مهمة صعبة. كباحث أو مهتم بالتاريخ، عندما أحكي لك عن حالة التوهان، وربما نصل إلى أن "التغريدة" تصبح مصدراً، فالسوشيال ميديا صارت مصدراً أيضاً، وصحيح أن هذه مهمة المؤرخين القادمين. القصد أننا إذا كنا نشكك في القديم وعليه جدل ومشاكل، فما بالك في السيولة التي صائرة الآن؟ سؤالي هو: كيف كباحثين نتأكد من هذا الكتاب؟ هل هو تابع للدولة وعليه يجب أن أبتعد عنه؟ وإذا لم أقرأ من هذا المصدر، فإلى أي مصدر أذهب؟ خصوصاً أن من كنا نثق فيهم، أي الإسلاميين الذين يكتبون وفقاً لقاعدة ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، صاروا غير موجودين، وصارت أدواتهم ضعيفة، وكتب الآخر، وبالذات المستعمر، صارت أكثر غزارة.
أريد التأكيد على بعض التنبيهات: عندما نقول إن عموم المدرسة التاريخية الإسلامية كانت تنظر للأمور من وجهة نظر إسلامية، فهذا ليس انحيازاً. التاريخ هو مجموعة من المعلومات، وهذه المجموعة لا يمكن فهمها إلا إذا نُظمت في سياق، وإلا ستبقى تقرأ التاريخ كما تقرأ دليل الهاتف؛ أسماء لا معنى لها. فعمل المؤرخين طول عمرهم هو ترتيب هذه المعلومات في سياق؛ سياق إسلامي، أو يساري، أو ليبرالي، أو قومي. هذه التوجهات في حد ذاتها ليست عيباً، بل هي طريقة من طرق قراءة التاريخ. العيب عندما يأتي المؤرخ ليخفي معلومات، أو يتعسف ويتكلف في تأويل المعلومات بما يوافق مذهبه؛ هذا هو العيب.
ولذلك، حتى الأكاديمية الغربية ليس لديها مشاكل في أن تكتب في الفصل الأول ما هو توجهك الذي يسيطر على البحث. قل ذلك بوضوح، وقل إن البحث تطبيق له. فالإنسان لا يتحرر من نفسه، وليس عيباً أن يكون عنده منظومة تفسيرية. الذين لا يفهمون ذلك هم من يقولون إن هذه "قراءة أيديولوجية للتاريخ". القراءة التفسيرية ليست عيباً؛ العيب أن يمارس المؤرخ "عيباً أدواتياً" في تخبئة المعلومات، أو في تأويلها والتعسف في ذلك، أو في تزويرها. وهذا شغل متخصصين لا يعرفه القارئ العادي، إلا عندما تقعد وتقارن وتراجع وراء المؤرخ.
كما أن ليس كل مؤرخينا في تراثنا كانوا ملائكة؛ هم بشر كانت عندهم انحيازات، وبعض من كان قريباً من السلطان كتب على هوى السلطان، لكن عموم الإنتاج الإسلامي أقرب إلى الموضوعية بكثير جداً بشهادة مؤرخين غير مسلمين. التيه الذي أشير إليه الآن هو تيه عام، ولا يعني أن المؤرخين في فترة الاستعمار تعمدوا الكذب، لكن نشأت أفكار وسادت وهيمنت، وتربى عليها ناس في مدارس وجامعات جعلتهم ينظرون للتاريخ بهذا الشكل غير الإسلامي.
ما أريد قوله هو أنك لن تجد الكتب التي تطمئن إليها كما كنت تجد في الفترات السابقة؛ فأنت ما زلت في تاريخ حي وفعال، والحالة السياسية الحالية مهيمنة عليه. يجب حين تقرأ أي كتاب أن تبذل جهداً في التعرف على أفكار وتوجهات وزمان مؤلفه؛ لكي يستقيم لك الكتاب، فاعرف أنه بمثابة المفتاح. إذا عرفت أن الكاتب يميل إلى اليساريين، افهم ذلك؛ لا يعني أن ما يقوله وحش أو خطأ، لكن المعلومات التي يجلبها يقرؤها بهذا النمط.
على سبيل المثال، واحدة من أهم المؤرخين المصريين، الدكتورة لطيفة سالم، متخصصة في الوثائق، وكتبها ذات قيمة هائلة، لكن الدماغ هنا هي "دماغ دولة". مثلاً كتابها "الحكم المصري للشام"، استفدت منه غاية الاستفادة لأنها تنقل من وثائق، لكن مشكلتها أنها تقرأ الحوادث الشديدة السوء باعتبارها شيئاً جيداً؛ هي لا تكذب في المصدر ولا تزور، لكن هكذا تقرأ. لدرجة أن نصارى في ذلك الوقت كتبوا أن فترة حكم محمد علي للشام كانت عشر سنوات سوداء، وأن وجودهم كمسلمين ضاع، بينما هي قرأتها على أنها دليل على سماحة حكم محمد علي! هل يقدر أحد أن يقول "لا تقرأ للدكتورة لطيفة سالم"؟ سيخسر كثيراً. فلذلك، حين تقرأ ينبغي أن تعرف كيف كانت "دماغ" من كتب.
بالنسبة للمصادر، بالنسبة للدولة وما أنشأت من وثائق، فمن أهم الكتب التي يمكن الرجوع إليها كتابان للمؤرخ اللبناني المسيحي أسد رستم؛ اهتم بوثائق دولة محمد علي، وبالذات في الشام، فله كتابان: "المحفوظات الملكية المصرية" و"الأصول العربية لتاريخ سوريا في فترة الحكم المصري". هذان الكتابان مجرد وصف للوثائق. الملك فؤاد -أحد أحفاد محمد علي- كان مثقفاً ونظم الأرشيف المصري وفتحه لبعض المؤرخين وأطلق مسابقة لكتابة تاريخ مصر، فنتج عن ذلك عدد مهم من المصادر، يجمعها أنها "دولتية" ومكتوبة على هوى الملك فؤاد والدولة المصرية، وهي مفيدة ومهمة، لكن يجب أن نفهم في أي سياق كتبت.
