الخلافة نفسها تحولت إلى نسخة عنيفة من العلمانية. الأمة لم تختر العلمانية، الأمة قهرت على العلمانية من خلال أنظمة الحكم التي حكمتها. العلمانية هيمنت تقريباً على العالم الإسلامي كله، استطاعوا أن يقهروا أمة ممتدة وشعوباً كثيرة على هذا الأمر.
ما المقصود بالعلمانية؟ بلكي العلمانية شيء كويس؟ العلمانية هي الطريقة الصحيحة الوحيدة للحياة، والدين مجموعة من الخرافات. العلمانية يا أستاذ محمد لم تدعُ إلى الإلحاد، لم تدعُ إلى ترك الدين، ولم تدفع إلى منع التدين الفردي، هو في حقيقته أن أنت جعلت الإنسان هو الذي يحدد أين المصلحة وأين المفسدة.
تخيل أنت مركز الخلافة صار هو مركز يصدر حتى العلمانيين. زي كذا ما الفرنسيين عندهم دولة، زي ما الإنجليز عندهم دولة، زي ما الألمان عندهم دولة، فإحنا عندنا دولة تركية. طب ما هو هيخلي لك إياها مسلم سني حنفي، طب علماني عشان الدولة تضلها مسلمة وسنية وحنفية باعتبار الجذور والأصول، وباعتبار إذا هتصلي يعني هتصلي تعمل إيه، وإذا هتُدفن تُدفن إزاي، لكن أنت علماني. طب ما هي مش حرية وحلاوة، وأي حد مش موافق على العلمانية يبقى برضه عدو أو عدو محتمل، يعني التخوف من عودة روح الإسلام ظلت موجودة في الدولة العميقة، هي حقيقة يعترف بها الأتاتوركيون أنفسهم. مصطفى كمال أتاتورك لماذا؟ هذا نطالبه بالاستمرار بخلق نموذج إسلامي وهو شاف النموذج الإسلامي ينهار.
من سنة 1950 هناك بدأ يحصل بقى أول تشقق في هذه الجمهورية التي بناها مصطفى كمال. وبعد ما ندرس تفاجأ الجميع بأن ترك أوزال هو الذي فاز، لا بس هو أربكان لساته عايش. أربكان سيحكم سنة واحدة، ثم سيتدخل الجيش بانقلاب عسكري ناعم ويطيح بحكومة أربكان بعد سنة واحدة. هذا النموذج العلماني سواء في تركيا أو في العالم العربي والإسلامي نجح أم فشل؟ القانون الإسلامي شلناه وجبنا القانون الإيطالي، ما فيش طلاق، ما فيش تعدد زوجات، ممكن نقبل كل شيء إلا هي يعني بصراحة هي صعبة.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. لمن ينضم إلينا حديثاً، أين وصلنا؟ نحن لا نزال في المحور العاشر التاريخ المعاصر، وصلنا تحديداً إلى الحلقة الثالثة. لا يستقيم لا من قريب ولا من بعيد أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفي الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذ محمد.
يا مرحبا يا أبا الحارث، حياك الله. كيف حالكم اليوم؟ الله يبارك فيك. وصلنا إلى السؤال 94 أستاذ محمد، جاهز للسؤال 94؟ توكلنا على الله.
هذا القرن، القرن العشرين أستاذ محمد، وأنت تدرسه ستلاحظ أن العلمانية هيمنت تقريباً على العالم الإسلامي كله. وبطبيعة الحال نحن لن نتمكن في هذه السلسلة أن نأتي على كل منطقة وكل دولة، أيش اللي صار فيها وما هي أشكال ومظاهر العلمانية، كيف تسللت إليها، إيش اللي صار، هذا يحتاج إلى حلقات كثيرة جداً. لكن سيكون من العجيب والغريب لقارئ التاريخ أولاً طبعاً أن نتجاوز النموذج التركي، نحن سنتوقف عند النموذج التركي لأنه هو كان أبرز نموذج علماني تقريباً.
النموذج التركي، الخلافة نفسها في تركيا تحولت إلى نسخة مش علمانية إلى نسخة عنيفة من العلمانية. هي المشكلة وتحولت من عاصمة الخلافة الإسلامية إلى مركز من أقوى مراكز العلمانية في كل العالم الإسلامي، تخيل أنت مركز الخلافة صار هو مركز يصدر حتى العلمانية. وعليه السؤال أستاذ محمد، ما هي قصة تركيا بعد أن صارت جمهورية؟ وكيف تقبل المسلمون فيها هذا الوضع؟ تخيل أنا مسلم عايش في ظل خلافة، لباس مثلاً محتشم، الدنيا، المساجد مفتوحة، العالم كيف نحن كمسلمين أتراك أو عثمانيين دعنا نقول تقبلنا هذا الوضع؟ والسؤال أيضاً له فرع أخير، هل ستعود تركيا الآن تحديداً إلى سابق عهدها في زمن أردوغان ولا لا؟ وهل ممكن أن نتوقع تحولاً جديداً؟ ممكن أن نتحول إلى قوة إسلامية؟ هل هناك بصيص أمل؟ هل كما يقال تركيا اليوم هي القلعة الأخيرة؟ أم النموذج الحالي التركي سيكون مجرد شذوذ عن القاعدة ومحاولة مجهضة كالتي حاولها آخرون من قبله مندريس وأربكان؟ السؤال 94 أستاذ محمد، الميكروفون معك.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. حقيقة هذا المحور الأخير ومحور التاريخ المعاصر مليء بالإشكاليات، إشكالياته أنه تفاصيله كثيرة جداً، وأنه كثير من الأحياء هم أيضاً شهود عيان، فهناك كثير من الآراء المخالفة. وكذلك أنت بتتكلم عن أحداث وأنظمة وأوضاع موجودة حالياً، فلها تأثيرها وكذلك لها تكاليفها، هناك ما ترضاه وهناك ما لا ترضاه. وهذا في كل الملفات لأن أنت بتتكلم عن تاريخ حي يصيب الناس في واقعهم المعاصر.
محاولة أن أنت تلم برضه قصة تركيا التي هي الآن جاوزت المئة سنة، قصة الجمهورية التركية التي جاوزت المئة سنة في تجربة تعتبر تجربة لها خصوصياتها، وكذلك أقدر أقول تتكلم لغة مختلفة. أغلب الذي نعرفه عن تركيا حقيقة مصادره مترجمة، لأنه مع الانقطاع اللغوي الذي قبل ذلك في زمن الدولة العثمانية كانت الحروف العثمانية تكتب بالعربية، وكان عموم النخبة سواء الإدارية أو العلمية إما عربية تجيد التركية وإما تركية تجيد العربية.
أما الآن فصارت اللغة التركية مكتوبة بلغة لاتينية، وبعدين اعتمدت الجمهورية التركية سياسة الانعزال، وأن تنأى بنفسها عن كل القضايا العربية. فأنت عندك لغة تركية مكتوبة بحروف لاتينية، بينما العالم العربي صار محتلاً من قبل الإنجليز والفرنسيين، فكثير من أشكال التطور والتاريخ كُتب حتى بالنسبة للأتراك، يعني الأتراك أنفسهم أخذوا كثيراً من تاريخهم من يد المؤرخين الإنجليز والفرنسيين والألمان، لأن هم أنفسهم انقطعت صلاتهم بلغتهم السابقة، وهم أنفسهم صار صعباً عليهم أن يطالعوا أرشيفهم، وأن يقرؤوا لغة أجدادهم.
فالآن أنت بتتكلم في موضوع عندك إشكالية في المصادر، وبتتكلم في موضوع له أيضاً حساسيات سياسية، يعني باعتبار أن أنت بتتكلم من تركيا، فأي حد بيقول لك ورينا بقى هتعرف تتكلم عن تركيا ولا متشطر بس، أو واحد بيقول لك أنت بيمولوك الأتراك مثلاً، فالمسألة تناوشها كثير من الأمور. طيب، أنا أريد أن أثبت بعض قواعد للكلام في هذه الملفات. أولاً طبقا لسؤالك، الأمة لم تختر العلمانية، الأمة لم تختر العلمانية لا في العالم العربي ولا في العالم الإسلامي، وإنما الذي حصل هو أن الأمة قهرت على العلمانية من خلال أنظمة الحكم التي حكمتها.
أنظمة الحكم هذه متى بدأت؟ بدأت مع الاحتلال الأجنبي، الاحتلال الأجنبي ده كان كثيراً ما كان مباشراً، يعني له وجود عسكري واقع على الأرض، وأحياناً قليلة كان غير مباشر. بمعنى أن النخبة المتغربة التي امتلكت زمام القوة، بالذات العائلات الملكية في الدول الملكية والطبقة العسكرية في الجمهوريات، هذه النخب تشربت ثقافة الاحتلال الغربي والأجنبي حتى صارت بنفسها كالأجنبي إذا احتلت، بل كان لها مزية كبيرة حيث لم تُحتل، وجود الاحتلال أحياناً كان نافعاً في دفع الاحتلال وأفكاره، لكن حين جاءت هذه الأفكار وجاءت هذه الثقافة عبر نخب وطنية ملكية أحياناً وعسكرية أحياناً كان هذا أصعب، لأنه بدا وكأن هذه الثقافة هي اختيارات وطنية، وليست فرضاً من الاحتلال.
فأنت بتلاقي أبناء الملوك في العائلات الملكية غالباً ما درسوا وتعلموا وأخذوا الدورات العسكرية والنياشين، وربما رُبوا في قصور غربية إنجليزية وفرنسية وغيرها، أو القيادات والنخب العسكرية درست أو تلقت أو أخذت دورات في الكليات أيضاً العسكرية. فالخلاصة التي أريد أن أركز عليها أن الأمة لم تختر العلمانية، وأنه كل التاريخ، وأن العلمانية فُرضت قصراً وقهراً على هذه الأمة.
نعم، طيب أستاذ محمد، براحتك بس هكذا عشان نكون فاهمين، هو شو المقصود بالعلمانية؟ عشان لأنه ممكن كل واحد منا فاهم العلمانية شيء. برضه كلام ممتاز، العلمانية ده طبعاً موضوع فلسفي، موضوع اللغة وتداولها ومدلولاتها، وبالذات اللفظ لما يكون سياسي، الناس تتنازع حول معناه. ما هو قصدي بلكي العلمانية شيء كويس يعني، ممكن شو بيعرفك؟ عرف لنا إياها عشان نفهم يعني شو.
العلمانية دي نفسها لها تعريفات متعددة، لأنه ما عندناش نبي نزل من السماء وقال لك هذا هو دين العلمانية، ما عندناش مثلاً كتاب مقدس مكتوب عليه هذا هو دستور العلمانية. فالعلمانية هي أفكار بشرية، حدها الأدنى عند الذين يتكلمون، لو نحن قلنا دلوقتي أن في شوية تعريفات كثيرة كده للعلمانية، نقول أدناها وأقصاها. أدناها أن الدولة يا جماعة مالهاش علاقة بالدين، الدولة ليس لها علاقة بالدين، الدولة دي كيان موجود في هذه الأرض لتحقيق مصالح الشعب اللي موجود داخل الحتة دي. الشعب اللي موجود داخل الحتة دي فيه مسلم، فيه يهودي، فيه مسيحي، كل واحد يروح يعبد ربه داخل بيته، داخل الكنيسة، داخل المسجد، داخل المعبد، إنما وقت ما يطلع للشارع العام وقت ما يتعامل مع الناس وقت ما يتكلم مع غيره، يخضع لقانون الدولة وليس للدين.
الدين ده حاجة مالهاش أي علاقة بيه، الدولة مالهاش أي علاقة بيه خالص، ووجود الدولة حافظ وحامٍ وحارس أن ما فيش حد من الأديان يطغى على الآخر، وما فيش حد من الأديان يفكر يهيمن على الدولة. فالعلمانية ده كده حدها الأدنى، أن الدولة كسلطة تقف على مسافة واحدة من كل الأديان.
حدها الأقصى أن العلمانية دي هي الطريقة الصحيحة للحياة، بمعنى أن الدولة عندها واجب في علمنة الناس. طيب الناس اللي مش راضين يتعلمنوا دول؟ هنحاول نعلمهم في المدارس يعني إيه علمانية، نحاول نفهمهم من خلال وسائل الإعلام يعني إيه علمانية، نحاول نربيهم بالتلفزيون بالمسلسلات، طيب فضلت ناس مش عايزة تتعلمن؟ نقتلهم عشان نخلص من هذا المرض.
العلمانية دي هي الطريقة الصحيحة الوحيدة للحياة، الدين ده مجموعة من الخرافات التي أدت إلى تعصبات وأدت إلى مذابح وأدت إلى حروب، وكل واحد شايف إله، ونحن مش عارفين مين الإله الصحيح اللي فيهم. نحن رمينا الآلهة دي كلها في الزبالة ورمينا الكتب المقدسة دي كلها في الزبالة، وإحنا هنحكم بأفكارنا إحنا التي مالهاش علاقة بالدين. طيب المجتمع بتاعنا ده ما زال عنده مواريث، ناس لسه متمسكة بالخرافات، ناس لسه متمسكة بالأمور القديمة بالتقاليد البالية، هنقعد نعلمهم نقول لهم إزاي أن دي حاجة خرافات، ما فيش حاجة اسمها إله، ما فيش حاجة اسمها نبي، خليكم حلوين وبتوع علمانية ودولة معاصرة ودولة حديثة وتقدم ورقي ونهضة وحضارة، والحاجات دي بتأخرنا عن التقدم والرقي والنهضة والحضارة. اقتنعوا خير وبركة، اللي ما اقتنعش فيهم نشوف إزاي نتخلص منه، نسجنه ونقتله ونعذبه لغاية لما يهدى كده يعني، لما يتربى ويتعلم. إذا مش عارف مصلحته بنفسه، نعرفها له، نعرف له مصلحته.
