دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 64. كيف تحولت مصر إلى العلمانية؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

احنا هيك مضطرين أن نعود إلى حارتكم؛ حيث مصر، ما بنقدر نبعد شوي بنرد بنرجع. كل وطن عزيز على صاحبه، لكن تعلق المصريين ببلدهم في تقديري فيه شوية زيادة. عندما تتأمل مصر تاريخياً تشعر أنك أمام دولة من الدول التي إذا استقرت استقر الإقليم، وإذا ضعفت ضعفت المنطقة. وهي قلعة من قلاع الإسلام؛ إذ قال سيدنا عمرو بن العاص: مصر ولاية جامعة تعدل الخلافة.

المفاجئ والغريب والعجيب أن بلداً تمكن الإسلام من نفوس أهله، بلد الأزهر، تهيمن عليها العلمانية. لما سقطت الخلافة العثمانية كانت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي؛ بدأت اللحظة التي تنفصل فيها مصر السلطة ومصر المال والعلاقات عن الإسلام، لكن مصر الشعب والناس دائماً كانوا مخلصين للإسلام. يمكن هذا كمان مفاجئ، فالحقيقة أن أول المعارك والاصطدامات الكبرى في العالم العربي كانت في مصر، وهي معركة قاسم أمين ومسألة تحرير المرأة، هنا بيظهر لأول مرة في العالم العربي واحد بيقول الإسلام ليس نظام حكم.

بعدها بقا برضه في مصر نفسها تظهر مسألة أخرى وهي مسألة الحجاب، حجاب المرأة وتحرر المرأة؛ فيظهر لك قاسم أمين بكتاب «تحرير المرأة». لكن بعد سنة واحدة يكتب كتاب اسمه «المرأة الجديدة» والذي يصرح فيه بأن المرأة الشرقية عشان تنهض ينبغي أن تتبع خطى المرأة الغربية. هل عموم الشعب سواد الشعب الأعظم تأثر بالعلمانية؟ هل انحلت أخلاقه؟ هقول لك حكاية تدلك على التحول؛ العقاد يقول لمحمد فريد وجدي: معقولة أنت لسه متخلف لا تقبل بأن يقبل الرجل والمرأة في التمثيل؟ ليش؟ أنت مش واخد بالك أن تقبيل الرجل والمرأة على المسرح ده نوع من أداء العمل؟ أستاذ محمد صراحة أنت شخص متشدد، بتكاش الناس تنبسط يا أخي، اتركها العالم تنبسط. بعد كل اللي مر فيه هذا الشعب من أشكال مختلفة للعلمانية، اليوم واقع الشعب المصري مع العلمانية كيف؟ متأثر كتير في الفكرة. ما يزال تقديري أن الشعب المصري إذا تعرض لأي استحقاقات نزيهة برضه سيأتي الإسلاميون في المقام الأول. هل نجح النموذج العلماني أم فشل؟ العلمانيون بقا فشلوا ولا نجحوا؟ ببساطة كده: العلمانيون لم ينجحوا في شيء.

الله عليكم إخواني أينما كنتم أهلاً وسهلاً، أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة "100 سؤال في التاريخ"، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن الأسئلة الملحة التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. لمن انضم إلينا حديثاً، أين وصلنا؟ نحن في المحور العاشر في التاريخ المعاصر، وتحديداً نحن الآن في الحلقة الرابعة والستين. لا يستقيم لا من قريب ولا من بعيد أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذ محمد.

مرحبا نبيل الحرس، حياك الله.

حياكم الله أستاذ محمد، وصلنا إلى السؤال رقم 95، جاهز السؤال 95؟ توكلنا على الله. أستاذ محمد طبعاً نحن كل كم من حلقة نعود إلى حارتكم، إلى هناك حيث مصر، ما بنقدر نبعد شوي بنرد بنرجع. ما في فيها، مصر هي بتعرف مصر. أنا هيك بشعر قبل ما أسألك سؤالاً، أشعر عندما تتأمل مصر تاريخياً أنها دولة من الدول التي إذا استقرت استقر الإقليم، استقرت كل المنطقة، إذا ضعفت ضعفت المنطقة، إذا قويت قويت المنطقة. وإذا بتفكر في الأسباب بتلاقيهم تقريباً هم هيك خمسة أسباب: العدد السكاني له دور، والموقع الجغرافي صحيح، والثقل العسكري والأمني، والتأثير الثقافي والديني، شوف قديش أثرتم فينا كلنا يعني حتى من خلال الأفلام والمسلسلات والإنتاج الثقافي، والقدرة على تغيير المسار أو القرار السياسي في النظام العربي وفي النظام الإقليمي أياً كان. لهذا السبب تجد أن مصر لها ثقل، لذلك هي كمان معنا في حلقة اليوم، ما لي علاقة أنا أستاذ محمد.

الحلقة الماضية أستاذ محمد فتحنا ملف العلمانية، وتحدثنا عن تركيا كنموذج علماني، هناك شخص سيحكي لنا: آه، وحتى العالم العربي لحقته العلمانية. نعم عزيزي، حتى العالم العربي لحقت به أشكال من العلمانية وهيمنت أيضاً. لذلك هذا الأخ الفاضل يقول لنا: حتى العالم العربي الذي ينطق بلسان القرآن ويفهمه بسهولة، والذي انتشر فيه الإسلام منذ القرن الأول الهجري، هيمنت عليه العلمانية، مستغرباً طبعاً وبصورة عنيفة أحياناً وبصور أخف أحياناً أخرى. ولو قبلنا أننا في الحلقة السابقة أستاذ محمد تحدثنا عن النموذج التركي والذي كان طبعاً هو عاصمة الخلافة وكيف تحول إلى نسخة عنيفة من العلمانية، لو قبلنا أنه تسلل إليهم الفكر الغربي خلال على الأقل آخر 200 سنة، فماشي، ممكن تكون النتيجة غير مفاجئة أو طبيعية. لكن المفاجئ والغريب والعجيب أن بلداً تمكن الإسلام من نفوس أهله، بلد الأزهر، بلد الألف مئذنة، وهي قلعة من قلاع الإسلام، مصر، تهيمن عليها العلمانية. يمكن هذا كمان مفاجئ حقيقة، ونحن ندرس التاريخ المعاصر، هناك في مصر وقعت أول معركة علمانية أستاذ محمد، وهي معركة قاسم أمين ومسألة تحرير المرأة، وهناك أيضاً معارك كثيرة أخرى، لكن مثلاً علي عبد الرازق وفصل الدين عن الدولة، ومعارك أخرى طبعاً كثيرة جداً. سؤال 95 أستاذ محمد يقول: ما هي أهم ملامح التاريخ المصري بعد سقوط الخلافة؟ وما هي أهم فصوله؟ وكيف استطاعت العلمانية أن تنتشر في بلد كان عاصمة الخلافة وقلعة المماليك التي قهرت الصليبيين والمغول يوماً ما؟ تفضل أستاذ محمد.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. طبعاً مش عارف هبدأ منين والله. خليني أقول لك أنه مع انتشار النزعة القومية والوطنية في بلادنا، فالإنسان يتحسس دائماً حين يتكلم عن بلده، لأنه نحن أمة إسلامية واحدة وأمة جامعة، ولا ينبغي أنه يبقى الكلام فيه نزوع تفريقي أو تمزيقي، فالنزعة الوطنية بتبقى مختلطة بنحو من الفخار ومن الزهو، وهذا أمر طبعاً أمر مضر، ولكن وطن المرء جزء منه في النهاية. فحين نتكلم عن مصر فالجرح يكون جرحاً مضاعفاً لا بلا أدنى شك. أخبرك ربما سر أول مرة أقوله. أنا حرفياً كنت أتمنى أن أكون شاعراً ولكن لم أؤتَ لم أرزق هذه الموهبة، على رغم أني أحب الشعر حباً شديداً وأحفظ منه فيما أرى كثيراً، لكن سبحان الله لا يستقيم لساني بالشعر، مش عارف أطلع كم بيت على بعض إلا مرتين. المرة الأولى كانت في زوجتي حفظها الله، والمرة الثانية كانت بعد الهجرة من مصر تشوقاً إليها، فقط. دي بقا اللي هي مراحل بلوغ العاطفة أقصاها حقيقة.

المصريين بشكل عام من الشعوب التي التصقت بأرضها، ولم يظهر فيها موجة الهجرات من الأرض إلا مع بداية الدولة العلمانية مع شدة السطوة. يعني الآن مثلاً لو أنت نزلت بتكلم الشباب المصريين: أنت إيه أمنيتك؟ فكله بيقول: أهاجر دلوقتي. أنا عايز أقول هذه الظاهرة لم تكن موجودة قبل 200 سنة، المصريين عُرفوا بأنهم شديدو الحب والالتصاق ببلادهم. ومما درسناه حتى في الأدب في المدارس الثانوية قصيدة شوقي التي يقول فيها: «أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟». فمما قاله أهل النقد بقا أن شوقي ها هنا قال المبالغة المذمومة، إيه المبالغة المذمومة اللي قالها؟ قال: وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي. يعني بيقول لو أنا دخلت الجنة وشغلت بالجنة هفضل أفتكر مصر، فهم قالوا إن دي مبالغة مذمومة أنه واحد دخل الجنة بيفتكر، بس هذا يدلك على شدة ما تصنعه البلد. وحتى هذا أراه في كثير من المصريين، على كل حال فعلاً مصر من البلاد التي طبعاً أنا عارف أن كل وطن عزيز على صاحبه، لكن تعلق المصريين ببلدهم في تقديري فيه شوية زيادة، والإنسان لا يتحدث عن بلده إلا لأنه يحب بلده ويريد مصلحة بلده فيما يراه.

فبالتالي حين تأتي بقا وتتكلم عن مصر وكيف هيمنت عليها العلمانية، فأنت بتتكلم عن جرح غائر ونازف ولا يزال مستمراً حتى الآن في مصر؛ لأنه مصر منذ أن كانت وهي قلعة من قلاع الإسلام؛ إذ قال سيدنا عمرو بن العاص: مصر ولاية جامعة تعدل الخلافة. فقصد من اللحظة الأولى التي دخلت فيها مصر إلى حوزه الدولة الإسلامية أو حوزه الخلافة الإسلامية كانت ثقلاً هائلاً أضيف لأمة المسلمين، يعني مصر كانت تشرف على فتوح الشمال الأفريقي. يعني لو أنت قلت إنه كان مركز الخلافة في المدينة العاصمة، فتقدر تقول هناك جناحان للخلافة، الجناح الأول كان في العراق والجناح الثاني كان في مصر؛ العراق يشرف على كل فتوحات المشرق، والوالي في مصر يشرف على كل فتوحات المغرب. وبعدين ما إن ضعفت، يعني في كل لحظة من اللحظات كان الذي يتولى مصر هو الطبقة الأولى من رجال الحكم، يعني سيدنا عمر بن الخطاب موجود تلاقي عمرو بن العاص والي مصر، تروح عند الدولة الأموية مثلاً تلاقي عبد الملك بن مروان أخوه عبد العزيز بن مروان والي مصر، تروح عند الدولة العباسية تلاقي برضه أخو الخليفة أو عم الخليفة صالح بن علي وعبد الله بن علي والياً لمصر؛ فَلِشدة أهميتها كانت رقم اثنين دائماً في كل الأحوال، إلا أن تكون -لو ما كانتش رقم اثنين- هتبقى رقم واحد، ما حصلش أنها كانت رقم ثلاثة، يعني إما أنها المدينة الثانية بعد عاصمة الخلافة أو إما أنها عاصمة الخلافة. وظل هذا حتى أركسها وأوكسها وانكسها الحكام العسكر المعاصرون، وبالذات عهد هذا طبيب الفلاسفة عبد الفتاح السيسي مع الأسف الشديد.

إذا بنتكلم بقا عن كيف هيمنت العلمانية على مصر باعتبار أنه كان هذا ثقلاً، فالقصة نحن طبعاً لما تكلمنا عن مصر باعتبارها كانت بدايات تأسس الدولة الحديثة المركزية مع محمد علي، وقلنا كيف التحقت بالغرب مع محمد علي ثم مع أسرة محمد علي، وقفنا عند لحظة الاحتلال الإنجليزي؛ لأنه لما سقطت الخلافة الإسلامية، يعني الدولة العثمانية لما سقطت الخلافة العثمانية كانت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي. فبالتالي الاحتلال الإنجليزي ده بيسحبنا ورا كده لغاية لما نرجع لسنة 1882 وهي اللحظة التي احتل فيها الإنجليز مصر وسيطروا عليها، ومن تلك اللحظة بدأت تستطيع أن تقول بدأت اللحظة التي تنفصل فيها مصر السلطة ومصر النخبة ومصر المال والعلاقات عن الإسلام، لكن مصر الشعب والناس دائماً كانوا مخلصين للإسلام.