أسد رستم بالمناسبة له كتاب اسمه "مصطلح التاريخ"؛ هو مسيحي لبناني ولكنه أُعجب جداً بعلم الحديث عند المسلمين، وقال إن المنهج العلمي الذي عمله المحدثون منهج لا يدانيه أي منهج غربي معاصر، فكتب كتابه مشابهة لعلم مصطلح الحديث ليعمل منهجاً تاريخياً أصيلاً. أيضاً من الكتب التي اعتمدت على الوثائق، كتب الدكتورة لطيفة سالم، مثل "عرابي ورفاقه في جنة آدم"، وهي مهتمة بالوثائق.
كذلك من الكتب التي اعتمدت على الوثائق كتاب "حوليات مصر السياسية" لأحمد شفيق باشا، كان رئيس الديوان الخديوي، وله كتاب حوالي عشر مجلدات، وهو لا غنى عنه لمن أراد أن يرى كيف كانت أحوال مصر. وأيضاً أمين سامي باشا وله كتاب "تقويم النيل"؛ من أراد أن ينظر كيف كانت الأوامر والتوجيهات والقرارات فسيجد هذه المصادر تقرب له ما هو موجود في الأرشيف. وأيضاً مما لا يُنسى نجدة صفوه، كان دبلوماسياً عراقياً وسفيراً.
وكان يحب التاريخ، وكان موجوداً فترة طويلة في لندن، فلذلك له كتابان ممتازان. الكتاب الأول اسمه «الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية»، وهو في خمس مجلدات. هذا الكتاب أخرج تاريخ الجزيرة العربية كما وصفه الأرشيف البريطاني؛ رسائل القناصل والسفراء والمبعوثين التي كانت تتبادلها وزارة الخارجية، وهو كتاب في غاية الأهمية. البريطانيون مدرسة استعمارية بغيضة لا شك، لكنهم متقنون في الإدارة؛ فعندما ترجع إليه لتعرف كيف كانوا يدرسون الشخصية، وكيف كان يصف زعيم القبيلة وصفاً دقيقاً في غياب التصوير، فيذكر ما يحب وما يكره وما هو المدخل الأنسب له، وكيف يتم التوفيق بين الزعماء إذا تخاصموا، أو كيف يتم نصرة أحدهم على الآخر، تجد أن هذا الكتاب خطير في فهم كيف كان يعمل البريطانيون.
أما كتابه الآخر فهو أقل من ذلك، وأعتبره منتقيات، واسمه «من نافذة السفارة»، وصدر أيضاً عن دار الساقي لنجدة صفوت. الفكرة منه أنه برقيات وقعت تحت يده، فهي تندرج في موضوعات مختلفة. الكتاب الأول محصور في الجزيرة العربية وأكثر حصراً، لكن الثاني أقرب إلى المقتطفات ولا ينحصر في الجزيرة العربية.
في الفترة الأخيرة ظهر كتاب الدكتور خالد فهمي «كل رجال الباشا». الدكتور خالد فهمي مؤرخ معاصر، وهو علماني، وأنا حين أقول علماني هو يصرح بذلك عن نفسه ولا أقصد الإساءة إليه. كتب الدكتور خالد فهمي كتبت بالإنجليزية أصلاً لأنها كانت رسائل في جامعات غربية، ثم ترجمت للعربية، مثل كتاب «كل رجال الباشا» الذي ترجمه شريف يونس في مصر. يقصد بالباشا محمد علي، وكيف كون الجيش المصري، لكنه يقدم رواية المغلوب؛ رواية الجندي المصري لا رواية الدولة، ولذلك هو ضد رواية الرافعي مثلاً. من يقرأ كتاب الرافعي عن محمد علي أو كتاب إلياس الأيوبي عن تاريخ محمد علي، يجد أن كتاب خالد فهمي هو الرواية المقابلة؛ رواية من وجهة نظر المغلوب أو مدرسة التابع أو تاريخ المهمشين أو التاريخ من أسفل. هو كتاب جميل جداً في إدراك الصورة الأخرى للتجنيد كما جرى في مصر، وإدراك أن محمد علي لم يكن صاحب مشروع مصري أو وطني، بل كان صاحب مشروع ملك شخصي له ضمن الدولة العثمانية، فلم يكن لديه أي نزعة قومية.
وأخرج الدكتور خالد فهمي أيضاً كتاب «السعي للعدالة»، يحاول فيه بيان كيف انتقلت مصر ومؤسساتها، بالذات في جانب الطب والتشريح والقانون، من الوضع الإسلامي إلى الوضع الحداثي المؤسسي. وقبل شهر صدر له كتاب «ولي النعم». لكن من قراءتي للكتب الثلاثة أستطيع القول إن «كل رجال الباشا» هو الكتاب الأهم. «السعي للعدالة» عليه ملاحظات شديدة؛ فالدكتور خالد فهمي يقترب من أسلوب المستشرق، فعندما يتكلم عن الحسبة مثلاً تفوته الأمور الفقهية وفهم العبارات الواردة في كتب الفقهاء، فيخلط بين الحسبة كعمل وبين كونها تطوعاً أو مؤسسة. أما كتابه «ولي النعم» فليس بذاك. فالكتب التي اعتمدت على الوثائق، مما يحضرني الآن، هذه هي أهمها.
