هذا السؤال الذي يطرحه الأستاذ محمد، هل نحن فقط في هذا القرن من يسأله، أم أن كل جيل قد سأله؟ حتى الغربيون والمحتلون الذين سيطروا علينا سألوا هذا السؤال، لكنهم سألوه لأغراضهم الخاصة. والأكثر استعداداً للتضحية هو العالم، وليس الإنسان العادي؛ فلا يصح أن أظل أتحدث وأطالب العالم بالتحرك، فمن قال إن الواجب المفروض على العلماء قد أُعفيت منه العامة؟ كل إنسان مكلف بالعمل بقدر ما وصل له من العلم والدين.
من الأشياء التي ضربت المؤسسة العلمائية هي فكرة تدمير الوقف، وهذا ليس مجرد تحطيم للعلماء، بل هو تدمير وتحطيم لكل المجتمع الإسلامي.
أما من هم الإسلاميون؟ ولماذا تسمون أنفسكم إسلاميين؟ فالذي يرى أن الحركات الإسلامية هي رد الفعل الطبيعي الذي أنتجته الأمة، سيراها بشكل مغاير لمن يراها شذوذاً ونتوءاً وظواهر غير طبيعية ظهرت في الأمة. وهؤلاء لا يقتصرون على الإخوان المسلمين، بل هم كل من انبعث للإصلاح. أما لماذا انتشر الإخوان المسلمون هذا الانتشار الضخم في العالم؟ فلأنهم كانوا الإجابة العملية على سؤال الأمة الكبير: كيف يمكن استئناف الحياة الإسلامية؟
أول انتقاد للجماعة هو تسميتهم بـ "الإخوان المسلمين". سيأتي أحدهم ويقول لي: "أنا لست مسلماً؟" أو "هذا اسم يوحي بأن الناس ليسوا وطنيين". والحقيقة أن الانضمام إلى الإخوان أو إلى أي جمعية هو انضمام طوعي؛ فإذا كنت مؤمناً بأفكارها، فأنت تذهب وتدفع من مالك لقناعتك بهذه الأفكار.
أما بالنسبة للمحور العاشر، وتحديداً اليوم ونحن نفتح الحلقة السادسة والستين من سلسلة "100 سؤال في التاريخ"، ومع ضيفنا الدائم الأستاذ محمد الهامي، نصل إلى السؤال رقم 97: "أين هذه الأمة؟". هذا القرن هو القرن الأشد والأعنف على الحالة الإسلامية؛ تمزق سياسي، أزمات اجتماعية، هيمنة غربية، هزائم عسكرية، وانهيارات اقتصادية. ونحن نسأل باستغراب واستهجان: أين الناس؟ أين العلماء؟ أين المشايخ والدعاة والمصلحون؟
في البداية، قال النبي ﷺ: «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة عامة، فأعطانيها، وسألت ربي ألا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فيستأصل شأفتهم، فأعطانيها، وسألت ربي ألا يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها». نستفيد من هذا الحديث أن الأمة باقية لن تفنى ولن تهزم هزيمة عامة، لكنها لن تكون على قلب رجل واحد.
كما أن الله يبعث في كل مئة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها. وهذا وقع في التاريخ، رغم الخلاف بين العلماء في تحديد "رأس المئة" وهل المقصود شخص أم جماعة أم مدرسة. لكن الشاهد أن الله لا يترك هذه الأمة هملاً، بل يقيمها على سنن الأنبياء. والعلماء هم ورثة الأنبياء، وصلب التجديد يكون في بيئة العلماء.
يجب أن نعلم حين نقرأ في هذا التاريخ، أنه كما توجد صفحات سود من الهزائم والنكبات، توجد أيضاً صفحات بيضاء مليئة بالباسلين وأهل الفداء الذين أوقفوا المد الغربي التغريبي الذي لو سُلط على أمة أخرى لأنساها دينها.
أما عن سؤال "أين الأمة وأين الأخلاق؟"، فيجب أن نفهم أولاً أن الدولة التي نشأت في بلادنا تحت النفوذ الاستعماري كانت عنصراً غريباً عمل ضد مصلحة الأمة. حتى المفكرون غير الإسلاميين، مثل برهان غليون في كتابه "الدولة ضد الأمة" ونزيه الأيوبي في "تضخيم الدولة العربية"، أشاروا إلى أن هذه الدولة توغلت وسيطرت على الناس لتنفيذ أجندتها الخاصة، لا لتعبر عنهم.
أهم ما حطمته هذه الدولة هو العلماء والدين. فقد حطمتهم سياسياً؛ فبعد أن كان العالم في حاشية السلطان قديماً -كالعلماء الذين كانوا ينصحون وينكرون على الحكام- أصبح العالم في حالتنا المعاصرة مستبعداً تماماً. بل إن السلطة أصبحت تقدم الفنان واللاعب والضابط على العالم. إن هذا الانهيار في مكانة العلماء أدى إلى علمنة الدولة وابتعادها عن الدين.
طبعاً هذا انهيار سياسي، لكن كما أقول لك خذ عندك أيضاً تحطيم اقتصادي؛ فالعالم بدل ما كان مستقلاً ينفق على نفسه من الأوقاف، قامت الدولة بمصادرة الأوقاف وحولت العالم إلى موظف يستلم راتبه. الموظف الذي يستلم الراتب من الدولة طبيعته ونفسيته ووضعه الاجتماعي مختلف تماماً عن العالم الذي كان مستقلاً ويأخذ أمواله من الأوقاف، الأموال المحبوسة لله والتي أنفقها أثرياء المسلمين؛ الأمر مختلف تماماً.
كل هذا أدى إلى انهيار اجتماعي. زمان كان النابغ الذكي والإنسان الموهوب يدخل إلى الأزهر، لأنه بمجرد دخوله للأزهر سيصبح قاضياً أو مفتياً أو قريباً من السلطان، أو على الأقل سيصبح زعيماً شعبياً. أما الآن، حين أصبح مستقبل الأزهر مظلماً، أصبح الناس يقولون: يا حبيبي اذهب إلى كلية الحقوق؛ فالمحامون هم الآن رؤساء الأحزاب، وهم الآن من يملكون المعرفة، أنا أكلمك عن الفترة الليبرالية مثلاً. وبعد فترة، صار التوجه نحو الطب والصيدلة والهندسة لأن هؤلاء هم من يملكون المال، ثم بعد ذلك التوجه نحو الجيش والشرطة.
الانهيار السياسي والانهيار الاقتصادي يؤديان إلى انهيار اجتماعي؛ فما عاد يدخل إلى الكليات والمعاهد الدينية إلا الضعفاء وغير الموهوبين، أو من بقي فيهم بقية من دينهم، وهم قلة، لأن الناس طبيعياً يبحثون عما يسندهم في الحياة. كل هذه الانهيارات يا أبا الحارث أدت إلى أن الرجل الذي كان يستطيع أن يقيم ثورة على نابليون، ما عاد يستطيع إقامة ثورة على محمد علي، وبالتالي لا يعرف كيف يقيم ثورة على عبد الناصر، ولا يعرف إقامة ثورة على السيسي مثلاً. لذلك يجب أن نفهم ونحن نسأل: أين العلماء؟ أن مكانة العلماء ضُربت ضرباً شديداً متواصلاً، إلى درجة أنه الآن إذا وجدت عالماً يستطيع أن يغرد على تويتر بما يصطدم بالخطوط الحمراء للدولة التي هو فيها، فهذا يُعد من كبار شيوخ الإسلام في هذا العصر، وهم قلة وندرة.
كثير من العلماء المنفيين الهاربين من سجون بلادهم، حتى في منافيهم، لا يستطيعون أن يتكلموا ضد سياسة أنظمتهم مع أنهم في المنفى؛ لأنه يخشى على أولاده الموجودين في البلد، ويخشى على مستقبله، ويخشى أن تسلمه البلد التي هو فيها. كل هذا حاصل، فضُربت القوة العلمية. هل ماتت الأمة؟ لا، الأمة ما ماتت، وهذا ما نقوله، لكن يجب أن نكون فاهمين موقف العلماء. لا يعني هذا أننا لا يجب أن نقول: أين العلماء؟ أو لا يجب أن يقال للعلماء: قوموا بواجبكم، ولكن يجب أن يقال أيضاً لمن ينادي بأن العلماء يجب أن يقوموا بواجبهم: إذا سجن العالم أو قُتل، ماذا تملك أن تفعل له؟ أنت لا تملك أن تفعل له شيئاً، فلا تضغط هذا الضغط على من لا يملك من أمره شيئاً.
أنت الآن يا شيخ فلان لماذا لا تتكلم عن الموضوع الفلاني؟ أين كلمة الحق؟ الرجل قال كلمة الحق وذهب إلى السجن أو قُتل، فماذا سيحدث؟ الرجل الذي ينادي على العلماء سيذهب ناسياً إياه في السجن، وماسكاً في العلماء الذين لا يزالون طلقاء ليقول لهم: أين كلمة الحق؟ وأين الله؟ وغالباً ستجده يتكلم باسم حركي وهو مجهول الحال. يجب أن نفهم طبيعة الوضع الذي حل بالعلماء.
هنا تعليق مهم جداً يا أستاذ محمد؛ ما حكيته مهم كثيراً. أنت تقول: نحن قديماً كنا نسأل: أين أنتم يا علماء؟ فالعلماء انسجنوا، ممتاز، هل عندنا استعداد ندافع عنهم؟ الإنسان العادي سيقول لك: ما حد قال له يصير عالماً، هو يعلم أنه عالم وقاضٍ ووكيل عن رب العالمين في الأرض، وبالتالي هو يعرف أنه يجب أن يضحي. الأكثر استعداداً للتضحية هو العالم، وليس الإنسان العادي مثلي، أنا الإنسان العادي أريد أن أظل أبعبع وأقول: أينك يا عالم؟ تحرك! لا، العالم يؤثر فينا في الشارع.
هناك مشكلتان: الأولى أن ما أقوله لا يبرر تقاعس العلماء عن دورهم وإنما يفسره، فعندما تتكلم، كن واعياً أن ليس كل العلماء الآن يملكون أن يكونوا في مقام العز بن عبد السلام ومقام ابن تيمية. يجب أن تفهم طبيعة الوضع الذي أنت فيه؛ هذا يفسر ولكنه لا يبرر. ومن قال إن الواجب المفروض على العلماء قد أُعفيت منه العامة؟ كل إنسان مكلف بالعمل بقدر ما وصل له من الدين، ليس لأن فلاناً تخرج في الأزهر ووضع عمامة على رأسه أصبح مكلفاً بما أنت لست مكلفاً به؛ لا يا حبيبي، اشتغل للحق ولو مت ستكون شهيداً، ولو سجنت ستكون أسيراً ولك أجر الأسر. أما أن تجلس على مواقع التواصل تراقب العلماء وتترصد كلامهم وتقول لهم: لماذا لا تنطقون بالحق كاملاً؟ هذا هو الخلل.
كل واحد مكلف بحسب مكانه، حتى العامي الذي بلغته آية أو عرف شيئاً من العلم، هو مكلف أيضاً بالعمل عليه. لا يوجد أحد خارج المسؤولية، ولو أن كل الذين نادوا في العلماء: أين كلمة الحق؟ كانوا كتلة قوية تبذل كل جهدها وراءهم، لاستقوى بهم العالم. لكنك تبقى جالساً في أمان تتكلم من وراء اسم حركي وتنادي بمعالي الأمور والمقامات الرفيعة، وتريد الناس كلها أن تصبح سيد الشهداء وأنت يا سيدي لست قادراً على فعل ذلك. العاملون دائماً يعذرون الناس بعضهم لبعض، أما الفارغون البطالون فهم أكثر الناس التماساً للمثاليات والمقامات الرفيعة التي لا يقترب هو منها.
لا أريد أن أطيل في هذه النقطة، فقط أريد أن أقول إننا سنلاحظ أنه سبحان الله، وهذه من بركات هذه الأمة، أن الصحوة الإسلامية والمقاومة الإسلامية وإن كانت خفتت عند علماء الأزهر مثلاً، أو عند أهل الزيتونة والقرويين، وخفتت في المؤسسات التقليدية أو الرسمية، إلا أنها انبثقت من الكليات المدنية والبيئات المدنية التي ذهب إليها النابغون والنابهون. صحيح حصل ركود في العلماء التقليديين، لكنك ستبدأ ترى يا أبا الحارث مقاومة تنبثق من بيئات أخرى.
أرجع وأقول: يجب أن أؤكد أن صفحة المقاومة الإسلامية هذه صفحة ممتدة على نهر التاريخ، من الشرق إلى الغرب، ومنذ سقطت الأندلس إلى يومنا هذا. أول حركات إسلامية وتنظيمات سرية ظهرت بعد سقوط الأندلس؛ ناس تعرف كيف تتقابل سراً، وتعلم نفسها سراً، وتكفل أهالي الشهداء والمعتقلين سراً، وتحاول أن يكون لديها نضال قانوني لرفع بعض البنود سراً، أو بعضها يتآلف ويتشابك مع الجهاد. كل هذا حصل في الأندلس بعد سقوط غرناطة، وممتد إلى يوم الناس هذا، ومن إندونيسيا شرقاً إلى المغرب غرباً، ومن غانا إلى فرغانة، أي من وسط أفريقيا إلى بلاد القوقاز والبلقان.
كل هذه صفحات مقاومة إسلامية لا يحيط بها أحد، لأن كل بلد عندها آلاف النماذج وآلاف المعاناة وآلاف حركات المقاومة. فالذي سأقوله هو ما انتهى إليه علمي، وغالباً ما يكون في المنطقة العربية لأن هذا ملف واسع جداً وكبير. الذي حصل أن المقاومة الإسلامية نبتت مرة أخرى خارج بيئة العلماء التقليدية التي سُلِّط عليها الضرب. سنلاقي مثلاً من أوائل الحركات الإسلامية التي يمكن أن نبصرها في عالمنا العربي عناصر حركات مجهولة ومغمورة نلتقطها من المصادر، حركات إسلامية ظهرت في الجيش المصري، مع أن هذا الجيش هو الذي أسسه محمد علي، ثم دربه الفرنسيون، ثم سيطر عليه الإنجليز. هنا تظهر أول الحركات التي تستطيع أن تقول إنها حركة إسلامية أرادت تغيير الواقع الحالي واستئناف الحياة الإسلامية من جديد.
دقيقة يا أستاذ محمد، هناك شغلة مهمة جداً؛ هي الحلقة صعبة، ويجب أن أرتبها في ذهن المشاهد قبل أن تكمل. أنت الآن أنهيت قوس العلماء وأغلقت هذه النقطة وانتقلت لنقطة جديدة؛ إذاً دعني أرتب المشهد في ذهن المشاهد على مهلك.
سأقول جملة واحدة: سأقول الآن لماذا ذهبت راية المقاومة من يد العلماء التقليديين إلى يد غيرهم، لأن العلماء التقليديين ضُربوا ضربة عنيفة جداً بيد الاحتلال وبيد السلطة، فانتقلت المقاومة في شيء مفاجئ وغير متوقع لكل الناس إلى يد غيرهم.
عظيم جداً؛ شباب نحن ماذا سألنا في هذه الحلقة؟ أن هذا القرن كان الأشد والأعنف على الأمة الإسلامية، فنحن الطبيعيون نسأل: أين الأمة؟ أين العلماء؟ الأستاذ محمد بنى عموداً فقرياً لهذه الحلقة من خمسة محاور: المحور الأول هو تحطم مراكز القوى وأهمها العلماء، ثم سننتقل إلى محور مهم جداً، هل الأفراد قاوموا أم لا؟ أم سنذهب إلى الحركات الإسلامية؟
نقف هنا لحظة، نحن قلنا كيف عجز العلماء عن مواجهة التحدي القادم إليهم، وهذا قلناه خلاص. بعدين سنكون في وجه مقاومة إسلامية لها صورتان: أفراد، وهؤلاء الأفراد ممكن يكون منهم علماء لم يعجزوا، علماء فدائيون واستشهاديون، هؤلاء لم يعجزوا. هناك أفراد سواء في بيئة العلماء أو في بيئات غيرهم، ناس ظهروا كزعامات ورواد ومصلحين من غير بيئة العلماء. فهؤلاء الأفراد سكة فتحناها، والمقاومة راحت في سكة بعيداً عن جماعة العلماء، فراحت لأفراد وراحت لجماعات وحركات ومنظمات.
الأفراد هؤلاء، لو قلنا سريعاً، لم يخلُ منهم عصر ولا مصر ولا لحظة، دائماً موجودون، حتى في القرن العشرين. لكن دائماً ما كان أثر هؤلاء الأفراد محدوداً؛ ممكن يبقى أثره كبيراً علمياً أو دعوياً أو حتى سياسياً، لكن وقتما تأتي لتقيسه على مستوى البلد أو الأمة تجد أثره محدوداً ينتهي بموته أو بسجنه أو بنفيه. تجد شخصيات باسقة مثل رشيد رضا؛ كان جبل علم عملاقاً، ومؤسسة في رجل، وله جهد في التفسير والحديث ومقارنة الأديان والدعوة والصحافة، وله جهود سياسية لم تفلح، لكن لما مات رشيد رضا لم توجد لا منظمة ولا جماعة ولا تنظيم اسمه تلاميذ رشيد رضا. فيظل رشيد رضا ينظر إليه باعتباره شيخ الإسلام في عصره، ولكنه فرد.