فدول حدين، في حد أدنى كده اللي هو يا جماعة اللي عايز يعبد يعبد، تمسك بالخرافة بتاعتك زي ما أنت متمسك، أهم حاجة تمسك بيها جوه بيتك وجوه المعبد بتاعك، وعايز تبني معبد أنا ما عنديش مانع كدولة، ابنِ بفلوسك في مكان فيه مسلمين زيك ولا فيه مسيحيين زيك ولا فيه يهود زيك، وأنا أكفل لك حرية العبادة، إنما.
تطلع للشارع تتعامل بالقوانين، هو ده الممنوع الذي ستكافحه الدولة؛ ده النسخة المتسامحة من العلمانية. النسخة المتشددة هو كما قلت لك: ما فيش حاجة اسمها دين يا جماعة، هذه خرافات يجب أن نحاربها.
مشكلة العلمانية مع الإسلام هي أن الإسلام دين لا يستطيع أن يحيا بدون حكم. الإسلام في نفس الصفحتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، وهو هو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178]. الإسلام لا يستطيع أن يحيا بدون أن يكون حاكمًا؛ الدين الذي أنزله الله -اللي هو الإسلام- زي ما فيه عبادات شخصية بتصلي وبتصوم، زي ما فيه علاقات دولية، وفيه أحكام في البيوع والمعاملات، وفيه أحكام في الزواج والطلاق والنفقة والإرضاع، وزي ما فيه أحكام في السلم والحرب والعلاقات الدولية.
لذلك، المسيحية إذا كان عندها فصل قديم: «دع لقيصر لقيصر وما لله لله»، والمسيحية كعهد قديم ما عندهاش شرائع؛ يعني مش هتفتح الكتاب المقدس تلاقي فيه شريعة بتعمل إيه في كذا، فبالتالي العلمانية دين يمكن أن يتألف مع المسيحية. العلمانية ممكن أن تتألف مع البوذية؛ يعني الأديان الروحية اللي هي بتقول تأمل، بلاش تاكل كتير، عيش حياتك كده متخفف؛ العلمانية اللي هي بتحكم الحياة وبتعمل قوانين اقتصاد واجتماع ينفع تمشي ويتألف معها الأديان الروحية، الأديان الوضعية الروحية، لكن ما ينفعش مع الحالة الإسلامية، لأن الإسلام القرآن داخل فيه مع بعض والسنة داخلة فيها مع بعض، إنه فيه أحكام للحياة الدنيا.
النبي صلى الله عليه وسلم أقام دولة، وساس الجيوش، وأدار دولة، وأخذ الأموال، وأخذ الزكوات، وأقام العقوبات؛ عندك حدود في القصاص، عندك حدود في السرقة، عندك حدود في الزنا، في القتل، في شرب الخمر. فالإسلام ما فيهوش الفصل بين الدين والدنيا؛ فلذلك أعقد العقد بالنسبة للإسلام العلمانية، وكذلك بالنسبة للعلمانية الإسلام. فمن هنا أعظم اشتعال في كل العالم بين العلمانية وبين دين من الأديان كان في المنطقتين الإسلامية، لأنه لا يستطيع المسلم أن يترك شيئًا من دينه، هتعملها إزاي؟ المسلم يقرأ في القرآن، يقرأ في الأحاديث، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة خلفائه الراشدين، سيرة ناس عملت الدولة وأدارت الدولة، وفيه أحكام أنت ماشي طول 1400 سنة وفي أحكام. فبالتالي ها هنا في بلادنا كانت المعضلة العلمانية الإسلامية بأشد وأقسى مما جرت في غيرها من البلاد.
لكن في شخص بيحكي لنا إن العلمانية لم تدعُ إلى الإلحاد، العلمانية لم تدعُ إلى ترك الدين، دعنا نقول العلمانية ما حاربت الدين، ولم تدفع إلى منع التدين الفردي. مش هي حرية وحلاوة؟ يعني إذا مشكلة الدين مع العلمانية هي المنع؟ شوف، دي العلمانية المتسامحة اللي أنت بتقول عليها، العلمانية اللي ما دعتش للإلحاد، ما دعتش لمنع التدين الفردي، دي العلمانية المتسامحة، في علمانيات منعت كل هذا. وطبعًا نموذجها الأشد والأبرز ما كان في الاتحاد السوفيتي مثلاً، نموذج شيوعي إلحادي بيفرض الإلحاد، وده على فكرة ما زال له حتى الآن وجود؛ حتى في جمهوريات آسيا الوسطى الآن لا يزال هناك أنظمة تمنع القرآن وتمنع الحديث وتمنع التدريس الديني، وترى أن كل واحد راح درس في الأزهر أو تركستان مثلاً بالنسبة للصين، كل ده موجود.
بس عايز أقول لك العلمانية التي تطور إليها الغرب أو في نسختها الأوروبية والأمريكية هي العلمانية اللي شكلها متسامح مع الأديان. لكن أصل العلمانية إلحادي؛ العلمانية دي أصلها استبعاد الإله، إحنا يا جماعة كبشر ما فيش إله بيقول لنا تعملوا إيه وما تعملوش إيه، أنا الإنسان أو أنا العقل البشري أشوف فين المصلحة وأعملها، أو أشوف فين المفسدة وأتجنبها. طيب افرض جيت بعد يومين ثلاثة لقيت المصلحة والمفسدة اختلف رأيي فيهم، أنا برضه اللي أحدد المصلحة والمفسدة؟ يعني شعار العلماني بتاع حكم الشعب للشعب هو في حقيقته إن أنت خليت الإنسان إله، هو الذي يحدد أين المصلحة وأين المفسدة، إيه اللي أروح أعمله، وإيه اللي ما أروحش، وإيه اللي أتجنبه. فأصل العلمانية هو استبعاد الإله، واستبعاد الأديان، واستبعاد الشرائع، فده أصلها إلحادي.
الأصل الإلحادي ده بقى لما ينزل على الأرض يتعامل مع المتدينين اللي مش عايزين يلحدوا بيظهر النوعين اللي بقول لك عليهم وبينهما أطياف؛ يعني نموذج فرنسي مثلاً بيبقى شايف إن ارتداء الحجاب في المدرسة ده مظهر ديني مرفوض يجب أن تحاربه الدولة، ما ينفعش تعمل كده لأنه الحجاب ده رمز ديني، فيروح يتدخل ليمنع المسلمة من أنها ترتدي الحجاب. شايف إن دي رسالة العلمانية، دولة ثانية تقول: لا والله اللي عايز يلبس حجاب يلبس، اللي مش عايزها تلبس خالص ما تلبسش خالص، ده نموذج ثاني من العلمانية بيسموا دي العلمانية اللائكية، ودي علمانية متسامحة تماماً؛ فالنماذج دي كلها موجودة على تفاوت واختلاف بينها.
بخصوص العلمانية التي منذ قليل تحدثتم أنها جاءت إلى بلادنا وفي بعض الأحيان فرضت علينا قسرًا؛ لا أنا بقول في كل الأحيان، مش في بعض الأحيان. في كل الأحيان فرضت علينا قسرًا، هي العلمانية جاءتنا من أوروبا صح؟ نعم. طب هي أصلاً كانت موجودة يعني متى ظهرت في أوروبا هذا السؤال التأسيسي الأول؟ ومتى ظهرت عندنا بشكل كظاهرة؟ طبعًا بداية ظهورها في أوروبا ده لم يكن دفعة واحدة، ما كانش كده مرة واحدة، وإنما كان مسيرة من التدرج. الجماعة اللي بيحبوا يؤرخون للعلمانية بيحبوا يبدأوها من بداية عصر النهضة في إيطاليا في القرن الخامس عشر والسادس عشر؛ هنا بدأ يظهر إن المدن التجارية بقت محتاجة إلى قوانين وإلى سيادة دولة بغض النظر التاجر ده مسلم ولا مسيحي ولا يهودي ولا إيه ظروفه، فلذلك تاريخ القانون ونشأة القانون يبدأ من عند المدن الإيطالية والكلام ده. دي بدايات استبعاد الكنيسة من الحكم وبدايات أن يبقى فيه قانون عام يطبق على الجميع بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم.
هذه الحالة تطورت شوية مع الاكتشافات العلمية، والكنيسة راحت داخلة على خط الاكتشافات العلمية التي ترى إن اكتشافها مضاد للنظريات الكنسية؛ يعني حد يكتشف مثلاً إن الأرض مش مركز الكون، دي مشكلة ضخمة عند المسيحية؛ ليه؟ الأرض مش مركز الكون، الكون لازم في المسيحية الأرض تبقى مركز الكون، لأن الإله نزل وتعذب وتحمل الآلام علشان يفدي البشرية، فلما الإله ده يبقى نازل عند كوكب فرعي، منظومة الكون في الدماغ المسيحية انهارت بهذا الشكل؛ فساعتها بدأ الاصطدام بين الجماعة العلمية -شغل جاليليو وكوبرنيكس- وبين الكنيسة، ما ينفعش تكتشف حاجة تمثل المعتقد المسيحي.
ثم بلغ ذلك ذروته، وطبعًا له شواهد أخرى أيام الصراعات الكاثوليكية البروتستانتية؛ كنت ممكن تلاقي قس كاثوليكي واحد زي ريشيليو مثلاً موجود في البلاط الفرنسي رئيس وزراء، الراجل ده في الصراع السياسي يقبل أن يتحالف مع بروتستانت ضد الكاثوليك، علشان بدأ يتكون معنى اسمه معنى سيادة الدولة، وسيادة فرنسا، ومصلحة فرنسا مقدمة على مصلحة المسيحية، والراجل ده له نظائر برضه في بريطانيا وله نظائر في إسبانيا.
لكن بنوصل للحظة الجوهرية، وهي لحظة الثورة الفرنسية، لحظة الجمهورية العلمانية التي شعارها: "أشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، دي لحظة متفرّدة في التاريخ الأوروبي، ولذلك يسمون ما قبلها عصر التنوير أو عصر الأنوار. لحظة الجمهورية الفرنسية هذه ألهمت كثيرًا من الملوك الأوروبيين أن يكرروها لأنها قضت على.. وخد بالك إن كل الرحلة الأوروبية دي متضافر معها التقدم الأوروبي العسكري والنفوذ العسكري، فأنت عارف الفكرة لما يبقى شايلها واحد منتصر بيحصل دائمًا دمج في عموم الناس بين سر الانتصار وبين سر هذه الفكرة، بيشعر إن هذه الفكرة هي سر هذا الانتصار. فبالتالي معدل التغريب والعلمنة والحداثة كما ظهر في فرنسا وبعدين ظهر في بريطانيا -بريطانيا حصل برضه أنهم أزاحوا الملك الذي هو رأس الكنيسة، أزاحوه فبقت الحكومة صاحبة صلاحيات أوسع- كل ده بيلقي بآثاره على النموذج الألماني؛ تلاقي واحد زي بسمارك عرف يوحد الألمان على خلفية إنهم ألمان مش على خلفية إنهم مسيحيون. واحد زي بطرس الأكبر في روسيا مثلاً يبدأ يعمل نهضة جديدة في روسيا بتقليد شنيع للغرب؛ اللي هو بيمسك الناس يجبرهم على أنهم يلبسوا حاجة معينة، يجبرهم على حلق لحاهم. فقوة الدولة وسيطرة الدولة التي ركبت عليها فكرة العلمانية -أن الدولة ما فيش حد فوقيها، مش محكومة بقيم، مش محكومة بكنيسة، مش محكومة بشريعة- فكرة الدولة أنسب لها الفكرة العلمانية. فكل ده مع عصر التفوق الأوروبي صار ملهمًا للناس المستضعفين، بالذات لما أوروبا غزتهم واحتلتهم وقهرتهم، فنشأ فينا من يتطلع إلى العلمانية وإلى القومية والتقسيمة القومية باعتبارها سر النهضة والنجاح.
هذا تسلسل رائع، طيب أنت تسلسلت وصرنا شايفين إحنا إنه هذا النموذج ناجح، ليش ما نستنسخه عاد تجيبه عنا؟ هو متى دخل عندنا هذا الموضوع؟ هو متى دخل عندنا تقدر تقول إنه دخل عندنا مع دخول الاحتلال؛ يعني مع دخول كل احتلال كده بدأ الأمر رويدًا رويدًا. أولًا بتأثر غير مباشر زي حالة محمد علي، محمد علي ده كان معجب جدًا بنابليون وكان يفخر إنه ولد في نفس السنة التي ولد فيها نابليون، وكان مشبعًا به، ولما أقام دولة مركزية حديثة أقامها على النمط الذي نابليون كان نفسه يوصل له.
من هنا بدأ يتشكل الدولة الحديثة اللي دماغها علمانية، أيوه صحيح النموذج الإسلامي ما كانش مهيئ الفرصة لشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس، لكن كان يهيئ الفرصة لقهر العلماء، إزاحتهم، التقليص من صلاحياتهم، الاستيلاء على الأوقاف، إنشاء قضاء موازي، مدارس أهلية مدنية غير المدارس الشرعية، زي ما قلت كده قضاء مدني غير القضاء الشرعي، مؤسسات مدنية تدير الأمور غير المؤسسات التي كان يهيمن عليها العلماء. ينجح محمد علي في مصر، نموذجه ده يلهم حتى العثمانيين، وتبدأ حالة زي حالة سليم الثالث ومحمود الثاني، وكل ده تحت ضغط الهزائم من قبل الأوروبيين، وتحت ضغط القلق من النموذج الأوروبي وقلق نموذج محمد علي المنتصر، فبدأت السلسلة بتاعة تحديث الدولة العثمانية.
