من نحن؟ لأننا فقدنا الإجابة الصحيحة. نحن الأمة المسلمة الواحدة. ما هي جماعتنا الأصلية أساساً؟ هي جماعة المسلمين. أين ذهب الدين والأخلاق؟ لأن الغرب مع هذه الأنظمة المحلية اجتهدوا في مطاردة الدين والتخلص من قواه الحية. ظهرت عندنا كل هذه المشكلات.
كل شيء الدولة الدولة الدولة، والناس ما بيفهموش يعني ما عندهم حس بالمسؤولية. هناك أزمات صنعتها الحداثة في كل العالم، مش عندنا إحنا بس، وهي أزمات بيعملوها الناس قاعدين. انحلال الأخلاق وانهيار الأخلاق دي فكرة يشكو منها حتى الإنجليز وحتى الفرنسيين وحتى الصينيين وحتى الأمريكان. إحنا أنظمتنا دعنا نقول قررت أن تفقرنا؛ الشعوب كلما كانت فقيرة كلما أمكن الاستبداد بها والطغيان عليها. أنت تريد أن تقول الحكم والسلطة هي سبب التأثير في كل شيء حتى في محاور زي التبعية الفكرية والقانونية والثقافية.
هو الدولة في الإسلام شو دورها؟ شعبي وأنا حر فيه، أفرده وأثنيه وأغسله وأكويه. هو ده ما تسميه الدول السيادة.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة 100 سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة التي يتعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض، هذا التاريخ الذي نعتز به دائماً وأبداً. لمن انضم إلينا حديثاً، أين وصلنا؟ وصلنا إلى المحور العاشر وهو التاريخ المعاصر، وتحديداً وصلنا إلى الحلقة الخامسة. لا يمكن أبداً أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذ محمد.
حياك الله يا أبا الحارث، حياك.
وصلنا إلى السؤال رقم 96، جاهز السؤال 96؟ توكلنا على الله.
أستاذ محمد، نحن في هذا القرن ومع التاريخ المعاصر إذا بدك الصراحة نحن تبهدلنا، ضعنا، وامتلأ الفراغ السياسي هذا بأسئلة لا مركزية؛ صرنا نسأل: من نحن؟ ما هي جماعتنا الأصلية أساساً؟ الأمة؟ الوطن؟ يا أخي الطائفة؟ العرق؟ المنطقة؟ بدنا نعرف، تهنا ضعنا. وفي هذا القرن تشعر أن مجتمعاتنا تفككت، أصيبت بأزمات لا حد ولا حصر ولا نهاية لها. فوق هذا التفكك السياسي والمجتمعي والتفكك إلى دول كثيرة قطرية وغيرها، ستجد أيضاً عندما تبحث أزمات أخرى أفرزها هذا القرن، منها أزمات دينية، أزمات طائفية ومذهبية، وأزمات عرقية وجهوية، فضلاً طبعاً الأزمات الطبقية ومن ثم الأزمات الاجتماعية. حتى داخل الأسرة الواحدة أستاذ محمد بتلاقي مثلاً الأب مختلف مع أولاده، الإخوة مختلفين فيما بينهم منقسمين، يعني بهدلة ليست عادية. وبالتالي نسأل بكل براءة أستاذ محمد: أين ذهب الدين والأخلاق؟ أين ذهبت الروابط الاجتماعية التي كانت تجعل مجتمعاتنا متماسكة ومترابطة؟ هل هذا كله حدث بتأثير السياسة؟ أم الهزائم؟ أم الحداثة الوافدة إلينا من هناك من الغرب؟ أم ماذا يا أستاذ محمد؟ السؤال 96 ينتظر إجابتكم، توكل على الله.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. سؤال كبير يا أبا الحارث، ولكن دعني أقول لك إن هذه المشاكل وهذه الأزمات هي في واقعها أو في حقيقتها أيضاً من دلائل النبوة ومما يثبت لنا ما جاء به الدين. تعرف طبعاً كلمة سيدنا عمر: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»، وكلمة الإمام مالك رحمه الله: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».
وبالتالي ما كنا فيه قبل أن يأتي الإسلام من تفرق وتمزق وأزمات اجتماعية وأزمات حتى فكرية وثقافية وتبعية؛ بعض العرب كان تابعاً لفارس، وبعض العرب كان تابعاً للروم، وبعضهم الآخر كان خارج مسرح التاريخ، نرى صورة منه تحدث الآن أيضاً بعد أن غابت عنا المظلة الإسلامية وغابت عنا المرجعية الإسلامية. وربنا تبارك وتعالى قال: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]، يعني حتى البلاء بالشر أيضاً هو نوع من الاختبار. وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124].
صحيح العالم كله يعيش المعيشة الضنك لأنه خرج عن هدى الله تبارك وتعالى، لأن الآية تقول: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ * وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 123-127]، يعني هذا نوع من عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة أشد وأبقى.
كما قال ربنا أيضاً في سورة السجدة: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 18-21]. يعني القصد في هذه الدنيا البلاء والعذاب والشدة إنما يبتلي الله بها عباده ويذيق بها عباده لكي يرجعوا إليه، ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 43]. وفي سورة الروم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
فطبعاً نحن أمتنا الإسلامية باعتبار أنها الأمة المقهورة والمغلوبة، وباعتبار أنها الأمة التي تخلت عن هدي هذا الدين وعن كتاب ربها وسنة نبيها، فحقيقة ظهرت عندنا كل المشاكل التي نعاني منها الآن؛ لأنه كل المشاكل تؤدي إلى بعضها، ويثير بعضها بعضاً ويدعم بعضها بعضاً. فهي مسألة المشاكل عبارة عن تفاعلات، هذه التفاعلات إذا لم تضبط في الاتجاه الصحيح -لم تذهب إلى حلها بالاتجاه الصحيح- تظل كل مشكلة تلد كثيراً من المشكلات. فأنت أول حاجة مثلاً وأنت تنظر إلى الأمة، ستلاقي أن الأمة -أنت لما تبص على الخريطة- ستلاقي أن الأمة أمة ممزقة مفتتة، بينما الكيانات التي تحيط بها كيانات قوية؛ يعني الآن الأعداء الكبار للأمة الإسلامية من هم؟ الغرب؛ أمريكا والاتحاد الأوروبي كتل كبيرة، الصين دولة كبيرة وعدد كبير، الهند دولة كبيرة وعدد كبير، روسيا دولة كبيرة. طيب لك أن تتخيل أربع وحوش كدة قاعدين على المائدة، والمائدة دي مفتتة أصلاً وممزقة ومشرذمة.
فلا يمكن أن تحيا هذه الأمة إلا بنوع من الوحدة والاتحاد. لا تستطيع هذه الدول بحالتها المعاصرة أن تتحول إلى رقم في المعادلة الدولية أو أن تتحول إلى قوة دولية، لا بد لها أن يكون بينها قدر من التوحد. فلذلك أول ما ستجده مثلاً يا أبا الحارث أول أزماتنا الكبيرة هو التفكك السياسي. التفكك السياسي ده عمل مشاكل، خلى مثلاً عندنا دولاً صغيرة ثرية -ليكن مثلاً دول الخليج- وعندنا دولاً كبيرة فقيرة تماماً. فهذه الدول الصغيرة لا تستطيع أن تعتمد في حياتها على نفسها فتضطر إلى التحالف مع الأجنبي، فيأتي ليبني قواعده فيها. وهذه الدول الكبيرة التي هي فيها مثلاً موارد من خصوبة الأرض أو من الموارد البشرية يعيش أهلها في فقر شديد. وهذا الفقر نفسه، هذا الحال من التفرق والتمزق، ينشئ معه نوعاً آخر من العنصرية. هذا الثري الغني يرى أنك تحسده وتحقد عليه وتتطلع لما في يده، وهذا الفقير يرى أنه نحن حضارة الـ 7000 سنة، ونحن اللي علمناكم وربيناكم ونظفناكم، وهذا الكلام. فهذا يحدث نوعاً -لا يتعلق الأمر هنا مثلاً بالفقر والغنى، وإنما يولد أفكاراً تزيد الفرقة والحقد بين الناس- ويمنع التكامل بينها.
أنا كنت من فترة جالس مع وزير سوداني سابق، فبيحكي لي موقف لطيف، بيقول: إحنا كان عندنا وفد صيني كنا جايبينه علشان يستثمر في الأرض الخصبة؛ السودان أرض خصبة هائلة، يعني من ذهب إلى السودان عرف أن الدولة هناك -طبعاً أنا بتكلم على أيام عمر البشير، الآن الدولة الأمر في غاية السوء- أيام عمر البشير الدولة غير قادرة على أن تجني المحاصيل التي تنبت بشكل طبيعي. فهو أخونا الوزير السوداني ده بيقول لي لما جبنا وفد صيني، فرأى الأرض يعني مزروعة وممتدة وتغطي الأفق، فقال إيه؟ قال: والله أنتم عملتوا حاجة مهمة جداً، هتوفر علينا كتير، وهي أن أنتم مهدتوا الأرض سويتموها. فالراجل السوداني قال له: والله الأرض دي متسوية لوحدها من عند ربنا، لم ننفق فيها مليماً، هذا دهش له الوفد الصيني؛ أنه هذه الأرض الممتدة على هذا القدر الشاسع والتي ينبت فيها الزرع على هذا القدر لم يبذلوا فيها شيئاً. سبحان الله.
فأنت هذا التفكك السياسي زي ما بقول لك ده بيعمل فقراً وبيعمل غنى، والغني غير قادر على حماية نفسه، والفقير غير قادر على أن يعيش حياة طيبة، وهذا يؤدي إلى أحقاد ومشكلات وأمور ونزعات عنصرية وعرقية تزيد من الأزمات، ويجعل كل الدول ممسوكة باليد الأجنبية هي التي تتحكم فيها، سواء بالدفاع أو حتى بالاستثمار والصناعات ونحو ذلك.
فأستاذ محمد، مش التفكك السياسي هذا ناتج عن منظومة اقتصادية رأسمالية بشعة شرسة أدت إلى تفكك سياسي؟ لو نظرت من زاوية تقول التفكك السياسي أدى إلى، ومن جهة أخرى تقول الاحتلال الأجنبي الرأسمالي المهيمن أدى إلى التفكك السياسي. يعني البداية كانت أن عالمنا هذا عالم مصنوع صنعه الأجانب، فالأجانب حددوا هذه الدول وفقاً لمصالحهم، ولما حددوها وفقاً لمصالحهم أنتجوا هذا الوضع الشاذ. طيب هذا الوضع الشاذ لما أكمل على هذه الخطى واستتبع واستوعب الفكرة الأجنبية التي جاءته، فرسخها وعززها ومتنها، صارت هذه الفكرة نفسها تؤدي إلى مزيد من هذا التفكك السياسي تماماً.
