نحن يجب أن يبصق في وجوهنا، نحن يجب أن نغرق أكثر حتى نعي الفكرة الصيوهنية. وعلى فكرة، وفيهم ناس انتقلت من كونها مناضلين في سبيل الصهيونية إلى عملاء للنازي. العروس جميلة ولكنها متزوجة، أيوه يعني فيها أرض وفيها ناس.
أريد أن أرسل لك أستاذ محمد وللمشاهدين الكرام مشهداً درامياً مليئاً بالخسة والنذالة والإنحطاط. بالنسبة لنا قصة فلسطين مليئة بالمشاهد الدرامية والمشاهد المأساوية. خرج السير سايكس من الغرفة ونظر إليه وقال له العبارة الشهيرة إنه صبي.
أولاً أنا أريد أن أثبت وأؤكد أنه المجهود الإنجليزي في محاولة إقامة دولة يهودية سابق عن هرتزل، والبريطانيين لما كانوا بدبهم ينشئوا هذا الوطن القومي لليهود كان الهدف إنه يسيطروا على المنطقة. طبعاً ما لهم صاحب. العقيدة اليهودية تقول بأنه هذه الأرض هي أرض لليهود، أيوه، المسيحيين النصارى شايفين إنه هذه الأرض هي برضه أرضهم المقدسة، والمسلمين أيضاً يرون أرض الشام أرضاً مقدسة. إذاً هذه الأرض مقدسة عند المسيحيين واليهود والمسلمين.
المسألة اليهودية أمام الأوروبيين وأمام اليهود هي مسألة الدين ولا مصالح سياسية؟ الناس الأوروبيين اكتشفوا المسيح ده مش مجرد نبي واحد، ده واحد من سلسلة أنبياء بني إسرائيل ما فيش مشكلة لهون. هنا بدات تتكون صورة جديدة لليهود ليس باعتبارهم أعداء الرب وأعداء المسيح، بل باعتبارهم اليهود المشردين من فلسطين، ومن الواجب الديني أن نعمل على إعادة اليهود إلى فلسطين. اربط يا سيدي اربط يا سيدي أيوه. إيه اللي خلى اليهود عايزين يقيموا في هذه الأرض؟ بدات تتحرر عاد كل الدول العربية، لكن فلسطين بقيت وحدها تحت الاحتلال. إيش معنى العالم العربي كله تحرر ما عدا فلسطين؟ لأنه بريطانيا هذه هي الحالة الوحيدة التي أرادت فيها أن تكون هنا دولة فلسطينية بل تكون دولة صهيونية. هل ستتحرر فلسطين؟ تحرر فلسطين وعد من الله تبارك وتعالى، ولذلك لابد أنها ستتحرر، وأنا أظن إنه قريب جداً.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مائة سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. أين وصلنا لمن انضم معنا حديثاً؟ نحن في المحور العاشر محور التاريخ المعاصر، وصلنا إلى الحلقة الآن.
شو معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام إذا انضميت حديثاً ففي مجموعة كبيرة من الحلقات لازم تبدا تبدا فيها من الحلقة الأولى وتمشي حتى يكون عندك تصور من مسقط أفق على تاريخنا هذا الكبير العريض. لا يستقيم أي لا من قريب ولا من بعيد أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفها الدائم الاستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذ محمد.
حياك الله يا أبو الحارث.
أستاذ محمد وصلنا إلى السؤال رقم 93، جاهز للسؤال 93؟
توكلنا على الله.
قبل ما أطرح السؤال أريد أن أرسل لك أستاذ محمد وللمشاهدين الكرام مشهداً درامياً مليئاً بالخسة والنذالة والإنحطاط بالنسبة لنا، نعم. بالنسبة لهم هو مشهد فيه من الانتصار والسيطرة والهيمنة ما فيه. عارفت كيف؟ اللي هو يعني احنا واصلين لمنطقة هيك بدينا نسيطر على هناك في لندن الأستاذ محمد تحديدا في شارع اسمه تين داونينج ستريت، وفي 31 أكتوبر 1917 رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج قاعد في مكتبه هيك ومجتمع في مجلس الحرب.
مين مشرف معنا في هاي القعدة في هاي القعدة؟ آرثر جيمس بلفور اسم معروف، نعم، وزير الخارجية. ومين في معنا كمان في القعدة هون؟ معنا مارك سايكس، إيش سايكس متذكرين القصة؟ ومعنا الفريد ميلنر وعدد آخر يعني من الوزراء.
في الغرفة المجاورة أستاذ محمد مشان نكمل المشهد مين قاعد بيستنى هيك برا؟ قاعد بيستنى الأستاذ حاييم وايزمان ورفيقه آرون آرنسون رئيس جهاز الاستخبارات اليهودي اللي هو كان اسمه وقتها نيلي أو نيلي أعتقد نيلي.
طالت طبعا مناقشات وجلسات هذا المجلس مجلس الحرب خلال شهرين سبتمبر وأكتوبر، وتم إقرار عرف النص الخطير. هذا النص هو الذي كان ينتظره حاييم وايزمان اللي قاعد بره هيك في الغرفة المجاورة. وعندما أقر هذا النص أستاذ محمد خرج السير سايكس من الغرفة ونظر إليه وقال له العبارة الشهيرة المولود غلام أو إنه صبي، يعني أن الإعلان قد أقر. وهذا الحكي كان في 2 نوفمبر 1917.
هذا الإعلان هو اسمه وعد بلفور أو ما أطلق عليه رسالة بلف. طيب هذه الرسالة أرسلت من بلفور وزير الخارجية البريطاني لمين؟ للورد والتر روتشلد. وأعلن لاحقاً في الصحافة طبعا شباب إذا طول عمرك هيك يعني بتسمع بس بالعنوان وعد بلفور، وعد بلفور، وعد بلفور، شو هو وعد بلفور؟ يعني نص هذا الوعد إذا عمره ما مر عليك فأنقراه. أستاذنك أستاذ محمد أقرأه سريعاً. هذا هو النص وهو مؤرخ في 2 نوفمبر تشرين الثاني 1917. مين المرسل؟ المرسل آرثر جيمس بولفور. لمين؟ لروتشلد. روتشلد حتحتلنا عنه بعون الله بعد شوي.
النص شباب ماذا يقول؟ لذيذ اسمع: تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص -ودقق معي وركز- أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية -شوف نحن طوائف غير اليهودية وعايشين وبتحس إنه نحن جايين زيارة يعني- غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.
هذا هو نص الرسالة وختم طبعا ووقع آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا.
طبعا لما خلص هذا الاجتماع أستاذ محمد لما خرج سايكس من جوا استدعى حاييم وايزمان وصديقه ودخلوا إلى لويد جورج رئيس الوزراء وسلموا عليه وبارك لهم هيك وعارف الأجواء الحميمية اللطيفة.
أستاذ محمد نحن في محور التاريخ المعاصر وهذا الزمن أو هذا القرن بدات تتحرر عاد كل الدول العربية، لكن فلسطين بقيت وحدها تحت الاحتلال. السؤال ما هي قصة فلسطين؟ هذا هو السؤال رقم 93.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قصة فلسطين مليئة بالمشاهد الدرامية والمشاهد المأساوية. وحقيقة هذا الملف الكبير الحافل المكدس المعقد المليء بالتفاصيل يعني رغم أني تكلمت فيه كثير، لكن في كل مرة أشعر بيعني ثقة للتحدي أيضاً.
طيب خليني أبدا أنا باعتذار مسبق لك ولمشاهدي هذه السلسلة، أنه مهما قضينا من الساعات ومهما ذكرنا من المعلومات فما سيفوتنا أكثر بكثير مما سنقوله، نعم، ولذلك فحقيقة أنا يعني أحب من البداية كده أن أحيل إلى هذا الكتاب كتاب خلاصة قصة فلسطين، وهو كتاب يعني متاح على الإنترنت مجاناً يعني أرسل لك رابطه إن شاء الله ممكن نضعه في وصف الصورة بعون الله.
ولمن يحب أن يشاهد فهذه المادة أيضاً حولت إلى حلقات تلفازية من إنتاج منصة تاريخنا فلسطين، نعم، فهي 29 حلقه هذا لمن أراد التفصيل. ده كده الاعتذار المسبق علشان لما تفوتوني مشاكل ومشاهد كثير يبقى يعني إيه كففت نفسي لوم اللائمين.
جميل. إذاً أستاذ محمد يعني احنا طبعا أمام ملف ضخم جداً. قصة فلسطين ما بتحكاش طبعا لا بساعة ولا بساعتين ولا ب30 ساعة ولا ب300 ساعة، قصة كبيرة جداً. فلذلك اعذرونا إخواننا نحن حنلم الشيء المهم اللي بفيدنا وبحكي لنا في هاي الحلقة إنه قديش هاي القصة هي أولوية بتنزل عن طاولة ولا سلم الأولويات.
إذاً أستاذ محمد ما سيفوتنا سنجده في سلسلة مكونة من 30 حلقة اسمها قصة فلسطين على منصة تاريخنا فلسطين أو منصتك الشخصية.
تمام يعني أنا المنصة الشخصية فيها مشاكل، اليوتيوب عندي عامل لي حظر للمحتوى فمش موجود عندي، فهو هيبقى موجود عندكم أنتم، لكن الكتاب ممكن يعني يحمل إن شاء الله.
ولذلك برضه علشان المواد المتاحة عن فلسطين كثير، فأنحاول أقول الكلام الذي لا يحكى عادة عن موضوع فلسطين، نعم، تمام.
طيب نبدا يا مولانا من العقيدة اليهودية، خلينا نبدا كده من إيه اللي خلى اليهود عايزين يقيموا في هذه الأرض؟ نعم. طيب الفكرة اليهودية أصلاً بتقول إنه أرض فلسطين هي بالنسبة لهم أرضهم، هي التي بعث فيها أنبيائهم، يعني كان فيها إبراهيم وكان فيها إسحاق وكان فيها يعقوب وولد فيها يوسف، وبعد ذلك لما بعث موسى في مصر أخرج بني إسرائيل من مصر إلى هذه الأرض، تمام، اللي هي أرض الشام وأرض سيناء بالمناسبة هم يعني بالنسبة لهم الموضوع واحد أو قريب، وفيها كان أنبيائهم وفيها بلغوا عصرهم الذهبي داوود وسليمان، ومنها أخرجوا بعد ذلك مع بقى السبي البابلي والاضطهادات التي نزلت بهم.
فالعقيدة اليهودية تقول بأنه هذه الأرض هي أرض لليهود، تمام دي كده العقيدة اليهودية، وبالتالي فرغم طول السنين وتوالي السنين على فقدانهم لهذه الأرض، فهم في أديانهم وفي معتقداتهم -يعني عارف أنت كده لما احنا بنسلم على بعض نقول إن شاء الله العيد القادم في الأقصى- هو برضه كان يقول العيد القادم في أورشليم.
طبعا احنا ما فاتش على احتلال الأقصى، الأقصى احتل سنة 67، ويعني نقدر نقول الجزء الغربي مثلاً من فلسطين احتل سنة 1917 يعني آخرنا 100 سنة. لا، اليهودي كان بعد 3000 سنة بيقول إيه: العيد القادم في أورشليم، تمام، يعني هذه كانت عقيدة موجودة عندهم كويس.
هذا جانب، ده كده مشهد ووقفه على جنب.
المسيحيين النصارى شايفين إنه هذه الأرض هي برضه أرضهم المقدسة. ليه؟ النصارى بقى شايفين إنه مش بعث فيها نبي، لا ده شايفين إنه ولد فيها الإله، بالنسبة لهم الإله مش نبي اللي هو يسوع المسيح.
العقيدة المسيحية بتقول إيه؟ بتقول إنه آدم لما أخطا الخطأ الأول الذي نزل به من الجنة وحرم به من الجنة، أبناؤه ورثوا منه هذه الخطيئة، تمام، بقى كل بني آدم عندهم إيه؟ موصومين بالخطيئة. فهنا حصل كده صراع داخل الرب -استغفر الله طبعا أنا دلوقتي بحكي حكاية حاشا لله هذا الكلام- لكن حصل صراع داخل الرب بين رحمته وبين عدالته. رحمته بتقول له يعني اعفو عن الناس، وعدلته بتقول له ما ينفعش تعفو عن الناس خلاص.
الصراع ده كان يتحل إزاي؟ لابد من يعني لابد من أحد يفدي البشرية بنفسه. تمام، طيب يفدي البشرية بنفسه؟ هنجيب منين حد يعني هنجيب من الكواكب حد مثلاً عشان يفدي البشرية بنفسه، ما كل البشر عندهم أخطاء. فها هنا قررت إرادة الرب أن الرب نفسه يتجسد بشراً وينزل إلى الأرض ويدعو إلى عبادته وإلى يعني الرب يتجسد بشراً وينزل بين الناس، فمن استجاب لهذا الرب، أو الناس هتنقسم إلى قسمين: قسم سيستجيب وقسم لن يستجيب. الذي سيستجيب هو الذي سيمحو الخطيئة الأصلية.
طيب إزاي يمحوا الخطيئة الأصلية؟ الرب نفسه سيتعرض للصلب، وهي الآلام دي اللي هي بها فدى الله الناس من خطيئتهم الأولى، فالذي يؤمن بالمسيح الفادي المخلص يبقى محيت عنه الخطيئة الأصلية، واللي مش هيؤمن بالمسيح الفادي المخلص ده يبقى إيه؟ حقت عليه العقوبة وظلت فيه الخطيئة الأصلية. تمام.
طيب الرب ده ولد فين ونزل فين وعاش فين ورفع من قبره فين؟ كله ده فين؟ في فلسطين المعاصرة بيت لحم والناصرة وهذه الآية وهذه المنطقة. وهنا يشتعل الصراع القديم الأزلي بين اليهود وبين النصارى.
النصارى يؤمنون بأنه هذا الإله الذي نزل لفداء البشرية من آمن به هو من يستحق هذه الأرض المقدسة. طيب اليهود كان إيه موقفهم من المسيح؟ اليهود كما كانت عادتهم كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، ففريقاً كذبوا وفريقاً يقتلوه، فوشوا بهذا المسيح عند السلطة الرومانية، فهذا أدى إلى صلبه.
طيب اليهود كيف يرون مريم اللي هي أم المسيح بقى العذراء البتول؟ يرونها زانية عاهرة، وإلا إزاي واحد جه من غير أب؟ فهنا الصراع الأزلي بين مين؟ بين المسيحية وبين اليهودية. الصراع الأزلي ده سيتسبب فيه إلى 400 سنة فاتوا بس، كان النصارى يرون أنه أشر الناس هم اليهود لأنهم تسببوا في آلام المسيح، ولأنهم هم قذفوا أم المسيح أم النور بالنسبة لهم كويس.
فبالتالي هذه الأرض بالنسبة لهم أرض مقدسة. العلاقة السيئة بين النصارى وبين اليهود كانت تترجم نفسها في التاريخ مذابح واضطهادات ومشاكل وبلاوي. وللما اليهود مثلاً يعني مثلاً الدولة الرومانية اعتنقت المسيحية، لما الفرس يستولوا على أرض الشام، اليهود يبقوا مساعدين للفرس، يساعدونهم في احتلال البلد، يساعدونهم في تعقب الكنائس، في استخراج كنوزها. طيب أول ما تجي الدولة الرومانية وتروح تنتصر على الفرس، مين اللي يدفع الثمن؟ اليهود الموجودين، فلذلك العلاقة بينهم مشتبكة ومشتعلة، وكلاهما يرون هذه الأرض أرضاً مقدسة.
خلاص، نجي للمسلمين، المسلمين أيضاً يرون أرض الشام أرضاً مقدسة. ليه؟ المسلمين يعتقدون أنهم هم الورثة الحقيقيون لكل الأنبياء، وأن الأنبياء الذين نزلوا في الشام -يعني نحن أولى بموسى منهم ونحن أولى بعيسى منهم- وهذه الأرض فوق ذلك هي التي شهدت كما نقول المشهد الأخير للأنبياء في الأرض، حين أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ومنها عُرج به إلى السماء، ومنها نزل من السماء نزل إليها من السماء وصلى بالأنبياء وعاد إلى مكة، وفيها بقى لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد، وفيها أنها كانت القبلة الأولى للمسلمين.
سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا. فهي بالنسبة لنا أيضاً أرض مقدسة. إذاً، هذه الأرض مقدسة عند المسيحيين واليهود والمسلمين. نعم.
حلو اللي أنت حكيته قبل شوية، ترى جاوب على سؤال جداً مهم. أيوه، هذا يشع برضه على السوشيال ميديا. احنا مش هنترك لا شاردة ولا واردة؛ لأنه أبو نص عين هذا هو لسه ماشي معانا حأجيبه.
إذاً نحن المسلمين، لما حدا يسالنا: يا عمي، أنتم ليش متمسكين بفلسطين؟ أنتم ليش بتدافعوا عنها؟ يعني شو العلة؟ يعني إيه؟ هي مش القصة دولة قطرية قاعدين بندافع عنها، لا، هي أرض مقدسة، أرض مقدسة دينياً بس.
آه، طيب، الأرض المقدسة دينياً دي بتعمل إيه؟ أنا وأنت لو متخانقين مثلاً على منصب، لو متخانقين على فلوس، لو متخانقين على عمارة بنت وراثة أو ما شابه، يعرف واحد يدخل بينا كده: يا ولاد الحلال، أنت خد نص والتاني ياخد نص، أنت خد ثلث وأنت خد، أنت خد الثلث اللي على الشارع وأنت خد الثلتين اللي ورا الشارع. يعني ينفع حد يتدخل، لكن القضايا المقدسة والأديان ما فيهاش هذا التنازل. ما فيش حد ييجي يقول لك مثلاً إيه: إيه رايك تؤمن بمحمد نص يوم وتؤمن بعيسى نص اليوم الثاني؟ أو إيه رايك تؤمن بنص القرآن أو ثلث القرآن بس، سيبك من السورتين دول هعملوا لنا مشاكل سياسية؟ ما فيش، ما فيش حد في الدين والمقدسات بيقبل بالمساومات.
فالآن المشكلة الحاصلة في فلسطين المتمركزة حول المسجد الأقصى، اليهود شايفين إنه هذا المسجد الأقصى بني مكان هيكلهم الأعظم، الهيكل الذي بناه سليمان. فبالتالي، وجودهم لا معنى له إلا بهدم الأقصى وبناء الهيكل، هذه رغبتهم وصحيح إلى هذه اللحظة التي نتكلم فيها عاجزين عن تحقيقه، لكنهم يسعون إليه. المسلمين فيما يخصهم، المسجد الأقصى هذا هو ثالث الحرمين وأولى القبلتين والأرض المقدسة وموطن إمامة النبي بالأنبياء وملتقى الأرض بالسماء، فما فيش حلول وسط ممكن حد يدخل يعني يقنع ده بأن أنت خد اللي فوق المسجد وأنت خد اللي تحت المسجد، أو نقسم المسجد نصين نص يبقى هيكل، ما فيش الكلام ده.
فبالتالي حقيقة الصراع الموجود حول هذا المكان هو صراع صفري. لابد لأحد الطرفين أن يقضي على الآخر، يعني صراع لن تنفع فيه الحدود. طيب، دلوقتي احنا قلنا اليهود منذ أن شردوا بالاضطهادات الرومانية وبالاضطهادات الفارسية والبابلية والكلام الكثير الذي تقراه في كتب التاريخ، المهم إنه اليهود منذ أن أزيلت دولة سليمان بعد وفاته وانقسمت إلى قسمين شمالي وجنوبي لم يعودوا أصحاب الكلمة العليا في هذه الأرض ولم يعودوا يحكمونها.
ليه لم يعودوا يحكمونها؟ لأنه عبر هذه، يعني تقدر تقول ثلاثة آلاف عام وفي شوية كده تفاصيل، عبر هذا الزمن كله الإمبراطوريات القوية كانت إما مسيحية الإمبراطورية الرومانية والرومانية الشرقية وإما إسلامية، فما فيش حد كان يجرؤ أن ينشئ دولة لليهود. فين؟ في هذه الأرض؛ لا المسيحيين الذين يعادون اليهود يقبلون، ولا المسلمين الذين يرون هذه أرضهم المقدسة يقبلون. كويس، ففضلوا هم في كنسهم، حخاماتهم، أشعارهم، أياً ما كان، يتمنون قرب العودة إلى فلسطين. نعم.
أمته بقى حصل أنهم استطاعوا أن يعودوا؟ هذا حصل، حصل عندنا متغيرين كبار، متغيرين تاريخيين كبار جداً. المتغير الأول حصل في أوروبا، والمتغير الثاني حصل في عالمنا الإسلامي. نروح على التغير الذي حصل في أوروبا؛ التغير الذي حصل في أوروبا كالاتي: المسيحية.
المسيحية دي منقسمة إلى، انقسمت إلى مذهبين كبار: الكاثوليك والأرثوذكس. الكاثوليك دول دول الناس اللي كنيستهم في روما، البابا بتاعهم هو البابا الموجود في الفاتيكان، لغتهم كانت اللاتينية. الأرثوذكس دول كانت كنيستهم القسطنطينية اللي هي كانت آيا صوفيا العظمى دلوقتي، ولغتهم اليونانية ومذهبهم أرثوذكسي. نعم.
عند سنة، عند أواخر القرن الخامس عشر أوائل القرن السادس عشر ظهر انشقاق جديد في المسيحية، اليهود مالهمش علاقة بيه يعني أو بعض الناس بتقول لهم علاقة بيه، لكن مش مهم دلوقتي التفاصيل بين المؤرخين. المهم ظهر مذهب ثالث اسمه البروتستانتية من طرف الكاثوليك، انشقاق انشق عن الكاثوليك. المذهب ده ظهر ليه؟ خلاصة الموضوع، خلاصة الموضوع إنه القسيس الذي اسمه مارتن لوثر الألماني. نعم.
الراجل ده شاف إنه الجماعة الأحبار والرهبان دول بقوا تجار دين. يعني إيه تجار دين؟ المسيحية فيها حاجة اسمها الاعتراف، مش زي عندنا احنا المسلمين الواحد لما يذنب ذنباً الأفضل أن هو لا يجهر به، الأفضل أن هو ما حدش يعرفه، وعايز يتوب يتوب مع نفسه، يصلي ركعتين لله، يتصدق لله، يدعو الله بينه وبين ربه. نعم.