لذلك أحد أهم الفوارق بين التجربة التركية وبين التجربة العربية في مسألة العلمانية، إن العرب يستبطنون في داخلهم إن الدولة دي مفروضة عليهم؛ يعني في أي كتاب علوم سياسية يقول لك: يعاني العالم العربي من هشاشة الدولة، الدولة كمفهوم مش مستقر في العالم العربي كما استقر في أوروبا. هنا في الحالة التركية لا، الحالة التركية لأنه ما حصلش فيها احتلال، حتى الإسلاميين الأتراك شايفين إن الدولة دولتهم لكنها سرقت منهم في الفترة العلمانية؛ فنموذج الدولة راكب جدًا مع الإسلاميين الأتراك، بخلاف الإسلاميين العرب، مش راكب معاهم نموذج الدولة. الإسلاميين العرب تجربتهم التاريخية قالت لهم إن الدولة دي أنشأها الاستعمار وعملاء الاستعمار، وهم استفادوا منها وأقصوا الدين. الجماعة الأتراك لا، ده ما حصلش بالنسبة لهم؛ اللي حصل بالنسبة لهم إنه هم السلطنة العثمانية نفسها تطورت إلى الدولة المحدثة وإلى نظام التحديث، فده بالنسبة لهم كان تطور طبيعي، وأحيانًا بعضهم بيبقى شايف أتاتورك امتدادًا لسليم الثالث ومحمود الثاني، مش بيبقى شايف انقلاب عليهم.
محدش بيبقى شايف محمد علي في مصر امتداد للمماليك أو تطور لا، بيبقوا شايفينه انقلاب، ومحدش بيبقى شايف الاحتلال الإنجليزي امتدادًا للنظام الإسلامي. هنا الأتراك مش بهذا المعنى؛ بل كثير من المحللين العرب وهو ينظر إلى التجربة التركية يرى إن أتاتورك امتداد للدولة العثمانية، عمل اللي ما قدرش يعمله سليم الثالث ومحمود الثاني، وإنه عبد الحميد لو طال به زمن كان ممكن يعمل كده. فلذلك الوضع التركي هنا وضع راسخ فيهم، معنى الدولة راسخ في أذهانهم. طيب إيه مشكلتكم يا جماعة يا أتراك، أنتم يا إسلاميين، مع الدولة؟ يقول لك الدولة دي بس بتاعتنا لكن سرقت منا؛ جم جماعة علمانيين كده خطفوها 100 سنة أو 90 سنة قبل ما نقدر نستردها دلوقتي أو بنحاول نستردها مع أردوغان. فقصدي دي لحظات البداية، طبعا دي مقدمة طويلة جداً ما كانتش مقصودة.
حيث إننا أدركنا الاختلاف الجذري في التصورات بين الإسلام والعلمانية، وكذلك بين الأمة الإسلامية والنظام الإسلامي وبين منطق ومعنى الدولة القطرية القومية الحديثة، فهنا ستظهر معنا أول الإشكالات التي تتعلق بتجربة أتاتورك.
أتاتورك ولد في زمن السلطان عبد الحميد، فبعض الناس المحبون أو الكارهون لعبد الحميد أو لأتاتورك يبقون شايفين أن أتاتورك هذا ثمرة من ثمرات عبد الحميد، واحد يقولها على سبيل المدح وواحد يقولها على سبيل الذم. هو ولد عام 1881، أي في زمن السلطان عبد الحميد، والمدرسة التي تعلم فيها كانت في زمن السلطان عبد الحميد، والمناهج التي درسها كانت في زمن السلطان عبد الحميد.
نشأ مصطفى كمال في قرية سالونيك، أبوه كان متديناً وأمه كانت محجبة وتحفظه القرآن، وصورها موجودة إلى الآن، لكنه لم يسلك في موضوع الكتاب، بل انتمى للمدرسة العسكرية. المدرسة العسكرية هذه كما قلنا كان في ذلك الوقت تشيع فيها الأفكار القومية وأفكار الدستور والمشروطية وأفكار ضد الاستبداد الحميدي، فكان جزءاً من التمرد على السلطان عبد الحميد.
برز أتاتورك في معركة جاليبولي أو تشناق قلعة. وبسرعة وباختصار، البحر الأسود الكبير هذا الذي يعتبر الرئة الروسية له مريق واحد، أي مضيق البوسفور، يعدي على بحر مرمرة ويعدي على مضيق اسمه جاليبولي. فالسيطرة على هذين المضيقين تعني شل القوة الروسية من أن تستخدم بحريتها. فبالتالي أحد فصول الحرب العالمية الأولى المهمة أن البريطانيين والفرنسيين أرادوا فتح المضيق بالعافية أي بالحرب، لكي يستفيدوا من الإمكانيات الروسية، فحصلت مقاومة عثمانية باسلة عند تشناق قلعة وجاليبولي. تشناق قلعة في الطرف الآسيوي، وجاليبولي في الطرف الأوروبي، ونقدر نقول إن هذا أحد الانتصارات العثمانية المهمة في الحرب العالمية الأولى، ولا يزال الأتراك يحتفلون بها إلى الآن.
هذه المعركة هي التي برز فيها اسم مصطفى كمال. فيما بعد ذلك لا توجد انتصارات لمصطفى كمال، لكن التاريخ الذي تقرؤه هنا في تركيا يضفي عليه في كل معركة بطولة، أو يخلي كل هزيمة مسؤوليتها رايحة لغيره. بما أن تركيا المعاصرة تأسست على مجهود أتاتورك، فقد صنعوا له تاريخاً يخلي كل معركة خاضها فيها مشاهد بطولة، وكل هزيمة هزمها لم يكن ذنبه.
ستجده ذهب إلى ليبيا ولم ينجح، ذهب إلى الشام ولم ينجح وانسحب، وكان على الجبهة الشرقية مع الروس، لكن ساعتها الروس انهاروا لوحدهم لما حصلت الثورة البلشفية عام 1917.
لما هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ووقعوا الاتفاقية المهينة التي هي اتفاقية مودرس، كان أحد شروط هذه الاتفاقية هو تسريح الجيش العثماني، أو بمصطلحنا المعاصر نزع سلاح المقاومة. فلما الدولة العثمانية سرحت جيشها، راحت بريطانيا وفرنسا واليونان وإيطاليا، كل واحد له حاجة راح داخل وأخذ له حتة من البلد التي لم يعد عندها جيش ولا صاحب. فانحصر الوجود التركي في منطقة في الأناضول، واعتبر مركزه أنقرة، حتى إسطنبول نفسها جرى احتلالها وفيها الخليفة.
نحن نتكلم الآن في عام 1919 وما تلاه، أي من 1919 إلى 1923. هنا الرواية التركية الرسمية تقول إن مصطفى كمال رأى أن الخلافة تعبانة، وأن الصدر الأعظم خائن، وأخذ على عاتقه أن يحرر تركيا من هذا الاحتلال الممتد المستمر. الرواية الأخرى تقول إنه بالأساس مصطفى كمال تلقى أمراً من الخليفة بقيادة المقاومة في الأناضول. يبقى أتاتورك حين كان مصطفى كمال، حين كان يجمع إليه القوى وبقية الجيش ومجهود العائلات ويجمع الأموال، الشرعية التي كان يستند إليها هي شرعية أن عنده تفويضاً من الخليفة.
هذه هي الرواية الأرجح، لأنه ليس طبيعياً أن ضابطاً عثمانياً ليس بالمشهور ولا بالكبير ولا المنحدر من عائلة عريقة يروح يجمع إليه أهل الأناضول بدون وجود شرعية من الخليفة. الناس في ذلك الوقت ما كانت ممكن تجتمع تحت راية واحد لا يملك تفويض شرعية من الخليفة. نظم حركة المقاومة وبدأ ينظم الكيان الإداري، ثم بدأ يدفع الاحتلال اليوناني ويخوض معارك مثل سقاريا وإزمير وغيرها، إلى أن حرر المستطيل المعاصر الذي اسمه تركيا الآن.
بذلك قال: هذه هي تركيا، هذا هو وطننا، الحمد لله أخذنا حرب الاستقلال، ونحن لا نريد خليفة؛ الخلافة موضوع كبير وعبؤه ثقيل وفساده كثير، وأصلاً الإسلام ما فيه خلافة، ومن يريد من المسلمين عمل خلافة فليتفضل يعمل، نحن أخذنا وطننا الذي هو المستطيل المعاصر هذا.
عملياً هذا يشبه أن تقوم جماعة في غزة وتتحرر وتعلن جمهورية غزة العظمى، وتقول إن القدس للأمة كلها ونحن لا علاقة لنا بباقي فلسطين؛ من يريد تحرير باقي فلسطين فليتفضل. هذا بالنسبة للمستطيل الذي استلمه مصطفى كمال إنجاز طبعاً، لأنهم أصلاً استلموا دولة راح منها إسطنبول وإزمير وأنطاليا ومناطق الشرق. فلو جلبت خريطة معاهدة سيفر وخريطة لوزان، الفرق بين الاثنتين هو إنجاز مصطفى كمال.
هنا يقع الخلاف؛ الخلاف ليس علمياً أو أكاديمياً، بل هو خلاف سياسي مشحون. حدود لوزان هذه هل هي حدود نصر أم حدود هزيمة؟ أردوغان نفسه قال عام 2016 أو 2017 إن هذه حدود هزيمة، وهذا كان من أهم التصريحات التي تقول إن أردوغان دماغه أو روحه أو أفكاره عثمانية وليست جمهورية أتاتوركية، لأنه يرى أن هذه الحدود حدود هزيمة، بينما تأسست الجمهورية على أن هذه الحدود هي حدود نصر.
هناك مشكلة ثانية: هل الرجل استطاع فعلاً أن يخوض حرب الاستقلال وينتصر بمواهبه العسكرية والإدارية، أم حصل نوع من التفاهمات مع القوى الكبرى قالت له ستأخذ هذه المساحة مقابل إخراج الإسلام من تركيا وفرض العلمانية؟ هذه روايتان بينهما اشتباك وصراع سياسي.
فبالتالي لما سقطت الخلافة، رحلة مصطفى كمال في تحرير هذا المستطيل المعاصر كان بالنسبة للعالم الإسلامي الناس الذين يرون ساعتها شكلاً من تجدد الدولة العثمانية وعودة شبابها إليها؛ وفيه ينشد شوقي: ﴿اللَّهُ أَكْبَرُ كَمْ فِي الفَتْحِ مِنْ عَجَبٍ ... يَا خَالِدَ التُّرْكِ جَدِّدْ خَالِدَ العَرَبِ﴾. فالدولة العثمانية التي كانت تنكمش، حتى إسطنبول جرى احتلالها، لما يطلع واحد ويوسع المساحة مرة ثانية، كان يبدو وكأن الإسلام ينبعث من جديد.
ولما جاء فيما بعد مصطفى كمال وألغى الخلافة وأزال السلطنة، ساعتها أحمد شوقي نفسه كان مصدوماً. ولذلك في قصيدته المبكية التي يقول فيها: ﴿أَمِدِحْ عَلَى الحَقِّ الرِّجَالَ وَلُمْهُمُ ... أَوْ خَلِّ عَنْكَ مَوَاقِعَ النَّصَائِحِ﴾. يقول: أنا مدحت الرجل لما كان على الحق، لكن لما أصبح على الباطل فهذه مشكلة.
لكن الذي حصل هو أن مصطفى كمال أراد إنشاء دولة قومية على النمط الغربي. طيب كيف تنشئ دولة قومية على النمط الغربي والمستطيل الذي حررته لا يشمل كل الأتراك الممتدين في وسط آسيا إلى تركستان، ولا هو خالص للأتراك؛ فالمستطيل نفسه فيه أكراد وأعراق أخرى؟ فكان الجواب العملي: كل من داخل المستطيل هؤلاء أتراك، وليحد أي شخص يعترض، نحن الآن أعلنا الجمهورية.
أعلنا الجمهورية عام 1924، أسقطنا الخلافة، والآن كل اتفاقاتنا أسفرت عن هذا الشكل الجغرافي، ونريد عمل دولة جديدة وقانون جديد ودستور جديد، دولة قومية معاصرة مثل الدول الأوروبية. فالنموذج الأوروبي قومي علماني مع بعض، فأخذ هذا النموذج ووضعه فوق المستطيل الذي حرره، فبدأت المشاكل؛ لأن الدولة بدأت في صناعة الأمة.
الأمة أخذت على عاتقها أن تصنع دولة، فقالت: كل الموجودين هنا مسلم سني حنفي علماني تركي. أنا لا أرى غير المسلمين، وهؤلاء بالنسبة لي عدو أو عدو محتمل، إذا بقي بقايا من النصارى أو من اليهود. وأي أحد غير تركي، وكل من هو موجود في هذه البلد ولا يرى نفسه تركيًا هو عدو أو عدو محتمل. وأي أحد شيعي أو علوي هو أيضًا عدو أو عدو محتمل، لأننا هنا مسلمون سنة أحناف.
