دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 61. قصة بلادنا في القرن العشرين.. من صنع هذه الدول؟ ولماذا؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

كما أن هذا العالم العربي وبكل صراحة من صاغه؟ أنا أفهم والله أنك تعبر عن رأي الجمهور، وأنا أعذر كل من يسأل هذه الأسئلة. إحنا الآن تحررنا ولا إحنا دخلنا في استعمار أشرس وأعنف؟ الوثائق والمذكرات تروي مشاهد مهينة جداً في هذا الباب. إحنا دولة ذات سيادة، تيجي تقول لي والله إحنا انصنعنا لأنه في قلم رصاص رسم خطوطاً على الرمال، فتحركت فصار في دولة اسمها... إحنا، كون أن في حكومات اسمها وطنية فيما بعد رسخت هذه الحدود وجعلتها حدوداً مقدسة، وبدأت في إنشاء هوية وطنية، هذا تابع لكون هذه الحكومات التي تلت الاستعمار هي جزء من الاستعمار.

كذبة سايكس بيكو هي وتضخيمها وتكبيرها بشكل كبير، وأنه الخط طلع من عكا إلى كركوك وبدأوا يقسموا وكأنه نحن مش موجودين، هذا يعني أفورة زيادة عن اللزوم. أنت عارف الجامعة العربية من الذي أنشأها؟ من الذي أنشأها؟ الإنجليز. يا لطيف، كم واحد يعرف المعلومة دي؟ له يا أستاذ، الإنجليز هم الذين أنشأوها، بدل ما نتفق مع كل حكومة مع بعض، تعال نجمعهم على ترابيزة وندي الأمر. ماشي سايكس بيكو قسمونا، لكن لا أقبل أن تقول لي أنه من صنع النخب أيضاً هم الغرب أيضاً، وهؤلاء بذلوا الجهد ولكن الثمرة ذهبت إلى رجال الاستعمار.

شوف، إحنا شاطرين عملنا ثورة وعنا مجاهدين ومقاومين، وبالأخير طردنا المحتلين وعملنا بلد لنا. أنتم الفلسطينيين مشكلتكم بصراحة أنتم ما عرفتوا تعملوا دولة، ليش ما طردتوا المحتل وعملتوا دولة وخلصتونا من الطابق؟ قطاع غزة كان تابعاً للمصريين والمصريين هم اللي تخلوا عنه، النظام المصري، الضفة الغربية أخذت من النظام الأردني، لم تؤخذ من الفلسطينيين.

لو دولة من الدول اليوم حاولت هيك عن جد يعني بشكل جاد أنها تتخلص من الهيمنة شو حشر فيها؟ لا ريب، ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، وللحرية الحمراء باب بكل يد مدرجة يدق.

سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مائة سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نطرح التساؤلات الملحة ونجيب عنها أيضاً. لأننا نبحث عن إجابات لأسئلة أو إشكالات أو شبهات لطالما عشاقها أثاروها على السوشيال ميديا تحديداً، وفي كثير من النقاشات والحوارات هنا وهناك، بدءاً من الدكاكين والبقالات والحوارات اللي على الواقف هي، وانتهاء بالمؤتمرات والأوراق البحثية، لذا كان هذا البرنامج إجابة عن مائة سؤال في التاريخ. لمن انضم إلينا، نحن وصلنا إلى المحور الأخير، المحور العاشر: التاريخ المعاصر، ونحن الآن في الحلقة الحادية عشرة. دائماً وأبداً لا يستقيم أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً بك أستاذنا الفاضل.

يا مرحبا، أهلاً وسهلاً يا أبا الحارث، حياك الله.

أستاذ محمد، وصلنا إلى السؤال رقم اثنين وتسعين، جاهز للسؤال اثنين وتسعين؟ توكلنا على الله. أستاذ محمد، الحلقة السابقة كانت حلقة طويلة، نعم، ولكن رائعة شكراً جزيلاً، بارك الله فيك. وكنا بنحكي عن القرن العشرين، وبتعرف بأول الحلقة طلبت هيك نقعد نحلم مع بعض في بداية 1900، وبعدين صحينا بعض من النوم، هو هيك عشان نفوت على الكابوس اللي اسمه القرن العشرين. يا لطيف الطف، قديش في أحداث مخيفة يعني، نعم. سنبقى في القرن العشرين، وسأبدأ بالشبهة مباشرة في هذا السؤال. أنت بتعرف طبعاً أن كثيراً منا يستسيغ ويحلو له أن يعتبر أن الدولة العثمانية كانت استعماراً وكانت احتلالاً، ويا سيدي بدي أقول لك أنا موافق اعتبرها احتلالاً واعتبرها استعماراً، خلاص، طيب. أريد أن أسأل الآن، الآن هذا الاحتلال العثماني انتهى، خلص، "باي باي"، فش عنا، وانهارت الخلافة، أوكي، وانبسطتوا يابا؟ آه انبسطنا، عظيم جداً، انتهى الاستعمار العثماني. هذا السؤال، وعليه: هل كان انهيار الخلافة هو فعلاً نهاية حالة أو مرحلة من الاستعمار وبداية لمرحلة جديدة من استعمار لكن من نوع آخر، أم ولا إحنا فعلاً تحررنا وأخذنا حريتنا وأمورنا؟ زي هذا الكلام انبنى عليه أستاذ محمد قصة جديدة، وهو أن العالم العربي هذا بدأ يتشكل، وبالتالي وأيضاً عالمنا الإسلامي أيضاً بدأ يتشكل، مش بس العالم العربي، وعليه بدنا نسأل هذا العالم العربي وبكل صراحة: من صاغه؟ من صاغ الدول العربية الحديثة؟ إحنا بمحض إرادتنا هيك بقوتنا بشطارتنا، أم أن النظام الدولي هو الذي صاغنا كونه هو المنتصر فعلياً؟ وعليه أريد أن أسأل كيف تشكلت النخب التي تحكمنا حتى يومنا الحالي؟ طيب.

بعد أن تشكل العالم العربي، أستاذ محمد، بتعرف إحنا عملنا ثورات وثرنا على الاستعمار، ورحل الاستعمار الجديد أيضاً، وعليه أيضاً نريد أن نسأل: هل نستطيع القول فعلياً أن الاستعمار قد رحل ولا أننا دول لا نزال تحت الاستعمار؟ أو كما يقولون: خرج الاستعمار من الباب وعاد من النافذة. وأخيراً أريد أن أسأل أستاذنا: هل كانت العلمانية، كونه هي أيضاً محور جداً مهم كان في الحكم ورسم أو صياغته بشكل عام، هل كانت العلمانية خياراً أم كانت قسراً مفروضاً تحت تأثير الهزيمة؟ السؤال اثنين وتسعين أستاذ محمد، تفضلوا.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يعني كانك يا أبا الحارث تسأل عن مسيرة الأمة في القرن العشرين، أو عن تكون العالم العربي والإسلامي خلال القرن العشرين. أبدأ بسؤال الشبهة، طبعاً اللي شايفين أن الحكم العثماني كان احتلالاً، فالمفترض نبقى شايفين الناس كانت فرحانة بزوال الحكم العثماني، دلوقتي في ناس فعلاً، أنا حتى بصيت على التعليقات قبل ما أجي لك الحلقة، فلقيت واحد مثلاً بيفتخر يقول: أنا ما هقول بلاش أنا من البلد الفلانية التي لم تخضع أبداً للعثمانيين ولي الفخر، تمام، وطبعاً الجماعة القوميين والجماعة الوطنيين يقول لك: يا عميل الأتراك ومش عارف إيه. القصد، المفترض الناس تبقى فرحانة بأن إحنا تخلصنا من الاحتلال التركي، على العكس حين نرجع إلى ذلك الزمن لا نجد من يفرح للتخلص من الاحتلال التركي إلا عملاء الإنجليز والفرنسيين. ما سوى ذلك من الناس كانوا في غاية الحزن على زوال الاحتلال -بين قوسين بقى- التركي العثماني.

ومما يحفظه الناس في ذلك مثلاً أقرب شيء قصيدة شوقي، شوقي لما ألغيت الخلافة قال قصيدته المشهورة: عادت أغاني العرس رجع نواحي، ونعيت بين معالم الأفراح، كفنت في ليل الزفاف بثوبه. وتكلم في أمورها، ثم قال: الهند والهه ومصر حزينة، تبكي عليك بمدمع سحاح. والشام تسأل والعراق وفارس: أمحا من الأرض الخلافة ماحي؟ وقصيدة مليئة بالحزن ومليئة بالجراح، وهو يبقى زعلان وبيعبر عن ندمه عن أمداحه للأتراك الذي مدحه قبل ذلك، ويقول: نزعوا عن الأعناق خير قلادة، ونضوا عن الأعطاف خير وشاح. قصيدة لذيذة جداً جداً، ما حافظ إبراهيم مثلاً بيقول: أيا صوفية حان التفرق فاذكري، عهود كرام فيك صلوا وصوموا، أو ما نحو ذلك، سبحان الله نسيتها. إذا عدت يوماً للصليب وأهله، وحلى نواحيك المسيح ومريم الصور، فلا تنسي عهد الكرام، عهد المآذن، أنه على الله من عهد النواقيس أكرم.

فالناس اللي كانت موجودة في ذلك الزمن تفجعت على انهيار الحكم العثماني، وأكثر الذين تفجعوا هي الديار التي لم تحتل، الديار التي كانت تحفظها السلطة العثمانية عن أن تحتل وعن أن يأتيها الإنجليز والفرنسيون، وهؤلاء هم أهل الشام والعراق على وجه التحديد؛ لأن أهل الشام والعراق كانوا صحيح يعانون من نفوذ أجنبي، لكن بالنهاية كانت أراضي إسلامية لم يحتلها الإنجليز والفرنسيون. فمنذ أن أزيح عنها الحكم العثماني حتى احتلها الإنجليز والفرنسيون واقتسموها. فبالتالي هذه المشاعر الزائفة هي مشاعر صنعتها الدول الحديثة المعاصرة، لم تكن مشاعر المسلمين في وقتها الفرح برحيل أو بزوال الاحتلال التركي.

وأنت نحن كنا ذكرنا في حلقة الثورة العربية أن جماعة الاتحاد والترقي حاولوا بالأساس أن يدخلوا الحرب العالمية الأولى، إلا أنهم لما وجدوا أنهم غير قادرين على أن يبرموا أي معاهدة مع الروس والإنجليز والفرنسيين فهموا تماماً أن بين هذه الدول اتفاقيات لتقسيم أراضي الدولة العثمانية، وذكرنا بعد ذلك أن هذه الاتفاقية ظهر جزء منها، وهي اتفاقية سايكس بيكو في وقت الثورة العربية الكبرى وفي قبل أن تنتهي الحرب العالمية الأولى، وأبرمت عام 1916 بين الوزيرين الإنجليزي والفرنسي مارك سايكس وجورج بيكو، وكان معناها أن تقسم فيكون الشمال، شمال أراضي العراق والشام إلى الفرنسيين، وجنوب أراضي العراق والشام إلى الإنجليز.

يعني الخلاصة يا أبا الحارث، أنه دولة مثلاً زي فلسطين وضعت في هذه الاتفاقية تحت انتداب أو جعلت في هذه الاتفاقية منطقة دولية، تمام، الإنجليز والفرنسيون ما توصلوش فيها لحل، فوضعت تحت منطقة دولية، ما حدش فيهم حب يفرط فيها. طيب، فما الذي حصل؟ لويد جورج الذي كان رئيس الحكومة في ذلك الوقت كتب في مذكراته: إنني كنت رافضاً لتمزيق أرض الرب، وبالتالي الإنجليز سيطروا عليها، وهذا جزء من الإخلال باتفاقية سايكس بيكو، وبالتالي الفرنسيون اقتحموا سوريا، وهذا أدى إلى أنه بريطانيا نقلت فيصل الذي كان ملك سوريا وجعلته ملكاً في العراق، وهذه كانت تسوية مقابل ثورة التي اندلعت في العراق في ذلك الوقت؛ لأن بريطانيا أصلاً أرادت أن تحتل العراق احتلالاً مباشراً، وليس أن تحكمه من خلال شخصية عربية.

فالآن فلسطين، عارف أنت لما تنام بالليل وأنت عثماني، تصحى الصبح تلاقي ما حدش مكلف بالدفاع عنك؛ يعني أشد من وقوع الاحتلال أن ما حدش مهتم يدافع عنك أصلاً. تمام، يعني خلينا نقول كده: حصل احتلال لأي بلد من البلاد، السلطة الشرعية حتى وإن هزمت فهناك فئات باقية، فلول نظام قديم، دولة عميقة بتحاول تستعيد الأرض التي سلبت. أما الآن فالذي حصل حصل التطور الذي حصل في تركيا أصلاً، أنه تركيا صارت إلى مسيرة هي بنفسها تخلت عن الخلافة وعن هذه الأراضي، يعني باختصار شديد: هزيمة تركيا أدت إلى احتلال تقريباً كل الدولة العثمانية أو ما بقي منها ما عدا بقية من الأناضول في الوسط، لو حد كتب معاهدة سيفر سيجد هذه الخريطة.

طيب لما ظهر أتاتورك، وأتاتورك ظهر والطبيعي أنه -الذي ما تزال تثبته الأحداث ثم الوثائق فيما بعد- أنه كان تيار مقاومة مدعوماً من الخليفة، وإلا فهو كشخص لم يكن شخصية قيادية ولا ذات أثر تؤهله لأن يتبعه كل هؤلاء سواء من الجيوش أو من الناس. مجهود أتاتورك هو الذي بنى الحدود المعاصرة لتركيا، يعني لما تقارن بين المعاهدة اللي هي معاهدة سيفر والحدود التي أقرت في معاهدة لوزان، الزيادات دي هي زيادات أتاتورك، وهي النصر الذي يعيش عليه الأتراك حتى الآن، ويرون به أتاتورك منقذهم ومؤسس الجمهورية، والذي حفظهم من الضياع. تمام، ولذلك حتى يغيب عن بال الناس في ظل الضغط الإعلامي والضغط التعليمي، أنه حتى حدود تركيا المعاصرة دي هي حدود هزيمة؛ لأن تركيا قبلها كانت تحكم الشام والعراق وحتى الجزيرة العربية ما كانتش محتلة، فهذه نفسها أيضاً حدود هزيمة، إلى أن قال هذه الكلمة أردوغان، قالها في خطاب من الخطابات، أنه حدود معاهدة لوزان ليست حدود النصر ولكن حدود هزيمة.