مثلاً ثمرات محمد علي وأبناؤه لا سيما الخديوي إسماعيل بدأت تظهر في عهد الاحتلال الإنجليزي؛ احنا بدأ يبقى عندنا واحد مسك المجتمع الإسلامي اللي هو محمد علي كسره، وبدأ يعمل دولة علمانية موازية، وبدأ يعمل مدارس علمانية بتبقى بديل عن المدارس الشرعية وعن الأزهر وعن الكتاتيب، بدأ يعمل مؤسسات إدارية تبقى بديل عن المجتمع، بدأ يعمل مصانع تابعة للدولة تبقى بديل عن الاقتصاد الشعبي والنقابات والحرفيين، بدأ يعمل نظام قانوني يبقى بديل عن النظام الشرعي؛ محاكم أهلية بديلة عن المحاكم الشرعية. الحاجات اللي عملها محمد علي كلها دي، وبعدين جاء إسماعيل فزاد عليها انحلالاً أخلاقياً؛ يعني محمد علي لم يكن معروفاً بشرب الخمر، لم يكن معروفاً بالتهتك مثلاً مع النساء، يعني ما فيش صورة مثلاً مرسومة لمراته وهي بشعرها مثلاً أو كده، لكن الخديوي إسماعيل ده واحد أُعجب بأوروبا إعجاباً لدرجة أنه نوى أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، فبالتالي حفلات القصر كانت فيها الخمور عادي، التراقص بين الرجال والنساء كان عادي، دي بقا لأول مرة بتحصل، يعني دي ما تلاقيهاش عند ولاية المماليك ولا العثمانيين، لا هنا بدأ يدخل نمط الحياة الغربي.

وحيث إن أنت موسع للأجانب والأجانب واخدين وضعهم في هذه البلد، فالأجانب كثير منهم جاء واستقر في مصر وجاءوا بعاداتهم وتقاليدهم أيضاً من تهتك النساء ومن الحفلات. ثم إن الخديوي إسماعيل هو الذي أدخل الأوبرا إلى مصر، يعني هو عمل أوبرا علشان تمثل فيها المسرحيات العالمية، فدي أول حاجة بتحصل، حتى المسرح لما هو عمله ما كانش لاقي حد يمثل فيه لأنه مافيش أصلاً ناس تقبل بروز النساء كده، ولا أنهم يطلعوا على المسرح، ولا أن واحدة ترقص مثلاً أو تغني، ما ده مش مقبول، فجاء بنصارى الشام لكي يكونوا.

في بداية تمثيل المسرحيات، كان الرجال هم من يمثلون الأدوار؛ فالرجل الذي ليس لديه لحية كان يمثل دور المرأة ويتصنع، لأن نساء النصارى في ذلك الوقت لم يكن يستطعن ذلك. ومن أشهر رواد الغناء عندنا في مصر المظ وعبده الحمولي؛ هؤلاء كانوا في عهد الخديوي إسماعيل. فلما أعجب عبده الحمولي بألمظ وتزوجها، منعها من الغناء، فقال له الخديوي إسماعيل: لا، أنا أريدها أن تغني لي، فقال له: ولا حتى تغني لك، هذه خلاص تزوجت وبقيت على ذمة رجل.

البداية كانت على هذا النحو؛ حتى الفئات المتهتكة التي فيها انحلال لم تكن تبلغ شيئاً ولو عشر معشار ما نراه الآن. الممثل الآن يكون فخوراً أن زوجته نائمة في أحضان رجل آخر أمام الناس! عبده الحمولي أنكر ومنع زوجته لما تزوجها أنها تغني ثانية. لكن خذ بالك أن السلطة الآن تضغط ضغطاً على إدخال نمط اجتماعي جديد؛ إسماعيل لما أنشأ الأوبرا وعمل السينما، كان يدفع طلبة المدارس إلى مشاهدة هذه العروض ويعطيهم تذاكر مجانية؛ السلطة تنزل على المدارس تعطي تذاكر مجانية حتى يذهبوا ويحضروا هذه العروض. الآن صارت السلطة تضغط في إدخال التغريب وهذه الحياة الغربية، وطبعاً أنت عندك منظومة قانونية ومنظومة قضائية ومنظومة تعليمية، كل هذا جعل الاحتلال الإنجليزي لما جاء يجد طبقة مهيأة إلى أن تنفذ هذا التحديث أو التحول إلى النمط الغربي.

أصبح عندك طلبة خريجي المدارس المدنية الذين لم يتعرضوا كثيراً للشرع ولقيم الشرع وللتعليم الشرعي، وأصبح عندك ناس قانونيون سواء درسوا في مدارس القانون هنا أو درسوا في أوروبا، هؤلاء سيبدؤون في أن يصبحوا طبقة موظفين، وطبقة الموظفين هذه ليست مجرد طبقة موظفين كباقي الأشغال، بل هؤلاء هم طليعة الدولة، هم الطبقة الصاعدة اجتماعياً.

على أيامي أنا كان أهالينا يقولون يا ابني هناك ما يسمى بكليات القمة، طب وصيدلة وهندسة، شد حيلك لكي تطلع دكتوراً ومهندساً وصيدلياً، لأن الكليات هذه هي التي تحقق هذه المناصب ويبقى الواحد مرتاحاً في حياته، عنده فلوس ووضع اجتماعي. طبعاً في الجيل الذي بعدنا، أصبح التوجه: يا ابني خليك لاعب كرة، أو خليك مغنياً، أو خليك ضابط جيش أو ضابط شرطة، لأنه هذه هي الطبقة الصاعدة اجتماعياً التي لها قيمة وعندها أموال. فالموظفون هؤلاء في ذلك الوقت كانوا هم الطبقة الصاعدة اجتماعياً، الطبقة التي كانت تسحب الناس إلى مذهبها ومنهجها، فبدلاً من أن يكون الأب حريصاً قبل ذلك على إرسال ابنه للأزهر، أصبح حريصاً أن يرسله للمدرسة الأهلية.

بدلاً من أن يكون حريصاً أن يكون ابنه شيخاً، أصبح حريصاً أن يكون موظفاً أو قاضياً في المحكمة المدنية أو مدرساً في المدارس الأهلية. السلطة بطبيعة النظام الذي أنشأته أحدثت انزياحاً وتحولاً وانحرافاً؛ تأخذ الناس من المجتمع الإسلامي وتضعهم ضمن المجتمع التغريبي.

لما جاء الاحتلال الإنجليزي، تستطيع أن تقول هذه هي اللحظة الفارقة في أن يكون عندك سلطة تريد أن تنشر العلمانية وتهيمن على هذا المجتمع وتفصله عن جذوره الإسلامية. طبعاً كانت مهمتها ألطف من مهمة الفرنسيين في الجزائر مثلاً أو من مهمة أي احتلال مباشر، لأنه كانت لديهم أرض ممهدة وطبقة من الناس مستعدة فعلاً أن تمشي في هذا المسار.

الإنجليز أيضاً كانوا من الذكاء والدهاء -وأرجع وأقول إن الاحتلال الإنجليزي من الاحتلالات التي تقدم السياسة والدهاء على العمل العنيف- فمن البداية خالص كانت قاعدة اللورد دوفرين أن هذا الشعب لا يصلحه إلا أستاذ من الأجانب مع الكرباج الوطني. يعني الأجنبي هو الذي يخطط، لكن من الذي يضرب ومن الذي يوجه وينفذ؟ لا بد أن يكون واحداً من الوطنيين. لذلك الاحتلال الإنجليزي كان يدير ويشرف دون أن يشتبك اشتباكاً مباشراً، ويعتمد على هذه الطبقة النامية وعلى طموحاتها. هذه الطبقة هي التي كانت محيطة بحاشية محمد علي ودولته، الطبقة التي تعلمت عند الغرب سواء ذهبت في بعثات أو درست على يد المستشرقين ومعلميهم، الطبقة التي تجاوبت وتناغمت مع الاحتلال الإنجليزي.

هل هذا تم بشكل طبيعي؟ لا. الإنجليز من ناحيتهم بدأوا يعتمدون أكثر على الأقليات، اليهود والنصارى، فكلما كنت يهودياً أو نصرانياً كان معدل صعودك داخل جهاز الإدارة المصري وتمكنك من الإعلام في ذلك الوقت -الصحافة، فما كان هناك شيء آخر غيرها- أو تمكنك من الأموال والتجارة والسمسرة والدخول في عقود أكبر؛ كان أسرع. فمنذ ذلك الوقت إلى هذه اللحظة التي نتكلم فيها، مثلاً الأقباط في مصر نسبتهم 6%، لكنهم كحيازة ثروة على الأقل 46%، هذا تقدير متواضع وهناك تقديرات أكبر من ذلك.

فكلما كنت من الأقليات كانت فرصتك في الصعود أكبر، والإنجليز أتوا بأقليات؛ فالنصارى الموجودون في الشام كانوا مقدمين أكثر على النصارى الموجودين في البلد. لماذا؟ من طبيعة الحكم غير المستقر أن يتحصن بالأقليات ويحصنهم معه، مثلما فعل نابليون في الحملة الفرنسية بأنه جلب مجموعة من الأقباط وشكلوا الفيلق القبطي، بحيث أن الأقلية تظل ملتصقة بهذا النظام وتندمج مصلحتهما معاً، فلا يمكن لهذه الأقلية أن تخون المحتل أو المستعمر، وكذلك المحتل والمستعمر يبقى معتمداً على ولائها لأنها جزء منفصل عن الناس.

إذا نظرت إلى المجتمع المصري، ستجد أن المجتمع المصري تدرج به الأمر إلى هذا الحال؛ عندك إنجليز محتلون، عندك عدد هائل من الأجانب، من الإنجليز والفرنسيين الذين هم السادة، وصولاً إلى اليونانيين والمالطيين الذين قدموا أساساً لأن هذه البلد عندها نظام قانوني ووضع يسمح بترقي الأجانب. عندك نصارى ويهود يزداد تمكنهم، عندك نصارى وأقليات من الشام هم الذين فتحت لهم أروقة الإعلام وأروقة الإدارة، فبالتالي صارت في مصر طبقة عليا قريبة من الغرب وقريبة من أفكاره، وهي الطبقة الناهضة والنامية اجتماعياً، وصار الذي يريد أن يرقى اجتماعياً، سواء تجارياً أو تعليمياً أو إدارياً، عليه أن يلتحق بهذه الطبقة. من هنا نشأت هذه الشريحة العلمانية؛ هي على فكرة تظل رقيقة وقليلة جداً بالنسبة للشعب المصري، لكنها تملك السلطة وتملك الثروة.

رويداً رويداً يتم التضييق على الأزهر والمنافذ الإسلامية، ويتم التضييق على كل المجتمع الإسلامي، وتزيد المدارس العلمانية، وتزيد الإدارات والقوانين والمحاكم؛ من هنا بدأت العلمانية تسود في السلطة المصرية دون عموم الناس. وتستطيع أن تقول هذه المعادلة لا تزال مستمرة حتى الآن لكن بأشكال متفاوته. أضف إلى كل الذي قلناه أن الخلافة العثمانية كانت تتدهور من انحدار إلى انهيار إلى انكسار إلى زوال، وبطبيعة الأمور أي فكرة مهزومة الناس تنفر منها أو تتشكك فيها، وأي فكرة منتصرة الناس تتعلق بها، فالمغلوب مولع بالاقتداء بالغالب. فمن عام 1882 يزداد الإنجليز وأولياؤهم تمكناً في البلد، وكذلك الدولة العثمانية تزداد انهياراً، إلى أن تنهار في النهاية على يد نموذج علماني آخر وهو نموذج مصطفى كمال الذي ذكرناه في الحلقة الماضية.