أنت عندما تضع اليافطة وتضعها، كل واحد يضبط أموره على حسب اليافطة هذه؛ فالدولة ليست تعبيرًا عن الأمة، الدولة هي التي تصنع الأمة على مثالها. وبطبيعة الحال، كل الموجودين هنا علمانيون؛ فعندما أقول مسلم وسني وحنفي، فهذا باعتبار الجذور والأصول، وباعتبار إذا ستصلي كيف ستصلي، وإذا ستدفن كيف ستدفن، لكن أنت علماني، وأي أحد غير موافق على العلمانية يبقى أيضًا عدوًا أو عدوًا محتملًا.
عاشت تركيا من بداية هذا العام، أي من عام 1924 إلى 1946، وعاشوا في حالة يسميها الباحث التركي المعروف شريف ماردين: دكتاتورية في كل شيء إلا في الاسم، اسمنا فقط جمهورية، لكن لا يوجد تسامح. ولذلك هذه الفترة ستجد فيها القوانين التي أريد بها خلق أمة؛ فالتقويم التركي ألغينا فيه التقويم الهجري وجئنا بالميلادي، والقانون الإسلامي شلناه وجئنا بالقانون الإيطالي، لا يوجد طلاق، لا يوجد تعدد زوجات، والأذان سنرفعه باللغة التركية، لا يوجد مدارس أئمة وخطباء، نحن كلنا سنتعلم تعليمًا واحدًا هو التعليم العلماني المدني.
هناك حملة كاسحة على أي ميراث يخالف تكوين الدولة العلمانية القومية الوطنية المعاصرة، وأي شيء يهدد هذا فهو حرب. في ناس تريد إسلامًا وناس تريد خلافة، هؤلاء أعداء الدولة؛ في ناس شايفين أنفسهم أكراد وليسوا أتراكًا، هؤلاء أعداء الدولة. وياسلام لو في أكراد إسلاميين، فأنت عدو للدولة من جهتين، ليس من جهة واحدة، وهذه غلطة كبيرة. أنت عندك مشكلتين: شايف نفسك كردي، وشايف نفسك أيضًا تريد خلافة عثمانية، ومثل ما صار مع سعيد بيران الكردي في ثورة سنة 1925، هذه الثورة قصفت بالطائرات.
كل الفترة التي نتكلم فيها هذه فيها مذابح، فيها مذابح وعلماء شنقوا في الساحات، في مسجد الفاتح، في ساحة بيرن باشا في أنقرة، وفي الجانب الكردي. أنا أقول لك دكتاتورية في كل شيء إلا في الاسم، وعلى فكرة هذا تعبير شريف ماردين وهو علماني وليس إسلاميًا. لكن طبعًا الدكتاتورية هذه بالنسبة للغربيين سمن على العسل، لا مانع لديهم. لكن لو فعلها عبد الحميد، أوه، تصبح هيصة؛ فعبد الحميد الموصوف بالسلطان الأحمر والموصوف بأنه قاتل الأرمن، عندما تنظر في صلاحيات عبد الحميد تجدها أقل بكثير جدًا من صلاحية مصطفى كمال، فمصطفى كمال عندما كان رئيسًا، كان رئيسًا ورئيس وزراء وقائدًا عامًا للجيش ورئيس حزب الشعب الجمهوري كله مع بعض في نفس الوقت.
لا تجد أحدًا يأتي ويقول أين الدكتاتورية والاستبداد؟ لا، بل تجد السلطان الأحمر، وما فعله سوى ما يقال، لكن لا يقال إنه قاتل الأكراد مثلًا. فبالتالي، طالما في تفوق غربي، فهذه الأنظمة التي تنفذ رغبات الغرب محمية به وآخذة الشرعية.
بالنسبة لمنع تعدد الزوجات، تعرف ممكن نقبل كل شيء إلا هي، بصراحة هي صعبة.
لماذا نطالب مصطفى كمال أتاتورك بالاستمرار بخلق نموذج إسلامي وهو رأى النموذج الإسلامي ينهار؟ يا سيدي، الفضاء العام كله حوله صار كله علمانيًا، والنموذج في العالم كله صار فكرة تحرر الفرد وأن السلطة لا علاقة لها بالدين. فليش أنا كتركيا مطلوب مني أعمل شيئًا كهذا؟ وهم سيقاومونني ويزعلونني ويشيلونني عن الحكم والكرسي، ما أعمل لهم نموذجًا علمانيًا؟
المنطق يقول إن الدولة يجب أن تكون تعبيرًا عن الأمة، أليس الطبيعي أن الناس الموجودين في مكان ما، عندما تكون هناك سلطة تحكمهم، أن تكون السلطة هذه منتمية إليهم ومعبرة عنهم؟ لكن هو أدخل الدولة بعده لمدة مئة سنة في صراع مع مكوناتها، من أكراد من علويين من شراكسة، من ناس يريدون نظام حكم مختلفًا. أيام الدولة العثمانية لم يكن هناك شيء اسمه أتراك أو عثماني فقط، كان اسمه عثماني، والعثمانية هذه اسم جامع للملل؛ فالعربي يرى نفسه عثمانيًا، والكردي يرى نفسه عثمانيًا، والتركي يرى نفسه عثمانيًا، والشركسي يرى نفسه عثمانيًا، فالتركي لقب جامع متجاوز للأعراق. هو لو لم يضع كلمة تركي في الآخر، ما دخلنا في هذا الصراع، ولكن ما هو مبرر أن تعمل هذا المستطيل لوحده كدولة؟ عندما أرادت الدولة أن تنشئ أمة، كان عليها أن تسميها.
هذه الثلاثون سنة كانت عصيبة للغاية وشديدة جدًا، ولكن سننتقل إلى المرحلة التي بعده، التي بدأت سنة 1946. هنا حصل شيء متجاوز للتركيين؛ فتركيا موقعها في قلب العالم لا يسمح لها أن تكون منعزلة، فحتى لو السلطة أرادت أن تنعزل، الموقع لا يسمح لك أن تكون منعزلًا؛ فإما أن تكون قوة، وإما أن تكون مسرحًا يتلاعب عليه الأقوياء. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، برزت قوتان: الاتحاد السوفيتي والأمريكان، وصارتا تتسابقان على ضم بقية الدول إلى معسكرهم، فصار عندك معسكر شرقي ومعسكر غربي.
أمريكا وأوروبا كان من مصلحتها أن تكون تركيا دولة تابعة، بمعنى أن يشدونها إلى جوارهم بالمميزات وبالنفوذ. تركيا دخلت حلف الناتو من سنة 1952، ودخلت السوق الأوروبية المشتركة، ومشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا من سنة 1948، وحلف بغداد سنة 1956. تركيا منذ ذلك الوقت المبكر، منذ نشأة الصراع بين المعسكرين، كانت تابعة للمعسكر الغربي. تركيا لها أهمية خاصة بالنسبة للمعسكر الغربي لأنها في كبد الاتحاد السوفيتي، فعندما تنظر على الخريطة تجد تركيا قاعدة في حجر الاتحاد السوفيتي، ولذلك كان هناك صواريخ غربية موجودة في تركيا.
نحن معسكر غربي، فإذن يجب أن يكون عندنا انتخابات وتداول سلطة وشكل ليبرالي. هذا الذي خط تاريخ تركيا المعاصر، بقيت تركيا ماشية بنظام كالتالي: فيها انتخابات نزيهة، لكن قلب الدولة وهو الدولة العميقة موجود في يد الجيش، ومع الجيش الأجهزة البيروقراطية التي لا تنتخب؛ مثل الأمن والمخابرات والقضاء. الغربيون على أساس أنها فعليًا مستقلة فالأمور سلسة، لكن في بلادنا، وعندما نذهب للنموذج التركي، يحصل العكس؛ انتخابات ونزاهة وتداول سلطة، لكن في قلب الدولة أو الدولة العميقة يوجد من يرى نفسه مالك الدولة وحارس الدولة.
بدأت تركيا نموذجًا مختلفًا تمامًا عن نموذج العالم العربي؛ العالم العربي ليس فيه انتخابات نزيهة، والعلمانية في العالم العربي جاءت من المعسكر الشرقي، وهو نظام الحزب الواحد ونظام الرئيس الموجود إلى أن يتعفن. العلمانية التركية تخطت مسارًا مختلفًا، فهناك انتخابات قد تأتي بخيارات شعبية لا تعجب الغرب ولا تعجب النخب المتغربة التي ملكت الدولة، فنقوم بماذا؟ يروح الجيش ينقلب. ندي الشعب حرية، جاب اللي على مزاجنا خير وبركة، لم يأتِ، نروح ننقلب، وبعد أن ننقلب يرجع الجيش لثكناته، ويعمل دستورًا جديدًا وقانونًا جديدًا يحاول يسد به الثغرات، ثم يأتي الناس الذين لا يريدونهم، فننقلب ثانية.
تركيا أصبحت بلد انقلاب كل عشر سنين، انقلاب سنة 60، 71، 80، ثم انقلاب سنة 97، ثم انقلاب فاشل سنة 2016. أصبح هناك صراع بين إرادة الناس الذين يرون أنفسهم أصحاب الدولة، وبين الأمة التي كلما منحت فرصة للتعبير عن نفسها، راحت جابت إسلاميين أو متصالحين مع الإسلام. نحن في عالمنا العربي لا نملك هذه الإمكانية، في عالمنا العربي تروح تصلي في المسجد قيام ليل يقبض عليك على طول؛ هنا التجارب التركية، لأنها جزء من المعسكر الغربي، كانت تسمح بوصول رئيس وزراء، ثم ينقلب عليه، لكن في العالم العربي أنت غير مسموح لك حتى أن تخرج من المسجد.
طالما الدولة مش سامحة لك تصلي في المسجد، ففي معدل كبت رهيب ها هنا. أيوه، يعني التخوف من عودة روح الإسلام ظلت موجودة في الدولة العميقة، يعني قاعدين بيتحركوا وبيشتغلوا بحيث إنه ما ترجع هي الفكرة. طبعاً هي مش بس ما ترجعش، هو بقى بيشوف بنفسه، كل ما أدى انتخابات كل ما الإسلاميين جم أو اللي جم متصالحين مع الإسلاميين، إذاً العلمانية فشلت في قتل الروح الإسلامية لدى الشعب، لدى الناس.
هي حقيقة يعترف بها الأتاتوركيون أنفسهم. طب واللي بنشوفه في المسلسلات بيأذن الله أكبر وحاطين وبيشكر وكذا؟ يعني ده بقى إيه؟ تقدر تقول التشوه السلوكي، اللي هو عارف أنت لما واحدة رقاصة وتقول لك ربنا يهديني، أنا نفسي أتحجب! ولا واحد بيشرب ويقول لك ربنا يتوب عليا، في فارغ يعني. الإنسان مركب عنده نزعته الدينية لكن ممكن ينهار أمام ضغط الشهوة أو ضغط الشبهة، تمام؟ فأنت بتلاقي كتير من الناس اللي سلوكهم مش كويس لكن بيروح ينتخب حزب العدالة والتنمية مثلاً وهو نفسه سلوكه مش كويس، زي ما فيه تشابهات تانية زي ما برضه هتلاقي واحد متدين بس فاهم الدين على إنه طقوس، فتلاقيه متدين وبيصلي الصلوات الخمس وبيروح ينتخب حزب الشعب الجمهوري.
المجتمع لما تداعى عليه اتجاهان مختلفان، عايز أقول لك حصلت استجابات متشوهة كتير بين كده وبين كده، يعني بين علماني أقرب إلى العلمانية لكن سلوكه إسلامي، وبين واحد أقرب إلى الإسلام لكن سلوكه علماني، ده حاصل زي ما هو حصل في بلادنا كلها. من مظاهرها طبعاً رمضان والإفطار في رمضان، تلاقيه فاطر مثلاً بس يحرص إنه يجي عند صلاة المغرب ويفطر، وبيصلي أحياناً ومراته مش لابسة أي حاجة، وحتى المتدينين مثلاً بقى عندهم مشكلة في الولاية على المرأة، يعني هنا تلاقي بيوت متدينة والبنت مثلاً عايزة تتجوز صاحبها اللي في الجامعة بتيجي تقول لأبوها، يعني فكرة الولاية على البنت مش موجودة أصلاً. أنت عندك مئة سنة من تدافع اتجاهين فنتج تشوهات كتير، وأنتج برضه حتى الإسلاميين أنفسهم أنتج فيهم تشوهات كتير في فهم الإسلام وفي التوفيق بينه وبين العلمانية.
تقدر تقول العلمانية الشديدة اللي موجودة في عالمنا العربي بالنهاية حافظت على صورة من الإسلام المتماسك بخلاف الحالة في تركيا. مثلاً الطريف أن الإسلاميين في تركيا كانوا يتهموا بالخروج على العلمانية، لكن الحكام في عالمنا العربي كانوا يتهموا بالخروج على الإسلام، فرق واضح أهو. فتلاقي الحاكم في العالم العربي هو متعلمن وكل البلد ماشي بها في طريق العلمنة، لكن لازم يصلي ولازم يصوم ولازم يتصدق ولازم يعمل شوية الحركات دول تمام، لكن هنا تلاقي الإسلامي نفسه مقهور أمام الدولة، بتخالف العلمانية بتخالف ميراث المؤسس، يروح يقول لك لا، العلمانية لا تخالف الإسلام. هنا الإسلامي بقى هو اللي بيحاول يوفق بين نموذج الإسلام وبين نموذج العلمانية، بينما في عالمنا العربي النظام والحاكم هو اللي بيحاول يوفق بين اللي هو بيعمله وبين الإسلام.
