سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة التي نحتاج أن نجيب عنها لكي نرد على ما أطلق عليه تاريخنا، ونحن ندرس عالم الشبهات. لكن اليوم مختلف ومتميز لأننا وصلنا إلى المحور الأخير من هذه السلسلة، وبعرف أنك متضايق لأنك تسمع هذه المعلومة أننا وصلنا للمحور الأخير، لكن لكل بداية نهاية، وأسأل الله تعالى أن تكون رحلة شيقة في هذه السلسلة. المحور الأخير هو المحور العاشر التاريخ المعاصر، وصلنا إلى الحلقة الستين، فإذا كنت ممن انضم حديثاً إلى هذه السلسلة على منصة تاريخنا يتوجب عليك أن تذهب لتشاهد تسعاً وخمسين حلقة لأنك ستستمتع وتتفاجأ، وستضيف إلى قاموسك ومعارفك الكثير. وصلنا أيضاً إلى السؤال رقم واحد وتسعين، ولا يستقيم أبداً أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي. أهلاً وسهلاً أستاذنا.
حياك الله يا أبا الحارث، الله يبارك فيك.
سنبدأ رحلة كبيرة مع المحور العاشر التاريخ المعاصر، فبدك تسحب نفساً عميقاً أستاذ محمد؛ أسئلة كبيرة حقيقة لأننا بدأنا نحكي عن شيء عايشين فيه نصحى وننام معه. أستاذ محمد، أريد منك ومن السادة المشاهدين أن تغمضوا أعينكم وتتخيلوا أننا نستيقظ في اليوم الأول من عام 1900؛ لا توجد دول عربية بالمعنى الذي نعرفه، لا توجد حدود مرسومة على الرمال، لا توجد تأشيرات بين دمشق والقاهرة أو بين دمشق وبغداد، ولا توجد كلمة اسمها شرق أوسط. شباب يكفي أحلام، يلا أدخل معي إلى القرن العشرين، القرن الذي يمثل انهيار المسلمين واختفاء القوة الإسلامية، للأسف هذا القرن أنهى إمبراطوريات؛ على فكرة هناك ناس تفكر بس المسلمين الذين تبهدلوا في هذا القرن، كل الإمبراطوريات راحت، الإمبراطوريات دغدغت كلياتها وقوى عالمية شحت. هذا القرن الحقيقي الذي غير الكثير من المعاني؛ تغير معنى السيادة، تغير معنى الأمة، معنى الدين والسياسة تغير، وأيضاً هذا القرن غير مفهوم وشكل الاقتصاد العالمي.
عليه أستاذ محمد مشان ما أطول في طرح الأسئلة، سأطرح عليك الأسئلة بسرعة. كعادتنا في السؤال الأول من كل محور نريد منكم أن ترسموا لنا خريطة مبسطة ومفهومة تحقق فينا هذا القرن المتشعب المليء بالأحداث، نريد أن نسأل: ما هي أهم ملامح هذا القرن؟ ما هي أهم أحداثه؟ كيف تغير شكل العالم فيه؟ وكيف انعكس هذا كله على أمتنا، أمة فقدت الخلافة وتمزقت روابطها الإسلامية وانقسمت إلى دويلات قطرية؟ وعليه وباختصار شديد: هل كان القرن العشرين قرن تحرر الشعوب أم قرن إعادة تشكيل العالم وفقاً للهيمنة الغربية؟ وبلمحة سريعة من ربح ومن خسر؟ سؤال واحد وتسعون أستاذ محمد، الميكروفون معك ونحن على الدعاء لكم.
حياك الله يا أبا الحارث. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. لقد سألت عن عظيم وعن قرن طويل، عندنا في مصر المركز القومي للترجمة كان مطلع كتاب من فترة اسمه القرن العشرون الطويل. فصول هذا الكتاب هي محاولة دراسة كل منطقة ماذا فعل فيها القرن العشرين، بل وجدت كتاباً من عشر مجلدات عن أحداث القرن العشرين، كل مجلد ماسك أحداث عشر سنين، فهو حقيقة قرن حافل وطويل ومليء بالتفاصيل. لما نتكلم في سلسلة التاريخ نحاول تبسيط الأمور لعموم الجماهير، فمحاولة جمع القرن العشرين في نقاط بسيطة هو تحدٍ نسأل الله التوفيق فيه. قدرت أننا نحتاج أن نأخذ خمس أحداث أساسية في ثلاث محاور: خمسة أحداث سياسية، وخمسة اقتصادية، وخمسة فكرية، بحيث نحاول أن ننظر نظرة عامة على هذا القرن ونستوعبه، مع اليقين بأننا لن نستطيع تقديم الصورة التي يحبها المتخصصون، لكن من أراد الاستزاده فالمصادر كثيرة.
لو تكلمنا عن التحقيب السياسي فقط ففي أحداث اقتصادية هامة ستقع منا، ولو حقبناها اقتصادياً فقط فليست هذه عادتنا، وكذلك فكرياً لن ندرك تأثيراتها؛ فخلينا نأخذ خمسة أحداث من كل قسم. المحور السياسي: الحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، ثم تأسيس النظام العالمي والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، ثم الحرب الباردة، ثم سقوط الاتحاد السوفيتي وعصر القطب الواحد وهو عصر الأمريكان. وفي الحرب العالمية الثانية ظهر عندنا السلاح النووي لأول مرة، وسنأتي إلى آثاره إن شاء الله.
التقسيمة الاقتصادية ممكن نقول إن أهم خمسة أحداث كبرى حصلت في القرن العشرين هي: الكساد الكبير سنة 1929، ثم اتفاقية بريتن وودز في 1944 وهي التي جعلت الدولار عملة عالمية، ثم صدمة نيكسون في سنة 1971، ثم ربط البترول بالدولار وظهور مصطلح البترو دولار سنة 1974، ثم اتفاقية الجات التي وصلت إلى منظمة التجارة العالمية، وهو الأمر الذي أتاح الفرصة لازدهار الشركات عابرة القارات. هذا غير تغييراً كبيراً في حالة الشعوب والأمم.
الجزء الفكري؛ أهم خمس ملامح ميزت هذا القرن: أولاً هو قرن بلا قوة إسلامية وبلا خلافة، وهو ما سماه الشيخ أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين. الملمح الثاني: هيمنة العلمانية على كل العالم الشرقي والغربي. الثالث: هيمنة الربا، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يأتي عليكم زمان من لم يتعامل بالربا يصبه دخانه»، ما في أحد سيفلت من الربا، كل واحد فينا معه بطاقة بنكية وأعماله تحول الأموال، والبنوك هي قلاع الربا. الرابع: هو أكثر القرون نموية في التاريخ مع أنه رفع شعارات السلام والأمن والاستقرار العالمي. الخامس: النزعة العلموية أو عبادة العلم، حيث وصل العلم المادي إلى حالة لم يكن مثلها قائماً في أي عصر سابق، فكرة أن العلم يسود ويكون هو المرجح ويؤثر هذا على القيم والأشواق الروحية كان قائماً في القرن العشرين.
بالنسبة للأحداث السياسية، أول حدث بارز هو الحرب العالمية الأولى، ذكرنا أنها كانت كسراً في عهد سلام بالنسبة لأوروبا، وبدأت برصاصة واحدة أطلقها رجل قومي صربي على ولي عهد النمسا. هو مثال من أمثلة أن التاريخ لا يمكن توقعه بشكل رياضي، لأن الاشتباكات وردود الأفعال بشر يخطئون وتقصر رؤاهم. ما كان أحد يتوقع أن هذه الرصاصة تشعل مثل هذه الحرب، ولا حتى الحرب بعدما اشتعلت كان أحد يتوقع أنها تستمر أكثر من شهور. هي اشتعلت في يونيو 1914، وحتى الأرشيف الإنجليزي لم يتوقع إلا أن تأتي رأس السنة ويحتفل الجميع في حالة من السلام، فإذا بها تستمر إلى العام 1918 وتكون أكثر الحروب دموية في التاريخ؛ مات فيها ما بين اثني عشر مليون قتيل. هذه الحرب هي التي دمرت الإمبراطوريات، حتى المنتصرين كفرنسا وإنجلترا ضعفت قبضاتهم، أما المنهزمون كالإمبراطورية النمساوية والعثمانية والروسية فقد تفتتت، والألمان تفتتت وتقسمت وكانت أكثر دولة سحقت وعوقبت.
لو رجعنا قبل الحرب العالمية الأولى، علشان نفهم دوافع الأطراف، هنلاقي أن بريطانيا وفرنسا هيمنتا على العالم. تبص على قارة أفريقيا، تلاقيها مقسومة بين نفوذ بريطاني ونفوذ فرنسي، وتبص على آسيا تلاقيها مقسومة بين نفوذ بريطاني ونفوذ فرنسي. في بقى شذرات؛ حاجات بسيطة حتة واخداها هولندا، حتة واخداها بلجيكا، حتة واخداها سويسرا. إيطاليا مثلاً خدت ليبيا راحت الحبشة، الدول المزنوقة اللي هي مش عارفة تتوسع تقدر تقول إن هم الروس والألمان، دول مش عارفين يتوسعوا.
الروس كان عندهم مساحة يتوسعوا في وسط آسيا اتصال بري كبير، لكن روسيا برضه لو حد بيشوف الخريطة الصماء مش هيبقى واخد باله أن روسيا ثقلها وقلبها في الجانب الأوروبي، وأن الجانب الكبير اللي هو شايفه في الآسيوي ده فراغات وقله سكان وصحراء سيبيريا، اللي هو لما نحب ننفي حد نروح نرميه هناك. لكن روسيا كلاعب وكقوة وكمركز هي أوروبية، ثقلها في أوروبا فمن هذا الجانب هي مزنوقة برضه؛ لأن أنت المستعمرات ووجود الثورة الصناعية ووجود الرأسمالية كل ده بيعمل دايرة متشابكة كنا أشرنا إليها قبل ذلك من الحاجات المستمرة للتوسع في الاحتلال.
ببساطة شديدة الصورة في غاية البساطة، الثورة الصناعية دي عملت مصنع، المصنع ده بينتج، علشان ينتج لازم يبيع، وعلشان يبيع لازم حد يشتري. افرض توقفت وتعطلت هذه السلسلة، هيحصل إيه؟ يعني لو ما فيش حد اشترى ما فيش حاجة هتتباع، لو ما فيش حاجة هتتباع المصنع مش هيطلع، يبقى هيحصل بطالة. فبقى فكرة شره البيع وشره الاستكثار لابد أن يصاحبه شره في إيجاد الأسواق. طب إحنا خلصنا مثلاً، إنجلترا بتصنع، خلصنا المصنع بيفيض عن حاجة إنجلترا في صناعة الملابس، نروح ندور على مستعمرة تشتري مننا الملابس. ولما تبقى إنجلترا دولة قوية ودولة كبيرة بتجبرك على الشراء، مش بتقول لك بس اشتري كده وأنا بايع، لا بتجبرك على الشراء باعتبارها قوة سياسية. هنا بتتدخل السياسة والعسكره لإسناد الحالة الاقتصادية، فبالتالي بتحتاج أن تسيطر على أرض أوسع، ولما تسيطر على أرض أوسع أنت برضه محتاج تبيع فيها ومحتاج تاخد منها مواد خام علشان تصنع أكثر علشان تنتج أكثر علشان تبيع أكثر.
الدول التي تريد أن تنمو الآن وفاتها الوقت، ما كانتش بسرعة الإنجليز والفرنسيين. لما ما تلاقيش حاجة هيحصل إيه؟ لا بد أن تبدأ في الاصطراع والنزاع، وهذه هي البدايات التي كانت مع الألمان. الألمان قوتهم تفوقت، وبقى ظهور قوة عالمية أمر غير مرحب به، لأن ظهور قوة عالمية يساوي المنافسة في الأراضي والمنافسة في الأسواق والمنافسة على الموارد.
فبالتالي الصعود الألماني وما كان قد يسببه من تحالف مع العثمانيين -اللي هي برضه الدولة التي بدأ يرى بعضها أنها في عهد عبد الحميد كان يمكن أن تعيد تجديد نفسها- ومع اكتشاف موارد هائلة جديدة وعنصر جديد هو عنصر النفط. النفط أول ما اكتشف، اكتشف في العراق واكتشف في زمن الدولة العثمانية، والنفط يعني مورد آخر للطاقة؛ يعني يشغل مصانع، يعني يشغل سفن، يعني يشغل سيارات. فها هنا حصل الاصطراع والاشتباك اللي هو فجرته الرصاصة دي بتاعة الراجل الصربي. حصل التحالف بين النمسا وبين ألمانيا وبين الدولة العثمانية، وعلى الجانب الآخر بين روسيا وبين فرنسا وإنجلترا في هذه الحرب العالمية التي تعددت جبهاتها واستمرت وطالت، حتى انضم إليها فيما بعد في أواخرها سنة 1917 أمريكا إلى جانب الحلفاء.
أمريكا انضمامها إلى جانب الحلفاء كان يعني تغيراً كبيراً في ميزان القوة، وكان دخول قوة عالمية جديدة هائلة في ميزان هذه الحرب، ولذلك أستطيع القول إن هذه الحرب العالمية الأولى هي التي جعلت أمريكا هي القوة العظمى في العالم منذ ذلك الوقت. أولاً هي دخلت متأخر 1917 بعد ثلاث سنوات طاحنات، كل القوى الأوروبية دي طحنت نفسها فيها، وفي هذه السنوات الثلاث ازدهرت أمريكا ازدهاراً كبيراً. ليه؟ لأنه صارت هي القوة التي تصنع وتورد، يعني تصدر الأسلحة والمنتجات. بص أوروبا الآن كلها تحت القصف، مصانع تحت القصف، متاجر تحت القصف، كل حاجة تحت القصف، فبالتالي كافة ما احتاجته أوروبا من الأسلحة من الذخائر حتى من السلع والبضائع الطبيعية كان يأتي من أمريكا.
كافة رؤوس الأموال الناس اللي موجودة في أوروبا وتحت الحرب وغير مشتبكة في الحرب هاجرت إلى أمريكا، فبالتالي أمريكا خدت ثلاث سنين تتغذى على الأموال الأوروبية، ويزيد حجم مصانعها ويزيد حجم إنتاجها وتزيد ديونها لحلفائها الغربيين، وبالتالي فالحالة دي كانت حالة ازدهار، ومن هنا كانت هذه البذرة التي ستؤدي إلى أن الدولار يتحول إلى عملة عالمية في هذه اللحظة، لأنه أصلاً قبل كده إيه اللي هيخلينا ناخد عملة بلد قاعدة بعيد كده بينها وبيننا محيطان.
فأمريكا ها هنا لما دخلت الحرب العالمية الأولى، فكان ما يسميه حسنين هيكل بيقول دخلت علشان تاخد المشهد الأخير، اللي هو المشهد قبل إغلاق الستار. فكانت تبدو داخلة في الجانب المنتصر، وكانت تبدو المنتصر الوحيد الذي لم يدفع كثيراً موارد بشرية ولا كثيراً أموال ولا كثيراً أي شيء، دخل خد اللقطة باعتباره المنتصر، وبقية قوى العالم هي قوى ضعيفة ومهزومة. طبعاً أكثر الخاسرين بقى الاتحاد، روسيا انسحبت من الحرب بعد الثورة البلشفية؛ لأنه طبعاً روسيا ثاني أكثر خاسر في الموارد البشرية بعد الدولة العثمانية.
الدولة العثمانية مزقت، وبالمناسبة مش عايز أقول 90% عايز أقول 99% من المصادر عن الحرب العالمية الأولى لا تكاد تذكر الدولة العثمانية ضمن الخسائر، بيعتبروها حرب أوروبية غربية، ولا يكاد يذكر أن في إمبراطورية أخرى فتتت أو قسمت أو ذهب منها ملايين الأرواح أيضاً. الأوروبيين مش مفكرين حتى في القصة دي، هي ملاحظة على جنب، إننا ولا شيء، وبالتالي إحنا مش مبينين وإحنا بالنسبة لهم فعلياً ولا شيء. والله كثير من المصادر تقرأها عن الحرب العالمية الأولى لا تكاد تذكر أن العثمانيين كانوا أكثر الخاسرين، ولا إحنا خلاص ما كانش عندنا شيء أصلاً نخسره، فكان بس باقي أن نزول وانتهى. إحنا عندنا ملايين قتلوا، وغير إن الإمبراطورية نفسها تمزقت وتفتتت.
سؤال مهم وسريع هيك أستاذ محمد، هل أمريكا كانت هيك لأول مرة تظهر على الساحة العالمية؟ نعم، لأول مرة.