اختفت الخلافة، اختفى المعنى الإسلامي، اختفت القوة الإسلامية، والذي يسود ويقود ويهيمن ويسيطر الآن هم العلمانيون. والناس الموجودون في مصر بالذات، الأثرياء والوجوه والأعيان والناس التي تحافظ على صعودها الاجتماعي وطبقتها التي تركت الأزهر لأن مستقبله مظلم. سأذكر لك مثالاً لطيفاً هنا يوضح المقصود؛ أحمد أمين، الأديب المصري المعروف، يذكر في مذكراته أن أباه كان شيخاً من شيوخ الأزهر الشافعية المتشددين -وكلمة "المتشددين" كلمة ابنه وليست كلمتي- ويذكر من أنباء عبادته وحرصه وشدته واهتمامه بتربية أولاده شيئاً كثيراً.

هذا الأب كان متحيراً: هل يودي أحمد أمين للأزهر أم يوديه لمكان آخر؟ لأن مستقبل الأزهر مظلم. هذا رجل شديد التدين لكنه يرى أن مستقبل الأزهر مظلم! أحمد أمين ابنه سيكون من رواد الانحراف عن الإسلام إلى العلمانية. وبدون أن أدخل في تفاصيل، يكفي أن أقول لك إن ابنه جلال أحمد أمين قال عن أبيه أحمد أمين إنه لم يره أبداً لا يصلي ولا يصوم! جلال أمين في مذكراته يتكلم عن أبيه الأديب أحمد أمين ويقول إنه لم يشاهده أبداً لا يصلي ولا يصوم.

جلال أمين وأخوه حسين أحمد أمين كانا من رواد الدعوة إلى العلمانية العنيفة في مصر، فحسين أحمد أمين كان واحداً من أشهر أربعة علمانيين في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، يشتدون في مطاردة الإسلام والمسلمين، وكانت الدولة تفتح لهم صحافتها، لدرجة مثلاً أن كاتباً مثل الأستاذ فهمي هويدي لما كتب كتابه "المفترون"، جاب أربعة من أشهر العلمانيين يرد عليهم؛ كان منهم حسين أحمد أمين، ومعهم فرج فودة، ونور فرحات، وسعيد عشماوي. فانظر كيف تحول المسار من الشيخ الأزهري المتشدد الذي له أنباء في العبادة، إلى ابنه الذي لا يصلي ولا يصوم، إلى أحفاده الذين تزعموا مطاردة الإسلام في مصر؛ هو ده المسار الذي حدث ممثلاً في أسرة واحدة.

مصر بما لها من عدد سكاني كبير، وبما لها من موقع جغرافي، وبما تأسس فيها من مدارس وصحافة ونظام دولة حديثة، وبما أنها "خزائن الأرض" كما سماها سيدنا يوسف، كانت أول المعارك والاصطدامات الكبرى في العالم العربي فيها. فحصل الذي سألت عنه، أول معركة تطالب بالفصل بين الدين والدولة حدثت في مصر، طلع واحد اسمه علي عبد الرازق كتب كتاباً اسمه "الإسلام وأصول الحكم"، يزعم فيه أن الإسلام مجرد رابطة روحية، لكن ليس له دعوة لا بالسياسة ولا بالحكم ولا يوجد فيه نظام دولة.

هذا كان في عام 1925، الكتاب فيه شوية مشاكل لا يسع المقام لتفصيلها، لكن خلاصة الكلام أن هذا الكتاب لو عُرِض الآن -لو شلنا اسم علي عبد الرازق وعرض على أي جامعة أو مركز بحثي- سيرميه في القمامة؛ كتاب ليس فيه أدنى التماسك العلمي ولا أدنى المنهج الموضوعي، هو كتاب تافه حرفياً. وأنا كلمة "تافه" هذه لا أقولها لأني ضد فكرة الكتاب، بل أنا أقرأ للعلمانيين وأستطيع أن أقول لك إن هناك مجموعة من الكتب العلمانية الرصينة والقوية، لكن هذا علمياً ومنهجياً كتاب تافه في غاية التفاهة، وهو كتاب صغير على فكرة.

لكن لماذا كان لهذا الكتاب أهمية عند العلمانيين؟ لأن الذي كتبه منسوب إلى الأزهر، هو شيخ أزهري. هو طبعاً شيخ أزهري لكن كان ضمن حزب سياسي اسمه "الأحرار الدستوريين"، وهذا الحزب كان واجهة لعملاء الإنجليز في السياسة المصرية، ولذلك هاجمه سعد زغلول؛ لأن سعد زغلول هو أيضاً من رجال الإنجليز، لكن من حزب آخر وهو "حزب الوفد". سعد زغلول لما سئل عن الكتاب قال: بصيت في الكتاب ده لقيته كتاب تافه ومتهافت، وما علينا إذا لم يفهم البقر! هو كتاب فعلاً ضعيف جداً، لكن أهميته نابعة من أن الذي كتبه عليه عمامة أزهرية.

العلماء أشبعوه رداً، والأزهر فصله بسبب هذا الكتاب. الأزهر أخذ إجراءً، لكن أرجع وأقول في حقيقة الأمر، أخذ إجراءً مع شوية ضوء أخضر من حزب الوفد الذي كان موجوداً في السلطة في ذلك الوقت. العلماء عندهم حمية إسلامية، وهناك كثيرون ردوا عليه بدافع الحمية الإسلامية، لكن الأزهر لأن أحواله تضعضعت للغاية، لم يكن قادراً على مواجهة التيار الإلحادي والتنصيري والعلماني في ذلك الوقت. فجزء من هذا القرار كان نوعاً من الضوء الأخضر الذي سمحت به السلطة في إطار منافسات تفصيلية، لكنه يستحق الفصل؛ هو كتاب متهافت جداً وضائع خالص.

هنا يظهر لأول مرة في العالم العربي واحد يقول: "الإسلام ليس نظام حكم، والإسلام مجرد دين"، فيحاول أن يتوافق مع العلمانية، وزي ما قلت لك الكتاب فيه اضطرابات؛ بعض أجزائه تشعر أنها كتبت في ظل الخلافة العثمانية، وبعض الأجزاء كتبت بعد انقضاء الخلافة العثمانية. وحول هذا الكتاب دارت معارك كثيرة مع العلمانيين، لأن أهمية الكتاب بالنسبة للعلماني هي أن هناك شيخاً قال: الإسلام ما فيهوش دولة.

هذا الكلام بدأ في عام 1914، أي قبل سقوط الدولة العثمانية أو ربما في العشرينيات. الكتاب في بعض أجزائه يدل على أنه كُتب في ذلك الوقت أيام وجود الدولة العثمانية، ولكنه صدر بعد سقوط الخلافة. الفكرة الصادمة التي جاءت في الكتاب هي ادعاؤه أن الإسلام لم يأتِ بشيء اسمه الخلافة؛ فيقول: سقطت الخلافة، أنتم لماذا زعلانين يا مسلمين على أن خلافة سقطت؟ ولماذا بعضكم يدور ليعمل خلافة ثانية بعد خلافة آل عثمان؟ أصلاً الإسلام هذا ليس فيه خلافة وليس فيه نظام حكم، وما فعله أبو بكر كان مجرد تصرف عابر.

هذا الكلام فيه إساءة للصحابة وإساءة لأبي بكر، ولغة الكتاب ليست لغة علمية ولا موضوعية؛ بل هي لغة شخص هائج يتكلم وكأنه يكتب مقالاً وليس كتاباً. هذا الكتاب يعتبر ضائعاً، لكنك هنا لأول مرة تشهد اصطدام الشعور الإسلامي على لسان شيخ منسوب للأزهر، بادعاء أن الإسلام ليس دولة وليس نظام حكم.

بعدها في مصر نفسها تظهر مسألة أخرى وهي مسألة حجاب المرأة وتحررها، فيظهر قاسم أمين بكتابه تحرير المرأة. كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين قد يكون مقبولاً ولا يحتوي على المشاكل الكبيرة، لكن مشكلته الأكبر أن قاسم أمين من الناس الذين لديهم خلل في مسيرته؛ فله كتاب يرد فيه على مستشرق فرنسي كانه تركي متعصب، يذهب لفرنسا ثم يرجع ليكتب تحرير المرأة.

كتاب تحرير المرأة كما قلت لك يمكن أن نختلف أو نتفق معه، لكن بعد سنة واحدة يكتب كتاباً اسمه المرأة الجديدة، وهذا الكتاب هو الذي فيه المشاكل؛ إذ يصرح فيه بأن المرأة الشرقية لكي تنهض ينبغي أن تتبع خطى المرأة الغربية. ليس أن تتعلم فحسب، بل تتبع الخطى. لقد سمعت أنه كان يحكي أن المرأة متخلفه لأنه يجب أن يعلمها المجتمع، فلازم تتعلم من أجل أن تنهض، وهذا الكلام هو الذي في كتاب تحرير المرأة في البداية.

أرجع وأقول إن المجتمع في ذلك الوقت كان فعلاً فيه انحراف وغلو، فقد وجهنا القرآن إلى أن ننظر في أنفسنا، وجزء من الحالة التي كنا فيها هو وجود انحراف عن الإسلام وغلو في مسألة التعامل مع المرأة؛ مثل حرمانها من التعليم والميراث والخروج من البيت. فمن يتكلم ضد هذه الأفكار ويستلهم القرآن والسنة لا تستطيع القول إنه متعلم أو تابع للغرب؛ فهنا يلتبس الأمر. متى يظهر الوضوح؟ عندما يترك شخص الإسلام ويقول: لنتعلم من الغرب، أو عندما يقف شخص عند حدود الإسلام. هذه معركة ثانية اشتعلت في مصر، وهي معركة المرأة.

هناك معركة ثالثة وهي معركة العلاقة بين العلم والدين. نحن الآن في زمن بدأ فيه الأمر وكأن الدول الغربية انتصرت لأنها تخلت عن الدين وأخذت بالعلم، وبالتالي حيث إننا نريد أن ننتصر ونصبح أقوياء، فيجب علينا أن نتقفى خطى هؤلاء الغربيين؛ فمثلما تخلصوا من الكنيسة يجب أن نتخلص من القلاع الدينية التي عندنا. نحن أصلاً كمسلمين ليس عندنا كنيسة معينة، لكنهم تخلصوا من الدين، فتعالوا نحن أيضاً نتخلص من الدين، هم آمنوا بالعلم فتعالوا نؤمن بالعلم، وكل الغيبيات هذه مجرد خرافات.

هذا الكلام لم يكن يحدث بمجرد أن أناساً منبهرين يطرحون فكرهم، بل كان يطرح وراء المنبهرين بالغرب الداعين إلى تقليده سلطة ودولة وإمكانيات، فالفكرة تأخذ رواجاً وانتشاراً وذيوعاً أكبر بكثير جداً من قدرتها الذاتية على الانتشار لأن وراءها دولة. حكام هذه الدول، وخاصة الاحتلال الإنجليزي، كانوا طبقتين: طبقة الإنجليز المسيطرين، وطبقة الحكام المصريين ورجال الإدارة التابعين والمتقربين من الإنجليز رغباً ورهباً. هؤلاء في أغلبهم كانوا ممن تعلموا في الغرب، أو تأثروا به، أو يريدون الالتحاق به.

من أول الخديوي سعيد وإسماعيل وتوفيق، وفيما بعد عباس حلمي، والسلطان حسين كامل، والأمير فؤاد، كلهم تعلموا في الغرب ونشأوا على يد الأجانب. فهناك نزوع حقيقي عند الحكام؛ فالحاكم يرى فعلاً ويعتقد أنه يحكم شعباً من المتخلفين المتعلقين بالخرافات البالية، وهذه قناعته التي رُبي عليها. لذا، فإن إجراءاته فيها نوع من دعم وترويج وإنشاء المدارس العلمانية والمدارس التنصيرية والجامعة العلمانية. مثلاً، اقرأ مذكرات عباس حلمي، وهي مذكرات مهمة اسمها عهدي، لرجل متعلمن تماماً، يتكلم عن أن هذا الشعب لكي نعرف كيف نأخذه إلى اتجاهنا، يجب أن نعطيه بعض الإسلام في النص، ولا ينفع أن تأخذه مباشرة؛ لأنه لم ينهض ولم يرتقِ بعد ليفهم الفكرة الوطنية التي نريد أن نقولها له، وهي فكرة الاستقلال عن الخلافة العثمانية وانتشار المدارس العلمانية والجامعات العلمانية.