طيب، هذا التفكك السياسي نفسه صنع كثيراً من المشكلات الحدودية؛ لأنه عارف أنت الأب لما يكون -الأب في البيت ما بيبقاش فيه مشاكل- لكن أول ما الأب يتوفى ويجي يرثه أولاده ويبدأوا يقسموا البيت، البيت نفسه الذي كان واحداً وما فيهوش مشاكل، يصل الخلاف في تقسيمه بين الأبناء إلى مشاكل. فإحنا بلادنا لما قصت صنعت عند كل حد مشكلات؛ فبالتالي قل أن تجد منطقة غير متنازع عليها في كل حدود عالمنا العربي والإسلامي. دائماً هتلاقي في مشاكل؛ بين سوريا وبين تركيا مشاكل، بين مصر وبين السودان مشاكل، بين الجزائر والمغرب مشاكل، بين دول الخليج مشاكل، فدائماً ما نبتت هناك مشاكل. هذه المشكلات طبعاً ترتب عليها أن في أعمار ناس ضاعت؛ يعني في ناس من 50 و60 و70 سنة حتى الآن ليست لهم جنسية، إما الدولة لا تعترف بهم أصلاً، أو أن الدولة تراهم مهاجرين ليسوا غرباء عنها فلا تمنحهم جنسيتها. طيب في عالمنا الذي نحن فيه منح الجنسية أو نزع الجنسية يساوي حقيقة قراراً بالإعدام. أنت لو مش معاك جنسية، لو الدنيا دي مش شايفاك، فأنت لا عارف تأكل ولا مش عارف تتعلم، مش عارف تتعالج، مش عارف تسافر، أولادك حتى طبعاً مش عارف تتجوز، لكن افرض اتجوزت خارج سياق الدولة أو بأي سياق عرفي، أولادك بيخرجوا برضه بدون جنسية مش عارفين يعملوا، كل هذا الكلام فهذه معاناة هائلة تشمل كثيراً من الناس، وتشمل كثيراً من الناس حتى في البلاد التي يرى أو التي لا يتوقع فيها بعض الناس أن فيها ذلك؛ يعني نحن عندنا في مصر مثلاً بعض الصيادين الذين يعملون في النيل بعضهم لا، الدولة لا تعترف به، وهذا في مصر التي هي الدولة العريقة القوية التي تعتبر من أقل الدول نزعاً للجنسيات، في ناس أفراد وطوائف هامشية غير مشمولين بالجنسية برعاية الدولة. طبعاً ما بالك بقى في بلاد أخرى، مسألة الجنسية هذه مسألة واضحة، والبدون يكون فيها أعداد هائلة.
القصد يا مولانا، فأنت التفكك السياسي ده بيعمل أزمات أخرى اجتماعية وبيعمل أزمات أخرى سياسية وبيعمل صراعات. لما تيجي تدخل إلى سياق آخر، هتلاقي برضه هذه الأزمات الاجتماعية التي أنشأها التفكك السياسي أدت إلى أن يلتحف كل مظلوم بمظلة أخرى غير مظلة الدولة؛ يعني مظلة العائلة، مظلة القبيلة، مظلة المذهب الديني. ده حلو ولا وحش؟ ده موضوع ثاني، أنا مش بقول دلوقتي حلو ولا وحش؛ يعني هل الدولة هي بديل عن كل أنواع الانتماءات؟ لا طبعاً. هل الدولة ينبغي أن تكون... هل يعني الولاء للمذهب أو للقبيلة أو للطائفة أو ما شابه يضاد بالضرورة الانتماء للدولة؟ هل أصلاً الدولة ينبغي أن تكون انتماء، ولا أن تكون كائناً خدمياً؟ كل ده أنا مش عايز أناقشه دلوقتي، بس واحنا بنستعرض المشاكل بنلاقي حيث إن الدول دي نشأت بشكل مصنوع يحقق رغبة الأجانب، فالناس الذين وجدوا فيها لم يشعروا أصلاً أنهم ينتمون إلى هذه الدولة، خصوصاً وأن هذه الدولة نادراً ما تخدمهم وما توفر لهم الكرامة؛ فساعة إذ بتلاقي بقى إيه المظاهر التي يسميها بعض الباحثين الغربيين اختراق القبيلة للدولة، أن القبيلة فوق الدولة، وأنه الناس اللي في دوائر الحكم بيتعاملوا مع الآخرين باعتبارهم القبيلي ده من جماعتنا فبنعرف نسهل له، الموضوع ده مش من جماعتنا فبنصعب له المسألة؛ فده بيحصل كجزء من فشل الدولة؛ لأن الدولة نصبت نفسها انتماء وحيداً، وبعد ذلك حاسبت الناس على أنهم لا ينتمون لها.
الانتماء، مثلاً هتلاقي دلوقتي في عالمنا العربي أحد أهم المشكلات هو تقسيم الشيعة والسنة؛ هي تقسيمة غير منطبقة على التقسيمة السياسية. فأنت لما تلاقي نفسك عربي في إيران، أو عربي سني في إيران مثلاً، أو شيعي وعربي في العراق أو في الكويت أو في البحرين أو في السعودية، حين تقع المشكلة بين إيران وبين العراق أو بين إيران وبين السعودية، دائماً هذا العنصر يُسأل: إلى من تنتمي؟ أولاً إلى الدولة التي أنت فيها، ولا إلى المذهب الذي يخالف الدولة التي أنت فيها؟ طبعاً هذا يترتب عليه مشكلات اجتماعية أخرى، ويترتب عليه مشكلات طائفية ومذهبية.
بالنهاية أرجع وأقول: الخلاف الذي بين السنة والشيعة خلاف أصيل، لكن كان خلافاً يمكن دائماً حله أو احتوائه أو تسكينه ضمن الأمة الجامعة. أما حيث قُسمت البلاد على هذا النحو من التقسيم، فبالتالي صارت كل أقلية في مكان ما ملزمة بأن تظهر ولاءها. ولاءها هذا مش معناها أنها ترفع العلم، لا؛ لا يعني يشترك في الجيش الذي يقاتل أهله وقومه على الضفة الأخرى من الحدود حتى لو كان هو مش مقتنع بهذه الحرب ويراها ظالمة.
من مزايا الإسلام العظيمة هي مسألة الجزية؛ أن غير المسلمين ليس لهم حاجة أن يقاتلوا مع المسلمين في حرب هم يرونها حرباً ما تهمهم. ليه يعرض نفسه للخطر؟ هذه الجزية تحولت من كونها شيئاً عظيماً يرفع عن الناس أي حرج، إلى كونها شيئاً سيئاً يُضاد به الإسلام؛ فالآن الدولة قادرة على تجنيد عناصرها لكي يخوضوا حروباً ويفقدوا فيها أرواحهم رغم أنهم لا يؤيدون هذه الحروب، أو على الأقل يرون أنه لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
أحياناً الخلاف ده يبقى خلاف داخل القبيلة الواحدة؛ هو خط الحدود دخل فخلى قبيلة الناحية دي وقبيلة الناحية دي، افرض حصلت أزمة بين الدولتين، كل قسم من القبيلة ينبغي أن يبدي ولاءه وانتماءه للدولة التي هو فيها، ويقاتل أبناء عمومته على الطرف الآخر من الحدود. أحياناً الحدود دي قسمت قرية واحدة زي رفح الفلسطينية ورفح المصرية، هناك مشكلات اجتماعية نشأت عن هذا التفكك السياسي.
حتى لو دخلت داخل الدولة نفسها، بعيداً عن التفكك السياسي، أصبح عندنا أكثر من مشكلة هي بالأساس بسبب هذا التفكك السياسي وبسبب الاحتلال الأجنبي الذي صنع وأنشأ هذه الدول. غالباً ما ستجد الذين يهيمنون على الثروة والسلطة هم الذين كانوا في ركاب الأجانب. فبتلاقي في عالمنا العربي المتدين ده، الذي يغلب عليه الدين، دايماً فوق في السلطة شريحة رقيقة، الشريحة دي متعلقة بالأجانب، وأحياناً بتتكلم لغتهم وبتدرس في مدارسهم، هي التي تحوز الثروة والسلطة.
لما تحوز الثروة والسلطة بيبقى شكل المجتمع بهذا الشكل: الإنسان المتعلم المتنور الغني اللطيف الجميل البراق النظيف اللي بيعرف يسافر ويروح ويجي، هو العلماني المتغرب. لكن اللي لابس حجاب أو اللي لابس الزي التقليدي، هو ده الفقير المتدين اللي عايش في قرية، اللي ما عندهوش قدر عالي من التعليم، اللي ما عندهوش قدر عالي من فرص العمل وفرص النمو الاجتماعي. فالانقسام داخل مجتمعاتنا الإسلامية بين طبقة وشريحة رقيقة حقيقة كانت ملتصقة بالأجانب أو استطاعت أن تلتصق وتصعد إلى هذه الطبقة في ظروف ما، وبين جماهير قروية كبيرة، جماهير قروية متدينة، هذا انقسام هائل ويسبب كثيراً من المشكلات.
هذه الدولة لما اعتنقت مبدأ الحداثة ومبدأ الاقتصاد المركزي، وبقى عندنا اقتصاد ممركز حول المدن، يعني بقى في مدن فيها النخبة، والمدن دي بقى فيها مناطق صناعية، والمناطق الصناعية دي بقت هي قلب الاقتصاد الخاص بالدولة، فأدى ذلك إلى هجرة ونزوح من الريف؛ لأنه انهارت الاقتصادات الريفية مع وجود الدولة ذات الاقتصاد المركزي. الهجرة والنزوح من الريف أدى إلى انحلال الروابط الاجتماعية.
أنت تسأل عن الدين وعن الأخلاق، وانحلال الروابط الاجتماعية سببه أن الناس ذهبت إلى أن تقيم في آفاق أخرى، في مدن أخرى، في أرض أخرى، وصاروا أخلاطاً. انحل ما بين الناس من المعرفة القروية والمعرفة القبلية والمعرفة العشائرية والتماسك الاجتماعي والتكافل الذي كان داخل العائلات، وبقت الناس موجودة في المساكن الصناعية، المساكن اللي حول المصانع، المدن اللي حول المصانع، فها هنا انحلت الروابط والقوى الاجتماعية لحساب تغول وتضخم سلطة الدولة.
والدولة طبعاً مش مهتمة بالأخلاق. الولد الذي ما كانش يقدر مثلاً يتعرض لبنت في قريته، يقدر يتعرض لها خارج قريته. الولد الذي ما كانش يقدر يشرب سجاير أو يدخن أو يعمل الشيء الذي يرى عيباً وماساً بالمروءة وماساً بشرف العائلة وماساً بسمعة القبيلة في مكانه، لما صارت الناس أخلاطاً في المدن صار ذلك يسيراً. نفس الكلام بالنسبة للبنات؛ البنت التي كانت تخاف وتخشى أن تلوكها الألسنة، دلوقتي ما حدش عارفها فهي بتعمل اللي هي عايزاه.
وكل ده لأنه أصلاً الدولة برضه متخلية عن باب الأخلاق؛ هذه هي الدولة، كيان مركزي كبير ضخم يرى الناس آلات في إعادة تدوير الاقتصاد وإنتاجه. فهذا أدى إلى انحلال الروابط الاجتماعية بما تحمله من الدين والأخلاق والأعراف والعادات والتقاليد، لحساب هيمنة قوة الدولة التي تريد الناس أفراداً ولا تهتم كثيراً بأخلاقهم. يعني الدولة ما عندهاش أي إشكال في الزنا مثلاً طالما بالتراضي، حريات شخصية؛ هذا لا، لم يكن مقبولاً ولا متاحاً قبل ذلك.