احنا في بلادنا العربية ظلينا نصوم ونصلي والمساجد مفتوحة في بعض الدول، كمظاهر الدين أقصد، وما غيروا لنا اللغة يا سيدي، وأمورها ممتازة وبنتزوج عادي وبنطلق وكله تمام. لا شك إنه الإسلام أرسخ في البلاد العربية من غيره، لا شك في هذا. لكن الدولة في عالمنا العربي لم تكن قادرة على منابذة الإسلام جملة والانخلاع منه جملة، ما كانتش قادرة على ده، أو كان جزء من محاولة خداعها للشعوب العربية إن هي وهي رايحة تتعلمن تتلفع بشوية مظاهر إسلامية. فأي حاكم عربي في عز سطوته ما يقولكش أنا بخالف الشريعة والشريعة دي متخلفة، حاجة نادرة كده ممكن تحصل مثلاً بورقيبة في تونس، لكن الباقيين في ظل توحشه يقول لك أنا ما بخلفش الشريعة أو ده فهم المتطرفين للشريعة، ودين الدولة الإسلام واللغة العربية والشريعة مصدر رئيسي للتشريع.
بينما في تركيا لا، كان هناك كسح هائل لهذه المعاني وبقت العلمانية هي الحاجة المقدسة التي يسعى الحزب الإسلامي لما يحب يتحرك إنه يثبت إنه مش مخالف للعلمانية. طبعاً ده له مزاياه وعيوبه، لكن دلوقتي إذا إحنا بنتكلم عن تركيا فمثلاً من أهم مزايا هذا النظام التركي إنه هذه القشرة الديمقراطية استوعبت المجهود الإسلامي. فما تلاقيش مثلاً تركيا حصل فيها حركات جهادية أو جهاد مسلح ضد السلطة، ليه؟ لأنه سكة إنه يدخل في الدولة ويدخل في المناصب مفتوحة، بينما يظهر ده في عالمنا العربي لأنه ما فيش سكة أصلاً، إذا كان بيتقبض عليك من جوه الجامع فإنت تفكر في إيه؟
هنا طبعاً ده أدى إلى خلاف واسع بين الإسلاميين في العالم العربي وبين الإسلاميين الأتراك. الإسلاميين الأتراك عندهم تشوه في معنى العلمانية والإسلام والتوفيق بينهما، لكن عندهم خبرة وإدراك وإدارة لشؤون الدولة لأن الدنيا مفتوحة معاهم، بياخدوا وزراء وبياخدوا مسؤولين بلديات ويوصل بعضهم لرئاسة الوزراء، فعنده إدراك لآلة الدولة وعنده قدرة على نقد الديمقراطية الغربية. بينما الإسلامي في العالم العربي ما عندهوش لا خبرة الدولة ولا خبرة الإدارة، والديمقراطية بالنسبة له طعام شهي بعيد المنال، فما عندهوش القدرة على نقدها باعتبارها مصدراً غربياً لأنه محروم منها تماماً. عايز تيجي لواحد جعان مثلاً وتقول له ساندوتش البرجر ده مضر بالصحة، يا عم أنا جعان! اللي هو بس الديمقراطية وبعدين نبقى نتكلم في عيوبها، نتكلم إزاي نرتبها على وفق الإسلام.
إذن، نقدر نقول من سنة 1950 هنا بدأ يحصل أول تشقق في هذه الجمهورية التي بناها مصطفى كمال. فاز بالانتخابات واحد منشق عن الحزب الشعبي الجمهوري اللي هو بتاع أتاتورك اسمه عدنان مندريس. عدنان مندريس دخل إلى الناس من طريقين كبيرين، الطريق الأول إنه هيرجع الأذان باللغة العربية وهيسمح ببعض المظاهر الدينية.
والطريق الثاني، الدولة كما نشأت في زمن أتاتورك بقت خايفة من الجماهير الريفية وبقت بتعمل منشآت صناعية، فبقت الدولة نخبة مدينية -عايشة في المدن- متغربة، وجماهير قروية ريفية تعتنق الإسلام. وحيث إن الثروة متركزة في المدن وحيث إن بقية القرى والأنحاء والأطراف ما فيهاش ثروة، فحصل ما يتكرر في تجارب كتير: ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدن عند المصانع وعند المؤسسات. الناس اللي مهاجرة دول شوية بشوية بيبدأوا يسكنوا أطراف المدن ويشتغلوا حوالين المصانع، فبتبدأ تنشأ مدن عشوائية وأحياناً يبرز منهم من ينشئ مصانع صغيرة أو متوسطة، الناس دي ما تعرضتش للتيار المدني التغريبي بتاع الدولة، الناس دي ما زالت تحتفظ بجذورها القروية الريفية بتاعة الإسلام. فإذا نشأت المدينة نفسها بمركزها العلماني لكن أطرافها إسلاميين قرويين جايين يدوروا على لقمة عيش وبقوا أصحاب مناطق عشوائية وبعدين بدأوا يحسنوا من أوضاعهم الاقتصادية.
عدنان مندريس خاطب هؤلاء اللي اعتبرها طبقة صناعية صاعدة، بأن يحميهم من الحيتان اللي بيحتكروا ثروة الدولة فنجح بشكل غير متوقع. وكان منصبه رئيس وزراء، ورئيس النظام في تركيا إلى ما قبل السنين القليلة كان نظاماً برلمانياً، يعني الحزب الأكبر هو اللي بيشكل الحكومة ورئيس الوزراء هو موقع الثقل في النظام، هو اللي بيقرر. فعلاً عندك فترة من 1950 لـ 1960 بيحكمها عدنان مندريس، لكن عنده كل المشاكل التي تتوقعها من دولة عميقة ومن نظام عالمي، وهو برضه بيحاول ما استطاع إنه يوسع شوية للإسلام والمظاهر الإسلامية.
المعركة الكبرى اللي دايرة في العالم عندك معسكر شرقي شيوعي ملحد ضد الأديان، ومعسكر غربي علمانيته خفيفة كده وما عندهوش مانع إنه يستخدم الإسلام ويوسع له ضد الشيوعية. فالمعركة الكبيرة دي بتساعد الراجل اللي قاعد في الدولة بتاع النفوذ الغربي إنه يوسع شوية للإسلام كجزء من المعركة ضد الشيوعيين، وطبعاً ده يتوافق مع هوية الشعب أساساً. فكل الحالة الانتخابية داخلياً بدأ يتفكك عنها الهيمنة العلمانية المعادية للإسلام، ليه بيتفكك عنها؟ زي ما قلت لك كده في معركة كبرى وفي معركة انتخابية داخلية، الأحزاب عايزة جماهير وعايزة أصوات في انتخابات نزيهة. فمن عند عدنان مندريس بدأت مظاهر إن يبقى فيه مدارس أئمة وخطباء، ما لهمش نفس الصلاحيات بتوع المدارس العادية ولا بيدخلوا كليات ولا بتاع بس أهو فيه مدارس أئمة وخطباء، وفيه برامج دينية في الإذاعة، وفيه إمكانية التجمع، وممكن شيخ يتطوع يدي دروس في المدارس.
فبقى فيه حالة من حالات التوسعة، وطبعاً حالة التوسعة دي بتهدد أكثر من طرف، بتهدد طرف الدولة العميقة وبتهدد طرف الجيش، وكذلك اليساريين المعجبين بالاتحاد السوفيتي، فالاتحاد السوفيتي ده برضه قوة عظمى وعنده قدرات علشان يمول ناس ويمول حركات وفكرة التحرر من الإمبريالية. المهم من غير ما أطول عليك، بعد مندريس حصل انقلاب عليه سنة 1960، الجيش، كمان مرة الجيش! آه ما هو ده أول انقلاب بقى، ده أول انقلاب كده، الانتخابات يا جماعة جابت لنا واحد هيبوظ اللعبة اللي إحنا متفقين عليها. خلاص 1960 عملوا انقلاب وأعدموه 1961، الراجل ده كان عايز يرجع الرجعية وعايز يخالف ميثاق الأتاتوركية.
من 60 لـ 71 عندنا برضه استمرار لهذه الحالة، مندريس ورثه في حزبه كان اسمه حزب العدالة، ورثه واحد اسمه سليمان دميرل. لكن سليمان دميرل ده قال لك إيه، تعلم من رأس الذئب الطائر اللي هو مندريس فقال لك: إحنا نهدي ونخفف من الخطاب الإسلامي ومن التوجه الإسلامي، وخلينا خطاب محافظ. فعندنا نسخة مخففة من عدنان مندريس، وعندنا حزب الشعب الجمهوري، وعندنا حزب الحركة القومية، ويظهر لنا في آخر هذه الفترة ولاول مرة نجم الدين أربكان، الكلام ده هيظهر سنة 69.
طيب إيه اللي حصل من الستينات للسبعينات؟ كل القوى اللي أنا بحكيها لك دي بتتعارك مع بعضها وتتضارب مع بعضها حول مستقبل الدولة، وحيث إن إحنا عندنا نظام برلماني -وطبعاً أنا رأيي النظام البرلماني ده نظام متعب جداً ونظام فاشل- فحيث إن إحنا عندنا نظام برلماني، ولو ما فيش حزب قوي بيقدر يسيطر ويقدر ياخد المقاعد فدائماً بتنشأ حكومات ائتلافية. طب الحكومات الائتلافية دي سرعان ما بتتخانق مع بعضها، لأنه انسحاب واحد أو اثنين أو ثلاثة يساوي انهيار الحكومة وإعادة تشكيل حكومة بائتلاف جديد، وبتبقى الحكومة نفسها فيها أطراف متشاكسة، يعني واحد قومي وواحد يساري وواحد ليبرالي وعلى نحو هذا الكلام.
نجم الدين أربكان برز في ذلك العقد كواحد من حزب العدالة التابع لسليمان دميرل. مسيرة نجم الدين أربكان خلاصتها، هذا راجل مهندس وناجح وعبقري ومتفوق وصاحب اختراعات وخد الدكتوراه وهو عنده 27 سنة، وكان أصغر أستاذ مساعد في جامعة إسطنبول وخد الدكتوراه من ألمانيا، وكان عنده فكرة محرك ينهض بالصناعة التركية. وطبعاً أربكان منحدر من أمراء السلاجقة يعني أجداده الأعلون أمراء سلاجقة، وهو طبعاً نشأ في طريقة نقشبندية وكان أبوه قاضي، حتى شكله هيك يعني شكله أمير. فالمهم هو مشان هيك بيحكي عن الصناعات الدفاعية وبيشجع عليها من زمان، وهو في شغله ده، يعني كان زي ما هو كان أستاذ في الجامعة، فتح مصنع لمحاولة إدخال المحركات الجديدة.
جزء من نضاله كان أن أصبح أميناً عاماً لاتحاد الغرف الصناعية والتجارية والمالية، وبعد ذلك صار رئيساً لها. بدأ هنا يحصل اصطدام بين اتجاه أربكان واتجاه الدولة؛ أربكان كان يريد تنشيط الصناعات الصغيرة ودعم الطبقة الصناعية النامية التي كنت أحكي لك عنها، بينما الدولة كان لديها حيتانها الكبار الذين يعملون في مصالح تجارية مرتبطة مع أوروبا. فبالتالي حصل اصطدام، هذا الاصطدام أدى إلى أن سليمان ديميريل يقول له: خفف واهدأ، فيرد عليه: لا يمكننا أن نخفف ونهدأ، فصناعتنا الوطنية في خطر. فقال له: إذاً أنت مفصول من الحزب، فقال له: مش مشكلة، فترشح مستقلاً في قونية وفاز.
نجم الدين أربكان، طبعاً قونية مدينة مشهورة بأن هواها إسلامي شديد، ومن هنا بدأ أربكان يكون حزباً إسلامياً جديداً. فهنا سيظهر معنا لأول مرة سنة 69 حزب اسمه حزب النظام الوطني؛ هذا أول حزب إسلامي يعيش قليلاً، مع أن هناك محاولات منذ أيام 1946 أول ما بدأت التعددية الحزبية في تركيا أن يكون هناك أحزاب إسلامية، لكن الحزب يأخذ له شهرين ويغلقونه، أو يأخذ له 20 يوماً ويغلقونه. لكن مسيرة أربكان هي أول من نقل الإسلاميين من خانة رد الفعل وأن يختاروا أقل الناس سوءاً في الانتخابات، إلى خانة أن يكونوا موجودين كطرف في الانتخابات. هذه بداية سكة أربكان.
أربكان أصبح جزءاً من رجال فترة السبعينيات، وهذه الفترة كانت فترة صحوة إسلامية انبثقت في كل العالم دفعة واحدة؛ من مصر للجزيرة العربية، لإيران، لأفغانستان، للمغرب الإسلامي. تحس أن الدنيا كلها بعد السطوة الشيوعية بدأ يكون فيها ردة فعل إسلامية. الذي يهمنا الآن في قصتنا مع تركيا أن أربكان ظل أحد الشخصيات التي تأخذ المركز الثالث في الانتخابات؛ فالحزب رغم أنه ضعيف وضئيل وقليل ولسه متأسس، لكن أول ما تحصل انتخابات نزيهة يأتي رقم ثلاثة. ومن كان معه؟ سليمان ديميريل أستاذه السابق المحافظ، وحزب الشعب الجمهوري الحزب العريق الذي يمسك الدولة فعلياً.
فيحصل أن ديميريل وبتوع الحزب الشعبي الجمهوري لا يتفقون، فيضطر كل واحد منهم أحياناً أن يتحالف مع رقم ثلاثة، فيصبح أربكان نائب رئيس وزراء. انظر، هو أسس الحزب بالأمس واليوم أصبح نائب رئيس وزراء وعنده ست أو سبع وزارات، وهذا مظهر من مظاهر أنك أول ما تصبح هناك انتخابات نزيهة فالإسلاميون يكونون موجودين، حتى سليمان ديميريل يمكنك أن تحسبه بشكل مخفف على الإسلاميين.