بالنسبة للمصادر المعتمدة على الوثائق، الدولة هي التي تشتغل عليها، لكن قراءتها هذا عمل المؤرخ. فمثلاً كتب أسد رستم مجرد وصف، لكن كتب خالد فهمي فيها فكر وتحليل. أما عن القناصل والمستشرقين والرحالة، فهذا عدد هائل جداً. مما يحضرني الآن القنصل الروسي في حيفا واسمه قسطنطين بازيلي، كتب كتابه «فلسطين في أواخر الحكم العثماني»، وهو كتاب متميز وفيه تفاصيل لا تكاد تجدها في غيره. ومثال آخر القنصل المصري في عهد الخديوي واسمه ألبرت فارمان، له كتاب ترجم للعربية بعنوان «مصر وكيف غدر بها». وكذلك كتاب هنري مورغنثاو، وكان السفير الأمريكي في الأستانة، وكتابه فيه تفاصيل عن مذابح الأرمن. وفي مسألة الأرمن تخصص الدكتور أحمد عبد الوهاب الشرقاوي، وله كلام في مذابح الأرمن للأتراك واستخرج وثائق من الأرشيف العثماني، وله كتاب عن رواية هنري مورغنثاو لهذه الأحداث.
كذلك كتاب «بناء الدولة» مهم للغاية، وهو مجموعة من تقارير القناصل الأجانب لدولهم عن فترة محمد علي، جمعها وترجمها مؤرخون مصريون مثل محمد فؤاد شكري وآخرون. هذا الكتاب حين تقرؤه، تجد أن من ترجموه ونشروه يرون أنهم أسدوا جميلاً لمحمد علي لأنه بنى دولة بقوة وسرعة لم تستطع دولة أوروبية فعلها، وهذا مضمون الوثائق فعلاً. لكن من يقرأ الوثائق نفسها يجد أن محمد علي كان من القسوة والظلم والاستبداد بالرأي بحيث كسر رقبة البلد لكي تسير على هواه. وهذا يثبت أن المشكلة أحياناً ليست في المعلومة، بل في النظام الفكري الذي يقرؤها.
ومما يهم أيضاً كتاب «أعمدة الحكمة السبعة»، وهي مذكرات لورنس العرب، وقد تعرضنا لها في حلقتنا عن الثورة العربية الكبرى. وشبيهه كتاب رونالد ستورز، وهو رجل كان سكرتير المكتب الشرقي البريطاني في القاهرة، وكان يتولى العلاقة المباشرة مع الشريف حسين وابنه عبد الله بن الحسين. وكتابه اسمه «توجهات شرقية غربية» وقد ترجم في المركز القومي للترجمة في مصر.
من أهم الرحالة الأجانب في هذه الفترة ريتشارد بيرتون، وهو عمود من أعمدة الفترة الاستعمارية، كان يجيد 25 لغة و40 لهجة ويحب التنكر، وكان خارقاً للعادات. رحلاته طبعت في 40 مجلداً، منها ثلاث مجلدات عن رحلته إلى الحج، حيث تنكر وحج إلى البيت الحرام. كان جاسوساً محترفاً صاحب ذاكرة فوتوغرافية، وتفاصيله التي يحكيها تفاصيل دقيقة جداً. له عقلية استعمارية، فمثلاً حين يزور مصر في الخمسينيات من القرن التاسع عشر، يقترح مشاريع مثل قناة السويس ويبين فائدتها لبريطانيا.
وفيما يخص الرحالة والمستشرقين، هناك من تنكروا وذهبوا للحج ليصفوا بلادنا في أدق خصوصياتها، مثل الرحالة الإيطالي فارتيما، والهولندي سنوك هورخونيه الذي أراد معرفة سر التزام المسلمين بالرحلة الطويلة من أندونيسيا إلى مكة وما يتركه ذلك من تأثير. وكذلك السويسري بوركهارت، وله كتاب عن الحج وكتاب عن ملاحظات عن البدو والوهابيين. حين تقرأ رحلة الحج بعيون غربية، ترى الحج بعين أخرى؛ فهم يلتقطون تفاصيل النظام والروحانية التي قد لا نحسها نحن المسلمين. وفي هذا السياق، أنصح بكتاب «الرحلات الحجازية» للدكتور محمد موسى الشريف، وهو في أربع مجلدات جمع فيه أغلب ما رآه من رحلات الناس إلى الحج، وهو كتاب ممتع وشائق.
ومن المصادر المهمة أيضاً كتاب المستشرق البريطاني إدوارد ويليام لين، وله كتاب «المصريون المحدثون: عاداتهم وتقاليدهم»، وكتاب «القاهرة في منتصف القرن التاسع عشر». ولا ننسى موسوعة «وصف مصر» الخاصة بالحملة الفرنسية، فهي مهمة جداً. أما دول الخليج فقد كتب فيها الكثير، وأبرز ما يحضرني كتاب «تاريخ الخليج» لجورج لوريمر في ست مجلدات، وهو مصدر لا أعرف مثله في ذلك الوقت. وقد حدثني أحد مشايخنا الخليجيين أن أباه رأى لوريمر في صغره، وكان إذا نزل إلى بلادهم خلع ثوب الإنجليزي وارتدى ثوب البدوي، وكان يشاركهم في ركوب الإبل والخيل وأعمالهم اليومية.
يعني قال لك لا يمكن أن تفرقه عن البدوي، حتى إنه مثلاً في الصحراء يعرف النبات السام من غير السام، ويمنع الخيل أو الإبل من أن ترعى في هذا المكان. يعني خبرته هائلة في الخليج. ومؤخراً، أو ليس مؤخراً يعني قصدي أقول في سلسلة اسمها سلسلة رواد المشرق، هذه سلسلة كانت تصدرها وزارة الثقافة والسياحة في أبوظبي. هذه السلسلة اهتمت بتجميع الرحلات أو ما كتبه الأجانب عن الجزيرة العربية، سلسلة لا غنى عنها لمحب تاريخ ذلك المكان في ذلك الوقت، سلسلة هائلة وخطيرة جداً. يعني أنا لا أدري هي وصلت، يمكن 70 أو 80 عدداً، فعلاً لا أدري، ممكن تبقى أكثر من كده، لكن حقيقة مصدر في غاية الأهمية.