نكمل تطور الفكر العلماني في مصر، وممكن نحكي إنه ظهر بشكل واضح جداً في عام 1922 في زمن ظهور الملكية، ثم بعدها ثورة 1952 التي كانت نقطة تحول جديدة في إدارة الملف. سأعطيك حكاية تدلك على التحول، فاكر عندما كنت أقول لك عن عبده الحمولي والمظ، كانوا يجلبون واحداً يحلق شنبه وذقنه ليمثل دور المرأة؟ العقاد في مذكراته يتكلم في حوار بينه وبين محمد فريد وجدي، ومحمد فريد وجدي أيضاً أحد الشخصيات الإسلامية التي فيها شيء من لوثة العلمانية والتعلق بالغرب، لكن يظل شخصية إسلامية. العقاد يقول لمحمد فريد وجدي: معقولة أنت لا تزال متخلفاً ولا تقبل بأن يقبل الرجل المرأة في التمثيل وعلى المسرح؟ ألا تدرك أن تقبيل الرجل والمرأة على المسرح نوع من أداء العمل وكفاءة في إتقانه، ولا يعبر عن شهوة ولا غريزة؟ تخيل كيف انتقل المجتمع عبر 30 سنة من منع تمثيل المرأة، إلى أن يرى تيار من المثقفين أن القبلة بين الرجل والمرأة على المسرح من ضرورات الفن.

نرجع للتحقيب، ومصر تحقيبها سهل وواضح؛ من 1882 إلى 1952 هذا عهد الاحتلال الإنجليزي، ومن 1952 إلى الآن، شيل منها فترة ثورة يناير وحكم مرسي، هذه الحقبة العسكرية، أي العهد الناصري والساداتي والمباركي والسيسي، كلها حكم عسكري. داخل هاتين الحقبتين الكبيرتين توجد تقسيمات أخرى. ندخل الاحتلال الإنجليزي الذي استمر 70 سنة؛ عند 1914 نقطة فاصلة، وعند 1922 نقطة فاصلة أخرى، فصارت ثلاث حقب فرعية.

الفاصلة الأولى 1914 هي الحرب العالمية الأولى. لماذا هي فارقة في مصر؟ لأن الاحتلال الإنجليزي منذ دخل مصر كان يقول: أنا لا أحتل مصر بل أنا قوة مساعدة جئت هنا بطلب من الخديوي لاستقرار حكمه، وليس عندي أي مشاكل مع السلطنة العثمانية العالية، نحن فقط قاعدون هنا لنمنع المتشددين بتوع عرابي. عند عام 1914 أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، أي أن مصر أصبحت لنا.

1922 هي لحظة استقلال مصر الشكلي، رجعت بريطانيا للحالة الأولى: مصر دولة مستقلة، وأعطينا تصريح 28 فبراير بمنحها الاستقلال، وأصبحت اسمها المملكة المصرية، وحتى الذي يحكمها اسمه الملك فؤاد، لكن نحن دولتان بيننا معاهدات دفاع مشترك وصداقة وحلف. هذه الفترة من 1922 إلى 1952 يسميها المؤرخون الفترة الليبرالية، أي عندك أحزاب وحياة سياسية وصحافة وفق الدستور، لكن يد الإنجليز فوق الجميع.

بالنسبة للحالة العسكرية، كل حاكم يعتبر فترة لوحده لأن بين كل واحد والثاني تمايزات قد تفسر بأنها انقلاب على سابقه، فعبد الناصر خط، والسادات خط ثاني، وحسني مبارك خط ثالث. الجزء المتفق فيه أن كل هذه السلطات علمانية، ضد الشعب، عملت على تقوية الدولة وتغولها ومركزتها، وأضعفت كل مظاهر المجتمع الإسلامي، وإن اختلفت السياسات.

أما عن تفاوت هذه الفترات؛ فترة عبد الناصر كانت فترة مطاردة حقيقية للدين، إلا المظاهر الشكلية كإذاعة القرآن الكريم، لكن أي أحد يفكر بالعمل بالقرآن فمكانه السجون والمعتقلات. كانت العصر الذهبي للشيوعيين، فالصحافة والأفلام والمسرح كان يروج للفكره الإلحادية، وكان عبد الناصر في أواخر عهده مرتبطاً ارتباطاً قوياً بالاتحاد السوفيتي. وهذا لا يمنع أن بعض الشيوعيين اضطهدوا في أيامه، لأنه كدولة لا يريد أي حالة ثورية، فالشيوعية تصف المجتمعات التي يحكمها ملك مستبد ويحكمها الدين بالمجتمعات المتخلفة وتعتبر الدين أفيون الشعوب.

هذا المجتمع فيه نفس ثوري عالٍ وحقيقة ما يزال حتى الآن الحالة اليسارية فيها نفس ثوري عالٍ، لكن النفس الثوري هذا زي ما هو ضد الاستبداد والديكتاتورية هو ضد الدين.

طيب عبد الناصر عمل إيه بقى؟ أنت ضد الدين؟ أوكي، صاحبي وحبيبي وكفاءة، ضد الدولة أو ضد السلطة؟ تنزل السجون والمعتقلات. تمام، يعني أفسح لي وسمح بالمضادة الشيوعية للدين، مش المضادة الشيوعية للديكتاتورية.

هذا الالتصاق وهذا التوحد بين الشيوعية واليسار وبين الدولة الناصرية، لما جاء السادات، كان من ضرورات تثبيت سلطته هو أنه يتخلص من هؤلاء الذين صاروا رجال عبد الناصر، والمدد الفكري لفكرة ودولة عبد الناصر، خصوصًا وهو أصلاً يريد أن يتوجه إلى المعسكر الغربي وأمريكا، وشايف أن الاتحاد السوفيتي ده مستقبله مش مبشر، وأن أمريكا أقوى منه بكتير، وشايف أنه برضو الشيوعية دي مش هتفلح مع الشعب المصري. فبالتالي كانت ضرورة سياسية وضرورة أمنية بالنسبة لتثبيت سلطته هو، وضرورة سياسية خارجية عايز يتحول لأمريكا، وضرورة أمنية ضد سلطته هو أنه يتحول إلى الرأسمالية.

فعمل إيه؟ أفسح الطريق، بدل ما عبد الناصر كان مكلبش الناس هو بس فك الكلبشة، قال كل اللي عايز يتكلم يتكلم. وسمح بوجود رسمي ومعترف به من الدولة حتى للشيوعيين واليساريين، وسمح بوجود غير رسمي ولا معترف به للإسلاميين. يعني نظام غض الطرف، نظام أنا سايبك لكن أنت محظور قانوناً، تحرك كده لكن أنا ممكن أجيبك في أي وقت، ليس لك وجود شرعي. فلما ده حصل وهذه كانت فترة السبعينات، وكان في صحوة إسلامية، سرعان ما أكل الإسلاميون الأجواء وسرعان ما انكمش الشيوعيون. سرعان ما حصل هذا في واحدة من عجائب التاريخ، وأنا بقول القصة دي مش في مصر بس، القصة دي السبعينات دي كانت في السعودية في الخليج والجزيرة العربية، وكانت في إيران وكانت في تركيا وكانت في المغرب العربي. السبعينات محتاجة بقى دراسة عظيمة كده على كيف نبت الإسلام ونشأ من جديد.

في بلاد الشام طبعًا، وإن كان بلاد الشام كان فيها شوية عرقلة لأنه كان حزب البعث في ذلك الوقت في قوته، لكن كان في بدايات الثورة الإسلامية في سوريا كانت في السبعينات مع الشيخ مروان حديد، والشيخ مروان حديد قتل سنة 76، استشهد سنة 76 على يد النظام السوري. نفس الكلام كان موجود في العراق، لكن لم يحصل هذا الفوران، لم يظهر في الشام والعراق على النحو الذي ظهر به في مصر وفي الجزيرة العربية وفي إيران وفي تركيا وفي المغرب العربي.

أنا كنت بقول السادات أراد أن يكسر إرث عبد الناصر ويتحول هذا التحول، وطبعًا في ذلك الوقت برضو كانت المعركة العالمية بين الرأسمالية الغربية وبين الاتحاد السوفيتي. زي ما قلنا في حلقة تركيا، تستفيد من الدافع الديني في مواجهة الشيوعية، يعني أنت كأمريكا بتستخدم كل الأسلحة الممكنة في دحر الشيوعية ودحر الإلحاد، بما في ذلك أنك بتدعم الكنائس وبتعمل مجلس الكنائس العالمي، وبدعم حتى هذه الحركات الإسلامية طالما هي لا تمثل خطرًا عليك علشان تدفع الفكرة الشيوعية.

فلما هيجي بقى السادات سنة 79، هو طبعًا هيبدأ 77 يروح يصالح إسرائيل، و78 يعمل كامب ديفيد، و79 يعمل معاهدة السلام، و80 يبقى خريف الغضب اللي هو بيلم الناس كلها ويحطها في السجون مرة ثانية. فيجي سنة 81 يجري اغتياله على يد إسلاميين في الجيش المصري. يعني عايز تقول عسكريين مصريين صحيح، عايز تقول إسلاميين صحيح، الاثنين عبارة صادقة لأنهم كانوا إسلاميين في الجيش المصري. هو متى بدأ حكم السادات؟ 70، عبد الناصر توفي في سبتمبر 70، ومن بعدها استلم السادات لأنه كان نائب رئيس جمهورية، واغتيل في 6 أكتوبر 81، وبعدها بأسبوع كده حصل استفتاء فتولى حسني مبارك لأنه برضو كان نائب رئيس جمهورية.

لما إيه الإشكال الذي حصل مع السادات وخلى ردة الفعل الإسلامية تبقى عنيفة؟ لأن الذاكرة الإسلامية المصرية لما شافت السادات في خريف غضبه -ده تعبير هيكل- ظنت أن العصر الناصري سيعود من جديد، والعصر الناصري بالنسبة للإسلاميين الجحيم نفسه. أنت تقرأ عن السجون الناصرية، شوف عبد الناصر عمل الذي لم يكن في خيال أي حد عاش في عصر الإنجليز، السحق والتعذيب والتنكيل والمطاردة؛ ده عصر أسود حقيقي يسميه حتى المؤرخ أحمد شلبي عصر المظالم والهزائم. فالناس التي نشأت في السبعينات وبدأت تسمع الذين سبقوها في طريق الالتزام ما الذي كان يحصل في معتقلات وسجون عبد الناصر، لما شافت السادات لم الناس كلها في يوم واحد، تكنت الذاكرة اللي عندها هي ذاكرة أن عبد الناصر يعود من جديد وهذا أمر لا يمكن السماح به.

فلذلك بدون حتى استعداد، الذين اغتالوه كما قلت كانوا أعضاء في الجماعة الإسلامية المصرية في الجيش، الذين اغتالوه لما بعضهم عرفناهم أدركناهم وعرفنا نجلس معاهم ونسمع منهم، ما كانش في استعداد حقيقي لهم، ما كانوا مستعدين ولا هم كانوا بيفكروا الآن يغتالوه ولا هم كانوا مستعدين حتى لإقامة الدولة الإسلامية بعده، ما فيش الكلام ده، لكن هو حاسس نفسه داخل في المحرقة فأراد أن يدفعها عنه بأي ثمن.

فهنا لما اغتيل السادات جاء حسني مبارك، فنقدر نقول كده سار سيرة فيها التهدئة. حسني مبارك حكم 30 سنة، تقدر تقسم عهده هو نفسه لثلاث مراحل كل مرحلة 10 سنين. الثمانينات، حسني مبارك أراد أن يهدئ كل الأطراف التي هيجها تفرعن السادات في آخر أيامه. فحتى الإسلاميين نفسهم فرق فيهم بين الناس اللي بدأت تشيل سلاح وتفكر في الجهاد وبين الذين يريدون أن يعيشوا وأن يدخلوا في السياسة وأن يشتغلوا تعليم والكلام ده كله. فبالنسبة للأوليين ضربهم أقصى ما يكون الضرب وكرر عصر عبد الناصر، لكن على هذا المستوى القصير والصغير فالمجتمع ما حسش بيهم كتير، لكن في نفس الوقت كل اللي عايز يدخل سياسة وتعليم ودعوة وتربية ومساجد كانت الدنيا مفتوحة شوية. الأمور مشيت ولقى حتى من الإسلاميين من يؤيده فيما فعل في الجهاديين.