واحد مثل شكيب أرسلان كان معاصراً ومقارناً لرشيد رضا، وجمال الدين الأفغاني كان قبل رشيد رضا، برضه شخصية هائلة هادرة عملت مشاكل في الهند بالمعنى الإيجابي؛ لأنه عمل مشاكل للاستعمار في الهند وإيران ومصر وإسطنبول، وراح فرنسا وأمريكا وبريطانيا وروسيا، لكن لما مات جمال الدين الأفغاني انقطع أثره. وعمر المختار يعتبر حركة جهادية لأنه قاد كتائب، تبدأ بفكرة بفرد وبعدين تصير كتائب وتواصل الاحتلال الإيطالي بنار جهادها.
الأفراد دائماً موجودون، خذ عندك من الأفغاني ويدخل على عبده ويدخل على رشيد رضا، وأنتَهي إلى شخصيات مثل القرضاوي والغزالي والشيخ الشعراوي؛ حتى هذه الشخصيات المعاصرة هم في زمانهم أعلام، وعملوا إنجازات علمية هائلة، وبثوا في الأمة علماً كثيراً ووعياً كثيراً ودعوة كثيرة، لكن بالنهاية وقتما ينطفئ بالموت أو السجن أو الاعتقال، لا تجد أثره العملي الحركي قد أثر في الأمة تأثيراً كبيراً يؤثر على مستوى الوعي؛ ماشي، يؤثر على مستوى العلم والفكر؛ ماشي. فالأفراد هؤلاء لم يخلُ منهم عصر ولا مصر، وفيهم كل أنواع الأسماء اللامعة.
نحن عندما فتحنا قوس العلماء، لم نفتح القوس لنحكي كيف حُطمت المؤسسة العلمائية، ونقول انتهى دورها؛ لا، بالرغم من هذا التحطم كان لها دور. نعم، بقيت لها أدوار لأنه لم ينتهِ الإسلام منها جملة، وبقيت أيضاً هناك مقاومة داخل بيئة العلماء تحاول المحافظة على شوية مكاسب للأزهر وللزيتونة وللقرويين. إذاً نحن في حلقتنا هذه عندنا محاور: العلماء، الأفراد، الحركات الإسلامية، كيف تعاملت الدول مع الحركات الإسلامية، والإسلاميون أنفسهم ما الذي صار بينهم. هذا الجسم العام لهذه الحلقة تقسيم عظيم جداً.
كان عندي بالكلام الذي حكيته قبل قليل أكثر من سؤال عشان الإخوة المشاهدين. من الأشياء التي ضربت المؤسسة العلمائية فكرة تدمير الوقف، الذي كان أحد أهم أسباب استقلال العالم. هل هذا الكلام حقيقي؟
طبعا، الأوقاف في كل بلاد العالم الإسلامي ضربت. نحن قلنا هذا الكلام في حلقة محمد علي وما بعده، وقلنا إن ضرب الأوقاف كان معناه تدمير وتحطيم للمجتمع الإسلامي، ليس فقط تدمير وتحطيم للعلماء، بل هو تدمير وتحطيم لكل المجتمع الإسلامي؛ لأنه أحيانا كان الواقف يوقف وقفه للإنفاق على اليتيمات، أو لعمارة المساجد، أو لفكاك الأسرى، أو لتعمير الحرمين. كل هذه الأموال استولت عليها الدولة، والدولة الوطنية. الأوقاف الموقوفة للحرمين في مصر أو في تركيا أو في العراق ما عادت تروح لمصر وتركيا والعراق، ولولا أن السعودية حصل فيها طفرة نفطية، كنت ستجد أثر ذلك واضحاً جداً على المسجد الحرام والنبوي لأن ما فيش أموال تعمرها.
ذكرت أنت مثال عادل الإمام والعالم على فكرة تبادل الأدوار وأهميتها. هو برضه من الأشياء التي أثرت في دور الحاكم، ليس فقط الدولة والأنظمة الحديثة، ظهر عندنا المثقف الحديث، الذي لعب دوراً مهماً جداً طغى على دور العالم؛ وهو الإعلامي والكاتب في صحيفة والقانوني والصحفي والأستاذ الجامعي. أليس هؤلاء أيضاً حجموا من دور العلماء؟ حجموا لأنهم أبناء التعليم المدني الموازي الذي أنشأته الدولة ورعته. الدولة التي ضد الأمة هذه جاءت وكسرت المجتمع الإسلامي وحطمت ما فيه، وبدأت تنشئ مؤسساتها التي تديرها وتنزل لها مناهجها وتستوعب خريجيها في أروقتها. لابد أن مستقبل خريجي هذه المدارس المدنية يبقى مبهراً؛ فعندك وظائف حكومية، وأموال مستقرة، وفرصة صعود اجتماعي لتكون من النخبة.
عظيم جداً. عشان تبدأ تحكي لنا عن الحركات الإسلامية، عندي سؤال صغير: حكيت لنا أن الأمة ليست على قلب رجل واحد، وهذا من بعد وفاة النبي ﷺ، هل من عند سيدنا أبي بكر وطلع؟ أو من عند فتنة سيدنا عثمان؟
من عند سيدنا عثمان وطلع.
هذا الحكي يقودني إلى السؤال الذي سألناه بأول الحلقة: أين هذه الأمة؟ هل نحن فقط من نسأل هذا السؤال في هذا القرن، أم كل جيل سأل هذا السؤال؟
كل جيل سأل هذا السؤال، وكل جيل اجتهد في الإجابة عليه، واختلفت إجاباتهم. بل أكثر من ذلك، حتى الغربيون والمحتلون الذين سيطروا علينا سألوا هذا السؤال، لكن سألوه لأغراضهم هم: أين مراكز قوة هذه الأمة؟ لكي نحقنها ونمرها سواء بحقنة مسمومة أو بحقنة مخدرة.
أنا متخيل أهل بغداد لما دخلوا المغول وسحقوهم، صرخوا: أين العلماء؟ وأين الأمة؟ أكيد صرخوا.
الحركات الإسلامية هي أقوى ظاهرة تعبر عن مقاومة الأمة ورفضها للاحتلال والتغريب والاستبداد المسنود بالاحتلال. نحن قلنا إن العلماء وجدوا دائماً، لكن حركتهم لم تكن حركة منظمة أو قادرة على التأثير الجماعي، فبالتالي أبرز وأقوى مظاهر مقاومة الأمة لهذه النكبات هي ظاهرة الحركات الإسلامية. وهنا سأقول جملة مهمة جداً اعتبرها فارقاً في قراءة تاريخ الأمة في العصر الحديث: الذي يرى أن الحركات الإسلامية هي رد الفعل الطبيعي الذي أنتجته الأمة، سيشاهد الحركات الإسلامية برأي ونظر يناقض ويخالف الذي يرى أن الحركات الإسلامية هي شذوذ ونتوء وظواهر غير عشوائية وغير طبيعية ظهرت في الأمة. ومن المؤسف أن كثيراً من أبناء المسلمين ينظر إلى الحركات الإسلامية باعتبارها شذوذاً ورد فعل عشوائياً وغير طبيعي وغير عقلاني على ما وقع بالأمة.
ما الفرق بين هذه وتلك؟ هذه نظرة المحتلين، وهذه نظرة أبناء الأمة. المحتل، وكذلك السلطة الوطنية المحلية، دائماً ما تنظر إلى الحركات الإسلامية باعتبارها ظاهرة مرضية، شذوذ، ظاهرة إجرامية، ظاهرة عنيفة ومتطرفة، ظاهرة غير قادرة على استيعاب الحضارة والحداثة والتقدم والمدنية. وبالتالي الظاهرة المرضية الشاذة المتطرفة هذه، كيف يمكن أن نعالجها أو نسحقها؟ هذه نظرة السلطة ونظرة الغرب من ورائهم، وعلشان كده ما يزال عالمنا الإسلامي يفتقد مركزاً بحثياً واحداً ينظر إلى الحركات الإسلامية باعتبارها النبت الطبيعي ورد الفعل الطبيعي للأمة. كل من يكتب عن الحركات الإسلامية في أي مركز بحثي أو جهاز أمني ينظر إليها باعتبارها ظاهرة مرضية شاذة ينبغي أن تسحق أو تعالج.
هناك قسم يسمى "التدجين" أو "نزع الراديكالية"، وهذا تخصص يكتب فيه بعض الخبراء. الحقيقة التي يشهد بها الجميع أن الحركات الإسلامية هي رد الفعل الطبيعي السوي المستقيم المتوقع التلقائي الفطري الغريزي من أمة مهزومة. أي بلد أتيح فيه ممارسة السياسة وحصلت فيها انتخابات نزيهة، فاز فيها الإسلاميون السياسيون السلميون. وكل بلد انزلقت إلى ثورة مسلحة، تصدرها الإسلاميون القتاليون المجاهدون. الأمة عندما تستطيع التعبير عن نفسها سلماً أو حرباً، يتصدرها الإسلاميون. وعلشان كده بلادنا ما فيها انتخابات نزيهة، وأول ما تبرز حركات مسلحة تأتي لها الجيوش المحلية والدولية. فلا بد أن يفهم المسلم المعاصر أن هذه الحركات هي رد فعل الأمة الغريزي الطبيعي.
سؤال من التعليقات: ليه مسميين نفسكم "إسلاميين"، ألسنا كلنا مسلمين؟ هل بقيتكم كفار؟
سؤال جيد، دعنا نحرر المصطلح. هذا التقسيم جزء من الصراع، فالغربيون يسمون المسلمين "مسلمين"، لكن يسمون الملتزمين بالمشروع الإسلامي "إسلاميين". هناك مسلمون يريدون إعادة حكم الإسلام وحضارة الإسلام وشريعة الإسلام من جديد، دول اسمهم الإسلاميون. وهناك مسلمون يعيشون غير مهتمين بالصراع لشدة فقرهم أو غفلتهم أو انشغالهم بالدنيا؛ هل هؤلاء كفروا؟ لا يمكن طبعاً. لكن في كل أمة، الذين ينبعثون للمقاومة ولخوض التكاليف هم القلة. هذا تفريق حركي عملي بين الذي ينبعث لخوض معركة الإسلام وبين الذي لم ينبعث لها.
أقربها بلسان الشرعيين هو الحديث المشهور في أول كتب الفقه: جاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، قد بلغنا أن الله افترض عليكم خمس صلوات... وافترض عليكم صيام شهر رمضان... وافترض عليكم الزكاة... فوالله لا أزيد عليهن شيئاً ولا أنقص منهن شيئاً". قال النبي ﷺ: «أفلح إن صدق» أو «دخل الجنة إن صدق». هذا رجل من البادية بعيد عن معركة الدنيا، يستقيم إسلامه في نفسه بالصلاة والصوم والزكاة. لكن الإنسان الذي كان قاعداً جنب النبي في المدينة، إذا قال: "لا والله أنا عندي صلاة وصوم وزكاة وبس"، لا يصح له ذلك؛ لأن النبي جعل التولي يوم الزحف من الكبائر، ونزل القرآن بإدانة المخلفين عن النبي ﷺ. فالخلاصة، سيظل هناك أناس بسطاء بعيدون عن مواطن الصراع، يظلون مسلمين ويدخلون الجنة بحسب ما عملوا، لكنهم لن يكونوا جزءاً من صناعة التغيير.
وهؤلاء "الإسلاميون" ليسوا ملائكة، هم بشر فيهم كل عيوب البشر وكل مزاياهم. فيهم من يكاد يبلغ مرتبة الملائكة، وفيهم ضعيف الموهبة، وفيهم من استذلته الشياطين فارتد عن المعركة أو عن الإسلام كله. الحراك الإسلامي حراك إنساني بشري ظهرت فيه كل الاستجابات الاجتماعية التي تظهر في البشر، وحصل بينهم خلاف في كل مراحل العمل حول: ما هو الحل؟ وكيف هو السبيل؟
لذلك ستجد شجرة تفرعت إلى اتجاهات كثيرة في كيفية العمل، لكن الذي يجمعهم، وهو ما يهمنا، أن أغلبهم لم يكن من البيئات العلمية التقليدية التي ضربت بقوة، بل أغلبهم خرج في المدارس الحديثة، وبعضهم درس في الغرب. البدايات تلاقيها بدأت في الجيش المصري بمجرد ما سمح للمصريين بالدخول فيه أيام الخديوي سعيد، حيث ظهرت مجموعات تتفق على كيفية العمل لتغيير الواقع، ومثالها البارز أحمد عرابي الذي قاد ثورة بجيش أغلبه من المصريين، وكاد ينجح لولا تدخل الاحتلال البريطاني. الحركة التي نشأت داخل الجيش كان وراءها ظهير مدني يسمى "الحزب الوطني القديم"، الذي تلقفه علماء الأزهر والأعيان وكثير من الكتاب، وكان شيخها المعبر عنها عبد الله النديم، وفي الأزهر واحد مثل الشيخ عليش، صاحب "منح الجليل".
هذه الحركة حاول أن يواصلها عبد الله النديم من بعده حتى يصلها بالحركة التي تزعمها مصطفى كامل. مصطفى كامل الشاب الذي مات وعمره 34 سنة، يدرسه المصريون باعتباره زعيماً وطنياً، لكن لو فتشت في تاريخه بعيداً عن الكتب المدرسية، ستجده زعيماً إسلامياً شديد الولاء للدولة العثمانية، رغم أنه خريج حقوق من فرنسا، وكان له تنظيم سري يجاهد البريطانيين وعملاءهم في السلطة المصرية، وهو الذي اغتال رئيس الوزراء المصري بطرس غالي.
طبعاً هذا كان بعد وفاة مصطفى كامل؛ مصطفى كامل توفي 1906 أو 1907، لكن بطرس غالي اغتيل 1910. هنا صورة مصطفى كامل في حقيقته هو زعيم إسلامي، ونائبه في هذا التنظيم بعد ذلك محمد فريد كان أيضاً شديد الولاء للدولة العثمانية، وله كتاب «تاريخ الدولة العلية العثمانية» الكتاب المشهور. وبعده عبد العزيز جاويش، وهذا أصلاً ليس مصرياً بل تونسياً، ولكنه انخرط في الحالة المصرية، وكان بينه وبين الأزهر عداوة؛ لأنه شايف أن علماء الأزهر هؤلاء من ثقلهم وتقيدهم وعدم نهضتهم في الحركة المجاهدة للاحتلال جزء من العائق؛ يعني الناس منيمين الشعب معهم، وطبعاً بينه وبين مشايخ الأزهر مشاكل.
وقد اشتط أحياناً، لكن الخلاصة أنه في الحراك المقاومي الذي بقى اسمه الحزب الوطني بتاع مصطفى كامل، لما تنظر في أدبياته وفي أشخاصه ستلاقيه حراكاً إسلامياً. طب الحراك الإسلامي هذا كان عنده مشكلة ضخمة، مشكلة جديدة؛ نحن الآن قلنا الدولة دخلت حطمت المجتمع القديم واستولت هي على كل عناصر القوة وأنشأت مؤسساتها. منذ ذلك الوقت ستبدأ الحركات الإسلامية تعمل ما يمكن أن نسميه مؤسسات موازية؛ مؤسسات شعبية؛ يعني يعمل نقابة عمال، يعمل نقابة أساتذة الجامعة، يعمل نقابة اللي شغالين في السكك الحديدية؛ يحاول يشوف مسارات تنظيمية تجمع الناس المظلومين بدل ما هم في العراء أمام الدولة. الدولة ماسكة المؤسسات وماسكة كل واحد من مرتبه وماسكة كل واحد من بطاقته الشخصية وعارفة كل شيء عنه.
وطبعاً هذا مستفيد أيضاً بما رآه في أوروبا من نمو الحالة المدنية؛ لأن الحالة المدنية في أوروبا ليست وقته لنحكي التاريخ هذا الآن، لكن القصد السلطة في أوروبا كانت تطوراً طبيعياً للمجتمع. يعني الملك في أوروبا علشان يبقى ملك وعلشان يجمع الضرائب اضطر أن يكون هناك برلمان، والبرلمان صار يرفع الشعار: لا ضريبة بدون صلاحية؛ لازم البرلمان يبقى مستفتى. طبعاً لما نشأت الدولة في بلادنا نشأت مشوهة، وبعدين مثلاً حصلت في بلادنا أحياناً أيضاً تطور مشوه؛ زي مثلاً الطفرة النفطية؛ الدولة ليست محتاجة الناس؛ يعني هناك الملك في أوروبا أو الزعيم في أوروبا محتاج الناس لأنه يلم ضرائب منهم وتطورهم الاجتماعي الطبيعي منعه من أن يستبد بهم استبداداً شاملاً.
لكن عندنا في عالمنا العربي، حيث أنظمة الحكم كانت آتية بقوة مسلحة هي قوة الأجانب غالباً، وحيث أنه ربما ظهرت ثروات هائلة في زمن تغول الدولة؛ فبقيت الدولة عندها الفلوس وليست محتاجة الناس، كما في الدول الريعية؛ الدول الريعية ليست محتاجة الناس، الدولة عندها بترول كبير، ليست محتاجة ضرائب الناس، بل الناس هم الذين يحتاجونها علشان تصرف عليهم؛ فهذا أعطى قوة فوق قوة؛ قوة السلطة قوة مالية، بقيت الناس معلقة بالدولة. الذي يهمني الآن من كل التفاصيل هذه أن الحركات الإسلامية بدأت الآن تنشئ تحت أنف الدولة مؤسسات موازية، شغالة هي أيضاً وتتحرك تحت سلطان الدولة وتحت سقف الدولة، بس تحاول تنشئ مؤسسات موازية. ومنذ ذلك الوقت يا مولانا وحتى هذه اللحظة المعركة بين الحركات الإسلامية أو المعركة بين الأمة وبين الدولة على هذا النحو.
