هل هذا القرن نكد بنكد، سواد بسواد؟ بقاء الإسلام وتسيده للحالة الإسلامية أهم إنجازات في ميزان الحركة الإسلامية. هل من انتصار هذه الحركات الإسلامية أنها قاومت العلمانية؟ عالمنا العربي على وجه التحديد أكثر صحة من العالم غير العربي في مسألة العلمانية، أنا أعتقد لم ننجح في مقاومة التغريب، التغريب دخل إلى بلادنا، هناك قدر من التغريب والحداثة قدر أجبر عليه الناس إجباراً.
وهل الحجارة هي التي أوقفت التمدد الصهيوني، ولا الاتفاقيات وكم ديفيد وأوسلو؟ حتى في أحلك الظروف يعني أكيد في بصيص أمل، هذه الأمة أمة عصية على التفسير، عصية على التوقع، توشك وأن تنهض. أنا أتحدث عن حصاد وانتصارات؛ لأننا نريد أن نلمع صورة الإسلاميين. نحن في سلسلة تاريخنا نستعرض على الأقل مجمل التاريخ الإسلامي، ليس في مجال تقييم الحركات الإسلامية نفسها الآن، ولكن هل للدولة إيجابيات أم لا؟ لو كان هناك مساوق عند الحركات الإسلامية ولو في إيجابيات عند الدولة، وسائل الإعلام تقولها.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحبا بكم في حلقة جديدة من سلسلة «100 سؤال في التاريخ»، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة التي يتعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. لمن انضم إلينا حديثاً، أين وصلنا نحن؟ في المحور العاشر، محور التاريخ المعاصر. في التاريخ المعاصر فيها سجع جميل، حقيقة صدفة قدراً سبحان الله. نحن في الحلقة السابعة.
لا يستقيم، لا من قريب ولا من بعيد، أن تبدأ هذه الحلقة دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً أستاذ محمد. يا مرحباً يا أبا الحارث، حياك الله، كيف حالكم؟ الله يبارك فيك. وصلنا إلى السؤال رقم 98، جاهز؟ السؤال 98، توكلنا على الله.
لا نزال في هذا القرن الذي نحاول أن نستمنزج التجربة كلها، حتى نرى ونقرأ ونقيم، نحاول نسأل حالنا: هل هذا القرن كله يا أستاذ محمد تحسه نكد بنكد، سواد بسواد؟ كله هزائم، كله انكسارات، نكبات، احتلالات صريحة، احتلالات مباشرة وغير مباشرة، هو ما فيه أي إنجازات؟ ما في انتصارات؟ الحركات الإسلامية التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة مطولاً لم تحقق شيئاً؟ أم أن كل تجربة الحركات الإسلامية وغيرها، سواء الحركات أو الأفراد، كل هذه المبادرات والمحاولات واستنهاض الأمة -كما حكيتم في الحلقة السابقة- حاولت كل هذه الحركات بعد سقوط الخلافة أن تجيب عن سؤال: أين هذه الأمة؟ وبالتالي كيف نكمل الطريق؟ هل نتج عن هذا الكلام إنجاز أم لم ينتج؟ وبالتالي ماذا يمكن أن نقول عن إنجازات هذه الأمة في هذا القرن، مطلع القرن التاسع عشر حتى يومنا الحالي؟ أستاذ محمد، هذا هو السؤال رقم 98.
طبعاً نحن حكينا عن العلمانية في تركيا، وبعدين العلمانية في مصر، وبعدين حكينا هل هزمت أمتنا وإلى آخره في الحلقة التي بعدها، وبعدين حكينا عن الحركات الإسلامية، فالمتابع في السلسلة سيقول لك: أنتم يا عمي ما في بثمكم إلا نكد، هذا تاريخكم فيه نكد، فما في انتصارات؟ حتى في أحلك الظروف، يعني أكيد في بصيص أمل، في شيء مبشر. فالحلقة إن شاء الله تعدل الكفة قليلاً. أستاذ محمد، السؤال 98 تفضلوا.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، حياكم الله يا أبا الحارث. بداية أحب أن أستدرك على الحلقة الفائتة، كان هناك شيء ينبغي ذكره وحقيقة فاتني. المرة الماضية تكلمنا كلاماً عاماً عن خريطة الحركات الإسلامية، وأنها كانت رد فعل لهذه الأمة تجاه ما كانت تواجهه من هزائم ونكبات وضعف وهيمنة غربية، سواء مباشرة عبر الاحتلال المباشر، أو هيمنة غير مباشرة من خلال حكومة تابعة للمحتل.