إيه المشكلة بقى؟ المشكلة أن جماعة الإسلاميين السياسيين دول راحوا فازوا بالانتخابات في الجزائر. يعني إحنا في مصر الدنيا ماشية عادي، إذا بينا نيجي سنة 88، 89 نلاقي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر ناس سياسيين مدنيين دخلوا انتخابات بلديات فازوا، ودخلوا انتخابات برلمانات فازوا. فالحاكم العسكري الذي موجود في مصر قال لك لا، ده الخطر مش بس من الناس اللي شايلين سلاح دول، ده الخطر كمان من الناس اللي ممكن تيجي مرة من المرات أغلبية في البرلمان، راح عند سنة 90 ومنع كل تسلل للإسلاميين داخل البرلمان. يعني في شوية انتخابات نزيهة حصلت سنة 84 وسنة 87 والإسلاميين عمالين يتقدموا، عند سنة 90 صفر، ما فيش إسلاميين. ومن هنا تبدأ مرحلة المحاكمات العسكرية والاضطهاد حتى للإخوان المسلمين اللي هم الجماعة السلميين السياسيين دول، ويبدأ التضييق على المساجد، لأن المساجد دي زي ما كانت بتطلع جهاديين برضو بدأت بتطلع إسلاميين بتوع سياسة وتربية وتعمل حالة عامة. فبدأت التسعينات دي كانت فترة شوية مظلمة في مصر.

طبعًا أنا أدركت التسعينات دي، كانت بدأ يتفتح وعيي على الحياة في ذلك الوقت، فالمسلسلات كانت بقى وفيلم الإرهابي ومسلسل العائلة، اللي هو فعليًا اللي كان مربي ذقن زي حالتك كده ولا زي حالاتي كان إنسان ربما يثير رعب الأطفال في الشوارع، لأن الطفل بيطلع وهو شايف الملتحي ده إرهابي محتمل خايف منه، إلى هذا الحد. طبعًا كانت فترة عنيفة، عنيفة، أنا شاهدتها بنفسي، لا سيما في الصعيد وأنا من الصعيد، كانت فترة شديدة القسوة وشديدة الخوف وشديدة الرعب، وطبعًا هذا العنف من الدولة ولد أيضًا ردود أفعال من الجماعات الإسلامية، وبالذات في الصعيد لأنه العائلات أقرب إلى القبائل والعشائر القوية، فأحيانًا ردود الأفعال دي كانت ردود أفعال قبلية وعشائرية ما كانتش ردود أفعال إسلامية. مثلاً في عيلة كبيرة فيها واحد من الجماعة الإسلامية يا سيدي اتهم حقًا أو باطلًا بأنه عمل حاجة، اقتحام البيت على نساء البيت أو أخذ أخوه أو أخذ أخته أو ما شابه الحاجات العنيفة دي، لم يتقبلها المجتمع اللي هو مجتمع فيه القبيلة والعشيرة، فبدأ يرد، بدأت تحصل ردود أفعال من منطق قبلي اللي هو أنا لي ثأر عند الحكومة.

إلى أن تأتي سنة 2000 كده رحنا للمرحلة الثالثة بقى في حسني مبارك. سنة 2000 هتحصل الانتفاضة الفلسطينية، وبعدها بسنة يحصل أحداث سبتمبر، وبعدها بشهر احتلال أفغانستان، وبعدها بشوية احتلال العراق. أحداث عالمية لم يكن ممكنًا للشعب المصري أن يتجاهلها أو أن يعيش بشكل طبيعي فيها، أحداث ضاغطة على الضمير الإسلامي، وبرضو أحداث دمرت مسار السلام الذي كان حسني مبارك أحد أركانه في السياسة الإقليمية المعاصرة.

وبعدين جاء بوش بخطة دمقرطة العالم الإسلامي، زي ما كنا قلنا أكثر من مرة أن الأمريكان لما لقوا 11 سبتمبر بتحصل عندهم وجدوا أنهم يتضررون بوجود الحكام المستبدين في العالم العربي، فبدأوا يفكروا في طرق بديلة. كان مما اهتدوا إليه أنه لما تبقى في قشرة ديمقراطية وعملية ديمقراطية ده ممكن يمتص مشاعر ومجهود الغاضبين، زي ما الجماعة في تركيا عملوا زي ما الجماعة في باكستان عملوا. فمن هنا من جديد، نقدر نقول كان في توجه أمريكي نحو فرض مشهد من مشاهد الديمقراطية في العالم العربي. اللي يخصنا بقى أنها حصلت في مصر سنة 2005، فإذا بالإخوان المسلمين يحققون أكبر عدد لأعضاء البرلمان في تاريخهم. مع أنهم طبعًا الانتخابات نفسها كانت ثلاث مراحل، مع أن المرحلة الثانية والثالثة تم تزويرها تمامًا، تم تزويرها بشدة. المرحلة الأولى سابوها نزيهة، الإخوان اكتسحوها، كل تقريبًا اللي ترشحوا نجحوا ما عدا اثنين أربعة حاجة كده. راحوا شدوا في المرحلة الثانية ما فيش تزوير وما فيش محاصرة لجان، فأفلت منها قول مثلا نص اللي ترشحوا. المرحلة الثالثة بقى كانت ضرب نار، فأفلت منها القليل، لكن في الآخر بقوا 88 عضو، أقوى كتلة معارضة، ده في سنة 2005.

لما اتعملت انتخابات في سنة 2006 في غزة فازت حماس، فمبارك في مصر وشارون في إسرائيل قالوا: يا حاج بوش أنت كده عايز تتخلص من الإسلاميين، ما نكبتهمش! إذا الإسلاميين لو سيبنا لهم الديمقراطية هيمسكوا البلاد. فتراجع معدل الديمقراطية وقفل على الموضوع ده شوية. لكن الحراك الذي كان حاصلًا في الألفينات ومع كبر سن حسني مبارك ومع أنه حابب يورث جمال مبارك من بعده، ومع وجود الإنترنت، كانت دي كلها أدوات جديدة في يد الشعب. قصد أقول بدأ يبقى في حراك شعبي يؤدي إلى حراك في القضاء وحراك في الجامعات وحراك في النقابات، وحسني مبارك بيكبر وجمال مبارك ما حدش موافق على التوريث. في النهاية مهما كانت مشكلات الشعب المصري إلا أنه كشعب حي سياسيًا منذ قديم، فأدى هذا في الآخر بعد شوية تفاعلات كثيرة جدًا إلى ثورة 2011، لأنه هو جه في انتخابات 2010 وراح برضو عمل صفر معارضة، ما فيش حد هيدخل الانتخابات، فالتقت أطراف كثير، الأمريكان من ناحية، الجيش من ناحية، الناس من ناحية، على إزاحة حسني مبارك في 2011. ده كده التحقيب عام.

من أروع ما يكون. عندي سؤالين أستاذ محمد، أنت قبل شوي حكيت عن بوش لأنه حسني مبارك وشارون، كان بوش طبعًا أكل ضربة 11 سبتمبر، فقال لك لا يا عمي هدول صاروا يجوا عندي يفجروا، فمعلش شوية ديمقراطيات يا شباب عندكم في بلادكم مشان الدنيا تخف علينا، فعملوا ديمقراطيات فازوا الإسلاميين.

فحكوا لبوش تدخل، ما تدخلش قوي، بس بعد كده تعال نعمل ديمقراطية محسوبة، يعني ده المشهد. مثلًا في أواخر الألفينات كانت أمريكا تدعم فعليًا أن يجي واحد زي محمد البرادعي ويتولى، هو ينزل الانتخابات الرئاسية ويتولى هو الحكم شكليًا ويبقى قلب الدولة في يد الجيش زي ما كانت. الاختيار ده كان قدامه مشاكل؛ المشكلة الأولى أن الجيش مش عايز يسيب الحكم ولو شكليًا فمش عايز البرادعي، البرادعي نفسه أسفر عن شخصية في غاية الضعف والركاكة والتفاهة أو الهيافة، يعني ما عرفش يبقى زعيم، رغم أن كل وسائل الإعلام في مصر غير الحكومية دعمته دعمًا هائلًا، وأراد في البداية أن يتجنب الإسلاميين تمامًا فلم يفلح ولم ينجح، إلى أن حصلت الثورة بشكل مفاجئ.

فأرادوا أن يعيدوا تركيب الخطة من جديد. الآن طبعاً نحن في جزء من اللي بيسمعونا هم من الشعب المصري.

فحيحكي لك أحدهم أيضاً أستاذ محمد: يا عمي المؤرخ، معلش فكك منا، نحن الشعب لم نتأثر بالعلمانية، نحن شعب عاطفتنا الدينية عالية، نحن جاء الفاطميون يحكمونا قعدوا 200 سنة عندنا ما عرفوا يشيعونا. نحن جاءت العلمانية تخرب لنا أخلاقنا وديننا وتضرب العاطفة الدينية تبعتنا وانتماءنا لهذا الإسلام، وبرضه ما طلع بأيدهم، وبالدليل هيك لسا بتحكي عن 2005 و2006 ونحن مسيطرين وبننجح وبننتصر، وعليه خليكم في النخب وفي الحكام وفي المثقفين، هذول اللي انضربوا وهذول اللي حاولوا يخربوا الدنيا، وبالتالي عموم الشعب، سواد الشعب الأعظم أستاذ محمد، هل فعلاً تأثر بالعلمانية؟ هل انحلت أخلاقه؟

خلينا نفرق بين أمرين يا أبا الحارث بين تأثر بالعلمانية وبين انحلت أخلاقه، دي حاجة ودي حاجة. أولاً يجب أن أثبت أنه الشعب المصري فعلياً من الشعوب المتدينة، والتي معدل التدين فيها كبير وهائل، وإلى الآن إلى يوم الناس هذا، اللحظة اللي أنا بتكلم فيها دي، لما بيجي حتى كاتب غربي ولا أمريكي ولا أوروبي بيتكلم عن المصريين فبيتكلم عن مسألة ارتفاع التدين فيهم، وبيقول حتى الإسكندر المقدوني ما عرفش يستقر في أرضهم إلا لما راح معبد الإله آمون وعبد آلهتهم، لكن الجماعة الفرس جوم عايزين يشيلوا آلهة المصريين ما عرفوش يستقروا في البلد، فهو بيقول البلد دي فيها حالة عالية من التدين ما ينفعش تصادمها تمام. فهو فعلياً الشعب المصري من الشعوب المميزة جداً في مسألة التدين، وأنا فاكر قرأت تقرير أمني مصري كان يمكن سنة 2006 أو 2007، مش فاكر بالضبط، كان بيقول إنهم كانوا عملوا زي إحصاء للجماعة الموجودين في الحرم المكي طول الوقت، فإذا 50% منهم هم مصريون، فده كان بالنسبة لهم مؤشر على مسألة أن موضوع الدين عند المصريين موضوع مهم. كويس، ممكن أرجع للعنصر ده ثاني، بس أنا رايح أجاوب على سؤالك، التدين ده هل تأثر بالعلمانية ولا ما تأثرش؟

الإجابة تأثر من ناحية وما تأثرش من ناحية. تأثر بأنه في كثير من معاني الدين جرى تشويهها، يعني مثلاً ممكن جداً في مصر تلاقي واحد يقوم بالدين، بيصلي وبيصوم وبيروح يعزي وما يفوتوش واجب والكلام ده، ويحب المتدينين، وممكن برضه يحب أن مراته تبقى محجبة وهكذا، لكن شايف أن الدين ده ما ينفعش يدخل في السياسة، دي علمانية أصابته سواء درى أو لم يدرِ. يعني النموذج ده والشريحة دي موجودة، أنه الدين ما يدخلش في السياسة، والدين ده مقدس والسياسة مدنسة، والدين يجب أن يكون محفوظاً ورجل الدين ما ينفعش أن يتكلم في السياسة، الشريحة دي موجودة ده تأثر بالعلمانية.