عارف أنت المعركة؟ كان واحد صاحبنا لطيف يشبهها بالمعركة التي بين الصاروخ والطيارة؛ يقول لك صاروخ الدفاع الجوي هذا يريد أن يصيب الطيارة، فالذي يخترع الطيارة يحاول يضع فيها من الوسائل والإمكانيات ما يجعلها تتجنب الصاروخ، يروح يأتي الذي يخترع الصاروخ بعد ذلك يحاول يستدرك ويضع الوسائل والإمكانيات التي تمكن الصاروخ الجديد من أنه يستهدف الطيارة بعد تحديثها، وهكذا. منذ ذلك الوقت يا شيخنا يا شيخ مراد، الدولة تحاول تحجم الأمة المعبر عنها بالحركات الإسلامية، والحركات الإسلامية تحاول تتصرف تحت أنف الدولة، وتشوف ثغرات في الدستور، في القانون، في المؤسسات. والدولة تروح تشدد القوانين وتقفل المؤسسات، والحركات الإسلامية تحاول تشوف لها سكة ثانية، وهكذا المعركة هذه مستمرة منذ ذلك الوقت.
نحن الأمة هي الطائرة الحربية، والصاروخ هو الدولة. حلو التشبيه، حلو أيضاً أنا قصدي أقول إن الطرفين عارفين أنهم في مواجهة؛ الدولة ضد الأمة حرفياً. وعلشان كده ولأنهما بشر فكل ما يعمل شيئاً يبقى فيه ثغرة. فاكر لما تكلمنا في حلقة تركيا؟ هو يعمل ديمقراطية وفي قلبها العسكر، لكن خائف أن الديمقراطية هذه تجيب إسلاميين، لا نعرف ننقلب عليهم؛ طب ما فيش ديمقراطية يا جماعة وقفلنا النور، وارد تطلع له حركات جهادية شغالة تحت الأرض، وهكذا. فمن أيام مصطفى كامل وجدت التنظيمات السرية التي تريد أن تجمع طاقة الأمة وتوحدها في سياق أنها تغير الوضع الحالي الذي هو وضع الاحتلال أو وضع الاستبداد.
طيب عندي سؤال؟ براحتك. في معنى "أبو نص عين" هذا قاعد هناك ويقول لك: "أستاذ، محمد أنت من خولك أن تعرف الأمة؟ الأمة أستاذ محمد تعريفها اختلف؛ ليش أنت هؤلاء الإسلاميين سميتهم أمة؟ والدولة طبعاً معروف شو هي الدولة؛ يعني لا ما هو أيضاً ما أنتم لستم الأمة، أنتم يا إسلاميين لا تمثلون صوت الأمة ولا روح الأمة، نحن أيضاً شو كفرة نحن يعني؟ ما نحن أيضاً أمة".
كلام جميل، أولاً أنا لا أسمي الإسلاميين أمة، بل أحد عيوب بعض الحركات الإسلامية أنها جعلت نفسها بديلاً عن الأمة، أو تصرفت وكأنه ما فيش أمة في ظهرها، بس هذا موضوع سنأتي له بعدين. لكن أنا لا أقول الإسلاميين أمة، أنا أقول الإسلاميين هؤلاء طليعة الأمة، الإسلاميين هؤلاء هم التعبير الحقيقي عن الأمة. لماذا أقول هذا؟ أستدل على ذلك بشواهد كلنا شايفينها، قلتها لك من قليل: وهو أنه ما إن أعطيت الأمة فرصة التعبير عن نفسها إلا وجاءت بإسلاميين؛ قالوا لها في انتخابات، جاءت بالإسلاميين في الانتخابات؛ قالوا لها في معركة وجهاد، جاءت بالإسلاميين يقودون الجهاد والمعركة؛ قالوا لها في ثورة مدنية، جاءت بالإسلاميين ماسكين الميادين؛ قالوا لها في ثورة مسلحة، جاءت بالإسلاميين الجهاديين يتصدرون الميادين. لذلك لا ترى أمتنا قد عبر عنها قط أي شخصية لا تحمل الفكر الإسلامي.
نحن من سمانا أمة؟ هو سماكم المسلمين هذا رب العالمين: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، نعم، هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم حتى في وثيقة المدينة التي هي اللحظة الأولى للأمة الإسلامية قال: «المسلمون من المهاجرين ومن أهل يثرب أمة من دون الناس». يعني القرآن سمانا أمة، والنبي صلى الله عليه وسلم سمانا أمة أيضاً.
طبعاً هناك استدراك صغير أيضاً؛ ممكن الناس تحكي لك: طيب لا أنت لماذا بدأت من عند الخديوي سعيد؟ ما هو أيضاً الريف في المغرب حرروها ناس مدنيين. لا لا، أنا موافق، والاستدراك أنه نحن بنحكي عن القرن الأخير، القرن العشرين؛ عشان هيك هو بدأ الأستاذ من هناك وهو طالع جاي لعندنا، لكن قبل في كل هذا كان في كثير جهود أفراد وعلماء، وأنا أثبت وأقر وأؤكد على أنه بداية الحركات الإسلامية نراها منذ سقوط الأندلس.
الآن يا حبيبنا الغالي، وجود حالة من حالات رفض الأمة لهذا الواقع الذي كانت فيه تجلى في عدد من الأمور. لو نحن نتكلم عن ظاهرة الحركات الإسلامية الآن، الحزب الوطني هذا أجهض بعدد من الأسباب؛ أسباب أن زعيمه الأهم مات مبكراً، وزعيمه التالي محمد فريد نفي، وكذلك عبد العزيز جاويش أيضاً سجن ونفي، وكان في سلطة تابعة للمحتل الإنجليزي، وكان في محتل إنجليزي. لكن هاهنا حصلت حاجة لطيفة ظريفة؛ هي طبعاً لا لطيفة ولا ظريفة، لكن أقول حاجة لافتة للنظر؛ هاهنا في ذلك العام 1910 تم تشكيل لأول مرة جهاز اسمه جهاز البوليس السياسي في مصر، الذي هو ما يزال حتى الآن جهاز أمن الدولة، الذي هو جهاز الأمن الوطني في هذه اللحظة، ومثله في كل عالمنا العربي والإسلامي؛ يعني جهاز الأمن في مصر هو الأستاذ الذي علم أجهزة الأمن الأخرى في بقية البلدان، طيب من أستاذ جهاز الأمن المصري؟ الإنجليز.
فبقى عندنا قطاع داخل السلطة جرى تأسيسه منذ اللحظة الأولى على مفاهيم السلطة، دولة المحتل الغربي التي تقول إن الإسلاميين الذين يقاومون هؤلاء عدو للبلد، عدو للأمة، عدو للدولة، عدو للتقدم. فمنذ الإنجليز أساتذة، بعد ذلك تلاميذهم المصريون، التلاميذ المصريون هؤلاء هم الذين بقوا أساتذة لأجهزة الأمن العربية الأخرى، طبعاً دول أسماء معروفة بس لا أطيل الآن بذكر ذلك، وكذلك في بقية البلاد، الاحتلال هو الذي أسس الجهاز الأمني التابع للدولة المختص بمقاومة المجاهدين أو الإسلاميين أو الحركيين أو المقاومين حتى من زمن الاحتلال.
يعني حتى من زمن الاحتلال أُنشئ بالموازاة معه الجهاز القضائي؛ لأنه الجهاز أنت الآن عندما تكون وكيل نيابة أو تكون قاضياً في دولة رأسها الاحتلال، القانون الذي أمامك، الإجراءات التي أمامك، المؤسسة التي أمامك تجعلك عدواً لمن يقاوم الاحتلال، طبعاً أنا لا أقول إن كل الناس هكذا، ولا أقول كل القضاة هكذا، لكن هذا النظام، هذا السيستم. فعلشان كده مثلاً لو تقرأ التحقيقات مع أحمد عرابي، ستجد وكيل النيابة المصري يحاصر أحمد عرابي حصاراً هائلاً علشان يثبت عليه التهم؛ ليس متعاوناً معه باعتباره وطنياً ولا يريد مصلحة البلد، لا، يراه خارجاً عن القانون، وخارجاً عن النظام، وخارجاً عن الخديوي. فإذاً هذا جزء من تشكل الدولة لتكون ضد الأمة.
خلاص، وبعد ذلك ممكن أيضاً تحصل من بعض القضاة أو من بعض الضباط مواقف شريفة ونبيلة، أنهم وقت ما ينظرون قضية يجدون أن من فعلوا هذه الأشياء قاموا بشيء مشرف جداً فيروح يستقيل؛ وبعضهم، بعض القضاة مثلاً، استقال من القضاء وانضم للإخوان المسلمين، وكتب كتاباً مشهوراً أو كتب مقالاً: كنت أحاكمهم والآن أنا منهم. لكن خذ بالك أنه تنشأ مؤسسات دولة على معاداة الأمة حتى وهم ليسوا واعين لذلك؛ حتى وهم شايفون أن هذا طريق التقدم والطبيعي والحداثة والقانون، وأن الذين يريدون أن يعملوا شيئاً آخر هم المتخلفون الذين يريدون أن نبقى في التخلف؛ لأنهم يرونك على الباطل، وأنت تراهم على الباطل. هو أسس تعليماً ومنهجاً ومؤسسات وإدارة عملية على يد الأجانب، أو على يد دولة أسسها الأجانب، أنا أقول إن المؤسسات تركيبها هذا جزء من تركيبها أن الدولة ضد الأمة.
عندما نأتي لنحكي عن الحركات الإسلامية، أنا أريد أن أؤكد أنه في حركات زُوِّر تاريخها، وقيلت على أساس أنها حركات وطنية تريد فقط تحرير هذا الوطن القطري الصغير الذي أسسه الاستعمار، لكن حين تقرأ في تاريخهم تجد أنها حركات إسلامية صرفة، وقد قصر الإسلاميون أيضاً في تجلية هذا التاريخ؛ يعني حركة أحمد عرابي حركة إسلامية صرف، الحركات التي كانت أيام الخديوي سعيد وبعدين حركة في الجيش كانت أيام عباس حلمي الثاني، أشار إليها إشارة عابرة في مذكراته، حتى حركة مصطفى كامل ومحمد فريد، الحزب الوطني، كل هذه حركات إسلامية صرفة؛ يعني تريد تحرير الأمة، يعني تريد إعادة مفهوم الأمة، ليس بس مصر، هي ما كانت تتكلم حتى عن الحزب الوطني، الحزب الوطني لا يعترف أصلاً بأن مصر إلا جزء من الدولة العثمانية.
وعلشان كده أرجع وأقول مثلاً في حادثة مشهورة جداً في تاريخ مصطفى كامل، التي هي حادثة طابا أو العقبة؛ السلطان عبد الحميد يقول الخط الحديدي سيمر من هنا وأنا أريد من مصر الجزء هذا من سيناء، حوالي ثلث سيناء، فالإنجليز قالوا لا، هذه أرض مصرية. مصطفى كامل أنشأ حملة هائلة في صحيفته "اللواء" علشان يقول لا يوجد شيء اسمه حدود مصرية مع الدولة العثمانية، الحدود بين مصر وبين بقية الدولة العثمانية هي حدود إدارية، يعني مثل محافظة، أنا أشيل الحد وأضع الحد، بضم المركز هذا مع المحافظة هذه، أشيل الحد هذا بضم محافظتين على بعض، أفصل المحافظتين عن بعض، يعني من حق السلطان عبد الحميد أن يأخذ ثلث سيناء. طبعاً الواقعة هذه لا يمكن تدرس في المناهج المصرية، مستحيل؛ لأنه سيصبح اسمها: الزعيم الوطني المصري تخلى عن جزء من البلد، قطعة من البلد لصالح المحتل التركي، تخلى عن السيادة من البلد. مع ذلك تجد هذا عند مصطفى كامل.
إلى أن نأتي إلى أبرز الحركات التي ظهرت؛ "الجمعية الشرعية"، ستجد أكثر من استجابة؛ الجمعية الشرعية هذه جمعية أنشأها شيخ أزهري "محمود خطاب السبكي"، شاف أن ما يحدث في الأزهر ليس استجابة تكافئ الواجب المنبغي على علماء الأزهر؛ طبعاً أنت في ذلك الوقت كان عندك محتل إنجليزي، طبقات متغربة تملك الثروة والسلطة، عندك نشاط تبشيري تنصيري نشاط كبير، فبدأ محمود خطاب السبكي يعمل الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة؛ سنحاول ننشر الوعي، نحاول ندعو إلى الله، نساعد الناس الفقراء علشان ما يقعوش في أحبال التنصير والمنصرين.
بدأ طريق الجمعية الشرعية من علماء الأزهر الشريف، لكنها حالة حركية لا يتسع لها الأزهر. على فكرة، ما تزال الجمعية الشرعية موجودة حتى الآن، وما تزال من أهم الحركات الإسلامية التي كان لها أثر هائل في نشر الإسلام وفي مساعدة الفقراء والمحتاجين؛ فعدد المستشفيات، وعدد الأماكن التي تقدم الخدمة الطبية، وعدد الإنفاق على اليتيمات وتزويجهن، هذا الكلام كبير جداً. تأسست الجمعية الشرعية سنة 1912.
هذه استجابة من الاستجابات، وهناك استجابة أخرى مثل جمعية أنصار السنة المحمدية، أسسها الشيخ محمد حامد الفقي. الجماعة هؤلاء فيهم ميل أكثر إلى تصحيح العقيدة وتصحيح العلم. قد نختلف عند الكلام عن الخلافات بين الحركات الإسلامية، لكن ونحن نستعرض موجزاً فخلينا عارفين أن محمد حامد الفقي واحد من العلماء السلفيين الذين كانت رؤيتهم أن الأمة انهارت لما بعدت عن دينها، ولما صار الأزهر مليئاً بالتعصب المذهبي، وصارت الناس تصلي أربع جماعات؛ لأن هذا يصلي المالكي فلا يصلي وراء الحنفي، والحنبلي لا يصلي وراء الشافعي. التفرق والتمزق مع الجمود المذهبي دمرنا وشتتنا، وغير عندنا خرافات كثيرة؛ فناس تطوف حول الحسين وحول السيدة زينب، وناس تعمل موالد. فرأى أن الحل يبدأ بتصحيح العقيدة، والسير على نهج السلف الصالح، حيث لا تعصب مذهبي ولا دوران حول القبور والأضرحة ولا كلام في الكرامات والخوارق.
خط لذلك خطاً سلفياً، ولذلك عامة شخصيات جمعية أنصار السنة المحمدية كانوا من كبار العلماء السلفيين ليس فقط في مصر، بل كثير منهم ذهب إلى السعودية وصار من كبار علمائها؛ فالرجل الثاني في جمعية أنصار السنة المحمدية الشيخ عبد الرزاق عفيفي كان في اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث، وكان نائب الشيخ عبد العزيز بن باز في السعودية. فأنت تتكلم عن حالة علمية تحاول أن تعبر عن نفسها من خلال الدروس والمجلة والجمعية، حتى نأتي إلى الحركة الأقوى والأكبر والأشهر، وهي حركة الإخوان المسلمين.
بدأت الإخوان المسلمين بالإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله. الإمام الشهيد في رأي كثير من الناس، وأنا معهم في ذلك، أنه مجدد قرنه؛ فحسن البنا لا مثيل له في القرن العشرين. حسن البنا شخصية نشأ في أسرة علمية متدينة ومتصوفة أيضاً؛ فوالد الشيخ حسن البنا كان عالماً في الحديث ومشهوراً من علماء عصره. مصر في ذلك الوقت كان فيها ثلاثة علماء حديث كبار، أو ربما الوحيدين؛ الشيخ أحمد شاكر المعروف الذي حقق المسند، والشيخ رشيد رضا العالم العلامة الجليل الذي كان يكتب في كل شيء، وثالثهم الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الذي عمل كتاباً معجزة في زمانه، أنه رتب مسند الإمام أحمد على الأبواب الفقهية. هذا عمل هائل اسمه الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني، أنه يأخذ الأحاديث الموزعة على المسانيد وعلى الصحابة ويركبها في باب واحد حسب الأبواب الفقهية. صنفها على الموضوعات، وهذا عمل جليل.
حسن البنا منذ أن نشأ رأى في طبقة مشايخه علامة؛ رأى محمد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، ووالده أحمد عبد الرحمن البنا، والشيخ الدجوي شيخ الأزهر في ذلك الوقت؛ فأنت تتكلم في مستوى عالٍ جداً، وهو لقي كل هؤلاء وجالسهم واستفاد منهم. حسن البنا أول واحد أخذ الصحوة الإسلامية التي كانت متجسدة فكراً، ومجهود الأفغاني في المقاومة، ومجهود محمد عبده ورشيد رضا ومحب الدين الخطيب؛ مجهود هؤلاء جميعاً كان في الدفاع عن الإسلام ضد الحداثة والتغريب والاستعمار، وهم الذين لهم الفضل في إثبات أن الإسلام ما يزال صالحاً للحياة، بل لا تصلح الحياة إلا به. حسن البنا أول واحد أخذ كل هذا المجهود ونزل به إلى الناس.
حسن البنا ولد سنة 1906، وأسس جماعة الإخوان سنة 1928 أو 1929، على خلاف بين المؤرخين يتعلق بالتاريخ الهجري. في السنوات من 1906 إلى 1928 عمل جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مدرسته، وبدأ يرسل خطابات لكل واحد؛ كان حركياً منذ مطلعه. كان شخصية مؤثرة، وكل من أدرك حسن البنا ولو بلغ التسعين ما يزال يحن له ويرى فيه جاذبية ساحرة. حتى الشيخ القرضاوي رحمه الله، على جلالته وإمامته وبلوغه ما بلغ من شهرة، إذا فتح الكلام عن حسن البنا تراه يستذكره استذكار التلميذ لشيخه.