المسيحية فيها حاجة اسمها الاعتراف؛ أنك تروح للقسيس بتاعك وتروح تعترف له باللي أنت عملشته. خلاص، ده من ضمن آثاره إنه وفر إن القسيس ده بقى قادر ياخد فلوس وقادر يبيع صكوك الجنة. اللي هو إيه؟ أنت عملت كذا، طيب شوف لنا كده ثلاثة آلاف جنيه، شوف لنا، لا أنت موضوعك كبير، جنيه، لا أنت موضوعك أكبر خمسة آلاف. المهم يعني إيه، بيغفر لك وبيديك حتة من الجنة.
وخصوصاً إنه المسيحية الكاثوليكية كانت تحتكر قراءة الكتاب المقدس، يعني الكتاب المقدس ده مش منشور وسط الناس، لا، الكتاب المقدس ده علم سري أعتبره سري كده، لا يطلع عليه ولا يجيد قراءته إلا الأحبار، وخصوصاً بعد تفرق اللغة اللاتينية إلى لغات ولهجات مختلفة، هي أصول اللغات الأوروبية دلوقتي يعني الكتاب المقدس غير الإنجيل، هذا هو الإنجيل بس ما حد، بس مش، يعني مش بيطبع مش بينشر مش متاح للكل. أنت عندك حاجة في دينك تعال اسأل القسيس. أيوه.
غير إن البابا ليه صلاحيات التحليل والتحريم برضه. أيوه.
فمارتن لوثر ده قال لك إيه بقى؟ قال لك: لا، ده فساد، ودول تجار دين وبيستغلوا الدين لمصلحتهم، وكل واحد بيكون ثروات وبيحط الذهب عنده علشان فلانة غلطت مع واحد ولا علشان فلان سرق واحد. فالانشقاق بتاع مارتن لوثر ده كان من أسبابه الثورة على فساد الكنيسة الكاثوليكية، وبالتالي أحد آثار هذا الانشقاق، أثرين مهمين.
تمام، قصدي أثرين مهمين في اللي يخصونا احنا. الأثر الأول إنه قال يا جماعه: الكتاب المقدس ده لكل الناس أنها تقراه وكل واحد يفهم منه اللي هو عايزه، وما فيش وساطة بين العبد وبين ربه، وكل اللي يفهم حاجة يفهم منها، يعني كل واحد يقرا الكتاب المقدس مع نفسه، ما فيش سلطة للقسيس على إيه؟ على قارئ، وادي الكتاب المقدس أنا هترجمه لكم للألمانية. وصار يشجع ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات المحلية، وده كان ممنوع. أوكي. خلاص.
طيب، الأثر الذي عمله ده، ما فيش مشكلة لهون، هنا ما فيش. بس إيه الأثر الذي عمله في ترجمة الكتاب المقدس وانتشاره؟ إن الناس اكتشفت، الناس الأوروبيين اكتشفوا إنه المسيح ده مش مجرد نبي واحد، ده واحد من سلسلة أنبياء بني إسرائيل. يعني أول ما تقرا الكتاب المقدس، التوراة اللي هو العهد القديم، والإنجيل، فالتوراة دي عمالة تقول لك على أنبياء كتير بقى، أشعياء وخنوخ ويعني أنبياء بني إسرائيل كتير، والمسيح ده آخر واحد فيهم. تمام.
هذا كتابه الذي اسمه المسيح ولد يهودياً، دي ده جزء بقى من هذا الموضوع، إنه الكنيسة الكاثوليكية، يعني الأول بس خلينا في الأثر ده، إنه إيه اللي حصل؟ اللي حصل إنه بقى في رأي عام جديد متشكل، شايف إنه إيه ده؟ ده الأرض اللي اسمها فلسطين واسمها الشام دي كان فيها أنبياء كتير، المسيح ده مجرد واحد منهم، تمام؟ اه. كويس.
الحاجة الثانية: إن مارتن لوثر في ظل مشاكسته للكنيسة الكاثوليكية، الحاجات اللي بيقولوا عليها يمين كان غالباً هو بيقول عليها شمال، الحاجات اللي بيقولوا عليها شمال كان غالباً هو بيقول إيه؟ يمين. جزء من التميز والمناكفة والمشاكسة، جزء من هذه القضايا التي اختلفوا فيها هو قصة اليهود. إزاي؟ الكنيسة الكاثوليكية شايفة اليهود إزاي؟ شايفه اليهود إنهم قتلة المسيح، وإنهم قذفوا السيدة مريم العذراء البتول أم النور، واليهود دول هم الذين لما أمنوش بالمسيح فصاروا قوماً ضالين.
طيب، الكلام الذي موجود في الكتاب المقدس ده، الذي يتكلم عن اليهود وأنبياء اليهود، وإن اليهود سيعودوا مثلاً إلى بيت المقدس كما هو من جديد، الكلام الذي موجود في الكتاب المقدس ده يا جماعة، يقول لك: الكلام ده كان يقصد اليهود الحقيقيين الذين أمنوا بالمسيح، مش يقصد اليهود الموجودين في زمننا. اليهود الموجودين في زمننا دول اليهود الذين كفروا بالمسيح ولم يؤمنوا به فادياً ولا مخلصاً. نعم.
فعلشان كده كان دايماً التاريخ الأوروبي مصبوغ باضطهاد اليهود في أوروبا. مارتن لوثر قال لك: لا. قال لك: اليهود دول المقصودين في الكتاب المقدس هم هم اليهود الموجودين دلوقتي، أنتم ناسين إن الرب ولد يهودياً؟ يعني الرب، هو الرب لما حب يفدي الناس اتخذ أن يولد إيه؟ يهودياً من عائلة يهودية، وأن ينشأ بين، من أسباط اليهود.
هنا في المخيال الجمعي الغربي، ومع انتشار الأناجيل، بدات تتكون صورة جديدة لليهود، ليس باعتبارهم أعداء الرب وأعداء المسيح، بل باعتبارهم اليهود المشردين من فلسطين. أيوه، أيوه، اربط يا سيدي، اربط يا سيدي، باعتبارهم اليهود المشردين من فلسطين، ومن الواجب الديني أن نعمل على إعادة اليهود إلى فلسطين. هيك من الأول.
آه، من الواجب الديني! طب ليه من الواجب الديني؟ هنا بقى في خلاف داخلي، ناس بتقول: لأن هذه هي إرادة الرب؛ الرب جاب اليهود وحطهم هنا ونزل وولد بينهم. وناس بتقول: لأن إعادة اليهود إلى هذه الأرض هي مقدمة للعودة الثانية للمسيح ابن مريم، يعني اليهود لما هيروحوا هناك وينزل مسيحهم الدجال، هذا يؤدي إلى نزول المسيح عيسى بن مريم. يعني في ناس مؤيدة عوده اليهود إلى فلسطين لأنها بتحبهم وشايفه ده واجب ديني، وفي ناس بتؤيد عودتهم إلى فلسطين لأنها بتكرههم وشايفه دي مقدمة لإفنائهم ونزول المسيح وبدء العصر الذهبي للمسيحيين. أي نعم.
بس الاتفاق حاصل فين؟ فين خليه الجماعة دول يرجعوا إلى مكانهم. طبعا الكلام ده حتى لو أن أنت كأوروبي شايف إنه نعمله، بس نعمله إزاي؟ يعني ده احنا عندنا وحش ضخم جداً اسمه الدولة العثمانية، كان شوية هياخد فينا ويضيعنا، اللي هو حاجة مش ممكنة، يعني حاجة مستحيلة، حاجة فوق الخيال. تمام.
لكن ها هنا بدأ في أوروبا يظهر المذهب البروتستانتي الثالث ده، الذي هو قريب إلى رغبات اليهود وفكرهم الديني. يبقى ما بقتش كل المسيحية معادية لليهودية، بقت إيه؟ بقت في جزء كده قريب منها. الجزء ده تغلب وصار الدين الرسمي لأقوى قوتين أوروبيتين في التاريخ، قوتين غربيتين: انجلترا ثم أمريكا. اه، صاروا بروتستانت، صاروا بروتستانت، خلاص.
يبق ده التغير الأول الذي حصل في أوروبا، وسبنا منه دلوقتي، أنا كده نقفل المشهد، نيجي على التغير الثاني الذي حصل في العالم الإسلامي. نعم.
التغير المهم الذي حصل في العالم الإسلامي إنه الدولة العثمانية ضعفت. فبعد ما كان الوحش الكبير الذي رايح يجيب فينا، واللي خد القسطنطينية، واللي خلاص يهدد الوجود الأوروبي، ظهر عندنا لحظة ضعف خطيرة هائلة، وهي لحظة ضعف الدولة العثمانية، وبالذات العشر سنين التي حكمها محمد علي للشام. محمد علي الوالي العثماني في مصر، الذي احنا اتكلمنا عنه في حلقة كاملة؛ الراجل ده حكم الشام لمدة 10 سنين. العشر سنين دول، لولا أن اسمه محمد علي، كما قلنا، لما أنت بتشوف ماذا فعل محمد علي في الشام ستتوقع أن الذي يحكم مصر كان مسيحياً أو كان يهودياً، كان مسيحياً بروتستانتياً أو كان يهودياً الذي يحكم الشام قصدي 1831 40. آه، 1840.
العشر سنين دول سياسة محمد علي كانت تعلي الأجانب على الرعايا، وبالنسبة للرعايا تعليق اليهود والنصارى على المسلمين، وعمل بقى مزايا هائلة لليهود وللنصارى، مزايا هائلة لم يكونوا يحلمون بها. اتوقع إني فصلتها في الحلقة التي عملناها وموجودة في الكتاب لمن يحب أن يرجع إليها بالتفصيل.
العشر سنين دول عملوا انتقالة خطيرة جداً في كل القضية اليهودية؛ نقلوا الأحلام اليهودية من المعابد والكنائس والاشعار وكلام الدراويش والمتصوفه فيهم إلى أن فكر، إلى أن السياسة والبرلمانات والصحافة بدأت تقول: يا جماعة، ما احنا عندنا فرصة ممتازة أهو، نطلع اليهود من أوروبا ونحطهم في فلسطين. تمام.
ها هنا لحظه إيه؟ لحظة مهمة جداً، لذلك سترى إنه بداية التفكير الحقيقي في إنشاء إسرائيل حصلوا في العشر سنين دول الذين حكمهم محمد علي للشام؛ لأن محمد علي سمح بتدفق يهودي وبناء كنس يهودية جديدة، ورعى الأوقاف اليهودية والمسيحية ودمر الأوقاف الإسلامية، ومكن اليهود من أمور لم يكونوا يتخيلونها، وجعل يهوداً في مجلس إدارة بيت المقدس المدينة، أشياء هائلة وكبيرة جداً. نعم.
ففي العشر سنين دول بدأ التفكير يتحول إلى إنه هو ممكن والله، ما دي حاجة كويسة وممكنة. دول المشهدين الكبار، أنا حقيقة نسيت مشهد آخر عند الأوروبيين حصل، وهو مشهد أن أوروبا تحولت إلى العلمانية برضه، يعني زي ما ظهر عندنا بروتستانت ظهرت عندنا نزعة علمانية كانت ذروتها في الثورة الفرنسية. تمام، يعني إيه الثورة الفرنسية دي؟ طبعا لها جذور كده تمتد إلى النهضة الإيطالية، وفكرة ظهور فكرة المواطنة، وفكرة إنه المسلم زي، مش المسلم، ما فيش مسلمين في أوروبا، لكن فكرة اليهودي زي المسيحي، احنا مواطنين في دولة علمانية، الدولة مالهاش علاقة بالدين، كل الناس مواطنين، لما أوروبا.
دخلت في المثق العلماني ده تغير وضع اليهود من كونهم أقلية يهودية منعزلة إلى كونهم مواطنين أصحاب حقوق، فبالتالي بدأوا يتدرجوا ويستفيدوا بالقانون في ارتقائهم الاجتماعي. نعم، فصاروا أصحاب بنوك، صاروا أعضاء برلمان، فيما بعد هيبقوا وزراء، فيما بعد هيبقوا شخصيات معروفة. امم، فنمى وضع اليهود في أوروبا الغربية.
فضلوا في أوروبا الشرقية وروسيا والكلام ده مضطهدين ومذبوحين وكل حاجة، لكن وضعهم في أوروبا الغربية نهض وبداوا يدخلوا إلى سياق السلطة والبرلمانات. امم، يعني بداوا يطلعوا من الكيبوتسات اللي كانوا عايشين فيها. بدأوا يطلعوا من الكيبوتسات اللي كانوا عايشين فيها وبداوا يبقوا أصحاب تجارات وأصحاب مناصب ومستشارين لوزراء، وبعد شوية هيبقوا وزراء. ام، تمام.
فدلوقتي لو أنت بتبص لأوروبا الغربية، هتلاقي في مشهد مختلف عن أوروبا العصور الوسطى؛ اليهود بقوا شخصيات طبيعية داخل المجتمع اللي صار لهم أموال ونفوذ وصارت لهم سلطة، وكذلك هناك مذهب ساد في قوى أوروبية زي بريطانيا على الأقل هو المذهب البروتستانتي الذي يرى أن اليهود دول هم فلسطينيون مشردون وأنه إعادتهم إما أنها واجب ديني لمصلحة اليهود أو واجب ديني لمصلحة النصارى. نعم.
الوضع اللي حصل في أوروبا ده التقط الفرصة الموجودة أيام محمد علي، اللي هي ضعف الدولة العثمانية، فهنا حصل التقت مصالح ثلاث أطراف مختلفين حول إعادة اليهود إلى فلسطين. الطرف الأول هم المتدينين اليهود؛ المتدينين اليهود لقوا فرصة مناسبة: ادي يا عم الوحش العثماني، وقبله طبعا كان الوحش المملوكي والأيوبي، وقبله طبعا الدولة الأموية والعباسية وقبلهم كانت الإمبراطورية. كل ده بدأ الآن يضعف وصارت أوروبا هي اليد العليا القوة العظمى؛ فرصة يا جماعة خلونا نروح.
ده الطرف الأولاني؛ في يهود عايزين يرجعوا ويؤسسوا دولة. الطرف الثاني: إنه في نصارى ومسيحيين بروتستانت موجودين في مواقع السلطة شايفين أن إعادة هؤلاء اليهود واجب ديني. الطرف الثالث: الأوروبيين المسيحيين اللي بيكرهوا اليهود، اللي شايفين أن اليهود دول واكلين مال أوروبا وعنصر مازال لم يتخلص من عقائد القرون الوسطى، قال لك: فرصة يا جماعة ناخد المشكلة اليهودية دي نكورها كده ونرميها في حته بعيدة عن أوروبا، بدل ما احنا كل خمسين كل مية سنة لنا في كل بلد مشاكل مع اليهود. ام، فخلينا ناخدهم كده مع بعض ونروح نحطهم في حته تاني، منها والله دينا خلصنا منهم، ومنها نشغل بيهم العالم الإسلامي، ومنها يبقوا مستعمرة تابعه لنا في الأرض الإسلامية.
يبقى أنت كنت علماني استعماري، كنت بتكره اليهود، كنت بتحب اليهود، كنت يهودي، في حالة من الحالات التي تختلف دوافعها لكن تتفق نتائجها؛ إنه يا جماعة دلوقتي الدولة العثمانية ضعيفة، فرصة، فرصة ندي لليهود مكان في هذه المنطقة. نعم.
طيب، في شغله مهم، استاذ محمد، بس قبل ما نمشي شوية بالموضوع، أرجع بس لمارتن لوثر تكة. امم، مارتن لوثر هذا لما اجا قال لك: احنا يا عمي مش فاهمين الكتاب المقدس وعشان نفهمها احنا لازم نفهم بعض النصوص التي وردت في التوراة. نتج عن هذا الكلام فكرة اسمها عقيدة الخلاص ولا لا؟ نعم.
عقيدة الخلاص هي انقسم اليهود فيها إلى قسمين على ما أعتقد؛ ناس قال لك يا عمي نحن ما بنقدرش، اللي هم المتشددين المتدينين اليهود، قال لك: احنا ما بينفع أن نقيم دولتنا في الأرض الموعودة قبل ظهور المسيح. نعم، لازم يظهر بعدين نحن بنقيم الدولة، لذلك نحن نعارض ذهابنا إلى هذه الأرض حتى لو اجتمعت كل قوى الأرض ترجعنا ما بدنا نرجع.
وهناك الفكر العلماني الصهيوني اللي قال لك يا عمي بالعكس؛ نحن الدولة لازم تقام قبل ظهور المسيح، تمام؟ وعليه طلع لنا بعدين لقدام شوية ثيودور هرتزل وكتب كتابه دولة اليهود. دولة اليهود، بارك الله فيك، هذا السؤال أفضل طريقة للربط بين ما كنت قلته وما أذهب لقوله الآن.
هذا الانقسام داخل اليهود موجود إلى هذه اللحظة اللي احنا بنتكلم فيها دي، تمام، حتى إنه اليهود الحريديم المتدينين موجودين في إسرائيل على شرط أنهم لا يقاتلون ولا يدخلون الجيش، وأنت فاكر أيام حرب 2023 و2024 ازاي إسرائيل حاولت تجنيدهم وازاي حصلت مصادمات؟ في ناس من اليهود إلى هذه اللحظة شايفين إنه إقامة هذه الدولة ضد إرادة الرب.
طيب ليه قامت؟ قامت لأن الذي بدأ بها لم يكن لا متدينا ولا حريصا على إعادة اليهود إلى فلسطين، ده واحد اللي هو هرتزل؛ واحد جاي من مسار علماني مختلف. ده واحد عمل إيه هرتزل ببساطة كده؟ هو شاب صحفي نمساوي، ده كده نشيط، يعني اللي أنت عايز تقوله: الراجل ده اكتشف أن أوروبا بعد 200 سنة تقريبا من دخولها في العلمانية ما تزال مكنونات صدور الغربيين المسيحيين لا تتقبل اليهود. في محاكمة كده لواحد جندي يهودي شهير اتهم بالتجسس، طيب ما في ناس كتير بتتهم بالتجسس في فرنسا، لكن هو لقى أن الراجل ده تحديدا الناس كارهين ومبغضين، ويحملونه أوزارا هائلة، فوصل إلى قناعة أن أوروبا دي ما ينفعش تكون مهما تعلمنت ومهما كان فيها قانون لن تتخلص من العنصرية ولن تتخلص من بغض اليهود.
وبالتالي يا جماعة الخير يا بتوع أوروبا، أنت دلوقتي كنتم زمان هلكتم بعضكم حروب دينية ودلوقتي الحمد لله لقيت لكم حل في صلح وستفاليا وتقسمتم لدول قومية قطرية، احنا بس عندنا مشكلة بسيطة: اليهود قوم ليس لهم دولة، هم دول اللي قاعدين عاملين لكم مشاكل، إيه رايكم نعمل لهم دوله ونخلص؟ ده تفكير مين؟ هرتزل. آه.
طيب يا استاذ هرتزل، يعني عايز الدولة دي فين؟ أي حته، نروح روسيا، نروح أوغندا، نروح الأرجنتين، نروح أي حته، سينا، أي حته، هو الأول كان الراجل بهذا الشكل، يعني إنقاذ اليهود يساوي أن احنا ناخد اليهود دول نحطهم في دولة وتسمى الدولة اليهودية، فيها انتهاء مشاكل لليهود وفيها انتهاء مشاكل أوروبا، خلاص.
أول ناس وقفت لهيرتزل وتشككت فيه اليهود نفسهم؛ قال لك: هذه مؤامرة مسيحية غربية، أول ما لقوا نفسهم دخلوا في العلمانية وبقى في قانون وادينا عرفنا نطلع من الكيبوتسات ويبقى لنا أموال ويبقى لنا بتاع، قالوا لنا: روحوا اعملوا لكم دولة، فهذه مؤامرة لإخراج اليهود من أوروبا بعد الذي وصلوا إليه. ومين هيرتزل ده أساسا؟ ده واحد لا عمرنا شفناه في كنيس ولا عمره كان متعبد ولا عمره كان متدين، فده أصلا عميل مسيحي غربي لإخراج اليهود من أوروبا بعد السعة والرخاء الذي وصلوا إليه. دول أول ناس كرهوا هيرتزل وتشككوا في دعوته.
طيب، هيرتزل من الناحية الثانية، وهو بيدور كده وماشي في مشروعه، المشروع ده يا ترى نعرضه على مين؟ مين اللي ينفع يساعدنا فيه؟ اكتشف أن اليهود لن يتحركوا معه في هذا المشروع إلا لو كانت الأرض الموعودة التي سيخرج إليها هي فلسطين؛ هو دلوقتي بيخاطب مجتمع والمجتمع ده فيه تدين، الحاجة اللي ممكن يجتمعوا عليها وتتألف عواطفهم عليها هي أن هم يرجعوا فلسطين تاني، هو نفسه ما كانش في دماغه موضوع فلسطين أصلا.
لكن لما لقى المشروع مش هينفع تغري اليهود أن يهودي يسيب أوروبا ولا يهودي يسيب، يعني طبعا أمريكا في ذلك الوقت كانت موجودة وكان فيها يهود، لكن لم تكن لهم مشكلة أنك تقول لواحد سيب أوروبا وسيب بريطانيا وسيب فرنسا وسيب إسبانيا وتروح أوغندا ولا تروح الأرجنتين، فقال لك: خلاص يلا بينا على فلسطين، خصوصا أن فلسطين كان فيها شوية محاولات بتقول إن المشروع ممكن لو عرفنا نستغل فترة محمد علي صح كنا عرفنا نعملها، لو عرفنا نتصرف مع العثمانيين كان ممكن نعملها.
فك السنين اللي عملهم محمد علي دول هم السنوات التي اتاحت الإمكانية لإخراج اليهود إلى فلسطين، خلت الموضوع ممكن، ممكن يفكر فيه الساسة من بعد ما كانت أحلام عند الشعراء والدراويش. نعم، فهيرتزل بقى، وانا هنا طبعا أنصح بقراءة يوميات هرتزل، هي طبعا في الإنجليزي أربع مجلدات، لكن النسخة العربية المؤرخ الفلسطيني البارز أنيس صايغ ضم الشبيه إلى الشبيه مع شوية اختصارات، ففي نسخة عربية حوالي 600 صفحة في غاية الأهمية عشان تقرا بس دماغ هرتزل.