ونحن حين نتكلم، أخذنا الكلام في الخلاف بين الحركات الإسلامية، وكان ينبغي أن نقول -وهذا ما أستدركه وأحب أن أستفتح به هذه الحلقة- هو أن سائر هذه الحركات الإسلامية، من أولها إلى آخرها، قدمت تضحيات في غاية العظمة، وواجهت ظروفاً في غاية العسر وفي غاية الصعوبة. أنت تتكلم عن ملايين حرفياً، ليس مبالغة، ملايين من الناس الذين فقدوا أرواحهم في سبيل نصرة هذا الدين. ناس، مئات الآلاف من الناس، عاشوا سنوات حياتهم في السجون؛ من الناس من سجن 40 سنة، ومنهم من سجن 30، ومنهم من سجن 20، ومنهم من سجن 10. لا يكاد يكون في الإسلاميين من لم يُسجن، السجن ظاهرة في حياة الإسلاميين، لما تجد أحداً لم يُسجن تقول له: بعتنا بكام؟ شكلك كنت تعمل معهم أو شككوا فيك، لماذا لم يدعسوا على طرفك؟
حقيقة، باب تضحيات الحركة الإسلامية لمحاولة نصرة الإسلام، سواء كان الذي قام بذلك قد نجح أو لم ينجح، أو رأى النجاح بنفسه أو رآه تلاميذه وأبناؤه من بعده، هذه صفحات كثيرة جداً، وكثير منها يا أبا الحارث مطوي، وكثير منها غير معروف. ونحن بلادنا تستطيع أن تقول لها مكاناً خاصاً ومميزاً في أدب السجون؛ سجون بلادنا في هذه المئة عام أو المئة وخمسين عاماً الماضية تحكي أموراً مروعة، أموراً مروعة من انتهاك الإنسان ومن إذلاله ومن سحقه، وهذه أمور لا يتسع لها المقام أبداً.
وحتى من لم يُسجن، أو من لم يتعرض لبطش السلطة، فقد حافظ على الدين بكثير جداً من المخاطر، كانت حياته محفوفة بالمخاطر. أنا أتذكر، سمعت من بعض شيوخنا، أنا نشأت في صعيد مصر، أنا مولود في آخر سنة 83، فلما تفتح الوعي على الحياة كانت الدولة في مصر تخوض معركة مع الجماعة الإسلامية، والجماعة الإسلامية كان انتشارها الكبير في الصعيد. فممن أدركت من الناس الذين عاشوا هذه الفترة، أنه من أجل اثنين أو ثلاثة يريدون أن يقرؤوا القرآن معاً، كانوا يسيرون مسافة ثلاثة كيلومترات أو كيلومتراً أو أقل لكي يتذاكروا القرآن مع بعضهم. مثل هذا أيضاً سمعته في تركيا عندما جلسنا مع بعض المشايخ وكانوا يحدثوننا عن عصر الجمهورية، يذكرون كيف كان يُؤتى بالحافظ لكي يحفظ القرآن فلا يجدون له مكاناً إلا...
لكي يستطيع أن يحفظ القرآن، ومن وجد عنده -لا أقول المصحف بل صفحة من المصحف- فإنه كان يختفي.
حدثني بعض الناس كانوا في قرية، وعلشان كانوا يجتمعوا كانوا مثلاً يسيرون في الصحراء أو في الجبال، يدخلون في مغارة أو يدخلون في بئر، ويوقفون واحداً منهم على بعد كبير؛ إذا شعر بدورية، إذا شعر بخطر، يحاكي صوت خروف أو صوت طائر، فيعرفون أن هناك من هو قادم فيكتمون أصواتهم بالقرآن.
هذا الأمر، هذه المعاناة، لا تزال قائمة حتى يوم الناس هذا في بعض المناطق، في تركستان الشرقية ما يزال الاضطهاد واصلاً إلى هذا الحد. كنت قبل أيام مع واحد من مشايخ تركستان الشرقية، فيخبرني أن أنت حتى لو رحت الصين كسائح وقلت سلام عليكم في تركستان الشرقية ما حدش يرد عليك؛ لأنه لو رد عليك هذا مخيف، هذا قد يساوي أن ينتهي عمره. يقول دلوقتي ما فيش علماء أبداً، ما فيش مشايخ خالص، كلهم إما قُتلوا أو نُفوا خارج البلد. وطبعاً الصيام، ولو السلطة لمحت أن أنت بتصلي، لمحت بيتك مفتوح النور مفتوح في صلاة الفجر، فهذا خطر داهم أيضاً يساوي انتهاء الحياة.
يا إلهي! هذا محاكم التفتيش النسخة الصينية، النسخة الصينية. عارف القائل: «ما زلنا نذكر أندلسنا، نبكيها في صبح ومساء، ليست أندلس واحدة، فلكم ضيعنا أندلسا».
الآن في مناطق في الهند طبعاً في الصين، وطبعاً ما زالت كشمير محتلة، والأزمة التي يعيشها الناس في برمة، برمة التي هي إقليم أراكان الذي كان جزءاً من مملكة فطاني الإسلامية. القصد يعني الذي نستطيع أن نقوله الآن، في نوع من الأمن والحرية، هذا إنما جاءنا على تلال من التضحيات، تلال من التضحيات؛ ناس ذهبت أعمارها في السجون، ناس علقت على المشانق.
أنا شهدت في حياتي، وكنت صغيراً، كان في مدينتنا شيخ اسمه الشيخ الصادق رحمه الله. الشيخ الصادق هذا كان رجلاً من اثنين حفظوا كتاب "في ظلال القرآن" بتاع سيد قطب حفظوه؛ لأنه تعقبت السلطة المصرية الكتاب أيام عبد الناصر كادت أن تذهب به، فكلفوا بعض الناس منهم رجلين، والشيخ الصادق كان أحدهما، كلفوا أن يحفظوا الكتاب حفظاً حتى إذا فنيت نسخة أن يعيدوا كتابته. فكان الشيخ الصادق رحمه الله إذا وقف خطيباً على المنبر فإنه كان يذكر بعض المقاطع من كتاب الظلال، فكان الناس يطربون، كلام كأنه من نور الوحي.