أمريكا لها تاريخ وحده، لكن لو إحنا عايزين دلوقتي نقوله في جملتين ثلاثة علشان نشبكه باللي حصل: فأمريكا بالأساس كان فيها أهلها الأصليون، سكانها الأصليون دول عانوا من موجة الهجرة والاحتلال الغربي، الإنجليز والفرنسيون دول اللي سيطروا على البلد، أبادوا السكان الأصليين، وجدوا أمامهم قارة فسيحة في الأرض غزيرة في الموارد ما عندهاش قوة فاحتلوها استعمروها. هؤلاء المستعمرون طبعاً أوروبا، البلاد اللي هي مليئة بالمعارك ومليئة بالأزمات وبتعاني من فائض سكاني كما ذكرناه قبل ذلك، فكثير من أهلها هاجروا إلى أمريكا وبدأوا هناك يؤسسون هذا، ومع الموارد الكثيرة، بدأوا يؤسسون هذا الغنى والازدهار الجديد. بقى عندك علم بتراكم حضاري لآلاف السنين، هذا العلم وجد موارد وأراضي فسيحة ووجد سكاناً يمكن أن يستعبدهم، وأتى لنفسه بسكان آخرين من أفريقيا استعبدهم ومن آسيا استعبدهم؛ لكي خد عندك بقى مزارع البن، مزارع السكر، القطن. فأنت عندك بلد فسيحة وضعيفة.
بعد ذلك حصلت مواجهات دامية على مستويين؛ المستوى الأول المستعمرون الكبار دول بيتخانقوا على هذه البلاد، الإنجليز والفرنسيين. المستوى الثاني الناس اللي شايفين نفسهم أمريكيين ومش عايزين، خلاص نسوا أوروبا ومش عايزين يدخلوا في صراعات أوروبا، بدأوا يعملوا حركات تحرر للتخلص من الاحتلال الإنجليزي الذي كان أقوى حالة في ذلك الوقت، على أساس أن يؤسسوا لأنفسهم -إحنا بعيداً عن هذا العالم اللي مليان صراعات واللي مليان مشاكل- يؤسسوا لأنفسهم دولة مستقلة. الدولة المستقلة دي طبعاً كان عندها كثير مشاكل، خاضت حروباً تحولت إلى قوة اقتصادية، وأفادها في القوة الاقتصادية أنها مش محتاجة تستنزفها عسكرياً إلا في حالات التحرر. فلما تم الاستقلال وحصل بعد الثورة الأمريكية وبعد الحرب الأهلية الأمريكية ده كله، نشأت دولة قوية، لكن دولة قوية مش مستهلكة في حروب خارجية.
هنيجي بقى عند لحظة الدولة القوية اللي بقى عندها أساطيل وبقى عندها بضائع دخلت في سوق التجارة العالمية، يعني هي بدأت تظهر في بلادنا من الـ1800ات، هي مثلاً في الـ1800ات دي دفعت جزية للدولة العثمانية علشان تعرف تدخل البحر المتوسط؛ عشان أسطولها هيدخل يتاجر في البحر المتوسط. وبعدين صارت قوة خلاص، هذه القوة وصلنا لمرحلة الحرب العالمية الأولى. هنا بقى هيحصل عندنا الشيء الجديد اللي بنقوله دلوقتي، أن هي بتظهر كقوة عالمية؛ ليه كقوة عالمية؟ لأنه الإمبراطوريات الكبيرة دخلت في حرب طاحنة واحتاجت إليها اقتصادياً واحتاجت إليها عسكرياً.
فلما حصل هذا وبعدين دخلت هي الحرب العالمية -مع أن موقفه الرسمي كان الحياد، دي حرب أوروبية ما لناش علاقة بيها مش هتأثر علينا- هذا موقفها الرسمي، لكنها من خلال سماسرة ووكلاء ماليين كانت تدعم الحلفاء مالياً. دعم الحلفاء مالياً ده أدى إلى رواج لبضائعها ومصانعها، كثرة فرص العمل، ازدهار وكثرة ديون عليها لأوروبا. ولما دخلت وانتصرت ظهرت هي كأقوى منتصر في الحرب العالمية الأولى، صحيح لم تقضِ ولم تفنِ المنتصرين الآخرين الذين هم بريطانيا وفرنسا، لكن هي بذتهما وصارت نداً لهما، ولها تدخل بعد ذلك. أصلاً الحرب العالمية الأولى انتهت بالمبادئ المعروفة؛ مبادئ ويلسون، وهو حق الشعوب في تقرير المصير. والمانيا بقى هي التي دفعت الثمن الكبير من أراضٍ أخذوها منها ومن جزية مالية ضخمة مكلفة بدفعها، طبعاً هي ما عندهاش أموال علشان تدفع فصارت هذه الأموال ديوناً عليها.
سؤال تاني هل أمريكا كانت واقفة على الحياد ما بدهاش تشارك في الحرب؟ نعم، لكن ما هو سبب قرارها في المشاركة في الحرب؟ هل كان بسبب ما سمعناه أو قرأناه أن اللوبي الصهيوني أو الصهاينة ذهبوا في وفد إلى أمريكا وأقنعوا رئيسها الذي كان يا دوبك فايز في الانتخابات؟ ودخلوا إلى الحرب وهذا كان بسبب أن بريطانيا كانت بتخسر في الحرب فلا بد من دخول طرف يدعم وجودها حتى تنتصر في الحرب، هل كان هذا هو السبب الحقيقي؟ تدخل اليهود في الموضوع وعليه كانت المكافأة وطن قومي لليهود، كأنك يا حبيبنا تقصد الحرب العالمية الثانية، هو طبعاً أنا عارف أن هذا قيل في الأولى وقيل في الثانية، أنا فاهم، بس أنا بعرف عن الأولى أنه قيل في الأولى، لا أستطيع الإجابة لا أعلم.
لكن خليني أقول لك السبب المعلن لدخولها في الحرب العالمية الأولى هو أن الإنجليز اعترضوا رسالة مرسلة إلى ألمانيا، طبعاً ألمانيا كان يهمها أن أمريكا ما تدخلش. الإنجليز اعترضوا رسالة مرسلة من ألمانيا إلى المكسيك بتقول لهم: إذا دخلت أمريكا الحرب، فادخلوا الحرب معنا في حلفنا مقابل ضمانات أن إحنا نساعدكم على استرداد الولايات الجنوبية التي انتزعت منكم؛ ولاية نيو مكسيكو أظن، أريزونا، في ولايات جنوبية أصلاً خدتها أمريكا من المكسيك. عند هذه اللحظة البرقية دي كانت صحيحة ولا كانت خاطئة الناس بتختلف فيها، لكن هذه كانت اللحظة التي أو الذريعة التي تعلق بها ويلسون لكي يغير موقفه من الحياد، وده كان شعاره المعلن اللي فاز فيه في الانتخابات الأمريكية، إلى شعار أنه لا بد أن ندخل.
هل ده حقيقي؟ أنا أميل لقول القائلين أن أمريكا كان يهمها انتصار الحلفاء، بدليل أنها دعمتهم مادياً، يعني كان الأمر سياسياً قبل كونه ضرورة عسكرية أو قبل وجود هذه الذريعة التي هي متعلقة بالرسالة المرسلة من ألمانيا إلى المكسيك. أما مسألة الصهيونية في أمريكا فهو إذا أنت بتسألني على حد علمي دلوقتي، فحقيقة في ذلك الوقت أظني أنهم كانوا أضعف من أن يكونوا السبب في قرار بهذا الكبر أو بهذا الحجم.
الحرب العالمية الأولى دي أحد أهم نتائجها كما قلنا أن أمريكا صارت قوة عالمية، أن الدولار بدأ يصير هو كمان عملة عالمية، بدأ يصير عملة عالمية. هيحصل إيه بقى لما نبقى نيجي للجانب الاقتصادي هنتكلم عن فترة الكساد الكبير، بس ألمانيا الحرب العالمية من أهم آثارها أن الأوروبيين اكتشفوا ما يسمونه لعنة القومية.
اكتشفوا أيضاً أن العلم ليس كل شيء، وأن حياة الأوروبيين ليست سائرَةً دائماً إلى ازدهار واستقرار ورخاء ورفاهية وترف. ومش معنى كده أيضاً أنهم عرفوا يتخلصوا من هذه الأمور، لا؛ كان في مسارح ومراقص وملاهي وخمور، وصارت كل هذه الأمور جزءاً من حياة الأوروبيين. لكنهم اكتشفوا أنه زمان أي اثنين ملوك كانوا بيتحاربوا في حرب طاحنة، كان بيعرف البابا يجي يجمعهم في الفاتيكان ويقول لهم: باسم المسيح، والمسيح يريد، والمسيح غير راضٍ عن هذه الحرب؛ اتصالحوا مع بعض. كانوا يتخانقون على حتة أرض في النص، فيقول لهم: ما رأيكم أن يزوج الملك الفلاني ابنته أو أخته للملك الفلاني؟ فتصبح هذه الأميرة للحتة التي في النص، فتعتبر هنا من ناحية الأبوة، وهنا من ناحية أنها زوجة.
الآن أصبح هناك أوطان وأصبحت هناك قوميات. فيا ترى هذه حاجة حلوة ولا وحشة؟ الآن بعد الحرب الطاحنة والملايين التي راحت في النص، يا ترى كان حلواً ولا وحشاً أن نتحول إلى جمهوريات أو نتحول إلى أوطان قومية والملوك مش عارفين يتصرفوا؟ الأرض الآن ما بقتش ملكاً شخصياً للملك يقدر يدخل عليها مساومات، لا، دي بقت عظمة الشعب وروح الشعب وقداسة الشعب وتراب البلد؛ هذه حاجة حلوة. طب لما نحن ما بقاش عندنا دين، دي حاجة حلوة ولا وحشة؟ أن البابا ما بقاش قادر يوقف الحرب حتى لو أكلت الملايين. سماها بعض المفكرين الغربيين لعنة القومية؛ بعد ما كانت القومية هي الحل وهي التي أنجتنا من عصور الحروب الوسطى، هي الآن صارت لعنة الحرب التي تشتعل ولا نعرف كيف نوقفها.
الحاجة الثانية اكتشفنا الوجه الآخر للعلم. صحيح العلم كان يجعلنا نعرف نعمل مصانع ونعمل سكك حديد ونعمل تقدم وأجهزة، وشر العلم هذا كنا نضرب به المسلمين ونضرب الهنود ونضرب الصينيين ونضرب الروس. الآن هذا العلم أصبح يضربنا نحن؛ أصبح عندنا قنابل ومدافع وأساطيل ومدن سويت بالأرض. هل العلم هذا حاجة حلوة ولا وحشة؟ وهل العلم أصلاً يهدينا فعلاً إلى الخير، ولا العلم ممكن يبقى سلاحاً وأداةً في يد الشر؟ هذا سؤال فلسفي فتح آفاقاً في الحالة الأوروبية لم يكن مفتوحاً من قبل. كان العلم من قبل يأخذ مكان الدين؛ الدين كان هو الخرافة والأسطورة وما وراء الطبيعة، لكن العلم هو الحقائق التي نكتشفها بالحسابات، والتي تجعل الشيء ينتج أضعافاً، وبدل ما نغسل على أيدينا عملنا غسالة، وبدل ما نسافر ركبنا القطار؛ فكان لها آثار هائلة حتى على المستوى النفسي.
من أهم آثارها على المستوى النفسي -ونحن نتكلم في محور السياسة- أننا مش عايزين حروب ثاني. لو اندلعت حرب ثاني، الله أعلم متى أو كيف تقف. فالحالة العامة كانت حالة طلب السلام بعد الحرب العالمية الأولى. حصل بالمزامنة لهذا الوقت الكساد الكبير، وأوروبا وأمريكا أصبحوا في حالة فظيعة جداً من الفقر والجوع والحرمان، والأمور متوقفة، والاقتصاد متراجع. فمن الذي تلقف هذه الأوضاع والأحوال وأعاد توظيفها في صالح نزعة قومية جديدة؟ هتلر.
ألمانيا كانت أكثر بلد اتبهدلت في الحرب، وأكثر ناس اتقسمت ونزعت منها أراضٍ في معاهدة فرساي؛ هم طبعاً جابوه في قصر فرساي، وحطوه في عربة قطار لها ذكرى معينة في الحرب العالمية الأولى، نوع من الإذلال، ويجبرونهم على الاعتراف بأنهم المسؤولون عن الحرب، وأنهم الذين يتحملون خطايا الحرب. ورايحين على مؤتمر الصلح في باريس يقول لهم: هذا المؤتمر للمنتصرين، أنتم ما لكمش لازمة هنا. هتلر عمل التوليفة بين كل هذه الأحوال؛ الجرح والإذلال، والكرامة القومية. نحن الألمان، اليهود خدعونا، نحن تعرضنا للغدر في الحرب العالمية الأولى. وإذا بهتلر من سنة 29 يُنتخب فيقود حملة عاصفة، يجعل من ألمانيا مكنة كبيرة لتعيد تصنيع نفسها.
بعض مذكرات المصريين والعرب الذين درسوا في ألمانيا في ذلك الوقت، مثلاً مذكرات الدكتور محمد البهي -كان وزير شؤون الأزهر في مصر- درس في ألمانيا، ويتكلم عن هذه الفترة بإعجاب شديد، أنه استطاع تحويل ألمانيا إلى مكنة كبيرة، كل الناس فيها شغالة؛ رجال ونساء وأطفال. وخذ عندك شعارات ودعاية. هذا الأمر المحموم الذي يحصل في ألمانيا كان يقابله على طرف أوروبا الآخر: يا جماعة مش عايزين حروب. أي حد يقول له: هتلر بيعمل، أنت شكلك عايز تعمل حرب ثاني، أنت دموي، أنت تحب الحروب. هذه الحالة من السلام وعدم الرغبة في الحروب هي التي مهدت لهتلر أن يتفوق تفوقاً كاسحاً، ولا أحد موجود قادر يوازن صعوده العسكري. حتى بعدين المبادرات الدبلوماسية التي عرضت عليه رفضها، لأنه معتمد على أنه عنده مكنة شغالة، ومعتمد على رأي عام أوروبي لا يريد الحرب، وها هنا تبدأ شرارة الحرب العالمية الثانية سنة 39.
قبل ما ندخل في رحلة الحرب العالمية الثانية، هل قبل ما تبدأ الحرب العالمية الأولى كان شكل أوروبا، لأنك حكيت صار في عندنا قوميات، هل هذا معناه أنها تقسمت إلى دول وبدأت تتفتت؟ نعم صحيح. ليس نحن فقط من تفتتنا، هم أيضاً تفتتوا، الإمبراطوريات راحت. القوى الرئيسية قبل الحرب العالمية الأولى كانت الروس والعثمانيون -على ضعف فيهم- والإمبراطورية النمساوية في النص، وإيطاليا وإسبانيا وإنجلترا وفرنسا وألمانيا. الإمبراطورية النمساوية ستنقسم، وحالات البلقان التي كانت لسه تدافع عن نفسها كلها ستصبح دولاً؛ ستجد بلغاريا وصربيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا والجبل الأسود، يحصل عندك فتافيت، والنمسا نفسها تتقلص، وتبدأ تظهر الدول الصغيرة.
من نهاية الحرب العالمية الأولى لبداية الثانية -من 1918 إلى 1939- انهارت الإمبراطوريات، وبدل ما كانت إمبراطوريات أصبحت دولاً. وهذا الشكل الذي نراه الآن هو شكل ظهر حينها مع تغيرات طفيفة، مثل انقسام تشيكوسلوفاكيا لاحقاً. والقومية خلاص، المطلب القومي الآن وجد نفسه في دولة، فكل دولة رسخت قوميتها، وكل دولة طلعت أرشيفها، وكل دولة بنت تاريخها. وهذا الكلام الأوربيون عملوه لأنفسهم، أمريكا لم تصدر لهم هذا الفكر؛ أمريكا ليس عندها النزعة القومية، أمريكا أقرب إلى حالة الاتحاد، ويقدمون أنفسهم على اعتبارهم نموذجاً جديداً لا يعرف الإقطاعيات والنبلاء.
أما في الوقت الحالي بعد الحرب العالمية الثانية، الدول الأوروبية أنداد، لكن أمريكا متفوقة بما لها من قوة وأموال وذهب. هتلر كان يثأر لما حصل لألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وبالتالي بدايات انطلاقته كانت اجتياح بولندا، باعتبارها جزءاً فقدته ألمانيا. وفكرة أن ألمانيا تتحول إلى قوة عظمى ثاني تؤدي إلى حرب لا تقل عن الحرب العالمية الأولى، لأنه سيؤدي إلى المنافسة على المستعمرات والموارد. فجأة أصبح جيش هتلر يجتاح البلاد كأنه في نزهة، حالة من التراخي عند الدول المحيطة، حتى فرنسا سرعان ما اجتاحها الجيش الألماني واستولى على باريس.
تراجع الذين رفضوا الاحتلال الألماني إلى الجنوب وعملوا حكومة فيشي، وصارت باريس ألمانية. وهنا بدأت إنجلترا تدخل الحرب، وتشرشل كان رئيس الحكومة في ذلك الوقت، دخل الحرب والحسبة المادية تبدو وكأنه داخل حرب خسرانة. وهتلر نفسه فكر في الحركة التي يسمونها أغبى حركة في تاريخ الحروب، وهي أنه هجم على روسيا، لأنه كان يريد قمحاً كثيراً يمول به جيشه؛ كان يريد الرايخ الثالث. فكان ستالين حليفاً للألمان وما كان يتصور أن هتلر ممكن أن يجتاحه، فحصل هذا الاجتياح.