فهيرتزل عمل إيه بقى؟ قال لك: كان يروح لكل دولة ويخاطب كل مسؤول بالمدخل الأنسب؛ المسؤول ده متدين يدخل له من مدخل الدين والواجب الديني، المسؤول ده مش متدين يدخل له من جهة السياسة، المسؤول ده سكتة الفلوس يدبر له فلوس، المسؤول ده سكتة الشهوات. القصد إنه إيه، بدأ يحاول هيرتزل أن يحصل على الدولة اليهودية لكن من خلال القوى العظمى العالمية، لأن احنا عندنا تاريخ مرير من الفشل من محاولات اليهود التسلل إلى الأرض المقدسة، فهو يتسلل من هنا، العثمانيين ينتبهوا لهم، يتسلل من هنا يعني لا يكتمل، وبعدين أنا هقول للناس اليهود ازاي؟ أقول لهم تعالوا سيبوا أوروبا وسيبوا الوضع اللي أنتم فيه وتعالوا تسللوا وخليكم كده خارجين عن القانون فتاتيكم عاصفة عثمانية ولا عاصفة عربية ولا عاصفة إسلامية تروح.
فهي كانت فكرة هرتزل المرتكزة على أن الدولة اليهودية يجب أن تقوم بإرادة سياسية للقوى العظمى، فكان يعرض مشروع الدولة اليهودية على كل دولة باعتبارها جزءا من مصلحة هذه الدولة الاستعمارية.
مثلا نضرب أمثلة سريعة علشان احنا عشان نختصر؛ يروح للسلطان العثماني مثلا عبد الحميد، ودي طبعا الطريقة الأسهل؛ عبد الحميد تحت أيده الأرض، تمام يا معali السلطان، احنا اليهود مضطهدين في كل الدنيا ومضطهدين في كل التاريخ، واديك شايف الاضطهاد اللي حاصل في روسيا، طبعا روسيا في ذلك الوقت كان فيها مذابح هائلة لليهود واضطهاد هائل ووضعهم في حضائر، حاجة بشعة؛ لأن اليهود اتهموا بأنهم اغتالوا القيصر الروسي ألكسندر سنة 1881 ومن هنا بدأت مأساة في اضطهاد اليهود في روسيا.
فرايح يقول له إيه بقى؟ بيقول له: احنا اليهود لم نجد في أي مكان في العالم ولا في أي وقت في العالم رحمة ورعاية وأمان وسلام إلا من المسلمين؛ تفضل علينا يا معالي السلطان بدولة لليهود في الحته دي. طبعا هو لما كان يعرض على عبد الحميد ما كانش يعرض عند القدس، كان يعرضها إيه، شوية كده شرق القدس وبعيد عن الأرض المقدسة، ما يقدرش يعرض الأرض المقدسة نفسها.
دولة لليهود، ودولة اليهود دي هتبقى أخلص الدول للسلطنة العثمانية، معقول احنا نروح نناصر الإنجليز ولا نناصر الفرنسيين ولا نناصر الإسبان ولا نناصر الروس اللي كل واحد فيهم اضطهدنا، ضد المسلمين الذين حمونا وأونا وراعونا؟ مش ممكن، وأنا عارف أن الدولة العثمانية عندها أزمة مالية، ادي اليهود هيتبرعوا بـ 20 مليون ليرة، واو رقم!
تمام، وكل الإمكانيات اليهودية اللي أنت شايفها في أوروبا دي من أساتذة جامعات لتجار لأعلاميين -وأنا عارف أن في حملة إعلامية ظالمة عليكم يا أيتها الدولة العثمانية العظيمة- كل ده هيبقى في صالح مين؟ الدولة العثمانية وفي صالح السلطان، تمام.
وانتبه برده يا جلالة السلطان أن العرض المغري اللي أنا بققدمه لك ده عمرك ما هتلاقي حد تاني قدمه لك، لأنه ما فيش حد شايف الأرض دي مقدسه غيرنا احنا، يعني ما فيش حد مسيحي ولا حد هندوسي ولا حد بوزي ولا حد أي حد هيجي يحاول يشتري هذه الأرض ويدفع فيها كل الفلوس دي.
طبعا فعلا في ذلك الوقت برده الدولة العثمانية كانت تعاني وكانت محتاجة السنة الإعلامية وكانت محتاجة أموال، صحيح يعني، لكن وقف عبد الحميد الموقف المشهور المعروف ورفض، ورفض هذا من هيرتزل، لكن عبد الحميد باعتباره سياسيا داهية لم يقطع الطريق معه، فقال له: بس حاول كده في تهدئة الأرمن، حاول معنا في مسألة إنشاء صحف وإعلامية لخدمة الدولة العثمانية.
المهم يعني لما تتابع المباراة بين عبد الحميد وهيرتزل، عبد الحميد استصفى هيرتزل واخد منه كل حاجة وما أدالوش حاجة أو أدى له وسام يعني بالآخر يعني، لأنه هيرتزل فعلا أنشا كان مع العثمانيين وكان ضد خلع عبد الحميد وحاول تهدئة الأرمن والكلام ده. حتى هيرتزل نفسه معترف به أن عبد الحميد ضحك عليه يعني.
يرروح للإنجليز يقول لهم إيه: شوفوا، انتوا عملتوا حاجة عظيمة مثلا بأن انتوا سيطرتوا على قناة السويس؛ الإنجليز ساعتها كانوا محتلين مصر؛ سيطرتوا على قناة السويس فمسكتم الطريق البحري بين الشرق والغرب، وده اللي خلاكم متفوقين، وده اللي حسم المعارك بينكم وبين فرنسا العدو اللدودة بتاعتكم، إيه رايكم أنا عندي مشروع دولة يهودية تسيطروا بيها كمان على الطريق البري؟ فيبقى الطريق البحري تبعكم والطريق البري تبعكم، فما فيش حد يقدر يتحرك من الشرق إلى الغرب إلا تحت النفوذ الإنجليزي، وطبعا ده هيخلي إمبراطوريتكم قوية ومستقرة، وما فيش مشاريع اقتصادية ممكن يعملها الألمان ولا ممكن يعملها الفرنسيين ولا ممكن يعملها أي منافس دولي؛ لأن أنتم ماسكين قلب العالم.
طبعا المتدينين منهم بيدخلوا برده من مدخل الدين، يروح للفرنسيين ويرروح للروس ويروح للألمان؛ كل واحد عرض عليه هيرتزل المشروع، مشروع الدولة اليهودية، وكانه يصب في مصلحة دولته هو.
يروح مثلا للروس: طيب إيه رايكم ما تطلعوا اليهود اللي عندكم دول عاملين مشاكل وبتاع، احنا هناخددهم نحطهم في دولة عند العثمانيين في فلسطين، والدوله دي أغلب اللي فيها يهود روس، يعني الثقافة اللي فيها غصبا عن كل الناس.
ثقافة روسية، يعني النفوذ اللي هيبقى موجود فيها هيبقى نفوذ روسي، واليهود دول هم هيدفعوا ثمن الدولة دي للسلطان العثماني، والسلطان العثماني لأن أنتم بتضغطوا عليه في إصلاح أحوال المسيحيين هيروح ينفقها في إصلاح أحوال المسيحيين. يبقى كأننا إحنا أخدنا دولة ودفعنا لكم الفلوس اللي بتصلحوا بيها أحوال المسيحيين.
وطبعا بيتناقض بين كل هذه، لدرجة إنه مثلاً أنا بقول لك كان ده هي، وكان شعلة نشاط حتى مصطفى كامل اللي هو الزعيم الوطني المصري شافه بيلف في أوروبا كده بيندد بالاحتلال الإنجليزي، قال: والله فرصة نتفق مع هذا الشاب، يا ريت لو مصطفى كامل والحركة الوطنية المصرية عرفوا يحرروا مصر من الإنجليز، لأنه ضياع قناة السويس من يد الإنجليز هيخليهم يطمعوا أكثر في إنشاء دولة يهودية في الشام فيبقوا خسروا الطريق البحري فيمسكوا الطريق البري. يا رب!
المهم أنت بتتك بتتكلم فيه، طبعا أنا بختصر هي اللفة كلها باءت بالفشل. باءت بالفشل ليه؟ باءت بالفشل لامرين؛ الأمر الأول: في واحد اسمه عبد الحميد واقف جبل ضد تنفيذ هذا المشروع، وهرتزل مات مبكراً. هرتزل مات وهو 44 سنة، كل الهيصة اللي أنا بحكيها لك دي طيب. مات وهو 44 سنة، في شغلة غريبة. اه اتفضل.
في شغلة غريبة، يعني أنا بفهم إنه السلطان عبد الحميد يرفض مشروع هرتزل صح؛ لأنه هو اللي بيكح بالأرض ولن يسمح لليهود أن يأتوا إليها، خلص نعتبر إنه زلمة صاحيلهم من أول لحظة، روعة. طيب مش مش قبل شوي قاعدين بنحكي الأوروبيين والروس والدنيا والعالم كلهم كرهانين وجودهم وبدهم يخلصوا منهم بأي طريقة؟ فآجي هرتزل يعرض عليَّ المشروع أروح رافض، طيب ليش بدي أرفضه يعني؟ قصد الإنجليز ليش رفضوه يعني؟ الروس ليش رفضوا؟ ليش يرفضوا يعني؟
كل دول ما رفضوش، بس كل دول عارفين إنه لا يمكن إقامة دولة إلا بإذن السلطان العثماني وإلا هندخل في حرب رب طاحنا. أيوه، إذاً في تحالفات كانت مع الدولة العثمانية وما بنقدرش نفوت ونندخل في معركة كبيرة يعني. طب أيوه، فتعالوا نحاول، يعني عايز أقول لك المجهود في إنشاء دولة يهودية من قبل عبد الحميد ومن قبل هرتزل هو هرتزل أصل يعني بذرة المحاوله اللي نجحت، لكن قبله كان في محاولات والعثمانيين رفضوها وصدوها، وعبد الحميد كان له قرارات قبل ما يظهر هرتزل وقبل ما ينشئ الدولة اليهودية. نعم.
يعني الأوروبيين كانوا بيضغطوا مثلاً ليه الدولة العثمانية ما بتستقبلش اليهود الفارين من الاضطهاد الروسي؟ دي حاجة منافية لحقوق الإنسان، فعبد الحميد يقول لهم: طب ما تستقبلوهم أنتم، أو يقول ينشر إعلان لليهود الروس إنه مرحب بكم في أي مكان في الدولة العثمانية إلا في فلسطين، وبعد كده بيضع عبد الحميد إجراءات بقى منع دخول اليهود إلى هذه الأرض إلا لفتره محددة، ويعمل القدس متصرفية يعني تابعة له، ويشكل لجنة لدراسة الأسباب اللي بتخلي بعض اليهود بيعرف يتحايل على القوانين ويتسلل ويتملك أراضي.
فالمقاومة العثمانية لإنشاء الدولة اليهودية حتى من قبل عبد الحميد، لكن عبد الحميد كان متوقعاً إنه هذا الأمر فيه نية لإنشاء - بعبارته هو - حكومة موسوية (يعني حكومة يهودية) في هذه البلد. فعبد الحميد والدولة العثمانية بذلوا جهداً كبيراً في الحد من الهجره اليهودية يعني التي يدعمها القناصل الأجانب وتدعمها الدول الأوروبية في هذه الأرض. نعم.
تمام، على التفصيل الذي نجده موجوداً فين؟ في الكتاب وفي الحلقات. وهو بالمناسبة ثيودور هرتزل هو يناقش أرض ومكان عمره ما شافها، أي نعم، إلا مرة واحدة، صحيح. لما نزل القيصر الألماني قابلوه في القدس، وهذا الحكي سبقه طبعا تست صغير كان عمله ودور هرتزل مع أي ماكس نوردو أعتقد. نعم. ماكس نوردو صديقه طبيب، هو قال له: روح شوف لي هي الأرض اللي بيحكوا عنها يعني بالاخير تصلح ولا لا تصلح، يعني بدنا نبدا مشروع نشوفه بيزبط ولا ما بيزبط.
فأرسل مبعوثين هذا ماكس نوردو، وأرسلوا له تلغراف قالوا له: نعم العروس جميلة، ولكن، ولكنها متزوجه! وبالفعل عشان نحصل إليها لابد من قتل الزوج، اللي هو الشعب! أيوه، يعني فيها أرض، فيها ناس، في فيها شعب وفيها ناس.
طيب، فقلنا دلوقتي لماذا لم تفلح مباشرة محاولة هرتزل؟ عن هرتزل مات مبكراً، وعبد الحميد كان جبلاً صامداً، لكن هرتزل مات 1904، وعبد الحميد انقلب عليه وخلع 1909. طيب، بس في هون مشهد مهم قبل ما يموت بشوية، بعد لفتة هاي اللي صارت رجع لهيك للشباب قعدوا: يا شباب يا عمي أنا رحت لفيت ألمانيا روسيا هون الدولة العثمانية ما مش ضابطة، شو بدنا نعمل؟ تعالوا نقترح، فبدوا يقترحوا كل الأماكن الأخرى، وهنا عملوا المؤتمر الأول أعتقد في لا هو المؤتمر الأول اتعمل 1897 مؤتمر بال سويسرا، آه نعم. هذا متى كان؟ 1897. قبل اللفة هي؟ لا آاه طبعا، قبل، قبل كل هي اللفة، قبل كل ده المؤتمر الصهيوني الأول مش بعد اللفة هي تمام.
طيب، هو يعني هو هرتزل في أواخر أيامه كان ساخطاً على عبد الحميد، ولما عرض عليه محاولة لاغتيال عبد الحميد أيدها بس خاف أن المحاولة دي لو فشلت فهذا يعني العصف التام بالمشروع. يعني هينتهي المشروع تماماً.
خلاص طيب، أنا عايز أقول لك في كده يعني حالة سائرة في كل قصة فلسطين مصداق قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]. يعني إحنا هنشوف إنه سواء نشأة إسرائيل أو قيامها واستمرارها إلى هذه اللحظة المجهود الذي يعني تسبب في هذا أغلبُه مجهود من المنافقين والخائنين العرب والمسلمين نعم، أكثر من المجهود الذي يمكن أن يصل إليهود بأنفسهم أو الاستعمار بأنفسهم. بس هرتزل كان عنده قاعدة إنه لن يسمح أبداً بأن اليهود يتسللوا وبعدين يعملوا من نفسهم قضية، لا ده حاجة ضد مشروعنا. نعم.
فحصل ارتباك في الحركة الصهيونية بعد وفاة هرتزل، يعني هرتزل من 1904 اللي هو مات، تولى بعدها اثنين واحد اسمه ويلسون وواحد اسمه وتبورج، إلى 1920 حين تولاها حاييم وايزمان الشخص القوي بقى ده. يعني القائدين الاثنين اللي بعد هرتزل دول كانوا تعبانين شوية فما كُنوش على نفس كفاءة هرتزل ولا كفاءة حاييم وايزمان. حاييم وايزمان بقى هو الذي أدخل التغير الأساسي على هذه الخطبة.
لكن حاييم وايزمان كان أسعد حظاً من هرتزل، ليه؟ لأنه الدولة العثمانية هزمت في الحرب العالمية الأولى، طبعا دخلت في فوضى من بعد خلع عبد الحميد الكلام اللي احنا حكيناه في الحلقات اللي فاتت. والفوضى دي كان فيها وصل فيها بعض اليهود إلى مناصب وزارية في حكومة الاتحاد والترقي، وبعد كده مصطفى كمال ألقى الخلافة العثمانية واحتفظ بهذا بحدود تركيا المعاصرة، وقال لك: كل اللي باقي ده مش تبعنا، ما يهمناش. فساعتها حاييم وايزمان كان بدأ يعني يغير من خلال أظن المؤتمر الصهيوني السابع بدأ يغير هذه الخطة ويجعلها أنه كل من نستطيع أن ندفع به إلى من اليهود إلى هذه الأرض ندفع به عشان نكبر المشكلة ويبقى في حالة دولية تدعم وجود وإنشاء دولة يهودية.
تمام، فده مسار الحركة الصهيونية، وحاييم وايزمان ده هيفضل شغال بكل قوته، وهو أصلاً أحد علماء الكيمياء، هيفضل شغال بكل قوته على مستوى الساسة بالذات في بريطانيا، وعلى مستوى لويد جورج اللي هو رئيس الحكومة، إلى أن تقوم إلى أن تقوم إسرائيل.
وبالمناسبة هنا مما يجب أن لا ننساه، لويد جورج نفسه كان بروتستانتياً متدناً يكتب في مذكراته اه يعني هو مقتنع اه طبعا. اه يكتب في مذكراته هذه الكلمة الخطيرة جداً يقول: أنا أحفظ أسماء القرى في الأرض المقدسة أكثر مما أحفظ قرى بريطانيا، وأحفظ أسماء أنبياء بني إسرائيل أكثر مما أحفظ ملوك بريطانيا. فانت قدام شخصية مبط مشبعة بضرورة إعادة اليهود إلى هذه البلاد. ده بقى كان إيه؟ رئيس الحكومة اللي كان فيها بالفر.
ايوه، بدنا نربط هذا الكلام بالقرار اللي طلع والوثيقة اللي طلعت اللي هي وعد بلفور. كويس. يعني هو الرجل أساساً على فكرة هو هذا لويد جورج ترى هو أهم من آرثر بلفور. صح، فعلا، عن جد يعني، بس هذاك مش عارف ليش لمع وهذا طف. الوعد، الوعد، الوعد، الوعد؛ لأنه الوعد نسب إليه فلكن لويد جورج حقيقة أهم بكثير من بلفور. أم.
طيب، المشهد ده يوازيه مشهد آخر في عالمنا العربي والإسلامي. عالمنا العربي والإسلامي دلوقتي لما أنت تنظر إلى الزلزال اللي حصل، طبعا احنا حكينا في أيام أواخر الدولة العثمانية وحكينا في حلقة الثورة العربية الكبرى كيف استطاعت أنجلترا بريطانيا أن تحتل فلسطين، الكلام ده حكيناه.
يجب أن لا ينسى وأن هي في احتلالها ما كان لها أن تحتل فلسطين لولا المجهود الذي استعانت به من المصريين، قدرتها على تجنيد العمال والجنود والمهندسين المصريين. ولو لولا ثورة الشريف حسين اللي هي سميت الثورة العربية الكبرى، لولا هذان الأمر ما كانش ممكن بريطانيا تستطيع احتلال فلسطين، لكنها احتلت فلسطين، ودخل الجنرال أللنبي بيت المقدس في ديسمبر 1917. أيوه، كويس.
في ذلك الوقت كان عندنا أول وزير صهيوني في الحكومة البريطانية، شخص خطير آخر اسمه اسمه هيربرت صمويل. أيوه، هذا اللي اجا على أساس أنه مندوب سامي لفلسطين. أيوه، وعلى أساس أنه هو بريطاني، لكنه صهيوني. لكنه صهيوني، وأخطر من كونه صهيونياً أن هو سنة 1915 أرسل إلى فلسطين لكي يبحث مسألة إقامة الدولة اليهودية، فكتب تقريراً يقول فيه: الأرض، الأوضاع، الأحوال، الظروف لا تناسب إقامة دولة يهودية الآن. ولو فكرنا في إقامة دولة يهودية الآن يبقى احنا بنحكم على المشروع بالفشل، وأن تنتظر الدولة اليهودية بضع سنوات أخرى أفضل من أن نضحي بالمشروع فنضطر لأن ننتظره بعد عدة قرون أخرى.
ولكن وبالتالي توصية هيربرت صمويل أنه لازم بريطانيا تجي تحتل هذا المكان بنفسها، وهي التي ترعى إقامة الدولة اليهودية. أيوه، وبالتالي بالتالي من 1917 إلى 1920 دي كانت فترة حكم عسكري بعد الاحتلال البريطاني. 1920 اتفضل يا استاذ هيربرت صمويل يا صاحب التقرير أنت إليك إدارة فلسطين، فكان أول حاكم مدني في فلسطين من 1920 إلى 1948. إحنا بنتكلم في حدود 30 سنة بريطانيا ترعى إنشاء دولة إسرائيلية دولة يهودية في فلسطين بقوة الاحتلال، وعشان كده حصل يعني هنا إجابة السؤال بتاعك بقا اللي هي إيه: أمعنى العالم العربي كله تحرر ما عدا فلسطين؟ لأنه بريطانيا هذه هي الحالة الوحيدة التي أرادت فيها أن تكون هنا دولة فلسطينية، بل تكون دولة صهيونية. أم.
فبالتالي كان ينفع بريطانيا تحكم مصر لأن هي قوة احتلال وسايبة الملك فاروق، وسايبة حكومات المصريين الوفد الأحرار الدستوريين مش عارف إيه يلعبوا مع بعض، لكن البلد معانا فاحتلال خافي كده، احتلال نص نص يديها استق، أو مثلاً زي ما هي حاكمة الأردن ومعاها عبد الله بن الشريف حسين، زي ما حاكم العراق ومعاها فيصل بن الشريف حسين، ده الاحتلال البريطاني احتلال غير مباشر، اللي هو على نظام: نحن لا نحكم مصر، نحن نحكم من يحكم مصر. فلسطين لا، تحت الإنداب. فلسطين آه، الإنداب ده اسم لطيف للاحتلال. أم. يعني إيه تحت الانتداب؟ لأن هو أساساً عايز ينشئ من العدم دولة غريبة.
فهنا بدأ ينفذ وعد بلفور اللي هو الوعد المتناقض في نفسه ده. هو بيقول لك إيه نص وعد بلفور: تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، على ألا وهنا ركز بقى على ألا يأتي ذلك بشيء من شأنه أن ينتقص من حقوق الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين. شوف كأن فلسطين ما فيهاش إلا ما فيهاش سكان، ما فيهاش شعب، ما فيهاش أصحاب أرض، فيها ناس غير يهود موجودين في الحتة دي.
وأن لا ينتقص من أحوال اليهود في أي بلاد أوروبا. هنا ده رد على مين؟ رد على اليهود اللي خايفين أن هرتزل يبقى مؤامرة على إخراج اليهود من أوروبا. قال لهم: لا دي الدولة دي اللي هتنشاء هنا لن تؤثر على أوضاع اليهود الموجودين في أوروبا ولا على ما حققوه من مكاسب. أم.