انظر إلى أي حد، إلى أي مدى. طبعاً ليبيا القذافي، يحكي لنا أيضاً بعض الإخوة كيف كانوا يهربون الكتب، كان الكتاب الإسلامي يقطعونه ويغلفون به بعض البضائع والحلويات لكي يمر على الرقابة. المهم، هناك تضحيات عظيمة جداً جداً بذلها كل هؤلاء، كل هؤلاء على اختلافهم الذين قلناهم، كلهم من إخوان، من سلفيين، من دعاة، من تبليغ، من حزب تحرير، من جهاديين، كل هؤلاء بقدر ما قدموا هم الذين أبقوا الإسلام حياً يوم الناس هذا، وكان لهم الإنجازات التي نذهب للكلام عنها.
الخلاصة، أي إنسان سيقرأ هذه الصفحة من التضحيات لن يسعه إلا أن يقف إجلالاً وتقديراً واحتراماً لكل الجهود السابقة. ونحن نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
إذاً السؤال بقى بتاعك: هل الصحوة الإسلامية هذه أدت إلى أي إنجازات ولا الدنيا كلها سواد في سواد؟ بدنا نعرف.
حتى الحركات الإسلامية التي بدا وكأنها فنيت واجهضت وأخمدت ولم تقدم إنجازاً، هي في حقيقة الأمر تركت آثاراً وبذوراً وكان لها ثمار. ونحن نعرف في حديث النبي ﷺ: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله». بالحسبة المادية، الرجل الذي قام ونصح الإمام الجائر هذا فقتل لم يحقق أي ثمرة، لكن حقيقة حقق ثمرات مهمة؛ ثمرة على مستوى الوعي أنه ثبت أن هذا حق وهذا باطل، وقفته الجريئة الشجاعة هذه الله أعلم كم شجعت من آخرين لكي يكرروا نفس الموقف، حتى وقفته هذه لا تدري كم فتكت وكم أثرت في نفس الطاغية نفسه ونفوس من حوله.
لا تنسى ذلك أبداً، سيدنا موسى وهو في قلب الهيلمان الفرعوني، فجمع فرعون كيده ثم أتى، فقال لهم موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُصِيبَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: 69]. لما موسى ألقى عصاه ووقعت المعجزة آمن السحرة فورهم، وآمنوا فورهم، واضطر فرعون بحركة بهلوانية أنه يغير الرواية الرسمية، بعد ما كان موسى هذا واحداً يريد أن يطلع الناس من أرضهم، أصبح كبيرهم الذي علمهم السحر هذه مؤامرة على السلطة الفرعونية، وهذا أساساً كبير هؤلاء.
الخلاصة، وربما بدت في بعض الصفحات أن بعض الحركات الإسلامية فنيت دون أن تترك أثراً، لكن في واقع الحياة كم تركت من آثار. لما نيجي نرتفع كده علشان نتكلم على مستوى التاريخ، لو أستاذ محمد تريد أن تعمل حصاد لإنجازات الإسلاميين بشكل عام مثلاً، من حيث التجربة السلمية من عدمها، كيف ممكن نحققها؟
المشي ماشي، أولاً نثبت أن بقاء الإسلام وتسيده للحالة الإسلامية هو أهم إنجازات يمكن أن نضعها في ميزان الحركة الإسلامية. الآن كما ذكرت في الحلقة الماضية، أن كل التجارب السلمية السياسية يتصدرها الإسلاميون السياسيون، وكل التجارب القتالية والثورية يتصدرها الإسلاميون الثوريون والمقاتلون. لا يوجد الآن في عالمنا الإسلامي فكرة تنافس الإسلام، حصل أنه في الستينات كانت هناك فكرة الشيوعية والقومية مثلاً، في أوائل القرن العشرين كانت هناك فكرة القومية، الآن نحن نتكلم من بعد السبعينات حتى الآن لا توجد فكرة تنافس الإسلام.
ولذلك معرض الكتاب حين ينشأ في أي مكان تجد الكتاب الأعلى مبيعاً هو الكتاب الإسلامي، والبرامج التي تدعو إلى الإسلام أو تقرب السيرة هي دائماً البرامج الأكثر مشاهدة من بين كل البرامج التي تدعو إلى أفكار أخرى، حتى تضطر القنوات الفضائية الخاصة أنها تضع برنامجاً دينياً علشان تعرف تجلب مشاهدين. يضطر الحزب الذي أصل فكرته علمانية أن يقول إننا لا نعارض الدين ويحاول التوفيق بين مذهبه، سواء اليساري أو الليبرالي أو الوطني أو القومي، بين هذه الفكرة وبين الإسلام؛ لأنه يطرح نفسه على الجماهير فلا بد له من أن يثبت أنه لا يعادي الدين ولا يتصيد في إزالته.
تقدر تقول هذه هي أهم حصادات ومنجزات وثمرات الحركة الإسلامية. الفكرة الإسلامية الآن لم يعد لها منافس أبداً، وكلما الأمة عبرت عن نفسها جاءت بإسلاميين يعبرون عنها. الحصاد الفكري لهذا القرن حتى يومنا هذا نتج عنه نتيجة واحدة: أن الإسلام هو البديل، الإسلام هو البديل الوحيد.
من يريد التأكد يجب أن يرجع للحلقات السابقة، ويرى النتائج والاستفتاءات والانتخابات. ومع أنه لا توجد انتخابات نزيهة فعلياً بدون ضغوط، إلا أنه ما من ثورات حصلت أو حركات إلا وكان الإسلاميون هم صلبها وهم قادتها.