الدولة ما عندهاش مشكلة أن حد يبيع خمر، ده جزء اقتصادي، ما عندهاش مشكلة أن حد يفتح كباريه مثلاً، ما عندهاش مشكلة أن واحدة تشتغل رق، إن لم تكن تدعم ذلك، هذا بالنسبة لها لا يعد عيباً تكافحه، بينما كان ذلك في مضارب القبائل وفي القرى وفي العشائر شيئاً مهولاً عجيباً لا يمكن القبول به. فلذلك تنحل القوى الاجتماعية، تنحل الروابط الاجتماعية، وينحل معها ما بقي في الناس من الدين والأخلاق، وتبدأ المدن تشهد هذا الانحلال الأخلاقي، خصوصاً وهم شايفين أن الانحلال الأخلاقي ده سمه النخبة المدنية التي هي أصلاً مرتبطة بالغرب.
فشكل من أشكال الصعود الاجتماعي أن تتخلى عما كنت فيه من التخلف ومن الرجعية.
- أنت بتعرف أستاذ محمد، يعني أنا لا بد أن أسألك أسئلة الناس. - نعم. - الكلام بتحكيه لطيف وجميل، يعني ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله، ولكن في ناس حيقول لك يا أخي انحلال الناس أخلاقي، أنتم ليش بتحملوا كل شيء للدولة؟ كل شيء الدولة، الدولة، الدولة.. هو الناس يعني ما بيفهموا؟ يعني ما عندهم حس بالمسؤولية؟ فكرة الزنا، الأخلاق، الانحلال، الانحراف، الكذا.. هي الدولة لكي تكون مسؤولة؟
الناس تهتم في حالها وتخاف من رب العالمين وتدير بالها لحالها، من الشق الثاني؛ بس ارجع شوية لمثال الهجرة من المدن إلى الريف ومن الريف إلى المدن. نحن نعرف بالصين زمان وبكل أوروبا، وحتى في عالمنا الإسلامي والعربي، زمان كان شكل العلاقات وشكل الاقتصاد كذا، نحن كنا في القرية وبننسج مع بعض مشان نطلع هذه السجادة، وبالتالي اللي بينسج هو الأب والأم والحفيد والجدة وكلياتنا مع بعض والجيران وكل هالكلام.
فعليًا على أرض الواقع، عدد الناس قاعد بيزيد، المدن قاعدة بتتسع، الحاجات قاعدة بتزيد والطلب قاعد بيزيد، فبقدر أنا أظل مستنيك بإيدك هيك تحبك لي هي السجادة؟ أنا لازم أعمل مصنع، وبالتالي هاجر أنت من الريف إلى المصنع مشان نلبي الاحتياجات. فليش حاسين في أزمة اسمها أخلاقية عملتها الدولة؟ لا، هذه الأزمات بيعملوها الناس.
والله كلام ممتاز يا أبا الحارث. شوف، صلي على النبي، في أزمات صنعتها الحداثة في كل العالم مش عندنا إحنا بس. يعني مثلاً فكرة انحلال الأخلاق وانهيار الأخلاق هذه فكرة يشكو منها حتى الإنجليز وحتى الفرنسيين وحتى الصينيين وحتى الأمريكان. يعني أنت لما بترجع مثلاً تقرأ لواحد مات من 50 سنة إنجليزي، أقول لك على حاجة؛ جلوب باشا، الذي هو الرجل الذي كان مؤسس الجيش الأردني، له مذكرات، هو نفسه في مذكراته يقول إنه يرى أن المجتمع الإنجليزي ينهار وينحل أخلاقيًا، وأن مسألة الزواج ما بقتش مقدسة زي زمان، ومسألة الانحرام على الأموال ما كانتش... بقت مقدسة، وهذا ما كان موجود زمان. كان الإنسان ضمن الدولة عنده أخلاق، البيت شيء مقدس، والانحلال الأخلاقي شيء مستنكر حتى وإن كان الشباب يفعلونها.
لما بيعمل وظيفة، فبيؤدي وظيفته باعتبارها الواجب أولاً قبل أن تكون مصدر المال أو الدخل الاقتصادي، بيكتسب مكانته من حسن أدائه للواجب ليس من كثرة أمواله. هو بيقول المجتمع الإنجليزي تغير، وبقى مسألة الطلاق عنده مسألة سهلة، ومسألة الانحلال الأخلاقي بقت مسألة سهلة، والناس ما بقتش تقرأ زي زمان، بقت ثقافتها هشة وضعيفة، وكل هذا مؤذن بانهيار الأمة.
ففي مظاهر الحداثة عملتها في كل الدنيا حتى في أوروبا وأمريكا، يعني الانهيار الحالي في الأخلاق الذي في أمريكا الأوروبيون يستنكرونه. مثلاً لما تقرأ مذكرات عبد الوهاب المسيري، أوروبا كانت محتفظة بشوية أخلاق من بقايا المسيحية، هذه الأخلاق كانت منهارة تمامًا في أمريكا باعتباره مجتمعًا مهاجرًا ومتمحورًا حول تكوين الثروة. فالأخلاق التي كانت في أوروبا بالنسبة للأمريكان تشدد، والأمريكان بالنسبة لهم انحلال.
فده كده مستوى أن الحداثة بما جاءت به من مركزية للأموال ومركزها للاقتصاد وضرب للقوى الاجتماعية وإزاحة للدين، عملت أزمات انهيار اقتصادي واجتماعي وأخلاقي في كل الدنيا. هذه الأزمات لها انعكاساتها على بلادنا، وتظل بلادنا حتى الآن أقل البلاد استجابة لهذه المشكلات لرسوخ الإسلام فيها، لكن حتى بلادنا هذه وهي أقل البلاد استجابة، هي بالنسبة لما كانت عليه قد انحدرت انحدارًا شديدًا وتدهورت تدهورًا شديدًا.
يبقى عايز أقول لك، في مستوى الحداثة عملته في كل الدنيا، المستوى الثاني الذي تختص به بلادنا أن هذا مش تطورنا الطبيعي. نحن مجتمعات سُحبت سحبًا من قبل الدولة والسلطة إلى أن تكون كذلك، يعني عندنا نُشر الرقص نُشرًا، ونُشرت الإباحية عمدًا، وتم تغيير القوانين لكي تتحلل المرأة من طبقات الحماية الاجتماعية عمدًا، يعني هذا مش تطورنا الطبيعي.
نحن في أوروبا اكتشفوا الصناعة فبدأ يحصل انزياح طبيعي من القرى إلى المدينة علشان التطور الاقتصادي، نحن ما حصلش عندنا كده، إحنا عندنا جيء بالمصنع وكسر الحرف التقليدية، سحب الناس سحبًا من حرفهم التقليدية وسحبوا سحبًا من قراهم وأراضيهم لكي يكونوا تروسًا في الآلة التي تريدها الدولة، فجرى تصنيعنا بما لا نحب.
يعني مثلاً هتلاقي المسلسلات والأفلام الأجنبية معبرة عن مجتمعهم، لكن عندنا في بلادنا المسلسلات والأفلام غير معبرة عن مجتمعنا، بل هي صاحبة رؤية وهدف لسحب المجتمع مما هو عليه إلى ما يراد له. تعرف أنا ما فيش مسلسل مصري بحضره إلا في قصة هذول الزعران والمافيات اللي موجودين في كل الحارة، وهذا مش حقيقي. وقبل كده لما ترجع مثلاً للستينات والخمسينات هتلاقي دائمًا عندك ثيمة مستقرة: فلانة بتحب فلان وأبوها المتخلف مش راضي فبتهرب معاه ويعيشوا حياة سعيدة، وهذا موضوع متكرر.
قصدي أقول شوف، هنا عقل وراء إنتاج الفيلم أو وراء إنتاج المسلسل يريد للمجتمع أن يكون كذلك. يعني مثلاً واحد زي مخرج مصري مشهور اسمه خالد يوسف، عمل فيلم... أنا دلوقتي نسيت اسمه، بس لأن المخرج هذا مفكر، أنا كنت أهتم بمتابعة الحاجات التي ينتجها، مثلاً بيقول إيه؟ المجتمع بتاعنا ده فيه تناقض؛ ليه الولد لما يبقى له علاقة محرمة بالبنت الناس بتسامحه، لكن البنت لما يبقى لها علاقة محرمة بالولد الناس ما بتسامحهاش؟
طيب أنا عايز أقول لك ماشي، ربما هذه بالفعل من تناقضاتنا الاجتماعية، لكن الفيلم الذي هو عمله رايح يقول إيه؟ مش رايح يقول للناس زي ما أنتم بتشنعوا على المرأة التي لها علاقة محرمة شنعوا على الشاب أيضًا، لا، بيقول لهم: زي ما أنتم متسامحين مع الشاب تسامحوا أيضًا مع المرأة. فشوف هو واخد المجتمع لفين؟ مش أننا بنصحح الإشكال الذي يقع فيه المجتمع، لا، ده إحنا بنقول إيه: يلا بينا يا جماعة كلنا نفس ما أنت بتسامح الشاب سامح كمان البنت.
فلذلك الروايات التي صدرت، الأفلام، المسلسلات، وسائل الثقافة والتعليم والإعلام، كانت بتسحب الناس إلى شيء يضاد ما هم عليه أو ما يطمحون إليه، وده كله جزء من التبعية للغرب؛ التبعية الفكرية والثقافية والقانونية. طيب، هذا برضه ساهم في مزيد من الأزمات، تعال أقول لك على حاجة.
النبي ﷺ تعوذ بالله من الفقر، بل جعله قرين الكفر: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر». الكفر والفقر، هذا أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا من المجتمعات؛ لأن الإنسان الفقير الذي هو فقره مدقع، هذا يسميه سلفنا الصالح "الفقر المنسي". الإنسان شديد الفقر لا يستطيع أن يفكر في شيء إلا في قوت يومه، فمقفول. فالشعوب كلما كانت فقيرة كلما أمكن الاستبداد بها والطغيان عليها، فالإفقار كثيرًا ما كان في بلادنا في القرن...
الفقر سياسة متعمدة أن يكون الناس فقراء؛ لأنهم لو لم يكونوا فقراء سيفكرون في تحسين أحوالهم. نعم، الإفقار يكون سياسة متعمدة، وهذا كلام نُقل عن بعض الزعماء والسياسيين. في مذكرات حسن عشماوي، يتحدث عن فترة ثورة يوليو أو انقلاب يوليو، حيث يقول إن عبد الناصر قال له: «أنا قرأت تاريخ هذا الشعب، إن هذا الشعب يثور حين يشبع». فقال له حسن عشماوي: «يعني أنت مع ذلك ناوي تفقره؟»، فضحك وقال له: «أنت خبيث في فهم كلامي»، لكن هذا الذي فعله عبد الناصر فعلاً.