طيب الآن لما أتاتورك يعلن إلغاء الخلافة وتخليه عن بقية الأراضي، واللي عايز يعمل خلافة عندهم يعمل، واللي عايز يحرر أرضه يحرر، لكن إحنا الأتراك وادي المستطيل بتاعنا، وسماها حتى تركيا، هذا الأمر لم يسؤ ولم يثر فقط العرب، وإنما حتى بقية الأتراك؛ بقية الأتراك يعني مثلاً كنت أقرأ قبل زمن في كتاب اسمه تركستان الشرقية لمؤرخ تركستاني، ففي بدايات صفحاته الأولى غاضب وحانق جداً من تسمية جمهورية تركيا الحديثة "تركيا"، بيقول إذا أراد أن يسميها تركيا فليسميها تركيا الغربية، لكن هو لما سماها تركيا كأنه حصر الأتراك في هذه المساحة بينما الأتراك حقيقة منتشرين حتى تركستان الشرقية، فهو صادر حتى على بقية الشعوب التركية، هو عمل لبس كبير بالاسم، وعمل لبس كبير بالاسم نعم، خصوصاً وأنه اللي موجودين داخل تركيا المعاصرة دي ليسوا كلهم أتراك، فيهم أكراد وفيهم عرب وفيهم لاز وفيهم شركس وفيهم أعراق أخرى.

طيب، لكن بدأت رحلة تكوين الدولة القومية، القصد ناس زي الفلسطينيين، أسوأ ما جاء إليهم بعد الاحتلال الإنجليزي مش أنهم بس جرى احتلالهم، أنه ما فيش حد شايف نفسه مكلف بالدفاع عنهم. آه، يعني أنت عارف مثلاً خليني أقول لك ببساطة كده إحنا عندنا في مصر، هضرب المثل المعاصر، إحنا عندنا في مصر لو جه حد واحتل الإسكندرية أو احتل سيناء أو احتل الصعيد، تمام، والحكم الذي قام في بقية مصر قال يا جماعة إحنا حدودنا إلى القناة، أو حدودنا إلى شرق الإسكندرية، أو حدودنا إلى شمال الصعيد، واللي عايز يحرر نفسه بقى يروح يحرر نفسه، فساعتها النكبة على أهل الصعيد أو أهل سيناء بتبقى نكبتين مش نكبة واحدة؛ لأنه مش بس تخلوا عنه، لكن هو ما فيش حد بيفكر بالدفاع عنه. فعلى كل حال كان انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ثم سقوط الخلافة.

نكبة شديدة حلت بالمسلمين، وساعة إذ لم يحصل العرب على الاستقلال كما تخيل المخدوعون منهم الشريف حسين ومن معه، وإنما حصلوا على الاحتلال الأجنبي الكافر الأصلي.

وأذكر أحمد الشقيري في مذكراته؛ أحمد الشقيري قلنا شخصية قومية ولكن أبوه أسعد الشقيري كان مفتي الجيش الرابع العثماني ومن الشخصيات العثمانية المشهورة، فطبعًا هم من عكا، فأسعد الشقيري كان ضد الانخلاع من الدولة العثمانية. أسعد الشقيري ابن أحمد رغم أنه ولد بعد ذلك، يعني هو لم يشهد هذه الأحداث لكن كان مقتنعًا بالقومية، يعني طبعًا هو ندم في مذكراته وكتب كثيرًا في أنه عصر الدولة العثمانية ده أنا شهدت الناس وهم بيسموه عصر السعادة. لكن الفكرة بقى فين أن أسعد الشقيري لما بدأ اليهود يتوافدون إلى فلسطين، قال: شوف آخرها مارضيناش بالعلم العثماني ويبدو أننا هنموت تحت العلم اليهودي، مش بس العلم الإنجليزي.

نعم، وبالفعل التركة التي تركها أسعد الشقيري في عكا لم يستطع أبناؤه أن يحصلوا عليها، لأن كل عكا احتلت وصارت الآن جزءًا من إسرائيل. في حقيقة كان بالنسبة للقرن العشرين، وخلال القرن العشرين وبالنسبة للأمة الإسلامية كان هذا القرن قرنًا من النكبات المتوالية. فأنت بتشوف مثلًا سنة 1916 اتفاقية سايكس بيكو، إزاي الأرض بتقسم بدون أي تدخل من أهلها وبدون أي سؤال لهم عن إرادتهم ولا عن ما يرغبون فيه. ويجي 1917 بكارثة أكبر وهو وعد بلفور، اللي هو مش بس إحنا سنقسم أرضكم، ده نحن سنمنح أرضكم إلى آخرين سنأتي بهم من كل الدنيا. وعد بلفور ماذا كان يعني؟ هو تعهد بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ولما تقرأ الوعد مجردًا كده تستفز للغاية، يقول لك: حكومة صاحبة الجلالة ملتزمة بإقامة وطن لليهود في فلسطين، على أن لا يؤدي هذا إلى ضرر بأي من الطوائف غير اليهودية الموجودة في الأرض.

كأن الأرض كانت فاضية، والناس اللي موجودين فيها طوائف غير يهودية. يعني مش كأن دي أرض ولها شعب وفيها سكان ولهم وجود قديم، لا. شوف المصطلح، طوائف غير يهودية، يعني كأن الأرض مالهاش ناس حرفيًا. لكن طبعًا كلمة وطن قومي لما تيجي لتفسيرها في ذاك الوقت وفقًا للتعريف الإنجليزي لها، ومش منحهم أرض فلسطين كلها، منحهم أماكن حكم ذاتي صغيرة تابعة لهم مع الاحتفاظ للفلسطينيين بأرضهم. سنأتي عليها ربما في قسط فلسطين، بس هو ده السياق الذي حاول أن يتذرع به بعض القانونيين العرب، لكن في حقيقة الأمر هو كان يريد منحهم وطنًا، لأن أغلب الذين تحركوا في هذا الملف بدوافع دينية، حتى بدوافع استعمارية بس على الأقل بدوافع دينية، كانوا يرون أن عودة اليهود إلى هذه الأرض هو تحقيق إرادة الرب، في سياق إن شاء الله سنأتي إليه.

أنا لم آتِ ولم أذهب إلى فكرة تفكك الاتحاد السوفيتي ولا تفكك الإمبراطورية الروسية ولا تفكك الإمبراطورية الألمانية ولا غيرها من الإمبراطوريات التي تفككت، نحن يهمنا اللي له علاقة فينا، اللي بتاريخنا وإن كان كله بيدخل على كله. فإحنا كنا بنسأل سؤال الشبهة هذا الكبير مشان نعرف ننتقل لشيء ثاني، من يعتقدون أن العثمانيين كانوا محتلين، سقطوا خلاص شكرًا جزيلًا، إحنا الآن تحررنا، ولا إحنا دخلنا في استعمار أشرس وأعنف ودخلنا في هيمنة مش عارفين نطلع منها لليوم؟

نعم صحيح، شوف هقول لك على حاجة، إحنا دخلنا في الاحتلال الأشرس والأعنف، والدليل على ذلك البسيط أن أسوأ فترات الدولة العثمانية في حكمها للديار العربية هي فترة جمال باشا السفاح، اللي هو إحنا في الآخر بنحسب الذين أعدمهم أو الذين استبد بهم، هنلاقيهم في الآخر ما يوصلوش لـ 40، 50 واحد. إحنا قلنا أكبر عدد كان 34 في ذلك الوقت. طيب تعالى بقى لما دخلنا في عصر الإنجليز والفرنسيين، ما الذي حصل؟ الذي حصل أن أنت بقى عندك عند كل انتفاضة مئات القتلى، وهدم المساجد، والاعتداء على الأعراض، وتمكين اليهود والنصارى من الأرض ومن المناصب، أنت دخلت في حالة أخرى مختلفة تمامًا من الاحتلال.

يعني العرب في أواخر الدولة العثمانية كانوا يطالبون أن هم يبقوا جزءًا من الحكومة، جزءًا من الوزارة العثمانية، جزءًا من البرلمان العثماني، يبقى لهم قرار. طيب لما جالهم الإنجليز والفرنسيون كان هذا أبعد شيء عن أذهانهم، أن هم يبقوا جزءًا من البرلمان الإنجليزي ولا جزءًا من الحكومة الإنجليزية ولا جزءًا من الحكومة الفرنسية، هذا كلام لا يخطر ببال. كان غاية ما يطلبون أن يظلوا في أرضهم دون أن يهجروا أو أن يطردوا منها أو أن تستلب منهم أموالهم. فبالتالي حقيقة في ذلك الوقت صار العالم الإسلامي كله تحت الاحتلال، حتى المناطق غير المحتلة احتلالًا مباشرًا وهي مناطق بسيطة -يعني مثلًا الجزيرة العربية- فهي واقعة تمامًا تحت النفوذ الأجنبي؛ لا يستطيع لا السعوديون ولا يستطيع الأتراك هنا في تركيا أن يكون لهم لا رأي ولا موقف ولا تصرف ضد رغبة الدول الكبرى، لا يستطيعون ولا حتى يفكرون في ذلك.

بل إن أنت حين مهما زعموا للاستهلاك الداخلي أن هم مستقلون، مهما زعموا ذلك أو مهما نادوا بالقومية وبالشعب التركي وبغيره، الواقع والحقيقة أنه في عالم السياسة لا يستطيع أن يستخدم أي شيء، بل إن المنشور من الوثائق يورد مشاهد مهينة لتذلل هؤلاء الحكام إلى السفير الإنجليزي والمبعوث الإنجليزي والقائد الإنجليزي، وأنا تحت أمرك وأنا بتاعك وأنا ما أقدرش أخالفك، الوثائق والمذكرات تروي مشاهد مهينة جدًا في هذا الباب. فالخلاصة أن العالم الإسلامي كله صار الآن تحت الاحتلال، حتى وكما قلت حتى الحكومات التي لم يكن عندها احتلال مباشر فهي واقعة تحت الاحتلال غير المباشر.

ونيجي بقى للبريطانيين، كان لديهم أسلوب لطيف في الاستعمار، اللي هو أسلوب في استعمار بس ما اسمهوش استعمار. حاجة مثلًا زي مصر، هنديها استقلال، واسمه استقلال كده، والراجل البريطاني اللي موجود شكله سفير، بس هو السفير اللي بيعمل كل حاجة، وكل وزارة فيها مستشار إنجليزي، بس خلي الوزير المصري يكسر كلمة المستشار الإنجليزي، يقول لك ده مجرد مستشار خبير. وهكذا تروح مثلًا على الأردن، الأردن تحت الهيمنة الإنجليزية، القادة الإنجليز هم اللي ماسكين الجيش الأردني، تروح على العراق نفس الكلام، أيوه صحيح في ملك، الملك فيصل، لكن في الآخر الوجود والقوة والذين يسيرون هذه السياسات هم الإنجليز.

ففي كده حالة يسميها لورد دوفرين، اللي هو نحن لا نحكم مصر، نحن نحكم من يحكم مصر، وكرومر في مذكرته له كلمة جميلة كده: أن إحنا هنتصرف وكأننا محتلون بس مش هنقول أن إحنا محتلون، هنعمل اللي إحنا عايزينه بس هنقول ده لمصلحة البلاد. ممكن أبقى أبعث لك العبارة بدقة لأن نشرها يضيف لك العقلية الإنجليزية كيف كانت تتصرف.

أستاذ محمد، يعني ما العيب أنه يكون الجيش اللي عندنا قائده إنجليزي؟ يعني شو المشكلة أن السفارة يكون فيها مستشار إنجليزي؟ يعني شو اللي مضايقك أنت ليش زعلان من هي القصة؟ أقول لك شغلة، نرجع لورا شوية وبرضه خلينا في العثمانيين، هو محمد الفاتح مش المدفع السلطاني اللي هو كان أحد أهم أسباب الفتح -بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- مش عمل لنا إياه قربان المسيحي؟ طيب ما هي جيش وفي مسيحيين وبيصنعوا لنا أسلحة كمان، ليش ما كنا زعلانين هناك وزعلانين هلق مثلًا؟

طبعًا الفارق واضح وهائل، كون أن أنت جيش عثماني صاحب قرارك، السلطان نافذ القرار فيه، ثم تستعين بخبرة فنية أو تقنية، واحد بيصنع مدافع واحد بيصنع أسلحة بتجيبه بتدي له مرتب أو بيبقى جزء من الجيش بتاعك، هذا شيء، وكون أن يجي الجيش الإنجليزي يحكم البلد عمليًا ويصير هو أعلى من كل شيء وهو الذي يدير السياسة، والملك والوزراء هم اللي بياخدوا مرتباتهم من الجيش الإنجليزي، هذا شيء آخر وفارق لا يشتبه على أحد. إن البلاد العربية هذه في أحوالها التي قسمت فيها هي بلاد غير قادرة على الحياة حقيقة، يعني بلادنا العربية المعاصرة دي بلاد غير قادرة على الحياة بمفردها، ما عندهاش من الموارد الذاتية ولا من السكان ولا من قدرة الدفاع أنها تعيش لوحدها، هي البلاد دي مقسمة برغبة الأجانب ومربوطة حتى الآن بقوة الأجانب.

ولذلك أنت لا تجد أي معنى لتقسيم الدول العربية المعاصرة، لأن الخط الذي يرسم على الخريطة، إحنا نكاد نكون المنطقة الوحيدة اللي الخطوط في خريطتنا خطوط مستقيمة لأنها رسمت على الورق، لم تكن على الأرض. أنت تبص على خريطتنا في العالم العربي، بص كده على حدود السعودية مجموعة من الخطوط المستقيمة، العراق، الأردن، سوريا، مجموعة من الخطوط المستقيمة، مصر، ليبيا، السودان، ليبيا، الجزائر، تونس، كلها مجموعة خطوط مستقيمة رسمت على الورق لم تكن حدودًا فعلية على الأرض، ليست قسمة أقوام طبيعية. وعشان كده الحد الذي هو حد مستقيم فعليًا قسم عائلات وأسر وبيوت وعشائر وقبائل، فصار نصفها هنا ونصفها هناك. فعالمنا العربي صاغه الأجانب وكيف صاغوه؟ صاغوه لمصالحهم وباتفاقياتهم. يعني كل منطقة دول الخليج هذه هي في حقيقتها مجموعة من حقول النفط التي اكتشفوها فرسموا حولها خط وسموها دولة، ليس لها معنى آخر، لأن القبيلة اللي موجودة في الكويت موجود نصها الثاني في السعودية، موجود نصها الثالث في العراق، الحدود بين الإمارات وبين قطر وبين السعودية وبين اليمن وبين عمان كل دي قبائل متداخله، فهو الأجانب رسموها على وفق هواهم هم وعلى وفق مصالحهم هم.

ولذلك أنا ما أشك ولا عندي أدنى شك في أن هذه الشعوب إذا تملكت قرارها وتحررت، هذه الشعوب هي نفسها التي ستطالب وستسعى إلى التوحد، لأن بقاءهم على هذا النحو لا يفيد أحدًا أصلًا ولا حتى يفيدهم هم. وإن كان بعض البلاد مثلًا تعيش في سكرة الوفرة المالية الآن، فهي تعاني معاناة حقيقية في عدم وجود القوة الدفاعية، عدد السكان القليل والمال الكثير لا يمكنهم من أن يدافعوا عن أنفسهم، فلذلك ستجد أن أغلب هذه الجيوش فيها عناصر من غير هذه البلد، هي في النهاية متسمة بقوة دولية.