هذا التسيد للإسلام حتّى حمل السلطات العلمانية التي كانت تطارد الإسلام على أن تتزين به. أتذكر مما لا أنسى، كان أخ من قادة الحركة الإسلامية في العراق، ولما هاجر إلى لندن، كان صاحبه الذي يودعه إلى المطار جزءاً من السلطة، فقال له: «أنت مطلوب وهتتاخد»، فالمهم خرج. فيقول له صاحبنا وهو مسافر: «إن شاء الله كلها شهرين أو سنة ونرجع»، فقال له: «لا تفكر في الرجوع مرة أخرى، حزب البعث ينوي أن يبقى في العراق مسجد واحد»، هذه كانت النية.
هذه النوايا التي لم تفتقر إلى قوة، لم تستطع أن تفعل شيئاً، وأعاد الجميع الالتحاف بالدين. صار الحاكم والنظام السياسي يقولون عن الإسلاميين: «هؤلاء تجار دين، هؤلاء متطرفون، هؤلاء لا يعرفون الدين الصحيح، نحن الذين نطبق الدين الصحيح والشريعة مطبقة»، لكن القصد أنه نادر جداً من الحكام من استعلن وتجاهر بمضادته للشريعة.
تلاقي مثلاً الحبيب بورقيبة يفطر في نهار رمضان ويقول: «أهم حاجة العمل والإنتاج، بلاش تروحوا مكة»، من أجل العملة الصعبة. تحصل شذوذات لكنها لا تكاد تستمر ولا تستقر، ثم يأتي بعد ذلك من يزعم أنه يحب الإسلام وأنه حريص عليه ولا يعاديه، بحيث يخرج من معنى أنه حاكم غير شرعي. كل هذا كان نتيجة لبذل وجهد الإسلاميين، حتى وإن ظهر بالحسبة المادية أنهم أخفقوا في نهاية الأمر في تحقيق إنجاز ما.
هذا هو الحصاد العملي، وأضف إلى ذلك أن البيئات التي سمحت ببعض الحريات، مثل الجاليات المسلمة في الغرب، سرعان ما انتشرت فيها المراكز الإسلامية وسرعان ما انتشر فيها الإسلام، ولا يزال الإسلام من أعلى الأديان انتشاراً على مستوى العالم في الغرب. لا يمكنك أن تقول إن هذا تم بمجهود الدول ولا المؤسسات الرسمية، لأننا في الحقيقة نرى ماذا يفعلون، إنما جرى بالمجهود الشعبي ومجهود الإسلاميين المشردين المطرودين الذين لم يستطيعوا أن يستقروا في بلادهم.
أنت تحكي لنا يا أستاذ محمد من الحصاد العملي أن الفكرة الإسلامية لم تستطع الدول أن تقاومها فاضطرت أن تتظاهر بها، وهذا انتصار بحد ذاته. وثانياً: انتشار الإسلام في الغرب بدأ ينتشر أكثر. نحن الآن نعمل حصاداً لهذا القرن لجهود الإسلاميين أو لجهود الأمة، لأننا عبرنا في الحلقة السابقة عن فكرة أن هؤلاء الناس يحاولون أن يكونوا -والحقيقة أن الإسلامية هي طليعة الأمة وهي الإفراز الطبيعي للأمة- كذا.
على صعيد التحرر مثلاً من الاستعمار، لنأتي للأمور العملية المشاهدة والمطروحة: لو هذه الأمة لم تقاوم أو لم تظهر فيها الحركات الإسلامية، ما الذي كان يدفع المستعمر إلى أن يرحل؟ لا شيء. نحن نقر ونؤكد أن المستعمر عمل حركة ذكية ومراوغة في أنه خرج بنفسه وترك رجاله، وخرج من الهيمنة والوجود المباشر إلى نوع آخر من الهيمنة والوجود غير المباشر.
هذا في حد ذاته، وإن عُد إخفاقاً للحركة الإسلامية من جهة، إلا أنه أيضاً نجاح لها من جهة أخرى. الحركات الإسلامية أخفقت في قطف الثمرة مع أنها هي التي حصدت وبذرت ورعت الثمر. أغلبية الغالبية الكاسحة لحركات التحرر من الاحتلال كان يقودها إسلاميون ومشايخ؛ عندك عبد الكريم الخطابي، وعبد القادر الجزائري، والبشير الإبراهيمي، وعبد الحميد بن باديس، وعمر المختار، ومن هنا عبد الرحمن الأفغاني، وحسن البنا وتلاميذه، وفي الشام أمين الحسيني.
الذين قادوا الحركات التي سعت للتحرر من الاحتلال كانوا مشايخ. يوضع في ميزان إخفاقهم أنهم لم يستطيعوا أن يقطفوا الثمرة، وأن الذي زرعوه حصده أذناب الاستعمار وأولياء الاستعمار، وهذا إخفاق. لكن مجرد رحيل الاستعمار المباشر ومحاولة الاستعمار أن يضع لنا رجالاً من جلدتنا يتكلمون بلساننا، هو في نهايته دليل على أن الاستعمار لم يستطع أن يبقى في أرضنا، وأنه واجه مقاومة شرسة لم يعد يستطيع معها أن يستقر، فاستبدل وجهه المباشر القبيح بغطاء وغلالة وغلاف من الوجه التابع له.