والقصد أن هذا ليس في مصر فقط، بل في عموم عالمنا العربي والإسلامي؛ فكرة الإفقار أن يكون متعمداً. الإنسان، أنت عارف الإمام الشافعي كان له كلمة مشهورة، كان يقول: «لا تخاطب من ليس في بيته دقيق الطحين، فإنه لا عقل له». ويُروى أن جارية دخلت عليه في مجلسه وقالت: «يا إمام، نفد الدقيق أو نفد الطحين»، فقال لها: «أطرّت من رأسي أربعين مسألة تهم الإسلام والمسلمين».
عبد الناصر لو جعل الناس يعيشون في رفاهية مطلقة ونعم لهم بلدهم، فبالعكس، الواحد لما يصير مرفه لماذا يريد أن ينقلب؟ لماذا يريد أن يخرب الدنيا؟ الكلام هذا يبدو منطقياً، لكن حين تقرأ في علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي وتقرأ مذكرات الزعماء، تعرف أن الزعيم إذا أراد أن يكون فاسداً ومستبداً، فأول ما يجب أن يفعله هو إفقار الناس؛ لأن التمردات والاعتراضات تأتي دائماً من الطبقة الوسطى، الناس الذين عندهم أكل وشرب ومساحة للتفكير. أما الجائع الذي ليس لديه مساحة للتفكير، فلا يفكر أصلاً في التغيير، بل تستخدمه السلطة لكي يضرب الذين يفكرون في التغيير.
الخلاصة التي أريد أن أقولها لك، أن الذي يريد أن يستبد بالناس، مسألة إفقارهم هذه هي مسألة مهمة، إلا أن يكونوا حالة ثانية، وهي أن يكونوا شعباً صغيراً جداً أو طبقة صغيرة جداً، فهذه يغدق عليها بالأموال الطائلة لكي تظل مستفيدة من بقاء النظام. فدائماً في كل بلد تجد حاشية السلطان منعمة تماماً وبفارق ضخم عن عموم الناس، لكي تلتصق بالحكم والسلطة ولا تفكر في التغيير والإصلاح، لأن التغيير والإصلاح يضرها؛ ولذلك كان المترفون دائماً أعداء الرسل.
قال ربنا تبارك وتعالى في سورة سبأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [سبأ: 12]. وفي سورة الزخرف أيضاً: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، فالمترفون دائماً أعداء الرسل. ولذلك أي رسول تقرأ في القرآن الكريم، تجد أن الملأ من قومه -الملأ الذين كفروا- هم الذين يعارضون؛ لأن هذه الطبقة العليا دائماً ترفض التغيير لأن تغيير الوضع يعود على مصالحها بالضرر.
الخلاصة يا مولانا، الفقر باعتباره قرين الكفر، يؤدي إلى كل هذا الانهيار الاجتماعي. الأب الفقير في بيته تضعف قبضته حتى على زوجته وأبنائه، وعدم قدرته على القيام بكفايتهم يضعف من قدرته على تربيتهم وتوجيههم. ويذكر الجبرتي في تاريخه، أيام ثورة القاهرة الثانية التي أخمدها الفرنسيون بعنف شديد وبكثرة القتل، وبعد أن أخمدوها فرضوا على المصريين ضرائب هائلة أفقرتهم إفقاراً شديداً، يذكر الجبرتي أن هذا كان من أسباب خروج بعض النساء والتحاقهن بالفرنسيين؛ لعدم وجود آباء قادرين على كفاية البيت.
هذا يحدث حتى الآن، تجد في مواقع التواصل الاجتماعي الأب غير القادر على الإنفاق على بيته لا كلمة له في بيته. وإذا أضيف إلى ذلك أن الأب فقير أو مطحون، يعمل وظيفة وثانية وثالثة، فهو مشغول غير قادر على التفرغ لرؤية أبنائه ولا لتربيتهم لأنه بالكاد يستنفذ طاقته في إطعامهم.
ما الذي يحدث حين يحدث ما ذكرنا؟ قبل ذلك كان هناك فقر، لكن هذا الفقير في مكانه، قاعد في قريته وتجد من يكفله أو يساعده من أقاربه أو عائلته، فالروابط الاجتماعية الطبيعية موجودة، في المسجد الناس تعرف بعضها، يأخذ بعضهم الزكوات والصدقات، والعائلة والقبيلة ترى أن لديها مسؤولية تجاه أبنائها.
أما هذا الرجل الذي صار فقيراً في زمن الدولة الحديثة، فماذا يفعل؟ لقد انقشعت عنه كل هذه الروابط، فتجده مهاجراً من قريته وقاعداً في سكن صناعي، أو حتى مسافراً مع أربعة أو خمسة في مكان واحد ليوفر الأجرة. هذا الرجل، بعدما انقشعت عنه طبقات الحماية، يبدأ في القبول بما لم يكن يقبل به قبل ذلك، مثل خروج زوجته للعمل. قبل ذلك لم يكن هذا الأمر مقبولاً، كانت المرأة حتى لو أرادت أن تعمل فهي غنية معها مال تعطي زوجها أو أخاها، لكن خروج المرأة للعمل لكي تساعد في كفاية البيت لم يكن مقبولاً، وصار الآن ليس فقط مقبولاً بل مطلوباً. تجد كثيراً من الشباب لا يرضى بالزواج من امرأة تريد أن تبقى في البيت، صار مطلوباً من المرأة أن تكون ذات دخل لكي تساعد في البيت، وبعد ذلك يكون قابلاً لأن تخرج بناته للعمل.
يطلع يشتغل ويبقى رجلاً ويساعد، لكن البنات ما كانش أحد يقبل ذلك، الآن صار مقبولاً، ويصير مقبولاً مع ضغط الفقر ومعه ضغط آخر هو ضغط الأفكار.
له فكرة، المرأة ولازم تتعلم علشان تشتغل، علشان يبقى لها مستقبلها، علشان ما أحد يعرف يذلها ويعرف يتحكم فيها، وتلاقي الكلام هذا متدفق عليك من أفلام ومن مسلسلات ومن برامج ومن وسائل تعليم وإعلام. هنا بيحصل تفكك حتى داخل الأسرة الواحدة.
وطبعاً المرأة نفس الكلام بيحصل عندها أيضاً؛ انهيار طبقات الحماية الاجتماعية حولها، بتبقى نازلة إلى العالم، يقولون لها: «أنتِ لازم تنزلي العالم علشان أنتِ strong and independent»، امرأة قوية مستقلة.
أول ما تنزل ترى العالم الوحشي؛ يعني زمان مثلاً أتذكر أنه كان مستنكراً جداً أن تبقى واحدة واقفة في المواصلات والرجال قاعدون، دلوقتي عادي لأن المرأة صارت مثل الرجل في مساواة. طيب، خلاص طالما مساواة، قبل كده كان لازم واحد رجل يقف علشان يقعد المرأة، ما تقفش في طابور، لما تأتي أكيد يعني علشان جت وقفت في الطابور تبقى محتاجة يكون زوجها في أزمة، فكانوا يوسعون لها تقضي مصلحتها قبل الناس، دلوقتي لا، عادي خليها واقفة.
المرأة اضطرت إلى أن تسترجل وتتخشن وتترك شيئاً من أنوثتها، والرجال أيضاً بقوا يعاملونها باعتبارها مثلهم أو يستغلونها. وطبعاً المرأة عندها غريزة أن ترتبط بواحد قوي أو واحد غني أو ذو سلطة ونفوذ، فحين يكون لديك ضغط أفكار يقول للمرأة: «تحرري، واخلعي الحجاب، وخليكي حرة في جسمك وتعملي اللي أنتِ عايزاه»، كل هذا بيخلي المرأة تنهار وتهوي في المسارات غير الأخلاقية.
وكل هذا يرجع ويؤثر في بعضه ويصب على بعض؛ الفقر والانهيار الاجتماعي والتفكك الأسري، أفكار تمكين المرأة وتحريرها وخروج المرأة إلى العمل وبعد ذلك خروجها إلى التعليم، حتى لو التعليم هذا مش مهم. زمان اللي كان عايز يقول المراه تخرج إلى التعليم عشان تعرف تربي أولادها، علشان تبقى أقدر على متابعة العالم، دلوقتي حقيقة بتلاقي لا، لم يكن هذا هو المقصود.
أقول لك على موقف لطيف، كان في مصر واحد اسمه رشدي سعيد، كان رئيس المؤسسات التعدينية، يعني واحد مهم في مجال الطاقة في مصر وله مذكراته منشورة اسمها «رحلة عمر رشدي سعيد»، يحكي أن أخته كانت ضمن أول بعثة نسائية مصرية للتعليم في إنجلترا في العشرينيات، سنة 1924.
رايحة تدرس إيش؟ الأستاذة رايحة تدرس الرسم والفنون الجميلة! أنت واخد بالك؟ يعني هي رايحة سايبة مصر ورايحة إنجلترا علشان تدرس الرسم! يعني هي تاركة بلد الفن والرسم! أنا عايز أقول أين هو الضروري في أنها تتعلم الرسم أصلاً؟ ثم ما هو الضروري في أنها تروح من بلد لبلد آخر لتتعلم الرسم؟
الفكرة بقى أكثر من كده، شوف أنت الضلال؛ إنه الرجل تلبسته هذه الأفكار باعتبارها أفكار تحررية لدرجة أنه بيفخر بذلك، وبيفخر بذلك على قرناءه الأمريكان والإنجليز، لأنهم إلى ذلك الوقت ما كانوا يسمحوا لبناتهم يسافروا عشان يتعلموا طب أو هندسة. يعني هو واخد بالك، الإنجليزي والأمريكي ما كان يسمح للبنت إنها تسافر برة عشان تتعلم حاجة مفيدة، شايف إن هذا من الحلال الأخلاقي، طب احنا بقى أول بعثة نسائية سافرت علشان تتعلم فنون جميلة؟ إيه ده، ويبقى ده موضع فخر؟
يعني دلوقتي مثلاً وأغلب المجالات التي تشتغل فيها النساء الآن في الحقيقة ليست مهمة وليست ضرورية بصراحة، وبإيه اللي يخلي مثلاً مهمة مثل مذيعة نشرات الأخبار؟ ما الذي يجعل المرأة مهمة وضرورية في مهنة مثل مهنة أنها تبقى مذيعة نشرات أخبار؟ قولي كده، هيفرق إيه الخبر لما يقوله رجل عن لما تقوله امرأة؟
أستاذ محمد، أنت لما تشوف امرأة حلوة ومكياج وحمرة وشعر مسمسم وحلوين، أنا بقعد أشوف هلا نشرة الأخبار أشوف واحد قاعد قدامي نازل يقول لي أخبار، ليش كويس؟ إذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فبتبقى عارف ما هي الأغراض الحقيقية من إخراج المرأة.
عندي نص مهم أقرأ لك إياه، أنت حكيت قبل شوي عن موضوع الاقتصاد هذا، وأنه نحن أنظمتنا دعنا نقول قررت أن تفقرنا. حتى فكرة أنا مبسوط من هذه العبارة، أوعد تفكرني زعلان، هذا الحكي شو معناه؟ معناه أننا نحن أصحاب قرار، معناه أن اللي أفقرنا نحن، مش منظومة الغرب هي، طلع في شغلة موجودة بأيدي حكامنا بيقدروا هم يستخدموها في منه هذا الحكي ولا لا.