فلما نزلت القوات البريطانية وبدأت ترعى إنشاء دولة يهودية، بدأت تشتغل على مسارين مختلفين. المسار الأول: تنشئ حكومة يهودية تبقى كده بذرة ثم تنمو تنمو لتصير سلطة موازية للسلطة البريطانية. يعني الحكومة البريطانية نفسها فيها يعني قصدي فيها يهود إنجليز صهاينه وماسكين الهجرة وماسكين الأرض وماسكين البتاع يعني ماسكين ملفات مهمة، لكن برضه هي بتنشئ سلطة يهودية الوكالة اليهودية بتخليهم يعني يتمكنوا من تمثيل اليهود وشغالين على مصالحهم، بيعملوا مشاريع، بيصدروا، بيعملوا جامعة عبرية، وكل هذا الكلام.
بينما في نفس الوقت لا تسمح أبداً بتمثيل للشعب الفلسطيني، يعني ما فيش حاجة اسمها الشعب الفلسطيني. أم أم. وتعمل كده بقى بكل الوسائل، وسائل أنها تحرش بين العائلات وتضع بينهما العداوة والبغضاء، أو مثلاً تلاقي فئتين متعارضتين فتجتذب أحدهما تعمل له منصب وتترك الآخر ده مش من صلاحياتك، ما تسمحش لحد إنه يسافر يمثل الشعب الفلسطيني بهذا الشكل يعني. ففترة الإنجليز دي اللي هي من 1917 إلى 1948 فترة اعتبر كده الإنجليز كانوا مثل الرحم الذي يهيئ الأحوال لإيه؟ لإقامة الدولة اليهودية.
طيب، في سؤال مهم استاذ استاذ محمد ألا ترى أنه موقف الإنجليز هو شيء غريب متناقض؟ يعني هذا التحول، تحول عجيب. نحن من وين بدينا؟ أم. حكينا إنه مارتن لوثر هذا طلع بفكرة اسمها عقيدة الخلاص، فاليهود أمام هي الفكرة انشقوا، قال لك: المتدينين لا يمكن قبل أن.
يأتي المسيح والصهاينة والعلمانيين قال لك لا احنا لا بد أن نقيم الدولة. الآن المسألة اليهودية أمام الأوروبيين وأمام اليهود؛ هي مسألة الدين ولا مصالح سياسية؟ لما بالأول لف هرتزل هيك على الناس ومنهم الانجليز رفضوا؛ لأنه في دولة عثمانية. طيب كويس ممتاز، الدولة العثمانية هي التي نحن كنا نحاول أن نحابيها يعني راحت وصار في فرصة أنه نحتل هاي الأرض انتداب مش انتداب نحن نحتلها شو بدنا في اليهود نجيبهم نحطهم ونرجع راسنا يعني.
لماذا الانجليز قاموا بتعديل موقفهم تجاه المسألة اليهودية وصاروا بدهم يقيموا أرض بلد قومي لليهود وهم بالأول كانوا رافضين؟ إذاً هي مصالح، فكك من الدين والعقيدة وكل هالكلمات. هقول لك أولاً أنا أرید أن أثبت وأؤكد أنه المجهود الانجليزي في محاولة إقامة دولة يهودية سابق عن هرتزل؛ يعني قبل ما يبقى في هرتزل خالص. كانت الحكومة البريطانية بالذات في الأربعينات والخمسينات من القرن التاسع عشر يعني 1840 و1850 كانت تلح على السلطان العثماني بالسماح لليهود بإقامة دولة في فلسطين قبل هرتزل بـ 40 سنة، وكان الرجل البريطاني القوي في ذلك الوقت رئيس الحكومة وكان وزير خارجية اسمه بالمرستون. بالمرستون أشبه واحد بيه في عصرنا اللي احنا نعرفه دلوقتي كيسنجر، اعتبروا كيسنجر ذلك الزمن، كان عنده إلحاح شديد على العثمانيين أن هم يسمحوا بإقامة دولة لليهود ها هنا، والعثمانيين كانوا رارافضين تماماً. فقصدي أقول لك المجهود الانجليزي قبل ما يجي هرتزل، وسبب هذا الشيء أنه اليهود عندنا عاملين إزعاج بدنا ما بدناش إياهم.
السبب هنا يا شيخ مراد يتضافر فيه؛ احنا قلنا إنه في ثلاث أربع اتجاهات التقت مصالحهم في النتيجة وإن اختلفت الدوافع. يعني عندنا العلماني اللي عايز يتوسع نفوذه الاستعماري، وعندنا المتدين اللي عايز ينفذ إرادة الرب من وجهة نظره، وعندنا اللي كاره اليهود وعايز يطلعهم من أرضه. كل دول على خلافهم ممكن يكونوا في حكومة واحدة، الاتجاهات دي كلها في حكومة واحدة فهيختلفوا في دوافعهم ويتفقوا في الإجراء اللي هم رايحين يعملوه. فبالتالي ما تقدرش تعزو السياسة إلى هدف وحيد أو إلى دافع وحيد، كل ده داخل مع بعضه. خصوصاً وهو هذا المهم، خصوصاً وانه فكرة إنشاء دولة تجتذب إليها اليهود طاقة بشرية غير مسيحية؛ يعني أنا دلوقتي سأفكر لك من منطلق العلماني والمسيحي اللي بيكره اليهود، اللي بيحب اليهود خلاص مفهوم موقفه، لكن العلماني اللي هو مش مؤمن بدينه مش مهتم، والمسيحي اللي بيكره اليهود هيبقى شايف إنه إقامة دولة يهودية داخل الجسد الإسلامي مزاياها ممتازة. أنت بتضحي بيهود ناس مش مسلمين، ناس مش مسيحيين بالنسبة له، وهم نفسهم عايزين يرجعوا يلا خليهم يدخلوا الخناقة دي والعركة دي، والله انتصروا خير وبركة، ما انتصروش أدينا خلصنا منهم. وهم موضع نفوذ، حاجة تعرف تدخل كل شوية تقول لك إيه حقوق اليهود، زي ما كنت بتقول قبل شوية حقوق المسيحيين وحقوق المورون وحقوق الدروز؛ يعني فكرة أن في أقلية أنت قادر تحميها أو قادر تتدخل باسمها، وفكرة أن هم نفسهم عندهم الدافعية علشان يقاتلوا، كل ده مفيد جداً للسياسي الغربي؛ لأنه المعركة مشتعله بين عدوه اليهودي والمسلم. وهذا منذ هيرتزل حتى لحظة حتى يوم الناس هذا؛ بنيامين نتنياهو في مذكراته بيقول الكلمة دي، بيقول احنا بنوفر على الأمريكان أموال وجنود وأرواح ومعدات، لو ما كناش احنا موجودين كانوا هيدخلوا يدفعوها بنفسهم عشان يحققوا هذه الهيمنة على هذه المنطقة.
ويجي مثلاً واحد حبيبه وهو بيقول كده في مذكراته نتنياهو، بيقول نسيت اسمه عضو الكونغرس الفراني بيقول لي إنه لو كان عندنا صديق مثل إسرائيل في أفغانستان ما كناش هنطلع منها منسحبين ولا منهزمين، لكن عندنا ناس بيقتلوا، مستعدين يدفعوا دم، مستعدين يدفعوا أموال، وهم قاعدة عسكرية غربية متقدمة. ولذلك إنشاء إسرائيل هو عند كثير من المؤرخين والمحللين حل غربي ممتاز لصيانة الدم الأوروبي وصيانة الدم الأمريكي وصيانة الدم المسيحي، حاجة ممتازة انك تعرف تجيب جيش مرتزقة وتخليه دولة، والدولة دي تقوم عنك بكل الأعمال القذرة وغيرها القذرة التي تنتهي في النهاية إلى تأكيد النفوذ الغربي، وهي فعلا الحبل الموصول.
وعلشان كده هتلاقي بايدن وهتلاقي ترامب كلهم بيقولوا دعونا نتخيل ماذا يمكن أن تدفع أمريكا لو لم توجد إسرائيل، كم من القواعد العسكرية كنا هنحتاج ننشئها، كم من الجنود كنا سنحتاج أن نُحارب بها. فبالنهاية هذا حل غربي أكثر مما هو حل يهودي، اللي هو إنشاء إسرائيل. وبريطانيا لما أنشأت دولة يهودية ما كانش يخطر ببالها أنها ستنسحب؛ لا، هي كانت زي ما هي بتحكم مصر عبر الملك، بتحكم الأردن عبر الملك، بتحكم العراق عبر الملك، بتحكم الخليج والجزيرة العربية عبر ملوكها وأمرائها، هتحكم برده دولة يهودية عبر سلطتها. ما كانتش بريطانيا في ذلك الوقت متخيلة أنها هيجي عليها اليوم وترحل، وانه الإسرائيليين هينحازوا للأمريكان ويقاتلوا البريطانيين، ده ما كانش حاضر في ذلك الزمن. والبريطانيين لما كانوا بدهم ينشئوا هذا الوطن القومي لليهود هم كان الهدف أنه يسيطروا على المنطقة، ولا بس يعني كمان البقعة الجغرافية بحط فيها ناس بحكمهم، بحكم هالجغرافيا الصغيرة من خلال هذول الناس. مش هذول خلصك مسيطرين عليهم احنا يعني؟
ايوه ما هم هيحكموا، هو على نفس النمط بس زي ما في هنا حكومات عربية هيبقى في هنا حكومة يهودية، يعني نفس النمط إنه الانجليز لهم اليد العليا وهيسيبوا الحته دي يبقى فيها دولة يهودية، دولة يهودية تحت نفوذهم، يعني زي ما في دولة مصرية وزي ما في سودانية وزي ما في أردنية وزي ما في عراقية وزي ما كده يعني. طب هذول اسياد الإدارة اللي هم الانجليز، ليش يقعدوا 40 سنة عاملين انتداب وكذا، ما بخلصوا من أول يوم كانوا جابوها العصابة ودربوها لهم احكموا ما فيش دولة عثمانية؟ لأنه الإمكانيات لا تسمح، ما احنا قلنا العروس متجوزة الأرض مليانة بالفلسطينيين سكاناً ومملوكة لهم أراضي. فهو علشان يعمل هذه، طب أنا أقول لك على حاجة، عارف أنت بعد الـ 30 سنة من المجهود، الإسرائيلي كان عنده 8% من الأرض وكان 30% من السكان، بس! يعني كل المجهود الانجليزي الهائل الرهيب وكل مجهود الحكومات العربية العاملة كله لم يستطع أن ينتزع من فلسطين إلا 8% من الأرض و30% من السكان.
طيب النكبة حصلت إزاي؟ حصلت بسبب الجيوش العربية؛ يعني الجيوش العربية دخلت إلى فلسطين سنة 48 والفلسطينيين عندهم أكثر من 90% من الأرض و70% من السكان، خرجت الجيوش العربية وإسرائيل واخدة 78% من الأرض. متصور؟ كارثه! يعني كارثه! فبالتالي أنا بقول لك هربرت صموئيل لما هو بيكتب في تقريره بيقول لا يمكن الآن التكلم في إقامة وطن لليهود؛ لأنه ما فيش إمكانيات، ده هو علشان يعمل علشان ياخد الأرض دي عمل مذابح في يافا وعمل مذابح في حيفا، وعمل تهجير، وكان ماسك ومسيطر على أنظمة الحكم بالذات في مصر وفي الأردن؛ لأنه مصر والأردن بالنسبة للقضية الفلسطينية هم البوابتان الكبيرتان.
طيب احنا وقفنا عند هربرت صموئيل، الراجل ده عمل إيه بقى؟ بدا هو يحط بذرة الدولة اليهودية كويس، اللي هو يقر مثلاً اللغة العبرية لغة رسمية، يعمل قوانين انتقال الأراضي؛ كل أرض مالهاش صاحب، كل أرض مشاع، كل أرض تقول للحاكم تيجي للحاكم يروح مديها لليهود، يسمح بتعليم منفصل لليهود ما يسمحش به للعرب، يسمح بتسليح منفصل للمستعمرات ما يسمحش بحيازة السلاح للعرب، يبدا يكون الإدارة، يسمح بالهجرات. طبعا يسمح بالهجرات دي مادة الدولة، احنا أكثر حاجة عايزينها ناس، والصهيونية في هذا الباب كانت بتتعامل بدون أي تقدير أو رعاية للدم اليهودي. بنجوريون له عبارة مهمة جداً في أثناء الحرب العالمية الثانية كان بيقول: لو خيروني بين أنقاذ كل الأطفال اليهود من ألمانيا علشان يهاجروا إلى إنجلترا وبين إنقاذ نصف الأطفال اليهود بس علشان يهاجروا إلى إسرائيل، هختار الخيار الثاني. وهيرتزل كان كاتب في يومياته: الدول المعادية للسامية هي أقوى حليف لنا؛ لأنها دول عايزة تتخلص من اليهود اللي عندهم، أما اليهود مش عايزين يمشوا من بلدهم أصلاً. فهو السياسة الإسرائيلية قائمة على احنا عايزين ناس بأي طريقة، حتى لو بالقتل والإجبار يعني ما جابتهمش الدعاية يجيبهم المذابح عادي يعني.
طبعا هذا زي ما قلت لك كده ملف فيه كلام كتير، والكلمتين اللي أنا بقولهم دول فصل فيهم وأطال روجيه جارودي؛ ليه ثلاث كتب مهمة، حفاة القبور والأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية والثالث إيه نسيت. كثير من المراجع، آآ قصدي أقول يعني فكرة أن الصهيونية تعاونت حتى مع النازية بهدف الحصول على المادة البشرية اليهودية دي فكرة. أه طبعا على فكرة هيرتزل له عبارة في كتابه دولة اليهود: نحن يجب أن يُبصق في وجوهنا، نحن يجب أن نغرق أكثر حتى نعي الفكرة الصهيونية أو الفكرة اليهودية.
هو وعلى فكرة إذا بنتكلم بقى داخل الحركات الإسلامية، أنا عايز أقول لك الحركة الصهيونية فيها كثير من -طبعاً لأنها حركة اجتماعية في النهاية- قصدي أقول يعني إيه البشر يتشابهون. في الحركة الصهيونية أصلاً أغلبهم ما كانش مؤمن بالنجاح، يقول لك إزاي يعني، هل معقول الحاجة اللي فشلنا فيها 3000 سنة هننجح فيها دلوقتي؟ يعني أنت دلوقتي لما بتكلم حد مسلم في عودة الخلافة يقول لك: خلافتين! أنت عايش فين وفي زمن إيه؟ مع أن الخلافة لسة من 100 سنة بس! كيف بالذي كان يفكر في إعادة دولة من 3000 سنة؟ وتلاقي مثلاً ناس منهم توصل إلى اليأس وتقول احنا أساساً ولاد كلب واحنا أساساً شعب سخط الله عليه زي ما احنا بنقول دلوقتي في عالمنا العربي، واحنا أساساً لو ربنا راضي علينا كان أقام لنا الدولة من زمان. وعلى فكرة وفيهم ناس انتقلت من كونها مناضلين في سبيل الصهيونية إلى عملاء للنازي؛ زي ما بتلاقي دلوقتي حتى بعض الجهاديين يبقى بيجاهد في أفغانستان وفي الآخر تلاقيه بقى شغال مع أمن الدولة في مكان تاني؛ بعدما يائس وأصابته الهزيمة، وفي واحد ييئس وهو على وشك أن يصل. قصدي أنت لما بتقلب في التفاصيل دي بتلاقي الحركة الصهيونية حركة بشرية فيها كل المشاكل.
احنا وصلنا لهربرت صموئيل، طب احنا بس تعرف بس الفترة الأخيرة أستاذ محمد لو حقبناها يعني من عند 1917، لو بدنا نحقق فلسطين كم قسم عنا؟ نقول من 1917 إلى 1948 نقول دي فترة احتلال انجليزي. الانجليز شغالين بكل قوتهم لإنشاء دولة يهودية بكل الإجراءات المتخيلة، ولكبت وقهر المجتمع الفلسطيني وتمزيقه وتشريده، هذا واحد. على الوجه الآخر الفلسطينيين بيتعرضوا لزلزال نفسي أول مرة يحصل لهم في تاريخهم. الفلسطينيين منذ فتحت هذه البلاد بيد الجيوش الإسلامية أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد والجماعة العظام دول، أول مرة يلاقوا نفسهم حتة لوحدهم، لا في دولة ولا قيادة سياسية، ولا في حد بيفكر فينا ولا حد في شايف أنه مسئول عننا. يعني قبل كده كنا مع الدولة الأموية، قبل كده مع الدولة العاسية، قبل كده تحت الحكم الفاطمي يا سيدي بتاع النصر، قبل كده بعد كده الأيوبيين، بعد كده المماليك، بعد كده العثمانيين؛ يعني عمرها فلسطين ما كانت دولة لوحدها. دلوقتي أول مرة يتفاجئوا أنهم بقوا إيه، الخ... الراجل مصطفى كمال هنا قال أنا دي تركيا بتاعتي أنتوا عيشوا حياتكم، فاحنا ما فيش حد يدافع عننا.
فهنا بدات تنشا فكرة فلسطين لأول مرة ها هنا، اللي موجود في الحته دي يعرف نفسه باعتباره فلسطيني. قبل كده لو تسأله أنت إيه يقول لك: أنا نابولسي، أنا خليلي، أنا مسلم، أنا من عائلة النشاشيبي، عائلة الحسيني، عائلة العلمي، أو أنا عثماني، أنت أو أنا شامي. هتبدا هنا تظهر فكرة إيه فلسطين. فاحنا بنقول في مستوى الانجليز بيعملوا دولة، وفي مستوى الشعب متعرض لصدمة هائلة ولقى نفسه الآن حاجة اسمها فلسطين. الحاجة اللي اسمها فلسطين دي أضعف بكثير جداً من أنها تقاوم بريطانيا، فهتلاقي عندك سلسلة مقاومة سلمية مؤتمرات بقى وموسى كاظم الحسيني ومحاولة الاحتجاج والقوانين والمظاهرات واشتباكات تحصل، ثورة البراق مثلاً سنة 29، احتجاجات في يافا في القدس وفي ثورات مسلحة. يعني في سياق سلمي، سياق الضعيف العاجز، وفي سياق الناس اللي بتعلن الجهاد بعد احتلال هذه الأرض المقدسة؛ فأول ما نراه في ذلك القسام، حركة القسام.
والقسام طبعا بمصطلح العصر ده إرهابي تمام، فالقسام أعلن ثورة وبعد كده في أول اشتباك مع البريطانيين استشهد سنة 1935، لكن استشهاده ده رافق ظروفاً أخرى. فسنة 36 بدات الثورة الفلسطينية الكبرى، هذه الثورة الفلسطينية الكبرى استمرت ثلاث سنين من 1936 إلى 1939. دي بقى كانت واحدة من أمعر وأروع لحظات الشعب الفلسطيني. تخيل هذا المجتمع المنهك المستنزف الضعيف اللي ما عنده شيء، استطاع أن يحرر كل الريف الفلسطيني وأحياناً استطاع السيطرة على بعض المدن، بريطانيا اضطرت أنها تجيب.
١٠٠٠٠٠ جندي، الفلسطينيون كلهم في ذلك الوقت كانوا ٤٠٠٠٠٠، بمعدل جندي بريطاني لكل أربعة مواطنين فلسطينيين، وتعيد احتلال فلسطين من جديد مرة أخرى، كان شيئاً مذهلاً طبعاً من يتابع أخبار هذه الثورة. كنت محضراً لك سؤالاً، هذا هو المشهد البريطاني الصهيوني العالمي، خلينا هكذا على جنب، وفي هذا الشعب المسكين الذي كان يعيش على الأرض، هل كان قاعداً يتفرج؟ هذا سنأتي إليه قليلاً، لكن كنت أريد أن نمشي في التحقيب العام من ١٩١٧ إلى ١٩٤٨، هذا انتداب، ٤٨ صار عندنا النكبة، نمشي قليلاً إلى ٦٧، هذه المرحلة الثالثة التاريخ المعاصر، تقدر تقول إن ٦٧ هي النكبة الثانية، اللي هي اسمها النكسة عندنا.
بعدين ٧٣، وبعدين ٧٩، ٧٩ كان بدء التطبيع والخروج، خروج مصر من المعركة، وهو اليتم الثاني للفلسطينيين؛ يعني زي اليتم الأولاني أنه ما فيش خلافة عثمانية، اليتم الثاني أنه حتى المصريين سابونا بعد ما كنا في حالة قومية عربية. الرئيس عبد الناصر كان يقول: سنلقي إسرائيل في البحر وسنحرر فلسطين، وهذه الشراذم من العصابات، دلوقت أصبح: يا جماعة أنتم حرروا أرضكم، إحنا حررنا أرضنا. بعد الـ ٧٩ تروح للـ ٨٧ الانتفاضة الأولى، ثم ٢٠٠٠ الانتفاضة الثانية، ثم ٢٠٠٥ تحرير غزة، ثم ٢٠٢٣ المعركة الأخيرة التي وقعت في ٢٠٢٣، من أبشع مجازر التاريخ المعاصر على الإطلاق.
نبدأ من فترة الانتداب، نقدر نقول ببساطة كالاتي: الإنجليز يرعون قيام دولة يهودية، الدولة اليهودية هذه أنشأت كل شيء لغاية لما سنة ٤٨ كنا محتاجين نضع اليافطة التي تقول إن هذه الحتة اسمها إسرائيل. الجهاز الأمني الذي أصبح الموساد أنشئ من ١٩١٩، الجهاز العسكري الذي هو حرس المستعمرات اعتبره من ١٩١٩، من ١٩٢٠ الجهاز الأمني الذي أصبح اسمه الموساد، سنة ٢٥ نشأت الجامعة العبرية، والجامعة العبرية كانت لحظة مهمة جداً؛ لأن الجامعة العبرية كان افتتاحها عالمياً، حضرها حاييم وايزمان، وهربرت صموئيل، والجنرال الليمبي، ووينستون تشرشل الذي هو وزير المستعمرات البريطاني، وبلفور صاحب الوعد، وحضروا طبعاً أحمد لطفي السيد رئيس الجامعة المصرية، والأستاذ طه حسين عميد الأدب العربي أرسل برقية التهنئة بافتتاح الجامعة العبرية.