والله أستاذ محمد هذا شيء مهم اللي أنت حكيته، يعني أنا بفهم أن دولة فقيرة ممكن أن تبقى تحت الهيمنة وتحت الاحتلال وكل هالكلام وأن تتحول فعلًا إلى دولة وظيفية بتنفذ ما يطلب منها، لكن دول صار عندها حدود وعندها شعب وعندها جغرافيا حقيقية أرض وعندها ثروات، يعني كل هالسنين هي ألا تكفي؟ ألم تكن كافية لأن تصنع قوة تجعلك تخرج من تحت الهيمنة وترفع سقف استقلالية قرارك؟ يعني تزيد من فكرة أنك صاحب قرار مستقل، ألم يكن هناك فرصة، ولا هو شغف يعني هي لذة البقاء تحت الهيمنة؟ يعني إيش الفكرة أنا مش قادر أفسرها صراحة.

شوف هو لا يمكن تفصل الأمرين عن بعض، هو لا شك أن الحكم والسلطة هي منتهى اللذائذ والغرائز، وأنه إنسان يحب أن يحكم 3-4 متر مربع وأن يكون فيها سيد الناس، هذا أهون وألذ لنفسه من أنه يكون جزءًا محكومًا من كيان أكبر، دي ما فيهاش شك تمامًا. بس هذا يكون عند طبقة الحكم، لكن هذه الدول بطبيعتها أعجز من أن تكون أن ترفع السقف؛ إمكانياتها لا تحتمل. شوف أنا دلوقت بكلمك وأنا من مصر اللي هي أكبر الدول العربية سكانًا، واللي تقدر تقول أنها من وجه آخر أوسع هذه الدول موارد في مش بس النفط لكن في المعادن في المياه، ومع ذلك أنا أشهد بأن مصر وحدها لا تستطيع أن تقوم في السياسة العالمية مقامًا يوازي لا الإنجليز ولا الفرنسيين ولا الأمريكان، وحدها لا تستطيع، وأنا بكلمك عن أكبر الدول العربية سكانًا.

لماذا مصر مثلاً الآن 110 مليون، والسودان الفسيح الخصب فيه 25 مليون؟ أريد أن أقول إن أدنى تواصل واتحاد بين مصر والسودان يغير الخارطة؛ عندك طاقة بشرية، وعندك تراكم علمي وخبرات هندسية وتقنية. دائماً كانت العلاقة بين مصر والسودان في عصر الاستعمار علاقة متأزمة، وعندنا أيضاً مشاكل حدودية. انظر إلى مصر، وإلى جوارها على الناحية الأخرى ليبيا؛ صحراء واسعة، نفط كثير، وعدد سكان قليل، ولا هم يستطيعون الدفاع عن أنفسهم بمفردهم. وهذا ليس عيباً فيهم؛ عندما أقول لا يستطيعون الدفاع فأنا لا أسيء لأحد، هذه موازين قوة أكبر من كل الناس، وليست بمعنى أنهم ليسوا شجعان، لا، هذه طبيعة الأمور.

القسمة التي استقرت هي القسمة التي استقرت بعد انهيار الخلافة وبعد تمزق الدول، هي قسمة صنعها الأجانب لمصلحة الأجانب فقط.

الشق الثاني من السؤال كان تشكل عالمنا العربي. سيأتي واحد ويقول لنا: يا أخي والله أنت زلمة تبع تاريخ، والله عيب عليك تأتي وتقول إننا دولة ذات سيادة، وتأتي تقول لي والله نحن صُنِعنا لأنه في قلم رصاص رسمنا أو خطوط على الرمال تحركت، فصار في دولة اسمها الدولة الفلانية والعلنتية. لا يا عمي، نحن دولة؛ لما ضعفت الدولة العثمانية تبعتكم رأينا حالنا كأهل أرض وقبائل وعشائر وأنه نحن لازم نتحرك، فنحن تحركنا، وبعدين لما جاءنا الاحتلال -يعني بعض الدول الثانية جاءها الاحتلال الإنجليزي أو الفرنسي- نحن أنفسنا قمنا وطردنا هذا الاحتلال، وعليه لأنه طردنا الاحتلال وما في دولة عثمانية تحكمنا، حكمنا أنفسنا بأنفسنا، وصار اسمنا الدولة الفلانية والعلنتية، ونحن باتفاقيات مع جيراننا المجاورين صنعنا حدودنا بأنفسنا. فكذبة سايكس بيكو هي وتضخيمها وتكبيرها بشكل كبير، وأنه الخط طلع من عكا إلى كركوك وبدأوا يقسموا وكأننا لسنا موجودين، هذا "أفورة" زيادة عن اللزوم، ما رأيك أستاذ محمد؟

هذا الكلام لا يقوله أحد، هذا الكلام ممكن يقوله واحد كل معلوماته كانت مادة التربية الوطنية التي درسها في المدرسة، وما فكر يفتح أي كتاب ثاني. غير هذا لا يمكن، لا يمكن هذا الكلام يقوله أحد له أدنى اطلاع على التاريخ، أو كيف تشكلت الدول العربية، مستحيل فعلياً. حدودنا المعاصرة هي التي رسمها الأجانب وانتهت باتفاقيات مع الأجانب، كون أن داخل هذه الحدود فيما بعد حصل نضال وطني، لا أنكر، لكن هذا النضال الوطني حقيقةً -ومرة أخرى لا أسيء لأي حد، أنا أتكلم عن الدول بما فيها مصر التي أنا منها- لم تستطع إلا أن تلتزم بالحدود التي رسمها الأجانب، وأن تتحرر داخلها. كون أن هناك حكومات تسمى وطنية فيما بعد رسخت هذه الحدود وجعلتها حدوداً مقدسة، وبدأت في إنشاء هوية وطنية، هذا تابع لكون هذه الحكومات التي تلت الاستعمار هي جزء من الاستعمار حقيقةً.

واختصار هذا الكلام أنه ذكرنا المحنا في الحلقة الماضية إلى أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد ضعف وتراجع الإنجليز والفرنسيين، جاءت الدول الأخرى، القوى الدولية الجديدة، الاتحاد السوفيتي وأمريكا لكي ترث مناطق الاستعمار القديم، لكن الجماعة هؤلاء كان عندهم نظرية أخرى في الاستعمار: لماذا ننزل بجيوشنا إذا كنا قادرين على تنصيب حكومة تابعة لنا بكل بساطة ووضوح؟ وبالتالي جرى تنصيب الناس الذين كانوا تابعين لهذا الاستعمار، فانتقل ولاؤهم من الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد. ولذلك موجة الانقلابات والثورات وحركات التحرر التي كانت في -أولاً طبعاً عندنا موجة في العشرينيات وأواخر أوائل العشرينيات وأواخر العقد الثاني- وعندنا موجة أخرى في الخمسينيات والستينيات، هاتان الموجتان الذي حصل فيهما في النهاية أن الذين تولوا الحكم إما تولوها بأيادٍ أجنبية مباشرة، أو تولوها وكانوا من رجال الاستعمار القديم الإنجليزي والفرنسي ثم غيروا ولاءهم إلى الاستعمار الجديد الأمريكي أو الاتحاد السوفيتي.

هذا الكلام حصل ببساطة أحياناً كانتقال ولاء الملوك من إنجلترا إلى أمريكا، وما حصل ببساطة حصل بانقلابات عسكرية، انقلابات عسكرية أعطت البلاد أو دخلت بالبلاد في حكم الأمريكان أو في حكم الاتحاد السوفيتي. هذه حقائق مرة، صحيح أنا معك أنها حقائق مرة، لكن أن تعرف الحقيقة المرة خير من أن تكون سادراً في الوهم، وكل بلد فاكرة نفسها حررت نفسها من الاستعمار وفرضت سيادتها الوطنية. وعلى كل حال نحن الآن يا سيدي نتكلم في سنة 2026، نحن في حالة نشهد فيها ونرى بأعيننا كيف أن الأنظمة والحكومات وجيوشنا -بين قوسين الوطنية- هي في حقيقتها أركان لتثبيت نظام حكم الأجانب، والذي حصل في غزة دليل واضح وساطع على أوضاعنا المعاصرة. نحن عندنا في مصر كان اللواء محمد العصار بعد ثورة 2011 يقول بوضوح: "نحن في الجيش المصري نفخر بأننا جزء من الأمن القومي الأمريكي"، فيديو مشهور. الله أكبر، نعم ومثل هذا تجده عند كل الجيوش؛ يعني كل هذا بالمناسبة أكبر صفقات تسليح ستجدها عند العالم العربي رايحة للأمريكان، أول ما أحد يتهدد نظامه يطلع ويقول: سقوط هذا النظام فيه خطر على إسرائيل. فهي حقيقة مرة لكنها الحقيقة.

في شيء أنت تحكيه تذكرته لما في 1948 عندما حصلت النكبة في فلسطين، هل تعرف الجيوش العربية بمشاركة أيضاً فرقة من اليمن؟ أنا أقول لك على حاجة وأكمل: أنت عارف الجامعة العربية من الذي أنشأها؟ الإنجليز. يا لطيف، أه كم واحد يعرف المعلومة دي؟ الإنجليز هم الذين أنشأوها، بدل ما نتفق مع كل حكومة مع بعض، تعال نجمعهم على طاولة ونعطي الأمر. فعلاً، الجامعة العربية أنشأها الإنجليز؛ بدل ما نجتمع ونشرب قهوة وعصير، طبعاً أغلب الناس فاكرة أن الجامعة العربية هذه أنشأتها الدول العربية التي تحررت من الاستعمار كنوع من الوحدة العربية، وهذا غير صحيح.

أنا سأحكي لك لقطة هكذا وأنت صححني إذا هي غلط ولا لا: لما حكيت عن الجيش، قررت الجيوش العربية أنه لا مش معقول هكذا، أنتم دخلتم احتللتم فلسطين ونحن نريد أن نتحرك ونروح نحرر فلسطين، فعملوا الخطة الأولى وعملوا الخطة الثانية. في الخطة الثانية وهم كانوا قاعدين كان في واحد قاعد في الزاوية اسمه "جلوب باشا" صح؟ نعم، اللي هو قائد الجيش الأردني، كان قاعد في الزاوية هناك أيضاً مشارك في الاجتماع، قال لهم: حلو، تفكروا وتقعدوا وتريدون تحرير البلاد والعباد وإلى آخره، بس تنسوا أنه في قرار رقمه 181، يعني أنتم مسموح لكم تروحوا تحرروا فلسطين، بس حرروا الذي نص عليه القانون. فهم قالوا له: آه والله صح كلامك، إذاً نحن جيوشنا ستتحرك عشان نسترد ما نص عليه القانون، اللي هي الأراضي الفلسطينية، الجزء المخصص للعرب. في منه هذا الكلام أستاذ محمد؟

هذا الكلام صحيح، بس أنت عارف الذي قلته هذا هو الصورة المخففة جداً من الواقع. لا أنا أحاول أبسط الموضوع عشان يصل. هنا مثلاً قد يصدم كثير من الناس بأنه قائد الجيوش العربية التي ذهبت لتحرير فلسطين كان إنجليزياً، وكان قادة أركان حربه إنجليزاً، وده يا سيدي كان قائد الجيوش العربية التي ذهبت لتحرير فلسطين. وما رأيك بقى؟ هل هو لما ذهب لتحرير فلسطين كما تصورت الشباب العربية، ذهب لتنفيذ قرار التقسيم، يعني سنحافظ على الجزء المخصص للعرب؟ بلاش، هل فعلاً حافظ على قرار التقسيم؟ أبداً، تخلى أيضاً عن أراضٍ كانت موجودة للعرب في قرار التقسيم. وبالتالي ستجد أن الجيوش العربية لما دخلت فلسطين -قرار التقسيم كان معطي إسرائيل 55%- إسرائيل بعد ما دخلت الجيوش العربية أخذت 78%. يعني الجيوش العربية أعطت لإسرائيل أكثر مما أعطاه لها قرار التقسيم، وهذا "جلوب باشا" تخلى عن مدينتين كانتا في حلق إسرائيل وفي قلبها: اللد والرملة، اللي هو الطريق بين تل أبيب والقدس، اللي هو لو لم تكن هاتان المدينتان سقطتا، كانت حياة إسرائيل مهددة. هنجي له إن شاء الله في مسألة فلسطين، أو في حلقة فلسطين.

على كل حال الذي أقصد أن أقوله الآن أنه لو نحن نحاول نشوف القرن العشرين من وجهة نظر بلادنا العربية، سنلاقي أنفسنا بعد انهيار الدولة العثمانية دخلنا في حالة من التمزق، وصارت بلادنا كلها تحت الاحتلال. هذا أنتج موجة أولى من الثورات داخل البلاد العربية، فهتلاقي في موجة هكذا بدأت من مصر ثورة 1919، وصاداها أيضاً وتأثر بها -ولظروف العراق- ثورة 1920، لأن بريطانيا أرادت الاحتلال أن تحتل احتلالاً مباشراً، ثم سوت الأوضاع بأن جاءت بالأمير فيصل -أو فيما صار بعدها الملك فيصل- ليكون حكماً على العراق. حصلت ثورات في الشام 1921 ومواجهات مع الاحتلال الفرنسي الذي استطاع أن يخمدها وأن يستقر في الشام.

من هذه اللحظة، التي هي أوائل العشرينيات إلى لحظة الخمسينيات أو أواخر الأربعينيات وبدايات الخمسينيات، تقدر تقول إنه هذه الفترة هي الفترة التي ترسخت فيها مؤامرة التقسيم؛ ما أريد أقول ما أحد فكر، خليني أقول لم يستطع أحد في العالم العربي أن يغير الخارطة التي صنعها الأجانب. الأحلام موجودة، الرؤى موجودة، محاولات التحرير موجودة، لكن عملياً ما نشأ في هذه الفترة من القيم والأفكار، وما رُوِّج من العروبة والوطنية والعلمانية، هذا كله ثبت هذه الأوضاع والأحوال فلم يستطع أحد أن يغيرها.

لما نيجي عند لحظة أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، هنلاقي عندنا موجة ثانية، الموجة الثانية هذه هي مجرد ثمرة ونتيجة وصدى للانتصار والتفوق الأمريكي والاتحاد السوفيتي على الإنجليز والفرنسيين. فلذلك هنلاقي بقى عندك، خذ عندك من 46 وأنت طالع إلى أواسط الخمسينيات، موجة أخرى من الاستقلالات؛ بعضها شكلي وبعضها حقيقي، وموجة من الانقلابات العسكرية وموجة من حركات التحرير الوطنية التي نتيجتها في النهاية -هلك فيها كثير من الناس ومن الوطنيين ومن المخلصين ومن الإسلاميين ومن المجاهدين وكل شيء- لكن لفارق القوة الهائل ولوجود مؤامرات وخداع ولوجود خطة جديدة عند الاستعمار الجديد وهو تنصيب حكومات وطنية بدون الوجود العسكري، مجموعة هذه العوامل أدت إلى أنه الشعوب دفعت الثمن وعملاء الاستعمار هم الذين قطفوا الثمرة.