طيب تسمح لي أقرأ لك هذا النص عشان تعرف الهنا اللي إحنا فيه؟ نحن بدنا نقف قفزة عبر الزمن عشان نعرف مرارة واقعنا اليوم في مشهد نبوي عظيم.
لما وطأت قدما النبي ﷺ يثرب مهاجراً، لم تكن الأزمة الكبرى التي تواجهه آنذاك مجرد أزمة لاجئين يبحثون عن مأوى أو عمل أو طعام، بل كانت امتحاناً وجودياً لبناء مجتمع من الصفر. كان التحدي الأعمق للنبي ﷺ: كيف نمنع هذا المجتمع الناشئ من التمزق والتفكك؟
شوف الناس هنا بتفكر كيف تمزقنا وتفقرنا وتبعثرنا، والنبي ﷺ بيفكر كيف يجمعنا، كيف نمنع هذا المجتمع أن يتحول إلى جزر معزولة وكتل متنافرة؛ فقراء معدمون من جهة، وأغنياء متنفذون من جهة، مهاجرون غرباء هنا، وأنصار أصحاب أرض هناك، ممكن يشوفوا شوية يعملوا شوية عنصرية كمان.
في تلك اللحظة الفارقة، وبدلاً من أن يتركهم النبي ﷺ لقوانين العرض والطلب، بدأ النبي ﷺ بتأسيس بنيتين عظيمتين: المسجد والمؤاخاة. لم يكن بناء المسجد مجرد إقامة لجدران يصلى بداخلها، بل كانت هندسة لرابطة اجتماعية واقتصادية لا تنفصم عراها، مساحة تذوب فيها الفوارق الطبقية، وتتلاحم فيها الأكتاف، ويقاسم فيها الأنصاري أخاه المهاجر ماله وداره بحب واحتساب.
لقد أسس النبي ﷺ مجتمعًا يرى في الإنسان أخًا وسندًا، لا مجرد منافس أو مستهلك. هذا الكاتب هو أحد الباحثين في تاريخنا، وهو دكتور بارك الله فيه.
هذا كلام ممتاز، وأذكر أننا ذكرنا ذلك يا مولانا ونحن نتناول محور السيرة النبوية؛ في أن النبي ﷺ من إعجازاته أنه حقق أسرع دمج في التاريخ بين مجتمع ممزق مشرذم. وذكرنا أنه كان المسجد والالتقاء خمس مرات في اليوم من الأمور التي ساعدت على ذلك؛ لأنه حتى كما في حديث ابن مسعود قال: «ولقد كان لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهدى بين الرجلين»، يعني مش قادر يقوم علشان يصلي جماعة حتى يقام في الصف.
فهذا كلام صحيح تمامًا، ولو أننا تأملنا في أحوال المجتمع النبوي، مجتمع المدينة قبل أن يقدم إليها النبي ﷺ. أنا كنت مرة في دروس السيرة عملنا تحديًا ونحن نصف مجتمع المدينة قبل قدوم النبي ﷺ، لو حطيناه أمام أي واحد من أصحاب الحركات الإسلامية الآن وقلنا له: «ما رأيك نقيم دولة إسلامية هنا؟»، سيقول لك: «الوقت لم يحن»، أو «هذا المكان غير مناسب»، أو «هذا الشعب ليس مستعدًا لكي يقوم، لا يصلح».
لأنه كان عندك قدر هائل من الانقسام؛ انقسام ديني بين مسلمين ومشركين ويهود، وانقسام اجتماعي بين مهاجرين وأنصار، وانقسام في طبيعة الأوس والخزرج، وطبعًا أزمة اقتصادية بين يهود مسيطرين على الاقتصاد وبين مزارعين، وعندك أزمة لاجئين، المهاجرين القادمين، وهذه أزمة لاجئين بين مهاجرين وأنصار، والمهاجرون لم يكونوا من مكة فقط، بل كانوا كل من أسلم لأن الهجرة في ذلك الوقت كانت فرضًا.
لذلك، نرجع إذاً بنتكلم عن الحل فيما بعد لأزماتنا هذه، فلن نجد حلاً أقوى ولا أسرع ولا أنسب لمجتمعاتنا من الإسلام، أن يعود التماسك الاجتماعي مرة أخرى. ثم كان للنبي بعد ذلك خطوات كثيرة في مسألة التقريب والتماسك الاجتماعي وما يكون بين الأنصار. وأقول لك على حاجة؛ مثل الزكاة والصدقات والأوقاف، هذه من وسائل المجتمع الإسلامي لتخفيض الطبقية بين الناس. لأن الإنفاق -الذي يخرج الزكاة- هذا هو الذي عنده أموال، وهذا حق الله في المال، ليس حق الفقير في المال، بل هذا حق الله في المال، والدولة الإسلامية مكلفة بذلك، ثم يبقى باب الصدقات وباب الأوقاف متروكًا للأغنياء.
أنت عندما تأتي إلى الدولة الحديثة الآن، الدولة الحديثة ليس عندها أي إشكال في اتساع الفارق الطبقي، بل هي على الحقيقة تزيده عمليًا. الدولة تزيد الفوارق بين الناس من خلال هيمنة الربا الموجود في كل البنوك وموجود في عالمنا هذا؛ خلاصته أن الإنسان الذي عنده فلوس كثيرة قادر على الاستفادة من المزايا الكثيرة الموجودة في النظام النقدي والمالي، بينما الفقير غير قادر. والضرائب حين تفرض، تفرض على الجميع، أغلب الضرائب مثل ضرائب الدخل قد تتفاوت، لكن في ضرائب العقارات والمبيعات والمشتريات، كل هذا يدفعه الناس جميعًا، فبالتالي ما الذي يحدث؟ النتيجة الطبيعية لأمر كهذا أنك تأخذ من الفقير كما تأخذ من الغني، فيزداد الفقير فقرًا ويزداد الغني غنى بمنظومة الربا الموجودة الآن.
فلذلك أنت تجد رجل أعمال قادرًا أن يأخذ بالمليارات قروضًا من البنوك، ولا يستطيع الفقير أن يأخذ ولو أربعة آلاف، هذا بما تيسره له القوانين الاقتصادية من التسهيلات، وبعد ذلك هو عندما يصبح آخذًا قروضًا كثيرة بدل أن يهرب، الدولة تقول له: «تعال فقط ونحن سنعيد لك جدولة الديون» لكي لا تضيع الأموال، بينما تجد كثيرًا من الناس مساجين في قروض بسيطة بألف أو ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه.
وهذا يا مولانا يجيب على مسألة التفصيل التي قلت لك فيها؛ إن قرار الإفقار هو صحيح، جزء كبير منه هو جزء محلي، لكنه جزء محلي ضمن منظومة عالمية من منظومة البنوك والربا، وهي منظومة عالمية. وكما تكلمنا في حلقة القرن العشرين، فإن الربا والبنوك يؤديان إلى أن كل العالم يدخل في الفقر تقريبًا، ليدفع ثمن رفاهية الرجل الغني. الرجل الأوروبي الغني هو فعليًا يكتسب غناه من امتصاص دماء الفقراء، ولأجل ذلك يذهب ليقيم المصانع في الدول الفقيرة والدول الفاسدة بسبب ضعف الأجور وضعف الإيجارات، وليستفيد من التسهيلات القانونية التي تقدمها الدول الضعيفة والفاسدة، فيتكلف تكلفة بسيطة في الصناعة ثم يعيد بيع هذه المنتجات بأضعاف أضعافها، وطبعًا هذه بلاد ليس فيها حقوق عمال وليس فيها أي إجراءات رعاية صحية للعمال.
ويستفيد الغني من المنظومة العالمية المالية؛ فالطريقة العالمية أو فكرة النخبة العالمية قائمة على أن يكون الحاكم فاسدًا، ويبيعنا البلد مقابل أن يتمتع هو وزمرته بأن يكونوا من النخبة العالمية، هذه هي الفكرة العامة؛ أن تبيع البلد مقابل أن تتمتع أنت. وهذا الذي يجري فعليًا.
أنا قصدت أذكر لك يا أبا الحارث أنه إذا كان هناك إنسان فقير، فإن فقره ليس مجرد مشكلة اقتصادية، بل يتحول بعد قليل إلى مشكلة اجتماعية. المشكلة الاجتماعية هذه تتفاعل مع ما يأتي من الإعلام والتعليم والقوانين لكي يخرج عن رعايته زوجته وأبناءه وبناته، وتصير أزمة شديدة أخرى في التفكك الأسري داخل الأسرة الواحدة. وطبعًا تظل معنا المشكلة الاجتماعية التي هي مشكلة اتساع الفارق الطبقي بين طبقة النخبة الغنية القوية رغم قلة أعدادها، وبين عموم الجماهير التي تعيش في الفقر وفي الضنك وفي سوء الحال.
نعم، يا أستاذ محمد، قصدك من كل الذي حكيته -أخص به المشاهد لكي يكون معنا بصورة واضحة- نحن سألنا عن سؤال اسمه التفكك أو الأزمات التي أفرزها هذا القرن، أنت تريد أن تقول إن الحكم والسلطة هي سبب التأثير في كل شيء، أو في كل أزمات معظم أزماتنا؟ لقد بدأت بمثال صناعة الفقر، ثم التفكك الاجتماعي والأسري؛ هل لها تأثير في محاور أخرى؟ هل لها تأثير في كل المحاور حتى في محاور مثل التبعية الفكرية والقانونية والثقافية؟ أنت ستجد كما قلنا إن وسائل الإعلام ومناهج التعليم ومنافذ الثقافة لا تعبر عن المجتمعات، بل تسحب المجتمعات إلى الشكل الذي يراد أن تكون عليه، ستجد مثلًا في بلادنا.
وزارات الثقافة تصدر أحياناً مجلات، وأغلب الذي يصدر عنها إلى الآن من مجلات علمانية ويتولاها علمانيون. وسائل الإعلام أغلب الذي تبثه يخالف ويضاد ما عليه عموم المجتمع، بل يراد منه أن يسحب المجتمع إلى نمط الحياة الغربي المعين.
فبالتالي، لما أقول إن الحكم والسلطة هي الأصل، فهي دائماً الأصل. شوف، الحكم والسلطة هو دائماً أهم شيء في الإصلاح وفي الإفساد، لكن نحن الآن في قرننا المعاصر هذا بقى عندنا الدولة الحديثة التي جعلت السلطة تملك كل شيء آخر. يعني الإصلاح والإفساد منبعهما من السلطة. حتى لما كانت السلطة صلاحياتها ضعيفة في الأزمان الماضية؛ زمان ما كانت السلطة عندها وزارة تعليم، ولا عندها وزارة إعلام، ولا عندها وزارة ثقافة، ولا بتجبر الناس على زراعة حاجة أو صناعة حاجة أو التحكم فيهم، ومع ذلك في ذلك الزمن القديم كانت برضو السلطة أهم وسيلة في الإصلاح وهي أهم وسيلة في الإفساد.