حصلت العرقلة في خطوتين؛ الخطوة الأولى أن الألمان كرروا خطأ نابليون، اكتشفوا أن روسيا واسعة جداً، والروس إذا أرادوا أن يواجهوا يخلوا المناطق ويحرقون السلاح. فبقي يتوغل في روسيا في الصحراء الجليدية، ماراً بمدن خربانة لا يستفيد منها، يدافع عن حدود فسيحة بجيشه، فهل يستحمل البرد؟ الأزمة التي وقع فيها نابليون وهزم فيها هي نفس الأزمة التي وقع فيها هتلر؛ تورط في الساحة الروسية ولم يعرف يستفيد منها. وهذا الوقت الذي أنفقه في روسيا خفف الضغط على الجبهة الغربية التي يقاتل فيها الفرنسيين والإنجليز. مات جزء كبير من جيشه تجمداً. ونحن نرى في الحربين العالميتين وسع خيالك في ملايين.
عشرات ملايين القتلى في كل مرحلة، لأن أنت دلوقتي مش بس عندك أجواء، لا أنت عندك مدافع وعندك طائرات متطورة. الحرب العالمية الأولى كانت الطائرة البسيطة دي يعني دخلت إزاي في الحرب؟ يركبها جندي ويمسك رشاش أو يركبها جندي ويرمي قنبلة، لا دلوقتي بقى عندك الطائرات التي يمكن أن تقاتل والتي يمكن أن تسير مسافات بعيدة.
أيوة لأنه أنت تستغرب، واحد وقف ألمانيا على رجليها بوقت قصير جداً وصنع طائرات وصنع أسلحة واشتغل، مع أنه عارف أن النساء كمان شاركوا الألمانيات بشكل مش طبيعي وقصة طويلة، لكن كيف يغلط غلطة زي هي فعلاً أنت تستغرب، يعني مين اللي أقنعه؟ شو اللي كان في راسه؟ ولا بتفهم.
طبعاً تفاصيل، أنا مش أني متعاطف ولا شيء معه بس أنا بحكي عسكرياً. أحياناً جنون العظمة برضه، عارف أنت فاكر أنت كلمة أبو مسلم الخراساني لما الراجل قال له: ما تروحش لأبي جعفر المنصور فإنك إن ذهبت إليه لن يفلتك، فبعدها أبو جعفر خاف من أبو مسلم وخاف من رسالة أبي جعفر، فراح الراجل قال: ما للرجال مع القضاء محالة، ذهب القضاء بحيلات الأقوام. ممكن تبقى ذكي وعبقري وكل حاجة، لكن قدرك هكذا، يهديك ذهنك إلى غيره.
المهم، على مستوى ثاني كانت اليابان، أيضاً اليابان بينها وبين الروس وبينها وبين الصينيين ثأر. أيضاً اليابان كانت نموذج لدولة أخرى مصنعة ومتقدمة وعندها حالة صناعية وقريبة من الحالة الغربية، وهذا أدى إلى أن من 1905 لها حرب مع الروس فازت فيها، وكذلك اجتاحت الصين، المهم فحصل تحالف بين اليابان وبين ألمانيا وكانت فرصة ممتازة أن اليابان تدخل هذه الحرب ضد روسيا. لكن ها هنا هيتطور الأمر إلى أن تتخذ اليابان، طبعاً ألمانيا واليابان الاثنين عارفين أن أمريكا عمالة تدعم الحلفاء بس موقفها الرسمي برضه أننا حياد وأننا مش داخلين في هذا الموضوع.
فاليابان قامت بقصف الأسطول الأمريكي الموجود في قاعدة بيرل هاربر في جزيرة كده في قلب المحيط الهادي، القصف ده هو نفسه الذريعة بتاعة الرسالة المكسيكية أن أمريكا تدخل إلى الحرب العالمية الثانية.
أي سنة 44؟ 44 آخر سنة، برضه أمريكا دخلت في آخر سنة، هي بتدخل في الآخر، يا أخي بيلعبوها صح.
طبعاً وفي الآخر وبعد ما الدنيا دي كلها اتفرمت برضه، يعني حروب شغالة، لكن ها هنا أمريكا بقى كانت توصلت إلى هذا السلاح الجديد وهو سلاح القنبلة الذرية. سلاح القنبلة الذرية ده سلاح غير مسبوق، يعني سلاح لم يعرف قبل هذه اللحظة، وهو استثمار الطاقة المنبعثة من انقسام وتفتيت الذرة في صناعة سلاح عسكري، بدل ما تستخدمه في توليد كهرباء أو في إنتاج طاقة، فبتستخدمه في سلاح عسكري، وبالتالي كان الرد الأمريكي هو هذا الرد القاصف الساحق، وهو تدمير مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين.
طبعاً هذا سلاح لم يكن لأحد به قوة ولا طاقة، عارف أنت القنبلة بتنزل على المدينة بتمسحها وبتترك فيها آثار إشعاعية كمان فيما بعد، طبعاً هو جرى اكتشاف الآثار بعدها لكن قصدي أقول فكرة أن في قنبلة تنزل تمسح مدينة. أنا فاكر لما كنا في هندسة كنا بندرس أنه أول ما يصيب الناس المتعرضين للقنبلة النووية هو الحرارة العالية، يعني القنبلة بتنزل قبل أي آثار تدميرية أخرى بتصنع حالة هائلة من الحرارة تؤدي إلى انصهار الجسم البشري وتبخره، يا لطيف، الناس اللي في مركز القنبلة، فكل الحالة التفجيرية التي بعد ذلك هي آثار أخرى، وكل الحالة الإشعاعية التي تبقى بعد ذلك آثار أخرى أيضاً.
وبالتالي ها هنا بقى مع دخول روسيا الحرب ومع ضرب اليابان ومع دخول أمريكا الحرب بدأت تنكمش الإمبراطورية التي أرادها هتلر، حصل تمردات عليه، حصل تمردات حتى داخل جيشه، حصلت محاولات لاغتياله، حتى أيقن هو بأن الأمر لا يذهب في صالحه فانتحر، اه هتلر راح انتحر في الآخر، واستسلمت اليابان بعد قصف القنبلتين، وهناك من المعلومات ما يقول بأن اليابان أصلاً كانت ذاهبة إلى الاستسلام لكن أمريكا أرادت تجريب القنبلتين، فرغم أن ترومان التقط برقية تقول بأن اليابان تذهب إلى إعلان الاستسلام أو الانسحاب من الحرب، إلا أنه لم يتلق هذا بل سارع بتجريب هاتين القنبلتين لكي يحوز مكاسب أكبر وإذلال أكبر، وبالفعل طبعاً اليابان عندهم تقاليد خاصة والإمبراطور بتاعهم هم شايفينه ابن الشمس أو نسل الإله، فلاول مرة الإمبراطور الياباني يخرج من عرشه علشان يروح على مدمرة أمريكية علشان يوقع الاستسلام أمام قائد أمريكي، ده بقى الإذلال الهائل بالنسبة للشعب الياباني، وكلاهما ألمانيا واليابان حرمتها من أن يبقى لهم جيش، لكن ها هنا حصل أنهم لم يتركوا ألمانيا لكي تبقى كما كانت الدولة، ولكن الجيوش الروسية من جهة والجيوش الغربية من جهة وقفت في برلين، وهنا انقسمت ألمانيا إلى ألمانيا شرقية وألمانيا غربية، الانقسام ده هو حد وقوف الجيوش، يعني ألمانيا جرى احتلالها، بس النص الغربي منه كان تبع الحلفاء والنص الشرقي منه كان تبع الاتحاد السوفيتي، وهنا ظهرت ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية.
دي الحرب العالمية الثانية كان من أهم نتائجها أننا بقى عندنا سلاح نووي، والسلاح النووي ده عمل سباق في التسلح، الروس كانوا مهتمين جداً يبقى عندهم مثل هذا السلاح، هنا طبعاً تقدر تقول القوة التقليدية الكبيرة انهارت، عادت لتكون قوى محلية وإقليمية، يعني بريطانيا وفرنسا، القوى الأوروبية دي انهارت، ظهر عندنا قوتين كبيرتين ترثان العالم، الاتحاد السوفيتي وأمريكا، وها هنا بدأ سباق بينهما على أمرين، سباق التسلح رقم واحد، وسباق وراثة الاستعمار القديم، أنتم دلوقتي يا بريطانيا ويا فرنسا ما بقيتوش قادرين تديروا المستعمرات فإحنا بقى هناخدها منكم، فحصل صراع على المستعمرات الدول التي كانت تابعة لبريطانيا أو فرنسا، ومن يسبق إليها، ومن يسبق إليها دي مش مجرد سبق عسكري، لا ده تقدر تقول إن هو نموذج فكري، أنت عندك هنا النموذج الرأسمالي الليبرالي، وعندك هنا النموذج الشيوعي الاشتراكي، هنا نموذج مركزي حديدي، وهنا نموذج لا مركزي وسوق حر، وبالتالي تبدأ من 1945 التي هي نهاية الحرب العالمية الثانية يبدأ يتشكل عالم جديد فيه قطبان الاتحاد السوفيتي وأمريكا.
روسيا استطاعت الحصول على سر القنبلة الذرية من خلال واحد كان مدسوس عرف يسرب الأسرار، المهم السر طلع وراح للروس، والروس بدأوا يستثمروا هذا في الصواريخ بعيدة المدى، لأنه أمريكا أحد أهم مميزاتها الدفاعية أنها قاعدة بين محيطين، فما حدش عارف يوصل لها، فلذلك الروس كانوا مهتمين جداً بمسألة الصواريخ، هذه الصواريخ أيضاً حصل تطور علشان وده بيبقى سباق علمي عسكري، حصل تطور لإطلاق الأقمار الصناعية، من الذي يستطيع أن يغزو الفضاء؟ غزو الفضاء ده مش مجرد سباق علمي بحت، لا، الصاروخ الذي يطلق القمر إلى الفضاء يعرف يطلق قنبلة ذرية ويحطها في أي مكان، فالتسابق حول الصواريخ وحول وضع أقمار صناعية في الفضاء كان الهيمنة على العالم، الأقمار الصناعية دي بتعرف تصور، فهي تعتبر زي كاميرا على كل الكوكب الأرضي، فحصل هنا السباق الفضائي، فهتلاقي مثلاً فترة الستينات دي دول مطلعين يوري جاجارين للفضاء، وبعد كدة بيطلع أرمسترونج على سطح القمر، قبلهم الروس يطلعوا كلبة علشان يشوفوا الإنسان يستطيع أن يعيش في الفضاء ولا لا، دول يطلعوا ملاح وبعدين يطلعوا ملاحين، واحد يحط نيل أرمسترونج يضع أول بشري قدمه على سطح القمر، ده اكتشاف للقمر ويحصل بعد كدة اهتمام بالشمس والزهرة والمريخ، لكن أصول هذا التنافس كله هي أصول عسكرية، الاثنين عندهم صواريخ بعيدة المدى تستطيع أن تحمل رؤوساً نووية، وطبعاً القنبلة الذرية نفسها بيتم تطويرها أكثر من كدة علشان تبقى أوسع في التدمير، وقادرة على التحكم في المكان اللي بتنزل فيه يعني الصواريخ تبقى أكثر قدرة على التوجيه، دقة التوجيه، نعم.
ده كده مسار من مسارات، مسار السلاح النووي وسباق التسلح ده عمل ظاهرة الاحتلال بالوكالة أو الاستعمار بالوكالة، اللي هو إحنا الاثنين دلوقتي لو رايحين نحارب بعض، سلام عليكم حرب ثاني يوم هندمر العالم كله، يعني أنت عندك قنابل نووية، فوجود السلاح النووي أحد أسباب ما يسمونه الحرب الباردة، الحرب التي ما حدش عايزها تقوم لأنها لو قامت الاثنين قادرين على تدمير مساحات هائلة من البشر، فخلي الحرب بيننا حرب بالوكالة وحرب سياسية واقتصادية دون أن نسمح بوصولها إلى الحالة العسكرية، ولذلك مثلاً تقرأ في مذكرات كيسنجر أنه كان أحد مهمات مركز الشؤون الدولية التابع لوزارة الخارجية هو البحث في كيفية هزيمة الاتحاد السوفيتي بدون الوصول إلى مواجهة عسكرية، بقوا الطرفين القطبين الكبيرين عمالين يفكروا إزاي يهزموا بعض بدون الوصول إلى مرحلة السلاح النووي، وعلشان كدة يقول بعض الناس صادقاً بأن السلاح النووي من أسباب حصول السلام في العالم في الـ 50 سنة اللي بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. أنت لما بيبقى معاك سلاح حتى لو ما استخدمتهوش بيبقى في ردع، لكن مش معاك سلاح بتبقى مستباح.
طيب إيه شكل الحرب التي نمت بينهما اللي هي الحرب الباردة؟ اللي هو كل دولة تحاول أن تجتذب إلى نفسها قوة، الدولة دي انتهى الأمر إلى المعسكر الغربي وأوروبا الغربية مع أمريكا، وأوروبا الشرقية مع الاتحاد السوفيتي، وحصل بينهما صراع هائل على منطقتنا العربية والمنطقة الأفريقية، الروس في ذلك الوقت الاتحاد السوفيتي والأمريكان، أحد الأماكن التي وطبعاً أمريكا اللاتينية التي هي بعد المكسيك، أمريكا الجنوبية التي تسمى أمريكا اللاتينية هذه أيضاً كان فيها نفوذ سوفيتي، وأمريكا كانت تركيا هنا تابعة للمعسكر الغربي، فزي ما الاتحاد السوفيتي عنده مركز في ظهر أمريكا، زي ما الأمريكان عندهم مركز في ظهر الاتحاد السوفيتي، يعني تركيا كبلد تابعة للمعسكر الغربي، كوبا والجماعة دول تابعين للمعسكر الشرقي، دول بينصبوا صواريخ تهدد الاتحاد السوفيتي، تركيا ودول بينصبوا صواريخ تهدد الأمريكان، كوبا، في أزمة مشهورة بقى أزمة الصواريخ الكوبية.
أحد الأشياء التي سبق إليها الأمريكان هو وصولهم إلى البحر المتوسط والخليج العربي حيث خزان النفط العالمي، يجينا لمربط الفرس، الوصول الأمريكي المبكر والسابق، طبعاً أمريكا ورثت بريطانيا، بريطانيا هي التي كانت موجودة في ساحة الخليج وهي التي أنشأت دول الخليج المعاصرة، وبالتالي النفوذ الإنجليزي ورثه الأمريكان، وحين ورثوه ظهرت الطفرة النفطية، الحتة دي مليئة بالنفط، والنفط في عالم صناعي يشبه الماء بالنسبة للبشر، الطاقة، إحنا زمان كنا معتمدين على الطاقة العضلية وبعد كدة حصل تطور جديد لما اكتشفنا الفحم، ثم حصل تطور جديد لما اكتشفنا الكهرباء، لكن مش عارفين نستخدم الكهرباء على مدى واسع لأننا مفتقدين للطاقة، ما هو في الآخر الكهرباء طاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، النفط هذا بالنسبة للدول زي المية بالنسبة للبشر، فلما سبق إليه الأمريكان عملوا الحركة التي ممكن يجي لها بعد شوية وهي ربط النفط بالدولار، تقدر تقول أجبروا الدول المنتجة للنفط على عدم بيع النفط إلا بالدولار في سياقات أخرى كتير، يعني إيه هذا الكلام؟ يعني أي حد عنده نفط في هذا العالم مش هيعرف يبيعه ومش هيعرف يشتريه إلا لما يبقى عنده دولار، ده يساوي إيه؟ اللي يهمنا منه دلوقتي يساوي إيه في المعركة العالمية؟ يساوي أن أمريكا بتعرف تطبع دولارات والسوفيت ما بيعرفوش يطبعوا دولارات، يعني أنت علشان السوفيت عشان يجيبوا نفط لابد لهم من التنقيب أو من الاحتلال أو من الاستيلاء أو من الاكتشاف، لكن الأمريكاني علشان يجيب نفط فيرتفع اقتصاده، لكن الأمريكاني حيث إنه استحوذ على منابع النفط، بقى يطبع دولارات، فهنا ما كان ممكناً، عارف أنت واحد بيشتغل طول اليوم علشان يقبض اليومية بتاعته، والثاني بيعرف يقبض اليومية بتاعته بالبرينتر عنده، يدي أمر كده بطباعة 10 دولار مثلاً، أيهما يمكن أن تزدهر أمواله أكثر؟ فلم يستطع الاتحاد السوفيتي أن يستمر في سباق التسلح لأن هو كان يسابق سباقاً حقيقياً وده كان واحد قاعد على موارد النفط وقاعد.
كان قادراً بالفلوس دي على أنه يشتري الموارد، ويشتري البضائع، وأهم منها يشتري العقول، ويشتري الناس. بدأنا نهاجر لعنده، وهذا أدى إلى انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1990. لما انهار الاتحاد السوفيتي دخلنا في عصر القطب الواحد، اللي هو انفراد أمريكا بالهيمنة على العالم. ما فيش بقى حد تاني، خلاص أسياد الكوكب، اللي هو كقوله فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24].