إحنا دلوقت نتكلم عن فلسطين، أريد الناس تستحضر أنه على ضفة فلسطين هناك خيانات عربية في كل مرحلة من المراحل، ربما لن يسعنا الوقت لحكايتها. فعند ١٩٣٥ كان في حالة صناعية يهودية وصلت إلى تصدير منتجاتها، ومشاريع، وبدأت في مصانع، حتى مصانع الأسلحة؛ أي أصبح لديهم مصانع أسلحة. سنة ٣٩ كانت هناك فرق يهودية التحقت بالإنجليز للحرب العالمية الثانية، الفرقة ٤٠ وغيرها. وإلى أن نجي عند ١٩٤٨، قصدت أن أقول لك أصبح عندك دولة على الأرض لم يعلن عن إنشائها، فأعلن عن إنشائها في ١٥ مايو ١٩٤٨، لكن على زعل، كانوا زعلانين من الإنجليز وانقلبوا عليهم، وأول ناس قلبوا عليهم هم الذين جاؤوا بهم، وفجروا لهم سفينة وفندق الملك داوود، وفي القاهرة اغتالوا اللورد موين الذي كان وزيراً.
هذا كان سببه أن السيد تشرشل أصدر كتاباً اسمه الكتاب الأبيض، ما الذي جعله يصدر الكتاب الأبيض؟ هذا يجعلنا نرجع للمسار الثاني، مسار أن هناك مقاومة وصلت أوج حالاتها في ثورة ١٩٣٦ إلى ١٩٣٩. ١٩٣٩ بدأت الحرب العالمية الثانية وهتلر بدأ يجتاح أوروبا، فبريطانيا كانت محتاجة أن تركز مجهودها العسكري في الجبهات مع ألمانيا، فلازم تهدي الوضع الفلسطيني؛ فبكل العسكرة وبكل السياسة أرادوا الوصول لهدوء، فأصدروا ساعتها الكتاب الأبيض الذي يقول فيه إننا سنوقف الهجرة اليهودية، وسنقلصها، وبعدين سنوقفها، وبعدين سنعطي حقوق الشعب الفلسطيني.
الكتاب الأبيض كان المقصود به تهدئة الفلسطينيين، لكن الكتاب الأبيض هذا رفضه الصهاينة؛ لأنهم رفضوه لأنه يعرقل مسار الدولة، الدولة هذه أصلها بشر يعيشون فيها، ولأن الاضطهاد لليهود في ألمانيا كان يعطي مادة بشرية غزيرة؛ أي أنت تأتي دلوقت في لحظة ما وبشر يأتون لوحدهم بعد ما تعبنا في أننا نجلبهم، فتأتي دلوقت وتقول لي قيد الهجرة اليهودية! فرفضوها تماماً. وبعدين التمسوا أيضاً أن بريطانيا في هذه الحرب أخذت إلى الضعف، وأمريكا هي التي أخذت في القوة، فبدأت من هنا المعارضة لبريطانيا تزيد، وبعد ذلك المعارضة لبريطانيا ستصل ذروتها لما تنتهي الحرب العالمية الثانية وتبقى أمريكا تريد إرث الاستعمار القديم، تريد الأماكن التي كانت تحت النفوذ الإنجليزي أن تأتي تحت النفوذ الأمريكي، فالحركة الصهيونية نقلت مركزها من بريطانيا لأمريكا، واشتغلت ذراعاً للأمريكان في تصفية الوجود البريطاني.
فعندئذ بدأت العمليات التي ضد الإنجليز، وتفجير فندق الملك داوود الذي كان مقر الإدارة المدنية والعسكرية للإنجليز. تشرشل نفسه له عبارة شهيرة لما يقولون له طب في شعب في فلسطين، فقال له: أنت لا تقول إن هذا العجل أو هذه البقرة هي صاحبة الحظيرة لأنها باتت فيها زمناً طويلاً. هذه فلسفة تشرشل لما كان في العشرينيات وزيراً للمستعمرات. دلوقت لما أصبح رئيس وزراء كان هو الذي يقف أمام مجلس الأمن يشكو مر الشكوى من الهجمات التي تقودها العصابات الصهيونية على الجيش البريطاني، ويهدد ويتوعد، ولكن كان الكل عارفاً أن الردود ستكون ضعيفة؛ لأنه أصلاً جوه الإدارة الإنجليزية كان هناك يهود صهاينة.
أمريكا لما تحب ترث الاستعمار القديم لا تقول في العالم: يا جماعة أنا أريد أن أصبح مستعمراً بدل الاستعمار البريطاني، لا تقول: نحن ندافع عن حرية الشعوب وعن حق تقرير المصير، وأن الاستعمار هذا كان شيئاً من الزمن القديم والآن لا ينفع. فالصهيونية لونَّت نفسها لتكون حركة تحرر؛ أي نحن ندافع عن وطننا من الاستعمار الإنجليزي، فأصبحت الذراع الأمريكية في طرد الإنجليز من هذا المكان، وحتى خروج بريطانيا من فلسطين كان على هذا النحو الذي فيه تناغم وتناسق.
بريطانيا قالت دلوقت هناك أمم متحدة ونظام عالمي جديد، يا أمم يا متحدة، أنا كلفتموني وانتدبتموني أن أحكم فلسطين، الانتداب هذا يعني باللغة العامية: بصوا يا جماعة، هذه الحتة فيها ناس لا يعرفون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، فنريد واحداً متحضراً من البلاد المتقدمة يذهب ليعلمهم ويربيهم ويضبطهم حتى يعرفوا أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، نحن في عالم متحضر برضه، فانتذبنا بريطانيا، فانظر الاحتلال أصبح اسمه انتداب. فهو يأتي سنة ٤٨ يقول لك: أنا هذه المشكلة لا أعرف حلها، عندي يهود وعندي عرب وبينهم مشاكل، أنا أضع الملف أمام الأمم المتحدة وأنا ماشي، لأنه أصبح الملف مكلفاً بالنسبة له.
تخيل الفرقة التي دربها في جيشه وسلحها وعلمهم على التصنيع وعلى كل شيء انقلبوا عليه، وصاروا بعدين عصابة الهاجاناه والبلماخ، والبلماخ هي القوات الخاصة في الهاجاناه، لكن بعدين انشق على الهاجاناه الأرجون وشتيرن، وبعدين صار عندنا جيش الدفاع الإسرائيلي. وشتيرن، المنظمة المتطرفة هذه، راسلت الألمان لتقول لهم كيف نتعامل معكم ونتعاون معكم ضد الوجود البريطاني، متخيل؟
مرحلة الانتداب انتهت في شهر مايو ١٩٤٨، نزل العلم البريطاني وطلع العلم الإسرائيلي، وهيك نحن أعلنا نهاية الانتداب. وبالنسبة للإنجليز، لماذا حددوا هذا الموعد لنهاية الانتداب؟ على وجه الدقة لا أدري هل فعلاً كان لأهداف سياسية، ممكن تبقى تفاصيل إدارية، لكن لم أقع في بحثي على سبب أنهم اختاروا هذا التاريخ لهدف سياسي. الأمم المتحدة أرسلت لجنة، وبعدين أصدرت قرار التقسيم ١٨١، أن بريطانيا بعد ما تمشي يبقى فيه دولة يهودية ودولة عربية، إسرائيل نعطيها ٥٥٪ من الأرض، والعرب يأخذون ٤٥٪ من الأرض، طبعاً شيل من الـ ٥٥ والـ ٤٥ قليلاً، هذه منطقة القدس وبيت لحم، قالوا هذه ستكون منطقة دولية لأنها منطقة مقدسة ولا نريد مشاكل.
نعتبر أن مرحلة الانتداب خلصت، ندخل في مرحلة النكبة، هي قصة كبيرة جداً، لم تبدأ النكبة في ١٩٤٨، لكن النتيجة كانت في ١٩٤٨، هنا قررت هذه الدولة الناشئة أنها خلاص تفرض وجودها بالقوة وبالإكراه. في اللحظة التي كان فيها الفلسطيني أو الشخص الذي يعيش في هذه الأرض يرى هذه الهجرات ويبدأون ببناء مستعمراتهم وحقولهم ويزرعون، بدأ يلاحظ الفلاح البسيط أنه يخرج من أرضه، وأنه تمر الأم مع بنتها فتقول لها البنت لأمها: مين هؤلاء يمة؟ فتقول لها: هؤلاء ناس مساكين جاؤوا ليعيشوا عندنا، خليهم يأكلوا ويشربوا، وتضلها ماشية، هكذا بكل بساطة في البداية.
١٩٤٨ قبل ما نبدأ في قصتها، هناك واحد قاعد هناك يحكي لنا: يا جماعة أنتم قاعدين تحكون وكأن هذه الأرض سقطت فيها الدولة العثمانية وفي حدا، لكن وكأن هذه الأرض ليس فيها رجال، ليس فيها ناس تقاوم، ليس فيها ناس كذا، أينهم هؤلاء الناس؟ ولا ليكون باعوها؟ بتعرف قصة باعوها؟ من لحظة سقوط الدولة العثمانية إلى النكبة نحن كنا قاعدين نتفرج بس، قاعدين يسرقون منا أراضي ونحن ساكتون، يقتلوننا ونحن لا نملك شيئاً. هل كنا ساكتين ولا إحنا كنا شعباً قدَّم وقاوم وعرقل المشروع وأعاقه بشكل لم يتصوروه؟
في كلمة جميلة حقيقة لأحمد الشقيري، الذي كان أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان يقول: لو أنك بحساب الورقة والقلم نظرت في الأوضاع، لكانت الدولة اليهودية ستقوم بعد ثلاث سنوات مش بعد سنة، إيه الذي جعلهم ٣٠ سنة مش ثلاث سنوات؟ هو فعل هذا الشعب الفلسطيني الباسل الذي كان ينحت في الصخر للبقاء فوق أرضه. الفلسطينيون كانوا بدون إمكانيات حرفياً، إحنا قلنا أول مرة يعيشوا قطعة لوحدهم تحت الاحتلال الإنجليزي الذي هو قوة عظمى عالمية، يعني دلوقت لو قلت لك إن أمريكا جاءت تحتل محافظة الإسكندرية أو حماة أو منطقة الدمام، الفارق ضخم جداً بين القوة الإنجليزية وبين إمكانيات الشعب الفلسطيني. ثم إن فلسطين الإنجليز دول مش محتلين فلسطين بس، الإنجليز محتلون فلسطين والأردن والعراق ومصر، يعني منافذ التسلح ومنافذ المقاومة كلها يحكمها الإنجليز وعليها حكومات تابعة للإنجليز.
الفلسطيني حقيقة كان يقاوم بأقل القليل، بالبنادق القديمة، بالحجارة أحياناً، بمجرد التشبث بأرضه. وطبعاً برضه الإنجليز كانوا يعملون هذه العملية تحت قدر هائل من القوانين والنظام والإدارة، مش بشكل فج، لا، هو يحاول دائماً أخذ كل الذي يريده من خلال قوانين، ويتصرف في المجتمع تصرفات تجعله وسيطاً وحاكماً. مثلاً عنده نظام إداري، النظام الإداري هذا يطلع فيه الموظفين ويستكثر فيهم من اليهود والنصارى، يطلع فيهم المتعلمين أبناء المدن مش أبناء القرى، ويلعب على هذه التناقضات بين المسلمين والنصارى، وبين اليهود والنصارى من جهة، وبين المسلمين من جهة، وبين أبناء القرى وأبناء المدن من جهة، وبين الأغنياء والفقراء من جهة أخرى.
والمدارس التي أنشأها مدارس تنصيرية وتبشيرية، فبعض الذين درجوا فيها وخرجوا فيها كان فيهم أحياناً التصاق بالمحتل البريطاني وإعجاب بالفكرة الغربية، وبالنهاية يا جماعة هؤلاء يهود مضطهدون لا يجدون مكاناً في العالم، يأتون هنا مثلكم مثلهم، مش معنى كده أنهم سيأخذون أرضكم. قصدت أن أقول إن هناك آلة إعلامية ونظاماً إدارياً، لا توجد حالة من حالات الاستيلاء القصري على الأراضي إلا نادراً جداً وتتم بحيل قانونية وقضائية وفي محاكم. وفكرة أن المسلمين أو بعض الفلسطينيين باعوا أرضهم، نسبة الأراضي المباعة أقل من ١٪ وكانت قبل أن يشعر الفلسطيني أصلاً بأن هناك خطراً.
لم يكن الناس في عمومهم يعرفون ما يجري قبل انتشار الإنترنت والفضائيات، فكانت كل موادهم التعريفية التي يعرفون منها العالم هي الصحف، وبعد فترة طويلة أصبحت الإذاعات. في ذلك الوقت كان ممنوعًا دخول أي شيء عن وعد بلفور إلى فلسطين مكتوبًا في الصحف أو غيرها، وحتى من عرف بأمر وعد بلفور، حين كان يكلم الفلسطينيين لا يصدقونه، فكانوا يتساءلون: كيف سيستولي اليهود على الأرض؟ وأين نحن؟ وأين العالم العربي؟ كان وعيًا ضعيفًا جدًا. إلى هذه اللحظة، مع كل التجربة التاريخية التي مررنا بها ومع كل الأحداث، أول ما تقول للمصريين مثلاً إن اليهود ممكن يأخذوا سيناء، يقول لك: لماذا؟ ألسنا رجالاً؟ أين الجيش المصري العظيم؟ هذا الكلام لا ينفع، فقد هزمناهم في أكتوبر. هذه الأوهام التي تسيطر على أدمغة الناس إلى الآن، فما بالك بالناس الذين لم يكن لديهم تجربة تاريخية ولم تكن لديهم وسائل يعرفون بها هذه المخططات في ذلك الوقت.
الأسطوانة المشروخة هي أن الفلسطيني باع أرضه، فكفوا عن هذا، فقد صارت حجة سخيفة جدًا لا أحد يقولها الآن مع انتشار المعلومات والإحصائيات. وأنا أقول لك إلى لحظة عام 1948، لو كان الفلسطينيون باعوا أرضهم، فلماذا خاض اليهود حربًا؟ ولماذا ارتكبوا المذابح؟ ولماذا قاموا بالتهجير؟ لو صح هذا القول، لكانت الأرض قد صارت لهم دون حاجة لدخول حرب.
كانت هناك حالات فردية قبل أن يفطن الناس لذلك، وبعدها كان عندنا مؤتمر إسلامي سنة 1931 ومؤتمر إسلامي سنة 1935، وبالذات مؤتمر عام 1935 الذي أصدر فتوى من قبل العلماء بحرمة بيع الأرض لليهود وتكفير من يفعل ذلك؛ لأن هذا ليس مجرد بيع بين مواطنين، بل هو جزء من مشروع أكبر. وكانت هناك حركات المقاومة، سواء من أيام القسام أو فيما بعد لما تولاها فرحان السعدي، أو في ثورة 36، حيث كان هناك من يتعقب السماسرة الذين يأخذون الأرض ويسربونها لليهود ويقتلونهم، ومن يتعقب العملاء كذلك. فمسألة بيع الأرض، يا أستاذ محمد، فلسطين أرض وقف، لا يملكها حتى الفلسطيني؛ هي ملك الأمة. لا يجوز التفريط فيها لغير المسلمين، وما يفعله أفراد في قرية أو مدينة هو أمر على مستوى ضيق، أما الشعب الفلسطيني إذا قاوم فلم يكن متفرجًا ولم يستسلم للحالة، ووعى من لحظة مبكرة أنه بدون قيادة سياسية، وأن هذا عدو جاء ليحتل أرضه ويطرده من مزارعه ويسيطر على تجارته، وبالتالي لا بد أن نتحرك.
تحرك الشعب بشكل لا يمكن أن يتخيله عقل ولم يكن متوقعًا أو متصورًا عند كل الأطراف. لدرجة أن بريطانيا أعادت احتلال فلسطين وجلبت 100 ألف جندي على شعب تعداده 400 ألف؛ فلك أن تتخيل عظم المقاومة، وأن ناسًا لا يملكون سوى سلاح بسيط جدًا استطاعوا تحرير كل الريف وتحرير بعض المدن أيضًا.
قبل أن آتي للجيوش العربية وما فعلته، لحظة النكبة هذه خطط لها اليهود قبل انتهاء الانتداب بسنوات طويلة، وجمعوا معلومات استخباراتية دقيقة جدًا عن كل بيت وكل قرية وكل شارع، وعرفوا كم في البيت من شباب وبنات وأب وأم، ومن لديهم بندقية، فجمعوا كل البيانات وعملوا خطتهم التي اسمها خطة دالت. اتخذ القرار أن تبدأ العملية، ولكن بدأوا يستعملونها في قريتين؛ ففي قرية كان فيها عرس دخلوا وقتلوا الناس، وفي قرية ثانية دخلوا عليهم بالليل وقتلوهم، وانتظروا ليروا ما الذي يمكن أن يحدث، ولم يحدث شيء، فقالوا: ما دام الأمر كذلك، لنبدأ عملية التطهير العرقي، ونبدأ بارتكاب كل أنواع الجرائم.
ملف النكبة ملف ضخم، ومن الأمور التي عادة لا تقال: أولاً، التخطيط كان كالتالي: بريطانيا قالت إنها ستخرج يوم 15 مايو 1948، ولن تسمح لأي جيش عربي بالدخول لتحرير فلسطين قبل هذا التاريخ. طبعًا العالم العربي في ذلك الوقت كان تحت الاحتلال الفعلي، والحكومات التي كانت تحكمه كانت تابعة للمحتل الإنجليزي. لكن منطق الدولة القطرية كان موجودًا؛ فكنا نقول إننا مصريون ولنا مصر، وأردنيون ولنا الأردن، وسوريون ولنا سوريا رسميًا، لكن شعبيًا لم يكن الأمر كذلك.
يجب أن نعرف أيضًا أن مصر كانت أحد المراكز الدعائية الكبرى للصهيونية؛ فكان فيها لوبي صهيوني، وثلاث جرائد صهيونية، وكتب تنشر دعمًا لقيام الدولة اليهودية، وكانت الحكومات المصرية ترسل موفديها لافتتاح الجامعة العبرية. وحكومة مصطفى النحاس كانت ترسل عمالًا مصريين ليحلوا محل الفلسطينيين المضربين لكي تظل الآلة الاقتصادية تعمل. وبين غوريون كان يأتي لمصر ويلتقي باللوبي اليهودي، والسلطة المصرية كانت تطارد الكتب التي تنصر فلسطين وتحبس الناس الذين يفكرون تجاه فلسطين.
وضع بهذا الشكل، كان يعني أن أي شيء سيحدث قبل 15 مايو، ستتصدى له بريطانيا بكل العنف والقوة سواء من العرب أو من اليهود. وقبل مايو، في مارس وأبريل، نجد بريطانيا مشت وسلمت البلاد لليهود، فحدث استلام وتسلم بنوع من الخديعة، بالذات في البلاد التي فيها كتل عربية كبيرة يراد تهجيرها لأنها تقع ضمن الدولة اليهودية طبقًا لقرار التقسيم. فحدثت مذبحة ضخمة في حيفا، حيث أصبحت الكتلة العربية التي كانت 70 ألفًا لا تتجاوز 4 آلاف، والباقي اضطروا للهجرة؛ لأن الناس استيقظوا صباحًا ليجدوا اليهود مسيطرين على البلد والبلدية والمصالح والمرافق. والعرب لم يكن لديهم فكرة، وبدأ الضرب والقصف، وطبعًا اليهود اشتروا أسلحة من البريطانيين، وما لم يشتروه أخذوه كدعم وهدايا؛ فكان لديهم أسلحة هائلة، بينما الفلسطينيون لم يكن لديهم أي سلاح، لأنه كان محرمًا عليهم، وكان من يجدون عنده نصف رصاصة فارغة ينسفون بيته.
حركة النكبة لم تكن يوم 15 مايو فحسب، بل بدأت قبل ذلك؛ إذ هجرت قرى وقتل ناس. والترتيب الإنجليزي الإسرائيلي كان: يا إسرائيليين، عندما تدخلون على هذه القرية أو تلك المدينة وفيها مخزن سلاح لنا، أنتم تدخلون ونحن نخرج، استلموا وعيشوا حياتكم.
المستوى الثاني أن بريطانيا أشرفت على دور كل دولة عربية في التمكين لإسرائيل؛ فبريطانيا هي التي أنشأت الجامعة العربية، وكل اجتماعاتها فيما يخص قضية فلسطين كان قاعدًا فيها المندوب الإنجليزي كلايتون، يدبر معهم كل دور سيقوم به كل نظام عربي. ولذلك حصلت ثلاث حاجات اختصرها فيما يلي: أولاً، منع الفلسطينيين من الدفاع عن أرضهم بقرار عربي. وعلشان كده، واحد مثل عبد القادر الحسيني وجيش الجهاد المقدس، مع أنه أبدى بسالة هائلة، إلا أنه كان يتحرك في بيئة معادية له من اليهود ومن السياسات العربية؛ فلا مال ولا سلاح. ولذلك وجه عبد القادر الحسيني رسالته الشهيرة للأمين العام للجامعة العربية يقول فيها: أحملكم المسؤولية كاملة في سقوط فلسطين، وكان يقول للقادة العرب الذين قادوا جيش المتطوعين، مثل إسماعيل صفوت وطه الهاشمي: أنتم خونة وسيكتب التاريخ أنكم بعتم فلسطين. استشهد عبد القادر الحسيني لأنه لم يجد ذخيرة، وكانوا يتعاملون معه بوقاحة.
جامعة الدول العربية نشأت سنة 1945، ونحن الآن في 1948، وقد اجتمعوا واتفقوا على تمويل جيش المتطوعين الذي سموه جيش الإنقاذ، وقرروا أنه الجهة الشرعية الوحيدة، وغير مسموح بدخول أي جهة متطوعة ثانية أو كتائب أخرى. كل هذا كان لمحاولة امتصاص طاقة الأمة، وأي سلاح أو أموال تذهب لجيش الإنقاذ. جيش الإنقاذ اتخذ مقره في دمشق بقيادة إسماعيل صفوت وطه الهاشمي، وكلاهما عراقيان، وفوزي القاوقجي كان القائد في نابلس. جيش الإنقاذ أخذ أقل عدد من المتطوعين، بتقدير 10 آلاف فقط، وقالوا إن فلسطين لا تحتاج أكثر من ذلك، ومن يريد التطوع عليه الانتظار. وكانوا ينتقون الأفراد الذين يرونهم غير مفيدين، بينما الشيخ مصطفى السباعي، قائد متطوعي الإخوان المسلمين السوريين، قاتل في القدس وكان ينتقد أداءهم ويشتكي من نفاد الذخيرة، حيث كان يذهب لطه الهاشمي وإسماعيل صفوت يطلب ذخيرة فيقولون له: لا نملك، فيضطر للالتفاف من ورائهم للرئيس السوري.