الآن صارت لدينا سلطة متمددة ومتغولية وتسيطر على كل شيء، حتى إنها تصنع الأفكار وتجبر الناس على أن يدخلوا إلى مدارسها ليتعلموا مناهجها، وتتحكم في رواتبهم. ما فيش حد بيعرف يفتح شباك في البيت إلا بتصريح سابق، ما فيش حد يعرف يدي درس في مسجد إلا بتصريح سابق، ما حدش يعرف يرتقي المنبر إلا بتصريح سابق، ما حدش يعرف يدخل ولا يخرج من البلد إلا بجواز سفر طلعته الدولة. لما بلغت السلطة هذا القدر الهائل أيضاً من الهيمنة، صار تأثيرها في المشاكل أشد بكثير جداً من تأثيرها السابق.
أعطيك مثالاً لطيفاً وطريفاً وغير متوقع في كتاب اسمه: «الأسرة: النساء والأسرة وقوانين الطلاق في التاريخ الإسلامي». الكتاب ده أصله مكتوب بالإنجليزي، والذين كتبوه ليسوا إسلاميين، والذي حرره مؤرخة راحلة هي الدكتورة أميرة سنبل، والذي قدم للترجمة وراجعها الدكتور رؤوف عباس وهو برضه مش إسلامي. أول ما تفتح الكتاب وتقرأ، تكتشف أن الجماعة العلمانيين هؤلاء، الذين هم من أنصار المرأة، اكتشفوا عبر بحوثهم أن المرأة انحطت مكانتها وظُلِمَت ظلماً شنيعاً لما تخلينا عن الشريعة ودخلنا في القوانين الرسمية.
ليه يا جماعة؟ ده المفروض اللي عملوا القوانين دي أساساً هم الجماعة العلمانيين المتغربين الذين تعلموا في أوروبا وتعلموا في أمريكا، يعني الناس الذين كتبت القوانين دي. ليه يا مولانا؟ لأنه قبل ذلك كان القاضي ليس بينه وبين الله أحد. القاضي كان عنده الصلاحية الكاملة لكي يحكم في المسألة المعروضة عليه، وثقافته وقانونه الذي في دماغه هو القانون الذي تعلمه من مشايخه ومن كتب الفقه في المذهب الذي يحكم به. فتأتي الحالة أمامه فيرى القاضي أن المصلحة في الخروج عن قول هذا المذهب إلى مذهب آخر فيفتي بالمذهب الآخر.
يعني رأى أن قول المذهب في الحالة دي هيضيع الأولاد، لو مثلاً كانت حضانتهم مع أمهم أو كانت مع أبوهم، وكان الأب هذا غير صالح للتربية، فراح نزع الحضانة منه وأعطاها لقريبة أمه. يعني القاضي شايف المسألة وعنده اتساع في الأقوال الفقهية فيختار منها الأنسب للمسألة. لكن لما جاءت الدولة وصادرت مجال القانون، ووضعت كتاب قانون وقالت القانون 1، 2، 3، 4؛ صار القاضي غير قادر على التحرر من قانون الدولة الرسمي. تأتيه الحالة المناسبة أو غير المناسبة، فيروح يحكم فيها بأيه؟ بالقول الواحد الموجود في كتاب القانون. فتضيع بذلك المرأة ويضيع بذلك الأطفال.
ونحن كلنا بنسقف لبعض علشان بقينا دولة حداثة ودولة قانون، وما عندناش يا سيدي فوضى تشريعية؛ كانوا يسموها فوضى تشريعية ولم يكونوا يدرون أنها من عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية ومن فوائد اجتهاد القضاة. الكلام ده اكتشفوه متى؟ الكتاب ده صدر عام 1999، وترجمته العربية صدرت سنة 1999. اكتشفوا هذا الكلام بعد حوالي قرن ظلمت وسحقت فيه أجيال من النساء والأطفال، وطلع عندنا تشوهات اجتماعية وطلعت عندنا علاقات بائسة.
وإلى الآن، إلى اللحظة التي أكلمك فيها هذه، مصر فيها مشكلة عظيمة جداً في قوانين الحضانة بين الرجل والمرأة. عندنا من أيام السادات، وبعدين سوزان مبارك، وبعدين عصر السيسي، يسحب القوانين سحباً ناحية تمكين المرأة من كل شيء، تمكين المرأة من كل شيء حرفياً. الآن صار الزواج أحياناً، كما ترى حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، صار الزواج مشروعاً تجارياً تدخله المرأة، هي خلاص شايفة إنها مش عايزة تتجوز ومش عايزة تبقى تحت سلطة حد، لكن كيف ستصرف ومن أين ستعيش؟ أحلى حاجة أنها تروح تتجوز واحداً تحبل وتلد منه، واصبري معه خمس سنين لغاية ما الولد تدخليه حضانة "انترناشونال"، وبعدين تطلقي منه. القانون يعطيها هنا ماذا؟ يعطيها الشقة ويعطيها النفقة، والنفقة لكي الولد دخلناه حضانة "انترناشونال" تكون بنفقة بقدر معين، والرجل يخرج من هذا بلا حقوق، ولها فوق ذلك حقوق الحضانة وأنها تمنع الولد أو البنت من رؤية أبيه.
أريد أن أقول لك، المسألة مجرد نشر العداوة بين الرجل والمرأة وبين الأزواج على هذا النحو هي فساد كبير. الآن الرجال يتصرفون كيف في هذا الأمر؟ ما بين ضعيف يمكن أن يظلم، وما بين من يمكن أن ينتقم ولو بالقتل، وما بين من يمكن أن يتحايل على المرأة فينتقم بالقانون، قانون صاحب نفوذ أو صاحب محايلات ومداورات قانونية، أو يترك الأولاد بدون نفقة ويترك المحكمة تحكم بعد خمس سنين أو عشر سنين أو عشرين سنة، تذوق فيها المرأة الذل، وبالذات لو كانت مظلومة وكان هو سيئاً.
الآن السلطة في مصر تبحث في تعديل قوانين الأحوال الشخصية. هذا حصل لماذا؟ لأنه تفككت منظومات الحماية الاجتماعية وتفككت منظومة الدين؛ الدين استُبعد من هذه، وصادرت الدولة حتى المجال القضائي في الأحوال الشخصية، فأصبح عندها قانون واحد لازم ينزل على كل الحالات، وهذا غير طبيعي إنسانياً، فما في نص يستطيع استيعاب كل الحالات البشرية. وبالتالي، القوانين تصيغ المجتمع قوةً بدلاً من أن تعبر عن روحه.
أريد من ذلك أن القوانين تعيد تشكيل المجتمع لا أنها تعبر عنه وتريد مصلحته. فلذلك صارت القوانين تدعم الأغنياء على حساب الفقراء، وتدعم النساء على حساب الرجال، وتدعم القريبين من مواقع السلطة على عموم الناس، وتدعم أصحاب الأموال والنفوذ على غيرهم من الناس، وتدعم الانحلال الأخلاقي ضد المحافظين أخلاقياً، وتأكل من كل أهل الروابط الاجتماعية؛ تأكل من مقام المشايخ ومن مقام كبار العائلات وهكذا.
علشان يبقى الفرد بينه وبين الدولة مباشرة. أستاذ محمد، برضه في معنا اعتراض هناك، هم مش مستنكرين، هم مستغربين اللي نحن بنحكيه. هذا هو بيحكي لك: "نحن أنت بدك إيانا نعيش في دولة إيش؟ يعني ما تعمل قوانين؟ يعني أنت بدك إيانا نعيش في دولة ما تعمل لي اقتصاد وتسيطر عليه؟ بدك أنت إياني أعيش في دولة فيها قانون للجيش وللأمن وللشرطة وللسجون وللإيش؟".
وعليه هو شو قصده؟ أنا أعيد صياغة السؤال: هو الدولة في الإسلام شو دورها؟ ما هو هيك نبدأ من الأول مشان نفهم نحن. هي الدولة، النبي ﷺ حكى لنا أيا كان شكلها، يعني شو دورها؟ نحن اللي ماشي معنا من الأول في الحلقة بيحكي لك: "نحن حاسسينكم معترضين أنتم على كل شيء في الدولة، هيك أنتم معترضين؟ مالكم هيك محموجين زيادة عن اللزوم؟".
فهل في شيء بتعمله الدولة غير اللي مطلوب منها شرعًا؟ أقول لك الحالة دي شبه إيه؟ شبه الإنسان الذي ولد في السجن، ولد في الزنزانة، ما بقاش قادر يتحرك ولا يأكل ولا يشرب ولا يعمل حاجة إلا بمواعيد وأوامر وبتصريحات، لكن ما تقالوش أنت في سجن، اتقال له أنت في مؤسسة منظمة حديثة على أرقى المعايير التقدمية التي جاء بها العقل البشري. وشايف الناس اللي قاعدين بره المؤسسة بتاعتنا دول ناس همج ومتخلفين وعايشين في الصحراء، وعلشان كده عايشين في فوضى وممكن السباع والهوام والذئاب تأكلهم، لكن أنت هنا قاعد في المؤسسة المنظمة الحديثة الوطنية التقدمية.
فالناس شربت عقلية السجن وبقت متخوفة من الحرية، لأن الحرية بالنسبة لهم هي الفوضى. عايز أقول لك اللي إحنا فيه ده عمر الدولة الحديثة ده كله هيبقى بالكتير 400 سنة، وبدايته في بعض مناطق أوروبا، لكن كل الحضارات البشرية التي قامت في كل التاريخ البشري لم تكن السلطة فيها متغول كذا التغول على الناس، ولا كانت متدخلة في كل التفاصيل.
طيب في الإسلام إلى أي حد تغوص الدولة؟ أنا بس بضرب مثال دلوقتي إنه ما حدش يتصور أن الخروج من السجن هو ذهاب إلى الفوضى والضياع والتمزق؛ هذا الكلام اللي ممكن يعتنقه السجين لطول الأمد عليه داخل السجن، بعد ما بقى مش قادر يعتمد على نفسه ولا قادر يأخذ حريته.
الإسلام، وطبعًا هذا كلام يحتاج إلى تفصيل، كان حريصًا على إنشاء سلطة محدودة الصلاحيات، وإنشاء مجتمع قوي متماسك، الاثنين مع بعض. السلطة محدودة الصلاحيات، يعني دور السلطة في الإسلام ملف الأمن الداخلي وملف الدفاع الخارجي وما يتعلق بهما، أما أن الدولة تبقى متوغلة تشرف على كل الناس، داخلة في نشاط كل الناس، بتحدد معايير لكل شيء، ما فيش حد بيعرف يتحرك إلا بإذن، ما فيش حد بيعرف يعمل حاجة في حياته إلا بتصريح، هذا ليس من الإسلام، وليست الدولة كما جاء بها الإسلام وكما طبقها المسلمون.
الدولة المتوغلة في كل التفاصيل دي هي النتاج الغربي، هذا النموذج الغربي استفاد منه الغربيون كدول لكن أيضًا ضاعت فيه حريات الناس، والثمرة النهائية برضه رجعت للغربيين لأن هم لما عملوه عملوه لمصلحتهم هم. أما نحن في عالمنا العربي والإسلامي لم نستفد شيئًا، لأنه حتى دولنا لم تعد دولًا قوية إلا علينا نحن؛ دولنا لم تتحول إلى قوى عظمى، لم تمارس الهيمنة والسيطرة والتسلط إلا على شعوبها فقط، فلذلك صارت دولنا ضعيفة على مستوى الخارج، قوية على مستوى الداخل.