طيب أستاذ محمد، يعني برضه عاصمة الخلافة التي سقطت، يعني إسطنبول، ما انكتبش عنها شيء؟ والله اتكتب عنها الكثير برضه يا أبا الحارس. ممكن تكون مذكرات هنري مورجانثو مثلاً؟ هو ذكرته قبل قليل، الذي كان سفير أمريكا في الأستانة، وكتب شيئاً عن الأستانة وعن إسطنبول كيف كان الظرف لما دخلت. يعني هو كتب باعتبار مهمته، لكن أهمية كتابه الذي أشرت إليه هو ما ذكره عن الأرمن؛ لأنها كانت رواية، وطبعاً هو كان له دور في تأجيج الأرمن أصلاً، لأنها كانت رواية مفيدة في هذا الملف. ولذلك أنا أشير بالرجوع إلى كتب الدكتور أحمد عبد الوهاب الشرقاوي في هذا الأمر.
على فكرة، الحلو في الذي تحكيه لنا أنه الأسماء التي أنت تحكيها هم جزء من الحدث. نعم طبعاً، هؤلاء جزء من الحدث. وبالمناسبة، السفراء كثيرون الذين كتبوا، ومما أذكره الآن كتاب روبرت أنسلي، هذا كان سفيراً إنجليزياً لفترة في القسطنطينية وكتب عنها، وكتب عن مصر أيضاً بعيد الحملة الفرنسية، كتب كتابه عن مصر مطلع القرن التاسع عشر.
التاريخ السري لاحتلال مصر مثلاً، هذا كتاب كيف بتشوفه؟ بارك الله فيك، أنت تذكرني بأمور مهمة. شوف، التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر، هذا صاحبه له حكاية، نحن نحب الحكايات، ما قصته؟ أقول لك، هذا رجل اسمه ويلفريد سكاون بلانت. هذا الرجل كان موجوداً في مصر في زمن الثورة العرابية، وكان مقرباً من رجال الثورة العرابية، وكان لسانهم في الصحافة الإنجليزية وفي البرلمان الإنجليزي، يعني كان مدافعاً عنهم، وكتابه التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر هو كتاب يدافع فيه عن القضية المصرية ويرى أن إنجلترا أساءت وظلمت وبغت بأنها اعتدت، ولما سُجن أحمد عرابي كان هو الذي جاء له بالمحامين، وظل على علاقة معه حتى وأحمد عرابي في منفاه.
طيب الراجل ده تدور حوله عدد من الشبهات في أنه كان جاسوساً. عارف أنت الجماعة الأمنيين وبتوع المخابرات عندهم تقنية مشهورة جداً اسمها المحقق الطيب والمحقق الشرير؟ أنت بتبقى موجود في أمن الدولة -معاذ الله- ربنا يحفظك ويحفظ كل السامعين والمسلمين. الله يبعدنا عن أمن الدولة.
في محقق يكشر لك عن أنيابه، وهو بقى الشخص البشع الذي سيطلع منك المعلومات مهما فعلت، وفي واحد ثاني يدخل لك المدخل الثاني: ده أنا بحبك وأنا والله معاك، وأنا مقتنع باللي أنت بتقوله، والفرق بينا وبينكم فرق توقيت وكلنا عايزين مصلحة البلد، وأنا عايز مصلحتك، خلينا نطلع ونخلص الموضوع ده بسرعة. لو عارف أنت قول المتنبي: إذا رأيت نيوب الليث بارزة.. فلا تظنن أن الليث يبتسم فكثير من المؤرخين يرى أن ويلفريد سكاون بلانت هذا كان هو الرجل الطيب الذي أرسلته بريطانيا في المشرق العربي. راجل عامل نفسه وطني متعاطف مع الجماعة المشرقيين. كرومر مثلاً، اللورد كرومر، وهذا واحد من الناس أصحاب -ندخل كتابه في مجموعتنا هذه- لورد كرومر له مجلدان بعنوان مصر الحديثة في غاية الأهمية في قراءة تاريخ مصر، وهو نفسه كان المندوب السامي؛ يعني رواية خطيرة، ويشير إلى ويلفريد سكاون بلانت إشارات حانقة ويقول العبارة المهمة دي: وجرت الاستفادة منه في بعض الأحيان. فدي عبارة تؤكد أنه.. يا ترى هو كان عارف ولا ما كانش عارف؟ الخلاصة أن المعلومات التي استطاع أن يجمعها بعلاقاته مع الوطنيين دي كانت معلومات مفيدة للسياسة البريطانية.
الراجل ده هو وامرأته كانوا من الرحالة، وهناك كتاب اسمه قبائل بدو الفرات، ألفتها زوجته آن بلانت عن قبائل بدو الفرات. وهذا بلانت قبل شهر أو شهرين، لا أقل من ذلك، صدرت يومياته في المركز القومي للترجمة في مصر، هذه لأول مرة تكون متاحة باللغة العربية فيما أعرف.
سلسلة رواد المشرق مثلاً التي ذكرتها هي بتاعت أبوظبي، هي فعلاً قدر جيد أستاذ محمد، أكثر من كافٍ في هذا المحور، جزاك الله خيراً.
لو مثلاً نريد أن نذهب إلى... معلش يا أبا الحارس، أحب أشير إلى كتاب لوسيدوف جوردون، هذه طبيبة كاتبة إنجليزية أصيبت بمرض السل وجاءت تستشفي في مصر فعاشت في الأقصر آخر سبع سنوات من عمرها، وهؤلاء السنوات السبع كانوا سنوات الخديوي إسماعيل في مصر في الصعيد، فروت رواية اللي هو رسائل من مصر، روت رواية مهمة، وهي طبعاً كانت شخصية لطيفة جداً وأحبت الصعايدة والصعايدة أحبوها، والمهم المفيد في قراءتها للتاريخ المصري أن تطلع على بشاعة عهد الخديوي إسماعيل ووحشيته. كتاب مهم للغاية ومؤثر أيضاً، وإن كنت أتمنى أن يترجم ترجمة أخرى بعبارة أكثر... هو رسائل من مصر، في أكثر من مؤلف، نعم لا هو في أكثر من كتاب بنفس العنوان، وحتى أحياناً في نفس الفترة. يعني في نفس هذه الفترة في واحد سويسري اسمه جون نينا أيضاً كتب يومياته من مصر بنفس هذا العنوان، رسائل من مصر، وهذا الكتاب الأخير بتاع جون نينا هذا صدر في المركز القومي للترجمة.