هذه الحالة الإسلامية والصحوة الإسلامية التي كان منها صحوة في تركيا، ومترجم لها كتب سيد قطب والمودودي وحسن البنا، كانت حالة واسعة وهائلة. ولا نقدر أن ننسى أيضاً أن الإسلاميين بتوع تركيا منذ نشأت الجمهورية فيهم أناس دخلوا المغارات وبدؤوا يعلمون القرآن، وفيها حفظ للقرآن والكتاتيب؛ فالمقصود أن هناك حالة حراك سري وتعليم سري يستفيدون منها أحياناً عندما تفتح مدارس الأئمة والخطباء، أو عندما تصبح هناك دروس دينية. الحالة الإسلامية ليست مختزلة في أربكان، أربكان هذا هو الحالة السياسية الإسلامية.
حين انتعشت هذه الحالة في السبعينيات، حصلت مفاجأة أخرى؛ جئنا عند سنة 79 وحصلت الثورة الإيرانية في فبراير 79. الثورة الإيرانية هذه كانت زلزالاً ليس فقط في العالم العربي، كانت زلزالاً في العالم كله؛ لأن الشاه كان رجلاً من أهم رجال الأمريكان والغرب في إيران. عندما يأتي جماعة ملتحون ومشايخ، أي ملالي، ويروحون يعملون ثورة إسلامية ناجحة ويشيلون الشاه صاحب النظام الأمني الجهنمي، فهذا كان حدثاً كبيراً. الثورة الإيرانية لو أردت أن أشبهها بتشبيه قريب منا، كانت في زمانها بالنسبة للشعوب وللإسلاميين تحديداً أعتبرها مثل 7 أكتوبر في وقتنا هذا، أو أعتبرها مثل 11 سبتمبر بالنسبة للأمريكان؛ كانت أول مرة المسلمون بعد قرون من الهزائم المستمرة ينتزعون الدولة من أحد أهم عملاء ورجال الغرب، كان هذا حلماً مستحيلاً.
أربكان بعث وفداً للتهنئة كما بعث كل الإسلاميين وفداً للتهنئة، كما راح ياسر عرفات بطيارة خاصة يهنئ الخميني. ونحن نتكلم عن قصة تركيا، يهمنا هنا أن أربكان بدا وكأنه سيكرر تجربة الخميني في إيران بشعبية هائلة. فمثلاً جاء سنة 1980 في سبتمبر، وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها ضمت القدس -لأنه طبعاً سنة 79 حصلت معاهدة السلام مع مصر- فأقام أربكان مظاهرة حاشدة قوية في قونية، ترفع شعار أننا مسلمون واحتجاجاً على القدس. وطبعاً فترة السبعينيات كانت فيها مشاكل اقتصادية ومشاكل في الائتلافات السياسية؛ المهم أن بعض التقديرات تصل بهذا الجمع الذي كان محتشداً إلى ربع مليون في عام 80، وهو رقم كبير وفي قونية وليس في إسطنبول.
هكذا كان أربكان ينوي أن يصبح الخميني، لكن بعد 6 أيام فقط حصل عليه انقلاب يوم 12 سبتمبر 1980، وهو أشد الانقلابات دموية، انقلاب كنعان إيفرين. دموية يعني الجيش قتل أناساً وبشراً، وانظر ماذا فعل الجيش: وضع 2 مليون تحت دائرة الاشتباه، حكم بالإعدام على 500، وقتل كثيراً جداً في الشوارع، وسحب الجنسيات من 14 ألف واحد، وطرد 13 ألف ناشط سياسي من البلد. عام 1980 كان انقلاباً هائلاً ودموياً، وهناك أناس أدركوا الانقلاب لا يزالون على قيد الحياة، أحياناً هنا في تركيا عندما نقابلهم يحكون لك عن أجواء الرعب والخوف والشدة والقسوة، وناس كثيرون اختفوا وناس فقدوا ولم يعثر لهم على أثر.
هذا كان انقلاباً هائلاً، ولكن كما قلنا على عادتنا الغرب يقول لك: أنت تابعنا، اعمل انقلاباً عسكرياً، شكراً، اضبط القانون، سد الثغرات، وارجع ثانية للثكنات، وسيب الحكم للمدنيين. ففعلاً كنعان إيفرين سنة 83، تقدر تقول إن الجيش انسحب، لكن هو ترشح للرئاسة لكي يصبح رئيساً، والرئيس هنا في تركيا ليس موضع الثقل.
وأربكان ماذا صار فيه؟ خرج خارج البلاد، طبعاً هو خرج حتى بعد 72، وأيضاً سجن بعد 80، وخرج ورجع ثانية، ودائماً مع كل انقلاب يكون هناك قرار حظر على الحزب الفلاني، وقرار حظر وحل على أشخاصه أن يمارسوا السياسة. لكن هنا أيضاً لكي يكون هناك عملية ديمقراطية، يحصل الآتي: يأتي الزعيم الإسلامي المحظور ويروح يجيب واحداً من أصحابه يؤسس حزباً ثانياً باسم ثانٍ ويديره هو من الخفاء، هذه اللعبة التي كانت حاصلة في تركيا؛ فلان محظور، وفلان محظور، وفلان محظور، وأبو الحارث لا يزال لم يحظره أحد، تعال يا أبا الحارث، اعمل حزباً باسمك ونجلب الناس الذين ليسوا محظورين ونرتب. ومن يتابع خطاب أربكان يجد أن أربكان يتطور ويخفف خطابه الإسلامي؛ حزب النظام الوطني كان أعلى شيء، حزب السلامة أخف قليلاً، بعدين حزب الرفاه أخف قليلاً، وهيجي حزب السعادة سيصبح أخف أيضاً.
بعد ذلك في فترة الثمانينيات سيطلع عندنا شخصية أخرى، سيطلع مفاجأة للجميع وهو تورغوت أوزال. تورغوت أوزال شخصية تحتاج دراسة ووقفة وكلاماً كثيراً، لكن تقدر تقول إن هذا الرجل جمع مجموعة من الأمور التي لا تكاد تجتمع واجتمعت. هو أولاً كان انشقاقاً على حزب الشعب الجمهوري، وعمل حزباً ودخل به الانتخابات، وهما أدخلوه الانتخابات، كان هناك الحزبان الكبيران والاثنان تابعان للعسكر، ونحن لا نريد الدولة مرة ثانية تذهب للعسكر. هنا انقلاب 80 عمل شيئاً لطيفاً جداً سيستفيد منه أردوغان بعد 20 سنة، وضع عتبة الـ 10%، قال: شغل الائتلافات التي تقع بعد شهور أو سنة أو سنة ونصف هذا عامل لنا فوضى واضطراباً، لا يسمح للحزب الذي لم يتجاوز عتبة الـ 10% أن يكون له مقاعد في البرلمان، وتوزع مقاعده على الأحزاب الكبيرة لكي تمسك الحكومة وتمسك البلد وتستقر فيها.
وبرضه الإسلاميون من نتائج السنين التي فاتت كانوا شايفينهم عمرهم ما جابوا الـ 10%، لكن عندما لا يجيبون الـ 10% يضطر الحزب الكبير أن يتحالف معهم؛ فأربكان طلع نائب رئيس وزراء مع سليمان ديميريل، وطلع نائب رئيس وزراء مع بولنت أجاويد. فالعتبة التي هي 10% هي التي سيستفيد منها أردوغان فيما بعد لأنها لا تدخل أي أحزاب صغيرة، فينفرِد هو بتشكيل الحكومة. الذي حصل الآن، الـ 10% التي عملوها هذه كانت على هذا الأساس. والحاجة الثانية، لما دخل تورغوت أوزال كان هناك حزبان كبيران، فإذا بكل المحافظين وكل الإسلاميين وكل الذين لا يعجبهم الحزبان بتوع العسكر ينتخبون تورغوت أوزال. تفاجأ الجميع بأن تورغوت أوزال هو الذي فاز.
تورغوت أوزال قعد في السلطة من 83 إلى 91، وبعد ذلك أصبح رئيساً إلى 93. هذا الرجل كما يقول عنه من شاهدوه، هو كردي بالمناسبة، ومع ذلك كان مستجيباً مع السياق العسكري القومي العلماني التركي، كان مستجيباً مع الحرب على الأكراد وهو كردي، كان يصلي خلسة، كان يصوم خلسة، وبعضهم قال حج البيت الحرام خلسة. لكن تقدر تقول إن هو كان موضع التقى عليه كل الشعوب والجماهير التي ليست تبع الدولة؛ فإذا الدولة انقسمت بين ناس شايفين أنفسهم ملاك الدولة وبين جماهير، فالرجل هذا كان نقطة يلتقي عندها الأكثرون.
وهو نجح في أن يعطل ويعرقل العادة التركية في الانقلاب كل 10 سنين؛ فلما جاءت سنة 90 و91 ما حدش عرف ينقلب عليه. لماذا؟ دخل نفسه هنا في الدائرة الدولية، في ذلك الوقت كان الاتحاد السوفيتي ينهار، وأمريكا صارت قطباً واحداً، وبدأت تعلن حرباً على العراق سنة 91. الجنرالات الأتراك رفضوا أن ينخرطوا في هذا الموضوع أو يقدموا أي تسهيلات للأمريكان، هو وضع نفسه تحت جناح الأمريكان لكي يغل يد العسكر، وطبعاً تقديره حيث إن أمريكا ذاهبة لتهاجم وعندها الخليج، فقال السياسي: الحاجة التي ستأتي غصباً اجعلها بجميلة؛ فاستخدم القوة الأمريكية في غل يد الجنرالات لأول مرة في التاريخ، قائد عسكري يواجه رئيس الجمهورية ويروح القائد العسكري هو الذي يستقيل، هذا الذي حصل أيام تورغوت أوزال؛ تحول مهم.
طيب، الرجل الذي حصل له هذا التحول، بعد سنتين مات فجأة، وكثير من الناس يرى أن هذا اغتيال. وله قبل موته بشهور خطبة مشهورة يدافع فيها عن السلطان عبد الحميد، ويقول: ما لم يكن السلطان الأحمر، الكلام هذا كله أنتم درستوه في المدارس وكان تشويهاً للسلطان عبد الحميد، فده برضه كان ضربة قوية جداً في رواية وسردية الجمهورية التركية. حتى الفيديو هذا لا يزال موجوداً على يوتيوب لغاية دلوقتي، وهو بيقول: مرة كنت أمسك الكتاب وأقرأ عن السلطان الأحمر، راحت جدتي تقول لي: مين السلطان الأحمر هذا؟ فقلت لها: عبد الحميد. قالت لي: إيه الكلام الفاضي الذي تدرسونه هذا؟ فهو يقول: أنا قلت لها: أنتِ ستفهمين أكثر من الكتاب يا جدتي؟ ابقي خليكِ أنتِ كمان في حالك. وبعدين بيقول لما كبرت وقرأت وشفت، عرفت إنه ما كان السلطان الأحمر ولا حاجة. بعدها بشهور توفي فجأة.
ويا الله قديش هذا تكرر في التاريخ، يا إلهي، لسه أمس أستاذ محمد أقرأ هناك في غرناطة، وقعت غرناطة، ونحكي عن آخر أيام الـ... في زمن السلطان أبو الوليد، في معركة إسماعيل، وقعت معركة اسمها البيرة، بعد انتصار ساحق على القشتاليين بعدها بثلاثة أيام قتل على باب قصره. تخيل، وهذا كان من داخل القصر، وعامل الإنجاز، يعتبر كان في أمل أن تبدأ الأندلس ترجع أساساً، كان أحد الملوك الأقوياء، سبحان الله. وفي الآخر الذي اغتاله واحد من أهل بيته.
أنا فاكر، تصور قلنا هنا إنه كان جون بيركنز وهو يقول إن الأساليب ثلاثة لمحاولة كبح الدولة أو التحكم في الدولة التي لا ترضى عنها القوى الكبرى: الانقلاب، إن لم يفلح فالاغتيال، إن لم يفلح فالاحتلال. فالمهم تورغوت أوزال يعني...
طبعاً أنا فعلاً لست متثبتاً، لكن كثيراً من الباحثين والمؤرخين يرى أنه جرى اغتياله بالسم في ذلك الوقت.
دخلنا في التسعينيات، وهنا من جديد سيبدو وكأن التسعينيات تبتسم للإسلاميين. حزب الرفاه الذي كان تابعاً لنجم الدين أربكان يأتي في بداية التسعينيات ويعبر عن نتائج هائلة وجديدة وغير مسبوقة في الانتخابات. من أهمها أنه سيفوز بانتخابات إسطنبول، والتي سيكون فيها رجب طيب أردوغان هو مسؤول الشباب في الحزب ومسؤول شعبة إسطنبول في الحزب فيما بعد.
أردوغان نفسه كان جزءاً من حزب الرفاه، وكان مسؤول إسطنبول فيه، وقبل ذلك كان مسؤول الشباب في شعبة إسطنبول. وأردوغان له محاولات ترشح فيها قبل ذلك؛ بعضها فاز فيها وبعضها أخفق. لكن لأول مرة أردوغان يفوز بانتخابات بلدية إسطنبول الكبرى، التي تعتبر ربع تركيا سكاناً وأكبرها مساحة، والبلدية هنا صلاحياتها كبيرة جداً ليست كما في عالمنا العربي؛ فاعتبر نفسك تحكم تركيا المصغرة. هذا كان تفوقاً هائلاً ووضعاً جديداً.