وبالتالي أمريكا مهيمنة على الأمم المتحدة، المنظمات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أقوى قوة عسكرية وأقوى قوة اقتصادية، نفوذها ممتد شرقاً وغرباً، وجيشها المعتمد على أساطيلها الخمسة الموجودة في كل بحار العالم؛ عندها أسطول في البحر المتوسط، أسطول في البحر الأحمر، أسطول في المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي. هذه الهيمنة على البحار هي ما أدت إلى هيمنة تامة.
قبل أن نغادر المحور السياسي، شوية أسئلة صغيرة هيك مرت معنا كان لازم نوقف عليها سريعاً عشان الأخوة يكونوا معنا بالصورة. الحرب العالمية الثانية؛ نحن في الحرب العالمية الأولى كمسلمين كانت عندنا دولة عثمانية وشاركت، ففي انكتبت سيرتنا، طيب في الحرب العالمية الثانية إحنا المسلمين لنا دور؟
أه طبعاً، إحنا المسلمين كنا ضمن العبيد الذين سيقوا إلى الحروب مع مين؟ مع الحلفاء، البلاد التي احتلتها إنجلترا طلعت الكتائب منها لكي تحارب معها؛ فطلعت كتائب هندية، وطلعت كتائب حتى مصرية، وطبعاً فرنسا طلعت السنغال، وطلعت نيجيريين، وطلعت الجماعة الأفارقة، وهؤلاء حاربوا كجنود وكعبيد وضاعوا في أشتات الأرض. مثلاً من الأمور المشهورة مرة الإنجليز كان في حقل ألغام عاملينه الطاليان، ما عندهمش دلوقتي هم عدد من الثيران والدواب لكي تطهر هذا الحقل، فمشوا كتيبة هندية عشان تتفجر فيهم الألغام. نفس الكلام عملوه الفرنسيين في السنغاليين، فإحنا كمسلمين كنا ضايعين ومطحونين في المنتصف.
وبالمناسبة أيضاً ينبغي أن أقول إنه لذلك ستجد الفترة بعد 45 ستبدأ تحصل فيها جذور أغلب المشاكل المتعلقة بالمسلمين، باعتبارهم جزءاً من الناس الذين دفعوا الضريبة. خذ عندك سنوات 47 و48 و49، سيحصل فيها أغلب المشاكل؛ نشأة إسرائيل، احتلال تركستان الشرقية، تدمير دولة أركان اللي هي بورما الإسلامية، انفصال الهند وباكستان كانوا من وراثة الاحتلال الإنجليزي. وستحصل فيها الثورات بعد قليل، لأنه كيف يرث السوفيت والأمريكان الاستعمار القديم؟ هم مولوا ودعموا هذه الثورات، هي في حقيقتها انقلابات عسكرية، يعني مثلاً عندك عبد الناصر؛ عبد الناصر كان انقلاباً عسكرياً مدعوماً من الأمريكان لوراثة الاحتلال البريطاني، كل الوطنية والكلام الذي نقوله هذا استهلاك داخلي في بلادنا، لكن تقرأ الكتب العالمية أو الكتب الأجنبية المسألة دي محسومة. بل من اللطيف أنه هيكل الذي هو منظر الناصرية لما بيكتب كتابه بالإنجليزي بيعترف بهذا؛ كتاب قصة السويس بالإنجليزي اسمه قطع ذيل الأسد البريطاني، تمام؟ وهو بقى عبد الناصر بيبقى نموذج من نماذج تحرير الشعوب، وتحرير الشعوب ده لا يكون إلا في حقيقته وراثة للاستعمار الفرنسي والإنجليزي، ثم الاستعمار الأمريكي والسوفيتي فيما بعد.
بعد الحرب العالمية الثانية نحن ظهر عندنا الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد. الأمم المتحدة هي تطور عن عصبة الأمم، عصبة الأمم هي محاولة إنشاء النظام العالمي بعد الحرب العالمية الأولى، لكن حيث أنها فشلت وظهر أن فشلها واضح في هتلر على الأقل، فبعد الحرب العالمية الثانية عملوا نفس الفكرة لكن سموها الأمم المتحدة. فالأمم المتحدة هي محاولة إنشاء نظام عالمي للمنتصرين في الحرب العالمية الثانية، فلذلك ستلاقي مثلاً في الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن -مجلس الأمن ده اعتبره الحكومة بتاعة العالم- الدول دائمة العضوية هم المنتصرون: الصين، روسيا، بريطانيا، فرنسا، أمريكا، دول خمسة دائمة العضوية كل واحدة فيهم عندها حق الفيتو؛ لو العالم كله عايز حاجة وأنا مش عايزها ما يمشيش.
بمنطق المنتصر، بمنطق البلطجة، عادي. إحنا عملنا في القانون حاجة بتقول الجماعة الخمسة دول مميزين، دول مش زي باقي الناس، مش زي باقي البشر، دول كل واحد فيهم عنده حق الفيتو. وبعدين شكلوا عدداً من المجالس وعدد من المؤسسات للهيمنة على العالم في كل حاجة؛ أنت هتبدأ من ها هنا سلسلة مؤسسات، المؤسسة التي تسيطر على الأموال عندك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، المؤسسة التي تسيطر على الصحة، الصحة العالمية، حتى الأطفال، حتى المرأة، حتى الآثار؛ اليونسكو وما إلى ذلك، هي محاولة إنشاء نظام عالمي للسيطرة على بقية العالم.
أنا لماذا أسألكم عن الأمم المتحدة وعصبة الأمم؟ لأنني أريد أن أصل إلى الانتداب، هذا الانتداب الذي هو: أنتم يا حرام دول الآن مش عارفين توقفوا على رجليكم فنجي نحن منتدبين، حندير شؤونكم، نرتب لكم أوضاعكم إلى أن تقفوا على أقدامكم ثم نذهب. هذا كان بعد الحرب العالمية الأولى مع عصبة الأمم، ولذلك الاحتلال الإنجليزي لما جاء إلى فلسطين تغطى بشعار الانتداب، يعني أنا الدولة التي انتدبتني الدول الكبرى لكي أعيد تحضيركم وتهيئتكم وتعليمكم وتربيتكم عشان تعرفوا تحكموا نفسكم بنفسكم.
إذا كان هذا المحور السياسي، الآن سننتقل إلى كتلة كبيرة أيضاً في التحقيب كما ذكرتم أستاذ محمد، وهو المحور الاقتصادي، وهو مكون من خمس مراحل. شوف يا سيدي، ممكن نبدأ بأهم خمس أحداث، بالكساد الكبير اللي هو كان سنة 1929. رغم أني معي ماجستير في الاقتصاد إلا أن قدرتي على تبسيط الاقتصاد "بعافية حبتين"، فأسأل الله التيسير، إيه فكرة الكساد الكبير دي؟
أمريكا الحرب العالمية الأولى جعلتها يبقى عندها مصانع ومزارع؛ يعني عندها ازدهار اقتصادي لأنها عمالة تمول حرب وعمالة بتدي فلوس فوق الحرب للجماعة الإنجليز والفرنسيين. هذا الازدهار ينعكس بطبيعة الحال على الناس اللي موجودة في أمريكا؛ في فلوس كتير جاية وفي شغل كتير وفي مكاسب كتير. الناس اللي قاعدين في أمريكا دول عندهم النموذج الرأسمالي، النموذج الحر الذي يقوم على فكرة أن السوق قادر على تنظيم نفسه بنفسه، وكان السوق كأن فيه يداً خفية تستطيع أن تعدله، فكلما يروح ينهار أو ينحرف، الأمور تعتدل بطبيعتها بدون تدخل أحد، فالأصل في الحكومات أنها ماشية بمبدأ "دعه يعمل دعه يمر"، لا علاقة لنا.
على الناحية الثانية كان في النموذج الشيوعي، النموذج الشيوعي اللي هو بيقول الدولة زي ما تبقى آلة كبيرة أو شركة كبيرة أو أسرة كبيرة، كل حاجة في البلد تابعة للدولة، وكل شخص في البلد هو موظف عند الدولة. فمثلاً الدولة بتبقى شايفة أننا عايزين دلوقتي نصنع القطن وما عندنا مشكلة في الأنسجة، فهي التي تقول كم فدان هيتزرعوا قطن، الفدادين دول فين؟ مين اللي هيشتغلوا فيهم؟ أجورهم كام؟ فدول نموذجين. خلاص، النموذج الأمريكي بقى اللي هو بتاع الكساد الكبير، نموذج مربوط دائماً بالربا، هو طبعاً الثاني فيه ربا بس أنا عايز أقول نموذج الربا ده فكرته قائمة على أن المال يلد المال. هو ببساطة لما أنا أستلف منك 10 جنيه وأعطيك إياهم 12، الـ 12 دول جم منين؟ لم نكتشف ثروة جديدة توافق الـ 12 دول، فالـ 12 دول هو خلق مال، يعني مال جديد، مال يلد مالاً، وده طبعاً محرم في الشريعة، لأن المال الأصل أن يبقى انعكاساً للثروة.
في حالة هذا النظام الرأسمالي، لما تدخل في حالة المال دي يظهر عندك العروض المالية، واحد يجي يقول لك: استلف بضمان وظيفتك. فبيديك فلوس علشان تشتري حاجة أنت ربما مش محتاجها لكن هي حاجة كويسة، حاجة رفاهية، يعني بدل مثلاً ما كانش عندك غسالة اشتريت غسالة، ما كانش عندك تلفزيون اشتريت تلفزيون، ما كانش عندك بيت اشتريت بيت، على أساس أن أنا بدي لك السلف ده دلوقتي وأنت هترده لي مضاعفاً بفايدة. لكن أنا بوفر لك دلوقتي الحاجة اللي أنت مش قادر تعملها، أعملها دلوقتي.
طيب إيه اللي بيحصل في هذه الحالة؟ خلينا نقولها بشكل في غايتها البسيطة: أنا دلوقتي عايز أشتري بيت فرحت استلفت من حد ثمن البيت بضمان مرتبي اللي أنا شغال بيه في الحكومة أو حتى بضمان من مصنعي، وبعد كده لأي سبب من الأسباب تعثرت عن السداد، إيه اللي هيحصل؟ هيجي البنك يروح حاطط إيده على البيت اللي أنا اشتريته. يبقى أنا تعثرت عن السداد فالبيت اتحجز عليه على أساس أنه هيتباع بالثمن الذي يعطي للبنك تعويضاً عن الدين الذي أخذته منه. طيب لما يكون اللي زي ده 10، 20، 30، 40، يبقى في مساحة كبيرة، في عندك عدد كبير لظرف ما خاص أو عام توقف عن السداد، البيت ما بقاش بنفس قيمته، ده هو لما كثر المعروض من البيوت التي تخلف أهلها عن السداد انخفضت قيمة هذه البيوت، فلم تعد قيمة البيت قادرة على تكفية الدين الأصلي، هنا يحصل إيه؟ البنك نفسه يحصل فيه تعطل.
لما البنك يحصل فيه تعطل، حيث إن البنك ده جزء من شبكة عالمية مالية، تعطل بنك واحد يساوي جلطة في الشرايين، لأن البنك ده نفسه بيتاجر في حتت تانية وبيتعامل مع ناس تانية، فأول ما يتعطل البنك يبدأ يحصل ما يسمى تأثير الدومينو؛ لو أنت بتضرب دومينو واحد فبيروح موجه كل اللي وراه. هذا هو الذي يحصل مع أدنى أزمة تحصل معتمدة على نظام الربا. فبالتالي خذ عندك، حصل لما الحرب العالمية الأولى انتهت، أمريكا التي تعودت على أنها بتصدر كتير وبتشتغل كتير ومصانعها كتير، حصل أن الدول الأوروبية بدأت تنتج وبدأت يبقى عندها مصانعها، الحرب توقفت وبدأت مصانعها تشتغل، وما بقاش هناك حاجة لكل البضائع الأمريكية، فبالتالي كل الفائض الذي كانت أمريكا بتطلعه رايح لأوروبا توقف. وتوقف هذا الفائض يساوي -ارجع بقى بعملية عكسية- توقف شوية في المصانع، توقف بطالة بالنسبة للناس، وبالتالي المكاسب المتوقعة ما بقتش هي، والأقساط والديون والشبكة المالية بتبدأ تعاني من هذا التوقف، خصوصاً والاوروبيين عايزين هم كمان يبنوا نفسهم.
فوق ذلك في حاجة في طبيعة العمل الربوي نفسه تؤدي دائماً إلى حصول فقاعة؛ دلوقتي البنك بطبيعة الحال مش فاتح جمعية خيرية، هو بيروح واخد الأموال والأصل أنه يستثمرها في مشاريع ويقرضها لآخرين بفايدة. فبالتالي أموال البنوك اللي موجودة في خزائنه مش دائماً موجودة في خزائنه؛ يعني البنك ما يستحملش أن أكثر من واحد يروح يقول له: أنا عايز فلوسي. فما بالك والبنك عنده خاصية أخرى اسمها "خلق المال"، يعني أنا في جيبي 10 جنيه والقانون بيسمح لي أسلف لغاية 90 جنيه مال من الهواء؛ خلق المال هي دي من خصائص البنوك. فالمال اللي موجود في الدرج 10 جنيه والمال اللي موجود على الشاشات وفي الأوراق 90 جنيه، فدي فقاعة في المالية، المال أكبر بكتير من الواقع الحقيقي.
فخذ بالك لما يبقى في ناس بتعاني من الكساد وعايزة تسحب الفلوس وفي أصلاً أموال هي متسلفة ورايحة في مشاريع وهي مش أموال حقيقية، فبالتالي أول ما تيجي أزمة أننا عايزين فلوسنا يروح البنك متعطل، وبالتالي هذا يؤدي إلى تعطل كل ما بعده، هنا يحصل الكساد العظيم. وطبعاً الحكومة مش بتتدخل لأنه ده ضد مذهبها الاقتصادي، مش مكلفة هي بحماية أموال المودعين، وطبعاً النموذج البارز اللي إحنا عاملين نحاربه ليل ونهار في الصحافة وفي الإعلام هو النموذج الشيوعي، فأول ما الدولة تروح تعمل حاجة أو تفكر تعمل حاجة الناس كلها تخاف من الشيوعية ومن التحكم. هذا الكساد العظيم اللي هو كان 1929 أدى إلى أن أمريكا بعد خسارات وانهيارات ومشاكل وأزمات وهيصة كبيرة، تخالف مذهبها الاقتصادي وتتدخل لاتخاذ إجراءات الدولة تدخل بها في السوق المالي، تعين مثلاً عمالاً في أعمال، لأنه لا بد من العمال يشتغلوا عشان يأخذوا فلوس، عشان يعرفوا يشتروا بيها، عشان المصانع تشتغل، عشان البنوك تشتغل، يعني دي كانت أول محطة انهيار للرأسمالية. طبعاً الكلام ده سمع في أمريكا بس لا أبداً ده.
سرعان ما انتقل إلى أوروبا؛ لأنه أولاً هناك استثمارات رائجة، ورقم اثنين أن أمريكا قالت يا جماعة يا بتوع أوروبا، هاتوا الديون التي أديناها لكم أيام الحرب العالمية الأولى، ونحن نريد فلوس؛ الدنيا عندنا كساد. والأوروبيون أصلاً ما عندهم أن يعطوا فلوساً في الحرب العالمية؛ كلهم طالعون تعبانين، فبالتالي دخلنا في حالة من حالات الكساد. طبعاً يحصل مثلاً اتفاقيات وتخفيض أموال، لكن الفكرة هنا أن أوروبا ازدادت تعاسة على تعاستها بحصول الكساد الكبير، وباضطرارها أيضاً إلى أنها تعيد سداد الديون مرة أخرى إلى أمريكا.
الكساد الكبير يا أستاذ محمد هل صار في أمريكا فقط أم العالم؟ بدأ في أمريكا وبعدين شمل أوروبا. العالم في ذلك الزمن لم تكن منتشرة فيه البنوك والاستثمارات التي تجعل شبكة مالية بهذه القوة، فهو مثلاً انتشر في الأماكن التي فيها هذه الشبكة المالية، وليس مثل أزمة 2008. أزمة 2008 لما حصلت في أمريكا أوقفت الدنيا كلها؛ لأن العالم كله أصبح عنده بنوك وأصبحت عنده شبكة مالية وعقود طويلة الأجل ومتوسطة الأجل، والشركات التي تعمل في النقل والشحن وفي العقارات وفي غيره، كل هذا تأثر، فأزمة 2008 العالم كله كان دخل الشبكة المالية، لكن في سنة 1929 لم يكن العالم كله كذلك.
وهو تسمى الكساد؛ لأنه نتج عنه بطالة كبيرة وتعثر وإغلاق مصانع، فقد حصل عندك هذه الدائرة العكسية. أنت عندك فقاعة مالية وانفجرت، لا توجد فلوس؛ فكل من كان يعمل ومعتمداً على البنوك وقف، عملياً وقف.
دول مثل هذه، ونحن هنا داخلون على حرب عالمية ثانية، كيف دبروا حالهم؟ قصدي اقتصاد مدمر، لأي سنة ظللنا في كساد؟ انظر، هذا الكساد لولا هذه الظروف التي عانت منها أوروبا، وفي القلب منها ألمانيا، ما كان يمكن أن يظهر واحد مثل هتلر. هذا الجوع، حتى الأمريكان أنفسهم كانوا يعملون مثل موائد الرحمن عندنا، بس ما فيها أكل، هي فيها شوربة بس، تحاول تسند نفسك كده طول اليوم بطبق شوربة. فظلت الأزمة إلى أن تدخل فرانكلين روزفلت، الرئيس الجديد؛ هو الذي دخل وعمل شوية الإجراءات الاقتصادية التي تجعل الدولة تحمي والدولة تدعم البنوك والدولة تطبع.