هي تابعة في القرار على مستوى الخارج، ولكن عندها حرية في الاستبداد الداخلي، ما حدش بيكلمها يقول لها أنتِ بتعملي إيه، "شعبي وأنا حر فيه، وأفرده وأتنيه وأغسله وأكويه". هو ده ما تسميه الدول سيادة، اللي هو "نحن دولة مستقلة ذات سيادة"، وأي حد يقول يا جماعة أنتم بتظلموا الناس اللي عندكم نقول له: "ده تدخل في الشؤون الداخلية وهذا اختراق للسيادة واعتداء على السيادة، الناس اللي قاعدين هنا دول بتوعي، أنا شعبي وأنا حر فيه".
فبالتالي هذا الكلام تكلمت عنه في أكثر من مكان، بس القصد هنا أن مسألة الدولة المتغولة اللي داخلة في كل التفاصيل دي، نحن رأينا وشاهدنا، زي ما شاهد الغربيون، أن كل تدخل في التفاصيل يساوي خصمًا من حياة البشر. ولذلك بتلاقي الإنسان فعلاً يمكن أن يُحكم عليه بالإعدام حين تُسحب جنسيته، بيبقى خلاص مش عارف يعمل أي حاجة، مش معترف به في العالم كله، لا حول ولا قوة إلا بالله، بتبقى مشكلة؛ مش عارف يتعالج ولا عارف يتعلم ولا عارف يسافر ولا عارف يشتغل.
طيب أستاذ محمد، ماذا عن إشعال الأزمات الطائفية والقبلية؟ حتى إشعال الأزمات الطائفية والقبلية تستطيع أن تقول إنه جزء من حالة التفكك السياسي وحالة التبعية السياسية. نحن أمة زينا زي غيرنا من الأمم، ما فيش أمة إلا ونشأ فيها قليل أو كثير من التنازعات والانقسامات والمذاهب، كل الدنيا كده، حالة بشرية طبيعية أن يكون هناك تنازع.
إنما في النهاية، لما نأخذ مثلاً صراع السنة والشيعة باعتباره أكثر صراع مشتعل الآن؛ الشيعة ظهروا من أيام سيدنا علي بن أبي طالب، إحنا السنة والشيعة نعيشون مع بعض من 1400 سنة، وفي خلال الـ 1400 سنة دول حصلت بينهم عشر حروب أو عشرين حربًا، لكن في النهاية ظلت هذه الحروب نوعًا من التفاعلات الداخلية، أو بيجي حاكم يحاول يستغل هذا الوضع لكي يثبت سلطته.
فإحنا زينا زي أي أمة عندها مشاكل، لكن لما صرنا أمة مستضعفة وممزقة، صار هذا الخلاف أحد المرتكزات التي تعمل عليها السياسة الدولية. فإنت بتلاقي دلوقتي الخلاف بين السنة والشيعة مبحوث في نيويورك، ومبحوث في واشنطن، ومبحوث في برلين، ومبحوث في باريس، ومبحوث في لندن؛ كل هذه الدول تضع خططًا كيف يمكن إثارة النزاع السني الشيعي، وكيف يمكن الاستفادة من الخلاف المذهبي، وكيف يمكن الضغط على السنة اللي في إيران أو الشيعة اللي في العالم العربي، وبعد شوية بتلاقي أبحاثًا أخرى عن العلاقة بين العرب والأكراد وكيف يمكن...
استثمار هذه العلاقة، هذا العداء بين العرب والأكراد، ما كانش بينهم عداء تاريخيًا، لكن لما دخلنا تحت الهيمنة الغربية وتحت هذه الدول الممزقة والمشتتة، بقى عندنا ملف اسمه الملف الكردي، الملف الكردي بقى ساخن في تركيا، ساخن في سوريا، ساخن في العراق، ساخن في إيران.
إزاي ودخلت إسرائيل على هذا الخط؟ وبتلاقي أحيانًا دولة من الدول فيها زعيمين كرديين؛ زعيم تبع تركيا وزعيم تبع إيران، وإليهما ينحاز بقية الكرد؟ ولما تبقى إسلامي كردي يا ويلك وسواد ليلك، عشان بتتحاسب مرة علشان أنت إسلامي ومرة علشان أنت كردي، يعني أقليتين في بعض، تبقى أنت إسلامي وكردي إزاي؟ حتى النوبة والسودان والكلام ده كله برضه ملف من الملفات الساخنة المفتوحة التي كل ما تبقى في فرصة لإثارتها.
القصد فين؟ إنه حالة التبعية التي نحن فيها وحالة التفكك السياسي جعلت من مشاكلنا الطبيعية التي يمكن السيطرة عليها بقليل من الخسائر، جعلتها ملفات كبيرة تعمل عليها الدول الأخرى المهيمنة، فبقى دايما عندك مشاكل أضخم بكثير مما كان موجودًا ومما يمكن أن يعالج.
تخيل كده دلوقتي إن الأمة الإسلامية دي أمة واحدة، بلاش، تخيل العالم الشرقي ده، الدول العربية وعندها مشكلة مع إيران، خلي الدول العربية دولة واحدة وعندها مشكلة مع إيران، خليها هي وتركيا دولة عندهم مشكلة مع إيران، عايز أقول لك سترى أن الخلاف السني الشيعي سيمكن السيطرة عليه بهدوء، أو على الأقل يا سيدي بقليل من الخسائر، بدل ما الحالة دلوقتي حالة التفكك والتمزق مخلية الملف الإيراني والشيعي ملف هائل.
بتدخل أمريكا تروح وأخذة العراق من صدام وسايباه للحالة الشيعية المسنودة إيرانيًا، وفي ذات الوقت -ومع أنها داخلة بمساعدة العرب السنة، يعني أمريكا لما دخلت احتلت العراق ما دخلتش من إيران، دخلت من الدول العربية السنية- فإنت متخيل يأتي محتل يستفيد من إمكانيات العرب السنة وفي الآخر يروح يمد البلد للشيعة؟ ويظل الملف مفتوحًا. أمريكا سمحت لإيران أن تدخل لمواجهة الثورة السورية، ودخلت ميليشيات شيعية، وبعدين دخل الجيش الإيراني، وبعدين دخلت القوات الروسية.
القصد أنه ممكن يبقى في خلافات طبيعية، لكن في حالة تفكك وتمزق سياسي وفي حالة تبعية غربية تصير هذه الملفات ملفات ساخنة وملتهبة وعميقة وحلها صعب للغاية. إذاً يا أستاذ محمد، صناعة الفقر، تفكيك المجتمع، تفكيك الأسرة، إشعال أزمات طائفية وقبلية، تبعية فكرية وقانونية، هذا كله أعاد تشكيل المجتمع، خصوصًا وأننا نحن في حالة من التمزق السياسي وحالة من التبعية للغرب الذي يهيمن بمنطق الدولة الحديثة والنظام العالمي.
طيب يا أستاذ محمد، نحن ليش كل شيء بنعلقه على شماعة الدولة؟ طيب نحن الشعوب لحقنا شيء من اللوم؟ ألا يلحقنا شيء من فكرة أنه برضه نحن حبينا فكرة إعادة تشكيلنا هيك، وأيضًا نحن انسقنا مع الحداثة وصرنا جزءًا منها؟
صلِّ على النبي، اللهم صلِّ على سيدنا محمد. المصلحون مختلفون بين قاعدتين: قاعدة اسمها «الناس على دين ملوكهم»، وقاعدة اسمها «كما تكونوا يولى عليكم». الناس بتوع «الناس على دين ملوكهم» دول بيقولوا إيه؟ بيقولوا الأزمة الكبرى والحل الأكبر والحل الأهم هو في السلطة وفي الحكم في الدولة، فإذا صلحت الدولة صلح الناس. أما الناس اللي بتقول «كما تكونوا يولى عليكم»، بتقول المشكلة في الناس، لأن الدولة دي ما هي إلا إفراز ونتاج وثمرة للناس، فتعالوا نصلح الناس علشان لما يصلحوا يخرجوا حاكمًا صالحًا يولى عليهم.
طيب إيه الصح بقى في الاتجاهين دول؟ هذا أبا الحارث. إذا أستطيع أن أقول لك إنه أكثر سؤال في حياتي بحثته. الخلاصة أن الناس على دين ملوكهم، بمعنى... طبعًا «كما تكونوا يولى عليكم» حديث ضعيف، بل شديد الضعف، ومروي من طريقين وفيهما مجاهيل وأسانيد مقطوعة، يعني لا يصلح أبدًا للاحتجاج به، والله بينما هو يخالف آيات وأحاديث صحيحة كثيرة ومتظافرة.
وأرجع وأقول لك إن هذه النصوص التي سنقولها الآن هي نصوص وقتما كانت الدولة والسلطة والحاكم لا يسيطر على كل المجالات وليس له كل الصلاحيات الموجودة الآن، فحقيقة ستجد أن الأزمة دائمًا يكمن حلها في إصلاح السلطة. نلوم الناس ولا ما نلومهمش؟ إذا أردت أن تلوم الناس، حقيقة فموضع اللوم يكون على أنهم قصروا في إصلاح السلطة فقط، ليس على أنهم... لأن الناس في واقعنا الآن مجبرين وفي حكم المفعول بهم حقيقة.
أرجع وأقول، إحنا كنا في غزة قبل فترة بسيطة، قضية الناس كلها مجمعة عليها، الناس كلها عايزة تتبرع ومنهم اللي عايز يجاهد أصلاً ومنهم اللي بيقاطع، لكن كل واحد فيهم كان لا يستطيع أن يتحرك فوق سقف الدولة وما تسمح به. لو الدولة بتسمح بمظاهرات، آخر الناس تنزل مظاهرات، لو الدولة ما بتسمحش بتغريدة، ما حدش بيعرف يكتب تغريدة، فالناس في حقيقة الأمر محبوسة. ده أنا بتكلم بكل الوضوح، المحبوسين دول مقصرين إذا عايز تقول مقصرين، فهم مقصرين في عدم تمردهم على الحبس، مش مقصرين في أن كان بأيديهم حاجة يعملوها وما عملوهاش.
أنت قصدك أننا ما عندناش استعداد للتضحية؟ يعني هذا يكون موضع التقصير، وهذا يمكن لكثير من الناس أن يكونوا يعرفونه، ويمكن يكونوا مش منتبهين له أصلاً. في ناس مع وجود الحكام الذين هم من جلدتنا ويتكلمون بلساننا، شايفين أن هذا طبيعي، وأن اللي إحنا فيه ده عجز وضعف، مش عمالة، مش خيانة، مش تقصير، مش تواطؤ مع الأجنبي، مش موالاة للكافرين على المؤمنين.
لا، فلذلك أرجع وأقول، أنت إذا تأملت في القرآن الكريم، إذا تأملت في السنة النبوية، تأملت في السيرة، تأملت في أقوال الراشدين كثيرًا، وتأملت في التاريخ كله، ستجد أن الناس على دين ملوكهم، ولذلك صلاح السلطان فيه صلاح الرعية مش العكس. يعني لما يتولى واحد زي عمر بن عبد العزيز تزهر الدنيا، مش لما تزهر الدنيا يتولى واحد زي عمر بن عبد العزيز.