وفي تأثر ثاني من جهة الجهل بالإسلام، فبتلاقي مثلاً ينشأ في هذا المجتمع المتدين ناس ممكن يحترم الشيخ وممكن يسمع له، لكن أنت يا ابني حفظت قرآن؟ ما حفظش أي حاجة، طب أنت يا ابني بتصلي؟ لا ما بيصليش، طب تعرف مين العشرة المبشرون بالجنة؟ ما يعرفش. فالسلطة العلمانية كان لها تأثير هائل في تجهيل الناس بالدين، يعني على قدر ما دفقت السلطة العلمانية ثقافة وأفلاماً ومسلسلات وروايات وكتباً بتخلي الشاب حياته الطبيعية بيبقى عارف فيها الممثلين وعارف فيها لعيبة الكورة، وحتى لعيبة الكورة الدوليين، لكن مش عارف فيها أبجديات دينه هو، فده برضه نوع من التأثر اللي هو تأثر الجهل. الراجل الجاهل ده لما بتيجي تقول له مثلاً، لما يلاقي نفسه رايح انتخابات مثلاً بين واحد بيقول الإسلام هو الحل وواحد ثاني بيقول الليبرالية هي الحل، ما يبقاش فاهم أنه بيختار عملياً اختيارات أصولية، يعني ما بيبقاش واخد باله أن الاختيار بين الاثنين دول مش اختيار على حاجة بسيطة، مش اختيار زي ما بيختار منيو مأكولات، لا ده بيختار الحق والباطل، الحلال والحرام، يعني ما بيبقاش فاهم أن الإسلام هو الحل ده هو العقيدة التي يجب أن يعتنقها كل مسلم أصلاً وهكذا. فبيحصل، لكن الشعب المصري في ذات الوقت ينبذ وينفر من كل علماني لا يحترم الدين، فعلشان كده هتلاقي العلمانيين المصريين إذا قورنوا بمثلاً العلمانيين في بعض الدول الأخرى تحسهم إسلاميين، لأن العلماني المصري لم يستطع أن يحيا في البيئة دي بدون نوع من المصالحة مع الإسلام، وده على فكرة حتى من أيام الاحتلال الإنجليزي وحتى من أيام محمد علي.

يعني الخديوي إسماعيل اللي أنا بحكي لك، أقول لك الراجل ده كان بيرقص مع النساء وبيجيب الأوبرا وبيعمل مسارح، هو اللي أول ما يتهزم يروح يجري على الأزهر ويقول يا جماعة ما تيجوا نقرا نعمل إيه يا مشايخ؟ يقولوا نقرأ البخاري، طيب يلا نقعد نقرأ البخاري، بعد ما قرأ البخاري انهزم تاني، قال لهم بصوا بقى يا إما أنتم مش مشايخ يا إما البخاري اللي بتقرأوه ده مش بخاري، يرد عليه شيخ ويقول له: نحن مشايخ والبخاري هو البخاري لكن المشكلة عندك أنت يا إسماعيل، يقول له إزاي المشكلة عندي أنا؟ يقول له أنت عندك ربا وعندك أجانب متمكنون من البلد وعندك خمور تباح وعندك دعارة، فيؤخذ بقوله ولا يرد، قصدي أقول شوف الحاكم إسماعيل ده نفسه التقت فيه الوجهان دول، وجه أنه مفسد ووجه أنه بيجي عند علماء الدين ويروح مكنسل شوية وواخد باله شوية.

مثلاً أقول لك على موقف لطيف من أبرز المؤرخين الأمريكان وهو رايموند لابيدوس، ومن أعظم كتبه ويعتبر واحداً من أفضل الكتب التي ألفت في تاريخ المجتمعات الإسلامية، وهو بيحلل لماذا فشلت النخبة المصرية في التحول إلى العلمانية، بيقول النخبة دي فشلت في التحول إلى العلمانية على النحو التركي لأنه كان فيه احتلال، الاحتلال منع النخبة العلمانية المصرية من أنها تبطش بالمصريين على النحو الذي بطشت به النخبة العلمانية التركية بالأتراك، فغلت فيهم العلمانية، لأنه قاعد أنت كمصري شايف العلماني المصري لا جايب لك احتلال ولا جايب لك استقلال ولا جايب لك ارتفاع في مستوى المعيشة ولا عامل أي إنجاز، طب أنا هروح أبقى علماني ليه أو أنا أتأثر بالعلمانية ليه؟ فبيقول لما ما كانش فيه احتلال في تركيا، فإذا النخبة اللي جابت له الاستقلال لما بطشت به كان عندها إنجاز تسوقه، وبعدين لما كانت تبطش به كانت بطشاً وطنياً، لكن الاحتلال لما بيبطش بالناس كان بطشاً أجنبياً، فعلشان كده العلمانيون المصريون لم ينجحوا في أخذ الشعب إلى العلمانية، بل هو بيقول على العكس، لما ظهرت الحركات الإسلامية زي الإخوان المسلمين اضطر العلمانيون أن يتوافقوا مع الإسلام، تلاقي واحد زي محمد حسين هيكل كان منظراً وقيادياً في حزب الأحرار الدستوريين اللي هو بتاع الإنجليز، راجل علماني يكتب حياة محمد وحياة أبي بكر وحياة عمر، وتلاقي واحد زي طه حسين يبدأ يكتب على هامش السيرة، واحد زي عباس العقاد يبدأ يكتب عبقرية محمد وعبقرية المسيح وعبقرية أبي بكر وعبقرية عمر، العلمانيون هزموا أمام هذا المد الإسلامي فاضطروا لكي يحافظوا على مواقعهم في المجتمع المصري أن يتصالحوا مع الإسلام.

فبالتالي العلمانية أثرت من جانب ولكنها لم تستطع أن تكسر تدين الشعب المصري، وبالمناسبة إلى يوم الناس هذا، يعني إلى اللحظة اللي احنا فيها، وأنا أشهد بهذا يعني حقيقة، الشعب المصري تدينه وعاطفته الدينية حقيقة عالية، يعني أنت مثلاً حتى دلوقتي عبد الفتاح السيسي مع كل ما فعله بالإسلاميين وبالدعوة الإسلامية، إلا أنه دائماً دائم الحديث عن: ربنا أعطاني ونحن بفضل الله وحده، والحالة دي تمام، فالشعب المصري قصدي مسألة لا تفلح معه النزعة العلمانية اللي هي معادية للدين.

طب أي برضه هيك ملمح على الهامش، يعني هذا التأثر بالدين العاطفة الجياشة هي ملتصقة حتى في الشخص اللي بيطلع يغني على المسرح، ممكن يحكي بسم الله واللهم صل على سيدنا محمد وهيني داخل ويدعي شوي هيك وبعدين يفوت، صح الشيخ وجدي غنيم الله يحفظه وكان ليه كلمة يقول لك الرقص أصبح بعد ما تقول الحمد لله ربنا وفقني وعملت النمرة بتاعتي، الكلمة دي فعلاً كلمة، لا قصدي أن هذا التدين هو مش مثلاً تقليد أو هو مش من العيب، مش من الأعراف، هو خوفاً من الله يعني حباً في الدين، يعني مش لأنه أصلاً دخول دخول الإسلام ترى على مصر أستاذ محمد، مش عارف أنا بعتبره كان حقيقة معجزة لأنه هو أصعب من دخوله على الشام وبلاد العراق، لأننا هنا عننا في مصر المصريين ما كانوا يحكوا لغة عربية لما دخل الإسلام، ما كانت لغتهم عربية أساساً، يعني شوف هذا لحاله عائق، هذا لحاله تحدي هيك، فلما دخل الإسلام حقيقة أحسنوه، تجذر في نفوسهم بطريقة، ويعني يقال في الشعب المصري إنه أحب الإسلام وتلقفه حتى نسي لغته الأولى، يعني أنت ما تزال في البلاد الأبعد شوية شرقاً وغرباً حتى البلاد التي تتكلم بالعربية يوجد فيها لغة سريانية لغة أمازيغية، يعني يوجد، لكن المصريين حتى بما فيهم النصارى لا يعرفون إلا اللغة العربية.

طيب، في أيضاً قد يكون هناك أيضاً سؤال، أنه يعني من الظلم بمكان أستاذ محمد أن تتحدث أو نتحدث في الحلقة السابقة عن نسخة عنيفة علمانية حدثت هنا في تركيا، عاصمة الخلافة، وتيجي تقارن لي إياها بمصر، يعني في تركيا يا أخي غيروا اللغة في الدين، منعوا الصلاة في وقت ما، غيروا الأذان للتركي، يعني إيش بدي أقول لك، التبرج، الحجاب خلعوه، فهي نسخة لا تقارن في اللي صار بمصر، يعني أنت يا سيدي بدك تقارن روح شوف تونس إيش صار فيها، روح شوف لبنان ليه جاي على مصر؟

ما هو طبعاً نحن بنتكلم على مصر باعتبارها دولة ذات ثقل وبدأت فيها أول معارك العلمانية، وتهيأ لها أن تكون دولة قائدة، باعتبار أنه كل الذي حصل فيها وجد ارتدادات وصدى له في البقية، الثورة مثلاً كانت تحصل في مصر وبعد كدة تسمع صداها في مكان ثاني، حتى المعركة الفكرية كانت تحصل في مصر وبعد كدة تسمع صداها في مكان ثاني، حتى اللي بيغني يفضل يغني في لبنان ولا مش عارف إيه حتى يأتي مصر فيذيع، حتى قراء القرآن المشاهير هتلاقي أولهم وأغلبهم مصريين، يعني هو فيه كدة ظروف تاريخية واجتماعية جعلت الريادة موجودة في مصر، مش بقول كدة طبعاً نوع من العنصرية ولا الوطنية ولا التفاخر ولا الزهو، ده حاصل في الخير زي ما هو حاصل في الشر، يعني حاصل في المشايخ والعلماء والدعاة والقراء والخطباء زي ما هو حاصل في المغنيين والممثلين والعلمانيين والكلام ده كله. لكن تظل الحالة المصرية لم تستطع فيها العلمانية أن تصل إلى ما وصلت إليه في تونس أو ما وصلت إليه في تركيا أو ما وصلت إليه حتى في الشام في العراق، نعم يصاب المجتمع المصري بكثير من الانحلال والانحراف لكن دون أن يكون هذا بقرار سلطوي، يعني مثلاً ممكن يوصل الفساد والانحراف لدرجة أنك تلاقي زوجة شيخ الأزهر متبرجة، يعني الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر وكان مفتياً زوجته متبرجة كان لها صورة متبرجة في الستينات، الشيخ مصطفى إسماعيل القارئ كانت زوجته متبرجة له صورة بهذا الشكل.

إنما ده بيحصل قصدي الفساد ممكن يوصل إلى هذه المرحلة، لكن لا يكون هذا مفروضاً بقوة القانون والسلطة، السلطة لم تجرؤ أن تصل إلى مرحلة زي منع الحجاب أو منع الصيام أو منع الصلاة أو منع الحج كما حصل في دول أخرى، ظل الحاكم يدفع عن نفسه تهمة الخروج عن الإسلام، بعكس زي ما قلنا في تركيا ظل المسلمون الإسلاميون يدفعون عن أنفسهم تهمة الخروج عن العلمانية، ده العكس، ولذلك حقيقة وما أزال أرى أنه يعني معقد من معاقد إصلاح الأمة الإسلامية كلها هو إصلاح الحال في مصر، إصلاح الحال في مصر يساوي مباشرة صلاحاً عظيماً يمتد في الدنيا شرقاً وغرباً، مصر فعلياً بلد مركزي ومؤثر وله ثقله.

طيب أستاذ محمد ثلاث أسئلة سريعات نختم فيهم الحلقة، وأنت تتحدث عن العلمانية في مصر من بعد كلامك عن الخديوي إسماعيل بدينا نحن نحكي تاريخ، نحن بالنسبة لنا لما نسمع كلمة علمانية، نحن ناس بسطاء لما نيجي نسمع كلمة العلمانية خلص مخنا بيروح على الدولة، على الحكم، بيروح على ناس حابين يفصلوا الدين عن الحياة، يعيشوا حياتهم هيك، ينبسطوا إلى آخره، بده يصلي يصلي، بده يصلي حر، حرية، جمال عبد الناصر، السادات، مبارك، الملك فؤاد، إلى آخره، كل هذول هذول كانوا علمانيين؟

يثبت أولاً أن كل واحد وصل للحكم الغاية الأولى والقريبة بالنسبة له هي أن يستمر في الحكم، هذه قصة مثبتة. فمثلاً الحاكم العلماني لو رأى أن من ضرورات بقائه في الحكم أن يمثل أنه متدين، فسيمثل أنه متدين، لكنه سيبقى شغالاً عملياً على نشر العلمانية بالقوانين وبالإعلام وبالتعليم. الحفاظ على الحكم هو الخط الثابت في كل هؤلاء.