الدول التي تغيرت فيها أنظمة الحكم عندك سلسلة انقلابات عسكرية في سوريا، وبعد كذا في مصر، وبعد كذا في العراق، وبعد كذا حرب التحرير في الجزائر، وبعد كذا طبعاً استقلال ليبيا، وبعد كذا حتى في المغرب؛ في دول استقرت فيها الأنظمة الملكية، قل كل دول الخليج والأردن والمغرب. الدول هذه عملياً نقلت ولاءها من الاستعمار القديم للاستعمار الجديد. الدول التي لم يحدث فيها هذا حصلت فيها سلسلة انقلابات عسكرية حطمت الملكيات القديمة وأنتجت جمهوريات، هذه الجمهوريات هي في حقيقتها كانت منشأة بدعم أو بأيادٍ من أمريكا أو الاتحاد السوفيتي لوراثة الاستعمار القديم. ولذلك ستجد القضايا الكبرى لم تتغير فيها السياسة العربية، ونضرب المثل بقضية فلسطين؛ قضية فلسطين لا الأنظمة دعمتها أياماً كانت ملكية ولا أيام كانت جمهورية، لا حاربوا معها أيام ما كانت ملكية ولا أيام كانت جمهورية. القضايا الكبرى لم تتغير فيها السياسات العربية عموماً.

طيب حتى محاولات الوحدة التي نشأت لم تأخذ إلا وقتاً قصيراً وانهارت، بل ازداد الانفصال بين الدول العربية؛ يعني مثلاً مصر والسودان كانت بلداً واحداً، حصل الانفصال. حصل الانفصال متى؟ بعد إلغاء الملكية، وبعض المؤرخين يرى أنه إلغاء الملكية أصلاً كان بغرض هدم هذه العلاقة، لأنه ملك مصر كان اسمه "ملك مصر والسودان". فلما جاءت الجمهورية، أنت لما تشوف مثلاً ماذا فعل عبد الناصر وفريقه مع السودانيين، تحس أنه الذي عمل كده واحد كان عايز السودان ينفصل؛ لما تقرأ مثلاً ما كتبه إسماعيل الأزهري، السودانيين كانوا عايزين الوحدة، بعدما رأوه من التعامل مع مجموعة الضباط هم الذين طلبوا الانفصال.

تأتيك محاولة وحدة زي الوحدة بين مصر وسوريا، شكري القوتلي سنة 58، كان السوريون ذهبوا فأحرجوا وأجبروا المصريين على الوحدة. طيب 1958 لم تعش هذه الوحدة إلا ثلاث سنوات وانتهت بانقلاب عسكري سنة 1961 على الحكم المصري. طيب فكر عبد الناصر في الدفاع عن هذه الوحدة؟ أبداً، قال لك أنا والله كنت أمرت الطيارات أنها تروح وتضرب، هو لسه رايح يكمل، وبعدين قلت ينفع العربي يضرب العربي؟ وينفع الدم العربي يسيل على يد دم عربي؟ فقلت للطيارات ترجع تاني. أيوه هو الرجل بتاع الدم العربي ده هو نفسه الذي ذهب بالقوات المصرية إلى اليمن مناكفة في السعودية، لأن هو طبعاً كان بيدعم ثورة اليمن، وطبعاً الخلاف كان مستعراً بين مصر والسعودية. وأنت لما بتتكلم عن مصر والسعودية بتتكلم في حالة العالم العربي؛ لو أنت بتقول أعمدة العالم العربي التي يمكن أن يقف عليها قلب العالم العربي، هتلاقي مصر والسعودية رقم واحد ورقم اثنين، فالشقاق بين مصر والسعودية الذي كان من...

أيام عبد الناصر كانت شقاً مهلكاً لكل الحالة العربية في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الوقت لا تجد أي عمل للوحدة العربية؛ فهذه الدول لو كانت فعلياً يحكمها الوطنيون المستقلون الذين يريدون مصلحة هذه الأمة، لكنت ستجد محاولة وحدة، وهذا لم يحصل أبداً. بل حتى المجالس والمؤسسات التي فيها نوع من التعاون الواسع، مثل دول التعاون الخليجي أو جامعة الدول العربية وما شابه، كل اتفاقيات الدفاع المشترك لم تُفعّل، وكل الأحلاف العسكرية لم تُفعّل أبداً.

لم يحصل أبداً، وما حدث من وجود وحدات في لحظات حرب مثلاً، كانت شذرات وسرعان ما انتهت، وهُزمت فيها الجيوش العربية. الجيوش العربية ليس لها انتصارات معاصرة. الخلاصة أنه حينما تشرح القرن العشرين، ستجد عندك موجة في أوائل العشرينات، وموجة في أواخر الأربعينات والخمسينات، ثم بعد ذلك تبدأ عند السبعينات ظاهرة الصحوة الإسلامية. طبعاً ما قبل السبعينات، فترة الستينات، كانت العصر الذهبي بين قوسين للقومية العربية.

القومية العربية كنت بتلاقي الرجل في مصر عبد الناصر خارب الدنيا قومية عربية، ويردد صداه اللي في العراق خارب الدنيا قومية عربية، ويردد صداه في سوريا خارب الدنيا قومية عربية، والثلاثة متخانقين مع بعض. ولو تقاربوا، سيظل هناك خوف من بتاع الأردن الذي هو أيضاً خارب الدنيا قومية عربية، وبتاع العراق انقلب على الملك فيصل الذي هو أصلاً ابن مؤسس القومية العربية. طيب القومية العربية التي كانت موجودة في ذلك الوقت كان شكلها إيه؟ كانت قومية عربية علمانية ترفض الإسلام. وحتى بعدين هينضم لهم القذافي سنة 69 بثورة الفاتح، والقذافي من كلماته المشهورة أنه محمد نبي أُرسل للعرب فنزل بكتاب عربي وبلسان عربي، أي واحد ثاني بقى مسلم وهو مش عربي، يعني تطوّع، وأمره إلى الله، لكن ما كانش ليه دعوة بالموضوع، الرسالة ما كان لهاش علاقة به.

طيب الجماعة العرب دول أسفروا عن علمانية بغيضة للغاية، يعني قال قائلهم: هبوني عيداً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهمي سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

يا أستاذ محمد، خليك متذكر أنك كنت ستبدأ بقصة السبعينات وبداية الصحوات. خلينا نتوقف هنا قليلاً؛ ففي شوية تساؤلات طلعت وأنت تتحدث. أتمنى وأنا بسأل السؤال الأول ألا أنسى الثاني والثالث؛ فهي فروع سريعة. الموجات التي حصلت هي من مقاومة ومن دفاع عن الأوطان؛ نحن عندنا عمر المختار في ليبيا، وعبد القادر الجزائري، وعبد الكريم الخطابي في المغرب. في حركات تحرر ومقاومة حقيقية صارت من الشعوب، أليست هذه الحركات التي نتج عنها في الأخير شيء اسمه استقلال هذه الدول؟ وبالتالي مين الذي قطف ثمرة هذه التضحيات؟ هي تضحيات حقيقية صح يا أستاذ محمد ولا مش حقيقية؟

عمر المختار هذا الرجل بطل قاوم الطليان وبهدلهم. وعليه سيجيء واحد ويقول لك: أليس من العيب أن تقولوا عندما تريدون الإجابة عن سؤال كيف تشكلت النخب التي تحكمنا اليوم، أليس من العيب أن تغفل عن أننا قاومنا ونحن من طردنا المحتل، وعليه نحن عملنا دولتنا، ورفعنا علمنا، وحددنا حدودنا؟ ففكرة أنني ممكن أن أقبل منك أن تقول لي إن سايكس بيكو قسمونا، ماشي، لكن لا أقبل أن تقول لي إن من صنع النخب أيضاً كان الغرب.

الثاني سيجيء واحد ويقول لك: طيب حلو، أنتم لكم ساعتين تجلدون فينا وتعيطون على الخلافة والدولة العثمانية التي سقطت؛ يا سيدي خلينا نحلم مع بعض، افترض أنه لا سايكس ولا بيكو قعدوا على الطاولة وقسمونا، مع كل البهدلة وحالة الضعف التي صارت، وأنت تحكي عن حرب عالمية أولى وثانية وبعيداً عن الدولة العثمانية، ما الشكل الذي كان يجب أن يقوم؟ يعني إذا انهارت الدولة العثمانية أو الخلافة، أليس طبيعياً أن نتقسم ونتمزق، وكل قبيلة وكل عشيرة وكل مجموعة تعمل دولة جديدة؟

أخيراً، في واحد عنده فضول يعرف إجابة سؤال: كيف تشكل العالم العربي بشكل مباشر؟ متى بدأ يصير عندنا شيء اسمه مثلاً الجزائر، المغرب، الأردن، سوريا، دول الخليج؟ هذا كان اسمه الحجاز أو شبه الجزيرة العربية، ليش صاروا هيك ست سبع دول؟ متى بدؤوا يظهرون؟ ومتى بدأ يصير عندنا جيوش لهذه الدول؟ لأنه لما صار عام 1948، في واحد قاعد سيقول لك: يا أخي ليش الدول العربية ما راحت تحرر فلسطين؟ وكان مفترض أنه كان في دول عربية كثيرة وعندها جيوش وعندها كل شيء.

ثلاثة أسئلة قبل ما نروح لقصة الصحوة.

جاوب على الذي بدك إياه منهم، فليس فيهم صغير يا مولانا. شوف يا سيدي، أنا فعلاً أعذر كل من يسال هذه الأسئلة. كل الحركات التي ذكرتها من حركات المقاومة؛ عمر المختار في ليبيا، وعبد القادر الجزائري في الجزائر، وعبد الكريم الخطابي، وخذ عندك في مصر والسودان، كنت لخصتها في العبارة التي قلت فيها إنه هؤلاء بذلوا الجهد ولكن الثمرة ذهبت إلى رجال الاستعمار. كل حركات المقاومة التي ذكرتها أخمدت بفعل التفوق الغربي التقني والسلاح، وبفعل الخيانات. مات من رجال الاستعمار الذين كانوا ضد هذه الثورات؛ يعني عمر المختار كيف انتهى؟ انتهى مقتولاً. عبد القادر الجزائري كيف انتهى؟ انتهى منفياً. عبد الكريم الخطابي كيف انتهى؟ انتهى منفياً. نفس الكلام أمين الحسيني أيضاً انتهى منفياً.

أتكلم على حالة فلسطين؛ الغرب بما كان له من قوة مسلحة كبيرة، وبما كان له من رجال؛ لأنه ما ننساش أبداً أن مراحل الاحتلال التي نتكلم فيها دي كان يوازيها وأحياناً كان يسبقها بناء مؤسسات دولة حديثة، وبناء مدارس على النمط الحديث، وبناء تعليم وإعلام على النمط الحديث، وكل هذا داخل في التأثير الغربي والنفوذ الغربي. فوجد عندنا في العالم العربي كثير من النخب التي التصقت بالمستعمرين. النخب التي التصقت بالمستعمرين هؤلاء هم من صاروا رجال دولة، وهم الذين تولوا الوزارات وتولوا الإدارات، وبعد ذلك لما بدأت تندلع الثورات وحركات التحرر والمقاومة، حينئذ كان المحتل أحياناً يتنازل أو يتخبأ وراء هذه النخب الوطنية -بين قوسين- التي صنعها. فعملياً، الذين ورثوا أو قطفوا ثمرة كل هذا المجهود المقاوم التحرري كانوا هم من الرجال الذين رباهم الاستعمار.

هذا الكلام صحيح، وما بيتقالش في المدارس، وما بيتقالش في وسائل الإعلام الوطنية، لكن قراءة أي كتاب في التاريخ عن هذه الفترة لمؤرخ عنده الحد الأدنى من الحياد أو الموضوعية، أو يا سيدي حتى اقرأ مؤرخين أجانب -ما عنديش إشكال لأن الأجانب ما عندهمش العقدة الوطنية الموجودة عندنا- ستكشف لك بوضوح من رجال الدولة الذين ورثوا حركات التحرر، سواء في الجزائر، تونس، المغرب، مصر، سوريا أو العراق. وكذلك هم على تفاوت وعلى درجات، لكن الخلاصة حقيقةً أنه ليس الذين قاوموا هم الذين ورثوا أو قطفوا ثمرة جهدهم. مش هتلاقي حد كان زعيم مقاومة هو بنفسه الذي تولى الحكم بعد رحيل الاستعمار، لن تجد هذه الصورة.

طيب الحاجة الثانية، السؤال الثاني الذي أنت تسأله: طيب بعد الضعف وبعد الانهيار ما كان لازم هنتقسم؟ أنا موافق، وذكرنا قبل ذلك عيوب الدولة العثمانية وإخفاقاتها. صحيح انقشاع أي مظلة وحدة جامعة كان سيؤدي إلى نوع من الانهيار، الإشكال فين؟ الإشكال أنه هذا الانهيار لم تتلقفه الشعوب ليكون لها قرارها. لو أن الانهيار ده وقع على دول ليست تحت الاحتلال أو على دول يحكمها أهلها، كانت ستنشأ دول، وسريعاً ما كانت ستضطر هذه الدول إلى أن تقوي نفسها، وكانت ستضطر إلى التوحد دفاعاً عن نفسها حتى بدون فكرة القومية العربية أو الوحدة الإسلامية.

يعني زي ما الاتحاد الأوروبي وجد أنه في حالة إلى الاتحاد فعمل الاتحاد الأوروبي، وزي ما الولايات المتحدة الأمريكية وجدت نفسها في حالة إلى الاتحاد فعملت ولايات متحدة بحكومة واحدة وجيش واحد وسياسة خارجية واحدة. فلو أن هذه الشعوب كانت فعلاً تقرر لنفسها، كانت ستصل إلى معنى من معاني الوحدة بضرورة الدفاع عن الوجود. لكن الذي حصل أنه كان هذا السقوط -سقوط الدولة العثمانية- كان بيد الأجانب المحتلين، وبعض هذه الدول احتلت قبل إسقاط الدولة العثمانية، فبالتالي كانت القرارات ليست في يد الشعوب ولا في يد الزعماء المخلصين، كانت في يد المحتلين، فجرى هذا التقسيم وجرت صناعة دول وزرع دول مثل إسرائيل.

السؤال الثالث، سؤال من باب الثقافة العامة؛ بده يعرف نحن العالم العربي هذا متى فعلياً بدأ يصير عندنا شيء اسمه جزائر ومغرب وأردن وتونس ولبنان؟ كله، كل هذا؛ هدول ما كانوا موجودين زمان. أيوه، كانوا موجودين كأرض، لكن تقسيم الحدود فيما بينها والتسميات، هذا هو الشيء الجديد الذي صنعه الأجانب. بعد الحرب العالمية الأولى مثلاً، عندك سوريا أو الشام؛ كلمة سوريا دي لو قرأتها قبل 1914، اعرف أنها تعني الشام، أي تعني سوريا المعاصرة زائد الأردن زائد لبنان زائد فلسطين. إيه الذي خلى سوريا دي -التي بقوا يسمونها سوريا الكبرى تفريقاً بينها وبين سوريا المعاصرة- إيه الذي خلاها أربع دول؟ هذه التقسيمة التي كان أولها سايكس بيكو.