أربكان نفسه وصل لرئاسة الوزراء سنة 97 في تحالف مع تانسو تشيلر، التي هي خليفة تورغوت أوزال. سيحكم أربكان سنة واحدة، ثم سيتدخل الجيش بانقلاب عسكري ناعم ويطيح بحكومة أربكان بعد سنة واحدة. أربكان صار رئيساً للوزراء من يونيو 96 إلى يونيو 97. في فبراير 97 حدث الانقلاب العسكري الناعم؛ بمعنى أنه سينعقد مجلس الأمن القومي العسكري ويقول: الحكومة هذه ذاهبة في سكة الرجعية وهذا أمر غير مسموح به، ونحن باعتبارنا حراس البلد وحراس الميراث الجمهوري والأتاتوركي، مفروض على هذه الحكومة أن تعمل كذا وكذا، وخلاصتها تصير تصفية الإسلاميين؛ تصفية الإسلاميين أحزاباً ومقرات وأموالاً وشركات.
سيضطر أربكان إلى الاستقالة في يونيو 1997، وبالتالي لن يستطيع أن يحكم إلا سنة واحدة، وبعد ذلك سيحل حزبه ويفرض عليه الحظر، وحتى أردوغان نفسه سيُسجن بتهمة أنه قال أبياتاً دينية في خطبة في ديار بكر، الأبيات المشهورة: «مآذننا محاريبنا، رماحنا قبابنا، خوذاتنا...» وهذا الكلام. من 97 إلى 2000 تقدر تقول إن تركيا كانت تعيش في حال في غاية السوء والتمزق السياسي والاقتصادي، وفوق ذلك جاء زلزال سنة 99 وقتل 18 ألفاً وفي بعض الإحصائيات 40 ألفاً. وصلنا إلى مرحلة أنه نقدر نقول على سنة 2000 و2001 إن تركيا تعيش واحدة من أسوأ فتراتها التاريخية سياسياً واقتصادياً، وحتى صحياً إذا دخلنا في مسألة الزلزال.
لو تركنا المشهد التركي ودخلنا إلى داخل الحركة الإسلامية، هناك انشقاق سيحصل بين أردوغان وأربكان. الانشقاق هذا جذوره قديمة وقصته قديمة؛ الجماعة بتوع أربكان شايفين أردوغان هذا ولداً شاباً متمرداً وعنده أفكار جديدة ومستقل، ويحب أن يأخذ وضعه ويفرض على القيادة أموراً هي لا تريدها، فبالتالي أردوغان هذا شيء مثير للمخاوف. الجماعة بتوع أردوغان يقولون إن أربكان شغال بنمط الأبوة والزعامة الإسلامية، فيه قدر من التفرد وليس فيه قدر من الشورى والمؤسسية والخبراء، وفيه قدر من التقليدية، والناس الآن أصبحت تريد أن ترى نمطاً أكثر شبابية وعصرية. نظام أننا متدينون كلنا ونلبس الطاقية ونصلي، هذا جعلنا غير قادرين على الوصول لشرائح جديدة من الشعب، لكن أردوغان هو الممثل لهذه الحالة؛ أردوغان واحد كما يعرف يكلم المتدين يعرف يكلم غير المتدين، ولديه الجرأة أن يذهب حتى يكلم المومسات في بيوت الدعارة ويقول لهم: أنا عندي برنامج ينتشلكم مما أنتم فيه.
القصة هذه لها مراحل اشتباكات واحتكاكات، والأمور ليست سهلة. لكن بدل ما يحصل الانشقاق بإرادة أحد منهم، لما جاء الانقلاب العسكري بتاع 97 وحل الحزب والحظر عليهم جميعاً، حينئذ بدأ يتكون كون أردوغان يرى أن الاستمرار في طريق أربكان ليس مجدياً؛ سنفضل في دائرة الانقلابات وتأسيس حزب جديد والانقلابات من جديد ولا نتقدم تقدماً حاسماً. أربكان كان يرى من ناحيته أيضاً أن هنا انحرافاً وإشكالات، وأن هؤلاء ليسوا طبيعيين ويخالفون وينحرفون عن حتى الإسلام وحتى قيم الحزب الإسلامي أو الجماعة الإسلامية.
حصل انشقاق سنة 2001 أو 2002. الحزب الجديد الذي كانوا يريدون تأسيسه، وهو حزب السعادة، بعدما حُل حزب الرفاه، أربكان مرشح له واحداً كان اسمه رجائي قوطان، ومجموعة أردوغان مرشحة واحداً هو عبد الله جول، وكانت معركة مشتعلة داخل الحزب، والاثنين كانوا يقولون عملياً إن من لن يفوز فيهم سينشق بحزب ثاني؛ فصار التعايش داخلهم في حكم المستحيل. خسر عبد الله جول بفارق 50 صوتاً، فمن هنا أخذوا أنفسهم وأسسوا حزب العدالة والتنمية.
حزب العدالة والتنمية؛ طبعاً أردوغان باعتباره عمل إنجازات في إسطنبول، إنجازات واضحة في مسألة الفساد والتلوث والبنية التحتية، الرجل أخذ شعبية في إسطنبول التي هي تركيا المصغرة، وزادت شعبيته عندما حُكم عليه بالسجن، فأصبح زعيماً كبيراً. الرجل لما خرج وأسس زملاؤه حزب العدالة والتنمية، في أول انتخابات دخلها كان الحزب مكتسحاً وزاد في اكتساحه عتبة الـ 10% التي لم تدخلها أحزاب كثيرة، فمن أول انتخابات خاضها فاز فيها.
بعد ذلك حصل نفس الذي حصل مع تورغوت أوزال؛ أردوغان سنة 2002 والاحتلال الأمريكي ذاهب للعراق، موقف الدولة أننا ليس لنا علاقة بهذا الموضوع، وموقفه هو أن الشيء الذي سيحصل غصباً عن الكل تعالوا نشوف نستفيد منه كيف، دول الخليج والشرق مفتوحة للأمريكان، فكده كده ذاهبون لاحتلال العراق، تعالوا نشوف نستفيد كيف. هنا أردوغان في تأسيسه لحزب العدالة والتنمية الجديد، وطبعاً كان معه عبد الله جول وكان موجوداً في الخلفية أحمد داوود أوغلو، قدم نفسه باعتباره الحزب المحافظ وليس الحزب الإسلامي، الحزب المحافظ. ومن ناحية ثانية، وصل لاتفاق مع الأمريكان بأنه إذا نُزعت أو جرى تغيير مادة الدستور التي حُكم بسببها؛ كان مادة الدستور تعاقب أي أحد يعمل تحريضات أيديولوجية وإرهابية، فغيروا مادة الدستور إلى الأفعال، لما كانت التحريض، كان إلقاء أبيات الشعر يندرج تحت هذا البند من الدستور، لما تغير فُك الحظر عن أردوغان وجاء رئيساً للوزراء بعد ذلك.
ترافق هذا مع سياق حكيناه قبل ذلك، وهو سياق أن الأمريكان 11 سبتمبر كانت بالنسبة لهم صدمة هائلة، أحد النتائج التي استنتجوها أن العالم الإسلامي المكبوت بهؤلاء الحكام الديكتاتوريين أُخرج منه من يفجر نفسه فينا ليس فيهم فقط. فمن هنا بدأ بوش رحلة دمقرطة العالم الإسلامي، أنه لابد أن توجد ديمقراطية، وكان النموذج الذي عنده نموذج باكستان ونموذج تركيا، في قشرة ديمقراطية وفي القلب دولة عميقة وفي قلبها العسكر، ويقدرون يعملون انقلابات كل ما النتائج لم تكن مناسبة.
بالنسبة لهم، كان دعم التجربة التركية أو دعم وجود أردوغان في ذلك الوقت هو نوع من إيصال الإسلام المعتدل، وساعتها صدر تقرير "الراند" المشهور الذي هو "بناء شبكات الإسلام المعتدل". أردوغان هذا ممكن يبقى إسلامياً مهذباً لطيفاً، تعلم من التجارب السابقة أنه يبقى مع النظام الدولي مهذباً ولطيفاً، وأن البلد الناس تريد شكلاً إسلامياً نعطيهم شكلاً إسلامياً، لكن البلد طول ما هي ماشية بنظام اقتصادي رأسمالي بتبعية غربية وبوجود في حلف الناتو، فماشي، ونعطي للناس الشكل الإسلامي الذي يريحهم. هذا كان جزءاً من استقرار أردوغان في السلطة، ولا شك طبعاً مع مواهبه ومع قدرته على تكسير الدولة العميقة، لكن كان في مناخ دولي يسمح ببقاء هذه التجربة.
هنا السؤال الكبير؛ لو تضع نفسك مكان المحلل الغربي الذي يحاول رسم مصائر البلاد العربية، ستجد المحلل الغربي يقول: الكبت الموجود في العالم العربي هذا هو الشكل المناسب، لأن الأمة هذه لو تحررت كل مصالحنا صارت في خطر. الثاني يقول: لا يا جماعة تعالوا نعتمد النموذج التركي والباكستاني، حتى بدل ما يفجروا أنفسهم فينا، يبقى في حالة مسرحية وشكلية تستوعب مجهودهم، يعني بدل ما يبقى يريد أن يناضل، يجي يناضل سياسياً. مثلما الخطر في النموذج الديكتاتوري أنه يطلع ناس مسلحين وعنيفين ويعملوا 11 سبتمبر، مثلما الخطر في النموذج الديمقراطي أنه يجيب زعيماً لا يمكن الانقلاب عليه، يجي واحد قوي لا تقدر أن تنقلب عليه ولا تقدر أن تغتاله، وهو هذا نموذج أردوغان الذي حاولوا الانقلاب عليه في 2016 ولم يفلحوا، طبعاً نجا من عدد من محاولات الاغتيال.
الآن ما نقرؤه في الدراسات الغربية والتقارير الأمنية، أن أردوغان كان أحد الناس الذين خدعوا الأمريكان وخدعوا النظام الدولي، واستطاعوا أن يصلوا عبر الطريق المفتوح إلى أن يكونوا قوة غير متوقعة، بل وأن يبدأ في مرحلة استقلال لتركيا، وأن يبقى نداً ويقدر يقول لا ويقدر يقول أيوه أحياناً بدون أن يبقى له إرادة مستقلة. مثلاً الكلام هذا غير موجود عند أحد من الحكام العرب الذين هم متمتعون بكل هذه الديكتاتورية؛ فهذه التجربة وهذا النموذج عند الغربيين والأمريكان أحد أوجه الفشل، ولذلك لم يسمحوا بتكراره ولا بدمقرطته مرة أخرى؛ يعني يجي مرسي ننقلب عليه عادي، يجي الغنوشي برضه يوضع في السجن عادي، لم يعد مسموحاً أن أحداً يكرر تجربة أردوغان مرة ثانية. صاروا أميل إلى الخطة الأولى، وهي خطة دعم الحكومات المستبدة؛ لأنه مهما كانت آثار انفجار الناس، في تقدير كثير من هؤلاء الباحثين، ليس بالضرر الذي يمثله استقلال القوة، كالقوة التركية.
هنا نأتي لسؤال مثل الذي سألته في الأول خالص، وهو هل تركيا تعود للإسلام؟ هل تركيا الآن ممكن تبقى هنا؟ خليني أقول لك أكثر من شاهد، كتاب مثل كتاب "صدام الحضارات" لصامويل هنتنغتون فكرته الأساسية، صامويل هنتنغتون كان يرد على فوكوياما؛ فوكوياما في كتابه بعد انتهاء الاتحاد السوفيتي "نهاية التاريخ" يقول فيه إن الغرب وصل إلى نهاية التاريخ وذروة العقل البشري وقمة التطور الإنساني الحضاري، الليبرالية الرأسمالية الغربية هذه هي النموذج العظيم الذي وصل إليه الناس، ونحن انتهى التاريخ، وسيبقى عندنا إنسان ما بعد التاريخ ودول ما بعد التاريخ، وإنسان ما قبل التاريخ ودول ما قبل التاريخ التي لم تعرف تصل إلى تمامه.
هنتنغتون يرد عليه يقول له: هذا الكلام تصور ساذج؛ الحقيقة أن هذه الشعوب حينما تُعطى حريتها الليبرالية لا تتبع الغرب ولا تسير في ركابه، بل تعبر عن هويتها الذاتية، وبالتالي فكل الشعوب التي أنت فرحان بها بأنها لما تأخذ الديمقراطية والحرية ستصبح شبه الغرب، أنا أقول لك كل الشعوب هذه ستعبر عن هويتها، وسنطلع في عالم في رؤوس حضارية، وسنبدأ في مرحلة من الصدام الحضاري. هذه فكرة كتاب هنتنغتون، ويقول إن الحضارة الإسلامية هم الاثنان متفقون أن الحضارة الإسلامية هذه أخطر الحضارات على الغرب. لكن هنتنغتون يقول من هي الدولة التي ممكن تبقى رأساً؟ فقال: إندونيسيا فيها أكبر عدد من الناس، إيران، مصر، تركيا، هذه دول مرشحة، وبعدين قال إندونيسيا بعيدة جغرافياً لا تسمح لها، إيران مذهب شيعي لا يجد تجاوباً في عموم العالم، مصر ضعيفة للغاية، الدولة المرشحة أن تكون قائدة العالم الإسلامي هي تركيا.