طيب لو بدنا نروح للصحف والمجلات، مثلاً إيش في عندنا شيء ممكن نقرأه؟ الصحف والمجلات طبعاً كثيرة، لكن من ألطفها أو من أجملها وأرصنها وأقيمها مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله. مجلة المنار دي كانت عاملة يا أبا الحارس زي قناة الجزيرة في وقتها، مجلة إسلامية عالمية يراسلها الناس من الهند ومن الصين ومن كمبوديا ومن إندونيسيا ومن المغرب، ومحمد رشيد رضا كان شخصية أسطورية في الهمة والنشاط، فكانت المجلة دي شكلها فكري لكن هي حقيقة فكرية وسياسية وأدبية وفقهية وحديثية، سجل حافل لوقتها. يعني لك أن تعرف أنه في واحد جاء أخذ مقالات رشيد رضا السياسية من مجلة المنار طلعها خمس مجلدات.
جريدة الجوائب لا سيما في فترة الأديب اللبناني أحمد فارس الشدياق، وهو أديب لبناني مسيحي ثم أسلم، وأحمد فارس الشدياق أديب بديع العبارة، له كتاب الرحلة إلى ملطا وله كتاب كشف المخبا عن فنون أوروبا، كتابان في غاية اللذة والمتعة. فجريدة الجوائب أيام كان هو رئيس تحريرها، محفل ومنجم لذيذ جداً للباحث عن تاريخ تلك الفترة وهو يستمتع أيضاً. ويمكن أيضاً أن نضيف إليها جريدة الشيخ عبد الله النديم، عبد الله النديم هذا كان خطيب الثورة العرابية، وكان شخصية الجماعة الإعلاميين بيحبوه، شخصية شاعر وزجال وكاتب وأديب وخطيب وبتاع نكت، ومنشو هكذا، رجال في رجل. وكانت لديه قدرة على التخفي، عاش تحت الاحتلال الإنجليزي تسع سنين ما حدش عارف يوصل له، ومتخبئ ويتنكر. المهم عبد الله النديم له جريدة كان يسميها التنكيت والتبكيت، أيضاً من اطلع عليها ليرى كيف كانت أحوال مصر في ذلك الوقت والصراع مع الغرب، وأيضاً نص أدبي رائق لذيذ.
لو أردنا أن نذهب إلى المذكرات الشخصية؟ المذكرات كثيرة طبعاً. ذكرنا قبل قليل أنه يكاد لا يكون حدث مهم إلا وأطرافه كتبوا مذكراته. أقول لك، الحقبة الاستعمارية التي بدأت مثلاً من بعد سقوط الأندلس، مثلاً من أول المذكرات التي يمكن أن نراها فيها مذكرات أفوقاي الأندلسي. أفوقاي الأندلسي ده شخصية لذيذة جداً، هذا رجل ولد بعد سقوط الإسلام من الأندلس، وكان المسلمون في ذلك الوقت في هم وغم وكرب، وكان من وسائل محاكم التفتيش أن تداهم البيوت لكي تعرف الناس دول بيمارسوا الإسلام ولا لا، وأحياناً كانوا يأخذوا الأطفال الصغار ويسألوهم يا حبيبي يا حبيبتي -القساوسة يعني بشكل لطيف كده- عشان يعرف من الطفل الصغير ما هو الدين الحقيقي لأهل البيت.
فلذلك طور الأندلسيون تقنية أنهم صاروا لا يعرفون دينهم الحقيقي لأبنائهم إلا بعد العاشرة أو سن التمييز، ويستطيع أن يناور. فأفوقاي الأندلسي هذا يذكر أنه لم يعرف أنه مسلم إلا بعد الحادية عشرة، وأن أباه كان يجري بعض الاختبارات الأمنية له مع أمه، يعني يأخذه يقول له سر وبعد كده يتفق مع مراته تحاول تستخرج منه الذي قاله له أبوه، فإذا فشل رأى أنه يمكن أن يطمئن إليه فأفضى إليه بأننا مسلمون وأن ديننا هو الإسلام، وأن كل اللي احنا بنعمله ده لطبيعة الوضع اللي احنا فيه. قصة مؤثرة للغاية.
المهم فصاحبنا ده نشأ طبعاً هو لغته الإسبانية لغة أصلية، يعني هو نشأ فرفض أن يبقى في ديار الكفر وأراد الهروب إلى المغرب، وساعةئذ كان الهروب إلى المغرب أيضاً عملاً محفوفاً بالمخاطر. فيروي في كتابه هذا كيف كان يناور الحراسات علشان يهرب إلى المغرب، وأنه بقي متعلقاً في شجرة فترة من الفترات كم يوم إلى أن خف الطلب عنده، المهم إلى أن وصل إلى المغرب. وفي المغرب فوجئ السلطان السعدي بأنه أمامه رجل لسانه عنده اللغتين العربية والقشتالية، وعنده علم وعنده معرفة بمذاهب النصارى، فاتخذه سفيراً وسفر له عند ملك هولندا، وهولندا ساعتها كانت بروتستانتية، فكان يحدث تحالف بين هولندا البروتستانتية والمغرب المسلم ضد إسبانيا الكاثوليكية.