فبالتالي كل حركة تحرر من الاستعمار من هذا الوجه الذي أحكي فيه، تكون في ميزان الحركات الإسلامية أيضاً ومجاهديها. وبعد ذلك سترى أن بعض البلاد استطاعت فيها الحركات الإسلامية أن تحقق إنجازاً يضعها على طريق الاستقلال.
سأضرب مثالين قد لا يعجب بعض الناس، لكن أقول يا جماعة إننا إذا نظرنا إلى التاريخ العام، وإلى الأمة وصراعها مع أعدائها من الصليبيين ومن القوى الدولية، فإن الأعداء لا يرون هذه المنطقة إلا منطقة إسلامية. فمن أهم الإنجازات التي يجب أن تُذكر في باب تحرر الأمة هي الثورة الإيرانية. الثورة الإيرانية هي ثورة مشايخ، كونها ثورة شعبية استطاعت أن تزيل الشاه الذي هو من أهم الحكام التابعين للغرب، وكانت علاقاته ممتازة مع إسرائيل ومع الأمريكان، وتستطيع هذه الثورة أن تحافظ على نفسها وعلى استقلالها، ثم تعيد بناء القدرة الذاتية لإيران وتدخل في مسألة البرنامج الصاروخي وهي الآن تخوض حرباً؛ هذا في حد ذاته يوضع في إنجازات الأمة بوجهها العام.
قبل ذلك كان هناك محاولة مثل محاولة مصدق في مطلع الخمسينات، ولكن سرعان ما جرى الانقلاب عليه، لكن لم يستطع أحد أن ينقلب على الثورة الإيرانية التي تزعمها الخميني، حتى وإن خاضت حرباً مع العراق لمدة ثمان سنوات، وحتى وإن خاضت حصاراً لمدة أربعين سنة، إلا أنها في النهاية استطاعت أن تثبت وترسخ حكمها ونظامها، بل استطاعت أن تتمدد. وتمددها هذا كان فاحشة خاطئة لأنها تمددت على حساب أهل السنة وتمددت.
تحت ظل الدعم الأجنبي، في الآخر لما نقول إنه في حراك للأمة، أرجع وأقول هذا الحراك حراك بشري يعتريه كل أنواع الخطأ والانحراف؛ زي ما بيظهر ناس مداخلة، وزي ما بيظهر خوارج ودواعش، هذا ردود فعل فيها خطأ وفيها غلو وفيها انحراف وفيها إجرام.
على المستوى الكبير، الثورة الإيرانية كانت إحدى لحظات الاستقلال من الهيمنة الغربية. المثال الثاني هو مثال تركيا، وإن كانت الطريقة مختلفة، لكن كل المجهود الذي بذله أردوغان استطاع في النهاية أن يحصد ثمرته، واحد زي أردوغان بطريق مختلف وعلى خلاف في السياسات، فالآن تركيا لم تعد الذيل التابع لأوروبا كما كانت منذ أن بدأت الجمهورية، الآن تركيا بلغت أن تكون دولة مستقلة، اقتصادها اقتصاد قوي، عندها برامج للصناعات الدفاعية، تستطيع أن تقول لا، تستطيع أن تقول نعم، وهذا في حد ذاته يعتبر في باب الإنجازات.
في باب الإنجازات أيضًا اشتعال الانتفاضة الفلسطينية في لحظة بدأ فيها وكأن القضية الفلسطينية ماتت. أنت لما تيجي عند نهاية الثمانينات وتحاول تشوف الفلسطينيين ماذا بقي لهم من عوامل القوة؟ لا شيء، لم يبقَ بأيديهم شيء على الإطلاق أبدًا. قوم جرى تمزيقهم وتشتيتهم؛ احتلال 78% من الأرض سنة 48، واحتلال كل الأرض سنة 67، وكسر الجيوش العربية المحيطة بهم، أكبر جيش عربي وأكبر دولة عربية خرجت من الصراع. حتى الذين قاوموا، فكروا في المقاومة اللي هي حركة فتح وبعدين منظمة التحرير الفلسطينية، بلغت إلى أن طردت من الأردن ثم طردت من لبنان، ثم لجأت إلى تونس وهناك اغتيلت قادتها في تونس.
أنت عند لحظة آخر الثمانينات الفلسطينيين لم يبقَ لهم ولا عامل قوة واحد، فكيف يمكن لهذا المجتمع أن ينفذ هذه الانتفاضة الهائلة ضد إسرائيل التي صارت في ذلك الوقت كيانًا تخشى منه كل الدول، ولا تفكر أي دولة في حربه؟ هذه الانتفاضة الهائلة التي جعلت الإسرائيليين والأمريكان يفكرون في أن يقبلوا بسلطة فلسطينية لأول مرة في التاريخ، وأن يأتوا لهم برجل منهم ليحاولوا من خلاله أن يسيطروا على هذا المجتمع.
حين ترى مجتمعًا قد فرغ تمامًا من عوامل القوة لدرجة أنه يمسك الحجارة ويحارب بها، هذا ثمرة من الثمرات الإعجازية الإبداعية التي توضع في ميزان الحركات الإسلامية التي بدأت من الصفر حرفيًا، دون أن يكون لها أي عامل من عوامل القوة، وهي الحجارة هي التي أوقفت التمدد الصهيوني، ولا الاتفاقيات وكم ديفيد وأوسلو وهون وهنا اتفاقيات.