إنجاز حسن البنا الكبير أنه حول الطاقة الإسلامية من طاقة مشتتة ومشرذمة إلى تنظيم حركي جماهيري. ناس كثيرون يقولون إن حسن البنا لم يكن منظراً أو مفكراً على قدر محب الدين الخطيب ولا رشيد رضا ولا الأفغاني، وممكن أقبل هذا الكلام، لكن من نظر في تراث حسن البنا وجده لا يقل عن هؤلاء أبداً، لكنه انشغل بالحركة والعمل، فاستكمل ما لم يستطع هؤلاء فعله. فحسن البنا سرعان ما أنشأ جماعة انبثقت وانتشرت في الشارع المصري، وفي بضع سنوات صارت القوة الشعبية الأولى تحت أنف الاحتلال وتحت أنف الحكومات الليبرالية. كان حسن البنا قد جاء في وقت كان فيه فكرة حان وقتها، وهو نزل على أرض تشتاق لإعادة تجديد الإسلام وإحيائه. طبعاً نحن نتكلم في العشرينات؛ الخلافة الإسلامية سقطت سقوطاً هائلاً وانحل رابط الأمة الإسلامية.
يجب أن أقول كلمة إن الحركات التي ظهرت قبل سقوط الخلافة وجهت اهتمامها لإصلاح الخلافة، فهذا يفسر عدم وجود تنظيم ضد الدولة العثمانية من الإسلاميين. لكن التي جاءت بعد سقوط الخلافة وجدت نفسها أمام محتل بشكل مباشر، أو حكومة تابعة للمحتل تبعية لا تنفصم؛ فعلشان كدة بدأت تتأسس الحركات والمنظمات. حسن البنا بلغ بلوغاً كبيراً، وفي أواخر الأربعينات بلغت الإخوان أن تكون القوة الشعبية الأولى؛ عندها مؤسسات وإعلام وخلايا وانتشار شعبي في الجامعات والجيش والشرطة، وعملت المفاجأة التي أذهلت العالم أنها قدمت كتائب عسكرية في حرب فلسطين سنة 48.
هو لم يخالف القانون، هو أنشأ جمعية وفق الدستور، لكنه وجد نفسه أمام مهمة مزدوجة: مهمة نشر الإسلام في بيئة تكاد تنساه، حيث كانت الخمور والتبرج والرقص والتنصير منتشرة في النخبة، والصحف تعلن عن الخمور وعن مسرحيات راقصة. فحسن البنا عمل جماعة دعوية تحاول أن تنشر الإسلام وتعيده، ومن الجماعة الدعوية هذه عمل تنظيماً سرياً خاصاً؛ هذا هو الذي سيتولى مهمة التغيير ومواجهة الاحتلال أو السلطة التابعة للاحتلال.
لما قدم الإخوان كتائب عسكرية، وقع حادث أمني معين انكشف به التنظيم الخاص، وهو حادث السيارة الجيب؛ فبخطأ أمني اكتشفت السلطة وثائق التنظيم الخاص، فوجدوا أن الإخوان عندهم جهاز مخابرات ومسلح يراقب الوزراء الفاسدين وحركة الإنجليز في القناة. فجاءت حكومة النقراشي، وأصدرت قراراً بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها ومقراتها وسجن من استطاعوا التوصل إليه. كرد فعل غريزي، جزء من النظام الخاص اغتال محمود فهمي النقراشي، فردت السلطة على هذا باغتيال حسن البنا في فبراير 1949، ومات وهو عنده 42 سنة فقط.
قبل أن يموت كان الإخوان المسلمون قد انتشروا في الشام والعراق والشمال الأفريقي. مقتل حسن البنا كان ضربة قاسية للجماعة. تستطيع أن تقول إن الإخوان المسلمين كجماعة هي الجماعة الكبرى في العالم العربي طوال القرن العشرين، ولها نظيرتها الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان، وبينهما تقارب كبير في الأفكار. حتى الحالة في تركيا وإيران وأفغانستان تأثرت بالإخوان المسلمين؛ فهي الجماعة التي كان لها الفضل الأكبر في حفظ الإسلام في هذا القرن. ما بثه علماؤها من الدعوة في المقاهي والمساجد والمدارس، وما أسسوه من مؤسسات طبية وخيرية، كان حركة هائلة هادرة. تكيف الإخوان بحسب ما أتيح لهم في كل بلد، وحصلت حالة من تنوع التجارب الإخوانية لدرجة أنه يصعب أن تقول إن التجربة الإخوانية كذا في جملة واحدة. هناك قدر كبير من التنوع داخل الأفكار التي كانت في صفوف الإخوان؛ فمنهم السلفي والأشعري، ومنهم القريب لليسار أو لليبرالية، ومنهم من هو ضد المذهبية، ومنهم من كان أقرب للغة الحضارية، ومنهم من كان أقرب للجهادية؛ لأن هذه الجماعة عاشت كثيراً من فترات حياتها في سرية، وكانت تريد الإجابة عن سؤال التغريب والعلمنة والهيمنة الغربية.
أشعر، وزي ما في صوفي في أثري، زي ما في واحد أقرب إلى أفكار الحريات، وواحد أقرب إلى أفكار الدفاع عن الطبقات المسحوقة. لذلك الإخوان كجماعة ما تقدرش تقول إنها تجيب عن سؤال فكري إلا سؤال الهيمنة الغربية وكيفية التحرر من الاحتلال ومن الاستبداد المرتبط بالاحتلال.
طبعًا أنت تشوف الوقت المناسب اللي أنا بدي أدخل واسألك شوية أسئلة، أنت شوف الوقت المناسب إذا هلا بسألك هلا مناسب. أستاذ محمد، كونك فتحت قوس الإخوان المسلمين، نحن معنا طبعًا جمهور، مبارك جزاهم الله خيرًا، وبيسمعوا برضه هم عن جماعة الإخوان المسلمين، لكن يمكن في حياتنا أو معظمنا ما فتحنا ولا قرأنا ولا غيره، نحن بنشوف الأخبار، بنسمع، نتأثر ونتخذ قرار. قد تكون كثير من قراراتنا مبنية على أوهام أو إشاعات، أنا عندي شوية تفاصيل أطرحها عليك، أنت "بينج بونج" أو بدك تفصل كما تشاء.
أولًا، أول انتقاد للجماعة، سواء من الإسلاميين نفسهم أو من عموم الناس أو من الإعلاميين أو الدول، إنهم سموا حالهم الإخوان المسلمين، شو يعني؟ نحن إخوان كفار يعني مثلا؟ وبتفتح كتاب الرسائل هيك ومكتوب فيه عنوان: «دين الإخوان المسلمين»، فيزيد الطين بلة، يعني أنتم عندكم دين خاص؟ وبالتالي الاسم هو أحد الأسباب.
ثانيًا، فكرة الوصول إلى السلطة؛ أنت بتقول لنا قبل شوي تنظيم سري وديني وعسكري ومش عسكري، يعني أنتم بدكم توصلوا للسلطة، إذاً ليش بتناقشوا هذه الفكرة؟ وكأنه حلال على العلمانيين يجوا يوصلوا للسلطة ويعملوا انقلابات ويسووا اللي بدهم إياه، وحرام على الإسلاميين أن يحكموا، وبعدين إذا حكموا الإسلاميين حنخرب بيتنا. هي اثنين، فكرة الوصول إلى السلطة، وأهم حاجة تبقى أنت فاكر اللي أنت بتقوله ده. أنا بجيب لك من السوشيال ميديا مش من الكتب.
ثانيًا، أنا عندي سؤال، أو الناس عندها سؤال، هو إيش اللي خلى الإخوان المسلمين "بعبع" هيك؟ هل السرية والغموض اللي كانوا عايشين فيها؟ أنت قبل شوي بتحكي عملوا جماعة دعوية وانتشروا بين الناس، يعني ما فيش سرية في القصة، هل السرية والغموض هي التي جعلت رواية الدولة تخيف الناس من جماعة الإخوان المسلمين؟ ولا ما الذي جعل فكرة الهجوم والتشهير هي على الإخوان بهذا الحجم الكبير؟
أيضًا هناك خمسة أو أربعة أسباب: الاسم، الفكرة السرية، أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة عميلة وهي من صناعة البريطانيين، وبدل الدليل يقولوا إنه في تنظيم سري للإخوان في بريطانيا، والناس عايشين في بريطانيا وبتمولوا من البريطانيين، وأول دليل إنه أول تنظيم صار من ستة أشخاص كانوا ست عساكر في الجيش البريطاني مع الجيش المنتدب شيء زي هيك.
وهناك أيضًا شبهة مبكرة شوية أن حسن البنا نفسه هو يهودي، وبعدين اسمه حسن الساعاتي، ليش يهودي يا شباب؟ لأنه مهنة الساعاتي في مصر ذلك الزمن كانت بس عند اليهود ما كانت عند حدا غيره. وفي موقف أخير صغير، سيد قطب كان في أمريكا منتدب، وكان بيشتغل في التعليم، وكان رجلًا شاطحًا على الآخر، بعدين راح على أمريكا، وكان في مستشفى شافهم حاطين ومحتفلين وكل كلام، فبيسألهم: "يا عمي إيش في؟" بيقولوا له: "مات أخطر رجل على الغرب"، وهو حسن البنا، وهنا صارت نقطة التحول، هل الرواية صحيحة ولا لا؟ هذا بعض ما تداوله الذهن حتى هذه اللحظة.
على قدر ما أمسكت ذاكرتي، أولًا الاسم، "الإخوان المسلمون"، الذي يتكلم في مسألة الاسم نقول أقل أحواله إنه مش عارف اللغة العربية. أنا لما بقول مثلاً في أيام حسن البنا وقبله كان في جمعية اسمها "جمعية الشبان المسلمين"، وقبلها كان في "جمعية الشبان المسيحيين"، وبلاش يا سيدي الماسونية اسمها "البناؤون الأحرار". قصدي أقول اللغة العربية تحت أن أقول "أبو الحارس الجميل" هيجي واحد يقول لي: "أنا مش جميل، أنا قبيح". أنا لما أقول الشعب المصري العظيم يطلع واحد يقول لي: "أنا مش عظيم علشان أنا مش شعب مصري"، هي اللغة العربية فيها هذا النعت الذي لا يحذف الصفة عن غيره. أنا لما بقول فلان جميل أو فلان مسلم، مش معنى كده إنه غيره مش جميل أو مش مسلم، ما في حزب الوطن وفي حزب الأمة، هل معنى كده إن الناس مش وطنيين؟
رقم اثنين، كانت فكرة أنهم ناس تبعون سلطة ويلهثون خلف السلطة. أنا عايز أقول: الوصول إلى السلطة حق لكل من يحب ويريد، ما فيش قانون في الدنيا يحرم السلطة على أي أحد. السؤال هو كيف تصل إلى هذه السلطة؟ لما تبقى الدنيا فيها ديمقراطية والدنيا مفتوحة من حق الجميع، يترشح ويفوز بأصوات الناس، يبقى فاز بأصوات الناس. فكرة إنه عايز يوصل للسلطة، زي مثلاً واحد عايز يبقى غني، هل هو عيب؟ الوصول إلى السلطة مش حاجة عيب، دي حاجة ضرورية أو حاجة مباحة لكل إنسان، بل هي حاجة ضرورية لكل مصلح. ما فيش مصلح ولا مفسد كان صادقًا مع فكرته إلا وطلب السلطة، ده طبيعي جدًا.
الوصول إلى السلطة حق لكل من يرى في نفسه القدرة. "لا ما هو أنتم إسلاميين لازم تضلوا في الجامع"، شوف دي بقى من اللي بيقول ده، اللي بيقول أنت ليه عايز تسعى إلى السلطة، هو نفسه أصلاً جاء إلى السلطة بالدبابات وبالقهر، أو جاء إلى السلطة على دبابة المحتل الإنجليزي أو المحتل الفرنسي. يعني ما فيش حد جاء إلى السلطة من هؤلاء الذين يتكلمون، وهي حق له.
إحنا المسلمين أصلاً توريث السلطة نفسه هو خلل وانحراف، حتى اللي شايف نفسه ابن عائلة ملكية عريقة، هذا ليس له في الإسلام حق السلطة أصلاً، فالسلطة في الإسلام لمن رضيه الناس، وأبو بكر قال: «إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم».
ومش لازم إحنا نفصل كمان بين السلطة والسياسة والدين. هذه هي العلمانية، لكن حتى يا سيدي البلاد العلمانية دلوقتي ما فيها أحزاب مسيحية، والبلاد العلمانية بتسمح للمتدينين بدينهم إنهم يوصلوا للسلطة، أنت عندك ترامب أهو قاعد بيعمل القداس في مكتب البيت الأبيض، يعني فالخلاصة ما حدش يهز حد. فكرة إن أنت عايز تسعى للسلطة، السعي للسلطة حق مباح لكل أحد، لكنه في حال المصلحين ضرورة.
وكنا قلنا الحلقة اللي فاتت إنه لا يمكن، بالذات الإسلام دين لا يمكنه أن يحيا بغير حكم وسلطة ودولة ونظام؛ لأن الذي يقرأ في القرآن: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ يقرأ بعدها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، ويقرأ قبلها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. لا يمكن أن تفصل بين السلطة، بالذات في الحالة الإسلامية.
رقم ثلاثة: السرية والغموض. ليه بقى سرية وغموض؟ كويس طبعاً، حسن البنا أقام هذه الجماعة الدعوية العلنية أيام ما كان القانون يسمح بجماعة دعوية علنية، لكن حين تقاوم نظاماً محتلاً أجنبياً فبالتأكيد المحتل ده مش سايب القانون يسمح بمقاومة المحتل، فبالتالي الجزء السري الذي كان موجوداً في الجماعة هو الجزء المتعلق بمقاومة الاحتلال.
أنت شايف مقاومة الاحتلال ده مش عمل شريف؟ أنت حر، لكن عايز أقول كل إنسان قاوم الاحتلال في بلده، سواء كان مسلما أو كافراً، اعتمد السرية نظاماً، لأن ما فيش حد بيقاوم الاحتلال مقاومة علنية مكشوفة، فده شيء طبيعي. ثم بعد ذلك لما جاءت الحكومات التي تبعت الاحتلال في فترة ما بعد الاحتلال، هذه الحكومات كلها طاردت الإخوان المسلمين وطاردت الفكرة الإسلامية، فحتى الجزء الدعوي العلني الذي كان يسمح به الاحتلال منعته هذه الحكومات، فاضطرت الجماعة أن تكون في كثير من فصول تاريخها جماعة سرية.
أنت دلوقتي حد يجي يقول لبتوع غزة خلوا مقاومة الاحتلال علنية، إزاي يعني؟ لا يمكن أي مقاومة لنظام محتل، وكذلك أي مقاومة لنظام طاغوتي ومستبد وظالم لابد أن تكون سرية، دي ألف باء في الحركة، إلا أن تقبل به وتذوب، ده موضوع ثاني بقى.
وفي الآخر أرجع وأقول إحنا المسلمين يجب أن يكون واضحاً أيضاً أن الشيء المقدس الذي نلتزم به نحن هو القرآن والسنة، مش القانون الذي وضعه محتل أو القانون الذي وضعته سلطة ظالمة؛ لأن الأصل في المسلم إنه يرى الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله. يجي أي واحد ثاني يحاول يحط قانون يحل حراماً أو يحرم حلالاً، ده بالنسبة للمسلمين اعتداء على الله واعتداء على الدين يجب دفعه ومقاومته، مش يجب الاستسلام له والالتزام به.
على سيرة السرية، هو النبي ﷺ لماذا هجر سراً؟ هذا مثلاً لماذا ما كان راح لقريش؟ النبي ﷺ وهو في معية الله، مكان قريش أنا مهاجر، وبايع أهل المدينة سراً، بايعه في العقبة الأولى وبايعه في العقبة الثانية. حتى على الصعيد الشخصي: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».
وبالتالي وجدت الدول مادة لذيذة للتشهير بسمعة وتخويف الناس بفكرة السرية؛ "أبصر إيش بيعملوا، أبصر شو بيحفروا"، طب هو إذا كنت أيتها الدولة وأنت أيتها السلطة دولة ديمقراطية وبتاعة حريات، وإذا كنت سلطة مشروعة افتحي الحريات وساعتها اللي يعتمد السرية يبقى يعاقب، لكن تبقى دولة ظالمة ومستبدة أو تبقى دولة محتلة وفي الآخر تقول لك ده سري، ما لازم.
أما تمويلهم من بريطانيا، فهذه كذبة كبيرة. أولاً طبعاً الستة الذين بدأ بهم حسن البنا لم يكونوا من الجنود البريطانية ولا حاجة، ده كانوا ستة من عمال بسطاء في الإسماعيلية؛ واحد سباك، واحد حلاق، واحد عجلاتي، ولم يتقاضوا تمويلاً من بريطانيا، هذا كله من التشنيع. هو طبعاً جرى كلام على 500 جنيه أو 600 جنيه استقبلتهم جمعية الإخوان، وعايز أقول لك فيها تفاصيل كتير بس أنا هروح لك للآخر؛ هذه الجمعية كانت جمعية علنية مفتوحة تستقبل التبرعات، وللي عايز يتبرع، فإذ جاءت مؤسسة مثل شركة قناة السويس تروح تقول أنا عندي تبرع للجمعية الفلانية، مش طبيعي ولا مستنكر.