هذا شاهد، الشاهد الثاني جورج فريدمان الذي هو مدير "ستراتفور"، أحد أهم المحللين والمُنظرين الأمريكان، له كتاب اسمه "السنوات المائة القادمة"، طبعاً تُرجم الآن للعربي، كان يقول فيه إن تركيا هي الدولة المرشحة لكي تكون القوة الصاعدة عالمياً في المئوية الجديدة. هو عنده نظرية؛ سيبك الآن من تفاصيلها، الذي يهمنا فيها هو شايف أن أمريكا ستظل في المائة عام القادمة هي الدولة الأولى، وهذا عصر برضه من عصور القوة الأمريكية، والصين وروسيا لن يقدروا يعملوا شيئاً وهذا ليس عصرهم وما فيش خوف منهم، الصعود الذي سيحصل سيحصل صعود لليابان ولتركيا ولبولندا وللمكسيك، ويتكلم عن تركيا باعتبارها إحدى الدول الصاعدة التي ستحاول أن تتمدد.
لتملا الفراغ الذي سيسببه الانكماش الروسي، وستتمدد في العالم العربي وستدعي إرثها العثماني؛ وساعتها ستحصل حرب عالمية من أطرافها أمريكا وتركيا، وساعتها الغرب سيحاول إعادة بذرة القومية العربية؛ لكي يدفع النفوذ التركي الذي يتمدد إلى العالم العربي. هذا الكلام صدر عام 2009، أي قبل حتى ثورات الربيع العربي؛ فتركيا في الدراسات الغربية تعتبر دولة مؤهلة لكي تمثل قيادة لهذه الحالة الحضارية الإسلامية.
طبعا هم كانوا يعتمدون لما كتبوا هذا الكلام على أن الاقتصاد التركي أفضل من كل الاقتصادات الأخرى. لكن لماذا ليس أفضل من الاقتصاد السعودي أو الخليجي؟ الاقتصاد السعودي والخليجي ريعي، لكن في تركيا قاعدة صناعية حقيقية. طبعا الآن زاد هذا الكلام في التقارير الغربية بعد النهضة العسكرية لتركيا، بالذات في باب الصناعات الدفاعية.
طبعا ما تكاد تقرأ دراسة غربية عن تركيا إلا ويحاول يتلمس فيها الناس: مسلمون ولا مش مسلمين؟ مسلمون ولا علمانيون؟ ويجي ينزل يسأل الناس: شايف غيرك مش مسلم؟ ولا شايف غيرك مش تركي؟ إيش رأيك في الانضمام للاتحاد الأوروبي؟ إيش رأيك في البقاء في حلف الناتو؟ لدرجة أنه يحسب هل كل مصنع فيه أماكن للصلاة ولا لا؛ ودي حاجة بتوترهم. انتشار أماكن الصلاة في المولات التجارية وفي أماكن العمل، ده بالنسبة للغربي شيء مزعج ومقلق، حتى في المطاعم منتشرة المصليات.
ومع ذلك يجب أن أقول: الغربيون متوترون جدا جدا. لكن إذا بنتكلم من قناعتنا نحن؛ لا ريب أن تركيا وأن أردوغان يمثل بالنسبة للمسلمين قلعة أخيرة، دي ما فيها كلام. ولذلك أغلب اللاجئين والمشردين موجودون في تركيا. وعايز أقول لك شوف أنت مثلاً اللي حصل في الطوفان وفي غزة، لو أنت حذفت الناس اللي بتتكلم عن الموضوع من تركيا، مش هتلاقي صوتاً في العالم العربي يتكلم في نصرة غزة، هتلاقي أصواتاً ضعيفة وشحيحة. فلا ريب في أن تركيا هي القلعة الأخيرة.
لكن وأنت تحاول تقيم التجربة، فلا شك أن التجربة فيها مشاكل وفيها عيوب على رغم ما أنجزته وعلى رغم هذا المشهد الكبير. من أهم عيوب هذه التجربة أنها ما زالت معلقة بشخص أردوغان، معلقة بشخصه، ولا يبدو في الأفق أن ثمة من يستطيع أن يرثه وأن يكمل مسيرته. أحد أهم المخاطر والإشكالات أيضاً أن التجربة في نهضتها أغلبها اقتصادي، لكن البناء العقدي لعموم الناس ليس كذلك؛ النتائج التي يحققها أردوغان في مطلع حياته تتناقص، المفترض أنها تزيد وأن الجيل الذي أنشأه أردوغان يبقى أكثر الأجيال شعوراً بإنجازه، وده حقيقة مش حاصل. أردوغان في الانتخابات الأخيرة لأول مرة يدخل إعادة، وده ما كانش حاصل قبل كده. وطبعا أنت لما تنظر في أجيال الشباب الأتراك، لا، في حالة تغرب وإعجاب بالغرب والتحاق به هائلة. فعايز أقول: التجربة أعطت كثيراً للجزء الاقتصادي، وفيها ضعف واضح في جزء البناء الفكري والعقدي والإيماني حقيقة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يتم على خير، لكن هذه نقاط ضعف.
لكن يا أستاذ محمد، برضه الجانب الديني له انعكاس أخلاقي في الأخير على الناس، على مستوى المدارس، على مستوى المساجد، وعلى مستوى التوعية. السنة اللي راحت هي كانت لأول مرة يُسمح في وزارة التربية والتعليم بالاحتفال بمظاهر رمضان التي كانت في الأخير ممنوعة. كمية الحفاظ الذين تخرجهم تركيا كل سنة، وفكرة الإقبال على الحج والعمرة لما تقارنها بـ 30 و40 سنة سابقاً مع اليوم، تجد أن المظهر الديني يتحسن تحسناً كبيراً.
مظاهر الإنجاز لا يمكن التشكيك فيها، سواء على مستوى المظاهر الإسلامية أو على المستوى الاقتصادي أو على المستوى العسكري. هذا لا يمكن التشكيك فيه، أنا أتكلم على إمكانية استمرار التجربة. هل التجربة ناجحة؟ طبعاً ناجحة، ما فيش كلام. الغربيون أنفسهم شايفون أنهم فشلوا في احتواء تركيا، وأن تركيا أفلتت منهم، وأن واحداً زي أردوغان لعب بهم؛ فهي التجربة من حيث كونها نجاحاً ما فيها شك. ما أنا بقول لك هي الملجأ الوحيد والقلعة الأخيرة، لكن أنا قصدي أقول العيوب التي تهدد استمرار التجربة بالذات بعد أردوغان هو ده المثير للقلق. طول ما أردوغان موجود بقوته، المتوقع أن التجربة تظل في التصاعد وفي الاستقرار، لكن من ضرورات استمرار التجربة أن يبقى هناك من يتلوه فيكون على مذهبه ونهجه، ولا يكاد يُرى هذا الشخص.
أليست هذه من سنن التاريخ يا أستاذ محمد؟ من بعد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين دائماً الرجل الأول القوي هذا لا تعرف من الذي سيأتي وراءه، أو صعب أن يصنعه البشر، هذا صنيعة رب العالمين. هذا القائد ربك الذي يجلبه. في ناس تنجح في ترك قادة من بعدهم، ودول ذروة الإعجاز، زي ما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ترك بعده أبا بكر وعمر وعثمان وعلي. وفي ناس التجربة تضعف بموتهم. وفي ناس أفذاذ مثل صلاح الدين ويوسف بن تاشفين. الدول العباسية مثلاً، أبو العباس السفاح لما مات جاء وراءه أبو جعفر المنصور، جاء وراءه المهدي، جاء وراءه هارون الرشيد؛ كل دول كبار أقوياء وأقاموا بالأمر. وكذلك عبد الملك بن مروان جاء بعده أبناؤه الأربعة، دولة مستقرة في كل هذا. في قيادات تعرف تجيب من يرثها فتستمر التجربة، وفي قيادات نهايتها تبقى بداية غروب التجربة.
واحد من أهم معايير الحكم بالفشل أو النجاح هو الاستقلال بالقرار. قد إيش تركيا اليوم مستقلة بقرارها؟ بالنسبة للعالم العربي والإسلامي تقدر تقول رقم واحد، لكن بالنسبة لعموم العالم فما تقدرش تقول إن كل قرار أنها مستقلة؛ لأنه ما تزال الجمهورية التركية حتى هذه اللحظة تعاني من الضعف العربي والإسلامي. لا ريب ولا شك في أنه لو كان مرسي أكمل في مصر وما حصلش الانقلاب، وأيضاً لو استقر الوضع في ليبيا، كان سيبقى محور مصر، السودان، سوريا، تركيا، وقطر؛ كان هيبقى حالة هائلة. لكن حقيقة ما فيش مرسي في مصر، وفي مشاكل في ليبيا، وانهار الوضع في تونس، وخدت الثورة السورية 14 سنة إلى قد نجحت، فالأحمد الشرعي لسه بيحاول يبدأ من الصفر. ما تقدرش تقول إن دولة زي تركيا تستطيع أن تواجه؛ عند القرارات الكبرى والإرادات الكبرى لا تستطيع أن تفعل الكثير.
مع أنه صار عندها اكتفاء ذاتي في صناعاتها الدفاعية، سمعت أنا 80%؟ في تقديري هذا الرقم مبالغ فيه، لكن نقدر نقول إنه في جانب الطائرات على الأقل في تطور. لكن انتبه، لو أنت بتتابع الحالة التركية، ما تقدرش تقول إنه حصل استقلال شبه حقيقي ممكن للجيش التركي إلا بعد انقلاب 2016. وبالتالي تركيا ما عندهاش سلاح نووي، ما عندهاش صواريخ باليستية، ما عندهاش برنامج صاروخي، ليس عندها حتى القدرة على شبكة الإنذار العام، ما عندهاش ملاجئ. فاكر أنت التوصيات التي خرجت بعد حرب الـ 12 يوماً بين إيران وأمريكا؟ التوصيات دي بتدل أن تركيا ليس ممكناً أن تدخل حرباً كبيرة، لا مع أمريكا ولا في إيران؛ ما عندهاش الدفاع الجوي الذي تستطيع أن تصد به الطائرات الإسرائيلية أو الأمريكية. طبعاً على فكرة، تركيا على رغم قوتها الهائلة دي إلا أنها بتعاني من دول ضعيفة زي قبرص واليونان، مش علشان القوة الذاتية لقبرص واليونان، لا، علشان مدعومين بالقوة الأوروبية؛ مسألة التنقيب في شرق المتوسط ومسألة الجزر المتنازع عليها ما تزال أمام. والتحدي الاقتصادي طبعاً تحدٍ ليس سهلاً برضه في البلد، حيث إن الدولة مبنية على الجزء من أوروبا وأمريكا.
طبعاً يا أستاذ محمد، نصور هذه الحلقة والمنطقة كلها على صفيح ساخن، فما بنعرف إيش اللي ممكن يصير لاحقاً. لكن في القراءة التاريخية وصولاً إلى يومنا الحاضر، كوننا في محور التاريخ المعاصر، هذه هي عصارة الإجابة عن سؤال التجربة العلمانية، واللي مدهش فيها كيف يتحول مركز الخلافة إلى نسخة عنيفة من العلمانية.
كنت بدي أسألك شغلة عن أتاتورك قبل ما نختم الحلقة ونسيت، هو مصطفى كمال أتاتورك كان من ضمن الاتحاد والترقي ولا ما كانش معهم؟ لا، هو يعتبر.. أنت عايز تقول كان منهم في الأول ولا لم يكن منهم؟ كان منهم في البداية بس كان ضابطاً صغيراً ساعتها، أيام أنور باشا وغيره. وهو أصلاً حارب مع جمال باشا في الجيش السابع في الشام، لكن سياسته تعتبر انقلاباً على سياسة الاتحاد والترقي.
طيب الآن لو نحن بدنا نلخص في الآخر هذا النموذج العلماني، سواء في تركيا أو في العالم العربي والإسلامي، نجح أم فشل؟ لو سألت الكلام ده لواحد إسلامي هيقول لك نجح، لو سألت الكلام ده لواحد علماني هيقول لك فشل. الإسلامي يرى ما أخذ من الإسلام وهو كثير، والعلماني يرى ما خسرته العلمانية وهو كثير أيضاً. حقيقةً المشهد كما تراه في تركيا لا تستطيع أن تقول إن العلمانية نجحت، ولا تستطيع أن تقول إنها فشلت. لا ريب أنها نجحت في أمور كثيرة، وتخيل أنت كيف أن الدولة التي كانت عاصمة الخلافة وكان الحجاب فيها شيئاً مقدساً، يبقى عندك نضال لكي تعيد الحجاب من الحرية الشخصية؛ لكي تستطيع المتحجبة أن تدرس وتدخل الجامعة مثلاً، فإذن أنت عندك انهيار هائل. لكن الآن لو نظرت من وجهة نظر العلماني، سيرى أن العلمانية التي بدأت في 1924 لم تزل تخسر، ما خسرتش كل حاجة، لكن لم تزل تخسر.
جزاك الله خيراً يا أستاذ محمد، كانت هذه إطلالة على هذا العالم، عالم العلمانية. إخواني أينما كنتم شكراً جزيلاً أستاذ محمد. حياك الله. إخواني أينما كنتم لا تنسوا أن تشاركوا هذه الحلقة مع إخوانكم وأحبابكم؛ أعتقد الآن صرنا بصورة أكثر من كافية كيف تطور هذا التاريخ المعاصر وصولاً إلى يومنا الحاضر، والذي أسأله تعالى أن تكون الأيام المقبلة امتداداً فيه خير وبشرى، وقدر ينهض بهذه الأمة ويخلصها من حالة الهيمنة والسيطرة التي وقعت تحتها، وخلصنا عاد من القرن العشرين هذا الذي حقيقة مآسيه لا تنتهي ولا تتوقف. لا تنسوا أن تنشروا هذه الحلقات إلى كل من تعرفون وتحبون، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة، دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.
محمد إلهامي