فرنسا أرادت أن تعمل دولة للنصارى الموجودين في الساحل فعملت لبنان، ما عجبهاش كده أن النصارى دولتهم قليلة وعددهم قليل، راحت وسعت الموضوع قليلاً؛ فلما وسعت الحدود دخل فيها طوائف إسلامية، فما بقتش الدولة مسيحية قح زي ما أرادت في البداية. فبقى في لبنان مقتطع من سوريا. جاء الإنجليز عايزين يعملوا حاجز وحكومة محلية أمام فلسطين التي سيمهدونها للإسرائيليين، فعملوا الأردن. لم يكن موجوداً دولة اسمها الأردن، ولذلك هي حتى لما في البداية سميت إمارة شرق الأردن، أي شرق نهر الأردن، يعني الحتة التي جنب النهر شرقي النهر، لأن ما فيش دولة اسمها الأردن. فيما بعد سميناها بقى المملكة الأردنية الهاشمية. ممكن يبقى في اسم قديم نعيد استخدامه في حدود جديدة زي العراق، ممكن يبقى اسم قرية يتحول إلى دولة زي الكويت؛ الكويت كانت قرية تحولت إلى دولة.

وهكذا، ليبيا مثلاً ما كانش في حاجة اسمها ليبيا، هذا الاسم كان في طرابلس الغرب وبرقة، وفي الآخر نعمل هذه الحدود ونسميها ليبيا. والمغرب مثلاً المعاصرة كانت تسمى قديماً المغرب الأقصى تمييزاً لها عن المغرب الأوسط الذي هو دلوقتي الجزائر، بس مش الجزائر بحدودها المعاصرة، والمغرب الأدنى هو تونس، أو كانت تسمى إفريقية، بس برضه مش تونس المعاصرة، كان امتدادها على الساحل أوسع من كده. فالعالم المعاصر ده شكلته السياسة الغربية حين كانت تحتل بلاداً.

طبعاً في نقطة لا يمكن نسيانها مؤثرة في كل تاريخنا المعاصر وهي نقطة إنشاء إسرائيل 1948. هذه نقطة مفصلية ما قبلها ليس كما بعدها. الغرب كسب فيها أكثر من مكسب في ضربة واحدة؛ المكسب الأول أنه تخلص من -بين قوسين- المشكلة اليهودية، ورقم اثنين أنه استخدم هذه المادة والطاقة البشرية اليهودية في أن تكون خنجراً موجوداً في قلب العالم العربي والإسلامي، قاعدة عسكرية متقدمة.

يعني فكرة أن إسرائيل، نقدر نقول جمعت اليهود لكي يكونوا مرتزقة لهم في قلب العالم العربي والإسلامي. طالما عندنا بشر عايزين يرجعوا إلى هذا المكان -أنا دلوقتي بتكلم من المنطق الاستعماري- طالما عندك بشر عايزين يرجعوا إلى هذا المكان ويمكن أن تمدهم بالمال والسلاح، ويمكن أن يعطلوا كثيراً من الخطط ويمنعوا تقدم أو وحدة هذه الدول، فليه ننزل نحن بجيوشنا وأسلحتنا؟ خليهم هم ناس عايزين يضحوا بأنفسهم، عندهم أطماع دينية، عندهم أحلام روحية، عندهم دروشات، ينزلوا يعملوا إيه! وهذا أمر كان هرتزل أيضاً يقايض به، أنه نحن سنكون حقيقة، يعني هرتزل كان يذهب لأي حد ويقول له إحنا هنبقى في خدمة الدولة التي يكلمها دي.

منذ أن نشأت إسرائيل، نقدر نقول تغير وضع العالم العربي تغيراً مؤثراً، لأن إنشاء إسرائيل دفع إلى نوع من تشكيل دول الطوق التي حولها. كيف يمكن أن تُشكل دول الطوق بحيث لا تمثل تهديداً على إسرائيل، بل في الحقيقة كيف تستطيع دول الطوق أن تكون حراسة لإسرائيل؟ وبعد ما تبقى حراسة، تبقى حراسة وضعيفة بحيث أن إسرائيل تستطيع التمدد. يعني الدول التي حرست إسرائيل منذ نشأتها، إسرائيل احتلتها وتوسعت على حدودها وعلى حسابها، وهذه الدول لا قاومت إسرائيل عند نشأتها، ولا قاومتها عندما توسعت على حدودها وأكلت من أراضيها.

وصلنا الآن إلى مرحلة الشرق الأوسط الجديد، ومرحلة الديانة الإبراهيمية التي تكون فيها إسرائيل رقم واحد في الهيمنة العسكرية والأمنية، وكذلك الهيمنة الاقتصادية، ويحصل التنافس بين بقية الدول: مَن يبقى رقم اثنين بالنسبة للأمريكان بعد الإسرائيليين؟

أستاذ محمد، في شغلة مهمة: هل إسرائيل منذ اللحظة الأولى فعلاً مطلوب منها هذا الدور، أن تكون خنجراً في خاصرة هذه الأمة وفي جسد الشرق الأوسط حتى تبقيه ممزقاً وتهيمن عليه، أو الغرب يهيمن عليه بمساعدة هذا الجسم؟ أم لا، القصة كانت أرضاً موعودة، وبعدين لاحقاً تطورت الأهداف إلى أن: لا، أنتم وكلاؤنا في هذه المنطقة، خليكم، نحن حندعمكم بكل ما يمكن فعله، ولكن خلوا كل اللي حواليكم هؤلاء مبهدلين وممزقين؟

شوف، تضافرت الأهداف. الغرب كان فيه النزعتان: النزعة الدينية الصهيونية المسيحية الإنجيلية التي ترى أن إعادة اليهود إلى فلسطين هو تحقيق وعد الرب، وهناك النزعة العلمانية الاستعمارية التي ترى أن إنشاء إسرائيل يخدم المصلحة الغربية. فكلا النزعتين كانتا متفقتين على أن تنشأ إسرائيل.

حتى داخل اليهود النزعتان موجودتان: نزعة الناس الذين يريدون الرجوع باعتبار أن هذا حلم ديني وتحقيق لأرض الرب، ونزعة الناس الذين يريدون الانعتاق من الوجود في الدول الغربية أو غير الغربية التي تضطهد اليهود، يريدون الوصول لمكان لا يعانون فيه من الاضطهاد. كلاهما اتفق على هذا الأمر وكلاهما كان موجوداً.

لكي يستمر هذا الحلم، هو ملتزم التزاماً، إن لم يكن دينياً فليكن سياسياً، بدعم إسرائيل. وهذا كلام كما يعرفه اليهود يعرفه أيضاً الغربيون، ويقال علانية. نتنياهو في مذكراته الأخيرة يقول: كنت أكلم عضواً سناتوراً في الكونجرس، فكان يقول لي: لو أن لدينا صديقاً مثل إسرائيل في أفغانستان ما كنا لننفق فيها كل هذا الإنفاق ثم نخرج في نهاية المطاف. فالإسرائيلي أيضاً يقول للغربي: أنا بوجودي هنا أوفر عليكم مئات المليارات من الإنفاقات، وأوفر عليكم، أنا الآن شعب يضع نفسه كحماية للحضارة الغربية. هذه خطابات نتنياهو، أنه شعب يضع نفسه كحماية وكجزء من الحضارة الغربية موجود في هذه المنطقة. لكن تأثير ذلك علينا أنه صار المتنافسون على الحكم يعرفون أن الطريق إلى قلب أمريكا يمر عبر إسرائيل. فبالتالي لما تحصل دولة مثلاً فيها أميران أو رئيسان يريدان التنافس على الحكم، كلاهما يعطي من نفسه الوعود والالتزامات حتى مع الإسرائيليين التي تجعله أقرب إلى الفوز بهذا المنصب. فهذه كان لها آثار واسعة في تشكيل السياسة العربية.

أنا طبعاً سألتك هذا السؤال أستاذنا محمد، لأنه هذا الكلام يتطابق مع ما أُشيع -ألف خط تحت كلمة ما أُشيع- عن نتائج مؤتمر أو جلسات كامبل المنعقد ما بين 1905 إلى 1907. هذا المؤتمر يقال إنه لا توجد أي وثيقة تثبت انعقاده أساساً، ولكن بسبب أن ما حصل في الواقع يتطابق مع ما أُشيع حول هذا المؤتمر، فالناس بدأت تستشهد فيه ويقال إنه أخطر.

لا، ليش أحكي هذا الكلام؟ لأنه ليست لهذه الدرجة خُطط لنا، ليست لهذه الدرجة بالدقة وبالعبقرية الإدارية خُطط لنا في تقسيمنا وإدارتنا سنوات إلى الأمام. لا، ما فيش نظام سنوات إلى الأمام، هذا غير حقيقي. والمؤتمر ده أنا فاكر أني أنا بنفسي دورت عليه علشان أوصل إلى عبارة كانت ذكرت أمامي، أنه مسألة حماية قناة السويس بإنشاء دولة عازلة إلى جانب قناة السويس كانت موجودة في هذا المؤتمر. بحثت عن المؤتمر، وصلت إلى كتابه، وصلت إلى مواده، لم أجد فيه هذه العبارة. فهو المؤتمر موجود والمؤتمر معلن عنه وعباراته موجودة، إلا أن يكون حُجب منها شيء، لا أعرف إن كان حُجب منها شيء أو لا، لكن هذه العبارة غير موجودة في هذا المؤتمر.

فهو مؤتمر عُقد ومعلن وصدرت كذلك وثائقه، هل في حاجات سرية ولا لا؟ الله أعلم. بس المؤكد أنه ما فيش خطة جرت على نحو من التخطيط الفائق الذي جرى تنفيذه كما كان، هذا غير موجود، هذا موجود فقط عند أصحاب نظريات المؤامرة أو الكتب التي تزعم أن كل شيء مخطط، هذا غير صحيح. إرادتنا كأمة إسلامية أفشلت كثيراً من الخطط، وحتى اختلافاتهم هم وتغير رؤاهم هم أيضاً أدى إلى تغير كثير من الخطط. أصلاً سايكس بيكو التي نتكلم عليها، كخطة فشلت، لم تنفذ، لكن هي صارت علامة على فكرة أن بلادنا صارت تُقسم بعيداً عنا. اللي بيقول كلمة سايكس بيكو لا يقول إن في خطة جرى تنفيذها بكفاءة ومهارة ودقة، لا، الذي يقول كده يعني كيف انفلتت إرادتنا؟ كيف انفلتت بلادنا منا إلى درجة أنها صارت تُقسم بين الطامعين بدون أي حضور لنا وبدون أي إرادة لنا؟ لكن سايكس بيكو نفسها لم تنفذ.

معاهدة سيفر لم تنفذ، وإنما جاءت بعدها اتفاقية لوزان. فلا، الأمة كان لها إرادتها وكان لها كثير من المقاومة، وهذه المقاومة أيضاً أنتجت كثيراً. وأنا أريد أن أقول لك لماذا أصلاً تغيرت فكرة الاستعمار المباشر إلى استعمار غير مباشر، ما كان هذا إلا لوجود إرادة لدى الأمة وحركات مقاومة. هو ما الذي سيحمل المستعمر على أن يرحل أو أن يعيد انتشاره أو أن يتغطى بحكومة محلية ثم يفكر في إنشاء أنظمة تابعة له دون أن يكون له وجود عسكري، إلا لأن الأمة أبدت مقاومة هائلة وعنيفة وجعلت وجود الاستعمار وجوداً مكلفاً؟ فلذلك فكر كيف يمكن أن يسيطر دون أن يدفع هذه الأثمان. فالخلاصة أن أمتنا لها إرادة ولها إرادة فاعلة، والمسلمون أظهروا في هذا القرن أيضاً كثيراً من المقاومة، والمقاومة الباسلة مع اختلاف وانهيار ميزان القوة، وما يزال هذا الأمر حاضراً حتى هذه اللحظة.

نأتي الآن إلى السبعينات. دعني أحاول لمَّ الكلام الذي فات قبل ما نصل للسبعينات: قلنا مثلاً إن اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور هي الموجة الأولى، وهي موجة الثورات الأولى التي أدت إلى مجموعة من الاستقلالات الشكلية، وبعد ذلك الفترة التي حكمها الاستعمار وهو متغطٍ بحكومات محلية، طبعاً حتى في بلاد المغرب العربي استمر الاستعمار، المغرب الإسلامي عشان إخواننا الأمازيغ ما يزعلوا، حتى نصل إلى موجة الخمسينات. قلنا ما بعد الـ45 لدينا موجة أخرى، هذه الموجة الأخرى فيها مقاومة شعوب، فيها حركات تحرر، وفيها أيضاً إرادات دولية لوراثة الاستعمار القديم، فعندك سلسلة من الثورات ومن الانقلابات العسكرية التي جعلت بلادنا تنتقل من الإنجليز والفرنسيين إلى الأمريكان والاتحاد السوفيتي، ثم نشأت إسرائيل سنة 48.

مرحلة القومية العربية التي ازدهرت وبلغت أوجها في الستينات، عند سنة 67 سيحصل انهيار وانكسار لهذه القومية العربية. طبعاً في ذلك الوقت كان عبد الناصر يشبه أن يكون معبود الجماهير، لا يوجد زعيم في التاريخ المعاصر بلغ من المكانة ومن التفاف الناس حوله ومن اقتناع الناس به ما بلغه عبد الناصر. فلما جاءت لحظة 67، لحظة 67 كانت لحظة قاصمة جداً في تاريخ العرب الحديث. إلى لحظة 67، كان الأمريكان أنفسهم داخل أروقتهم اتجاهان: اتجاه يقول نعتمد على مصر، واتجاه يقول نعتمد على إسرائيل.

اتجاه يقول نعتمد على مصر على أساس أن مصر هي الدولة الطبيعية الموجودة في هذا المكان، فالذي يريد أن يهيمن على هذه المنطقة تبقى هيمنته الكبيرة على مصر، ومن خلالها يستطيع أن يفعل كثيراً، وهو ما قد فعلوا أشياء كثيرة منه لما عبد الناصر بدأ وكأنه المحرر للعالم العربي ومساعد ثورات التحرير في أفريقيا وفي العالم. والجماعة الذين يقولون هؤلاء يقولون: مصر دولة كبيرة، دولة فاعلة بطبيعتها، من يهيمن عليها يهيمن على المنطقة، وإسرائيل في النهاية دولة غريبة عن هذه المنطقة، طالت الأيام بها أم قصرت فهي إلى زوال.

اتجاه الإسرائيليين يقول: لا، نعتمد على إسرائيل على أساس أن إسرائيل دولة ليس لها مطمح ولا متعلق ولا حبل إلا بنا، في الآخر مصر ممكن يجيء لها واحد وطني فعلياً يعرف ينتشلها من الهيمنة الغربية. الاتجاهان هذان كانا موجودين، وتراهم أحياناً في كتب المذكرات والوثائق، إلى أن استطاعت إسرائيل سنة 67 أن تدمر هذه النظرية وتفرض نفسها باعتبارها الدولة التي يمكن المراهنة عليها، وأنها بنفسها قادرة على قهر أربع دول في ساعات، وأن تتوسع وتضم أكبر من مساحتها هي بأضعاف أيضاً في ساعات.