هذا الكساد الكبير أحد أهم نتاجاته شيء سيوصلنا لاتفاقية بريتون وودز التي كانت سنة 1944. ببساطة وباختصار: أمريكا منذ سنة 1873، أيام ما كان هناك حرب أهلية أمريكية، أرادت إجبار الناس على أنها تأخذ الذهب الذي معهم وتعطيهم الدولار المطبوع على الورق.
نحن قلنا إن الدولة الحديثة هي دولة تحتكر موارد القوة عندها، وأحد أشكال احتكار موارد القوة أنك عندك ذهب وعندك فضة، لا، أنا كمواطن لا يريحني أن عندك ثروة حقيقية؛ أنت فقط هات لي الذهب والفضة اللذين معك، وأنا سأكتب لك ورقة أنني أخذت منك ذهباً وفضة بقيمة كذا. أنت كمواطن لست راضياً؟ هذه حاجة في مصلحتك. لا، برضو لست راضياً؟ بالعافية، ما أنت ستجيب. أنا في الأول أخذ وقتاً أقول لك هذا في مصلحتك، جبتها بهدوء خير وبركة، ما جبتها بهدوء ستأخذ على دماغك. فهذه إحدى أهم محطات استعباد البشر في عالمنا. نحن الآن ما صرنا هكذا، أصبح عندنا كيو أر وكارت نضعه في البنك، وهو استعباد أكبر، لكن بدأت كيف؟ بدأت: هات الذهب والفضة الذي معك، وهذه ورقة من الدولة وموقع عليها من الدولة أن لك عند الدولة هذا المال. طيب يا عم أنا أريد الذهب والفضة خاصتي؟ وعد مني أنا كدولة أول ما ستجيب لي الورقة هذه سأعطيك ثمنهم ذهباً وفضة مثل ما تريد، أنا أشيلهم لك عندي.
ما الهدف من هذه الحركية؟ أن الثروة تبقى عندي أنا كدولة. الثروة الحقيقية عبر التاريخ هي الذهب والفضة، ليس دولارات ولا بنكنوت؛ كل هذا كلام فارغ. عملياً، هذه الدولة لا هي أم ولا هي إله، هي في الحقيقة مجموعة من العصابات عبر الزمن، الحكام الصالحون هم القلة، هي تكون تريد الفلوس هذه لتمويل حرب أو لعمل استثمار كبير.
عندما أجبرت الناس على الدولارات أو على الأوراق النقدية، هي بعد ذلك كانت تطبع فوق العدد الحقيقي للثروة الموجود عندها، وهو هذا الذي يسبب غلاء الأسعار. غلاء الأسعار هذا اسمه التضخم؛ التضخم كلمة أعلى في الدلالة وأعم من كلمة غلاء الأسعار، لكن الفهم المباشر لها هو أن عندنا فلوس أكثر من البضاعة فالبضاعة تغلى. حصلت إشكالية في أمريكا أدت إلى أن المحكمة العليا الأمريكية حكمت بأن الحكومة الأمريكية كانت غلطانة، وأن الناس من حقها أن يكون عندها ثروة ذهب وفضة، وأن مسألة طباعة الأوراق هذه شيء مشين. المهم وصلوا إلى ما يشبه ما سمي بعد ذلك البنك المركزي. البنك المركزي هو بنك البنوك أو بنك الحكومة؛ هذا البنك هو الضامن على الأموال الموجودة. وبالتالي، الذي يهمنا الآن أن البنك هذا من قوانينه أنه لا يطبع دولارات إلا بمقدار الذهب الموجود عنده، كل دولار يساويه ذهب، وبالتالي فكل واحد في يده دولار هو عارف أنه له مقابل ذهب، والبنك هذا لا يطبع دولاراً أبداً فوق كمية الذهب الموجودة عنده. هذا الكلام سنة 1913.
لما ندخل سنة 1914 وتحصل الحرب العالمية الأولى، قلنا أمريكا ستزدهر وستأتي إليها رؤوس الأموال الغربية وتأتي إليها البضائع الأوروبية، وتفضل هي التي تسلف الناس فلوساً، وإنجلترا وفرنسا في الحرب عملتهم تنهار. فأمريكا من خلال السماسرة، وموقفها الرسمي حيادي، أمريكا ستقول لهم: أنتم تجلبون لنا الذهب الذي عندكم مقابل الدولار، أنتم الآن ستشترون السلعة الأمريكية، والسلعة الأمريكية تشترى بالدولار، وهذا الدولار لا يمكن طباعته بدون غطاء من الذهب. طبعاً أنا أختصر اختصاراً الاقتصاديون لا يحبونه، لكن الخلاصة أن الذهب الأوروبي راح لأمريكا ليأخذوا دولاراً ليشتروا به بضائع. أمريكا عند نهاية الحرب العالمية الأولى كان عندها تقريباً 40% من احتياطي الذهب في العالم، فصار الدولار عملة عالمية، عملة أغلب الناس يحتاجون إليها، لم تعد هناك ثقة كبيرة بالجنيه الإسترليني ولا بالفرنك الفرنسي، بل صارت هناك ثقة بالدولار.
عند سنة 1944 عملوا اتفاقية بريتون وودز، وهي أن أمريكا من خلال هذا الدولار هي التي كفيلة بأن تبدل في أي لحظة الدولارات بذهب. فهنا صار للدولار قيمة حقيقية مسنودة، لا تكاد تتعرض للاضطراب؛ لأن أمريكا أقوى دولة عندها أكبر احتياطي من الذهب وعندها أكبر اقتصاد ومصانع، والناس يعملون ويشترون منها، فبالتالي هي أكثر عملة في هذا العالم يمكن أن تثق فيها وتطمئن إليها.
نحن نطبع دولارات على قد الذهب الذي عندنا. هذا الكلام ينفع يمشي لما تبقى أمريكا عندها حنان الأم، لكن الذي حصل عملياً أن أمريكا بدأت تطبع الدولار خارج الغطاء الذهبي الذي عندها، فبدأ العالم يشعر بأن هناك وفرة في الدولارات فوق احتياطي الذهب، فبدأت الدول الغربية تطلب أنها تغطي الدولارات التي معها بذهب.
عند سنة 1971 يخرج الرئيس الأمريكي نيكسون ويقول: يا جماعة نحن لن نفعل ذهباً، هذه تسمى صدمة نيكسون. يا جماعة نحن ما عندنا، ليس أي أحد سيجلب لنا دولاراً الآن سنعطيه ذهباً. هنا وقعت الواقعة؛ ذهبنا موجود عند الأمريكان ولا نستطيع أن نسترده مرة أخرى ذهباً. طيب نعمل ماذا؟ الأمريكي يقول له: أعلى ما في خيلك اركبه. أمريكا باعتبارها قوة عسكرية فوق كونها قوة اقتصادية: يا جماعة أنا أخذت فعلاً الذهب الخاص بكم بس لن أعطيه لكم ثانياً، والدولار هذا عملة قوية على فكرة وأنا ضامنه بقوتي، الدولار هذا قيمته في نفسه، لا علاقة لك بالذهب. حيث إن العالم لا يستطيع أن يفعل شيئاً ولا يستطيع أن يرفض، ابتلع العالم هذه الصدمة، وصار مجبراً على أن يتعامل بالدولار غير المغطى بالذهب، والأسعار ترتفع على كل الناس.
هو حتى لأنه عارف أن هذه صدمة لم يبلغ حلفاءه بهذا إلا قبل الخطاب بعشر دقائق؛ حتى لا يلحقوا يسحبوا ذهباً وفقاً للقديم. هذا كان زلزالاً اقتصادياً، لكن وجهه الآخر أن أوروبا والعالم كله بعدما اعتمد على الدولار صار الآن حبيس الدولار؛ العالم كله مضطر يتعامل مع الدولار الذي صار موجوداً في يده.
طيب نحن نضمن كيف أن أمريكا لن تفضل تطبع دولارات وتشتري بها الذهب وتشتري بها العقول وتشتري بها الموارد؟ لا يوجد ضمان؛ أمريكا تطبع كما هي تريد. طيب خلاص تعالوا نتعامل بعملتنا المحلية، سيبنا من الدولار. هنا يأتي الحدث الرابع الاقتصادي المهم، وهو ربط أمريكا الدولار بالبترول. قلنا أحد أهم الأمور التي سبقت إليها أمريكا هي أنها دخلت في اتفاقية عامة شاملة بين أمريكا والسعودية، وطبعاً السعودية هي أكبر خزان نفطي في العالم، والعلاقة مع السعودية في هذه الجزئية تساوي العلاقة مع عالم النفط. فأمريكا أحست أن السعودية دولة كبيرة في المساحة، عندها تهديدات، ليس عندها قوة ذاتية للدفاع عن نفسها، فدخلت في اتفاقية عامة خلاصتها: البترول لا يباع إلا بالدولار مقابل الحماية الأمريكية للسعودية. هذا من اليوم الأول، هذه خلاصتها، أن أمريكا ستتولى إعمار السعودية والنهضة وإنشاء الشركات ومصانع البتروكيماويات، وفوق ذلك الحماية سواء من إيران أو غيرها.
أمريكا لما ربطت الدولار بالنفط، وحين تعرف أن النفط بالنسبة للدول كالماء بالنسبة للبشر، فأمريكا ضمنت كيف يأتيها العالم ليشتري الدولار.
بعد ما فصلنا غطاء الذهب عن الدولار، صار الدولار بالنسبة لعموم العالم عملة زيها زي غيرها من العملات، ما نقدرش نثق فيها ونركن إليها. صحيح أمريكا قوية وهنشتري، بس يقدر يطلع في دماغ كتلة من الدول أنها تكتفي بنفسها أو تستورد من أماكن أخرى فيبقى حاجتها إلى الدولار ضعيفة. لكن حيث أن الدولار الآن لا يباع النفط إلا به، فصارت كل الدول بحاجة إلى الدولار لكي تشتري النفط الذي يشغل المصانع والسيارات ومولدات الكهرباء والحياة قائمة عليه. فهذا هو المخلب والخناق الذي استطاعت به أمريكا أن تتحكم في مصير العالم، وأن تجعل الدولار عملة عالمية.
وعلشان كدة تيجي عند أي مشروع من المشاريع وتقول نحوله للعملة الوطنية، الكلام ده يبدأ يفقد شوية من معناه. مثلاً عندنا في مصر لفترة طويلة كان يدعو بعض الناس إلى أن نجبر الناس التي تعدي في قناة السويس أنها تدي رسوم العبور بالجنيه المصري، فده يعمل طلب على الجنيه المصري فتقوى العملة. الرد مباشرة يبقى في السطر الثاني: طب إحنا بعد ما نجيب الجنيه المصري نروح نعمل إيه؟ نشتري دولار علشان هنشتري بيه نفط؛ يعني إحنا دلوقتي بناخده بالدولار، فلو ما أخدناهوش بالدولار وأخدناه بالجنيه المصري، هو هيروح يشتري الجنيه المصري من السوق، طيب أنا هعمل إيه بالجنيه اللي أخدته؟ هروح أشتري بيه دولار برضه.
هنا دي لحظة هيمنة الدولار. لحظة هيمنة الدولار دي لما بتدخل بها في عالم مؤسسي ويبقى عندك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعندك نظام عالمي مالي اسمه السويفت، نظام التحويلات المالية العالمية، ده بيخلي عملياً مش بس أمريكا عندها العملة القوية التي تقدر تطبعها عادي، لا، بيخلي كمان عندها الزرار الذي تقدر تفصله عن أي حد مش شاري الدولار أو مش عايزه، يعني بيعمل عقوبة اقتصادية على الشركات أو على الدول، بيخرجها من نظام السويفت. هذا هو السبب الأساسي في الهيمنة الأمريكية الاقتصادية على العالم.
طبعاً هذا في الحقيقة شيء جهنمي، وكون برضه أن أمريكا بعيدة جغرافياً عن العالم ويحيطها محيطان، ده بيخلي أمريكا مهما هزمت في أفغانستان أو في الصومال، أو مهما انسحبت من أي مكان، ما حدش قادر يمس صلب القوة الأمريكية لأنها موجودة بعيد. بخلاف الدول التي موجودة في قلب العالم، وده زي ما هو ميزة دلوقتي فهيبقى عيب بعد شوية؛ فاختفاء القوة الأمريكية لوهلة سيساوي انقشاعها عن العالم في لحظة. بريطانيا مثلاً ممكن تقعد لها 50 أو 100 سنة أو 150 سنة لغاية لما تزول أو تتحول من قوة عظمى إلى دولة عادية، لكن أمريكا في اللحظة التي لا تستطيع فيها أن تحرك السفن والأساطيل سينقشع نفوذها من كل العالم، فزي ما ظهرت فجأة زي ما هتختفي فجأة.
الحدث الخامس المهم هو أن هذا العالم بعد الحرب العالمية الثانية وعمل المنظمات الدولية الذي انتهى في النهاية بهذا السبق الأمريكي بالدولار وإلى منابع النفط، أصبح الآن في عصر الهيمنة مؤسسة كبيرة لنهب الشعوب الفقيرة. بقى عندك مثلاً اتفاقية مثل اتفاقية الجات، اتفاقية التجارة الحرة؛ اللي هو إحنا عالم مفتوح، المفروض التجارة تبقى الناس بتتبادلها بدون جمارك وبدون ضرائب وبدون تجارة حرة. لما أجبر أنا الدول الضعيفة على فتح بلادها للبضائع المستوردة، هذا في الحقيقة إجبار لها على تدمير صناعتها المحلية، لأن ما فيش دولة نامية هتعرف تنافس الدولة الكبيرة. هذا مع أنه أصلاً الدول الكبيرة دي لم تعد كبيرة إلا لما خدت فترة وهي تحمي منتجاتها، بتفرض هي ضرائب وجمارك على المنتجات المستوردة. الكلام ده عملوه الفرنسيين والبريطانيين وعملوه الأمريكان نفسهم، الأمريكان نفسهم عملوه في الكساد الكبير.
في كتاب لطيف لباحث آسيوي اسمه ركل السلم بعيداً، اللي بيقول فيه إن الدول دي بعد ما نهضوا وطلعوا راحوا رفسوا السلم اللي طلعوا عليه، وقالوا للعالم كله إحنا أساساً متقدمين علشان منفتحين اقتصادياً مش عاملين جمارك ولا ضرائب، فأنتم كمان لو عايزين تتقدموا افتحوا بلادكم، بيقدموا لهم الخطة بدون الجزء الخاص بكيف صعدوا. لكن الحمد لله دلوقتي إحنا مش في حاجة إلى الجدال، لأن ترامب عمال يفرض ضرائب وجمارك وبيهدد بها علشان الصين أغرقت بلده بالمنتجات التي يرى أنها بتهدد الصناعة الأمريكية، فقصدي أنهم بيرجعوا دلوقتي على أنفسهم. الخلاصة أن اتفاقية الجات التي أصبحت بعد ذلك منظمة التجارة العالمية، وبدأت عصر الشركات الكبرى العابرة للدول والقارات، تجعلنا نستطيع أن نقول إن الدول النامية تحولت إلى عبيد عند الدول الكبيرة. اللي عنده صناعة محلية إما أن يدخل نفسه في صناعة دولية عشان يمشي حاله، أو أن صناعته المحلية تنهار، أو يتحول إلى سمسار ويشتغل خدام ويعمل تجارة وسيطة وسلع وسيطة ومضاربات.
صارت الدول شفطت الثروة من عند الناس وخليتها عندها، فصار عندك نظام عالمي شفط الثروة الحقيقية من الدول وخلاها عنده، فصار الناس عبيداً للسادة الكبار. وبالتالي الشركات الكبرى دي فعلياً بتمول انقلابات وتمول حروباً علشان مثلاً تروح تنقب عن النفط أو الماس أو المطاط أو الذهب. بقينا في عالم حقيقة العنصر المالي مسيطر عليه. عرفت ليش عزيزي الشاب الطامح كل طموحاتك تحولت إلى أحلام لن تتحقق؟ لأنه هذا هو.
يعني نحن لما بنفك الدولار عن الذهب، هذه ليست مجرد قصة، هذه تقوم من أجلها حرب عالمية ثالثة. أمريكا مسكت الكل بالبلطجة، أخذنا الذهب وهي الدولار، اسكتوا ما حدا يفتح ثمه، افتح ثمه بمسحك. كل الناس كل الدنيا كانت هيك. هو لو كان عنده احتمال ولو بسيط أن أحداً يقدر يعترض على هذا القرار ما كانش خده.