يعني مثلاً دلوقتي أي لاعب، أي فنان، أي صحفي كبير، أي واحد عايز يعمل خير يقول لك المبلغ ده مني لمؤسسة الأيتام الفلانية أو للمستشفى بتاعة معالجة السرطان. في ذلك الوقت كانت الجماعة جمعية علنية، والبريطانيين ما كانوش بيدعموا ولا بيمولوا الناس اللي هتقومهم بعد شوية. شركة قناة السويس كانت تابعة للبريطانيين، كان يسيطر عليها في ذلك الوقت البريطانيون وتبرعوا بـ 500 جنيه ضمن سياق، ودخل فيها كلام إن الجمعية دي جمعية...
بس برضه فيه تفصيل في ثبوت هذه الحادثة، مش عايز أدخل فيها بس عايز أقول زمان في ذلك الوقت الإخوان كانت جمعية علنية تستقبل التبرعات واللي عايز يتبرع لها يتبرع لها، وبعدين يا سيدي 500 جنيه أقامت جماعة بقى لها 100 سنة! دلوقتي والله أنا بدي أضحك بس ماسك حالي، لو جبنا 500,000 من تاريخنا دلوقتي يا أبو الحارس مش هتكفيك شهر، استغفر الله العظيم.
موضوع التمويل فيه مشكلتين كبار؛ الأولى إنكم ممولين من بريطانيا، ردينا وقلنا إن تمويلكم كان داخلي. والثانية إن تمويلكم داخلي مش عاجبنا، وهذا اسمه نظام جبايات؛ كانت الجماعة تكره وتجبر أفرادها إنهم يدفعوا لها إتاوة شهرية، وبعدين أصلاً حسن البنا حكى لهم إن الشباب اللي بيموت منكم يحاول جزء من ورثته يحوله للجماعة.
هو طبعاً كلمة الإجبار هذه كلمة غير صحيحة وغير منطقية، لأن ما الأدوات التي في يد أي جماعة لكي تجبر أحداً؟ هو أصلاً الانضمام إلى الإخوان أو إلى أي جمعية هو انضمام طوعي؛ إذا أنت مؤمن بأفكارها فأنت بتروح تدفع من مالك لقناعتك بهذه الأفكار، هو ما عندوش أي وسيلة للإجبار أصلاً. وبعدين أنت دلوقتي يا سيدي أي جمعية بتنشأ...
في أي حتة في العالم بيبقى تمويلها إزاي؟ أي جمعية تكافلية، هتلاقي عندك في الشركة ممكن بعض الموظفين عاملين صندوق تكافلي مع بعض، كل شهر بيحطوا فيه حاجة علشان لو واحد منهم حصلت له أزمة. أقصد أي جمعية تنشأ، أي ترابط ينشأ، الناس بتتبرع فيه.
نيجي لموضوع يهودي؛ طبعًا هذه الفرية افترتها عباس العقاد، عباس محمود العقاد الأديب المصري المعروف، وكان في ذلك الوقت تابعًا لحزب الوفد. وهناك كتاب للدكتور محمد صابر عرب، كتاب لطيف اسمه «عباس العقاد ودوره في الحياة السياسية المصرية».
عباس العقاد كان حزبيًا وكان سليط اللسان جدًا، وكان لا يكف عن الافتراء. أنا بتكلم دلوقتي على العشرينيات، وكان أديبًا وموهومًا وصاحب قلم قوي، وكان محسوبًا على حزب الوفد وكان سعد زغلول يعرف يحتويه، لكن بقى بعد كده حصلت له مشاكل مع مصطفى النحاس.
فماذا قال عباس العقاد؟ نشر أنه حسن البنا ده إحنا مش عارفين أصله ولا فصله. طبعًا أنا دلوقتي بكلمك على حزب الوفد الذي في الثلاثينيات، الذي كان يعاني من نمو وتضخم الإخوان المسلمين، فعلشان كده حتى صحف الوفد كانت تكتب: «مين مدرس الخط ده اللي هو حسن البنا اللي يقف أمام الباشا اللي هو مصطفى النحاس زعيم الحزب؟».
فجزء من التشويه الحزبي أنه عباس العقاد قال لك حسن البنا يهودي. طيب ما دليلك على أنه يهودي؟ قال لك أصل أبوه اسمه أحمد عبد الرحمن الساعاتي، وأصولهم القديمة من المغرب، وإحنا عارفين أن المغرب اللي بيعملوا ساعات هناك بيبقوا يهود، ينتشر فيهم اليهودية.
طبعًا هو فعلاً اسمه الساعاتي لأنه كان بيصلح الساعات، أبو الشيخ البنا كان العالم، والعالم فضلاً عن علمه هذا كان بيصلح ساعات، فلذلك سمي الساعاتي. أحياناً أهّم؛ شوف مهنة شريفة كمان، وقت من أجمل المهن.
فقصد أقول هذا افتراء من العقاد، وساعات ما كانش العقاد ده حد بياخد بكلامه باعتباره قلم حزبي موتور، زي ما أنت زي أحمد موسى مثلاً اليومين دول، بس استغفر الله، أحمد موسى ده منهار خالص. العقاد يعني كان ثقافة وقلم في الآخر. شوف، أنت ممكن يبقى عدوك منهار أخلاقيًا بس عنده كفاءة، ده مستوى العقاد، إنما ساعات بيبقى منهار أخلاقيًا ومنهار على مستوى الكفاءة.
برضه أنت ما تضربش أمثلة، أستاذ محمد خلي حلقتنا هكذا، ما أنا مش لاقي مثال قريب، حد ثقيل. يعني مثلاً أيام عبد الناصر، هيكل مثلاً عدو وخصم، إنما أستاذ ثقافة وعلم ومعرفة ولغة أدبية عالية ومقالات صحيحة، ومنهار أخلاقيًا وما تقدرش تثق في روايته، لكن ما تقدرش تقول إنه مش كفء. لكن دلوقتي مش بتلاقي حد في المعاصرين دول على هذه المستوى من الكفاءة، كلهم تعبانين خالص.
سيد قطب لما كان في أمريكا، هل هذا الموقف صحيح؟ لا ليس صحيحًا، ولا كانوا بيحتفلوا بالـ «فالنتاين» يعني، الشباب يعني لم أطلع عليه في مصدر أطمئن إليه. نعم، أنا ما أظنش أن الشعب الأمريكي كان منتبه في ذلك الزمن، كان منتبه أن في واحد في مصر اسمه حسن البنا وأخطر رجل. يعني هذه القصة لم تستكمل شروط الصحة، يعني عندي على الأقل ما سمعتهاش.
هو عبد الناصر والسادات هم كانوا من الإخوان؟ نعم، وانفصلوا بعدين. مش انفصلوا تنظيميًا، يعني هم أخرجوا أنفسهم من التنظيم. عبد الناصر كان جزءًا من النظام الخاص وكان يدرب النظام الخاص وبايع على المصحف المسدس، والسادات نفسه، وهذا كلام فضلاً عما قاله هو، واعترفت به بعد ذلك جيهان السادات في «شاهد على العصر» مع أحمد منصور، أنه السادات كان يرعى أولاد وأهل حسن البنا لما كان مطاردًا من قبل السلطة المصرية.
ونعم، وعلى فكرة السادات لم يتكلم أبدًا عن البنا بسوء فيما أعرف، السادات كان محافظًا على قصة حسن البنا وعلى فكره. وعبد الناصر بعد ما نجحت الثورة وقف على قبر البنا يدعو له ويقول له: «سننتقم لك ممن اغتالك»، وأعاد فتح التحقيق في حادثة حسن البنا وعوقب من اغتالوا حسن البنا، لكن في عصر بعد انقلاب ٥٢ بعد إزاحة الملكية، اللي اغتالوا عرفوا، لكن التحقيق حُفظ أيام الملك ثم أعيد فتح التحقيق بعد ذلك بعد أن نُزح الملك.
طيب برضه سريعًا أستاذ محمد، لماذا نقبل أن نتهم الدول والأنظمة بعبارة أنهم صنيعة الغرب، ولا نقبل نفس العبارة على الإسلاميين؟ والله سؤال ممتاز، هو أولًا نحن الآن في عصر التسريبات والاعترافات، مش في عصر الاستنتاجات والتحليلات، فأنا أستطيع أن آتي لك، لو هتديني مهلة آجي لك الحلقة اللي جاية ومعايا عدد كده من أقوال الغربيين عن كيفية صناعتهم ودعمهم للأنظمة، اعترافات، وأقدر أجيب ناس من الملوك والرؤساء العرب كيف كتبوا في مذكراتهم، هم كتبوا في مذكراتهم كيف دعمهم الأمريكان والإنجليز والإسرائيليين.
خلاص، هذه في خارج عالمنا العربي حقيقة لا يجادل فيها أحد، يعني الأنظمة دي الذين نصبوها ودعموها وحافظوا عليها هم الأجانب، هذه حقيقة لا يجادل فيها أحد. إنما الحركات الاجتماعية هذه لا يستطيع أحد صناعة حركة اجتماعية، هذا أمر فوق طاقة البشر. تستطيع السلطة أن تخترق جماعة أو أن توجه طريقها، لكن تصنع جماعة من العدم مش ممكن.
يعني هذا ما حصلش، على الأقل يعني من يستطيع أن يأتينا بحادثة جماعة مصنوعة فليأتِ بها، لكن هو لا يمكن. الذي يمكن أن يحدث هو أن في فلان الضال، يعني شيخ ضال مثلاً. يا سيدي أقرب حاجة زي «المداخلة»، شيخ يرى طاعة ولي الأمر ولو زنى وسرق ولاط وعمل كل حاجة، ده بيبقى أصلاً ضلال.
السلطة لما تلاقيه حلو ولذيذ ولطيف ويخدم أغراضنا، ده وسع له. لكن السلطة ما بتعرفش تعمل شيخ وتقول له: «خد الأدلة من القرآن وخد الأدلة من السنة وخد الأدلة من السيرة»، دي حاجة فوق طاقة السلطة، دي حاجة بيعرف يعملها الشيخ لوحده. فالشيخ اللي هو واصل لنتيجة تحب يعني تنفعنا، ده وسع له، قدمه، ارفع عه، اسبغ عليه، اجعل حوله هالة إعلامية، من انضم إليه وتتلمذ عليه، حاز مكانًا، اديله قدرة إنه يعرف يتوسط لفلان، يعرف يتوسط لعلان، يعرف يجيب هنا.
هذا هو شكل الآية، شكل الصناعة، يعني إن صحت أنها صناعة، لكنها حركة اجتماعية؛ حركة نشأت وسط الناس، وانضم إليها ناس، وقُتل في سبيلها ناس، وأنفق الناس عليهم.
أستاذ محمد، أنت حكيت لنا عن الجمعية الشرعية، وحكيت لنا عن أنصار السنة، وعندنا السلفيون طبعاً، وحزب التحرير، والجهاديين، والدعوة والتبليغ، وإلى غيرهم، والإخوان المسلمون؛ لماذا انتشروا هذا الانتشار الضخم في العالم؟ حتى في عبارة قرأتها -مش عارف بأي مجلة- تقول: «لو رفعت حجراً لوجدت شخصاً من الإخوان»، وتنسب إلى حسان عبد القدوس.
أولاً خليني أقول لك إنه كل هؤلاء منتشرون، لكن كل هؤلاء لم يكونوا قضية مثل قضية الإخوان. السلفيون منتشرون، وربما يكونون كتيار أوسع انتشاراً من الإخوان، والتبليغ عدد هائل وضخم برضه منتشرين، وكل جماعة بحسب ما أتيح لها من الاستقرار الأمني، ومن الأموال، ومن القدرة، ومن الشخصيات الموهوبة.
لماذا الإخوان صاروا قضية؟ لأن الصوفية منتشرون، لكن في انتشار يكون لذيذًا ولطيفًا مثل انتشار الصوفية؛ كلما قلت التكاليف. أنت عندما تكون موجوداً في جماعة عندها طقوسها الروحية اللذيذة؛ أكل وشرب وتمايل وذكر، شيء يشبع الروحانيات بدون تكاليف في الحياة، فهذه مظنة انتشارها أكبر، خصوصاً لما ينضم إليها واحد على فكرة الصوفية، وفيهم كثير من المجرمين، يعني على فكرة عادي جداً، وعندنا في مصر ممكن تلاقي ضباط أمن الدولة طالع من حفلة وداخل على الطريقة الصوفية، يحصل عادي جداً.
نحن لا نعمم، ففي صوفية كويسة ترتقي بالروح، لكن أريد أن أقول إن في قدر من المتعة الوجدانية الروحية التي لا يناظرها تكاليف عملية في واقع الحياة، هذه مظنة الانتشار. وما بتبقى قضية كبيرة وانتشارها أو كثرتها لا يؤرق السلطة ولا يؤرق الاحتلال.
أما السلفية العلمية، فهي علم وتعلم، وطالما على أهمية الموضوع، السلطة بتبقى خائفة من السلفية العلمية هذه؛ أنهم يصبحوا محض محضاضن للذين سيسألون بعد العلم: ما العمل؟ هنا ممكن هو يروح يضرب السلفية العلمية أو الجماعة العلمية السلفية أو غيرها؛ لأن هو رصد فيها أن في ناس دخلت عند الشيخ الفلاني تعرف الدين، الشيخ الفلاني جاوبهم عن الدين وعلمهم الدين، وما قال لهم ماذا يعملون، فترك الشيخ الفلاني وراح للإخوان، أو للجهاديين، أو لغيرهم.
فالسلفية العلمية بالنسبة لك إذا كنت تنظر إليها من جهة السلطة أو من جهة الجهاز الأمني، هي حاضنة للذين سيتحركون بعد ذلك. أحب ما على السلطة والأجهزة الأمنية أن تقعد سلفياً علمياً -أو غير سلفي علمي- في خانة العلم وتتخانق في المسائل القديمة، مثل الأسماء والصفات، والرد على المعتزلة، والرد على القدرية، والرد على الجهمية. ممكن تكون نافعاً عندما ترد على الروافض إذا كنت أنا كدولة عندي مشاكل مع إيران، فساعتها ينفع، لكن إذا رحت تقول: ما الذي يجب عمله؟ مثلاً هل سيكون عندنا قواعد أمريكية؟ ينفع ولا ما ينفعش؟ لا، هنا تضرب السلفية العلمية نفسها.
في قصة مشهورة وتكررت حتى مع بعض أصدقائنا، وهي أن ضابط الأمن بيكلم اللي قدامه فيقول له: «أنتم الإسلاميون كلكم فريق واحد، بس بعضكم واقف جون، وبعضكم خط دفاع، وبعضكم خط هجوم». يأتي الرجل بتاع التبليغ، الذي ليس له في السياسة خالص، فيأخذ الشاب من على القهوة يدخله المسجد، وهكذا تنتهي مهمته. ثم يأتي في المسجد ليجد شيخاً سلفياً، بعد أن يقول له الصلاة والزكاة والصيام والحج، يجيء ليكلمه في المسائل المهمة، فيجده لا يعطي له إجابة، فيذهب ناقلاً عنه إلى الإخوان، الذين يقولون له: «تعالَ إذن، كيف نستأنف العمل للإسلام من جديد؟».
يذهب ليعلمهم التنظيم، ويعلمهم الحركة، ويعلمهم التجميع، ويعلمهم الانتشار وسط الناس. فإذا سألهم: ماذا سنعمل يا جماعة الإخوان؟ يقول لك: نحن مثلاً منتظرون الفرج، أو إن شاء الله الجيل القادم، فما ينفع معه إجابة الإخوان، يذهب إلى الجهاديين ويقول له: تعالَ، أنت عرفت الإسلام وعرفت الدين، وعرفت أننا نستأنف الحياة الإسلامية، الآن هيا بنا نجاهد! فيقول: «أنتم كلكم فريق واحد ولكن موزعين الأدوار».
هكذا يرى -باليقين- الإسلاميون، لكن في الحقيقة الإسلاميين قلوبهم مختلفة بين هذه الجماعات وبين بعضها البعض، «ما صنع الحداد»؛ فاذكر حديث: «ولا يجعل باأسهم بينهم شديداً». لكنهم عندما ترقى لتنظر إلى الصراع الحضاري، فالصراع الحضاري والمحتل الغربي وكذلك السلطة المحلية يرون أن هؤلاء خطر وكلهم مع بعض كأنهم شيء واحد. انظر ما بين السنة والشيعة من خلاف وما بينهما من حروب ومجازر، لكن الغربي لا يراهم إلا مسلمين مع بعض، فينفع أن يستثمر في هذا الخلاف، وينفع أن يستفيد منه ويحرضهم بعضهم على بعض، مثلما تجد الجهاز الأمني يحرض السلفي على الإخواني، ويحرض الإخواني على الجهادي. لكنه في النهاية شايفهم كلهم أعداء وأنهم طرف واحد، ويريد أن يضرب بعضهم ببعض.
نرجع للسؤال: لماذا انتشرت؟ انتشرت لأنها كانت الإجابة العملية على سؤال: كيف يمكن استئناف الحياة الإسلامية؟ وهو السؤال الكبير للأمة، واستئنافها بعد سقوط الخلافة؛ ماذا نعمل؟ أنت تذهب للجماعات الأخرى أو التيارات الأخرى، وأنا أرجع وأقول إنهم منتشرون، لكنني أتكلم الآن عن انتشار الإخوان في وسط الحالة الحركية العملية.