ما الذي حصل في 67؟ 67 إسرائيل غادرت حدودها التي استقرت عليها باتفاقية وقف إطلاق النار والهدنة 1948 و1949، لكي تأكل ما بقي من الضفة الغربية، كل الضفة الغربية، وتحتل القدس الشريف وهضبة الجولان في سوريا -وهذه منطقة استراتيجية وما كان يمكن أن تسقط قط إلا بخيانة- ولكي تبتلع سيناء التي هي أكبر من إسرائيل ثلاث أضعاف. هذه كانت في لحظة العالم العربي كله فيها كان متعلق الآمال بعبد الناصر، وعبد الناصر كان هالة كبيرة ودعاية وإعلان، وعندنا صواريخ الظافر والقاهر والناصر والكلام الكبير ده، وأنه إسرائيل فعلاً في أذهان الناس في ذلك الوقت وحتى بفعل الدعاية القومية العربية ليست إلا عصابات وشذاذ آفاق، يعني الدولة المزعومة. فإذا بالدولة المزعومة تستطيع أن تقهر ثلاث دول عربية وتسيطر على كل فلسطين وتدمر الجيش المصري الذي هو أقوى الجيوش العربية وتهزم عبد الناصر وتصل إلى حدود قناة السويس، يعني بينها وبين القاهرة ساعتين زمن.

كانت نكبة هائلة، الذين عاشوا سنة 67 -طبعاً الكثير منهم ما يزال حياً- كانت هذه أشد عليهم من نكبة 48، لأن نكبة 48 على الأقل كانت الجيوش العربية فيها تحت الاحتلال المباشر، لكن 67 كل الجيوش العربية فيها شكلها مستقل، ومش بس مستقل، ويحكمها القوميون العرب. فـ67 كانت لحظة هائلة. هذه اللحظة من آثارها الكبيرة طبعاً فوق التمدد الإسرائيلي، لكن الذي يهمنا دلوقتي في مسار القرن أن 67 كانت الضربة القاصمة للقومية العربية العلمانية.

ومن بعدها نشأت الصحوة الإسلامية، كيف نشأت الصحوة الإسلامية؟ أعترف أن هذا الأمر إجابة لا أعرفها حتى الآن. تبدو الصحوة الإسلامية التي جاءت في السبعينات وكأنها ولدت من لا شيء حقيقة. طبعاً عبد الناصر، نفس الكلام في العراق، نفس الكلام في سوريا، هذه الأنظمة سحقت الإسلاميين وطاردت الإسلام بعنف لا مثيل له ولم يفعله فينا المحتلون أيام كانوا موجودين بجيوشهم. يعني مرحلة إعدام علماء وسجن، هذه مرحلة ما عملهاش الاحتلال الإنجليزي لما كان موجود، يعني الاحتلال الإنجليزي بأسلوبه كان ينفي الشخصية التي يراها، لكن إعدام وتعذيب وتنكيل على نحو ما حصل في العصر الناصري، يعني السجون في عصر الملكية وتحت الاحتلال الإنجليزي كانت جناناً بالنسبة للسجون الناصرية. السجون في عهد الاحتلال الفرنسي كانت جناناً بالنسبة للسجون في عهد البعث، نفس الكلام بالنسبة للعراق. فها هنا كيف نشأ هذا الإسلام من جديد؟ ليس لها حساب طبيعي حقيقة.

الدعاة والمصلحون هم الذين عملوا حالة من الصحوة الإسلامية. من أين جاءت؟ الدعاة والمصلحون هم فين؟ بدأت مصانع الرجال تعود للحياة، المساجد. أنا أرجع وأقول لك لا أستطيع، لا أستطيع وأنا على فكرة اهتممت بهذا الموضوع، لكن لا أستطيع أن أذكر لك شيئاً يفسر كيف انبثقت الصحوة الإسلامية حتى عمّت السبعينات فجأة بعد ظلام الستينات، وكيف تسارعت. عارف فلان الذي بدأ الدعوة في جامعة القاهرة، فلانة التي أول واحدة تحجبت في جامعة عين شمس، فلان الذي أول أستاذ جامعي يعمل مصلى، ماشي، هذه قصص، لكن كيف انبثقت السبعينات لتكون عهد الصحوة الإسلامية إلى هذا الحد، وما انبثقتش بس في مصر، حتى في إيران الشيعية، حتى في تركيا العلمانية التي كانت أيضاً. أنت تجي عند مرحلة السبعينات، هذه مرحلة كان اليسار انطفأ فيها في عالمنا العربي أو في دول المركز، وظهر الإسلاميون من جديد، ظهر الحجاب من جديد، ظهرت الصلوات من جديد، يعني حركة حقيقة مزدهرة، إلى أن تصل إلى السنة الفاصلة، أو سنة هائلة في عالمنا العربي والإسلامي سنة 1979.

1979 حصل فيها ثلاث أحداث كلها فارقة. الحدث الأول هو حادثة جهيمان في الحرم المكي. هذه هي باختصار مجموعة، طبعاً حادثة جهيمان التي في الحرم المكي كانت بتاريخ 1 محرم سنة 1400، اللي هو بداية القرن الخامس عشر الهجري. مجموعة رأت أن صاحبهم محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي المنتظر، وفي الأحاديث المعروفة عن المهدي أنه يلوذ بالبيت الحرام، فاقتحموا الحرم المكي ونادوا بظهور المهدي، وأن الأمور عادت من جديد. طبعاً في ذلك الوقت السعودية كانت برضه ماشية في المسار المتعلم ده -سيبك من السعودية السلفية التي نعرفها، طبعاً دلوقتي الأمور اختلفت مع عهد محمد بن سلمان- لكن قبل ذلك، قبل هذه الفترة، كانت السعودية أيضاً ذاهبة في مسار العلمنة والحداثة، عند هذه اللحظة تستطيع أن تقول طبعاً حادثة جهيمان التي هي السيطرة على الحرم وبعد كذا.

حصلت مواجهات مع القوات السعودية، وبعد ذلك جيء بقوات فرنسية واقتحمت الحرم وقتلت هؤلاء. المهم تمت السيطرة عليها بعد حوالي ستة عشر يوماً. ما أهمية هذه الحادثة؟ أنها أعادت السعودية مرة أخرى إلى الالتحاف بالثوب الديني السلفي.

أصبح هناك قناعة لدى السعوديين ولدى المخططين الأكبر منهم أن أرض الحرم هذه لا ينفع أن تدخل فيها العلمانية على النحو الذي نجحت فيه مصر، أو نجحت فيه المغرب، أو في الجزائر، أو في إيران، أو في تركيا. فبالتالي، الطريقة اللطيفة والطبيعية للسيطرة على هؤلاء هو إنتاج دين، لنسميه بين قوسين سلفي، ولا أريد الدخول في حرب المصطلحات؛ المهم هو هذا النوع الذي ينسجم معه الناس. وإلا، هذه المرة عرفنا نخمد هذه الحركة، الله أعلم المرة القادمة ماذا ممكن أن يحصل. هذه الحادثة طبعاً، والأمة المغلوبة المهزومة التي مر عليها حوالي مئة وخمسين سنة والتي دائماً ما تتطلع إلى المهدي الذي يقودها، كانت حادثة ذائعة الصيت ولها آثارها التي ترددت في اليمن، وفي عموم الجزيرة العربية، وفي العراق، وفي الشام، وفي مصر.

الحادثة رقم اثنين هي نجاح الثورة الإيرانية. الثورة الإيرانية سنة 1979؛ ما قبل الثورة الإيرانية كان يوجد في إيران الشاه، والشاه هذا حاكم علماني قومي فارسي، وعلاقته ممتازة مع الإسرائيليين وممتازة مع الأمريكان، وهو الذي يُعد ليكون شرطي المنطقة، يعني زي ما عندنا إسرائيل عندنا برضه الشاه الإيراني. فلما تحصل ثورة ويظهر أن الذين قاموا بهذه الثورة ونجحوا فيها هم الملالي آيات الله، أي ثورة إسلامية، في ذلك الزمن لم يكن المسلمون لديهم صراع سني شيعي. مما لا أنساه قول بعض المؤرخين في مصر أن المثقفين في مصر اكتشفوا أنهم سنة بعد الثورة الإيرانية، اكتشفوا أن المسلمين عندهم حاجة ثانية اسمها الشيعه.

طبعاً الشيعة، نختلف نتفق، نرى اختلافهم سائغاً أو غير سائغ، المهم أن العالم الإسلامي رأى في ثورة الشيعة وانتصارهم على الشاه العلماني بتاع إسرائيل وأمريكا صحوة إسلامية، ونتيجة من نتاج الصحوة الإسلامية. وهنا تبدأ المعركة الحقيقية حول: هل هؤلاء مسلمون أم كفار مبتدعة؟ وهل هي بدعة خفيفة أم لا؟ طيب يا سيدي، اعتبرهم كفاراً واعتبرهم مبتدعة، هل هم أقرب إلينا من اليهود والنصارى أم لا؟ هنا المعركة اشتعلت. لكن وأنت تقرأ التاريخ فقط، بدون دخول في المحتوى الآن، هذه ثورة إسلامية كما تكلم عنها أهلها وكما رآها الغرب؛ ثورة إسلامية أطاحت بنظام تابع للنفوذ الغربي.

سنة 1979 أيضاً حصل الاجتياح السوفيتي لأفغانستان. وطبعاً كل الناس بما فيهم الأمريكان كانوا يقولون: ما هذه أفغانستان؟ لما يجتاحها الاتحاد السوفيتي لن تأخذ في يده وقتاً، فهي قوة عظمى عالمية. وإذ يفاجأ الجميع بأن المارد الضخم قد تعثر في أفغانستان، وأن الأفغان أظهروا مقاومة باسلة لم يكن أحد يتوقعها، لدرجة أن أمريكا بعد سنتين أو ثلاثة بدأت تفكر كيف يمكن دعم وإسناد هؤلاء لكي يعطلوا ويعرقلوا ويصيبوا الدب الروسي، الذي هو منافس كقوة عظمى.

فأنت الآن عندك دولة مركزية إسلامية تعود إلى الحالة السلفية، عندك ثورة إسلامية شيعية انتصرت، وعندك مجاهدون أفغان. وفي سنة 1980 كان أربكان يكاد يقوم بثورة إسلامية في تركيا لولا أن عاجله انقلاب 1980 الذي قاده كنعان إيفرين. لو لم يحدث انقلاب الثمانين هذا، كنت ستجد مثلاً بعد سنة أو سنتين أربكان يكرر نموذج الخميني في إيران، وهو أصلاً من أسباب انقلاب الثمانين الخوف من المصير الذي كان في إيران.

على الجانب الآخر في الحالة المصرية، كنت ترى السادات ذهب إلى توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وما هي إلا سنتين، فقد كانت كامب ديفيد سنة 1978 ومعاهدة السلام سنة 1979 وزيارته للقدس سنة 1977، وما هي إلا سنتين ويتمكن إسلاميون -سواء أردت تسميتهم إسلاميين أو عسكريين- من اغتيال السادات. فبدا وكأن العالم الإسلامي يفوق ويثور ويستيقظ من جديد.

في ذلك الزمن، زمن هذه الصحوة الإسلامية، سُريعا لمحاولة لملمة الأطراف، هنا تحدث أطول حرب في القرن العشرين وهي الحرب العراقية الإيرانية؛ ثماني سنوات من 1980 إلى 1988. نحن الآن نتكلم بعد مرور 46 سنة، وأعرف أن هذا الكلام لن يعجب بعض الناس، إلا أنه في حقيقة الأمر الحرب العراقية الإيرانية كانت محاولة أمريكية لإخماد الثورة الإيرانية.

لا شك أن هذه المحاولة، وطبعاً إيران في ذلك الوقت لم تكن بهذا الوجه الطائفي الذي ظهر لاحقاً؛ في البدايات كان الخميني يريد التصالح مع العالم الإسلامي السني، فحتى الكتب المدرسية كانت تمدح أبا بكر وعمر، وأفتى بأن الحجاج الإيرانيين يحجون على مذهب أهل السنة، وله كلام كثير في محاولة التهدئة وامتصاص أي إشكالات سنية شيعية. لكن اندلعت الحرب العراقية التي كانت محاولة أمريكية لإخماد هذه الثورة الإيرانية، واستمرت ثماني سنوات دعمها العالم العربي، وطبعاً رُفع لها شعار السنة والشيعة، بينما في الحقيقة -وأنا أتكلم الآن عند أهل السياسة- هي كانت محاولة انتقام لخروج إيران من الفلك الأمريكي الإسرائيلي.

حتى لو كان الذين يذهبون ليحاربوا يظنون أنهم ينصرون السنة، فهذا موضوع آخر وحسابهم عند الله، لكن عملياً لا صدام حسين كان قومياً بعثياً علمانياً وكان له مخازي ومظاهر كفر وفجور كثيرة جداً، ولا الذين دعموه كذلك. وما كان في ذلك الوقت الخطر الشيعي الذي يمكن أن تتحدث عنه، لكن الحروب والسياسة تستخدم كل الوسائل.

عند سنة 1988 لم يستطع لا العراق ولا إيران الانتصار، وكانت السياسة الأمريكية ترى أنه من المفيد استنزاف الطرفين. بعدما انتهت هذه الحرب بدون انتصار أحد، مليون قتيل هنا ومليون قتيل هناك، ودمار في الصناعات العسكرية ودمار اجتماعي هائل، وتأسيس الصراع السني الشيعي الذي لا يمكن السيطرة عليه. فهم منها أو أُريد أن يُفهم منها السنة أن الشيعة أخطر من اليهود والنصارى، وبالتأكيد تحصن الشيعة وتلحفوا بالقول: "هذا هو العرب وهذا هم السنة". فاشتعل فيها صراع عربي فارسي، واشتعل فيها صراع سني شيعي، وصار بعد ذلك لا يمكن أن تداوي أو تعالج أو تسيطر على هذا الصراع. وفي الآخر السنة والشيعة عاشوا مع بعض 1400 سنة؛ نعم توجد مشاكل وأزمات كما يحدث دائماً، لكن جرى في هذه السنوات الثماني التأسيس لهذا الصراع المهلك للسنة والشيعة معاً.

والذي تعتبر ما حصل في العراق فيما بعد، وما حصل في سوريا، وفي اليمن، وفي لبنان، ثمرات وارتدادات له؛ لأنه بعد ذلك أرادت إيران أن تنشئ شبكة بعيدة عنها. العراق خرج من الحرب مع إيران فأغرته أمريكا بالدخول إلى الكويت، وإذا بفارس السنة وصلاح الدين العصر وحامي حمى الإمبراطورية الشرقية، حامي حمى العرب من البوابة الشرقية، يعود فيصير المجرم البعثي العلماني الذي يريد أن يستولي على أرض الحرمين.