أحياناً أقربها فأشبهها؛ اعتبر أن في واحد بلطجي سيطر على قرية من القرى أو حتى عمارة من العمارات، وراح عند بئر المياه الموجود في القرية دي وقال: ما حدش هيشتري المية دي إلا بالفلوس اللي أنا بكتبها دي. والفلوس اللي أنا بكتبها دي أنتم مجبرين على التعامل بها. إيه اللي هيحصل؟ ليست إلا أياماً أو شهوراً، وبالفلوس اللي هو بيكتبها بإيده دي الناس هتشتغل عنده، ويدي لها أجرها بالفلوس اللي بيكتبها بإيده، اللي عايز يبيع ذهبه بيبيعه بالفلوس اللي بيكتبها بإيده، اللي عايز يشتغل، اللي عايز يبيع سلعة أو تجارة؛ كله علشان ياخد المية. فبالتالي هو طالما عنده طابعة الفلوس والقوة التي تحمي طابعة الفلوس، هو قادر على أن يشفط كل الثروة الموجودة في العالم. طبعاً الكلام ده بنقوله في أبسط صورة، لكن هو متغطي بالنظريات الاقتصادية وميزان المدفوعات والكلام الكبير ده.
وما هو لما سبق الأمريكان إلى منابع النفط، اضطر الروس أنفسهم للتعامل بالدولار، ولما اضطروا أنهم يتعاملوا بالدولار بقوا أدنى منزلة من الأمريكان. بقى في حد، زي ما قلنا قبل شوية، ما بقاش قادر يعمل سباق تسلح؛ هو علشان يشتري صاروخ فعلياً أو يشتري عقل بيدفع له مجهود حقيقي بيبذله، لكن الثاني بيطبع له ورقة خضراء.
أنا قرأت في أحد التقارير أن أمريكا سبقت العالم بصناعة الأسلحة 100 عام، يعني عندها تكنولوجيا حتى هذه اللحظة مش موجودة إلا عندها، وبالتالي لن يستطيع أحد أن يتخطاها عسكرياً. عبارة أنها سبقت بـ 100 عام عبارة صحيحة، أمريكا لم تكتشف أموراً ما اكتشفهاش أحد، بس هي أمريكا الفترة التي قضتها خالية من الحروب العالمية، الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، أنتج عندها الازدهار الاقتصادي الذي مكنها من شراء حتى العقول والأفكار. العقول والأفكار في بيئة تدعم هذا التطور بتخليها قادرة على الاكتشاف المبكر.
إنك تكتشف أكثر لما أنت بتشتري علماء من كل الدنيا وتجيبهم وتوفر لهم بيئة صحية لتطوير أفكارهم ونظرياتهم، وكل فكرة تقريباً يمكن أن تستخدم عسكرياً. الكاميرا التي نصور بها دي نفسها هي اللي بتقر بالهدف عسكرياً؛ حتى وإن كان أصلها استخدام مدني إلا أنها هي اللي بتصور من بعيد وبتصور بشكل حراري وبصور ما تحت طبقات الأرض وبتقدر تهيمن بها من خلال الأقمار الصناعية. فكل فكرة يمكن أن تستخدمها عسكرياً، حتى الإنترنت الذي كلنا بنستخدمه دلوقتي، كانت بدايته فكرة عسكرية في البنتاجون: إزاي نعمل شبكة ما لهاش مركز، يعني لا يمكن ضربها بحيث تنتهي الشبكة؟ فعملوا الشبكة العنكبوتية دي اللي كل الكمبيوترات فيها متصلة ببعض بدون وجود مركز محدد، فاستخداماته أصلاً كانت استخدامات عسكرية.
إذا كان هذا المحور الثاني، محور اقتصادي، واستعرضنا خمس حقب أو خمس مراحل مهمة بتشرح لنا شو صار معنا في القرن العشرين، نأتي عاد إلى نحن، برضه نحن مهمين من هذا الكوكب. نحن حقبنا أيضاً خمسة محاور في عنوان حطيته الجانب الفكري: عالم بلا خلافة لأول مرة، هيمنة العلمانية وهيمنة الربا، وأيضاً أكثر القرون دموية في التاريخ والنزعة العلموية.
طبعاً هذا الجانب الأخير هو اللي يهمنا، كان يجب أن نقول كل الذي مضى، لكن نحن ما زلنا مهزومين ومستضعفين، وما زالت الأفكار التي نستهلكها في التعليم في الإعلام في منافذ الثقافة، أفكار لا تفهم المسلم. هذا القرن العشرين بالنسبة للمسلم إيه؟ ما الذي تغير فيه بالنسبة للمسلم؟ هذا القرن العشرين هو أول قرن بدون خلافة، طبعاً إحنا الخلافة سقطت 1924، ودي برضه حاجة مفيدة عشان نقول للناس، فأكثر الناس يتخيل أن الخلافة دي حاجة سحيقة بقالها مئات السنين، لا، ده إحنا الخلافة من 102 سنة فقط، يعني ألغيت 1924. فبالتالي لما واحد يقول لك يا أخي أنت عايز ترجع الخلافة؟ يا عم هي أصلاً مش حاجة مستحيلة على فكرة، ومش حاجة بعيدة قوي كدة، لا، ده هي لغاية 100 سنة فاتت كانت موجودة فعلاً.
المهم هذا عالم بمنظورنا نحن الإسلامي عالم تسوده الجاهلية، يعني عالم كل الأفكار التي سادت فيه هي أفكار جاهلية مخالفة للدين الذي جاء الله به. أنت بتنظر في العالم هتجد أنه سيطر عليه في غالب هذا القرن فرعان أو فكرتان: الفكرة الشيوعية، المعسكر الشرقي، والفكرة الرأسمالية، المعسكر الغربي. كلاهما فكرة علمانية، فكرة تستبعد الإله وتستبعد الدين أصلاً. الشيوعية قامت على حرب الدين أصلاً، وكانت شايفة أن وجود المتدين ده هو نوع من الخطر عليها، وبالتالي فيجب أن نفني هذا الدين، ولها في ذلك مذابح هائلة لإفناء الدين ومحاولة طمس الدين، وأنه خلاص الدين ده كان من خرافات العصور الوسطى ومن أسباب التخلف، وهو الذي أدى إلى خضوع الناس للمستبدين.
الشيوعية قدمت نفسها للعالم باعتبارها حركة التحرر العالمي الذي سينقذ المستضعفين من المستبدين، المستضعفين دول يعني حكموا وقهروا واستعبدوا بأمرين: أمر أن في أغنياء بيذلوهم بالمال، والأغنياء دول استعانوا ببتوع الدين عشان يخدرهم ويمنعوهم من الثورة. وبالتالي إحنا هنقضي على هذه الطبقة الغنية وهنقضي على هذه الطبقة المتدينة. ثم سارت المسيرة الشيوعية لتنتج أشنع المستبدين، وأن القياصرة الروس الذين هم أمثلة في الطغيان والاستبداد كانوا أقل بكثير في الإجرام والطغيان من الرفاق الشيوعيين. فالمسلمون وغير المسلمين تحت الحكم الشيوعي عانوا معاناة هائلة ورهيبة، والسجون الشيوعية والروسية دي يضرب بها المثل في التاريخ في مسائل التعذيب والتنكيل وإفناء الأمم، أنت بتتكلم عن عشرات الملايين قتلوا في هذه الفترة الشيوعية.
حتى في الجزء الرأسمالي، الفكرة برضه علمانية وتستبعد القيم والأخلاق وأي معنى روحي. أنت الفكرة الرأسمالية هي اللي خلت المال هو حقيقة الإله. ماذا تساوي أنت كشخص؟ عارف أنت بيقول لك إيه: قل لي في جيبك كام فانت تساوي كام، هو المثل ده مثل وليد الحالة الرأسمالية حقيقة، قبل شيوع هذه الحالة الرأسمالية كان الإنسان مهما كان فقيراً أو ليس ذا مال، فالمال هو وسيلة التقييم الأولى التي يقيم بها.
بها الإنسان، لا كان ينظر إلى ما عنده من علم، إلى ما عنده من أخلاق، إلى ما عنده حتى من عراقة؛ يعني إنسان من عائلة مرموقة. لكن الآن بعد سيادة المال، وأبسط شيء، حرفياً كان يمكن للمرأة أن تموت من الجوع ولا تفرط في شرفها، هذا حرفياً. الآن أنت أمام موجة من البراء؛ حتى في برنامج اسمه أي شيء مقابل المال، مش عارف شفت حلقات منه ولا لا، ده كنت أشوفه وأنا صغير قبل 20 سنة، برنامج أجنبي يختبر قدرة الإنسان على فعل الشيء المخجل المهين بكام.
مثلاً من الحلقات التي لا أنساها: ماشي في الشارع وواحد لابس بدلة وربطة عنق ورايح اجتماع رسمي في نيويورك، في قلب العالم، ويطلع له واحد مش لابس بنطلون، بيقول له: سيدي عندي اجتماع مهم جداً، لكن البنطلون بتاعي حصل له مشكلة، ممكن تسلفني البنطلون بتاعك؟ طبعاً أول حاجة بيرفض، فيقول له: هديك 10 دولار، طب 20، طب 30، طب 100، طب 200، طب 1000، ويفضل معاه إلى اللحظة التي يقبل فيها هذا الشخص أنه يقلع البنطلون بتاعه في الشارع في وسط نيويورك علشان المقابل.
هذا برنامج مهم جداً في أن يفهمك إلى أين وصل الناس. قبل أيام شفت فيديو لواحدة بتقول: تعالوا نختبر الناس، ممكن تسيب دينها مقابل كام؟ وبتروح لأكثر من حد بيقول له: أنت إيه؟ أنا كذا، ممكن تسيب دينك وتدخل الإسلام مقابل 1000 دولار؟ فيقول له: ماشي. طيب خد الـ 1000 دولار وقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فيروح قائل على طول. بيقول النموذج الوحيد الذي وقف ما استجابش ليه هو المسلمين. واحدة حجابك مقابل الـ 1000 دولار، قبل كده برضه كنت بشوفها في بعض اليوتيوبرز، يجي في رمضان مثلاً يقول له: إيه رأيك تفطر على الخمرة دي مقابل آيفون مش عارف كام؟ نعم، تجارب اجتماعية.
شوف الإسلام هو حائط الصد الأخير أمام هذا النموذج، الإسلام هو حائط الصد الأخير. أمام بقية الأديان عملياً انهارت أمام النموذج الرأسمالي، وبقي فعلاً كل شيء يمكن أن يُشترى بالمال. لدرجة أن أنت مثلاً -أنا بكلمك في مصر باعتبار أنها نموذج لبلد مسلم- في مصر أول ما دخلت السينما، أول ما دخل المسرح عندنا في عهد الخديوي إسماعيل، كان يؤتى برجال لكي يمثلوا أدوار الأنثى في المسرح، ليه؟ وكانوا غالباً ما يكونون من نصارى الشام؛ لأنه لا يمكن أن توجد امرأة في مصر تقبل أن تبرز أمام الرجال وتعمل دور المرأة، مستحيل. فكان بيجي الرجل يحلق شنبه ودقنه علشان يمثل دور البنت.
بعد 50 سنة من هذه اللحظة، طبعاً اللي أنا بقوله لك ده اقرأه في مذكرات أحمد شفيق باشا الرجل الذي كان رئيس الديوان، بعد 50 سنة هتلاقي العقاد في مذكراته بيقول إن تقبيل الرجل للمرأة في المشاهد الدرامية ده عمل ساعتها ما بيبقاش فيه شهوة، ده الاثنين بيبقوا عايزين يمثلوا ويتقنوا التمثيل. شغل يا أستاذ محمد، يعني برضه أنت ما تحبكش الموضوع، يعني أنا مش بحبك، أهو أنا بقول لك شوف القيمة الرأسمالية وصلت لفين. مش بس هيبقى في امرأة بتمثل، لا، ده المرأة ستقبل رجلاً غريباً وهيتشاف أنه ده شغل، والشغل مش عيب يا جماعة، وبيقول لك: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟
طيب تعال دلوقتي إحنا وصلنا لفين؟ وصلنا أن البيت الذي ممكن يبقى متدين حتى أحياناً بيودي بنته لمسابقة أجمل صوت وأجمل عارضة أزياء وأجمل ممثلة، عارف أنت بقى اللي هو "أرب آيدول" و"ستار أكاديمي" والكلام ده. هو إيه اللي بيحصل في ده؟ الآباء والأمهات رايحين يودوا أبناءهم وبناتهم علشان تعجب لجنة التحكيم وتعجب الجمهور، والجمهور يصوت لها أن والله صوتها حلو وبترقص حلو وبتعمل وبتمثل حلو. هذا عالم الرأسمالية، هو ده سر الرأسمالية؛ أنه فعلياً زمان كان طبيعي جداً لما حد يشتم الثاني ممكن يحصل حرب فعلاً، لأنه الشتيمة دي قاهرة لكرامة الإنسان، والإنسان كرامته عالية جداً عنده. لكن مع عصور الرأسمالية يخرج لك مثلاً يقول لك: الشتيمة ما بتلزقش، فوتها علشان ما تخسرش يومك، ما تخسرش قرشك، ما تدخلش في معركة أنت مش قدها. الحالة الرأسمالية حقيقة حولت المال لكي يكون هو الإله الموجود.
وطبعاً فكرة أن الإله هو الموجود ده عاد بالسلب على كل الأخلاق؛ اللي هو أنت صادق وتمسك بالصدق طول ما الصدق ده بيعمل ثقة بينك وبين الذي تبيع له، لكن أول ما تقدر تأخذ منه وتنهب، انهب. يعني الأخلاق موجودة بالقدر الذي تخدم فيه المنفعة المادية، لكن المنفعة المادية سيأتي بها الكذب كن كذاباً، سيأتي بها الغش غش، سيأتي بها الغدر اغدر. فبالتالي هنا حصل هيمنة للعلمانية؛ يعني هذا عالم بلا خلافة، ما بقاش موجود فيه أصلاً النموذج الإسلامي الذي يقول إن كرامة الناس مهمة وأخلاق الناس مهمة والمال مش كل حاجة. النموذج الإسلامي اختفى، بقت النماذج الغالبة القاهرة عندك نموذج شيوعي أو عندك نموذج رأسمالي. الناس الذين كانوا مقتنعين بالشيوعية كانوا شايفين هذا الموقف، والناس المقتنعون بالرأسمالية واخدين هذا الموقف بما يعود حتى لو عاد ذلك بالضرر على الدين نفسه.
والنموذج القومي هو فرع داخل الاثنين دول، يعني أنت ممكن تبقى دولة قومية معاك شيوعية، ومعاك دولة قومية داخل الرأسمالية، لكن النموذج القومي هو نموذج بيقول إن إحنا كقوم، إحنا كوطن، إحنا أحسن الناس، ما فيش بقى فكرة ﴿لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى﴾. إحنا حتى في أضعف حالات الخلافة يا أستاذ محمد كنا في إطار عابر للعرق. إحنا دلوقتي في دولنا المعاصرة تقسمت القبيلة الواحدة بين جنسية وجنسية أخرى؛ لأنه خط الحدود جعل هذا وطناً وهذا وطناً، جعل هذا قطرياً وهذا سعودياً، جعل هذا مصرياً وهذا فلسطينياً، جعل هذا مصرياً وهذا سودانياً، جعل هذا جزائرياً وهذا مغربياً، خط الحدود الواحد.
إحنا طبعاً بنحكي عن المحور الثالث، وبنحكي عن عالم بلا خلافة، وأنت بدأت تحكي لنا شو يعني عالم بلا خلافة، شو خطورة بلا خلافة هذي على البشرية وليس فقط على المسلمين. شوف، عالم بلا خلافة ده قصدت به العنوان الذي قلت لك عليه: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ لما تختفي فكرة الخلافة التي ترى أن لهذا الكون إلهاً ومدبراً وأن له شرعاً يجب أن يُسمع له ويُطاع، وأن هذا الدين مؤسس على مركزية الأخلاق، حين يختفي هذا النموذج ويكون البديل القائم هو نموذج علماني؛ يعني هذا العالم ما فيهوش إله، أو حتى لو في إله، روح راضي الإله بتاعك ده في الجامع بتاعك، في الكنيسة بتاعتك، في الكنيس بتاعك، روح تأمل في الجبل، لكن وقت ما تيجي للدنيا هنا تسمع كلام القانون الذي أنا بعمله، والقانون الذي أنا بعمله ده واجب النفاذ حتى لو أنا هكتشف بعد شوية أنه كان غلط، حتى لو هو بيعتدي على حقوقك.