هذه قصة ثالثة، وهي أن أغلب السلاح والذخيرة الموجودة في هذه الدول كان سلاحاً بريطانياً قديماً وذخيرة بريطانية قديمة. نحن كان عندنا قدر من الاستقلال الشكلي في ذلك الوقت؛ مصر كانت مستقلة شكلياً منذ عام 1922، وسوريا مستقلة شكلياً منذ عام 1936، وأكثر استقلالية سنة 1946، والعراق مستقل شكلياً منذ بعد ثورة 1920.
أما السعودية فهي بعيدة عن هذا الموضوع؛ فمنذ استقرار عبد العزيز آل سعود وتأسيس المملكة العربية السعودية، صارت مستقلة مع وجود نفوذ بريطاني غير مباشر، بمعنى أنه لا توجد جيوش بريطانية موجودة على الأرض. ولكن كما يُعرف، السعودية أرسلت 500 جندي، ونحن نتحدث عن أعداد قليلة. أنا أحب دائماً ذكر كل المعلومات؛ فلو أردنا مراعاة مشاعر الناس، فالحقيقة أن الناس على مستوى الشعوب كانوا يفدون فلسطين بأرواحهم، لكن على مستوى القرار السياسي كان القرار بيد الإسرائيليين.
ولذلك، مثلاً اللواء محمود خطاب، القائد العسكري العراقي المعروف، يقول لك إن الجيوش العربية دخلت بشكل غريب جداً؛ فالعراقيون دخلوا ومعهم الدروع مع أن المنطقة التي سيقاتلون فيها منطقة جبلية لا تحتاج لدروع، بينما الجيش المصري دخل من غير دروع مع أن المنطقة التي سيقاتل فيها صحراوية يحتاج فيها إلى الدروع. المصريون دخلوا بمدافع لا تملك ذخيرتها، والعراقيون دخلوا بذخيرة لا يملكون مدافعها.
هناك أشياء عجيبة جداً حصلت، لكن قبل أن آتي للجيوش العربية، فإن جيش المتطوعين نفسه لم يكن جيشاً فعالاً؛ لأنه قليل العدد ومحكوم بالقرار السياسي العربي، ويتصرف تحت سقف السياسة. المفروض أن المتطوعين لا علاقة لهم بالأمم المتحدة، سواء قالت هدنة أم لا، ولكن هذا لم يحدث؛ فقد كان جيش المتطوعين يقاتل فقط في المناطق العربية، فكأنه كان يثبت قرار التقسيم. وكان يسحب السلاح من الأهالي الفلسطينيين، وحدثت مشاكل بينهم وبين الفلسطينيين من سرقة ونهب واعتداء، ولما ينسحبون يتركون القرية عزلاء، فتضطر للهجرة أمام العصابات الصهيونية.
كما يقول مصطفى السباعي وأحمد الشقيري وغيرهم، كان جيش الإنقاذ وسيلة الأنظمة العربية لتهدئة الخواطر الهائجة، ووسيلة لمنع السلاح والتبرعات من الوصول إلى مكانها في فلسطين، وكان يقبل الهدن وينفذ انسحابات غريبة. لدرجة أن واحداً مثل فوزي القاوقجي، الذي كان قائداً لامعاً طول حياته، صار قائداً ملوث السيرة في هذه المعركة. وبين جيش الإنقاذ والجيوش العربية مشاكل كثيرة بين قياداته، مثل إسماعيل صفوت وطه الهاشمي والقاوقجي.
هذا المستوى الثاني، أما المستوى الثالث فهو مستوى الجيوش العربية. لك أن تتخيل أن الجيوش العربية، التي يجب ألا ننسى أنها تابعة لأنظمة تابعة للمحتل وتسليحها إنجليزي، دخلت بغير خطة؛ فقد قرروا الدخول يوم 12 مايو، والحرب بدأت يوم 15 مايو، وهم لا يملكون أي معلومات عن الأرض؛ لأن اليهود كانوا قد غيروا فيها خلال 30 سنة، وبنوا طرقاً ومستعمرات وحصوناً ومصانع. محمود الصباغ يقول لما طلبت من قائد الجيش المصري خريطة لمنطقة العمليات، جلب لي خريطة قبل 30 سنة، أي قبل الاستعمار الإنجليزي.
القائد العام لهذه القوات العربية كان القائد الإنجليزي جلوب باشا، لأن القيادة العامة للجيوش العربية كانت قيادة أردنية، والجيش الأردني كانت قيادته بريطانية. وترتيب دخول الملك عبد الله ملك الأردن في هذه الحرب تم في لقاء في فبراير 1948 بين توفيق أبو الهدى وجلوب باشا مع وزير الخارجية البريطاني بيفن. الملك عبد الله كان موافقاً على قرار التقسيم، وكان بينه وبين القيادات اليهودية علاقات، وهذا كلام منشور في أكثر من مصدر؛ نشره عبد الله التل في مذكراته، وطه الهاشمي، وجولدا مائير، وحتى الإسرائيليون في كتاب الرواية الرسمية لحرب 48.
كان دور الجيش الأردني هو الحفاظ على قرار التقسيم، بل إنه سلم قرى عربية لم تكن تابعة لقرار التقسيم للإسرائيليين، وأخطر هذا التسليم مدينتي اللد والرملة، اللتان كانتا بمنزلة حلق الدولة اليهودية. عندما تقرأ رواية جلوب باشا في مذكراته، ثم تقرأها عند عبد الله التل، ترى حجم الخيانة التي ارتكبها جلوب باشا في ذلك الوقت. القائد العام للجيوش العربية كان إنجليزياً، وكان داخلاً على أساس تثبيت قرار التقسيم لا على أساس محاربة إنشاء الدولة اليهودية، وسلم مدناً.
الجيش المصري من الجنوب كذلك دخل مخترقاً إلى القدس وتل أبيب بدون أي مقاومة، فوقع في كمين لا يقع فيه طفل صغير؛ فقد فتحوا له الطريق، وعندما وصل حاصروه، فصار محاصراً لا يستطيع الرجوع ولا التقدم. وفوق ذلك، الجيوش مربوطة بالقرار السياسي الذي ينسحب ويتقدم وفقاً لهدنة الأمم المتحدة. عندما تقرأ يوميات حرب 48 تشعر أنك في حالة من الكوميديا السوداء، شيء لا يصدق. ومع كل ذلك، كانت المرحلة الأولى قبل الهدنة الأولى في صالح العرب، وكانوا يحققون انتصارات ويتقدمون، ثم تأتي الهدنة فتقف الجيوش العربية وتلتقط أنفاسها العصابات الصهيونية، وتبدأ مرحلة ثانية تنحسر فيها الجيوش وتنهار. والمصيبة الكبيرة التي لا ينتبه لها كثير من الناس هي أن قرار التقسيم أعطى الإسرائيليين 55% من الأرض، وخرج الإسرائيليون من الحرب ومعهم 78% منها.
بعدما انتهت الحرب، ظهرت التدخلات الخطيرة؛ المصريون أخذوا قطاع غزة، والأردنيون سيطروا على الضفة الغربية، فلم يعد هناك شيء اسمه الفلسطينيون. أمين الحسيني، الزعيم السياسي الفلسطيني في ذلك الوقت، عندما حاول إعلان حكومة عموم فلسطين وعقد جلسة مجلس تشريعي، ذهبت إليه قوات عسكرية مصرية، أخذته من غزة ووضعته في القاهرة، وسيطرت هي بنفسها، فلم تعد هناك قيادة فلسطينية. وعندما سُئلوا عن سبب ذلك، قالوا إنها قضية العرب والقومية لا قضية وطنية.
النظام الأمني في مصر والأردن سلط كل جهده لكي لا يتمكن أحد من المقاومة أو خرق وقف إطلاق النار؛ فالمتطوعون من الإخوان المسلمين في مصر جرى اعتقالهم وسجنهم، وجلوب باشا يذكر في مذكراته كيف استنفر المجهود العسكري والأمني لمنع تسلل الأردنيين أو الفلسطينيين المهجرين إلى أماكنهم. وهناك تقرير لمكتب جامعة الدول العربية في نيويورك يذكر كيف قامت الحكومات العربية بمطاردة من يخرقون وقف إطلاق النار وسجنهم وتعذيبهم وإبعادهم.
سأجيب عن سؤالك؛ ففلسطين كانت تشهد مجازر ومآسي قبل 48، ومع ذلك لم تتدخل أي دولة من هذه الدول، بل كانت تطارد من يحاول الدفاع عن فلسطين. فمثلاً، من طبع كتاباً عن فلسطين كان يُسجن، والفلسطينيون كانوا يعاملون في مصر على أنهم إرهابيون، وعبد القادر الحسيني نُفي من مصر. أما ما الذي جعل النزعة العروبية تبزغ فيهم وتجعلهم يدخلون الجيوش، فهي الموجه الشعبية التي لم تكن لتقبل أن تضيع فلسطين بهذه السهولة.
السياسي الذكي لا يقف أمام موجة شعبية عاتية، بل يمتص صهوتها ويوجهها في الطريق الذي يريد. السياسي الذكي يقول لك إن فلسطين درة التاج، وسنعمل جيشاً من المتطوعين، وسندخل بجيوشنا الرسمية، ثم يدير الأمر بحيث تؤدي هذه الجيوش إلى نفس النتيجة المطلوبة للمحتل، لكن بدون أن يصطدم مع الموجة الشعبية. فإذا أردت التطوع حارب، سنفتح لك معسكرات تدريب، وبعدما تخلص الحرب نضعك في المعتقلات؛ وهذا هو ما حصل حرفياً.
ورجعوا إلى المعتقلات. هذا مكتوب وموثق ومشهور جدا ومكتوب في كتب.
زي كده مثلاً، أنت عارف في أحوالنا قبل أربعين سنة، مش كان في "أيها الناس جاهدوا في أفغانستان"؟ وصح وأفغانستان وإخوانكم والشيوعية الملحدة، وبعد ما راحوا جاهدوا في أفغانستان حصل إيه؟ قضايا العائدون من أفغانستان. بلاش يا سيدي أقرب منها مش سوريا؟ كان الموقف في البدايات الموقف الرسمي المعلن للدول العربية بشار ومجرم ومش عارف إيه وبيجمع تبرعات، وفي الآخر حوكمت الناس التي جمعت تبرعات لسوريا. فهو ده اللي بيحصل. السؤال الثاني بقى، فكرة أن الحكومات دي حكومات مش وظيفية، وحكومات وطنية، وحكومات ضحت لصالح فلسطين. أنا عايز أقول لك في حرب 48 جرت مواقف مشرفة وبطولات حقيقية، لكن مع فارق واحد أن اللي عملوا كل ده هم الذين تمردوا على القرارات الرسمية. اللي تمردوا على القرارات الرسمية دول هم اللي اتحطوا في المعتقلات، وهم اللي اتسجنوا، وهم اللي قتلوا، لكن بعد كده النظام تاجر بهم، اللي هو عارف أنت تقتل القتيل وتمشي في جنازته وتتاجر باللي هو عمله. الطبيعي هتلاقي الناس من السعودية ومن الأردن ومن العراق ومن مصر ومن سوريا ومن لبنان، كل الذين حققوا إنجازاً هم الذين صاروا بعد ذلك محاكمين ومنفيين ومطرودين. لكن الدولة بتفضل تتاجر بإنجازاتهم التي حوسبوا لأجلها وعوقبوا لأجلها.
انتهت النكبة 48، وبقت إسرائيل في الحدود المعروفة التي هي الحدود المرسومة دلوقتي على الخرائط، التي تسمى حدود 4 يونيو 67، التي هي حدود 15 مايو 48، التي هي الحدود المرسومة دلوقتي. هي حدود 15 مايو، لا هي حدود آخر ديسمبر سنة 48، هي نفسها حدود 4 يونيو 67، التي هي دلوقتي كل المجهود عايز يرجع لها، التي هي الضفة الغربية وغزة. طبعاً فترة الـ 48 نتج عنها شيء جديد، مصطلح جديد اسمه اللاجئ الفلسطيني، وبدأ يصير في كل العالم وبدأت قصة طويلة مؤلمة غريبة عجيبة لليوم آثارها، ولا يسعنا الوقت.
أقدر أقول لك إنه كل الخونة الذين تسببوا في 48 سرعان ما عوقبوا. الملك فاروق في مصر حصل عليه انقلاب عسكري، وفي الأردن اغتيل الملك عبد الله في المسجد الأقصى، هذا كله كان سببه فلسطين، طبعاً فلسطين سبب رئيسي يتضافر معه سبب آخر سآتي إليه بعد قليل. بس مثلاً حتى العراق، نوري السعيد وحكومته والجماعة دول برضو قتلوا بعد الانقلاب العسكري الذي حصل سنة 58. تضافر هذا مع إيه يا شيخ مراد؟ في أن الأمريكان والاتحاد السوفيتي يريدون وراثة المستعمرات القديمة، فبالتالي فيه أمريكان نازلين على أرض وعلى شعوب هي عايزة تتحرر وعندها سخط هائل لما حصل في فلسطين، وهذه الأرض فيها كثير من الساخطين والفاعلين، فبالتالي حصل عدد من الحركات الثورية والانقلابات العسكرية التي هي في أصولها تلقى رضا شعبياً، لكن صناعها كانوا هم المرتبطين مع الأمريكان. يعني ثورة يوليو في مصر كانت هكذا، انقلابات سوريا المتعددة، أنت عندك في سوريا حوالي خمس انقلابات: حسني الزعيم، ثم سامي الحناوي، ثم أديب الشيشكلي، وبعدين أديب الشيشكلي حاول يحكم من وراء ستار وبعد كده انقلب عليه انقلاب ثاني صريح، وبعدين انقلب عليه فيصل الأتاسي سنة 54، وبعدين نوصل بقى لـ 60 و66 و70، اللي هو انقلاب حزب البعث الأخير الذي تمكن منه حافظ الأسد. قصد أقول لك الساحة السياسية والخريطة السياسية تغيرت تغيراً كبيراً بعد 48، بأثر هائل من أداء هذه الحكومات في قضية فلسطين، وكذلك بوجود هذا الاستعمار الجديد الذي يريد أن يرث الاستعمار القديم.
الناس الذين ورثوا الاستعمار القديم بقى دول رفعوا شعار القومية العربية، فأنت دلوقتي داخل على حالة سياسية عندك شعب ساخط على الحكومات السابقة، جزء من الدعاية التي يجب أن تروجها وتسودها وتذيعها وتنشرها هي الوحدة العربية وتحرير فلسطين. فدخلنا بقى العصر ده تقدر تسميه عصر عبد الناصر، لأن عبد الناصر كان أبرز زعيم عربي، بدون التقليل من الآخرين، بس مصر بما تراكم فيها من أموال ومن وسائل إعلام كانت أول إذاعة، وطبعاً صحافة قديمة موجودة في مصر، فضلاً عن السكان وهكذا، فضلاً عن القرب من فلسطين، فقصدي أقول كان في صوت واحد في ذلك الزمن هو صوت عبد الناصر، والأصوات الأخرى كان كثير منها موافق لصوت عبد الناصر. هتلاقي طبعاً بتاع الأردن وهتلاقي بتاع السعودية ضد عبد الناصر بس ما عندهمش نفس الإمكانيات التي تخليهم ينافسوا صوته، فلذلك تحصل مثلاً مشاكل في اليمن تبقى السعودية فيها ضد عبد الناصر، تحصل مشاكل في الأردن تبقى حسين فيها ضد عبد الناصر، لكن في النهاية الزعيم الذي تلتقي عليه قلوب الناس من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر هو عبد الناصر. وعبد الناصر زي ما بيتكلم مايلز كوبلاند وغيره من الأمريكان لابد أن يبقي المسرح منصوباً، فبالتالي كان الخطاب السائد في ذلك الوقت هو: سنلقي إسرائيل في البحر وتحرير فلسطين ومش عارف إيه، كل ده كلام، لكن على أرض الواقع ليس شيء من هذا يذهب في محل التنفيذ على الإطلاق.
حتى في كتب هيكل الذي هو فيلسوف الناصرية ورفيق عبد الناصر ومتحدث باسمه، تصريحات واضحة بأن عبد الناصر لم يفكر في الاعتداء على إسرائيل، بل عبد الناصر فكر في إنشاء سلام مع إسرائيل لولا اغتيال الملك عبد الله بتاع الأردن. بيقول إن له عبارة نقلها عنه هيكل نقلتها عنه جولدا مائير، يقول إنه: "أنا لو بن غوريون زارني في القاهرة فسيعود إلى قومه بطلاً، لكن لو أنا زرته في تل أبيب سأعود إلى قومي لأواجه الاغتيال". طبعاً خفض نفقات الجيش، المهم نحن عشنا فترة من الحالة العروبية القومية، ولكن العروبية القومية العلمانية، العلمانية التي هي بتاعة: هبوني عيداً يجعل العرب أمة، وسيروا بجثماني على دين برهامي، سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمي. آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثانٍ. بهذا الشكل، فلذلك في ذلك الوقت كان الإسلام يطارد ويغيض ويذبل في هذه الأقطار. الفترة دي فترة الخمسينات والستينات كانت فترة عصيبة جداً جداً، الشيوعية متمكنة، الانحلال الأخلاقي منتشر، حتى الملابس والثياب كان وضعي أنا بشوف الصور، يا إلهي شو هذا!
شوف، طبعاً نحن دلوقتي في لحظة ونحن بنتكلم فيها على القضية الفلسطينية، مش بنتكلم على بقية القضايا، هنلاقي الموضوع ده له ثلاث نوافذ أو ثلاث تأثيرات على القضية الفلسطينية. التأثير الأول: ها هي الشعوب والدول العربية قد نفضت غبار الاستعمار وغبار الحكومات الرجعية، وتتهيأ الآن للوحدة العربية ولتحرير فلسطين. الفلسطينيون الذين قاعدون يرون على الأرض أن الأنظمة والحكومات دي بتطاردهم وبتمنعهم من مقاومة فلسطين، لكنهم يؤملون أن يكون هذا المنع هو استعداداً للمعركة الكبرى التي ستتوحد فيها الأمة العربية لتقضي على الإسرائيليين. فهذا أنشأ عموم الحالة القومية العربية، وبرضو العلمانية، ولذلك يكاد يختفي الإسلاميون في هذه الفترة، الإسلاميون بين سجين وطريد ومشرّد.
ومع ذلك، في شعارات وحدة عربية لكن ما فيش أي عمل على مستوى الوحدة العربية، يعني إيه محاولات الوحدة التي حصلت؟ مثلاً مصر والسودان كانت دولة واحدة، السياسة المصرية أدت إلى انفصال مصر عن السودان، طيب شكري القوتلي في سوريا جاء إلى عبد الناصر في مصر وعرض عليه الوحدة، وتقدر تقول حملة عليها، فنشأت الجمهورية العربية المتحدة التي هي مصر وسوريا كانت لمدة ثلاث سنوات ثم حصل انقلاب عسكري في سوريا واستسلم له عبد الناصر وما فكرش يدافع عن الوحدة. طيب عبد الناصر رايح يحارب في اليمن وهناك حصلت المشاكل بينه وبين السعودية، وبالتالي فأنت كنت سامع وحدة عربية وحدة عربية ولكن مع ذلك ما فيش وحدة عربية بتمشي على الأرض. سامع مقاومة الصهاينة وطرد العصابات الصهيونية لكن الأجهزة الأمنية المصرية في غزة والأجهزة الأمنية الأردنية في الضفة قاعدة شغالة تطارد المقاومين وتسجنهم في سجون الضفة وفي سجون غزة. على فكرة من أثمن وأنفس ما حصل عليه الإسرائيليون في 67، أرشيفات الجهازين الأمنيين دول، لما خدت غزة والضفة لقت عندها معلومات وقوائم أسماء بمين؟ بالناس التي تقاوم والناس الذين يعرفونهم والناس الذين نظموهم والناس الذين دفعوا لهم فلوس والناس الذين فكروا يقاوموا. فإسرائيل ورثت أمنياً مجهود النظامين المصري والأردني.