فسفر له في فرنسا وفي هولندا. وبعد ذلك أفوقاي الأندلس أراد الذهاب إلى الحج، فمر على مصر ومصر طبعاً كانت قلعة العلم في ذلك الوقت، اللي هي فترات الحكم المملوكي وأوائل الحكم العثماني، فقصد العلم كان موجوداً في الأزهر الشريف، فتلقى عن شيوخ المالكية الموجودين في مصر، ومنهم إلى الحج. ولما عرض كتابه الذي فيه رحلته إلى الديار الغربية ومناظراته مع القساوسة، فرغب إليه الشيخ علي الأجهوري المالكي -لو لم تخني الذاكرة- أن يفصلهم، يعني خلي المناظرات في كتاب والرحلة الكبيرة في كتاب، فخلى المناظرات في كتاب، ففُقدت الرحلة الكبيرة ووصل إلينا كتاب المناظرات. هو رحلة أفوقاي الأندلسي، رائع، نعم حقق ونشر في المغرب.
على سيرة فقدان المخطوطات والأشياء، ترى هذا تكرر. ده ملف أليم، وأنا برضه مش بتاع مخطوطات، بس لو قعدت مع أي حد مهتم بالمخطوطات، لو تيسر لك مثلاً تستضيف الدكتور عبد العاطي الشرقاوي أو ما شابه، تصيبك الحسرة. لأنه شوف إلى زماننا هذا ما يزال هناك ناس في أيديهم مخطوطات ولا يقدرونها حق قدرها وتضيع للاسف الشديد.
وعلى فكرة، على سيرة السعديين هم كان لهم تواصل برضه مع البريطانيين مع الملكة إليزابيث الأولى، وأعتقد في سفارة جداً مهمة راحت بقيادة عبد الواحد، سفير مغربي مذهل، وهو أول واحد دخل بالسفارة وكانوا لابسين لباس هيك، ففاجأوا البريطانيين، فدخلوا إلى شارع اسمه ستراند، وهناك صلوا أول صلاة كانت في بريطانيا، يقال هكذا، وذبحوا أول مرة على الطريقة الإسلامية أيضاً في بريطانيا أضحية، كان في العيد، هي قصة قرأتها من مصادرها البريطانية.
إيش في عندنا كمان في الذاكرة من ذلك الوقت؟ طبعاً مذكرات خير الدين بربروس، ومذكرات خير الدين بربروس هذه يمكن أن تندرج في التقارير بتاعة الدولة؛ لأنه أصلاً خير الدين بربروس ما كانش ناوي يكتب ولا حاجة، لكن هو لما انضم للأسطول العثماني، أمره السلطان سليمان القانوني أن يكتب له تاريخه وجهاده في البحر، فكتب هذه كتب أيامه وجهاده في البحر وكتبها.
تلميذ علي ريس، وعلي ريس أيضاً له كتاب آخر عن مغامرة بحرية مشوقة في ساحل عمان وساحل الهند. مذكرات خير الدين بربروس مذكرات مهمة، وتشرح جانباً من طبيعة الشمال الأفريقي وما كان فيه من التفرق والتمزق في ذلك الوقت، وإنجازات خير الدين بربروس ومواجهته مع الإسبان ومع البحارة الطليان؛ البنادقة والجناويين وهكذا.
إذا دخلنا على الحملة الفرنسية، ستجد عدداً من المذكرات؛ أولها مذكرات نابليون. وهناك مذكرات لعدد من جنود الحملة الفرنسية، جمعها المؤرخ تيري كراودي في كتابه جيش الشرق، وهناك عدد من مذكرات الجنود المفردة مثل جندي اسمه جون مواريه، وهذه نشرت في مصر أيضاً مترجمة. ومن جهتنا نحن، ستجد رسالة كتبها الشيخ عبد الله الشرقاوي، شيخ الأزهر، ملحقة بكتابه في ذكر الولاة والسلاطين في مصر، كأنه نزهة الفكر أو نحو ذلك، كتب ذلك وذكر شيئاً من الأزهر.
إذا ذهبنا إلى فترة محمد علي، ستجد عدداً هائلاً وكبيراً من أهم المذكرات المكتوبة في ذلك الوقت: مذكرات نوبار باشا. نوبار باشا هذا وزير أرمني أدرك تقريباً كل حكام أسرة محمد علي، وكان نافذاً في وقتهم، وهي كتبت بالفرنسية أصلاً ثم ترجمت ونشرت في دار الشروق في مصر. أحمد عرابي له مذكرات حافلة، صدر أكثر من نسخة، لكن النسخة الأهم هي النسخة التي حققها ونشرها الدكتور عبد المنعم الجميعي في دار الكتب والوثائق في مصر، نسخة في ثلاث مجلدات عنوانها الأساسي سر الأسرار. لكن هي مذكرات، هو طبعاً أضاف إليها فضلاً عن مذكرات عرابي، أضاف إليها محاضر التحقيق مع رجال الثورة العرابية بعد أن أخفقت الثورة، فلذلك هذه النسخة تعتبر أفضلها في القيمة.
وهذا يرجع لأقول لك إن الدولة لما نشأت أصبح عندنا أرشيف، الأرشيف هذا نستفيد منه لغاية دلوقتي؛ أنت لما تقرأ مثلاً هذه الملفات تستغرب أنه كيف محقق مصري هو بهذه الشراسة مع أحمد عرابي ومع بتوع الثورة العرابية! الإنسان لما يبقى دولتي، يعني فيه احتلال إنجليزي وفيه حكم فاسد، ومع ذلك الرجل الدولتي قاعد يحقق معه كأنه مجرم ويضايقه ويضيق عليه في الكلام، شيء شنيع. يجب أن أقول إنه عرابي لما كتب مذكراته اعتمد في تذكر كثير من أحداثها على كتاب مصر للمصريين بتاع سليم النقاش، وسليم النقاش أصلاً صحفي. فسليم النقاش بعمله الصحفي جمعها في كتاب مصر للمصريين في ثلاث مجلدات، فيه وثائق النداء الإنجليزي والخطط الإنجليزية لإدارة مصر، فأحمد عرابي كان يستند في تذكر التفاصيل إلى كتاب سليم النقاش، فأيضاً كتاب سليم النقاش كتاب مهم.