عندما تذهب مثلاً لجماعة الدعوة والتبليغ، تقول: أنا أحببت الدين يا جماعة، أنتم فعلاً أنقذتموني من القهوة ومن الكباري، أنا أحببت الدين، ماذا أفعل في سبيل الدين؟ الدنيا كلها فساد، والحلاوة التي شعرت بها في الدين هذه أريد أن أنقلها لكل الناس. الأخ في جماعة الدعوة والتبليغ ليس عنده إجابة أخرى، ليس عنده مرحلة ينقلك فيها إلى إجابة أخرى؛ مهمته أن يأتي بالناس العصاة يعرفهم على طريق المساجد ويزكيهم روحياً ونفسياً، فكل من لديه طاقة عملية إما أن يكرر حركة الدعوة والتبليغ ويبدأ هو أيضاً يجلب الناس، أو ينتقل من هذه الحالة إلى حالة تغييرية يحب أن تسود.
تروح للسلفية العلمية، هتلاقي السلفية العلمية بتطرح لك طريق أنت ترى أوله ولا ترى آخره. أنا دلوقتي بتكلم بالنسبة للي عايز يشتغل، اللي بيفكر يعمل إزاي يستأنف الحياة الإسلامية؟ السلفية بتطرح فكرة بتقول إن هذه الأمة ضلت وانحرفت ونكبت وهزمت لعدد من الأمراض والمشاكل. والمشاكل دي وقت ما نفنطها كده ونرجع ندورها ونشوف أصلها إيه، هنلاقي أصلها الانحراف عن العلم الذي جاء به الرسول ﷺ، القرآن والسنة.
يبقى أول حاجة نعملها إيه؟ طلب العلم. يلا هيا بنا على القرآن وهيا بنا على السنة، ونقعد بقى نفتح مجالس في المساجد. طبعاً أنا بقول كل ده مهم، مش بقول إنه مش مهم، لكن هنفتح مجالس في المساجد. العلم كعلم لا ينتهي، أنت بتفضل عمرك كله وفي الآخر تلاقي نفسك كلما ازدت علماً زادني علماً بجهلي.
فتدخل بقى في التفسير، تدخل في الحديث، تدخل في الأسانيد، تدخل في الفقه وفي أصول الفقه؛ مهما دخلت بتلاقي نفسك دخلت في طريق أنت ترى أوله ولا ترى آخره. يعني يا جماعة لو كلنا بقينا علماء -وده مش ممكن يحصل- هنعمل إيه؟ يقول لك شوف أنت أصلح نفسك وتعلم العلم الصحيح، وبعدين ربنا هينزل النصر؛ ما فيش طريق واضح إلى "كيف".
فالإنسان الحركي اللي مواهبه لا تنسجم مع النمو العلمي والتبحر في العلم، بيجي عند اللحظة دي وبيلاقي نفسه فاقد الإجابة على سؤال "كيف العمل؟ ماذا نعمل؟". السلفية عملوا لنا سلفية جهادية، وهنا بقى كملنا. وقفنا عند مرحلة السلفية دي وهنشوف هيحصل إيه.
لما الإنسان اللي عايز يتحرك ده بقى حقيقة بيجد في كتب الإخوان وفي مناهجهم الطريقة إلى إعادة استئناف الحياة الإسلامية. أنا أحكي لك تجربة شخصية مررت أنا بها؛ أنا أول ما بدأت بدأت سلفياً، فالكتب اللي كانت موجودة -والشخص الذي هداه الله لي كان سلفياً- فبتشرب بسرعة وبتقرأ بسرعة الكتب والكتيبات والمطويات والكلام ده، واستويت خلقاً جديداً؛ بقى شايف الدين كله لحية ونقاب وحجاب، هو ده الدين تماماً.
إلى أن وقع بيدي ذات مرة كتاب «فتاوى معاصرة» للشيخ القرضاوي رحمه الله. هذا الكتاب هو سبب تغيير حياتي حقيقة، مع أنه كتاب فتاوى، ولا هو كتاب في الحركة، ولا هو كتاب في السياسة، بس ما الجديد في هذا الكتاب؟ الجديد في هذا الكتاب أنني أبصرت أن الإسلام مش مجرد ثوب قصير أو لحية أو نقاب، لا؛ الإسلام يجب أن يكون موجوداً في المعاملات المالية، في البنوك، في العالم، في العلاقات الدولية.
فتح آفاقاً جديدة، والفتوى مش مجرد حرام وحلال كما تقرأها في المختصرات السلفية، لا؛ ده في تفصيل وتطويل وفي علم شديد وكثير، والآية والحديث الواحد عملت عليها عشرات وآلاف العقول حتى استخرجت منها ومازجت بينها وبين أدلة أخرى. فمن هنا بدأت التهم؛ كتب الشيخ القرضاوي رحمه الله.
والقرضاوي تقدر تقول إنه أحد أعلام الصحوة الإسلامية في قرنها العشرين، الرجل الذي أنفق حياته كلها ليجيب على سؤال: كيف يمكن إحياء الدنيا بالإسلام من جديد؟ فكتب: «المجتمع الإسلامي الذي ننشده»، «ملامح المجتمع الإسلامي الذي ننشده»، كتاب مهم جداً، «كتب الإيمان والحياة»، كتاب مهم جداً، «من فقه الدولة في الإسلام»، كتاب مهم، «رعاية البيئة في الشريعة الإسلامية»، شوف وصل حتى رعاية البيئة وأحكام اللهو والغناء.
«الصحوة الإسلامية» سلسلة من كتب الشيخ القرضاوي: «الصحوة الإسلامية وقضاياها»، «الصحوة الإسلامية: من التفرق المذموم إلى الاختلاف المشروع»، «الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم»، «الصحوة الإسلامية وهموم العالم العربي والإسلامي»، «الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد»، «أمتنا بين قرنين». يعني أنا بقول القرضاوي علم غير كثير؛ هذه إجابة مفصلة وسديدة لكيف يمكن أن نصلح هذا العالم بالإسلام.
هنا بتلاقي الجماعة اللي عايزين يتحركوا راحوا سكة الإخوان لو لم يناسبهم التبحر العلمي. عند سكة الإخوان -وكما قلت لك كل بلد كان فيها تنويعات وكان فيها تجارب مختلفة- ففي بلاد كانت فاتحة للإخوان مساحة؛ فانت مثلاً بتكسب في الانتخابات أو ممكن يبقى عندك وزير أو اثنين، أو أحياناً ممكن تشكل الحكومة. الطريق ده طول ما هو مفتوح، غالب الحركيين موجودين في الإخوان يأملون أن يصلوا إلى مبتغاهم بطريق سلمي ولطيف وحضاري، والنظام اللي عندنا مش نظام متوحش ولا جائر.
وفي التجارب اللي اتسدت فيها الطريق أمام الإخوان، انتقل غالب الحركيين إلى الجهاديين لأن الطريق مسدود. يعني أنت اديك مثال بأقرب حاجة، الحالة في مصر مثلاً؛ شوف الإخوان شغالين بقى لهم في مصر 70 أو 80 سنة، ودخلوا النقابات، انتشروا سلمياً، التزموا بالقانون، اتفتحت انتخابات، دخلوا انتخابات ووصلوا للرئاسة، تمام؛ حصل انقلاب عسكري، يبقى رأينا أن جهد السنين ممكن يتشطب بدبابة وقلم. دبابة راحت وأخذت الرئيس، وقلم كتب تعطيل العمل بالدستور.
بعد كل هذا المجهود، إذا الموضوع بيخلص بالدبابات، يبقى إحنا قاعدين نشتغل أعمال سياسية ليه؟ ولذلك لما جاءت أو خرجت حركة داعش، تنظيم الدولة على ما فيهم من غلو شديد، لما خرجت في تلك اللحظة تدفق إليها الناس لأنها جاءت في وقت بدأ فيه فشل كل المحاولات السياسية السلمية.
يعني لما انتصر الإخوان في مصر، لما حصلت الثورة السلمية في مصر 2011 ووصل بها الإخوان إلى الحكم، أنا عايز أقول لك نضبت كثير من الموارد الجهادية؛ لأنه يا جماعة اتضح أن الثورة السلمية بتنفع وبتنجح. لما كسرت وأخمدت الثورة السلمية، نضبت موارد الإخوان والسلفيين وذهبت إلى انتعشت الحالة الجهادية.
فبالنهاية الحركات الإسلامية كلها أسست وبنيت على فكرة: كيف يمكن استئناف الحياة الإسلامية وإعادة الحياة الإسلامية؟ وبعد ذلك وقعت بين الجميع خلافات في التقدير، وخلافات في التأصيل، وخلافات في التنزيل. لكن الذي جعل جماعة الإخوان تنتشر كل هذا الانتشار أنها أكملت الإجابة عن السؤال الذي هو "كيف"، وجاء كذلك من الظروف التاريخية ما جعل لها وجوداً في عدد كبير من الدول.
يعني صحيح في مرحلة سحق حصلت في مصر، حصلت في سوريا، حصلت في العراق، لكن في مراحل احتواء وانتشار حصلت في الأردن، حصلت في دول الخليج العربي، حصلت في المغرب مثلاً، وبعدين حصلت في مصر مع عهد السادات ومبارك، ما حصلش سحق ناصري؛ كل ده أبقى الجماعة قادرة على الحياة. وصحيح مما أبقاها على الحياة أيضاً خروج الجهاديين؛ لأنه لما بقى في جهاديين بقت الدولة مشغولة بمكافحة هؤلاء الجهاديين، فبقت إما سايبة وإما بتدعم -يعني تسمح بالانتشار- للإخوان المسلمين.
باعتبارهم أقل خطرا عليها من الجهاديين، ففي هذه الحالات، حالات الأمن والاتساع النسبي، بقيت الإخوان أكبر وأطول عمرا من غيرها، وتوفر لها من الظروف ما يزال. وبرضا مما أطال في عمر الإخوان، أن الناس اللي موجودة في دول مستقرة، زي مثلا الجاليات الإسلامية في الغرب أو الدول التي فيها تجربة ديمقراطية حقيقية زي حالة تركيا.
المدونة الإخوانية هي أنسب المدونات لاستئناف الحياة الإسلامية. أنت لما تفتح كتب السلفيين تلاقي غالبها علم شرعي داخل الحالة الإسلامية، يعني واحد بيناقش داخل الحالة الإسلامية التفسير، الحديث، الرد على الفرق والنحل؛ هذا غالب المدونة السلفية. لما تروح للجهاديين هتلاقي غالب المدونة الجهادية مدونة قتالية وأمنية، يعني التراث اللي أنتجوه بطبيعتهم، أنا مش بقول كده نقدا لده ولا لده، لكن أغلب الذي أنتجوه في فكرتهم.
الناس اللي قاعدة في دول مستقرة، وبالذات لو قاعدين في الغرب أو في دول متغربة، أنسب الإنتاج الفكري الذي يناسبهم في حياتهم هو إنتاج الإخوان المسلمين، فذلك أيضا ما جعل مشايخ الإخوان ومدارس الإخوان تنتشر انتشارا هائلا في الغرب؛ لأنه الإجابة الأنسب. الرجل اللي قاعد في هولندا، أو قاعد في ألمانيا، أو قاعد في أمريكا، مش هيروح يفتح كتب سلفية علشان يعرف حكم الموسيقى ولا حكم النقاب، هو البيئة اللي عنده خلاف البيئة اللي الأخ السلفي ده بيناقشها، أو ما عندهوش أضرحة بيطوف حواليها مثلا، وما عندهوش يا سيدي إمكانية يمسك كتب الجماعة الجهادية.
فالإمكانية الوحيدة لإصلاح مجتمعات هؤلاء الناس هي التي يجدها عند السلفيين، وهذا ما أتاح وجود مراكز إخوانية وتنقل مشايخ الإخوان في شرق العالم وغربه، أقاموا جهدا عظيما لا شك. ويمكن التجربة الإصلاحية كمان من أهم أسباب انتشارهم لأنهم هم نزلوا للشارع وبدأوا يخدموا الناس بشكل لائق، ويقدموا خدمات متنوعة: دينية، وثقافية، ومعرفية، وعلمية، وكفالات أيتام، وتحفيظ وتخريج حفظة، وهو شيء ليس عاديا، وبنيت مؤسسات ضخمة.
هذا صحيح، ولكن خطورة أو مشكلة أو خصيصة الإخوان في هذا أنه كان له انعكاس سياسي. وإلا فالسلفيين بيقدموا كتير، وبتوع الجمعية الشرعية بيقدموا كتير، وبتوع أنصار السنة المحمدية بيقدموا كتير، وحتى الناس الأغنياء في الصوفية بيقدموا كتير. ليه الأنظار متركزة على ما يعطيه الإخوان؟ لأنه ما يعطيه الإخوان للناس يكون حولهم حاضنة شعبية تؤدي إلى نتيجة سياسية. تلاقي الرجل اللي قاعد في قناة السلطة، أو حتى الرجل الأمني اللي قاعد في مكتب السلطة، مش مهتم باللي بيقدمه السلفي للناس مع أنه بيقدم، مش مهتم باللي بيقدموه بتوع الجمعية الشرعية للناس مع أنه بيقدم، مهتم باللي بيقدمه الإخوان؛ ليه يا عم الشيخ؟ لأن الإخوان دول ما يقدمونه قد ينعكس سياسيا.
أستاذ محمد، ترى هذا كل اللي حكيته كان استطراد. احنا قلنا حسن البنا توفي وصار عندنا نقطة تحول كبرى وكنت بدك تكمل، رحت أنا داخل عليك بشوية شبهات وما عرفنا نرجع. توفي حسن البنا وصار لنا نقطة تحول كبرى، والتحول الأكبر في أنه جاء بعد حسن البنا العصر الناصري. العصر الناصري ده كان عصرا ساحقا وقاهرا لكل القوى الإسلامية، ومن أول من سحقوا وقهروا هم الإخوان المسلمون.
لما قُهر الإخوان المسلمون، هتبدأ هنا تظهر بذرة الجماعات الجهادية وتظهر كذلك بذرة الغلو، وهذا الكلام سيأخذ آفاقه وحرارته مع إعدام سيد قطب عام 1966. أنا قلت لك قبل شوية طول ما الإخوان أمورهم ماشية فالناس فهم الإخوان مستهلكين الطاقة بتاعة الحركيين، طيب الإخوان راحوا وقعوا في حارة، دخلوا في حيطة سد أو وقعوا في حفرة؛ حفرة النظام. يبدأ الناس، سواء من أنصارهم وأتباعهم أو ممن يحيط بالحالة الإسلامية، يقولون السكة دي مش جايبة نتيجة.
فلذلك تبدأ الحالة الجهادية من سنة 58 كده، اللي هو تنظيم الجهاد، يبدأ بواحد اسمه نبيل البرعي، هيتعرف على كتب ابن تيمية، هيبقى شايف أن الجماعة اللي هم كانوا شغالين وماشيين سلميا، وكانوا الشعبية الأولى، ضُربوا وأخذت منهم السلطة التي هم كانوا أحق الناس بها باعتبارهم الشعبية الأولى، ضُربوا وقُهروا وسجنوا ودلوقتي بيتعذبوا في السجون. وهيبدأ نبيل البرعي ده يكون خلايا على مدى بطيء في خلال الستينات، إلى أن تبدأ تظهر الحالة الجهادية في السبعينات في مصر.
لكن وهو ماشي ومكمل كده هيحصل حاجة ثانية؛ بقايا من الإخوان المسلمين التنظيم، يعني بقايا من الناس اللي لسه ما اضربوا سيلف، فحولوا حول سيد قطب؛ حالة هائلة. الأستاذ أو المستشار طارق البشري رحمه الله كان بيقول إن اللي هيقرأ لحسن البنا وهيقرأ لسيد قطب هيشوف حسن البنا فلاح ينثر الحب ويحرث الأرض ويهيئ الدنيا للزرع ويدعو الناس، حسن البنا خطابه منفتح دعوي جميل: «تعالوا، هلموا» وكده، لكن سيد قطب -كما يقول البشري- كالمقاتل يحفر الخنادق، يبني الحصون، ويحكم التحصينات ونحو هذا الكلام.
بعض الناس -وأتفهم قولهم- يرون أنه حسن البنا حاجة وسيد قطب حاجة، وبعضهم يرى أن سيد قطب انقلاب على حسن البنا. أتفهم كلامهم، لكن الذي أراه أنه حسن البنا وسيد قطب شيء واحد، بل سيد قطب امتداد لحسن البنا. ليه بقى؟ الفرق أنه حسن البنا كان شغال في مجتمع فيه حرية، وسيد قطب كان يشتغل في مجتمع لا حرية فيه.
طبعا سيد قطب ده عقلية هائلة، يعني عقل هائل. الذي يقول إن سيد قطب جاهل وسيد قطب ما عنده علم شرعي، هذا على نياته، مش هرد، اتركه، اتركه، مشكلة، سامحوا سامحوا. إنما سيد قطب حفظ القرآن قديما، وهو درس في دار العلوم، وكان قبل أن يتحول إلى الحالة الإسلامية أديباً بازغاً، أديب من الطبقة الأولى في الأدباء المصريين. عقل ثقيل الرجل ده، لما دخل إلى الفكر الإسلامي وكتب كتبه وبالذات في «في ظلال القرآن». هو كان مر بفترة -يسميها فترة مظلمة في حياته- لكنها كانت قصيرة، لكن هو نشأ في بيت متدين، وفي مذكراته -وهذه كتبها قبل ما يتحول للفكر الإسلامي- طفل من القرية يعبر عن بيت متدين وحفظ القرآن صغيرا، وقبل أن يتحول إلى الفكر الإسلامي كتب «التصوير الفني في القرآن» من وجهة نظر أدبية. لكن دلوقتي سيد قطب بعد ما تعرف على الإخوان المسلمين وبعدما صار منهم وشخصية...