على مستوى الأمة، أنت عندك انتفاضة أولى سنة 87، وعندك انتفاضة ثانية سنة 2000. وبرضه انتفاضة 2000 هذه من الأمور الإعجازية؛ لأن حتى السلطة الوطنية الفلسطينية -وهذا بين قوسين كله جاء حين جاء بها الإسرائيليون بعد اتفاقيات غزة وريح وأوسلو- هذه السلطة عملت في صالح الإسرائيليين ودخلت في مفاوضات فشلت، وهي مفاوضات كامب ديفيد التي انتهت سنة 2000، فاشتعلت الانتفاضة الفلسطينية التي لم يعد بأيديها أيضًا أي قوة، حتى سلطتها الفلسطينية لم تكن قادرة على أن تفعل شيئًا.
خذ عندك أيضًا الانتفاضة الفلسطينية الأولى والانتفاضة الفلسطينية الثانية، أضف على ذلك ما أنجزه حزب الله اللبناني من طرد الإسرائيليين من جنوب لبنان في سنة 2000. هذا حزب مليشيات مسلحة أقل بكثير من أن تواجه دولة مثل إسرائيل، والدولة هذه كانت محتمية بجيش عميل، استطاع هذا الحزب أن يجبر إسرائيل على الانسحاب في مايو سنة 2000، وتخلى الإسرائيليون عن عملائهم وتحررت جنوب لبنان ما عدا المنطقة المتنازع عليها اللي هي منطقة مزارع شبعة.
هذا كله يا أبا الحارث، خذ عندك: انتفاضة فلسطينية أولى جابت سلطة فلسطينية، وعندك انتفاضة فلسطينية ثانية أدت إلى تحرير غزة، وقبل الانتفاضة الثانية انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. هذا كله تستطيع أن تقول إنه أوقف التمدد الإسرائيلي. فاكر أنت هيرتز لما كان يرجو في بداية الأمر أن الدولة الصهيونية تقوم بعد 50 سنة، وإسرائيل الكبرى تقوم بعد 100 سنة؟ تقوم سنة 1948 دولة، وعند 1998 تبقى الدولة ممتدة من النيل إلى الفرات. نحن الآن في 2026 وما تزال إسرائيل لم تستطع أن تتقدم عسكريًا ولا أن تهيمن على كل هذه الأرض، ولا فضل لأحد في جهادها إلا الإسلاميون؛ لا فضل لأحد في جهادها لأنه حتى الفصائل الأخرى غير الإسلامية سرعان ما هزمت وانحسرت وانكفأت على نفسها. فهذا إيقاف التمدد الصهيوني يوضع كذلك في ميزان الحركات الإسلامية.
الإنجاز الذي يمكن أن نضيفه بعد ذلك هو ما حصل مؤخرًا من تحرير أفغانستان. أفغانستان حصل لها تحريران: التحرير الأول هو التحرير من الاتحاد السوفيتي، وبعد ذلك حصل التنازع والقتال بين الفصائل الأفغانية ثم سيطرت حركة طالبان على البلد، ثم جاءت أحداث سبتمبر وجاء احتلال أفغانستان 2001. ظل الأفغان 20 سنة يقاومون؛ أفغانستان الفقيرة المحاصرة الضعيفة ذات العدد القليل من السكان التي لا تملك أي أنواع من الأسلحة، ظلت تقاوم تحالفًا دوليًا من 38 دولة وزادوا أحيانًا إلى 42 دولة، 20 سنة حتى اضطر الأمريكان في النهاية إلى الانسحاب من أفغانستان وتحررت أفغانستان مرة أخرى في سنة 2021.
مما يوضع أيضًا في إنجازات الحركة الإسلامية ما حصل مؤخرًا في تحرير سوريا وانتصار الثورة السورية على بشار الأسد. انتصروا عليه في وقت كانت كل عوامل القوة فيه مع بشار الأسد؛ بشار الأسد نفسه كان مدعومًا بالميليشيات الشيعية، ومدعومًا بالروس، ومدعومًا بالإيرانيين، وبعد ذلك دُعم بالعرب وعاد بشار إلى جامعة الدول العربية. له جذر اجتماعي في مكانه وهو الطائفة، لكن انتصر السوريون ولم يكن يتصدر جهادهم إلا الإسلاميون أيضًا.
فهذا تحرير غزة مثلاً؛ تحرير غزة ذكرته في الانتفاضة الثانية، وهي حررت غزة وانسحبت إسرائيل من غزة، ومن ساعتها وغزة تحولت إلى قلعة مقاومة. طبعًا الآن وأنا أتكلم في السنة الأخيرة هذه من بعد اندلاع الطوفان في أكتوبر 2023 وبعد كده دخول إسرائيل إلى لبنان، فاحنا داخلين في جولة جديدة، لكن هذا الإنجاز الذي حصل لا يمكن أن تغفل عنه، ولا يمكن أن تقول إنه ذهب بالكلية؛ لأن هؤلاء الذين استطاعوا أن يحكموا غزة من 2007 إلى 2023 حولوها إلى قلعة مقاومة عتيدة تستطيع أن تهدد هذا الكيان تهديدًا.
وجوديا، هذا ما حصل في أكتوبر 2023. والقصد أن كل الإنجازات كانت تؤدي إلى بعضها، فلولا الانشغال الإسرائيلي في الطوفان وفي حرب إيران، ما كان يمكن للثورة السورية أن تحقق هذا التمدد والنجاح. وطبعًا ما تزال حالة الثورة السورية في بداياتها، ولكن إنجاز التخلص من حكم طائفي مستبد ومتوحش مثل حزب البعث يوضع ضمن هذه الإنجازات.