بعد ذلك عندك مثلاً لو رحنا لناحية الثورة العربية الكبرى، ستجد طبعاً كتاب أمين سعيد الثورة العربية الكبرى ثلاث مجلدات، كتاب مهم. الملك فيصل الذي هو ملك العراق له مذكراته منشورة، الملك عبد الله له مذكرات منشورة اسمها مذكراتي، أحمد قدري باشا ذكرناه في حلقة الثورة العربية له مذكرات مهمة منشورة. من المؤسف أن مذكرات أسعد الشقيري الذي هو مفتي الجيش الرابع العثماني لم تنشر، اطلع عليها ابنه أحمد الشقيري وذكرها لكن لم تنشر. جمال باشا السفاح له مذكرات موجودة ومترجمة إلى العربية. شكيب أرسلان طبعاً شخص مهم ومحوري في زمنه، مذكراته منشورة في كتابه بعنوان سيرة ذاتية.
خير الدين التونسي مذكراته ورحلاته؛ كتابه المهم هو أقوم المسالك، هذا كتاب رحلاته إلى أوروبا، كتاب مهم ويحب الناس أن يشبهونه بمقدمة ابن خلدون. وهو كتب مقدمة لرحلاته، فكتابه مهم، لكن كتابه في رحلته في جانب أوروبا يمكنك أن تضعه جنباً إلى جنب مع كتابي أحمد فارس الشدياق الذي هو كشف المخبأ عن فنون أوروبا والرحلة إلى مالطا، وكتاب رفاعة الطهطاوي تخليص الإبريز في تلخيص باريز. هؤلاء رواد الاطلاع على أوروبا في زمن قوتها وضعفنا نحن. هذه الكتب تجد فيها قدراً من الاهتزاز، رفاعة الطهطاوي كان يعبر عن استغرابه بما صار إليه الحال ببيتي الشعر هذين: أيوجد مثل باريس ديار شموس العلم فيها لا تغيب وليل الكفر ليس له صباح أما هذا وحقكم عجيب هذه اللحظة الأولى التي المسلم رأى فيها الغرب الكافر متفوقاً في العلوم على الشرق المسلم، هذه لحظة الاهتزاز. لكن أشدهم استنكاراً وطعناً في أوروبا كان أحمد فارس الشدياق.
فخري باشا صدر قبل سنة كتاب دفاع عن المدينة، حوالي 500 إلى 600 صفحة يحكي فيه يوميات الدفاع عن المدينة. نحن قلنا إن هذه كانت اللحظة الأخيرة التي صمد فيها الجيش العثماني حتى أكلوا الجراد، فهذه اليوميات موجودة صدرت مؤخراً في كتاب دفاع عن المدينة ترجمة الدكتور محمد دراج، وهو من أساتذة التاريخ العثماني في الجزائر، وهو نفسه الذي ترجم قبل ذلك مذكرات خير الدين بربروس.
من أفضل الدراسات التي أراها في ذلك الوقت كتاب سلام ما بعده سلام عن الحرب العالمية الأولى، ويوازيه حقيقة كتاب سقوط العثمانيين الحرب العظمى في الشرق الأوسط، ده بتاع مؤرخ بريطاني اسمه يوجين روجان، وله كتاب آخر اسمه العرب من الفتوحات العثمانية حتى العصر الحاضر. أسلوبه جميل ولذيذ، وإن كان كتابه سقوط العثمانيين عندي أفضل من كتابه العرب، ولا يمنع هذا أن كلا الكتابين مهم. دراسة مثل ودخلت الخيل الأزهر من الأشياء التي كتبها أهلنا الناس الذين عبروا عن الفكرة الإسلامية؛ كتاب ودخلت الخيل الأزهر للأستاذ جلال كشك رحمه الله، وله نفسه أيضاً دراسة مهمة عن فترة الثورة العربية الكبرى اسمه القومية والغزو الفكري، وإن كان رأيي أن القومية والغزو الفكري أدنى كثيراً من ودخلت الخيل الأزهر، وذلك أن الأستاذ جلال كشك لم يقرأ ما نشر بعد ذلك، فكتاب القومية والغزو الفكري نشر في أواخر الستينات فلم يكن كثير من المكتوب عن الدولة العثمانية في أواخرها قد ظهر أو قرأه.
لا نزال لليوم كشعوب بعد كل الذي صار نرى أن هذا المستعمر متفوق؟ كقوة عظمى لا تزال متفوقة مادياً، لكن في تقديري كثير من الألق المعنوي الذي كان موجوداً تدمر. شغل إبستين وقبلها حرب غزة وقبلها ذبح الناس في الشام، وعدم قدوم الغربيين، إما متواطئون وإما ساكتون؛ الألق والإعجاب والانبهار انتهى. وهذا يعزز ثقتنا بأنفسنا، أظن أن عموم الأمة أزمتها الآن ليست أزمة نفسية بقدر ما هي أزمة قدرات وإمكانيات، وبقدر ما أن الجزء غير الواضح في أذهان الأمة هو أننا ما زلنا تحت الاستعمار. وجود أنظمة من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا هذا الذي مخلي المعركة مشوشة، فمخلي ناس تصطف مع هذه الأنظمة ضد التحديات، ولا الأنظمة دي أصلاً جزء من التحديات.