هكذا يتلاعب الساسة بدين الناس. لما اجتاح الكويت وأوحى أو هدد باجتياح السعودية، وطبعاً العراق في ذلك الوقت كان دولة قوية، وكما قلنا تدفق عليه الدعم العربي وكذلك الغربي، وما حصل من تطوير لجيوشه بالذات بالتعاون مع فرنسا كان يمثل تهديداً هائلاً للسعودية ودول الخليج، وهي كما قلنا دول ضعيفة، مساحاتها شاسعة وتسليحها ضعيف. هنا بدأ الالتحاف، أو بدأت حرب الخليج الثانية، وجاء التحالف الدولي وحصل ما هو معروف في العراق.

تستطيع القول إنه عند هذه اللحظة، وبعد موجة التطبيع التي بدأها السادات، بدأت النزعة الوطنية. خرجنا من القومية العربية والوحدة العربية إلى النزعة الوطنية؛ أنا مصر، أنا سوريا، أنا ليبيا، أنا الجزائر، أنا السعودية؛ بدأت هنا النزعة الوطنية في ذلك الوقت، ويمكن أن النزعة هي نتيجة طبيعية للشكل الذي وصلنا له.

لكن الأصل ليس عند المسلمين؛ لأننا عندنا شيء يعزز مفهوم الأمة. لكن لكي ترسخ التقسيم والتمزق لابد أن تدفعه بمعانٍ وتغذيه بمعانٍ تجعل هذا التمزق وطناً واستقلالاً وحرية.

لو الآن أنا وأنت نزلنا على الشارع وعملنا استفتاء (فوكس بوب) في الشارع، وحكينا للناس -لأن الشعوب دائماً عندها عاطفة والعاطفة تكون صادقة- وحكينا لهم: يا جماعة، بالرغم من وجود الدولة القطرية والعلم وقدسية هذه المعاني التي تعلو اليوم، قدسية الدين وتتقدمها، نريد أن نرجع لوحدة واحدة حقيقية؛ هل الناس سيوافقون على هذا الشكل؟ هل هذا الشكل هو المطلوب؟ على أرض الواقع، ألا يخرج عنصر العنصرية؟ لما أشوفك قاعد في أرضي سأقول لك: لا، معلش، هذه الأرض أرضنا، وهذا الغاز غازنا، وهذا العلم علمنا، وهذه الثروات ثرواتنا.

في حقيقة الأمر، عندما تصل إلى لحظة التماس، ألا يرفض الناس الفكرة أصلاً؟ يقول لك: نحن مرتاحون على الشكل الذي نحن موجودون عليه، مع أننا شعوب فقيرة مذلولة تعيش تحت الهيمنة والسيطرة، سواء من حكوماتها أو من الغرب.

أنت تقول في حقيقة الأمر، وهذه الحقيقة لا تقدر أن تصل إليها إلا حين يكون الذي يجيبك آمناً وغير خائف من قول رأيه. عند هذه اللحظة، أنا أجزم لك جزماً لا يتخلله شك بأن الناس يطالبون بالوحدة، وبأن أغلب الشعوب العربية ليس عندها إشكال في أن يحكمها رجل من قومية أخرى أو من وطن آخر. لا شك عندي في هذا، إنما أين الإشكال الحقيقي؟ أنك لن تعرف الوصول إلى لحظة الأمن التي تجعله يجيب بما يريد. لو واحد نزل له التلفزيون المصري ويقول له: ما رأيك يا أيها المواطن المصري أن يحكمنا واحد سعودي؟ أو واحد نزل له التلفزيون السعودي في السعودية: ما رأيك أن يحكمنا واحد مصري؟ الإجابة ستكون لا من الاثنين.

لكن خذ هذين الاثنين نفسيهما اللذين أجابا بـ "لا" أمام الشاشات -لأنه يرى لوجو الكاميرا والوطن- وقل له: ما رأيك؟ أنا لا أشك في أن أغلب العرب والمسلمين يتوقون إلى الوحدة، وأنه ليس عندهم أزمة عنيفة في أن يحكمهم واحد لم يكن من بلدهم، تماماً كما أن المصري القاهري لا توجد عنده مشكلة في أن يحكمه واحد من الإسكندرية أو المنيا.

هذا هو الذي، وهذه بالمناسبة ما تكاد تقرأ كتاباً في العلوم السياسية يتناول الشأن العربي إلا ويقول لك: من عيوب العالم العربي هشاشة الدولة، ما تزال هذه الأمة لم تخترقها الدولة وجدانياً إلى الدرجة التي أعادت فيها صياغة أفكارها. ما تزال الدولة بمعاييرهم هشة في العالم العربي. طبعاً هم يرونه عيباً، ونحن نراه ميزة؛ لأن هذه الدولة أصلاً صناعة غربية ولم تكن معبرة عن شعوبنا.

عندما فتحتم قوس الصحوة الإسلامية، الناس لا تتخيل إلى أي حد وصلنا وإلى أي قعر وصلنا أخلاقياً. ولا تتخيل أنه في الخمسينات والستينات وأواخر الأربعينات بدأ يصير عندنا تنانير قصيرة، واختفى الحجاب، وصار في شرب وسوالف طويلة، وصار السكر شيئاً عادياً، والاختلاط شيئاً عادياً، بهدلة ما بعدها بهدلة، حتى صار تمثيل أفلام إباحية عادياً؛ ما هي بيروت وأفلام الستينات وأواخر الخمسينات وأوائل السبعينات كانت بهذا الشكل.

وصلنا إلى حالة بائسة. أنا أقول لك، واحد مثل حزب البعث، وهو يقول شعاره: "آمنت بالبعث رباً لا شريك له، وبالعروبة ديناً ما له ثانٍ"، وصلت فيه الجرأة أن يكتب في مجلة الجيش السوري: "متى يأتي الوقت لكي نرد على محمد أوراقه الصفراء ليعود بها إلى الصحراء؟". أنت كنت في حالة من الكفر والتحلل الأخلاقي هائلة، لما كان رفعت الأسد مثلاً يخطب في الشبيبات السوريات ويعطي مكافأة لكل واحدة ستمشي في الشارع وتنزع حجابها. المرأة المحجبة في شوارع دمشق، دمشق عاصمة الأمويين التي كانت تفتح الدنيا شرقاً وغرباً، الوالي الأموي يقف عند الصين والثاني عند فرنسا، رفعت الأسد في قلب دمشق يفعل ذلك. ولما واحد مثل القذافي يقلب العالم العربي وهو يتكلم عن أن السنة لا تلزمنا، والمفروض نحذف من القرآن كلمة "قل" ونقول على طول "الله أحد"، "أعوذ برب الفلق"، "أعوذ برب الناس"، ويقول إن هذه كلمة قالها جبريل للنبي والعلماء هم الذين أخطأوا وسجلوها، أنت تتكلم في مأساة.

الاحتلال الذي كان يسمى عند البعض بالاحتلال العثماني سقط، وبالتالي كنا نسأل: هل هذا صحيح؟ وفقاً لكم هذا احتلال عثماني سقط، وتحررنا على أرض الواقع، ولكننا دخلنا تحت هيمنة واستعمار جديد، وتحررنا من هذا الاستعمار شكلاً، ولكن مضموناً لا يزال هذا الاستعمار يحكمنا حتى هذا اليوم. هذه هي الخلاصة.

نعم، صحيح لا شك فيها، لا شك فيها. وأشكال الهيمنة كثيرة ومتعددة. أريد أن أقول لك شيئاً ببساطة قبل أن يأتي إلينا الاحتلال الأجنبي، إذا أردت أن تقول إنه كان عندنا احتلال عثماني، طيب يا سيدي اعتبر أنه كان عندنا احتلال عثماني، وقل لي ما رأيك في الاحتلال الذي جاء بعده الأجنبي؟ ما رأيك في الاحتلال الذي جاء بعدهما؛ الاحتلال بالوكالة؟

أنت ترى نفسك حقيقة مستقلاً، بينما الوالي المصري مثلاً أيام الدولة العثمانية كان يفكر في إعادة دولة المماليك من جديد. تعالَ وانظر إلى أي دولة عربية، هل يستطيع أحد فيها التفكير في تغيير خريطة القوة العالمية؟

لو كنت شخصاً يعيش الآن في السعودية، أو الكويت، أو الإمارات، أو الأردن، أو فلسطين، أو في الضفة، أو في المغرب، أو في الجزائر، وقاعداً تسمع هذه الحلقة وأنت متكئ في بيتك، ومشغل الحلقة على التلفزيون، وأمورك مثل الليرة الذهب، تضوي الكهرباء، وإذا أردت فنجان قهوة تلاقي غازاً وتفتحه وتعمل فنجان قهوة، وتريد ماءً وتشرب، وابنك جاء من المدرسة، وإذا مرضت تذهب إلى المستشفى؛ فسيقول لك: أين الاحتلال؟ أين الهيمنة التي تتحدثون عنها؟ ها نحن عندنا كل شيء، والذي يعمل لنا هذا الشيء كله هي دولتنا التي رئيسها فلان، أو ملكها فلان، أو أميرها فلان. هو متصور أننا نحسسه لليوم بعد كل الذي عملناه أننا ما زلنا دولاً مهيمناً عليها ومسيطراً علينا، أين الدليل؟

طب أنا أقول لك على شيء؛ الفلسطيني الذي في 48 عنده احتلال ولا ليس عنده؟ هو عنده كهرباء وعنده غاز، ويذهب إلى المدرسة، ويعرف يسافر أيضاً. هو فاكر أن من يسأل هذا السؤال يعتقد أنه عندما يكون هناك احتلال لن يكون عنده كهرباء، ولن يعرف أن يركب مواصلات، ولن يعرف أن يشتري كتباً؟ ما هو الاحتلال؟ الاحتلال هو السيطرة على القرار، والسيطرة على الموارد. هذا هو، عندما نفهم أن المحتل الذي يحتلني اسمه محمد واسمه محمود واسمه عبد العزيز، هو غير المحتل الذي اسمه جون واسمه ماركس.

أنت تقصد يا أستاذ محمد أن نسبة استقلال القرار عندنا شبه معدومة؟

نعم صحيح، ما في شيء، ومواردنا مستنزفة، يعني مأخوذة. وأول دليل على هذا يا جماعة: ماذا فعلت إسرائيل في غزة أمام كل الدول العربية والإسلامية، ولا تستطيع دولة أن تفعل شيئاً؟ حتى إدخال الحبة، إدخال الخبز، إدخال الدواء، لا تستطيع كل هذه الدول المليارية وكل هذه الجيوش، يعني كل بلد من هذه البلاد عندها عيد استقلال، وعندها جيش وطني، وعندها زعيم مفدى، ولا واحد فيهم قادر أن يدخل لغزة كسرة خبز ولا قطرة دواء، بل حتى ليسوا قادرين على إخراجهم ليتعالجوا إلا بإذن! أنت بعد هذا كله ترى أنك حر ومستقل وزعيمك مفدى والناس تخاف منه؟ وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.

أستاذ محمد، يعني نحن أيضاً لم ندخل لغزة ماءً ولم نساعدها؟

لأننا اليوم دول، أنا لي في حالي، ونحن وصلنا لهذا الشكل وخلص واتفقنا عليه. أنا رجل تعبت عندما وصلت للحكم وما صدقت، وأعمل حدوداً وعِلماً وأضبط حالي، وأستخرج ثروات الأرض، وأشتغل زراعة، مياهاً، أي شيء تريده، تجارة، المهم أنا عملت دولة وعندي شعبي، وأهتم به، وليس ناقصني مشاكل. أنا يا دوب آكل وأعايش حالي، أريد وجع رأس؟ أنتم والله عملتم حرباً مع إسرائيل، صحتين وعافية على قلبكم، اذهبوا وحلوا مشكلتكم، نحن دولة اسمنا كذا، أنتم الفلسطينيين مشكلتكم، بصراحة انظروا، نحن شاطرون، نحن عملنا ثورة وعنا مجاهدين ومقاومين، وبالأخير طردنا المحتلين وعملنا بلداً لنا، أنتم الوحيدون الذين اسمكم فلسطينيون، طز فيكم، أنتم ما عرفتم تعملوا دولة، ليش ما طردتم المحتل وعملتم دولة وخلصتمونا من هذا الطبق؟ وتدخلوننا نحن في مشاكل مع إسرائيل التي تحتلكم!

هو كلام جميل وله شقان من الإجابة. الإجابة الأولى: يا ريت يا سيدي كل واحد في بلده مهتم بشعبه، وعامل لشعبه كرامة، وعنده تعليم جيد، وعنده صحة جيدة. أبداً، أغلب عالمنا العربي منهار في التعليم، ومنهار في الصحة، ومنهار في الموارد، وتزداد فيه نسبة الفقر، وتزداد فيه نسبة البطالة، والناس تهاجر منه هجرة شرعية وغير شرعية لكي تفلت منه، وتعاني من التعذيب في السجون، وتعاني من تأخر سن الزواج، وتعاني من كثرة الطلاق؛ يعني حتى هؤلاء الناس في دولهم هم ليسوا مهتمين بأنفسهم.

حتى هؤلاء الناس في دولهم لو فكروا بمنطق الدولة، سيرون أن إسرائيل خطر، بلاش إسرائيل، سيرون يا سيدي سد النهضة خطراً على الأمن القومي المصري وعلى الأمن القومي السوداني. ماذا فعل النظام في مصر لكي يمنع سداً يوشك أن يخنق مصر ويعطشها؟ لا شيء، بعد الإنفاق والجيوش وصفقات التسليح، حتى الموارد التي لدينا والتي ينبغي أن نستخدمها لمصلحة الشعب، نذهب ونعطيها للإسرائيليين بـ 35 مليار دولار، والجزر الاستراتيجية نتنازل عنها أمام كم مليار، غاز البحر المتوسط نتنازل عنه أيضاً للمناكفة ولصالح السياسة، حتى مصالح الدولة نفسها بالمنطق العلماني النفعي لا تجد من يحرصها ولا من يحفظها.

حتى بالمنطق العلماني، إسرائيل وتوحشها في المنطقة وكونها تستطيع أن تحاصر وأن تقتل وهي مطلقة اليد؛ أي إنسان وطني، كافر (يعني ليس مهتماً بالآخرة)، أي إنسان وطني، اتركك من الإسلام ومن العروبة ومن الدين ومن أي شيء، واحد علماني وطني يرى أن إسرائيل هذه خطر وينبغي أن يقف لها بما استطاع بكل جهده، هذا لا يحصل. لذلك سلوك الأنظمة الحالية هو فعلاً سلوك أنظمة محتلة، لو كان الإنجليز موجودين في مصر إلى الآن، أو كان الفرنسيون موجودين في لبنان إلى الآن، لن تجد سلوكاً مختلفاً من الحكومتين.