بعد ذلك قد تتكلم عن إنجازات مجهضة أو إنجازات أخفقت، ولكن لا تزال هذه التجارب تجارب تدل على أمة حية تقاوم، ولا تزال تعطي دروسها لمن يكررها من بعده. حين تتكلم عن تجربة إسلامية حصلت في مصر وانتهت إلى الرئيس مرسي ثم جرى الانقلاب عليه، وحتى في تونس ثم جرى الانقلاب وسجن الغنوشي، وحتى في الجزائر قبل ذلك في 88 لما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
عارف، لو أن العالم الإسلامي رأى ولو قدرًا ضئيلاً من التزام هؤلاء الأعداء والخصوم بمبادئهم، لربما كان يمكن أن ترى أفكارًا أخرى تنافس الفكرة الإسلامية. لكن كنت تجد الديمقراطي أول ما تجلب الديمقراطية الإسلاميين يقول لك: "مش عايزين ديمقراطية". والوطني أول ما يعمل انقلابًا عسكريًا يأتيه التمويل من الخارج، الغرب الليبرالي بتاع الحريات وبتاع الديمقراطية، أول ما تجلب الديمقراطية إسلاميين يروح يدعم الانقلابات العسكرية والتدخلات الخشنة. وهكذا فبالتالي كل هذه التجارب، حتى بما كان فيها من إخفاقات، كانت دروسًا تركت لمن بعدها ليستفيدوا منها.
في مظهر آخر من مظاهر الانتصار، وهو مثلاً التقليل أو دعنا نقول فشل التنصير والتغريب والعلمنة. هل من انتصار هذه الحركات الإسلامية أنها قاومت العلمنة ولم تتسرب؟ طبعًا، مما لا يشعر به كثير من الناس مسألة التنصير وكيف كان التنصير تيارًا قويًا وجارفًا في عشرينيات القرن الماضي. وهذا لم يكن في أفريقيا فقط، بل كان عندنا أيضًا في مصر وفي الشمال الأفريقي وفي الشام.
مسألة التنصير هذه كانت شبكة عاتية وقوية، وكانت مدعومة بالسلطة المحلية ثم مدعومة بالكنائس الأجنبية. وبالمناسبة، لا تزال شبكات التنصير تعمل حتى الآن في مصر، بل في هذا الباب كثير من المخازي والفضائح والدعم الموجود، سواء من الدولة أو من القوى الدولية للشبكات التنصيرية في مصر حتى هذه اللحظة. ومع ذلك يزداد عدد الداخلين في الإسلام، وفي الفترة التي تلت الثورة إلى الانقلاب العسكري.
كنت أتابع هذا الملف مع بعض إخواننا المهتمين بملف مقارنة الأديان والمناظرات مع النصارى، وكثير من الناس استشعر الأمن بعد الثورة، فتجد في سجلات قسم إشهار الإسلام بالأزهر الشريف تضاعفًا في أعداد الذين أظهروا إسلامهم في هذه الفترة، لدرجة أن الكنيسة المصرية كانت تستشعر تخوفًا شديدًا، بالذات حين تسلم زوجات أو بنات الكهنة أو القساوسة، كانت تكون أزمة شديدة. وكان البابا شنودة -الذي هو البطريرك السابق- وبعده توادرس -الذي هو البطريرك الحالي- يضغطون، وكان جهاز الأمن ينتزع هذه المرأة المسلمة ويعيد تسليمها للكنيسة؛ لأن الكنيسة القبطية كانت تدخل في هذا الملف من باب أنها تصنع أزمة طائفية، فالدولة لأنها لا تريد أن تدخل إلى هذا الحد، ولأنها أسست على هذا أيضًا، فكانت تنتزع المسلمة وتعيدها مرة أخرى للكنيسة وتختفي، وهذا فيه حوادث كثيرة، من وفاء قسطنطين وكمليا شحاتة وبنت الفيوم ماري عبد الله وغيرها.
ليس هذا وقته الآن، القصد أن التنصير كان كثيرًا جدًا في ديارنا الإسلامية، فواحدة من أهم إنجازات الحركة الإسلامية أنها قطعت الطريق على أن ينجح التنصير، وكذلك قطعت الطريق على أن تنجح العلمانية وتتحول إلى تيار شعبي متغلغل. وبالمناسبة، عالمنا العربي على وجه التحديد أكثر صحة من العالم غير العربي في مسألة العلمنة؛ تجد مثلاً في تركيا أو في إيران أو في بعض المناطق الأخرى مثل المسلمين في الهند وغيرهم قدرًا من تسرب العلمنة إلى حياة المسلمين، لكن في عالمنا العربي هناك حد واضح وفاصِل بين المتعلمين وبين المسلمين، وأن الإسلام والعلمنة نقيضان. كل هذا يوضع في ميزان وصفحات وإنجازات الحركات الإسلامية.