في بحث مهم أتمنى أن يقرأه الجميع للشيخ إبراهيم السكران الله يفك أسره، اسمه طاعة القوانين غير العادلة في الفكر القانوني الغربي، أنت مؤمن بأن القانون غير عادل، القانون الغربي بيقول لك: اسمع وأطع القانون غير العادل حتى لو أنا اكتشفت بعد كده أنه كان غلط، وحتى لو أنا غيرته؛ لما أنا أبقى أغيره كدولة أبقى أنت عبّر عن رأيك واسمع الكلام الجديد. وبعدين أصلاً لما يختفي الإله من وجدان الناس وتتحول حقيقة الألوهية إلى المصلحة والمنفعة؛ يعني ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، ساعتها هيبقى النموذج أن تلاقي "إبستين" وأمثاله عبر العالم، واحد عنده القوة، واحد عنده المال، ما الذي يمنعه؟ ما الذي يحجزه عن أن يقتل الأطفال أو يغتصب الأطفال؟ أصلاً ليه القتل غلط؟ يعني دلوقتي لو ما فيش إله قال إن القتل حرام، إيه الذي يخلي القتل غلط؟ إيه الذي يخلي أكل لحم البشر غلط؟ إيه الذي يخلي اغتصاب الصغيرات الرضيعات غلط؟ إيه الذي يخلي تعذبهم وتقطيعهم غلط أصلاً؟
الأخلاق أساسها الدين، ومن غير الدين ما فيش حاجة اسمها أخلاق، وعلشان كده كان الأستاذ علي عزت بيجوفيتش له كلمة جميلة جداً يقول: هناك ملحدون ذو أخلاق، لكن ليس هناك إلحاد أخلاقي؛ يعني ممكن الملحد ده يبقى وارث كده أخلاق كعرف وعادات وتقاليد وحاجات تربى عليها، لكن لا يمكن يجد أساساً للأخلاق في الإلحاد. إذا أنت بتقول أصلاً ما فيش إله، عارف يعني إيه ما فيش إله؟ يعني ما فيش صح وغلط، الصح والغلط هو ما أراه أنا وما أقدره أنا، فبالتالي كل شيء ممكن، دي أظن كلمة ديفيد هيوم: كل شيء ممكن ما دام لا إله، والإنسان يموت، قل لي كده إيه الذي يخلي فيه حاجة اسمها غلط وصح؟ أبداً.
لماذا ما الذي يجعل الأمريكي يتورع أن يقصف مدينتين كبيرتين بالقنبلة النووية؟ ليه؟ طالما أنا بقصف يابانيين هيموتوا بمئات الآلاف علشان أسرتي أنا تعيش بسلام، أو عشان أنا وطني وعشان قومي يعيشوا كويسين، إيه الذي يخلي قتل دول عملاً وحشاً أصلاً؟ وخذ عندك، هذا بقى يتبدى عندنا في كل شيء، يتبدى مثلاً في الربا، هيمنة الربا، إحنا قلنا عالم بلا خلافة، وعالم هيمن عليه العلمانية بكل آثارها وتوابعها، وعالم هيمن عليه الربا؛ هيمن عليه الربا الذي هو في حقيقته إله لشفط وسحب ثروات الناس واستعبادهم. هو إيه معنى الربا؟ معنى الربا أن أنت الإنسان الذي احتاج إليك مرة في حياته يمكنك أن تستعبده طوال عمره، وفعلاً دي في مناطق موجودة عبر العالم؛ الإنسان جده استلف من آخر مبلغاً، وظل يستطيع أن يسدده بالفوائد التي كانت عليه حتى ورث هذا الدين للابن فظل عبداً لابن الدائن، ثم الحفيد فظل عبداً لحفيد الدائن، وكله بالقانون، ما هو الربا صار نظاماً محمياً بالقوانين، نظاماً محمياً بالأسلحة والأجهزة الأمنية والعسكرية.
حين تطلع، كان في حد نسيت اسمه دلوقتي كان بيقول: عالم الاقتصاد ده عالم دموي جداً إلا أنه ليست فيه دماء، دماؤه الأرقام، يعني الحسرة والجهد والتعب والنصب وضياع المستقبل واستعباد الأولاد، وكونك مش قادر تعالج أولادك ومش قادر تعلمهم ومش قادر تأخذ ما يكفيك، كل ده صار نظاماً، يعني الشعوب في العالم تدفع ثمن رفاهية الغربي والأمريكي. لما تبص على أحوال العمال في الهند وفي فيتنام وفي كمبوديا وفي باكستان وفي أفريقيا، يعني أي أحد سيفتح وثائقيات عن الأحوال في أفريقيا، الآباء والأمهات فعلياً يبيعون أبناءهم بيعاً، يؤجرونهم إيجاراً لمدة سنة وسنتين وثلاث مقابل الذي سيعيشون به شهرين أو ثلاثة، لكن ما فيش بدائل أخرى.
الشركات الكبرى، أنت دلوقتي الصياد الذي كان يروح زمان قدام البحر ويصيد، دلوقتي بقت فيه شركة عالمية جاية محتكرة الصيد على هذا الساحل علشان أعطت بعض الرشاوي أو بعض المميزات لرئيس الدولة هذه، بل وصلت حالات الدول الآن في بيع الناس إلى أن في دول تؤجر أراضيها لدفن النفايات النووية. إحنا عندنا في مصر هذه الأيام يُناقش قانون اسمه كده، اسمه الظريف اللطيف يعني "التبرع بالأعضاء البشرية بعد الوفاة"، لما تنظر في تفاصيل المطروح وفي تحليلات الذين تكلموا فيه، هذا حقيقة هو مشروع لبيع أعضاء المصريين للأجانب؛ لأن أنت ما عندكش أصلاً البنية التحتية الطبية التي تيسر أو تجعل هذا الأمر هو أمر لمصلحة الناس، فهو فعلياً يتحول إلى أمر أن يكون لمصلحة الأجانب. فهذه القوة التي تمركزت في الدولة، ثم قوة الدولة التي تمركزت في النظام العالمي، جعلت الناس عبيداً لعبيد. طيب شو أثر هيمنة الربا على أمة الإسلام وعلى الإسلام؟ أقول لك على مثال واحد، برضه أبسط الأمثلة: دلوقتي أنا خليني أقول معايا 100 ألف دولار، مبلغ، المبلغ ده حاجة من الاثنين: إما أن أنا هروح أعمل بيه مشروع، أو هروح أحطه في البنك.
لو هروح أحطه في البنك، البنك مثلاً هيديني 10% فائدة، 20%، 30%، وأحياناً في دول أخرى بيوصل للفائدة الـ 50%، تمام؟ أو أعمل بيه مشروع، المشروع ده هيجيب لي كام؟ لو هيجيب 10% ولا 20%، طيب أيهما أسهل؟ أحطه في البنك ولا أحطه في المشروع؟ أحطه في البنك وأنام في البيت أحسن ما أحطه في المشروع وأتعب أعصابي وأتابع المشروع، مش كده برضه؟ هنا إيه اللي حصل؟ فلوسي راحت بقت في البنك.
لو أنا عملت بيها مشروع، كان إيه اللي هيحصل؟ كان الفلوس دي هتوجد فرص عمل للآخرين، وهتنمي الصناعة المحلية أو الوطنية أو الإسلامية. لما أنا حطيتها في البنك وأمثالي يحطوها في البنك، مين اللي استفاد؟ اللي استفاد هو حيتان المال العالميين؛ الراجل اللي بيجي يستلف من البنك بال 10 مليون وال 100 مليون علشان يعمل مدينة سياحية أو عشان يعمل كومباوندات كبيرة أو عشان يعمل مصنع كبير، فبالتالي صرت أنا وأمثالي نمول حيتان المال.
حيتان المال دول افرض تعثروا، مين اللي هيدفع الثمن؟ أمثالنا. بس دلوقتي خليك قول إنه لما الثروة كلها راحت لحيتان المال وبقى في مجموعة قليلة تملك أموال البلد، وبقية الناس كل أموالها من خلال البنوك عند حيتان المال دول، ما الذي نخسره الآن؟ نخسره أن الراجل حوت المال ده قادر يتنقل في أي دولة من دول العالم، وقادر يعمل مصانعه أو مشاريعه في أي دولة من دول العالم، ولا يعود ذلك عليّ أنا إلا بالضعف.
أيوه صحيح أنا ارتحت في البيت وخدت فوائد، طول ما العملية مستمرة، ما هي العملية بتتعثر برضه، وهو نفسه ده لما بيتعثر، البنك بيعيد جدولة الديون، ما بياخدوش ويحبسه لأنه غالباً ما بيبقى صاحب نفوذ أو بيقدر يهرب. هو اللي بيتحبسوا دول هم الجماعة صغار المتعثرين مش كبار المتعثرين، تمام؟ طيب بيحصل بقى أكثر من كده أنه الدول الغربية الدول القوية دي غالباً فوائدها في البنوك ضعيفة، ال 1% وال 2% وال 3%، فيحصل إيه؟ يجي واحد أوروبي يروح واخد قرض من بنك عنده بـ 1%، 2%، 3%، ويروح جايب الفلوس دي حاططها في البنك اللي عندي أنا أبو 30% فائدة.
خلاص، ويروح قاعد هو في البيت ياخد الـ 20، 30% فائدة، ويروح مرجع أصل القرض لمين؟ للبنك الأوروبي. قولي بقى المكاسب اللي بيكسبها الراجل ده خدها منين؟ خدها من دم هذا الشعب اللي فيه هذا البنك، لأن هم حطوا فلوسهم في البنك بهذا الشكل. فالربا والبنوك هي فعلياً آلات شفط الثروة والمجهود من أمتنا أو من الدول الضعيفة بشكل عام، اللي هي أمتنا فيها يعني، إلى تركيزها عند السادة الأقوياء المهيمنين، وبالتالي تحولنا إلى عباد مال.
لاحقاً وبعدين شو في ناس بيربط الربا بضرب منظومة الأخلاق؟ صحيح، ما هي هذه متوالية أصلاً، هذه متوالية حب المال هذا يؤدي إلى انهيار الأخلاق. زي ما قلنا قبل شوية، فعلياً كان يمكن للمرأة أن تبيع شرفها ولو ماتت جوعاً، الآن يقل هذا في النساء حرفياً. دلوقتي بتلاقي الواحدة علشان تشتغل، مش عشان تاخد فلوس بس، عشان تشتغل، بتتزين وتتجمل وتتلطف في الكلام، وتبقى لطيفة مع المدير ولطيفة مع زملائها. سحقاً لما وصلت إليها البشرية! سحقاً لما أوصل البشر إليه! والله شيء مش عارف إحنا شو؛ الآن في عالم حرفياً بلا أخلاق.
نحن في المحور الثالث في الفكر، دعنا ننتقل إلى النقطة الرابعة وهي أكثر القرون دموية في التاريخ. العلمانية كانت ترى نفسها حلاً لمشكلة تعصب الأديان؛ الحروب التي خاضتها البشرية هي حروب سببها تعصب الأديان، كل واحد فيهم شايف إنه هو مالك الجنة، وكل واحد فيهم شايف إنه هو بيقضي على عدو الإله، وكل واحد شايف إنه هو في جهاد مقدس. إحنا بقى كعلمانيين عندنا تسامح، والمسيحي زي المسلم زي اليهودي زي البوذي زي الملحد زي أي حد. ما الذي حصل لما حكمت العلمانية؟ وصلنا إلى أكثر قرون التاريخ دموية على الإطلاق.
لماذا هذا القرن هو أكثر القرون دموية مع أنه ما كانش فيه أي حكم ديني؟ الحرب العالمية الأولى عندك من على الأقل 12 مليون قتيل، أصلاً يقدر عدد قتلى القرن العلي بـ 150 مليون، لذلك يسمى أكثر القرون دموية. مات في الـ 100 سنة هي من 100 مليون إلى 150 مليون، خلال هذه الأحداث كلها؛ الحرب العالمية الأولى والثانية، أنا مش بتكلم طبعاً على اللي ماتوا في الحروب وما تسببت فيه من مجاعات أو من أزمات اقتصادية. فكان هذا القرن دليلاً على أنه العلمانية كانت أشد دموية على البشرية من العصور الدينية، العصور الدينية ما كانش بها كل هذه القتلة، بل كما سبق وقلنا في أول هذه الحلقة أن البابا اللي كان يقدر يتدخل ما بقاش قادر يتدخل، ما بقاش له لازمة أساساً عشان يتدخل.
بقت الأمور مسألة أوطان وكرامة قومية ونحو هذا الكلام، وبعدين الفكر العلماني نفسه صنع معنى؛ إيه المشكلة في القتل؟ يعني أنت لما تبقى علماني مخلص للعلمانية ما يبقاش عندك مشكلة في القتل. يعني أقولها لك بشكل بسيط: دلوقتي ليس مستنكراً عند الدولة، عند أي دولة، لما يفيض إنتاجها أن هي ترميه في البحر، لأن هي لو ما رمتهوش في البحر أسعارها هتقل والدولة دخلها يقل. يعني لا يستنكر على الأمريكان بمنطق العلمانية أنها لما القمح يزيد عندها ترميه في البحر، ولا على غيرها برضه في أي بضاعة من البضائع. طيب بنفس المنطق، ما الذي يؤرق ذهن الأمريكي أو الإنجليزي أو غيره حين يقتل الآلاف أو مئات الآلاف من الهنود ولا الباكستانيين ولا البنجاليين ولا المصريين ولا الصينيين ولا أي حد؟ لماذا يكونوا أصلاً خطأ؟
فالعلمانية أصلاً حقيقة جردت الإنسان من كرامته، وكل ما يقال عن فكرة حقوق الإنسان وحريته ما يزالوا في الجانب النظري؛ لا تكاد تجد له أثراً عملياً حين يجد الجد، لما يبقى فيه تهديد جدي ما حدش بيكلمك عن حقوق الإنسان، وآخرها حالة غزة اللي إحنا شفناها دلوقتي. من كان يتصور قبل حرب غزة أن العالم المعاصر ده يسمح بـ 700,000 قتيل؟ ومن كان يتصور برضه أنه تستخدم أسلحة محرمة دولياً وتصدر عن المؤسسات الدولية نفسها إدانات ومطالبات بالاعتقال وما يحصلش أي حاجة؟ يعني النظام اللي هو نفسه عامله لحكم العالم هو نفسه اعترف بأنه هذا خارج عن قانون هذا العالم؛ حصل إيه؟ فرض عقوبات على قضاة المحكمة الدولية.
العنوان الأخير عنوان حقيقة هو جديد عليّ حتى أنا، النزعة العلموية. إيش يعني؟ يعني هذا القرن العين مع تغييب الدين وتغييب الإله، بقى ما الإله الجديد الذي اتخذه هذا العالم؟ النزعة العلموية دي، زي ما بقول كده لما نحب نترجمها في عبارة مفهومة: عبادة العلم. أن العلم ده هو السر في التقدم، هو السر في النهضة، هو السر في القوة؛ كل شيء يمكن أن يخضع للعلم، من أول التربيزة والمادة دي إلى الإنسان نفسه ممكن أن يخضع للعلم.
وبالتالي فالنزعة العلموية في نهضتها الأولى، اللي هو بقى من منتصف القرن التاسع عشر وأنت جاي، كانت ترى أنه كلما تقدم العلم كلما أزيح الإله؛ بنعرف الكون أكثر فبتقدر نسيطر عليه أكثر، فبالتالي كل ما خاف منه الإنسان باعتباره إنه حاجة بيعملها الإله إحنا دلوقتي نقدر نعملها. مثلاً نيوتن اكتشف قوانين الحركة، الإنسان اللي عنده نزعة إيمانية يبص على قانون الحركة اللي اكتشفه نيوتن يقول: سبحان الله، انظر كيف أن هذا القانون يسير الأمور المتحركة منذ الأمد، ما اكتشفناهوش إلا دلوقتي، فسبحان الله، ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]، دي ردة الفعل الطبيعية بتاعة المؤمن. الملحد يقول إيه: بس ما حدش بقى يقول لي الله موجود والله يدبر الأمر والله يسير الريح، في قوانين أهي بتسير الأمور، الحكاية الموضوع مالهوش علاقة بالإله.
مندل مثلاً يكتشف القوانين الوراثية، هتلاقي المؤمن يقول إيه: سبحان الله، انظر كيف الخلية تخلق، والراجل التاني يقول لك إيه: قوانين وراثية مالهاش علاقة بالإله. فبالتالي النزعة الإلحادية راحت واخدة العلم في طريق إنه العلم ده هو الإله القادم، مع أنه العلم كلما سار خطوة كلما اكتشف أن أمامه آفاقاً هائلة، وأن ما يجهله أكثر مما يعلمه، وكلما خطا خطوة اكتشف أن هذه الخطوة تؤدي إلى عديد من المسارات الأخرى ومجالات البحث الأخرى التي يمكن أن يتجول فيها، وما تزال الأكوان تكشف نفسها.
لكن هذا القرن كان فيه هذه النزعة العلموية، طيب هل هذه النزعة العلموية حققت سعادة للبشر كما كان متصوراً في ذلك الوقت؟ أبداً، كان مثلاً يتخيل أن إحنا لو عرفنا دوافع الجريمة عند المجرم بالتطور في علم النفس هنقدر بعد كده ننفي الجريمة من العالم، لأن إحنا خلاص هنبقى عارفين المعادلة بتاعة الإجرام. طيب، ما يزال الإنسان مستعصياً على أن يندرج في معادلة، ما تزال العلوم الإنسانية بعد ما في بداية هذه النزعة العلموية كان متصوراً أنه الإنسان مثله مثل المادة يمكن أن نكتشف القوانين المسيرة له، بعد هذه الرحلة الطويلة جرى اكتشاف أن الإنسان أعقد من أن يستوعب في معادلة كما تستوعب المادة، وأن الأمر معقد ومركب أكثر من المادة.