ظل عندي سؤال يا أستاذ محمد، وبعدين خذ بالك معي لكي لا أنسى: أنت عندما تأتي وتقول: أنتم الفلسطينيين ما عملتم وما حررتم أنفسكم، لا، لا يمكن أن يمرر هذا الكلام؛ قطاع غزة كان تابعاً للمصريين، والمصريون هم الذين تخلوا عنه، والنظام المصري، يعني قطاع غزة لم يحتل من الفلسطينيين، يعني لم يؤخذ من الفلسطينيين، أخذ من المصريين. الضفة الغربية أخذت من النظام الأردني، لم تؤخذ من الفلسطينيين. ما الذي حصل بعد ذلك؟ جاء النظام المصري في كامب ديفيد وقال: أنتم حرروا أرضكم، جاء النظام الأردني في فك الارتباط 88 وقال: أنتم حرروا أرضكم. يعني أيضاً نحن الذين ضيعناهم، ليس هم الذين ضيعوا أنفسهم.

هو بالمناسبة، معظم العالم العربي أصحاب الأرض وهي ترسم حدودهم كانوا موجودين، إلا الشعب الفلسطيني لم يستشار ولم يؤخذ رأيه، ولم يكن موجوداً هو أصلاً لكي ترسم حدوده، بل جرى التآمر عليه لكي لا يكون موجوداً.

أستاذ محمد، قصة القرار هي الاستقلال، سيحكي لنا أيضاً شخص أنكم لماذا تفتحون هذا الموضوع كله؟ ما الذي تريدونه من قصة أن نصبح دولاً ذات قرار مستقل؟ أنت تقصد أن وضعنا ممكن أن يكون أحسن مادياً؟ على المستوى الترفيهي والرفاهي ممكن يكون أحسن، يعني إذا أنا عندي مرسيدس ممكن يصير عندي رولز رويس مثلاً أو فيراري، يعني ممكن يتحسن وضع كثير؛ أنت تقاتل فينا من الصبح لكي تحسن وضعنا؟ ما الذي تريده من استقلالنا بالقرار؟ ها نحن عندنا كل الذي تريده، لا تجعلنا مثلما نحن وخلص، وحلوين هكذا مع الغرب.

والله أنا أسأل كل الأسئلة، فاهم، لكن أريد أن أقول: الذي يتكلم لأنه عنده مرسيدس ويريد رولز رويس، لا أظن أن هذا يتفرج على البرنامج الخاص بنا أساساً، لأن أغلب الناس مطحونة في المواصلات العامة ومش قادرة تشتري أصلاً التوك توك الذي ينفع يؤثر عليها أمورها. لكن ماشي، في كثير من الناس عندهم عربيات، معك الطبيعي أنك عندما تمتلك مواردك وتمتلك قرارك، سيكون عندك السيارة الوطنية التي ممكن حتى تشتريها بتراب الفلوس، ولست مضطراً للذهاب للبنك لكي تأخذ قرضاً لكي تقسط عربيتك، وعربيتك هذه ممكن تمنع من استيرادها في النهاية، ولما تحب تصلحها تذهب لتصلحها في التوكيل الأجنبي.

حتى بالمنطق المادي للناس الذين ليس عندهم قيمة لمسألة الكرامة والحرية والاستقلال وأنك تبقى دولة ذات وزن، حتى بالمنطق المادي، الاستقلال سيأتي إليك بخيرات هذه الأمور المادية، وسيخلي وضعك المادي وضعاً أفضل. لكن نحن كمسلمين لا نحسب الأمر هذه الحسبة، نحن كمسلمين نحسب الأمر حسبة أخرى، وهو أن الكرامة والاستقلال وامتلاك حرية الإرادة وقدرتك على أن تكون سيد نفسك، وأنه لا يوجد أحد يستذلك، لا يوجد أحد يأخذ مواردك، هذا أعلى من فكرة الموارد نفسها. والناس التي قد تفكر بهذه الطريقة، طيب ما الذي يجعلك في عالمنا العربي والإسلامي فعلاً؟ الأنسب لك إذا كنت تدور على الرفاهيات أن تذهب وتقعد في أوروبا وفي أمريكا، إذا كانت مسألة الدين والكرامة والاحتلال غير موجودة في دماغك ولا لها وزن في نفسك، فعلى فكرة لو اشتغلت في أوروبا أو اشتغلت في شركة عالمية سيكون مرتبك أحسن، ستعرف أن تنقل من المرسيدس إلى الرولز رويس، وهكذا.

إذا نحن كأمة الإسلام مطلوب منا أن نعمل ليلاً نهاراً حتى يصبح قرارنا مستقلاً، حتى نتحرر، نعم حتى نتحرر، يبقى عندنا صحة، انظر رؤساءنا هم أنفسهم عندما يتعبون يذهبون لأمريكا ويذهبون لأوروبا ليتعالجوا، لأنهم لم يعملوا طوال السنين صحة في بلادهم.

آه والله للأسف، والله للأسف.

نعم، بالمناسبة أبناء وأحفاد بعض الرؤساء ماتوا في بلدهم، لأن المنظومة الصحية في بلدهم لا تستطيع إسعاف ابنهم. يعني هو نعم يستطيع أن ينقله لألمانيا ويستطيع أن ينقله لأمريكا، بس الأزمة التي تعرض لها هذا الابن أو هذا الحفيد لا يمكن أن تنتظر زمن النقل بالطائرة الخاصة إلى ألمانيا أو أمريكا، فحصل إيه؟ مات.

لو دولة من الدول اليوم حاولت هكذا عن جد، يعني بشكل جاد أنها تتخلص من الهيمنة، ماذا سيحصل فيها؟ ماذا سيفعلون بها؟

لا ريب أن التحرر سيحتاج إلى كفاح، وكفاح طويل وتكاليف هائلة ومريرة، لا ريب. ﴿وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الْجِبَالِ * يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الْحُفَرِ﴾. لا ريب أنه مثلما أمريكا ومثلما ألمانيا ومثلما فرنسا ومثلما إنجلترا، كل هؤلاء إنما غلبوا علينا عندما بذلوا تضحيات هائلة ومريرة. لا يوجد أحد يصل للتحرر وللحرية الحمراء بباب بكل يد مدرجة يدق.

أستاذ محمد، السؤال الأخير وكنا طرحناه في الأول، بس لكي لا نتجاوزه لأنه صراحة أرى أنها نقطة جداً مهمة، لما بدأت الصحوة الإسلامية، نحن أصلاً كان في عندنا نموذج إسلامي حتى لو كان ضعيفاً، كُسر، ثم جاء النموذج العلماني القومي الوطني الغربي. وبعدين في السبعينيات هكذا والثمانينيات بدأ يقوى ويظهر أمامنا نموذج إسلامي جديد، نسميه الصحوة الإسلامية، نسميه أياً كان، هذا النموذج العلماني، هل كان خياراً نحن اخترناه، لأنه خلاص تأكدنا أن النموذج الإسلامي أو أي نموذج إسلامي سيكون فاشلاً، ولا هو فرض علينا قسراً؟

لا، هو بالتأكيد لم يكن خياراً، وكلمة "فرض علينا قسراً" بحاجة إلى تفصيل. والسر في ذلك أننا قد ذكرنا بأن الذين صارت إليهم ثمار الاستقلال الشكلية كانوا أصلاً من رجال المستعمرين، كانوا من رجال الاستعمار؛ فالنموذج الذي طبقوه برضاهم أو بتأثرهم أو بانخداعهم أو بقوة الغربي الذي هم يوالونه، كان يؤدي إلى إنشاء والاستمرار في النموذج العلماني. يعني مثلاً مدرسة مثل مدرسة فيكتوريا التي كانت موجودة في الإسكندرية، مدرسة إنجليزية، كلية مثل كلية ساندهيرست الموجودة في لندن، هذه الكليات وهذه المدارس وأمثالها تخرج منها الزعماء المعاصرون.

فالزعماء المعاصرون يعني أنت الآن انظر، أقول لك غالب رجال الأمن في بلادنا، غالب رجال الدبلوماسية في بلادنا، غالب رجال الحكم في بلادنا، دماغهم غربية. دماغهم غربية يعني هو فعلاً يرى الإسلام خطراً، ويرى المسلمين هؤلاء متطرفين، ويرى الإسلام هذا وصفة للتخلف وللتعصب. قصدي حتى بغض النظر عن شهواته هو وحبه للحكم واستبداده، هو عندما يحب أن يطبق الذي في دماغه، أو ميزان العداوة والموالاة في رأسه، خريطة المصالح والتحالفات هي خريطة شكلها الغرب بأكثر مما شكلها الفكر الإسلامي أو الدين الإسلامي.

فبالتالي هو لما هو الآن موجود في بيئة علمانية تحت هيمنة قوى علمانية وهو نفسه جزء من هذه المنظومة العلمانية، فلما صار بيده القرار كان هو أيضاً تكراراً لهذه المسألة العلمانية، وقام بدوره الهائل في مطاردة الفكرة الإسلامية، وسماهم الإرهابيين، وسماهم المتطرفين، وسماهم أحياناً الانفصاليين، ويرى أن التخلص منهم هو إنقاذ للوطن.

أستاذ محمد، طب والله شغلة تدهش، طب والله شغلة تدهش، اسألني ما هي؟

خير.

يا أخي، أليست أوروبا أيضاً تمزقت؟

نعم.

وصارت 32 دولة أو 29 دولة، لكن ماذا فعلوا في الأخير؟ لقد عملوا "شينجن"، وعملوا "ناتو"؛ لأنهم يملكون قرارهم. ومع أنهم يتحدثون لغات مختلفة ويعتبرون أنفسهم أعراقاً مختلفة، إلا أنهم فعلوا ذلك.

أوروبا هي الحضارة الغربية، وأمريكا هي الدولة المركز في الحضارة الغربية الآن. وعندما نتكلم عن "هينتينجتون" وحديثه عن صدام الحضارات، فهو يتحدث عن أن غرب أوروبا وأمريكا كيان واحد. وكل الشقاق الحاصل حالياً بين ترامب والدول الأوروبية هو صدع في العلاقات الأوروبية الأمريكية، وانقسام في الحضارة الغربية. لكن الأوروبيين خرجوا من الحرب العالمية الثانية وقد بهدلوا بعضهم، فقتلت ألمانيا من الفرنسيين الملايين، وكذلك فعلت إنجلترا، ولكنهم في النهاية، ولأنهم كانوا يرون أن هذا في مصلحتهم، عملوا السوق الأوروبية المشتركة، والعملة المشتركة، والشينجن. وبعد ذلك، تحركوا ليستخلصوا الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية، فبدأت كل أوروبا الشرقية تدخل إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الناتو ودائرة شينجن. والصراع الهائل الموجود الآن في أوكرانيا هو ضمن هذه الفصول؛ فهم يريدون ضمها إلى الناتو والاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا يمكن أن تسمح به روسيا، لأنه لو انضمت أوكرانيا لحلف الناتو، فقد يُنصب صواريخ في كييف تهدد موسكو، فاضطر بوتين إلى انتزاع أوكرانيا لكي لا يصل إلى مرحلة مواجهة الناتو.

نحن مختلفون بالنسبة لهم، نحن سياق آخر، نحن تهديد حضاري. نحن التهديد رقم واحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وممكن نبقى التهديد رقم اثنين أو ثلاثة اقتصادياً أو مادياً. حتى الصين وروسيا واليابان، كما يقول أحمد داوود أوغلو في كتابه "العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية"، لا يوجد نموذج يقدم بديلاً حضارياً إلا الإسلاميين. بقية الحضارات أكلتها الحضارة الغربية حتى لو ظلت تحتفظ بقيم وتقاليد وجذور أخرى؛ فالهند والصين واليابان، رغم أصولها الشرقية وقيمها الشرقية، إلا أنها في النهاية اصطبغت بالصبغة الغربية في أفلامها، وأكلها، ومشروباتها، وطريقة حياتها، واقتصادها، ونظامها السياسي. البديل الحضاري الوحيد هو العالم الإسلامي، فهو الذي يمثل نموذجاً مختلفاً. فممكن الآن الغربي يقول لك إن الصين خطر عاجل، لكن المسلمين هم الخطر الأكبر.

السؤال عن تكامل عالمنا العربي هو لغز لا حل له إلا إذا عرفت أننا لسنا مستقلين وأن قرارنا ليس بأيدينا. لو افترضنا جدلاً أننا أصحاب قرار مستقل، لكانت مسألة عدم التكامل بيننا لغزاً. لماذا لا يتكامل العالم العربي وهو يمتلك ثروات الكوكب كلها، وأهم المضائق والبحار، والجغرافيا، والمعادن النادرة؟ ما الذي يمنع التكامل بين مصر والسودان مثلاً؟ لماذا ظل كل الرؤساء المصريين لا يقومون بهذا الكلام؟ هل هي الأنانية؟ انظر إلى الصراع العنيف بين الجزائر والمغرب حتى هذه اللحظة؛ فسر لي لماذا يبدو هذا الصراع عنيفاً لدرجة أن كل منشور يكتب عن الجزائر تجد مغاربة يعلقون، أو العكس، وتشعر أن المعركة لا نهاية لها. ما هو الخلاف القبلي أو الديني أو العرقي أو السياسي أو التاريخي الذي يبرر ذلك؟ لا شيء. وكذلك الحصار الذي حصل حول قطر عام 2017، ما معناه؟ ما هي الأزمة التي كانت لدرجة فكروا فيها بعمل بحيرة حول قطر لتتحول إلى جزيرة؟ لقد عملوا جرحاً لن يندمل لمئات السنين. كل هذا انعكاس لكوننا غير مستقلين وإرادتنا ليست بأيدينا.

هذا النموذج العلماني لا يزال موجوداً وقائماً، بل يزداد توغلاً، لكنه يبدأ في الانكسار في النفوس كلما اقترب الناس أكثر من الإسلام، وكلما بدأ الناس يضيقون ذرعاً بنظام الدولة الحديثة ويكتشفون ما فيها من استبداد وتقييد.

أما بخصوص أعياد الاستقلال واليوم الوطني، فهي محاولات لترسيخ النزعة الوطنية التفريقية التمزيقية، لكي نصنع لكل بلد هوية وطنية، فنصبح "الشعب المصري العظيم"، و"الشعب البحريني العظيم"، وهكذا، بشرط أن نبقى متفرقين. أتمنى أن يأتي اليوم الذي نحتفل فيه بعيد اسمه "عودة الأمة" أو "عيد الوحدة"، حيث نرفع علماً واحداً ونحكي لغة واحدة. نسأل الله تعالى أن يكتب الخير لهذه الأمة، وأن يكون القادم أفضل.

إخواني أينما كنتم، شكراً جزيلاً لكم. وكالعادة، لا تنسوا أن تشاركوا هذه الحلقة مع إخوانكم وأصحابكم وأحبابكم حتى يعم الخير على الجميع. إن فاتنا شيء مهم لم نتحدث عنه، أو إن قمنا بتحليل شيء معين أو إجابة عن سؤال معين ولم تكتمل الفكرة، اكتبوا لنا باقي هذه الفكرة في التعليقات. إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة، دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.