أنا أقول لك إنه عقل ثقيل وشخصية حرة، ولك أن تتخيل أن مصر التي كانت تفور وتمور بالأدباء والمفكرين، كبتهم عبد الناصر جميعًا. الناس الذين كانوا يعرفون كيف يناطحون الملك، سكتوا جميعًا في أيام عبد الناصر، وبعضهم نافق، إلا سيد قطب كشخصية فولاذية صلبة.
خذ عندك شخصية فولاذية بهذه الصلابة، وعقل بهذا الثقل، وقلم أديب بهذه الروعة يكتب في القرآن الكريم وفي الأحوال الإسلامية في ظل حريات صفر، فخرجت كتبه كبركان يحرك المشاعر الإسلامية. تقرأ في "ظلال القرآن"، وظلال القرآن هذا ينزعك.
أتذكر شيخنا الشيخ محمد الصغير يكلمني عن شيخ أزهري درس عنده، يقول لي: "نحن ساعات كنا نختبر المشايخ من خلال أسئلة، آتي لأقول لواحد: يا مولانا ما رأيك في تفسير الظلال؟"؛ طبعًا هو تفسير، وكأنه يسأله عن أستاذ، فيقول له: "أنا لا أحب أن أقرأ لهذا الرجل، الرجل هذا أول ما أقرأ له أحس أنه يقول لي: قم اتحرك!".
الذي يقرأ في "ظلال القرآن" ويقرأ هذا الدين والمستقبل لهذا الدين، يجد نفسه أمام طاقة حرارية هائلة. أنا أقول لك عقل وقلم أديب، سيد قطب هائل، فسيد قطب هذا ختم له بالشهادة وبالإعدام. لو كنت تكتب مسلسلًا دراميًا، وأردت أن أقول لك: لو كان في واحد يفهم بربع جنيه في مصر في ذلك الوقت، ما كان سمح بإعدام سيد قطب، لكنه النظام الناصري لشدة بطشه أراد أن يختم سيد قطب بالخاتمة التي ستجعله خالدًا في الآخرين والتي تليق به.
هو وضع له النهاية الدرامية التي تفجر كل هذه الطاقة الحرارية التي في "الظلال". قال له عبد الناصر: "اعتذر لي لأخرجك"، فترى عندما تقول له شخصًا "اعتذر لي"، يروح يقول لك: «إن أصبح السباب الذي يشهد لله سبع عشرة مرة في اليوم ليأبى أن يكتب كلمة في مدح ظالم، إن سجنت للحق فإنا أرضى بالحق، وإن سجنت للباطل فإنا أرفع من أن أسترحم الباطل». ما رأيك في هذه النهاية الدرامية لو كان أحد يكتب رواية أو يعمل مسلسلًا؟ يا سلام، قوية!
الاسلاميون بعد إعدام سيد قطب أحيا تراثه وملأوا به. وكان هذا هو الوضع في بيئة ما فيها حرية، فالتقى هذا مع الحالة الجهادية التي بدأت تتكون. ومعنا شيء ثالث، وهو أن العنف الناصري، وكذلك العنف البعثي الذي سيكون في سوريا وبعده في العراق، أنتج وجعل كثيرًا من المعسكر السلمي والسياسي يكفر بها، حتى لو لم يتحرك للحركة الجهادية، لكن جعل كثيرًا ينتقل أيضًا إلى الغلو.
مثلاً، أقول لك على شيء: شاعر مصري يقول: «المجد للشيطان معبود العدم، من قال لا في وجه من قالوا نعم»، أنت تلاحظ الكفر. وواحد مثلاً يمدح صدام حسين يقول له: «تبارك وجهك الخلاق فينا، كوجه الله ينضح بالجلال»، استغفر الله، هذا كفر. وناقد الكفر ليس بكافر، عندما قلت: «هبوني عيدًا يجعل العرب أمة، وسيروا بجثماني على دين برهمي، سلام على كفر يوحد بيننا، وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمي». واحد مسجون ممكن يكون جاء غلط في السجن يقول: "يا الله يا رب"، فيقول له مدير السجن الحربي: "هات ربك هذا وأنا أضعه في الزنزانة التي بجانبك".
هذا الضغط الشيوعي والضغط الكفري الذي كان حاصلًا جعل كثيرًا من الناس يكفر بكل سياق سياسي وسلمي وإصلاحي، وجعل كثيرًا من الناس ينحو منحى الغلو والتوسع في التكفير حتى يشمل به عموم الناس. ففي السجون الناصرية بدأت جماعة التكفير والهجرة، بدأت منها هنا.
مات عبد الناصر سنة 1970، لكنه مات بعدما أخذ ضربة قاصمة سنة 1967، فنُكبت الناصرية والقومية العربية معًا، فحصلت صحوة إسلامية. هذه الصحوة الإسلامية وجدت في تراث الإخوان وفي النهاية الدرامية الملحمية بتاعة سيد قطب، ووجدت ما يوجهها إلى أن تظهر الحالة الجهادية.
ظهرت الحالة الجهادية عبر أكثر من مسار، ومن تفرع مسار منهم -كما قلت لك نبيل البرعي- الذي بدأ سنة 1958 يكون خلايا في القاهرة والجيزة والإسكندرية. هؤلاء الجماعة دخلوا في سنة 1973، أيام الحرب، حيث حصل التقاء بينهم وبين بعض الناس في الجيش المصري، واحد اسمه عصام القمري، وبعد فترة التقوا بشخص اسمه صالح سرية كان فلسطينيًا جاء يعمل في الجامعة العربية، وبدأت منها عملية مشهورة في مصر اسمها "العملية الفنية العسكرية"، أول محاولة متواضعة لقلب نظام الحكم، فشلت العملية وأعدم الذين شاركوا فيها.
هذه كانت بذرة أن الجماعات السلميين والسياسيين لا يعرفون كيف يفعلون شيئًا، فليس هناك فرصة لأي سياسة. وكيف نصل إلى هذا الحكم أو هذا الإفساد؟ السلطة. عبد الناصر لم يكن مجرد عسكري معه دبابة يأخذ بها السلطة، بل إن نجاح عبد الناصر في الانقلاب وسحقه للإسلاميين ألهم ذلك الجيل بأن هذا هو الطريق.
هذه السكة ستوصل فيما بعد لتكوين تنظيم الجهادي الذي سيكون منه أيمن الظواهري، الذي سيكون نائب القادة، ثم يشتبك مع حالة سعودية آتية في سياق مختلف وتلتقي في أفغانستان لتعمل الجهاد العالمي، ويسبقه قبل ذلك عبد الله عزام والحالات المشابهة. وهذا الشيء جعل الناس تحكي أن الإخوان هم القاعدة، وبعضهم يقول إن لهم فرعًا "دواعش".
الكلمة التي يصح أن يقال إن الإخوان كانت العباءة أو الأم التي خرجت من تحتها هذه الجماعات، بعض الناس يقولها ليتهم الإخوان، وبعض الناس يقولها ليبرئ الإخوان؛ بمعنى أنكم كجماعة لم تمارسوا العنف، لكن أفكاركم ومحاضنكم وبعض الموجود في كتب الغزالي والقرضاوي وسيد قطب وسعيد حوا، هو الذي يذهب لعمل التفاعل الطبيعي الذي يخرج جهاديين، بينما يقول آخرون: لا والله، هؤلاء جماعة لا علاقة لهم بهؤلاء.
دول خرجوا منهم، لم يجدوا فيهم ما يساعدهم فيما يحبون. الجماعة تنفي خبثها تمامًا، لكن على هذا المعنى الخلاصة الآن أنه أصبح يظهر عندنا حالة جهادية مستلهمة من أن الحالات السلمية لم تؤدِ إلى نتيجة، وأن الذين حكموا حكموا بالدبابات، وبالتالي فهذا هو الطريق.
هم رتبوا أفكارهم وتأصيلهم على أي أساس؟ هنا يحصل افتراق بين الإخوان وبين الجهاديين في هذه النقطة. الإخوان مع الضربة الناصرية، والدرس الذي خرجوا به منها أنه أي مواجهة مع الدولة خاسرة، وبالتالي نحن إصلاحيون سلميون متدرجون. ولكي يؤصلوا هذا الأمر، يقولون هؤلاء الحكام الذين يحكمون هم حكام مسلمون، والدعوة تجدي معهم، فنحن تحت نظام حكم إسلامي، الحاكم مسلم، الدعوة تجدي معه، يلا نتوكل على الله نكمل دعوة، وما يتاح لنا ندخل فيه؛ أتيح لنا نعمل جريدة، أتيح لنا نعمل نقابة، أتيح لنا نعمل قناة تلفزيونية، ونتكلم في المساجد، فدي سكة الإخوان.
السكة الثانية كانت تقول: لا يا جماعة، هذه ليست أنظمة مسلمة، حتى لو كان أفرادها مسلمين، فهذا موضوع ثاني، لكن هذه أنظمة خالفت الإسلام وطاردت الإسلام، وهي تسمح بالكفر والتعري كما ترون. وكمان هذه الأنظمة ليست فقط سمحت بالكفر والتعري وطاردت الإسلاميين، بل هي أنظمة جاء بها المحتل الأجنبي، فنحن في حقيقة الأمر محتلون، وبالتالي فالأنظمة هذه ليست أنظمة مسلمة ولن يفلح معها ولا تجدي معها الدعوة ولا البيان ولا الإصلاح المتدرج، وإنما يجدي معها القضاء عليها أو إسقاطها؛ هذه سكة الجهاديين.
واختلفوا بينهم مشاكل وهكذا. نحن الآن نحكي عن لماذا اختلف الإسلاميون؟ دخلنا في لماذا اختلف الإسلاميون، وأنا أحكي الآن عن الانفصال الذي حصل بين الإخوان وبين الجهاديين في هذه المرحلة. الجهاديون هؤلاء سيدخل عليهم طرف ثالث، وهو الصحوة الإسلامية التي حصلت في السبعينات، والتي ما تزال بالنسبة لي ملغزة؛ لا تشعر أن هناك مجهودًا أدى إلى كل هذا الانتشار. وحصلت مش بس في مصر، بل في كثير من العالم؛ في السعودية برضه مناظرة، وفي تركيا، وفي إيران، وفي أفغانستان، كل هذا موجود.
الصحوة التي في مصر انقسمت إلى ثلاثة فروع: فرع احتواه الإخوان الخارجون من السجون، وفرع احتواه السلفيون؛ لأن عندك في السبعينات طفرة نفطية، وكثير من المصريين هاجروا إلى السعودية، والسعودية كانت تنفق إنفاقًا هائلاً على الكتب السلفية وتوزيعها، فكانت هناك حالة سلفية مهيمنة، ففي عندك شوية راحوا للإخوان وشوية راحوا للسلفيين، وفي شوية عملوا الجماعة الإسلامية.
الجماعة الإسلامية هي حركة دعوية في الأساس، لكنها حركة دعوية مستلهمة أيضًا أنه لا بد من وجود دعوة، ولا بد للحركة أن يكون لها قدر من الحماية الذاتية، ما ينفعش تكون حركة دعوية وتترك نفسك لكي يضربوك في أي وقت. لكن هذه الجماعة الإسلامية أدخلها النظام المصري سريعًا في مواجهة عنيفة، فبقى عندنا الحالة الجهادية فيها فرعان: فرع ناس سريين جدًا يخططون لانقلاب عسكري، وفرع ناس دعويين في دماغهم ثورة شعبية مثل التي حصلت في إيران.
هذه سكة، وهذه سكة. سكة الجهاديين هؤلاء عامة لا يهجدهم بعمل أمني؛ خليه يكتشف الخلية، تجيب الخلية التي بعدها، تجيب الخلية التي بعدها، فيحصل الضرب. لكن هؤلاء لما تحولوا، من غير ترتيب ولا تدبير ولا استعداد، من العمل العام العلني الدعوي المفتوح إلى المواجهة العسكرية، أجهز عليهم عسكريًا، خاصة ونحن أعود وأقول في ظل أنظمة هي بالأساس مدعومة من القوى الغربية.
هكذا يا عم الشيخ، هكذا أصبحت خريطة العمل الإسلامي فيها كل أنواع الاستجابات؛ من أول الدعوة والتبليغ -ونحن كل غرضنا نجلب الرجل من الكباريه أو من القهوة لندخله الجامع- لغاية الذي يبحث عن أستاذية العالم، إلى الانقلاب العسكري. طبعًا كما أقول لك، الحالة المصرية تفاعلت مع حالات دولية وحالات أوسع من الحالة المصرية.
أنت حكيت لنا عن كيف افترق الإخوان والجهاديون، وبعد ذلك كيف افترق العلميون والحركيون؟ والحركيون هؤلاء افترقوا أيضًا، صح؟ العلميون والحركيون، الآن قلنا إن مسألة هذه الأنظمة، هل هي مسلمة أم لا، وهل يمكن مواجهتها بالدعوة أم بالتغيير، هذا سؤال افترق عنده الإخوان والجهاديون، والاثنان حركيون يعملون على الأرض.
لكن الحركيين اختلفوا في ماذا مع العلميين؟ العلميون قاعدون يعلمون الناس وينتظرون الفرج؛ من هم العلميون؟ سلفية علمية دعوية، علماء أزهريون أو غير أزهريين، ناس قاعدون يعلمون وخلاص، وليس عندهم خطة أو تصور كيف سننتقل من محاضن الدرس العلمي إلى أستاذية العالم أو إلى الخلافة أو إلى استئناف الحياة الإسلامية، نحن نعمل ولما يرى الله فينا خيرًا ينزل علينا نصرًا أو يبعث فينا قائدًا أو يهيئ الظروف ونحو ذلك، فهذه المنطقة التي اختلف عندها العلميون والحركيون.
وبرضه داخل كل هؤلاء أنواع من الخلاف، لكن الذي أريد أن أؤكد عليه أن كل الحركة التي نحكيها هي حركة أمة مقاومة مناضلة، لكن جهاتها مختلفة في التوقيت أو في التأصيل أو في التنزيل. مثلاً الحالة السلفية التي أشرت إلى أنه خرج منها سلفيون جهاديون، هؤلاء مختلفون في ماذا؟ المفترض أن أصولهم الفكرية واحدة، والمفترض أن مدوناتهم التي يقرؤون منها واحدة، هؤلاء اختلفوا في التنزيل.
مثلاً ابن تيمية يعظمه السلفيون جميعًا، وطالب ابن تيمية قاتل التتار أيام محمود غازان، فاكر عندما تكلمنا عن دولة المماليك؟ قلنا إن ابن تيمية واجه وضعًا مركبًا؛ المماليك أعلنوا أنهم أسلموا، وغازان سمى نفسه السلطان محمود غازان، لكنه أسلم إسلام تدين شخصي بدون حركة أو بدون وجود للشريعة في بلادهم، فهم شغالون بدستور جنكيز خان، النصارى مثل المسلمين مثل اليهود مثل أي أحد. ابن تيمية سمى هؤلاء، لم يقبل بإسلامهم، سماهم "طائفة ممتنعة" بشوكة، أي طائفة تدعي الإسلام أو على الأقل عندها إسلام لكن لا تقيم الشعائر الواجبة ولديها قوة. طيب نعمل ماذا يا أستاذ ابن تيمية؟ هؤلاء يقاتلون، يقاتلون سواء على مستوى الردة لأنهم تركوا الشعائر الواجبة، أو على الأقل على مستوى أنهم لا يؤدونها، والتفصيل ليس مهمًا الآن.
السلفي العلمي يرى أن كلام ابن تيمية عن التتار وعن...
الطائفة الممتنعة دول مش موجودين دلوقتي، خلاص مش موجودين. إحنا الحمد لله حكامنا مسلمين، التوحيد موجود، اللي عايز يصلي يصلي واللي عايز يصوم يصوم. دول كانوا الطائفة الممتنعة أيام ابن تيمية، السلف الجهادي يرى أن هؤلاء هم الطائفة الممتنعة؛ هم الذين موجودون الآن بالضبط؛ ناس يقول لك: إحنا مسلمين والبلد ما فيهاش شريعة مطبقة، إحنا مسلمين وبياخدوا ضرائب وما بيشفعوش الزكاة، إحنا مسلمين اللي عايز يصلي يصلي واللي مش عايز يصلي عنه، إحنا مسلمين والدنيا مراقص وأغاني.
هؤلاء هم الطائفة الممتنعة الذين رأى ابن تيمية -أو أفتى ابن تيمية- بأنهم يقاتلون. شوف، هو نفس الإمام ونفس التأصيل، لكن اختلفوا فين في التنزيل. هل الطائفة الممتنعة هؤلاء بشوكة، ولا دول الحكام المسلمين الموحدين اللي فيهم بعض الجور؟ لأن ابن تيمية نفسه كان يمنع الخروج على المماليك، سبحان الله.
لماذا يمنع الخروج على المماليك؟ تقرأ عند ابن تيمية قال لك: «هؤلاء هم عمود الإسلام»، ما فيش قوة إسلامية دلوقتي قائمة إلا المماليك. صحيح المماليك دول فيهم ظلم وفجور وفيهم تعدي على بعض الحقوق، لكن في الآخر الشريعة موجودة والشريعة قائمة، وهم يجاهدون في سبيل الإسلام فهم سيف الإسلام.