أنا دلوقتي عندنا ضباب كثير وأجواء مشبعة بالكلام عن تحرير فلسطين. الحاجه الثانية: عبد الناصر كانت البروباجندا الإعلامية أو الدعاية الإعلامية دعاية هائلة لدرجة أنه كان يفتخر بأن مصر اقتربت من غزو الفضاء، مصر هتطلع قمر صناعي، مصر لديها صاروخ الظافر والناصر والقاهر، ودي صواريخ يبلغ مداها مش عارف كام، فـ نكبة 48 الذي عاش في وقت 48 ده ممكن يتخيل، ممكن يتخيل أنها تحصل، أيوه بيستبعدها، لكن يتخيل أنها تحصل لأنه البلاد محتلة بالإنجليز ولأنه فيه تمهيد وفيه هجرة يهودية. إنما الذي كان عايش لحظة 67 ما كانش يتخيل أبداً أنها هتحصل؛ لأن دولنا مستقلة، جيوشنا عظيمة، عندنا أسلحة كبيرة طورناها، ونحن على وشك الوحدة العربية، وعملنا اتفاقيات دفاع مشترك، فالذي قاعد سنة 67 ده لا يخطر له بالبال أن ممكن إسرائيل تقدر تنفذ شيئاً مثل نكبة 67. طبعاً النكسة مصطلح اختاره هيكل للتخفيف، وهو بنفسه بيعترف بكده؛ بيقول: أنا المسؤول عن استخدام كلمة نكسة لأن كان أولى الأولويات أن نتجاوز آثار العدوان، بس هي حقيقتها نكبة أشد من النكبة الأولى. لماذا؟ لأنه أولاً إسرائيل اجتاحت في يوم واحد ثلاث دول عربية، منها صحراء أو منطقة سيناء دي اللي هي أصلاً ضعف كل فلسطين، إسرائيل بلعت لقمة أكبر من حجمها بثلاث مرات، أنت متصور؟ لذلك أنا أتذكر أستاذنا جلال كشك كان له تعبير شهير يقول فيه: "هذا نصر هو الأول من نوعه منذ انهيار الإمبراطورية البيزنطية أمام جيوش خالد بن الوليد"، اللي هو ما فيش حاجة اسمها دولة عرفت تتوسع كده تروح واخدة كل الضفة الغربية وكل غزة وكل سيناء والجولان وبتعمل ده في يوم واحد، اللي هو كان الناس كانوا نايمين مثلاً ولا إيه؟
وطبعاً أنت تتعجب لو عرفت أن الخطوة الأولى في هذه الحرب كانت إعلان مصر التصعيد العسكري، يعني عبد الناصر مش كان نايم واتفاجئ، لا عبد الناصر هو اللي طلع قال: إعلان إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية. إزاي؟ علشان نفهم، ممكن الشباب يحطوها في الخريطة؛ في الـ 48 إسرائيل عرفت تأخذ قرية أم الرشراش التي تسمى الآن إيلات، دي قرية مصرية تسمى أيلة على رأس خليج العقبة، وهذه تركها لها المصريون يعني حتى الآن السياسة المصرية لا تطالب بها، خدوها من الـ 48. قرية إيلات التي على رأس خليج العقبة دي هي المنفذ الإسرائيلي الوحيد إلى البحر الأحمر، بتروح تدخل في خليج العقبة ومن الخليج العقبة إلى البحر الأحمر. حظهم السيئ وحظنا الحلو، أو العكس بقى زي ما تشوف، إن خليج العقبة ده ينتهي عند جزيرتين اللي هما تيران وصنافير، جزيرتان مصريتان، فأنت حتى لو إسرائيل خدت هذه القرية التي هي على رأس خليج العقبة ما تقدرش تعدي إلا بإذن الجزيرتين، قافلين الخليج.
طيب أمال إسرائيل خدت إزاي حق الملاحة التي عبد الناصر دلوقتي بيغلقها عليها؟ خدتها في عدوان 1956، ودي هزيمة نكراء للجيش المصري، لكن الجيش المصري سوقها للناس على أساس أنها انتصار هائل. فالمصريون لغاية دلوقتي على فكرة فاكرين أنهم انتصروا في 56، بينما الذي حصل أن الإنجليز والفرنسيين رافضين أن هم يتخلوا عن مواقعهم ونفوذهم في الشرق الأوسط للأمريكان، فأغروا الإسرائيليين أن هم يعملوا هجوم عند قناة السويس؛ يبقى اسمها القناة مهددة، يبقى تيجي جيوش بريطانيا وفرنسا لأن القناة مهددة، الممر الملاحي العالمي الذي مرتبطة بمصالحنا. طيب الحتة دي كان فيها مخاطرة للإسرائيليين، افرض يا عم الشيخ الجماعة المصريين دول يقظين ومنتبهين؟ نحن أساساً كإسرائيل في ذلك الوقت، اللي هو 56، أضعف كجيش من أن نخوض مغامرة مع الجيش المصري في هذه الأرض الفسيحة، إذا كنا نحن أصلاً في 48 ما انتصرناش إلا بالسيطرة على قرار الجيوش، دلوقتي لما ندخل هتبقى مشكلة. فالإسرائيليون غامروا اعتماداً على غفلة النظام المصري، غامروا فدخلوا سيناء وراحوا.
إلى جانب القناة؛ اعتماداً على أنهم سيفعلون كل هذا قبل أن يشعر المصريون، وهو ما كان، فجاء الإنجليز والفرنسيون. طبعاً هذا كان يهدد الأمريكيين والسوفيت الذين يريدون ورث الاستعمار القديم؛ فهذا هو الذي جعل هؤلاء يتدخلون بثقلهم لطرد الإنجليز والفرنسيين ورد الإسرائيليين إلى أماكنهم، لأننا قلنا أصلاً إن الانقلاب الموجود في مصر كان تدبيره أمريكياً، وهو انقلاب عبد الناصر.
بالتالي أخذت إسرائيل مقابل انسحابها حق حرية الملاحة في خليج العقبة، المصريون أنفسهم لم يكونوا عارفين أن إسرائيل أخذت هذا الحق. ومن المكاسب التي أخذها الإسرائيليون في 56 هو أن توضع قوات بوليس دولي، يعني مثل قوات حفظ سلام بين المصريين وبين الإسرائيليين، هذه عملت حماية للإسرائيليين؛ وبالتأكيد لن يستطيع المصريون أن يفكروا في مهاجمة الإسرائيليين إلا لو أبلغوا قوات البوليس الدولي بهذا.
في 67 عبد الناصر عمل حاجتين يعتبران هما اللذان أشعلا الحرب: أعلن غلق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، وأنذر قوات البوليس الدولي بالإخلاء وقال لهم: تفضلوا امشوا. الخطوتان هاتان معناهما إعلان حرب. البوليس الدولي قال له: حاضر، نحن ماشيون. ومن الألغاز حتى يوم الناس هذا هو: لماذا فعل عبد الناصر ذلك؟ يعني بدأ الحرب وكأنه مستعد لها ثم تلقاها وكأنه لم يسمع بها ولم تخطر له على بال.
من الألغاز حتى الآن هو لماذا فعل ذلك؟ بعض الناس يقولون إنه فعل ذلك وكان يريد المساومة؛ يعني أول ما سيفعل الحركتين هاتين سيأتي الوسطاء الدوليون، فمثلاً يريد فلوساً أو غيره، فلما وجدهم قالوا له: ماشي نحن ماشيون، فلم يعد يعرف ماذا يفعل.
ولذلك حقيقة ما حصل هو أن القوات الجوية المصرية ضربت في الأرض. نداء أمر الانسحاب للجيش المصري كان انسحاباً بدون أي خطة ولا ترتيب، لدرجة أن الإسرائيليين كانوا يصيدون المصريين صيداً، يعني قتلوا 10 آلاف وأسروا 5 آلاف، وكانوا يلتقطونهم. وأنت حينما ترى مشهد الانسحاب، الدبابات ماشية على الطريق وهي ملقاة على الجانبين، شبيه بمشهد انسحاب القوات العراقية من الكويت في الـ 90 حين دخلت القوات الأمريكية؛ فهي كانت هزيمة عجيبة وغريبة وصاعقة. هي تسمى حرب الأيام الستة، لكنها فعلياً خلصت في الست ساعات الأولى، والباقي كان محاولة السيطرة على الضفة الغربية والقدس؛ فالقدس مثلاً تم احتلال المسجد الأقصى ولم يمت حوله أحد لأن القوات الأردنية انسحبت من أماكنها.
في الـ 67 شارك فيها الجيش المصري فقط، لا تعتبر أن أحداً شارك في 67، نحن ضُربنا ونحن ساكتون. حتى الجولان؛ الجولان مرتفع وهضبة رهيبة جداً لا يمكن لأحد احتلالها لو كان هناك عسكري واعٍ في الأعلى، ومع ذلك احتلتها إسرائيل بكل سلاسة وبساطة؛ فهي حرب من الحروب العجيبة والغريبة التي انهارت فيها الجيوش العربية، وساعةئذ تقدر أن تقول إن ما قبل 67 ليس كما بعدها.
67 كانت ضربة هائلة في صميم الوعي الوطني والوعي العربي والوعي الإسلامي، تبعتها موجة إلحاد وموجة كفر بالعرب وبالعروبة، وطبعاً موجة كفر بالناصرية؛ أن تشقق صنم عبد الناصر الذي كان معبود الجماهير في ذلك الزمن، ما كان أحد يقدر أن يتكلم. وزد على ذلك أن كل هذه البلاوي كانت تحدث على الأرض بينما الإذاعة المصرية تقول: لقد حققت قواتنا تقدماً، وأسقطنا الطائرة كذا وكذا ونحن على مشارف تل أبيب. قصدي أن الناس صعد بهم الإعلام إلى السماء، وبعدين جاء خطاب عبد الناصر الذي يعترف فيه بالهزيمة مساء 9 يونيو -يعني بعد أربعة أيام- ليسقط الناس من السماء إلى قعر الهاوية، فكانت نكبة هائلة.
في الآخر عبد الناصر، صحيح حصل ما يسمى حرب الاستنزاف -وإن كنت لا أريد أن أبدو مقللاً من مجهودات الجنود- لكن في النهاية الحالة السياسية أن عبد الناصر مات وهو موافق على مبادرة روجرز، وزير الخارجية الأمريكي، لوقف إطلاق النار. أما الفلسطينيون فقد تعرضوا لصدمة نفسية هائلة، واستفادوا أن الطريق انفتح بين الحدود القديمة والجديدة؛ فالناس الذين احتلوا سنة 48 أصبحوا يعرفون زيارة أقاربهم الذين نزحوا في الضفة أو في غزة، وانفتحت الدنيا قليلاً. واستفادوا كذلك درساً تاريخياً، لأنهم في النكبة هجر 300 ألف، وفي النكسة هجر 800 ألف، لأنهم في النكبة كانوا يظنون أنهم سيعودون غداً أو بعده بعدما تخلصهم الجيوش العربية، لكن بعد 67 رأوا أنه لا توجد جيوش ولن يخلصهم أحد، فتشبثوا بأرضهم.
هذه هي النكبة الثانية، نكبة 67، والتي خسر فيها الفلسطينيون كل الخسارة، وفرضت إسرائيل نفسها كقوة إقليمية؛ بعدما كانت محلاً للشك ومجرد عصابات صهيونية، صارت قوة قادرة على اجتياح ثلاث دول عربية في يوم واحد، بما فيها الدولة العربية الأكبر والأكثر سكاناً وهي مصر. صار كل المجهود السياسي منذ ذلك الوقت وحتى يوم الناس هذا -تقريباً 60 سنة- هو محاولة العودة إلى حدود 4 يونيو 67، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على هذه الحدود. هذا ما يسمى حل الدولتين؛ حتة الضفة وحتة غزة، والقدس منقسمة إلى شرقية تحت سيادة عربية وغربية تحت سيادة يهودية، وهو الأمر الذي لا تفكر فيه إسرائيل أصلاً.
من 67 عندنا محطة أخرى سنة 73، ولكي لا أطيل وبموضوعية شديدة؛ ما حصل في 73 حرب تحريك شنها السادات لكي تبدأ مسارات السلام والتطبيع. السادات قال لقادته -وهذا الكلام كتبه محمد فوزي وزير الحربية في كتابه «حرب أكتوبر: دروس وعبر»-: أنتم فقط حرروا لي 10 سنتيمتر شرق قناة السويس. الأمريكيون من مصلحتهم أن تتحول إسرائيل إلى دولة طبيعية في المنطقة؛ لأن بقاءها كدولة معتدية ومحتلة وكل من حولها مضطرون إلى حرب معها يضرها على المدى البعيد، فلا بد أن تبقى في حالة طبيعية.
السادات كان يريد حرب تحريك، وهذا قاله سعد الدين الشازلي في مذكرات قادة حرب أكتوبر، والخطط منشورة. الخطة التي وضعها سعد الشازلي أن نتمكن من تحرير 10 إلى 15 كيلو شرق القناة. هذا لا يعني أنك ستستطيع تحرير سيناء، لكنني سأكون موجوداً في مكان لا يستطيع الإسرائيلي الاستقرار فيه؛ فالإسرائيلي بعد 67 عرف يستخبى خلف قناة السويس -مانع مائي- وبعده ساتر ترابي، ثم خط دفاع عسكري وهو خط بارليف. فكل خطة الحرب قائمة على مفاجأته بعبور هذه الموانع؛ فكلمة عبور في الذاكرة المصرية هي معجزة عسكرية فعلاً.
سعد الشازلي كان يريد التحرك 10 أو 15 كيلو بحيث يجلب صواريخ الدفاع الجوي إلى القناة، فيكون قادراً بتغطيتها على حماية القوات شرق القناة فلا تستطيع الطائرات الإسرائيلية ضربها، ونحن قاعدون في بلدنا؛ فالإسرائيلي لن يجد خطاً يستخبى وراءه في سيناء فيضطر للانسحاب. على هذا بنيت خطة حرب أكتوبر.
لظروف ومشكلات وتفاصيل، السادات أصر على تطوير الهجوم؛ القادة العسكريون قالوا لا ينفع تقدم القوات لأنها ستخرج من مظلة الدفاع الجوي وتصبح معرضة لضربات الطيران. السادات أصر، وأول ما نفذوها وتقدمت القوات خسرت مصر 250 دبابة من أصل 400، وهو كل ما يملكه الجيش المصري، ولذلك سمي هذا اليوم بمذبحة الدبابات. لما تقدمت القوات وضُربت، حدثت الثغرة، التقطتها فرقة شارون والتفتت من منطقة الدفرسوار ودخلت إلى الجزء الأفريقي من مصر، وحاصرت الجيش الثالث في جنوب سيناء.
أسدل الستار، دخلت أمريكا وفرضت وقف إطلاق النار، والسادات قال: أنا لا أستطيع محاربة أمريكا، و99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا. خلصت الحرب على هذه النتيجة، وهي تعادل؛ المصريون هجموا وانتصروا في الأول، لكن الإسرائيليين عرفوا يمتلكوا زمام الوضع. ومن يقول إن الحرب انتهت وإسرائيل متقدمة فكلامه صحيح أيضاً، لأنه لم يكن بين الإسرائيليين والقاهرة شيء لو أرادوا التوغل. لكن لأن أمريكا دخلت وفرضت وقف إطلاق النار والجيش الثالث محاصر، فلا تستطيع أن تقول إنه نصر خالص للمصريين، رغم أن الدعاية المصرية تصورته نصراً متكاملاً.
من هنا جاء الضغط الأمريكي، والسادات كان مستعداً لمسألة السلام. ما تأثير هذا على القضية الفلسطينية؟ الأخ الشقيق الكبير الذي طالما تعلقنا به وقال لنا إنه سيدخل ليحرر فلسطين، قلب الآن وأصبح رجل وطني وقال: أنا حررت بلدي وأنتم حرروا بلدكم؛ فحذف من المعركة مصر التي هي ربع القوة العربية. فكانت حالة السلام هذه ضربة قاسية وقاصمة. حتى السادات تخلى عن غزة، التي حكمتها مصر منذ 48 ورفضت أن تكون تابعة للفلسطينيين. وبعد قليل سيتكرر في الضفة الغربية نفس الشيء، ستتخلى الأردن عن الضفة بعدما كان شعار الضفتين جسداً واحداً.
كسنجر دعم جولدا مائير في الحرب؛ لأنني أعلم أنه لما دخل الجيش المصري وتجاوز القناة، جولدا مائير أغمي عليها وقالت: الجيش سيأتي ليسحقنا الآن. هي كانت لحظة تهديد، فاتصلت بكسنجر وقالت له: أرسل لي أي مساعدات؛ تأخرت المساعدات قليلاً لكن وصلت الطائرات الأمريكية. لا ريب أنها كانت صدمة هائلة للإسرائيليين، لكن لم يكن من الممكن أن يتخلوا عن سيناء ويدخلوا في السلام إلا وهم في وضع قوة، فالذي يريد السلام يأتِ ليعمل سلاماً معي وأنا في هذه الحال. هذا الأمر لم يكن يريح الأمريكيين، فهم يريدون حالة طبيعية، والسادات ما كان يمكن أن يدخل في عملية سلام دون أن يحقق نصراً رمزياً، وهذا ما قاله موشي ساسون -السفير الثاني لإسرائيل- في مذكراته «سبع سنوات في بلاد المصريين»، حيث يقول: كنت أتكلم مع كمال حسن علي أنه لم يكن ممكناً الدخول إلى السلام دون هذه الحرب التي يبدو فيها المصري منتصراً.
معها؟ كان معها سيناء، وغزة صارت معها، والضفة صارت معها، والجولان معها. كان تمدداً هائلاً. فلما نذهب إلى مسيرة السلام والتطبيع ومعاهدة السلام سنة 79، فأنت تتكلم عن أن الفلسطينيين رأوا، أو أيقنوا في هذه الحالة، أنه لا سبيل لهم إلا أنفسهم.
كان أحمد مطر له قصيدة لطيفة جداً؛ طبعاً العرب الذين بقوا من العرب لم يكن يعجبهم السادات، لكن السادات باعتباره رئيس مصر، شايف نفسه ربع العرب، قال لك في داهية. فاحمد مطر كان يقول: الثور فر من حظيرة البقر، الثور فر، يعني الرجل الكبير فر، فثارت العجول في الحظيرة تبكي فرار قائد المسيرة، وشكلت على الأثر جلسة ومؤتمر، فقائل: لقد كفر، وقائل: إلى سقر، وقائل: امنحوه فرصة أخيرة لعله يعود للحظيرة. وبعد عام وقعت حادثة مثيرة، لم يرجع الثور، ولكن ذهبت وراءه الحظيرة. مطر صراحة لن يتكرر، كلهم دخلوا في سكة السلام واحد وراء الثاني سراً وعلناً.
عند 79 الفلسطينيون لما شعروا بهذا، وهنا بدأت نقلة جديدة من المقاومة الفلسطينية وهي النقلة الإسلامية. طبعاً كان يجب أن نقول ولكن خدنا صراع الدول، أن المقاومة الفلسطينية هذه تعرضت أيضاً لمراحل. المقاومة الفلسطينية التي بدأت بعد 48 كانت معضلاتها الأشد والأقصى هي الأنظمة العربية، بالذات النظامين المصري والأردني، إلى أن خمدت المقاومة عملياً سنة 56؛ كانت عمليات، وصحيح مثلاً خلال سبع سنوات في بعض الإحصائيات أنه من سنة 49 لسنة 56، قد ست سنين، المقاومات هذه رغم أنها مبعثرة قتلت 1200 إسرائيلي، لكن خمدت عند سنة 56، ومن بعدها اشتدت قبضة الأردنيين على الضفة والمصريين على غزة.
سنة 57 تأسست حركة فتح، تأسست فين؟ في الكويت، أصلها من اللاجئين الذين خرجوا واستقروا في دول الخليج، لأن دول الخليج بدأ يبقى فيها طفرة نفطية وما عندهمش ناس كتير. الفلسطينيون شعب هجرة من أرضه، فحصل نوع من التلاقي بين الفلسطيني وجد فرصة في دول الخليج والخليجيين وجدوا فيهم كفاءات لم تكن موجودة عندهم؛ فالخلاصة الكويت كانت من أكثر الدول التي فيها مساحة حركة وفيها قدر من الفلسطينيين، فتشكلت فيها حركة فتح سنة 57.
لكن حركة فتح نشأت نشأة طريفة، وهي أن أغلب الذين أسسوا حركة فتح إسلاميون، وكانوا من الإخوان المسلمين. طب ليه يا جماعة الإخوان المسلمين نفسها ما قاومت؟ وليه حركة فتح بقيت حركة علمانية؟ لأن الإسلاميين في ذلك الوقت كانوا تحت الجحيم الناصري، فكانوا مهزومين على مستوى الأوطان، وكانوا يتعرضون للإبادة والفناء، وما كانش عندهم تفكير في المقاومة الفلسطينية. في ذلك الوقت كان الإسلاميون يفكرون كالاتي: الفلسطينيون أنفسهم غير قادرين على مقاومة الإسرائيليين، فلذلك لا بد من إقامة الدولة الإسلامية التي تتولى مقاتلة إسرائيل. العروبيون القوميون كان عندهم نفس الفكرة، أن أيضاً لا، الفلسطينيون ما يقدروش لوحدهم، فلا بد من إقامة الدولة العربية والوحدة العربية التي تتولى قتال إسرائيل. فلذلك كنت هتلاقي الفلسطينيين موزعين حتى في الأحزاب العربية في سوريا والأردن ولبنان وغيرها. الإسلاميون ما عندهمش أحزاب، كل شغلهم سراً لأنهم مضغوطون تحت الجحيم الناصري، وبعد شوية هيبقى عندهم جحيم سوري، وبعد شوية جحيم عراقي.
فالإسلاميون في هذه الحالة قرروا أن يقاوموا عشان ما يتعرضوش لكل هذا البطش، فاللي عايز يقاوم اضطر يبقى موجود في، الناس الذين يريدون أن يقاوموا هم الذين عملوا حركة فتح. بس إحنا مش عايزين ندفع ثمن أننا إسلاميون، فنحن مش إسلاميون، لأننا لو قلنا إسلاميون سنبقى مضروبين من الإسرائيليين ومن الأنظمة العربية. نشأت حركة فتح سنة 57، لكن أول عملياتها العسكرية كانت سنة ديسمبر 64 أو يناير 65 على تفصيل بسيط بين المؤرخين. وهنا بدأت خلال الستينات، تقدر تقول 65 وما بعدها، زمن المقاومة غير الإسلامية. صحيح هم بدأوا إسلاميين، وخليل الوزير وأبو اللطف القدومي وغيرهم كانوا إخواناً مسلمين، لكن بقوا علمانيين مع حركة فتح. فزمن المقاومة غير الإسلامية هذا أنعش الحالة الفلسطينية، لكن حتى هذه المقاومة تعرضت لنكسة كبيرة بسبب أمرين: الأمر الأول هو أن الدول العربية أرادت استثمارها لصالحها، وبقى في فصول من محاولة عبد الناصر والعراقيين والسوريين لهذا الموضوع. والنكبة الثانية نكبة 79 لما مصر بدأت فكرة السلام والتطبيع.
هنا عند الثمانينات كان بدأ ينشأ جيل آخر من الإسلاميين المقاومين، نشأ من جذور إخوانية، ولكن خرج عن عباءة الإخوان خروجاً سلساً وذكياً ولطيفاً، وهذه بدايات تأسيس الحركة الخضراء مع الشيخ أحمد ياسين رحمه الله. فتقدر تقول إن فترة الثمانينات هذه كانت المقاومة غير الإسلامية تغيض وتذول وتنتهي، خصوصاً وهي دخلت في مواجهتين هائلتين مع نظامين عربيين؛ دخلت سنة 70 في مواجهة مع نظام الأردن "أيلول الأسود"، وسنة 82 اجتاحت إسرائيل لبنان من جنوبها حتى وصلت إلى بيروت، وكان أحد شروط أو أحد ما انتهت إليه المعارك أن تخرج منظمة التحرير ومقاتلوها من لبنان، فتفرقوا في الأرض وقيادتها راحت تونس. أنا بكلمك عن 82، شوف 79 و82 هذه الضربة القاضية، فهنا بدأ ينفسح المجال داخل فلسطين للجيل التالي من هؤلاء الإسلاميين وهذه الحركة، الحركة الخضراء والشيخ أحمد ياسين، حتى جاءت لحظة الانتفاضة الأولى في ديسمبر سنة 1987، التي عرفت بانتفاضة الحجارة.