فلذلك يحدث الآن نوع من المراجعة لهذه النزعة العلموية، لم يعد العلم هو السر، ليس العلم هو السحر، ليس العلم هو الحل. لا، هناك نزعة أخرى لأن العلم ينبغي أن ينزل مرة أخرى ليكون تحت الدين، خصوصاً وأن العلم قد أنتج الأسلحة التي دمرت والمواد التي لوثت البيئة، بينما العلم عندنا نحن المسلمين أمر آخر؛ العلم عندنا نحن المسلمين هو عطية من الله، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، وأن الإنسان مهما حصل واتسع علمه، ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، فالعلم هو نعمة من الله، و﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]. وعلم الله واسع محيط، والإنسان لا يعلم منه إلا القليل، والإنسان مكلف أن يستخدم العلم في داخل وضمن التكليف الإلهي، فلذلك العلم لا يدفع بالمسلم أبداً إلى الإلحاد، ولا يستخدم العلم كذلك في الفساد والإفساد.
أستاذ محمد عندي سؤالين قبل ما نختم، أليس القرن العشرين نتج عنه بعد هالحروب والمشاكل حالة من الثراء؟ نعم، يا أخي نحن عندنا اليوم زي ما أنت شايف بنى تحتية وبنى فوقية، مدارس ومستشفيات، بدنا نأكل، يعني أنا وإياك مثلاً ما بنخاف ننام ونصحى ما نلاقي خبزة، الأمور طيبة، الأمور كويسة بغض النظر يعني دولة قطرية، عرقية، مسمار، مش مهم المهم هينا عايشين، وبعدين بدنا نسافر بنلاقي طيارة بنلاقي قطار بنلاقي سفينة، الأمور كويسة، بتصير مشاكل هون وهون على القوى هي شد وتدافع بشرية طبيعي، مش الأصل أنه القرن العشرين قرن لطيف نتج عنه شيء كويس اليوم نحن عايشينه في القرن الـ 21؟
والله هو هذا كلام يستحق أن يقوله الغربيون والأمريكان بصفة خاصة. في كمان شغلة كويسة، ألم ينتج عنه كمان أنه اليوم البشر من كثر ما وصلوا لحالة من الرفاه صاروا بدهم يصيروا كلاب وينربطوا في الشوارع ينجروا، وبسس وقردة وحمير وأشياء تانية؟ ماشي، أنت كده قفزت على الحتة الأخيرة من الإجابة بقا اللي أنا كنت رايح أقولها لك.
خليني أقولك الأول في مسألة الرفاهية والسهولة، أولى من يتكلم بهذا الكلام هم الغربيون والأمريكان الذين استفادوا من هذا الثراء وهذا الرخاء، بينما شعوبنا تعرضت لمجاعات كثيرة وتعرضت لمآسي كثيرة؛ غزة نبص فيها، السودان نبص فيها الآن، اليمن. صحيح فيه ثراء، لكن الثراء ده متكدس عند شريحة قليلة من الناس تستطيع أن تفعل ما تريد، وأغلب الناس محروم منها؛ يعني اللي عايز يسافر ويروح، أنا عايز أقولك الطيارة دي حلم بالنسبة لناس كتير جداً، في ناس كتير جداً جداً أغلب الناس عاشت وماتت قبل أن تركب طيارة بالمناسبة.
المستوى اللي إحنا فيه ليس هو المستوى الذي يعيش فيه أغلب سكان العالم، فكرة أصلاً أن أنت تبقى واحد بتصحى من النوم تشتغل لغاية آخر النهار وترجع تعبان علشان تقوم تشتغل تاني وتشتغل ست أيام في الأسبوع أو خمس أيام في الأسبوع، ده في حد ذاته عبودية جديدة وإهلاك جديد ما كانش موجود في القرون السابقة؛ يعني القرون السابقة كانت الناس عندها فرصة أوسع لأنه هو يجلس مع أولاده ويجلس مع زوجته ويتفسح ويسافر، لأنه ما كانش محتاج يبذل كل هذا المجهود لكي يكفي نفسه وأولاده فقط. الناس المتمتعين بثراء القرن العشرين هم قلة، والقُلة دي كلما قلت كلما زادت ثروتها وتضاعفت.
لا أعرف الرقم بالتحديد، لكن كان حوالي 50,000 دولار في الليلة، تمام؟ في ناس في فندق قاعدين وبيدفعوا 50,000 دولار في الليلة. أنا أريد أن أقول لك في ناس عاشت حياتها وحياة آبائها وحياة أجدادها لم ترَ هذا المبلغ ولم تمسك به. أنا جئت من أوساط ناس، ورأيت في حياتي هذه -طبعا الحمد لله أنا الآن في حال ممتازة- لكن أنا جئت من أوساط ناس كان يحوش طول عمره، طول عمره يحوش رحلة الحج، نفسه يحج، طول عمره يحوش الفترة دي. وبعدين رأيت أناساً الحج ده عنده قرار، يعني طلعت في دماغه يحج السنة دي فبيطلع الفيزا وبينادي السكرتير يا ابني احجز لي كذا.
فحقيقة المتمتع بمغانم القرن قلة قليلة، وبوضوح. ثم حتى هذه القلة القليلة بعد ما تمتعت بمغانم القرن العشرين هل انعكس هذا على الناس سعادة ورخاء وازدهارا، ولا نشأت الأمور التي تذكرها؟ لأن كثرة اللذات تنتج البطر وتنتج الشذوذات أيضاً. البوصيري وهو يقول: «فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها، إن الطعام يقوي شهوة النهم»، يعني مش كل ما نفسك تبقى عايزة حاجة تروح تديها لها؛ ده أنت لما بتفضل تاكل مش بتشبع لا، ده النهم عندك بيزيد. تعال دلوقتي شوف ظاهرة الفود بلوجرز، ظاهرة الناس اللي حياتها كلها كاميرا، تيك توك مثلا ولا فيس ولا غيره، يجرب في المطاعم فيأكل، وازاي بقى يتسع الأكل والمطعم يجيب فلان اللي بقى علشان فود بلوجر بقى مؤثر. إيه ده؟ دي في مصلحة مين في العالم؟ مصلحة مين في العالم أن الإنسان يتحول إلى حيوان أكول؟
مصلحة مين في العالم أن أنا بعد ما أستفرغ الشهوات بالزنا والشهوات باللواط، أروح أدور على اغتصاب الأطفال الصغار واغتصاب الصغيرات؟ ما الذي يجعلك بعد أن تتمتع بالمزايا دي تفكر أنك تبقى كلب وثعبان وحيوان؟ وفي ناس حتى أمراضها النفسية زي السادية أو زي المازوخية، الناس اللي بتتلذذ بالتعذيب والناس اللي بتتلذذ بالتعذب؛ يتحول هذا لكي يكون ظاهرة، تعال نعملها إزاي، تعال نتفنن فيها إزاي. بالنهاية كلما سدر هؤلاء في غيهم، زادوا غياً وزادوا غفلة وزادوا طغيانا وزادوا فجورا، لم يعد هذا عليهم هم حتى بالسعادة.
سؤال أخير له علاقة بأول نقطة في المحور الثالث، هي عالم بلا خلافة. هو ليش أنتم يا أخي المسلمين دقيقين كثير هيك في قصة الخلافة أو في أي شكل حكم عادل؟ وبعدين ليش أنتم متوهمين قصة أن الغرب جاي يقضي على النظام الإسلامي؟ على فكرة القرن العشرين أثبت للجميع أن كل الإمبراطوريات سحقت بما فيها الإمبراطورية العثمانية، ما في حدا حاط رأسه أنه يقضي على الإمبراطورية العثمانية عشان يقضي على الإسلام الذي ينتشر الذي من الممكن أن يرتقي ويرتفع بالبشرية. هي أكبر دليل ما فيش حدا خايف من الإسلام، يعني أنتم بس عاملين بعبع ووهم ومصدقينه. شو رأيك؟
أنا أقول لك على حاجة: نحن المسلمين نؤمن وهذا في القرآن الكريم أن المعارك الكبرى في الحياة هي معارك العقيدة، لكن هذا لا ينفي أن تنشأ معارك أخرى على أمور غير العقيدة، على المصالح، على الشهوات، على الموارد، على الأرض، على العرق؛ يعني لا ننفي أن هذا قد يحدث من صراعات العالم، لكن المعارك الأساسية والمعارك الكبرى هي معارك العقيدة. عارف لو إحنا حتى سيبنا مما قاله القرآن ومما جاء في السنة، أنت الآن حين ترى المنظرين الغربيين اللي هم الناس بتوع الصراع دول، هم نفسهم اللي بيقولوا أن النموذج الصامد والنموذج الخطير الذي يمثل تناقضا مع الحداثة الغربية هو الإسلام.
يعني مثلا عند انهيار الاتحاد السوفيتي، فرانسيس فوكوياما كتب كتابه "نهاية التاريخ"، قال لك بس البشرية جربت كل حاجة، وانتهت إلى انتصار الليبرالية الرأسمالية. إحنا كده في نهاية التاريخ، ويا أخي ده هيبقى عالم ممل جداً؛ ده اللي هو عالم مش عارفين ما فيهوش تحديات، الدنيا كلها رفاه ورخاء وطرف وكل حاجة عايزينها موجودة، والحريات عظيمة، ده هيبقى عالم تعبان قوي، هيبقى عالم ما فيهوش تحديات.
طيب ده فرانسيس فوكوياما، رد عليه صمويل هنتينجتون قال له إيه؟ "صدام الحضارات". قال له لا يا حبيبي، الناس لما بنديها حرية، هو فرانسيس فوكوياما بيقول إيه؟ بيقول الدنيا جربت فكل ناس هيروح لهم حرية هيبقوا رأسماليين ليبراليين، هيبقى بس عندنا شوية مشاكل صغيرة كده متعلقة بالعالم الإسلامي، بس حيث أننا العالم الإسلامي ده عارفين ناخد منه النفط وعارفين نتصدى فيه للإرهاب وعارفين نعمل حدود ضرره ما يجيناش، يبقى خلاص برده هيبقى عالمنا حلو وكويس حتى ولو الحتة الوحشة دي موجودة فيه. ده خلاصة كتاب فرانسيس فوكوياما. هنتينجتون رد عليه قال له لا أنت غلطان، العالم أول ما بياخد حريات كل قوم بيروحوا يرجعوا لأصولهم ويجددوا حضارتهم، فعشان كده العالم اللي إحنا رايحين فيه ده اسمه عالم صدام الحضارات.
بس أنا برضه موافق معك في أن أخطر حضارة بعيدة عن أن تندمج وتمثل تهديدا لهذا النموذج هي برضه الحضارة الإسلامية. فاتفق الرأيان كلاهما على أن النموذج الإسلامي نموذج مخالف لهذه الحضارة الغربية ونموذج بديل عنها، ولذلك لست أتذكر الآن من القائل أن الغرب يمكن أن يسمح بالبوذية وبالكونفوشيوسية وبأي حاجة تنتشر في الغرب على أساس أنها تكون إشباعاً لأشواق الإنسان الروحية بعد عودته من العمل. هو شغال في العمل، الدنيا مادية وحسابات وإحصائيات وصراع وبتاع، أول ما يرجع عايز يرتاح له شوية كده يبقى بوذي ويتأمل، يشغل موسيقى كلاسيك، أي حاجة تشبع له أشواقه الروحية ماشي، إنما الإسلام لا يمكن أن يسمح به الغرب، ليه؟ لأنه نموذج بديل، ده ما بتعرفش تستخدمه بعد ما ترجع من العمل، بس ده بينشئ في نفسك رسالة وحضارة وإعادة صياغة لهذا العالم، شكل من أشكال العدالة وإنقاذ الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ومكافحة الطغاة وإعادة توزيع الثروة. فعشان كده الإسلام ده نموذج بديل، الغرب لا يسمح أبداً بأن ينتشر. وحتى لما انتهت الشيوعية، الآن انتهينا من الخطر الأحمر وبقي أن ننتهي من الخطر الأخضر، والآن الكتب التي تتحدث عن التهديد الغربي وتهديد الحضارة الغربية لا تكاد تشير إلا إلى الإسلام.
نعم، يعني حتى الصين اللي هي الصين، هو تحدي بالنسبة للغربيين على نفس القاعدة الرأسمالية. الصين صحيح شيوعية كسياسة لكن رأسمالية كاقتصاد وكمجتمع، فهي تمثل تهديداً داخل النموذج، مش نموذج بديل؛ يعني إحنا بدل ما أمريكا هيبقى في صين بس عندها بضائع أكثر، عندها صناعة أكثر، عندها ممكن أسلحة أقوى، لكن ما بتغيرش النظام نفسه، ما بتغيرش النموذج نفسه. لكن الإسلام بديل حضاري، نموذج مختلف، ولذلك مثل خطرا.
امتدادا للمحور السابق محور الاستعمار، ودخولنا في محور الدول المعاصرة أو التاريخ المعاصر، نحن الآن دخلنا كأمة في حالة من المزيد من الهيمنة والسيطرة، في كل المسارات السياسية والاقتصادية. نحن في أي ذروة يا أستاذ محمد؟ نحن وين كأمة، بشكل عام مش كعرب، نحن وين؟ في القعر، نحن في ذيل الأمم. مع أن عندنا دول وعندنا علم وعندنا حدود وعندنا جيوش وعندنا كل شيء، لكن كل ده مظاهر، ألقاب مملكة في غير موضعها، كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد. يعني إحنا أشكال دول حقيقة لكن ليست دولاً، وفي كثير دول مالهاش لازمة وما ينفعش تبقى دول أصلاً بس اسمها دول.
هذا أمر الإجابة عليه تختلف، رأيي الشخصي أن الأمة الإسلامية كانت في قاع القعر في فترة الستينات من القرن الماضي، وأنها منذ ذلك الوقت السبعينات وأنت جاي هي في لحظة صعود. نعم لحظة صعود، لكن صعود سيكون صعوداً دامياً، كفاح دامٍ؛ لأنه ما حدش هيسيبك تصعد بسهولة، لا بد من ضربات ومن حروب ومن معارك لكي تصعد. لكن أنا حين أتأمل الوضع الذي كنا عليه في الستينات فلا شك أنه أفضل كثيراً جداً من الوضع الذي نحن عليه الآن. الوضع في الستينات ده كان المسلمون فقدوا الاعتزاز بالإسلام، أغلبهم فقد الاعتزاز بالإسلام، وكان المتدينون قلة قليلة جداً جداً. الآن حتى الذين لا يعتزون بالإسلام، حتى غير المتدينين حاسين بأنهم مسلمون.
هذا الصعود الذي تحدثت عنه سيحرك الذهب في خزائن أمريكا وغيرها، وبالتالي سيعيد التوزيع العادل للثروة، وهذا ما لا تريده القوى العالمية. أنت عارف يا أبا الحارث خليني أقول لك على حاجة: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَمَسَّكَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأُولُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ». النبي أخبرنا أن أول خلل سيحصل عند المسلمين في الحكم وده حصل في التوريث كما قلنا مع بداية الدولة الأموية، وآخرها الصلاة. المساجد والصلاة هي علامة من علامات الأمة، دي فين؟ أسوأ أحوال المساجد فيما اطلعت عليه في التاريخ كانت في الستينات، قلة المصلين حتى في الفاتح، حتى في أيوب سلطان، حتى في الأزهر الشريف، حتى في مكة. لا أنسى ما ذكره الدكتور محمد موسى الشريف فك الله أسره، قال في الستينات في رمضان في التراويح لا تكتمل في الحرم المكي ثلاث صفوف! والقارئ الإمام كان لا يحتاج إلى مكبر الصوت لأن الثلاث صفوف سامعينه. تعال انظر الآن، مع الشدة التي نحن فيها الناس في حروب زي ما أنت شايف في غزة ولا يتركون التراويح، الحرم المكي غاص بالناس على كل التوسعات التي فيه، الأزهر.. فحالة انتعاشة المساجد هذه مؤذنة بعودة الأمور إن شاء الله إلى ما كانت عليه.
عن جد سؤال أخير وهختم الحلقة: هل الرأسمالية البشعة تريد أن تصل إلى مرحلة من التحكم في البشرية وفي الكوكب أنها فعلا تطبق قاعدة المليار الذهبي؟ هل تؤمن بهذه القاعدة مثلا في شيء زي هيك؟
لا أعرف، لكن الذي أنا موقن منه أن الطغيان في المال يصل إلى الطغيان في الرئاسة، والطغيان في الرئاسة يصل إلى الفرعونية والألوهية، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]. هذه موجودة في أعماق القادة الأوروبيين وفي غطرستهم.
أستاذ محمد جزاك الله خيراً، وضعتنا بصورة أكثر من كافية عامة جميلة، تضمنت ثلاثة محاور أساسية كل محور وقع تحته خمس عناوين فرعية، حلقت بنا في هذا القرن المعقد الذي تحسه لحاله فيه كمية أحداث وقعت فيه عن كل الـ 14 قرناً التي سبقته، أهوال كارثية. والله ورسوله أعلم. أستاذ محمد جزاك الله خيراً.
حياكم الله، وأحسن الله إليكم وإخواني أيضاً جزاكم الله خيراً، حلقة طويلة أنا أعرف، لكن إن شاء الله فيها الخير والفائدة، لا تنسوا أن تشاركوها مع أحبابكم وأصحابكم، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة، دمتم في رعاية الله إلى اللقاء.
لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته وقادته وعلمائه وأحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب. تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.
محمد إلهامي