استعمر الأرض والاقتصاد والإمكانات، هل استعمر العقل؟ نعم طبعاً، استعمر العقل، ولا يزال التخلص من رؤية الغرب ونظريات الغرب ما تزال أمامها تحديات. إلى فترة قريبة ممثل مشهور كان يقول مثلاً حروب الردة التي عملها أبو بكر دي مخالفة لحقوق الإنسان، ده كده بتعرف أن الغرب راكب في دماغه؛ هو ليس متصوراً وليس فاهماً ماذا تعني حروب الردة في ذلك الوقت. هو لا يتصور كيف يمكن لشيء مخالف للإسلام أن يجتمع عليه الصحابة، يعني كيف أبو بكر وبقية الصحابة بمن فيهم علي يجتمعون على حرب المرتدين وهو يبقى رافضها؟ طيب أنت تبع من؟ لما تلاقي علماء الفيزياء أو الطب اجتمعوا على رأي، ما ينفعش أنت تجي تقول إن الموضوع ده مخالف لأصول العلم. يا حاج، أنت علماء وأرباب هذا الأمر وأهله وأعرف الناس به اجتمعوا عليه، فكيف يمكن لمن ليس مطلعاً فيه أن يتكلم؟
ما هي الأولوية الآن؟ كلما تشرب الإنسان من القرآن والسنة بحيث كان القرآن والسنة هو المصدر الأساسي لتكوين وعيه وفكره، هذا أول طريق التحرر. الإشكال الكبير أن أفكارنا ليس منبعها صافياً؛ عندك شوية قرآن وسنة، وعندك شوية علمانية وحداثة ودولاتية وشوية قومية ووطنية وعنصرية وقبلية؛ كله داخل على بعضه. فالإنسان كلما صفى نفسه ليشرب القرآن والسنة من مصادرهما الأصلية وما يرضاه الله هو الذي يرضاه، هذا هو طريق تصفية المصادر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ومن والده وولده والناس أجمعين». وقال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». هذا وصف لتصفية المصادر، وهذا أول طريق الاستقلال الفكري.
بعد ذلك بقدر ما أنت ارتبطت بالقرآن والسنة وصار دماغك قرآن وسنة فقط، ستعرف بعد ذلك أن كل حرام يجب مكافحته وبما استطعت؛ «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». واللي بيغير المنكر بقلبه هذا يتحين ويعد الفرصة عشان يقدر يغير بلسانه، واللي بيغير بلسانه يتحين ويعد عشان يغير بيده. وفي تقديري أن من كان له مثل هذه المعرفة بالدين ومثل هذه المعرفة بالواقع، عرف أننا تحت الاحتلال وأن الأنظمة الحاكمة الآن هي جزء من الاحتلال.
خلاصة القول أننا عالم عربي إسلامي لا يزال مستعمراً، وتحت الهيمنة والسيطرة المادية على الأقل، وفي الأفق نحن مستبشرون؛ هذا وعد الله، نحن أمام آيات وأحاديث أن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها.
ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها. ما فيش كلام، هو كل واحد بس يدور على نفسه هيبقى فين؛ لأنه في الآخر ياما في ناس هتدخل النار والإسلام عزيز، وياما في ناس هتدخل الجنة والإسلام ضعيف. كل واحد يدور على نفسه، لكن هو الإسلام كأمة كدين منتصر: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33].
لما يجي لك شاب يقول لك أنا مستعد، يا أخي أنا مستعد، ما هو دوري؟ ألا تعتقد أن هذا سؤال العاجز؟ ما حدا بيحكي لك شو دورك؛ أنت إذا أنت صاحب همة وأنت قائد وهيك وعندك فكرة، هذا سؤال واحد كسول شوية. لما أنا أحيانا ببقى مع الشباب في الجامعات أقول له: أنت دلوقتي لما بتحب واحدة ما حدش بيجي يقول لك: رقم واحد تعرف تجيب رقم أبوها إزاي؟ رقم اثنين تعرف تجهز نفسك إزاي؟ رقم ثلاثة؟ ما حدش بيرسم لك الخطة، الحب الذي عندك تجاه هذه الفتاة يدفعك إلى أن بتلف وتدور لغاية لما بتجيب رقمها وبتجيب عنوانها وبتضبط نفسك وبتستلف وبتشتغل علشان تفوز بها.
فإذا كان حب الدين في قلبك على هذا النحو، هتلاقي نفسك عارف أنت أكتر واحد عارف إيه هي إمكانياتك، إيه هي قدراتك، إيه هي مواهبك؛ اللي عنده فلوس، اللي عنده لسان، اللي عنده علاقات، اللي عنده جاه، اللي عنده طاقة، الموهوب في الشعر، الموهوب في الاقتصاد، الموهوب في العلوم البحتة. كل إنسان أدرى بنفسه ماذا يفعل لانتشال وإنقاذ هذه الأمة أو مساعدة غيره ممن يرى أنه يمكن أن يساهم في إنقاذ هذه الأمة. وبعدين مراكز القيادة اليوم فيها فراغ، فاللي عنده القدرة يروح يعبي الفراغ، أو يفسح الطريق لمن يرى أنه أهل. توكل على الله.
أستاذ محمد جزاك الله خيرا، حلقة أروع أروع أروع من رائعة، الله يرفع قدرك. أنا توقعت تكون سريعة لكن ما شاء الله تبارك الرحمن كانت جميلة جدا، غزيرة جدا، مفيدة جدا، تسلم. انتهى الآن محور الاستعمار، وهيك أنت أستاذ محمد جاوبت عن 90 سؤال، جزاك الله خيرا. بقي في هذه السلسلة عشرة أسئلة هي لمحور السلسلة الأخير هو التاريخ المعاصر بعون الله عز وجل. شكرا جزيلا لكم.
الله يبارك فيك. وأنتم إخواني أينما كنتم ما تنسوا أنكم تشاركوا هذه الحلقة مع أحبابكم وأصحابكم حتى يعم الخير على الجميع. إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة من سلسلة 100 سؤال في التاريخ على منصة تاريخنا، دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء. لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي، ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته، قادته وعلماؤه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب، تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.
محمد إلهامي