وحين نحاول الدخول إلى نفسية الجماعة الذين حكموا، فسنلاقي أولاً أنه من زمن الخديوي سعيد، الناس هذه المحتوى الثقافي في دماغها محتوى تغريبي؛ فواحد مثل سعيد تربى في السفارة الفرنسية، ونفس الكلام بالنسبة لتوفيق، وكل هؤلاء كانت تربيتهم وثقافتهم والمكان الذي تعلموا فيه، سواء عباس حلمي أو فاروق، كانت مربيتهم إنجليزية أو فرنسية، ثم يدخل في مدرسة إنجليزية أو فرنسية أو يسافر إلى دولة أوروبية. فتشكل تفتحه على الحياة ومعرفته بطبيعة أنظمة الحكم كان محتوى علمانياً.

وعندما يمسك الواحد منهم البلد، يرى هل العلمانية هذه يستطيع إعلانها مرة واحدة أم أنها غير مناسبة؛ فبينما تسمح له قوته والظروف والمحتل والوضع الحاكم، الأمور تمشي. فواحد مثل عباس حلمي مثلاً، وباعتبار أنه كتب مذكراته، فهو تربى على يد مربية مسيحية إنجليزية، وأرسل إلى فيينا، وقعد في بلجيكا، وطاف أوروبا وانبهر بها؛ هو عنده محتوى علماني، لكن لما يرى مثلاً أنه غير معجب بوجود الاحتلال الإنجليزي ويريد استرداد بعض صلاحياته، فيبحث عن الأدوات التي يمكن أن تزيد من موقفه حتى لو فيها مشايخ ضد الاحتلال. فيحاول دعمهم ويستفيد من اقترابه منهم حتى وهو يحتقرهم؛ هو كاتب في مذكراته أن هؤلاء فعلاً كانوا ضد الإنجليز، لكن ما يمنع أنهم كانوا يريدون المال وأنا كنت أعطيهم المال. هو الرجل دماغه فيها علمنة وتغريب، لكن الوضع هو الذي يحكم شكل تصرفاته، ومع ذلك عندما يذهب إلى أوروبا أو في حياته الخاصة يذهب للمراقص الليلية وتظهر زوجته بدون حجاب وكل هذه المشاكل. هذا الكلام موجود عند فؤاد وفاروق، مثل فضائح الملكة نازلي والمشاكل في قصر الحكم، فالقصور نفسها كانت تدل على نمط وثقافة غربية تامة، ومنهم من لا يعرف العربية ويجيد الإنجليزية والفرنسية فقط.

هنا يحصل انكسار معين عندما وقع انقلاب يوليو أو ثورة يوليو سنة 1952، وجاءت بعسكريين مصريين. هذا الانقلاب قاده مجموعة من الضباط من أبناء الفلاحين المصريين، أي ليسوا من الطبقة التي كانت حاكمة، ربوا في المجتمع المصري، وطبعاً كانوا يعرفون الإنجليزية لأنهم كانوا تحت الاحتلال الإنجليزي. هؤلاء عندما حكموا كانوا فاهمين جداً، وقد نشأوا في دولة حديثة عمرها 70 أو 80 سنة من أيام محمد علي، وكانوا فاهمين أن وصولهم للحكم وبقاءهم فيه لا يكون إلا استناداً إلى الاتحاد السوفيتي أو الأمريكان، فالاثنان جهات علمانية معادية للدين؛ الاتحاد السوفيتي معادي للدين رأساً، والأمريكان معادون للدين بشكل لطيف.

بالتالي، كل واحد فيهم كان يعرف بطبيعة وضرورة السياسة، فضلاً عن المحتوى الذي في دماغه من تعليم وثقافة، أنه لابد أن يكون علمانياً وأن يرسخ للعلمانية، وأن الإسلاميين خطر عليه. الإسلام بطبيعته خطر على أي ديكتاتور مستبد، لكن هناك خطر آخر زيادة على أن الإسلاميين أعداء السلطة؛ لأنهم أيضاً ضد مشاريع الهيمنة. الآن الإخوان المسلمون، متى انتبه الغرب إلى خطورتهم؟ عندما شاركوا في حرب فلسطين؛ فقبل ذلك كانوا جماعة يمكن السيطرة عليها، لكن لما وجدوا أن الإخوان المسلمين خرجوا بكتائب وسيحاربون في فلسطين وممكن يغيرون النتيجة، هنا صاروا خطراً على المشروع الدولي، وهو مشروع إسرائيل. بالنسبة للإنجليز وبالنسبة للأمريكان، يجب على عبد الناصر في مصر، كما يجب على ملك الأردن، كما يجب على الرجل في سوريا، وفي أي مكان، أن يتخلص من هؤلاء. عرف التخلص منهم وحده، فهذا شيء عظيم، لم يعرف، فنحن ندعمه ونساعده، مثلاً في معارك تدخل فيها الطيران البريطاني لقصف جماعة الإخوان في الجزيرة العربية. الإسلاميون لم يعودوا مجرد تهديد للسلطة الداخلية وحدها، بل صاروا تهديداً للمشاريع الدولية، وبالتالي فالحاكم الذي جاء ليحكم يفهم هذه المعادلة من تلقاء نفسه، وإلا فهو لا يفهم السياسة.

فبالتالي، كل واحد وما سمحت له موهبته وقدرته والوضع الدولي من حوله: هل تعرف سحقهم سحقاً جيداً؟ هل تعرف توظيفهم وإعادة تدويرهم؟ لأنه حتى احتواء الإسلاميين هذا في حد ذاته موضوع فيه مدارس ومذاهب: أيما أفضل؟ نضعفهم ونخليهم ضعفاء وعايشين، والدولة متزينة بوجود نظام إسلامي، ففي ليلة القدر نأتي بشيخ الأزهر، وعندنا مفتي يعلن عن ليلة القدر، والشعب الذي لا ينفع معه إلا الدين يجب أن يبقى فيه عنصر ديني يسكته ويخدره، ونتزين به لكي لا نبدو علمانيين. أم لا ينفع معهم إلا السحق؟ ولا نفرق بين من عنده نزعة جهادية ومن يمكن أن يكون جزءاً من نظام الحكم، كعضو برلمان أو وزير، طالما أنه لا يملك صلاحيات حقيقية، كما حصل في الأردن والمغرب. فالعلمانية هي ليست فقط تأثيراً على السلوك والأخلاق، هي فكرة جاءت بفكرة دولة وبفكرة حكم.

أظهر مثال يمكن أن تجد فيه هذه التفصيلة واحد مثل السادات؛ السادات كان محتاجاً أن يعطي شكلاً إسلامياً لظروف الشعب الذي لا ينفع معه غير الدين، ولأزمة الناصرية ووجود الشيوعيين، وأمريكا رأت أن نفتح للإسلام قليلاً. فالسادات أعلن أن دولته دولة العلم والإيمان، وعمل نقابة لقراء القرآن الكريم، وكل أسبوع أو شهر يذهب لقريته، ولابس العباءة والطاقية، ويتصور وهو يصلي ويفتح المصحف ويقرأ. عبد الناصر لم يكن يفعل ذلك، ويقول لك دولة العلم والإيمان، ويجيب مشايخ محبوبين مثل الشيخ الشعراوي يجعله وزير أوقاف، وعبد الحليم محمود شيخ أزهر. وهو يفعل هذا، كان معطياً لزوجته جيهان السادات ملف إفساد قانون الأحوال الشخصية، ليرى كيف نجعل المرأة والعلاقة مع الرجل وقوانين الطلاق والحضانة على النمط الغربي. فهي شغالة في ملفها، وهو لابس هذا الثوب، فالتعامل مع الإسلاميين شكلياً شيء، لكن الدولة ومسيرتها العملية شيء آخر، وهي ترسخ العلمانية وتحجم أي قوة إسلامية.

أما بخصوص النموذج المصري والواقع الحالي للشعب المصري، فالشعب المصري لا يمكن معرفة رأيه على وجه الحقيقة إلا باستفتاء أو انتخابات نزيهة. آخر استفتاء وانتخابات نزيهة كانت في 2011، حيث اختبر الشعب المصري خمس مرات: استفتاء على التعديلات الدستورية، انتخابات برلمانية، انتخابات رئاسية، استفتاء على الدستور الجديد، وانتخابات الشورى. في هذه المرات الخمس جاء الشعب المصري بالإسلاميين وبكتساح. فلا يمكن نقض هذا الرأي إلا لو حصل استفتاء أو انتخابات جديدة ونزيهة، بل أقول لو أن عبد الفتاح السيسي بعد الانقلاب كان واثقاً أن الناس كرهت الإسلاميين، لعمل انتخابات نزيهة مبكرة أو استفتاء، لكنه كان عارفاً أن الشعب لن يكون موافقاً لرأي السلطة والدولة، فمشاها بالانتخابات المزورة. لذا تقديري أن الشعب المصري إذا تعرض لأي استحقاقات نزيهة، فسيأتي الإسلاميون في المقام الأول، وهذا مؤشر على أنه بعمومه لم يتعلم.

العلمانيون في مصر فعلياً ظاهرة كما يقول شيخنا حازم أبو إسماعيل، هم ظاهرة تلفزيونية، موجودون في التلفزيون والصحافة، إنما لا يوجد حزب علماني له شعبية وجماهيرية في مصر. أما هل فشل العلمانيون أم نجحوا، فببساطة العلمانيون لم ينجحوا في شيء. منذ عام 1840 ومصر من تراجع إلى تدهور إلى انحدار إلى انهيار، وكل واحد كان يضيف إلى الذي قبله انهيارات أخرى. مصر حتى في عهد الاحتلال الإنجليزي، مع كل ما فيها من مآسٍ، لكن كدولة وكأرقام وكثقل مالي وثقافي كانت أفضل من وضعها أيام عبد الناصر، حتى كحريات للناس؛ ففكرة أن هناك انتخابات وحكومات تذهب وتأتي وصحافة حرة، وحتى السجون أيام الاحتلال الإنجليزي، إذا قرأت مذكرات من عاشوا في ذلك الوقت، السجون بالنسبة للسجون الناصرية كانت نعيماً.

70 سنة احتلال إنجليزي ما حصل فيها أن أعدم مفسرون أو علماء على المشانق كما أعدم عبد القادر عودة، وسيد قطب، ومحمد فرغلي؛ هذا ما حصل. فالحالة العسكرية أشد تدهوراً، لأن الحقبة العسكرية لم يكن فيها عسكري رئيساً فقط، بل جرى عسكرة للبلد، فصار ماسك وزارة التعليم عسكري، والصحة عسكري، والنقل عسكري، والبلدية عسكري. وهناك كتاب للدكتور محمد الجوادي اسمه عسكرة الحياة المدنية، يستعرض فيه مذكرات العسكريين الذين مسكوا وزارات مدنية، وهذا مستمر إلى يوم الناس هذا.

نشر يزيد صايغ في معهد كارنيجي ما كان يسميه جمهورية الضباط أو دولة الضباط، وكيف أن العسكريين يسيطرون على كل المفاصل حتى الأمور الاقتصادية التي ليست من اختصاصهم. فبالتالي حالة الانحدار والانهيار هذه حاصلة مع الحكم العسكري بشكل واضح جداً أكثر مما كان في العصر الملكي أو عصر الاحتلال. الآن عندما تنظر إلى مكانة مصر في الإقليم، وإلى حجم الديون، وإلى النفوذ السياسي والاقتصادي، كل ذلك تسجل فيه مصر تراجعاً مستمراً وتصل الآن إلى أسوأ حالاتها.

نحن الآن في اللحظة التي نتكلم فيها في حالة غير مسبوقة، حيث ولأول مرة تصبح كل حدود مصر ملتهبة. طول عمرنا ومصر من البلاد التي تتمتع بعمق استراتيجي على عكس تركيا مثلاً؛ فتركيا دولة ليس لديها عمق استراتيجي، كل حدودها أعداء، ناس من أعداء من أيام العثمانيين وناس من أعداء من أيام القوميين. مصر طول عمرها عندها السودان كعمق استراتيجي لا يوجد أي تهديد منه، والغرب ليبيا كعمق استراتيجي، والتهديد الوحيد كان يأتي من الجزء الشمالي الشرقي الذي هو إسرائيل. الآن في هذه اللحظة التي نتكلم فيها، حدود السودان ملتهبة وبها ميليشيات مثل حميدتي، والحدود الغربية ملتهبة، وعندك حفتر وكل هؤلاء تابعون للإسرائيليين إما مباشرة أو بواسطة.

حتى الجزيرتين اللتين هما تيران وصنافير جرى بيعهما، وغاز المتوسط جرى التخلي عنه، وسد النهضة الذي بني على مجرى نهر النيل، الحالة التي مصر موجودة فيها الآن هي حالة غير مسبوقة في التاريخ. فكرة أن إثيوبيا تفكر في قطع النيل عن مصر، هذه لم تفلح فيها منذ فجر التاريخ إلا في هذه السنوات.