فهذا شوف ابن تيمية، اللي هو الشخص الواحد في الزمن الواحد، عمل إيه لما اختلف السلفيون في التنزيل؟ الحكام اللي بيحكمونا الآن عاملين زي المماليك؛ مسلمين ولهم مظالم ولهم جور، ويحتمل لهم ويصبر عليهم ولا يخرج عليهم ويجاهد تحت لوائهم. أما الطائفة الممتنعة فهم الذين بشوكة، التي تركت الدين وتركت بعض الدين الواجب حتى وإن تسمت بالإسلام.
أنا لا أدخل في صراع فكري وسجال، أنا بكلمك عن أمة عمالة تفكر كيف يكون الحل، وعن شباب متقد كيف يكون الحل. فـأنا فعلاً لا أدري إذا كنت سأستطيع أن أقدم في هذه الحلقة خريطة كده للحالة الإسلامية ولا لا، لأن المسألة واسعة فيها تفاصيل، وكذلك هي تمس حالتنا، هي جزء مهم جداً من هذا القرن وتاريخنا المعاصر.
المقصود بالحركيين هم الإخوان المسلمون ومن شاكلهم، والجهاديين؛ طبعاً قصدي بالحركيين كل اللي بيتحركوا وكل اللي عندهم نفس تغييري. خلينا نلخصها: أين افترق الإخوان والجهاديون؟ افترقوا في الحكم على الأنظمة وطريقة التعامل معها.
أين افترق العلميون السلفيون والدعوة والحركيين زي الإخوان وغيرهم؟ افترقوا في الدعوة والإصلاح أم الضغط والإنكار؟ الحركيون دول زي ما قلنا كده نوعين: نوع رايح للضغط والإنكار، اللي هو الإخوان، ونوع رايح للخروج والتمرد، اللي هم الجهاديون.
كل هؤلاء مختلفون في: هل الأنظمة دي شرعية ولا مش شرعية؟ العلميون شايفين إن الأنظمة شرعية يُصبر عليها، أو على الأقل ما عندناش القدرة إننا نغيرها. أما الذين اختلفوا في الطريقة والقدرة، فهم الحركيون. الحركيون اختلفوا مع بعض في الطريقة والقدرة، حتى الجهاديون على فكرة اختلفوا في الطريقة والقدرة؛ في ناس شايفة انقلاب عسكري، وناس شايفة ثورة شعبية، مع النظر للمصالح المترجحة: هل نعرف نعملها ولا ما نعرفش؟ يعني هل عندنا القدرة؟ والتوقيت؛ متى؟ واختلفوا أيضاً في مسألة الديمقراطية.
طبعاً الخلافات لا تضعف من الفكرة الأساسية وهي: كيف تستأنف الأمة الطريق؟ هي كلها اجتهادات، لكن حقيقة ليس كل الإسلاميين تعاملوا معها باعتبارها أموراً اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، فاندلعت بينهم كثير من المشكلات العلمية والعملية والحركية، واستخدمت الأنظمة بعضهم ضد بعض.
الديمقراطية مثلاً مثال ممتاز جداً لدراسة الخلاف بين الإسلاميين، فهي كلمة ليست موجودة في التراث الإسلامي. أول ما نيجي نقول إيه معنى الديمقراطية عشان نعرف نحكم عليها مقبولة ولا مش مقبولة، واحد يجي يقول لنا: يا جماعة أنا جبت كتاب من جامعة أكسفورد، والديمقراطية بتقول: حكم الشعب للشعب. هنا مباشرة تلاقي قسماً من الإسلاميين قال لك: ده كفر؛ لأن الأصل في الإسلام أن المرجعية العليا والسيادة والحكم لله، الذي يملك الحلال والحرام، يقول إيه الصح وإيه الغلط، هو الله. لكن يجي الشعب يبقى شايف امبارح الشذوذ حاجة وحشة، والنهارده شايف الشذوذ من حقوق الإنسان، ده كده كفر.
ففي قسم من الإسلاميين راح واقف وقال لك مباشرة: دي كفر. وناس ثانية قالوا: لا، ده مش التعريف الوحيد للديمقراطية؛ الديمقراطية معناها أن الناس يختاروا الذي يحكمهم بغير ضغط ولا إجبار ولا غلبة، ويكونوا قادرين يقيموه وينصحوه ويضغطوا عليه من خلال المؤسسات، ويكونوا قادرين يعزلوه بدون خروج مسلح وبدون حروب وبدون مشاكل. هي دي الديمقراطية بالتعريف الإسلامي، وقسم من الإسلاميين يقبلها، بل يراها قريبة جداً إن لم يكن متحدة مع معنى الشورى. وهنا نجد أول اندلاع واشتعال حول الديمقراطية، وهو اشتعال نظري هيدخل فيه ناس يمين وناس شمال.
سيبنا من هذا الموضوع، نأتي للناس اللي عايشة في دولة شكلها ديمقراطي، فيها برلمان، لكن بيني وبينك أنا وأنت وكل من يشاهدنا عارف أن الانتخابات مزورة، وأن اللي بيجي بيجي بالترتيب وبالفلوس والرشاوي، فدي عملية ديمقراطية شكلية. سواء كنت شايف الديمقراطية كفر أو شايفها هي الشورى، إحنا ما عندناش أصلاً القدرة على التأثير ولا استئناف الحياة الإسلامية ولا تحقيق مقاصد الإسلام من الدخول في الديمقراطية دي.
فواحد يقول: كلامك صح، بس خلينا نحاول؛ لما يبقى عندي عضو أو اثنين أو عشرة أو عشرين في البرلمان أحسن ما يبقى كل البرلمان فاسد، على الأقل أعبر عن طموحات بعض الناس، وأظهر الصوت الإسلامي، وأقلل الشر اللي هيجي لنا، وأعمل خدمات للمنطقة التي انتخبتني، ونحاول نضغط علشان الانتخابات تبقى نزيهة. فالدخول في هذا...
سيحقق المقصود، أنا عارف أن الدنيا عندنا شكلية، مش هيحقق المقصود، بس خلينا نحاول سندفع به بعض الشر ونحقق به بعض المصلحة.
فالثاني يقول له: لا، أنت بص بقى، أنا أصلاً مفوت لك إنها كفر، يعني يبقى كفر وما يحقق نتيجة، وأنت تروح داخل تقول لي سننصر الإسلام بالديمقراطية! ففي حصل كده خلاف حول صلاحية هذه الوسيلة للدخول.
طيب الناس اللي دخلت العملية الديمقراطية، إذا كانوا دخلوا مثلاً 10 أعضاء ولا 20 عضو في برلمان في 200 ولا 300، وأقسموا على احترام الدستور والقانون، ودي حتة حساسة عند الإسلاميين؛ أن ينبغي أن لا تحترم إلا المرجعية الشرعية، وأي حاجة لا توافقها المفروض إنك ما بتحترمهاش. لو الدستور والقانون موافق، خير وبركة، لكن أنا عارف وأنت عارف أن الدستور والقانون فيه مخالفات لثوابت إسلامية، فدي حاجة حساسة.
وبعدين أديك دخلت يا عم 10 أو 20 عضو، وقعدت صيحت وبهدلت، ومش كل القوانين مرت عليك وأنت قاعد، وما قدرتش تعمل حاجة؛ يبقى إيه لازمتها بقى إنفاق الأموال وإنفاق المجهودات، وقعدت شرعنت لي الديمقراطية وأديك ما عملتش حاجة في الآخر؟ على الأقل نرجع للإصلاح ونعمل شيء كويس.
والثاني يقول له: طب نعمل إيه؟ يقولوا: نرجع للشارع. والثاني يقول: طب ماشي، أنت قاعد في الشارع برضه ما عملتش حاجة. فالخلافات رايحة جاية. أحياناً بعض الناس بتاخد أغلبية برلمانية وتشكل الحكومة، لكن بتبقى الصلاحيات في يد الملك أو في يد الرئيس، مش موجودة حتى الصلاحيات عند الحكومة.
فكل هذا يا مولانا برضه غابة من الاشتباك بين أطراف الإسلاميين، في الآخر كلهم عايزين يجاوبوا على سؤال: كيف نمكن للإسلام؟ كيف نستأنف الحياة الإسلامية؟ في ناس زي حزب التحرير قعدوا بعيد عن كل هذه المشاكل، قالوا يا جماعة، الأمة دي لا يصلحها إلا الوحدة، والوحدة لا تتم إلا بخلافة.
طيب كويس يا جماعة، حزب التحرير نعمل إيه؟ قال لك: لابد من نشر الوعي، وبالذات الوعي السياسي عند الأمة، ولا بد من طلب النصرة من القوى الموجودة الطبيعية. طيب يعني نعمل ثورة؟ قال لك: لا، الثورة دي ليست من منهج النبي، إحنا دلوقتي في المرحلة المكية والنبي في مكة ما عملش ثورة. طب نعمل خروج مسلح؟ لا، برضه ليس هذا من نهج النبي ﷺ. طب نعمل إيه؟ نظل نطوف على القبائل، نطوف على القوى الحية في الأمة لغاية ما نلاقي قوة تتبنى أن تكون دولتها هي الإسلام، ومنها هنا تكون بذرة الخلافة.
طيب لفيتوا يا جماعة؟ أه والله لفينا وما لقيناش. طيب ما تعالوا نشوف نعمل إيه؟ يقول لك: لا، إحنا لسه هنلف تاني وهنعمل وهكذا. هذا ملخص فكرة التحرير.
أنا طبعاً وكل اللي أنا بقوله ده فيه قدر من الاختزال، أنا على فكرة أنا هطلع من الحلقة دي وما فيش حد راضي عني، لأن أنا اختزلت أفكار الجميع اختزالاً، سيرى الجميع أنه مضر به. لا، هي الحلقة مش موجهة للمفكرين والمحللين والذين يبحثون عن إجابة السؤال، هي لأبناء الجماعات الإسلامية، لا، هي لعموم الناس؛ نحن بدنا نفهم شو هذا العالم كله شو اللي صار. بصراحة مش عارف، اللي بده ينتقد ما هو كمان أنت افهم إيش اللي صار، وبعدين بنحكي في هالقصة.
طبعاً أنت مريت على معظم الأشياء، الجماعات أو الأشكال التي ظهرت؛ حركات مجهولة، مغمورة، عرابي، عبد النديم، محمد عبده، مصطفى كامل، الجمعية الشرعية -حكيت عنها-، أنصار السنة، الإخوان المسلمين، السلفية العلمية والجهادية، حزب التحرير -الآن عرجت عليه سريعاً-، الجهاديون هذول شيء ثاني، السلفية الجهادية، والجهادية التي كان في عندنا الدعوة والتبليغ، هدول كلهم اسمهم الحركات الإسلامية.
الحركات الإسلامية، قصدي كل ده يا أبا الحارث، هو شكل مقاومة الأمة لما نزل عليها من التغريب والهيمنة. ولما نجاوب على سؤال أو محور كيف تعاملت الأنظمة مع الإسلاميين، كان في عندنا أربع أشكال: السحق، والاختراق، والتوظيف والاستعمال، والتعايش المحسوب، والانقلاب. هؤلاء هم الخلاصة الكبرى.
يمكن تكون جماعة الإخوان أخذت نصيب الأسد من الحلقة، لكن أريد أن أسألك أستاذ محمد أسئلة ختامية سريعة: الإخوان المسلمون، ما هي المشكلة التي كانوا شايفينها وبدهم يحاولوا أنهم يحلوها، مشان هيك بدهم يوصلوا للحكم؟
المشكلة التي كانوا شايفينها هي نفس المشكلة التي شايفينها كل الإسلاميين، وهي مشكلة أن الإسلام لم يعد حاكماً، الإسلام لم يعد ممكناً، الدول القائمة دول ليس الإسلام وليس فيها هو المرجعية؛ هذه هي المشكلة التي كان يراها كل الإسلاميين.
طب هم رايحين لها إزاي؟ هنا اختلفت الطرق. طريقة الإخوان المسلمين أيام حسن البنا كان يرى أن الجماعة لها وجه دعوي مدني عام، ينشر الإسلام ويحارب ما انتشر في الأمة من بدع ومن خرافات ومن تنصير ومن تغريب ومن انحلال أخلاقي، ولها جزء خاص يتولى شأن المصادمة مع الأنظمة القائمة، سواء نظام احتلال أو نظام تابع للاحتلال. هذه فكرة حسن البنا.
على فكرة في شغلة بتضحك كمان، ذكرتها هسه، واحد كان بيحكي هؤلاء جماعة الإخوان المسلمون هم فرع من الحشاشين! طيب ليش يا أخونا؟ قال لك لأنهم ربوا الأفراد على التضحية التي ممكن في الآخر توصل فيه أنه يقتل نفسه أو ينتحر أو يضحي تضحية عجيبة، فبالتالي فيهم هكذا لحس شيعية.
يجب أن يفرق الجميع بين الظاهرة الإنسانية العامة التي ظهرت في كل الدنيا وبين الخصوصيات. فكرة أن في ناس بتضحي بنفسها هذه فكرة ظهرت عند البوذيين وعند الهندوس وعند النصارى وعند المسلمين وحتى عند اليهود، وهم أحرص الناس على الحياة. ومن الأفكار الضالة التي ظهرت فيها هؤلاء الحشاشون؛ يعني عايز أقول هذه ظاهرة إنسانية عامة، مقاتل الكاميكاز الياباني الذي يعتبر انتحارياً أو استشهادياً بتعبيرنا نحن، هل كان حشاشاً؟ هذا يعرف الحسن بن صباح واطلع على تراث الإسماعيليين مثلاً.
سؤالي الأخير أستاذ محمد، بعد كل هذه الجولة والرحلة الجميلة مع الجماعات الإسلامية وكل هذا التاريخ وهذا التفصيل، اليوم لما أنت بتحكي مع واحد، ويفتح معك القصة، بيحكي لك: لا عفواً أنا لا أنتمي إلى أي جماعة ولا أنتمي إلى أي فكر، أنا زلمة...
مستقل ليش حتى يبعد التهمة عن نفسه؟ وكأنه الانتساب لهذه الأشياء هي تهمة، وبالتالي يريد بمعنى آخر أن يطمئن الناس أنني لست إسلاميًا أو مثلاً يساريًا أو أياً هذا. مثلًا تيجي تحكي لواحد: كيفك يا شيخ؟ يقول لك: لا يا عمي أنا مش الشيخ، أنا شوالي.
هو الآن الانتماء لهذه المجموعات والجماعات هو تهمة يعني؟ لا، هو الأصل أن الانتماء إلى الشيء ليس تهمة، لكن هذا السؤال يحمل في جوفه دليلاً على ما نحن فيه من عدم الحرية، من الاستبداد، من الطغيان. وإلا فمن الطبيعي أن أنا لما أبقى مهندس، أيوه أنا مهندس، لما أبقى من الصعيد، أيوه أنا صعيدي؛ لما أبقى أنتمي إلى أي شيء، أيوه أنا بنتمي إلى الطريقة الفلانية، هذا الشكل يحمل دليلاً على شدة الضغط، شدة الظلم والاضطهاد.
لكن الإنسان ممكن، وعلى فكرة يوجد إنسان لا ينتمي إلى حزب أو إلى جماعة أو إلى حركة، وهذا على فكرة طبيعي. وأكثر ما يخدش المفكرين والباحثين -بلاش أقول يضرهم، يخدشهم أحياناً- أن يتقوقعوا وأن يروا الحياة من منظور حزب أو جماعة. لكن هو ليس عيباً بل هو حق أصيل أن الإنسان ينتمي، لكن لا يمكن للإنسان أن يخلو من فكر. ينفع الواحد يقول أنا مش تبع حزب أو مش تبع حركة، لكن ما ينفعش يقول أنا ما عنديش أي فكر، ما فيش إنسان ما عندوش أي فكر؛ كل إنسان له ميوله الفكرية وله قناعاته، وهذا مما نتفق عليه ونختلف عليه طبعاً.
نحن تحدثنا عن الفكرة العامة والتوجه العام، لكن كل هذه الجماعات أيضاً لها عليها بالتفاصيل. ويمكن ما لها كثير؛ لأن فكرة الصحوة، فكرة إعادة الناس إلى دينها، إنقاذهم من الحداثة والعلمنة وكل هذا الكلام، كان لهم دور كبير، ومنهم صار نشيطاً جداً، أنشأ مؤسسات ضخمة جداً: مستشفيات ومدارس وجمعيات وحركة. فهذا كله لم نأتِ عليه، وأكيد لا تتسع الحلقة للإتيان عليه، لكن هذا الجسم كله كان جزءاً مهماً من تاريخنا المعاصر.
لكي نجيب عن سؤال: أين كانت الأمة؟ الأمة ما غابت، روح الأمة موجودة. أرجو تقييم هذه الحلقة ضمن هذا السؤال فقط، لأننا لم نقم بمهمة تشريح ولا تحليل ولا استقصاء لتاريخ كل هذه الجماعات. إجابة سؤال أين كانت الأمة: ألم تقاوم فقط؟
لو بدنا نلخص بسطر واحد أين كانت الأمة؟ الأمة لم تكف عن المقاومة، أنتجت أفراداً وأنتجت جماعات وأنتجت حركات وقامت بجهود باسلة.
جزاك الله خيراً أستاذ محمد. أما أنتم إخواني أينما كنتم، كالعادة ما تنسوا أن تشاركوا معنا أي معلومات مفيدة ننتظرها في التعليقات وبنستفيد منها دائماً، وتشاركوا هذه الحلقة مع إخوانكم أصحابكم حتى يعم الخير على الجميع. إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة، دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.
لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي، ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته، قادته وعلماؤه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب. تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل.. نستنطق التاريخ.
محمد إلهامي