طبعاً فصول كثيرة ينبغي أن تروى في هذه الانتفاضة، لكن تقدر تقول إن هذه هي المرة الأولى من بعد 48 التي يقوم فيها الفلسطينيون بانتفاضة تبدو مدهشة ومذهلة وغير متوقعة، ومالهاش أي دعم، مالهاش أي نصير، قائمة داخل فلسطين، مالهاش أي ممول خارجي. الدول العربية تبدو أمورها استقرت على إما سلام بارد أو سلام علني أو سلام سري، فهذه الانتفاضة كانت طفرة على مسار تاريخ المقاومة، وأعادت فكرة فلسطين مرة أخرى، وفكرة قضية المسجد الأقصى مرة أخرى. طبعاً هي بدأت بحادثة الدهس المشهورة لما مستوطن دهس مجموعة عمال فلسطينيين، ثم تشكلت في رحم هذه الانتفاضة هذه الحركات التي ما تزال حية، الحركة الخضراء وحركة الجهاد الإسلامي.
ها هنا بنوصل، أنا طبعاً بختصر وسامحوني، هنا إحنا طولنا قوي، لكن ها هنا بدأت تحصل أول مرة يسمح فيها الإسرائيليون والمجتمع الدولي أن تتشكل قيادة فلسطينية. تفاجأوا بأن هذا الشعب الذي مالهوش قيادة وصل إلى مرحلة من السيولة أننا مش عارفين نواجهه، تعالوا يا جماعة نعمل له قيادة عشان نعرف نمسكه منها. طيب مين اللي ينفع؟ مين اللي نجيبه؟ ساعة إذ كان موجوداً على الطاولة واحد زي ياسر عرفات، ياسر عرفات مؤسس حركة فتح الذي أسسها سنة 57. يعني إحنا دلوقتي أكثر من 30 سنة وعرفات يؤسس الحركة. طيب عرفات ده إيه ظروفه؟ لو أنت داخل في دماغ عرفات ستجد 57 لما أسس وكان عنده أمل أنه يبقى جزءاً من المقاومة، تعرض لنكبات لدرجة أنه 57 عمل أول عملية سنة 65، بعد كده أخمد أمره، وفي سنة 67 حصلت عليه انشقاقات في السبعينات وظهرت حركات يسارية وحركات أخرى، ثم طرد من الأردن، ثم طرد من بيروت، ثم هو الآن في تونس ولم يعد بيده شيء يقدمه. حين تنظر إلى عرفات في تلك اللحظة، 92 و91، لحظة إنسان مهزوم خرج من حياة كفاحه هذه بلا أي نتائج على الإطلاق، وبيعلن بس الدولة الفلسطينية في مؤتمرات، مرة تسمح له السياسة الدولية وتناقضاتها بين الأمريكان والسوفييت أنه يروح الأمم المتحدة ويخطب خطاب "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي".
هات يا عم ياسر عرفات لكي نعمل إيه؟ نكرر حالة أيام ما كان الاحتلال الإنجليزي والفرنسي موجود في بلادنا، الذي هو في واحد ماسك الشعب وفي احتلال ماسك السلطة. وخصوصاً أنه كان في التفاف شعبي حواليه، هو طبعاً زعيم. بس دلوقتي لو أنت بتفكر من جهة الإسرائيليين والأمريكان، الشعب السائل هذا عمل انتفاضة، أنا مش عارف رأسها فين ومش عارف أسكتها إزاي ومش عارف أخلص منها، فيجي واحد فلسطيني زيهم يعمل نفس اللي عمله قبل كده سعد زغلول، والشريف حسين، وحتى عبد الناصر؛ شخص من جلدتهم ويتكلم بألسنتهم وقادر يسيطر عليهم.
فحينئذ بدأنا مسألة اتفاقية أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية، ودخلنا في اتفاقية غزة وأريحا التي خلاصتها: يا أستاذ ياسر عرفات ستأتي لتكون سلطة فلسطينية، من مهماتك الأساسية مهمتان: تأمين إسرائيل، والمهمة الثانية إدارة الشؤون اليومية والتفصيلية للفلسطينيين؛ بدل ما الإسرائيليون يتولوا هذه الأمور، أنت خذ الأمور اليومية هذه ومهمتك تأمين إسرائيل. هنا لأول مرة، طبعاً الفلسطينيون كانوا يشعرون في ذلك الوقت بالفرحة وبالانتصار، وبأن انتفاضتهم انتهت إلى ثمرة سياسية مهمة، مافيش كلام. لكن سنة سنتين ثلاثة اكتشفوا أن السلطة الفلسطينية هذه إذا بها تكرار للأنظمة العربية؛ ما فيش مقاومة، غير مسموح بالمقاومة. فهم الفلسطينيون كانوا فاكرين أن ستأتي السلطة تقود المقاومة، اكتشفوا أن السلطة ضد المقاومة، وإذا بقيادات السلطة الفلسطينية لا تضرب مثلاً في المقاومة والنضال، تضرب مثلاً في الفساد والرشاوي وإنشاء الكازينوهات. أنت متخيل سلطة تحت الاحتلال وفيها 17 جهازاً أمنياً، اللي عنده أمن رئاسة ومخابرات وأمن وقائي ضفة وأمن وقائي غزة، هيصة كبيرة جداً.
طبعاً الجماعة الذين يقاومون مش عاجبهم هذا الكلام، وصلوا إلى الاصطدام الكبير عند اغتيال يحيى عياش والعمليات التي نفذت رداً على ذلك الاغتيال. عياش اغتيل في يناير سنة 96؛ سنة 96 كانت عام التآمر على المقاومة الفلسطينية، لدرجة أنه جيء بالحكام العرب جميعاً في شرم الشيخ في مؤتمر مكافحة الإرهاب ومعهم ياسر عرفات. الكلام هذا تقدر تقرأه حتى في مذكرات جورج تينت مدير المخابرات الأمريكية أيام 11 سبتمبر، وهو يقول: قلنا لعرفات رسالة صريحة، إذا لم تستطع إنهاء هذا الأمر فلا مستقبل لك، أنت مسؤول عن الذي يحصل. رجع عرفات من مؤتمر مكافحة الإرهاب مدعوماً بالقوة العربية والسياسة العربية وبالأموال العربية وبالتقنية الأمريكية والإسرائيلية لكي يقضي على المقاومة في فلسطين، وتستطيع أن تقول أنه فعلاً استطاع القضاء عليها عند حلول سنة 99.
وبدأت أكثر محاولة جدية في مسألة المفاوضات حول الوضع النهائي في مفاوضات كامب ديفيد سنة 2000، لما كان رئيس حكومة العمل إيهود باراك وكان ياسر عرفات. وفي هذه المفاوضات التي تقدر تقول إنها أكثر محاولة جادة، اتضح بوضوح أن أكثر شيء يستطيع الفلسطيني أن يقدمه لا يمكن أن يرضى عنه الإسرائيلي، وأكثر تنازل يستطيع الإسرائيلي أن يقدمه لا يمكن أن يرضى عنه الفلسطيني. في هذه المفاوضات عرفات عرض عرضاً سخياً، قال لهم حتى القدس هنسيب القدس، ولكن المسجد الأقصى يبقى تحت إشراف منظمة المؤتمر الإسلامي، رفض إيهود باراك، انهارت المفاوضات. كان موجوداً زعيم المعارضة أرييل شارون، لم يكن يعجبه كل التسامح هذا مع الفلسطينيين، اقتحم المسجد الأقصى وهذا ما أدى إلى اشتعال الانتفاضة الثانية سنة 2000.
الانتفاضة الأولى السبب المباشر هي عملية الدهس هذه التي قام بها مستوطن لعمال فلسطينيين كانت في غزة في جباليا، لكن طبعاً السبب الحقيقي تراكم من القمع والقتل، نعم عندك تاريخ طويل.
الانتفاضة الثانية تراكم فيها كل الذي قلناه، تراكم فيها السلطة الفاشلة والفاسدة، تراكمت فيها المفاوضات المنهارة، تراكم فيها اقتحام شارون للمسجد الأقصى. لكن اقتحام شارون هو الشرارة التي أشعلت الانتفاضة، وكان يوم 27 سبتمبر أو 28 سبتمبر سنة 2000. وهنا تقدر تقول تأخذ صفحة هائلة أخرى من صفحات الكفاح الفلسطيني والنضال الفلسطيني، وهنا طبعاً شارون حصلت انتخابات مبكرة فاز فيها وقال أنا في خلال...
قال: مئة يوم بس سأقضي على هذه الانتفاضة. ما عرفش يقضي عليها، واستمرت. واستمرت حالة الكفاح تطورت حتى كثير من أبناء السلطة الفلسطينية بدأوا يكتشفون أن السلطة ما جابتلهمش حاجة، وأن اللي هم كانوا بيحاربوهم على أساس أنهم إرهابيون، ويضيعون عملية السلام، ويضيعون الثمرة التي يمكن أن نصل لها من غير مشاكل، إذا بالمشاكل تنهار والسلطة نفسها أصبحت ضد، وعرفات نفسه بدأ يغض الطرف شوية عن حالة المقاومة الفلسطينية.
فيا سيدي كانت لحظات هائلة ما لبثت أن اشتعلت من جهة، وتضررت من جهة بحادثة 11 سبتمبر 2001. أنت عندك شارون في فلسطين شخصية متطرفة، جاء في أمريكا جورج دبليو بوش شخصية متطرفة أيضاً وحزب جمهوري، وجاءت 11 سبتمبر فأشعلت أمريكا حرباً عالمية ضد الإرهاب، فشارون التقطها ويقول: زي ما أنتم بتحاربون الإرهاب الإسلامي في العالم، أنا بحارب الإرهاب الإسلامي في إسرائيل؛ فحصل تحالف هائل بين الأمريكان وبين الإسرائيليين. في هذه اللحظة أطلق يد شارون في ارتكاب المذابح حتى وصلنا إلى حال على هذه الشاكلة.
شارون شاف أن قطاع غزة قطاع مزعج جداً ومربك جداً ومزدحم جداً، فبدل ما أنا متولي كل مشاكله الأمنية، وعمال أدفع من المستوطنين ومن الجنود كل شوية عمليات، أنا سأنسحب منه وأحاصره. وعرفات هذا إذا كان ينفع زمان فهو دلوقتي ما ينفعش، وده لسه واحد فاكر نفسه يعرف يحرر فلسطين أو ممكن يوصل لها بالتفاوض، فنغتال عرفات ونغتال القيادات الفلسطينية، ونمهد الأمور للجيل الثاني من العملاء، زي دحلان وجبريل الرجوب؛ بحيث أن قطاع غزة يستلمه محمد دحلان. فهو قرر قرارين كبيرين فارقين في مسار القضية الفلسطينية: قرار الانسحاب من غزة، وقرار إنشاء السور العازل لأنه بقى مش قادر برضه، الجماعة بتوع الضفة الغربية عندهم مغارات وعندهم مسالك وعندهم ففي استشهاديين كتير داخلين لنا من هذه الأرض، فاحنا هنعمل سور عازل نسيطر به على الوضع الأمني، وهننسحب من غزة من بره كده ونفضل محاصرينها، فهم يحلوا أو ينفجروا في بعض.
هذا الكلام تم في 2005 الانسحاب من غزة. عند 2005 كانت الإدارة الأمريكية وصلت لاستنتاج يقول: إن الجماعة المستبدين الموجودين في العالم العربي صحيح هم بيحققون مصالحنا، لكن الجماعة دول من كتر ما هم ديكتاتوريون كبتوا شعوبهم كبتاً شديداً لدرجة أن شعوبهم دي ما بقتش بس بتنفجر عندهم، بقت بتعمل انفجارات عندنا، 11 سبتمبر وقطارات مدريد ولندن. فبالتالي اعتنق بوش نظرية تقول: دمقرطة العالم العربي. يا جماعة ما أنتم عندكم أهو تركيا، عندكم باكستان -طبعاً بتكلم على تركيا قبل أردوغان- عندكم باكستان، في دول عاملة كده مسرح ديمقراطي، والدول اللي عاملة مسرح ديمقراطي دي كل الجماعة الإرهابيين -بين قوسين- هالكين نفسهم في انتخابات، رايحين جايين، النهارده في الحكومة، بكرة في المعارضة، وفي الآخر احنا ماسكين البلدين من خلال الجيش؛ يعني وقت ما تيجي انتخابات مش على هوانا الجيش بينقلب، سواء بينقلب في باكستان، سواء بينقلب في تركيا، فاحنا في الآخر ماسكين البلدين. بس المسرح الديمقراطي ده مستهلك طاقة مين؟ الإسلاميين واللي عايزين تحرير وتحرر، لكن لما كبتوهم في العالم العربي انفجروا عندنا، فاحنا هنعلن دلوقتي ديمقراطية في العالم الإسلامي.
الذي يهمنا من الكلام ده دلوقتي أن الديمقراطية دي لما نيجي نعملها في فلسطين، نعمل دلوقتي ديمقراطية في فلسطين بعد اغتيال عرفات. مين اللي بعد اغتيال عرفات؟ الشخصية الثانية محمود عباس، راجل زي الفل، راجل تبعنا، ما بنقولهوش كلمة بيقول لنا أحلام سيادتك بكرة أنا هعملها لك، راجل تبعنا خالص، وده راجل مهندس أوسلو، واحنا أساساً كنا عايزينه بس عرفات كان مكلبش في السلطة. تعالوا نعمل انتخابات في فلسطين، هيجي لنا محمود عباس نتفق معاه على قضايا الحل النهائي وهو ما فيش حاجة هنقولها له هيقول لا. يلا بينا نعمل انتخابات. عملوا انتخابات تفاجأ الجميع بأن الحركة الخضراء هي التي فازت وبكتساح. طبعاً هي نتيجة طبيعية لشعب واعٍ.
ما كان متوقعاً على صعيدهم هم، ولا حتى على صعيد السلطات العربية، ما كان حد متخيل أن حركة فتح مع كل الدعم اللي كان معاها ومع كل السلطة اللي في إيديها ومع كل تاريخها يمكن أن ينتصر عليها الإسلاميون الذين هم مضطهدون وتعبانون ومذبوحون، لكن 2006! إيه ده؟ فلسطين بقى فيها حكومة تبع، طب واحنا؟ حتى كونداليزا رايس في مذكرتها تقول: وصلنا لمأزق، طب نعترف بنتائج الانتخابات بس دي حركة إرهابية، ولا ما نعترفش نبقى كده ضد الديمقراطية؟ طب عملوا إيه؟ اعترفوا بالانتخابات وما اعترفوش بالحركة. الباطل لن يعدم شيئاً. لكن هاهنا بدأ انفلات أمني من خلال أجهزة السلطة وأجهزة فتح لمحاولة إنزال الحركة من السلطة بالقوة. الأول قالوا لها خد السلطة وورينا هتعملوا إيه، ومصر راحت فارضة حصاراً على قطاع غزة، وإسرائيل راحت اعتقلت أغلب أعضاء مجلس النواب علشان ما ينعقدش النصاب بتاع الضفة الغربية، فتبقى الأغلبية لفتح. حصل انفلات، وطبعاً مركز الحركة الخضراء في غزة؛ الانفلات أخذ سنة من 2006 لـ 2007 حتى قررت قيادة الكتائب أنها تعمل عملية الحسم العسكري، وتتخلص من قوى الانفلات الأمني التي كادت تغتال هنية مرتين، وكان فترة فظيعة دي وما نفعش فيها لا اتفاقيات مكة ولا اتفاقيات القاهرة. فهنا تحررت غزة، وتحررت 2005 وصارت تحت حكم الحركة الخضراء سنة 2007.
هنا بيبدأ الانقسام الفلسطيني، أو ما يسمى الانقسام الفلسطيني؛ لأنه برضه الاحتلال الإسرائيلي راح مسيطراً على الضفة، سجن كل بتوع غزة، طارد الحركة، فبقى عندنا فتح مع الضفة، وغزة مع الحركة الخضراء. تحولت غزة عبر هذه السنوات إلى قلعة من قلاع المقاومة، وخاضت حروباً بشكل منفرد؛ عندك حرب 2006، عندك حرب 2008-2009، عندك حرب 2014، وبعدين مسيرات العودة 2017، سيف القدس 2021، حتى الحرب الكبرى التي كانت في 2023.
جزاك الله خيراً، طبعاً هذا اللي ذكرته أنت بالآخر هو المدخل الذي يلج منه عادةً من يريد أن يشكك في القضية الفلسطينية ويقول لك: ما أنتم منقسمون، بس تجتمعوا بنيجي بنقعد معكم. لكن خلفيات هذا الانقسام التي تفضلت بها خلال هذه الحلقة الطيبة المباركة، وإحنا كده برضه بنحكي المختصر المقتزل، وصراحة ملف فلسطين مليء؛ لا يمكن، لكن هي أعتقد أنها أطول حلقة في السلسلة، ترى أطول من الحروب الصليبية، أعتقد أننا تجاوزنا ثلاث ساعات، ربنا يستر.
طيب أنا بس عشان أسكر الحلقة، عندي ثلاثة أسئلة. السؤال الأول: هل ستتحرر فلسطين؟ تحرر فلسطين وعد من الله تبارك وتعالى، ولذلك لا بد أنها ستتحرر. هل سنشهد ذلك؟ الغالب عندي أننا سنشهده. نعم، وأنا أظن أنه قريب جداً، أسأل الله تعالى، يعني أنا أظن أنه في خلال السنوات السنتين أو الثلاث أو الأربع القادمات على أقصى تقدير. اللهم أطل في أعمارنا حتى نصلي في الأقصى. لأنه النهارده اللي حصل من إعلان وقف إطلاق النار بين ترامب وبين إيران، هذا حقيقة إذا انتهت الحرب على هذا المشهد أو حتى إذا تجددت الحرب مرة أخرى، الذي حصل اليوم هو انكسار في الحبل الأمريكي المحيط والذي يمد إسرائيل. ممكن نفصلها بقى في موقف آخر وفي مكان آخر، لكن اليوم تستطيع أن تقول إن إسرائيل شوية صارت في العراء.
سؤال يا أستاذ محمد، نحن الفلسطينيون هو شو كان اسم سؤال الحلقة عفواً أنه هل العالم العربي تحرر كلياته إلا فلسطين؟ نحن بدنا نحرر أرضنا لأننا نريد أن نقيم دولة فلسطينية كقطر جديد نضيفه على الأقطار الموجودة، ولا نحن نريد أن نحرر هذه الأرض من هذا الجسم ليتحرر العالم الإسلامي مش بس العالم العربي؟ نحن المسلمين مش الفلسطينيين بس، نحن المسلمين علينا واجبات متراكبة في تحرير فلسطين: أولاً لأنها جزء من أرض الإسلام، ثانياً لأنها مقدس من مقدسات الإسلام، ليست فقط مجرد جزء كغيره، يعني المسلمين واجب عليهم أن يحرروا مدغشقر إذا كانت إسلامية، فالواجب يتضاعف إذا كان هذا المحتل هو المقدّس الإسلامي، أولى القبلتين وثالث الحرمين، ثم المسلمين عليهم واجب أن يتحدوا وألا يتفرقوا. مسألة أن في ناس عايزة تحرر فلسطين عشان تبقى بقى دولة جديدة مستقلة قطرية، هذا ممكن يقبل من واحد وطني فلسطيني لا يستشعر ولا يستصحب معه قيم الإسلام وواجباته، لكن المسلم هو الذي يريد أن يحرر فلسطين لتكون جزءاً من الأمة الإسلامية.
السؤال الأخير فعلياً يا أستاذ محمد الآن بعد كل هذا التاريخ الضخم، كل هذه الأحداث الجسام التي صارت، ما الذي يجب أن تعنيه فلسطين لكل إنسان عربي، لكل إنسان مسلم، لكل إنسان في العالم؟ ما الذي يجب أن تعنيه فلسطين؟ بالنسبة لكل إنسان في العالم يتابع الصراع ويفهمه، فحتى غير الإسلامي يعرف أن فلسطين هي مركز الصراع الحضاري في العالم. وهنا أستصحب قوله الدكتور جمال حمدان وهو جغرافي ومفكر مصري وليس إسلامياً، وهو يقول: مصير العالم متوقف على الصراع بين العالم الأول والعالم الثالث، وهذا الصراع متوقف على الصراع بين الأمة العربية والاستعمار الغربي، وهذا الصراع متوقف على الصراع حول فلسطين. فلسطين هي مفتاح الصراع العالمي، هذا ما ينبغي أن يفكر فيه أي إنسان في العالم مهتم بفكرة الصراع العالمي. أما المسلم وأما العربي فهو يعرف أن هذا الصراع بين الإسلام وبين الحضارة الغربية مركزه هاهنا، يعني لو أن إسرائيل لوحدها لربما استطاع الفلسطينيون أن يخوضوه منفردين، لكن إسرائيل ممدودة بحبل الغرب كله، فبالتالي المسألة أكبر بكثير. ولنا في الحروب الصليبية عبرة سابقة، ما استطاع أهل فلسطين أن يحرروها إلا لما اجتمعت إليهم الشام ومصر على يد صلاح الدين الأيوبي، وقبله نور الدين.
نعم، هو بالضبط، ولذلك أنا أنادي في الفلسطينيين كما أنادي في المصريين كما أنادي في أهل الشام: هذه معركة هي معركة الجميع. جزاك الله خيراً يا أستاذ محمد. حياكم الله يا سيدي. حلقة طويلة جداً نعتذر، لكن مليئة، والله بالعكس نحن بنعتذر على أننا طولنا عليك. أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الحلقة وأن ينفع بكم إخواني أينما كنتم، كما تعودنا انشروا هذه الحلقة وحلقات هذه السلسلة لكل أصحابكم وأحبابكم حتى يعم الخير على الجميع، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة من هذه السلسلة الطيبة المباركة، دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.
محمد إلهامي