بالنسبة لما وصلت إليه وعلاقته بالعلمانية، أنت تتكلم عن الإنجاز العلماني، فأنا أقول لك العلمانيون لم ينجزوا شيئاً، حتى ما كان مستقراً قبل ذلك من قوة عسكرية راحت، ومن قوة اقتصادية راحت، ومن قوة ثقافية راحت، ومن أمان في الحدود راح. فليس هناك حرفياً إنجاز لهذه الحقبة العلمانية، طبعاً العلمانيون بالمناسبة يرفضون أن الحقبة العسكرية تُحسب عليهم من كثرة ما هي فيه من التراجع والانهيار، أحياناً يقولون لك لا هؤلاء ليسوا علمانيين بل هم عسكريون. لكن مثلاً أقول لك على موقف لطيف، واحد مثل إبراهيم عيسى صاحبي المعروف، من شهرين ثلاثة عندما حصلت انتخابات مزورة، فقال: شوف لست أنا ليبرالياً؟ أنا ليبرالي، لكن أنا أقول لك لو حصلت انتخابات الآن الإسلاميون سيفوزون فيها. طيب يزورون الانتخابات، هذه حاجة حلوة ولا وحشة؟ شوف لست أنا الليبرالي؟ أنا أقول لك يزوروها، وهذا أفضل. هذا خيانة علنية لمبادئه في نفس السطر، هو يقول: نعم صحيح أنا ليبرالي وأهتم بالحريات، لكن أول ما تأتي الانتخابات بالإسلاميين، لا، يزوروها وهذا أفضل.

فالشريحة العلمانية والطبقة العلمانية هي في حقيقتها طبقة طفيلية نبتت حول السلطة، لم تتولَّ مناصبها ولم تُعرف إعلامياً ولم يكن لها نفوذ إلا بفعل السلطة، وإلا فلو هذه السلطة مختارة من قبل الشعب لن يكون لهم أي وجود حقيقي في مكانتهم هذه. ولذلك هم عندما يؤيدون الانقلابات وعندما يخافون من الإسلاميين، فهم في حقيقتهم يدافعون عن مصالحهم وعن مكانتهم.

هل العلمانية في مصر صدرت العلمانية لمن حولها، أم كل قطر تفنن لحاله في التعلمن؟ لشدة ثقل مصر فقد صدرت العلمانية، نعم صدرت على الأقل منذ أيام الملكية. لأن الصحافة المصرية كانت هي الصحافة الرائدة، فكل الدول التي تعلمت الصحافة فعلاً تتلمذت على الصحفيين المصريين. الأغاني والأفلام والمسلسلات كان منبعها ومنشؤها في مصر، حتى ولو كان الذين بدؤوها من نصارى الشام، بس ما عرفوا يعملوها؛ فصناعة السينما والدراما لم تُعمل في الشام بل عُملت في مصر. فكل أول أفلام وأول مسلسلات وأول أغاني حصلت في مصر، فكل الذين تعلموا تقريباً تعلموا عند المصريين، حتى بالنسبة للكتاب وحتى بالنسبة للجامعات.

استدراك بسيط من أجل الحساسيات، نحن لا نقول إن مصر دولة مهمة والباقي ليس مهماً، لا، بالتأكيد نحن نتكلم عن شبه الجزيرة العربية والسعودية كمركز ديني مهم جداً، ودول الخليج كذلك، والشمال الإفريقي كله وبلاد المغرب لها ثقل ودور، وأيضاً إفريقيا وسطها وشرقها وغربها كله له دور، وبلاد الشام وتركيا لها دور، الجميع له دور، نحن نتكلم في العالم العربي.

أني تذكرت والذكرى مؤرقة ** مجداً تليداً بأيدينا أضعناه أنا نظرت إلى الإسلام في أرض ** تجده كالطير مقصوصاً جناحاه كم صرفتنا يد كنا نصرفها ** وبات يملكنا شعب ملكناه

جزاك الله خيراً، شوف هذه الحلقة صراحة انتهت وأنا أريد أن أختمها، ربنا يعينك على التعليقات؛ أنا لا أشاهد التعليقات فأنت ربنا يعينك عليها. الله يجزيك الخير، بس شوف في هنا تعقيب أو سؤال صغير، لا أعرف هل أتركه بنفسي وأختم الحلقة أم أسألك إياه؟ لا، قل الذي في نفسك.

جزاك الله خيراً. لماذا عندما نتأمل التاريخ كله، كل تاريخنا الإسلامي حتى من بعثة النبي ﷺ حتى اليوم، تحس أن الأشرار من السهل أنهم يشوهوا الفكرة تبعتك التي هي أصلاً جاءت لتخلص الناس وجاءت لتنهض بالناس؟ والناس عارفين أن هذه الفكرة تنهض بهم، وأنها فكرة أمينة، فعلاً تنهض بهم، توزع الثروة بشكل عادل، تخلق حالة من النجاح والازدهار والريادة وقيادة الأمم الأخرى أيضاً، وأن نهضة هذه الأمة هي نهضة للعالم كله. ليش تحس منذ تلك اللحظة حتى يومنا الحالي، يأتيك شوية أشرار، ليسوا كثاراً يعني، عندهم ماكينة إعلامية وكذا، وسهل جداً أنه يشوه سمعتك؟ سهل جداً أنه يخرب المشروع، وبعدها ينتقل لخطوة القوة الصلبة ويبدأ يعدمك، ويبدأ يزج بك في السجون، ويبدأ يعرقل في القصة، وهذا الشعب المسكين ترمي له رغيف الخبز ويظل يلهث ويركض ولا يعرف ما الذي يحدث في هذه الدولة تحت الهيمنة وتحت البسطار؟ لماذا هكذا؟

شوف، أقول لك على حاجة، أنا مع تقديري التام للذي قلته، إلا أنني لا أوافق عليه وأخالفه تماماً. العلمانية والعلمانيون لم ينتصروا علينا بسهولة، لا يجب أن تبخس من قدر عدوك. واحد مثل محمد علي، هذا شخصية ليست سهلة لكي تزرع العلمانية، هذا شخصية كان بركاناً من النشاط في الذكاء والدهاء، شديد الجلد والدأب على أهدافه، ومع ذلك لم يبلغ ما أراده لقوة ما في المجتمع الإسلامي والمجتمع المصري من دين. والذين كانوا وراءه، أنا أتكلم الآن عن الفرنسيين وعن الأجانب الذين دعموه ودعموا دولته، لم ينهضوا ولم ينتصروا بسهولة. الناس هذه اشتغلت على نفسها كثيراً وتعبت كثيراً، وأرسلت مستشرقين وخبراء؛ الأوروبي المنعم الذي يعيش في البرد وفي الرفاهية، ترك بلاده وجاء وخاض الصحراء والأوحال وعاش في أدغال إفريقيا وتعرض للأمراض وعاش بين قطاع الطرق ومنهم من مات، كل هذا علشان يقدم دراسات وبعد ذلك هذه الدراسات تهدي صانع السياسة. وصانع السياسة تعب على نفسه كثيراً جداً وهو يدبر أموره، وكان وراءه مجهود هائل أيضاً في صناعة الأسلحة وفي الإدارة وفي تطوير أحواله لكي يتمكن من التغلب على هؤلاء الناس.

المجهود الذي بُذل لعلمنة الأمة الإسلامية مجهود هائل، ولو أنه صُبَّ على أمة أخرى لكانت تعلمنت منذ قديم والتحقت بهم منذ قديم. الآن أنا حين أرى الصين وحين أرى اليابان وحين أرى الهند، الناس هذه ليس لديهم حتى الآن بديل للنظام الغربي، أصبحوا حتى متغربين؛ مدنهم مدن غربية، أفكارهم ونظامهم الاقتصادي نظام غربي، الميديا والأفلام والمسلسلات التي يعملونها أفلام غربية، ما عندهم تميز حضاري ولا بديل حضاري ومش يناطحون الغرب على قاعدة أنهم عندهم أفكار أخرى، لا، يناطحون الغرب على قاعدة أننا على نفس الفكرة بس أنا أقدر أتقدم زي ما أنت متقدم. هذا لم يكن في الأمة الإسلامية؛ الأمة الإسلامية ما تزال ترى أن لديها إرثاً حضارياً عميقاً، وأن لديها ما هو خير من التغريب.

المقاومة التي تبذلها لم يبذلها أحد أبداً، وما تخرجه الأمة الإسلامية من فدائيين قادرين على خوض معارك في ميزان قوة منهار، لا يمكن أن يصدر إلا عن أمة عريقة. الناس هذه تعبت جداً لغاية لما عرفت توصل إلى الحد الذي هم فيه، وهم الآن حين يقيمون عملهم يرون أنهم فشلوا، ويرون أنهم لم يبلغوا ما أرادوا، ويرون أن الإسلام ما يزال ينبعث ويوشك أن ينبعث، وما فيش أي كتاب يتكلم عن التهديد للحضارة الغربية أو التهديد لأمريكا إلا ويشير إلى العالم الإسلامي دون غيره من العوالم، وهم حتى مختلفون كيف يتم القضاء على الإسلام: هل يتم القضاء عليه بالسحق العنيف، ولا يتم القضاء عليه بالتوظيف وبالاحتواء وبإنتاج نسخ معدلة من الإسلام؟ وهم مدارس وآراء في هذا الباب.

فلا يا مولانا، ما كانوا مجموعة صغيرة عرفوا يضحكوا علينا، بل بذلوا مجهوداً هائلاً وضخماً جداً فيما أرادوا. أضف إلى ذلك ما كان عندنا نحن من أوجه الضعف والقصور ومن الانحراف عن الدين، ومن أن علماءنا تعلقوا بالسلطة وتعلقوا بالرواتب والأموال، وما كان فينا من ضعف اجتماعي ومن قلة تماسك بين الناس، وما كان عندنا من إهمال لأمور التعليم والأخذ بالعلم. ما كان عندنا من الضعف جعلنا فريسة طمع فيها هؤلاء الأقوياء، وهم لم يستطيعوا حتى الآن أن يأكلوها ولا أن ينتهوا منها، ما تزال الفريسة تقاوم، بل هم الآن أضعف مما كانوا عليه قبل ذلك. الآن الأمة الإسلامية أكثر ثقة بنفسها، بعد ما كان الغرب شيئاً براقاً، الآن بعد كل الذي حصل من احتلالات ومن الذي حصل في غزة ومن الذي يحدث الآن في إيران وغيرها، الغرب لم يعد نموذجاً ملهماً ولم يعد يمثل تفوقاً أخلاقياً.

فالذي أراه أنه كانت معركة شديدة وشرسة، وأمتنا وإن كانت العناوين العامة فيها تقول إنها أضعف وأنها مهزومة، إلا أنها في حقيقة الأمر أظهرت مقاومة لا نظير لها. وإذا كنا نتكلم عن المسارات، فالمسارات أن الأمة في صعود وأن الغرب في أفول، وإن كنا ما زلنا في رحلة الصعود وهو ما زال في رحلة الأفول، ولن نصعد إلا بعد تحديات وكفاح شديد، لكن المسار نفسه مسار صاعد. الآن ما فيش فكرة غير الإسلام تلهم الأمة أو تجمعها على قوة كفاحية.

سؤالي أستاذنا محمد للتوضيح ليس عن الحلقة ولا عن مصر ولا عن العلمانية، أنا أحكي عن فكرة الأشرار هؤلاء الصغار الذين يطلعون قليلاً وتجدهم قادرين على أنهم يشوهوا ويعيقوا مشروعاً كبيراً ألهم الكون وغير الكوكب. القلة المنظمة سيكون لها تأثير أكثر من كثرة مشتتة، هذا طبيعي، ومثلما يكون هذا في الأشرار يكون هذا في الأخيار أيضاً، فبالتالي طول ما هم نظموا نفسهم وبذلوا مجهوداً سيحققون نتائج، لكن نحن قادمون إن شاء الله بغير شك.

جزاك الله خيراً أستاذ محمد، أما أنتم إخواني أينما كنتم، فلا تنسوا أن تشاركوا هذه الحلقة والحلقات السابقة مع إخوانكم وأحبابكم حتى يعم الخير على الجميع، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء. لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته وقادته وعلمائه وأسراره والحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب؛ تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل نستنطق التاريخ.