طيب، تعرف أن هذا المعنى موجود في سورة يحفظها كل الناس، وهي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]. متى دخل الناس في دين الله أفواجًا؟ بعد النصر والفتح. عارف لو إحنا شغالين بنظام «كما تكونوا يولى عليكم» كانت الآية تبقى إيه؟ «إذا دخل الناس في دين الله أفواجًا جاء نصر الله والفتح». الله، مهم هذا المعنى.
الناس على دين ملوكهم، أول ما أهل الحق ينتصرون يصلح الناس، ويحصل النصر ويحصل الفتح، فيدخل الناس في دين الله أفواجًا. ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: 10]. الفتح المذكور في الآية هو صلح الحديبية: ﴿أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾؛ لأنه يحصل الفتح، والناس كلها تنحاز للفاتح، للمنتصر، للغالب.
ولذلك أيضًا يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَّعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: 39-40]. انظر لما فرعون جاء بالسحرة، الجهاز الإعلامي قال للناس: هل أنتم مجتمعون؟ قالوا لهم: لعلنا نرى من الذي يفوز؛ موسى أم السحرة؟ وقالوا لهم: تعالوا، نحن عندنا مناظرة، عندنا مهرجان، حتى إذا فاز السحر نتبعهم. شايف الرسالة السلطوية الإعلامية؟ مش رسالة: نشوف من الذي سينتصر ونحكم، لا، نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. ولذلك تجد كل الأنبياء والرسل أُرسلوا إلى أشراف الأقوام والملا منهم، لم يُرسلوا إلى عموم الناس؛ يعني الحوار الذي يدور بين أي رسول وقومه يدور مع الملا: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. لما تبقى السلطة مركزية قوي، تلاقي موسى يكلم فرعون، لا يكلم حتى الملا، بيكلم فرعون؛ فحالة فرعون هذه حالة تدل على تركز السلطة عند شخص واحد.
وكذلك قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6]. سلطة هذه ولا مش سلطة؟ والنبي صلى الله عليه وسلم كما قلت لك في أحاديث كثيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مهم يغفل عنه كثير من الناس مع أنه ورد في البخاري ومسلم: لما دخل النبي المدينة قال: «لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي يهود». كان في المدينة عشر شخصيات زعماء لليهود، لو العشرة هؤلاء آمنوا كان كل اليهود آمنوا.
حتى النبي صلى الله عليه وسلم مسيرته في السيرة النبوية بيكلم الملا، حتى قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]. فلا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ لأن النبي كان عارف أن هؤلاء الملا لو آمنوا لتبعتهم قريش، وقريش لو آمنت تبعها العرب. فأهلك النبي نفسه في محاولة هداية هذا الملا من قريش. تابع السيرة النبوية، تلاقي النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة، دخلها لاجئًا داعيًا أم دخلها حاكمًا؟ دخلها حاكمًا. لو أن مسألة الحكم والسلطة مش مهمة في الإصلاح وفي الإفساد، كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد الدخول لاجئ أو داعية، مش عايز إلا حرية القول وحرية الحركة. لكنه دخلها حاكمًا، وأول ما أنشأ فيها صحيفة المدينة، وفيها البند الذي هو المرجعية: أن ما يكون بين أهل هذه الصحيفة من خلاف، من فساد أو خلاف يخشى فساده، فإنما رده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك الخلفاء الراشدون، ففي البخاري سئل أبو بكر رضي الله عنه: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاءنا الله به بعد الجاهلية؟ فقال أبو بكر: ما استقامت لكم أئمتكم حكامكم. وعمر يقول لزياد بن حدير: أتعرف ما يهدم الدين؟ يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. هذا قول سيدنا عمر لزياد، وهو صحيح. وسيدنا عمر أرسل لأبي موسى الأشعري وكان قاضيه وواليه على الكوفة، قال: إياك أن ترتع فيرتع عمالك؛ يعني أوعى فسادًا لأنك لو فعلت يفسد الولاة التابعون لك. وسيدنا عثمان مشهور عنه قوله: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وهذا مضطرد يا أخانا الحبيب في كلام العرب وفي الأمثال والأشعار: إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا، فشيمة أهل البيت كلهم الرقص. والناس أتباع من غلب، وإذا تغير السلطان تغير الزمان. والمؤرخون لهم في هذا كلام كثير، فاليعقوبي له كتاب اسمه مشاكلة الناس لزمانهم، يحكي كيف أن أخلاق كل حاكم تنطبع على الرعية. وعند ابن كثير وعند ابن تيمية كلام طويل في ذلك؛ يقول لك مثلاً: الوليد بن عبد الملك كان يحب العمارة، فكانت الناس تحب العمارة، فكان الرجل منهم يلقى الرجل: كم بنيت؟ كم عمرت؟ جاء بعده سليمان بن عبد الملك كان يحب الأكل والشرب، فكانت الناس أصحاب موائد. جاء بعده عمر بن عبد العزيز بتاع دين وزهد وأخلاق، فكان الرجل يلقى الرجل يقول: كم قرأت؟ كم وردك؟ كم تقوم من الليل؟ وهذا أحكي لك أنه مضطرد. الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" يقول: أخلاق العامة تابعة لأخلاق الملك. ومثله الطرطوشي في "سراج الملوك"، وابن خلدون أفرد فصلاً في أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب. لو أنت قرأت هذا الفصل عند ابن خلدون: أول غالب يغلب على الناس هو الأب في بيته، علشان كدة بتلاقي الأولاد يحبوا يقلدوا أباهم، ثم أصحاب الحامية -الشرطة والجيش- عشان كدة تلاقي العيال برضه يحبوا يلبسوا شرطة وجيش لأنهم غالبون عليهم. وأمر كثير فصلت فيه لمن أراد أن يتوسع في المجلد الأول من كتاب خلاصة تاريخ الإسلام، وكذلك في كتاب سبيل الرشاد.
وفي مقولة لأبي مسلم الخولاني لمعاوية: "وأنت رأس عيننا". معاوية يسأله: ما صلاح الأمر؟ قال: إنا لا نبالي بكدر الأنهار إذا صلح رأس العين، يقصد المنبع، وأنت رأس عيننا. أبو مسلم الخولاني يقول الكلمتين دول لمعاوية: وأنت رأس عيننا؛ يعني أنت المنبع، إذا صلحت باقي الفروع والولاة والأحوال تصلح. ونفس هذه الكلمة تروى أن الليث بن سعد الفقيه المصري المشهور، قرين مالك ومن شيوخ الشافعي، قالها لهارون الرشيد أيضًا: إنا لا نبالي ما صلح رأس العين وأنت رأس عيننا. وهذا أيضًا كثير من السلف الصالح كانوا يقولون: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ فإن صلاحه صلاح الرعية، وفساده فساد الرعية.
وعلى فكرة يا مولانا، عايز أقول لك على حاجة، خلينا في واقعنا هذا، ستلاقي مثلاً شعبًا واحدًا يحدث به حدث يروح منقسم لنصفين، نصف محكوم بحد ونصف محكوم بحد ثاني. الشعب الواحد ينقسم شعبين، يعني عندك ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية مثلاً، تبص في ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية؛ الناس هنا شكلهم إزاي والناس هنا شكلهم إزاي؟ هؤلاء الذين كانوا تحت الاتحاد السوفيتي وهؤلاء الذين تحت المعسكر الغربي، كأنهم شعبان مختلفان وهما شعب واحد. كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية؛ أي واحد دلوقتي يدخل يشوف بتوع كوريا الجنوبية عايشين إزاي، أفكارهم إزاي. أنا فاكر كنت مرة بقرأ كتاب اسمه "علم النفس السياسي" صادر في جزئين عن المركز القومي للترجمة، كان بيتكلم عن أخلاق الموظفين بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، فبيقول المعسكر الشرقي -بتاع الاتحاد السوفيتي- كان الموظف المثالي فيه هو الموظف الذي لا يشتغل ولا يخدم علشان لا يغلط، لأن غلطة الموظف تعرضه للعقوبة؛ فعلشان كدة قل عندهم الابتكار وقل عندهم المبادرة وقل عندهم الخروج عن المألوف، بينما المعسكر الغربي -الذي كان سايب المساحة للناس- كان الموظف مختلفًا. عايز أقول لك حتى أخلاق الموظفين في الإدارات تتأثر، فالناس على دين ملوكهم.
مش أنت حكيت لي أن "الناس على دين ملوكهم" حديث ضعيف؟ أنا بقول "كما تكونوا يولى عليكم". هي الناس؛ ابن حجر ليس هكذا، "الناس على دين ملوكهم" فمن حاد من الأئمة عن الحال مال وأمال؛ هذه كلمة ابن حجر. لكن "الناس على دين ملوكهم" هذه مضطردة، تجدها عند أكثر المؤرخين وأكثر العلماء. لكن ابن حجر قالها في شرح حديث قال: "فمن حاد من الأئمة عن الحال مال وأمال".
طيب أستاذ محمد، كنا سألنا سؤالاً طويلاً قليلًا في بداية الحلقة، لكن باختصار شديد وبشكل مباشر، عشان لما تخلص هذه الحلقة يعرف السادة المشاهدون يناموا وهم مرتاحين، ما بدنا نفتح قوسًا فلسفيًا جديدًا هكذا على طول مباشرة. نحن قلنا إنه في هذا القرن، ونحن في التاريخ المعاصر في هذا المحور، تبهدلنا بهدلة ليست عادية، وبالتالي امتلأ الفراغ السياسي بأسئلة تأسيسية ثوابت. السؤال الأول كان: من نحن؟ والسؤال الثاني كان: ما هي جماعتنا الأصلية؟ الأمة أم الوطن أم الطائفة أم العرق أم المنطقة؟ السؤال الأول: من نحن؟ لأننا فقدنا الإجابة الصحيحة وهي: نحن الأمة المسلمة الواحدة، هذا كان من أسباب تفجر هذه الأزمات.
ما هي جماعتنا الأصلية؟ هي جماعة المسلمين، لكن لأننا تفككنا وتمزقنا سياسيًا نشأ من بعد هذا التمزق والتفكك كل هذه المشكلات؛ لأننا تبعنا الغرب الغالب الذي صنع هذه الأنظمة والحكومات ورعاها، وكذلك هي خدمته فظهر عندنا كل هذه المشكلات. ولأن الغرب مع هذه الأنظمة المحلية اجتهدوا في مطاردة الدين والتخلص من قواه الحية ظهرت عندنا كل هذه المشكلات. وبالتالي حتى حين نسأل عن الحل، فيظل الحل هو في التحرر والخروج من ربقة السلطة التابعة للمحتل الأجنبي.
أسألك شو لازم نعمل ولا أسكر الحلقة؟ أسكر الحلقة، لأن التفاصيل تصبح طويلة. جزاك الله خيرًا أستاذ محمد، أفدت وأجَدت حقيقة، جزاك الله خيرًا. أما أنتم إخواني أينما كنتم، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة من هذه السلسلة الطيبة المباركة، دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.
محمد إلهامي