لكن يا أستاذ محمد، إذا كنا قد نجحنا في مقاومة التنصير ومقاومة العلمنة، فأنا أعتقد أننا لم ننجح في مقاومة التغريب؛ التغريب دخل إلى بلادنا وانتشر واكتسح. ولكن ما هي مظاهر انتصار الإسلاميين في مقاومة التغريب على الأقل؟ لما اكتسحت السوشيال ميديا، لم نستطع أن نقاوم فكرة التغريب، فالآن من يتنصلون من الالتزام أو من كل أشكال الانضباط عددهم يتزايد، أليس كذلك؟
أنا فاكر مرة أظن أنت سألتني سؤالًا: العلمانية نجحت ولا فشلت؟ فكنت بقول لك إن السؤال ده لو سألته للعلماني هيقول لك فشلت، ولو سألته للإسلامي هيقول لك نجحت. أما التغريب، فخليني أقول كيف يمكن أن نقيس نجاح التغريب في أمتنا؛ خلينا نقارن بين نجاح التغريب في أمتنا ونجاحه في الأمم الأخرى مثل الهند والصين واليابان. الهند والصين واليابان تشربوا معنى التغريب ومظاهره وسلوكه وأخلاقه بأكثر بكثير مما كان في عالمنا الإسلامي، فلذلك حين تنظر من هذه الزاوية تقول إن الحركات الإسلامية في البلاد الإسلامية نجحت في أن تعرقل انتشار التغريب.
لكن التغريب هذا كان منتشرًا بقوة السلطة، وكان منتشرًا بفارق الأموال والارتقاء الاجتماعي، وكانت كثير من مظاهر الحياة بطبيعتها منمطة تنميطًا غربيًا، مثل الدراسة في الجامعات. الجامعة أعتبرها منتجًا غربيًا بالشكل الذي جاءت به، والاختلاط الحاصل في الجامعة، والمناهج التي تدرس في الجامعة الآن. الجامعة حين جاءت إلى بلادنا كانت طريقًا وحيدًا للنمو الاجتماعي والمالي، والسلطة أرادت أن تنشئ في بلادنا الجامعة على نفس النمط الغربي؛ الجامعة التي تبقى مختلطة تمامًا، يدرس فيها الشباب والبنات، ويمارسون فيها أنشطة ثقافية وفنية وترفيهية. هنا تقدر تقول: هل هذه الجامعة بهذا الشكل نمط من أنماط التغريب؟ نعم، لكن هل هي نمط مفروض ووحيد للارتقاء التعليمي؟ نعم أيضًا، فبقي أي أحد يريد أن يتعلم أو يترقى اجتماعيًا لا بد له من الدخول إلى الجامعة.
فهناك قدر من التغريب والحداثة، قدر أُجبر عليه الناس إجباراً. نفس الكلام تروح للسوشيال ميديا، وهذا المثال الذي ضربته: السوشيال ميديا كلها نشأت في الغرب على نمط الغرب تماماً؛ وهو دعم الفردانية، ودعم التفاهة، ودعم اللذة. هذا النمط أُتيح لنا كمستعملين، ثم وضعت له إمكانيات أن تتكسب منه.
حين تكون في مجتمع يعاني من الفقر، وفي مجتمع يعاني من انتشار أنماط التغريب، وفي مجتمع يحب الشاب والفتاة أن يبرز وأن يعبر عن مواهبه في مناخ يسمح له بالتعبير عن مواهبه -لا يعني الغناء والرقص-، يبقى عندك شيء يختلط فيه الاجتماعي بالاقتصادي بالنفسي بالتقنية التكنولوجية التي أتاحت هذا كله.
ولذلك الأشياء هي دائماً تحمل روح الحضارة التي نشأت منها. تعرف مثلاً لو أن السوشيال ميديا نشأت في مجتمعات مسلمة غير متغربة، أنا متصور أن الفيسبوك مثلاً ما كانش هيبقى حسابات شخصية، كان ممكن يبقى حسابات عائلية؛ ما ينفعش الإنسان لوحده يعمل حساب. الحضارة بتاعتنا مش بتفرز فردانيين بهذا الشكل، الحضارة بتاعتنا تنشئ عائلات وتنشئ قبائل وتنشئ أسراً. ولذلك المساحات التي فيها حرية حركة للأمة بتلاقي فيها تطبيقات نافعة جداً، أنا عارف مثلاً أوبر وكريم، التطبيق بتاع التاكسي.
قد حدثني قبل أن يظهر أوبر وكريم والتطبيقات دي، حدثني واحد صديق ممن يهتمون بالبرمجة في أنه ينوي أن يصنع تطبيقاً سماه هو "فضل ظهر". أخذاً من حديث النبي ﷺ: «من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له». يعني الواحد الذي ماشي راكب حصان أو حمار أو بغلة وعنده مكان وراءه، لما يلاقي حد ماشي على رجليه يردفه وراءه.
يقول له: «من كان عنده فضل ظهر»، يعني مساحة، فليعد به على من لا ظهر له. فصاحبنا هذا قبل ما تظهر تطبيقات التواصل كان رأيه: إننا لو عملنا تطبيق يقول أنا مثلاً عندي شغل يومياً رايح جاي من الساعة كذا للساعة كذا من المكان الفلاني للمكان الفلاني، أو أنا مثلاً أولادي بيروحوا المدرسة من المكان الفلاني للمكان الفلاني كل يوم وبيرجعوا في هذا الوقت، الناس ممكن عبر الإنترنت تعرف تضبط مشاويرها على بعض، فبدل ما 50 عربية رايحين في نفس الاتجاه، ممكن عربية واحدة أو عربيتين أو ثلاث عربيات يشيلوا اللي ناويين يروحوا.
وده في الآخر كان عنده فكرة تعاونية، شوف أنت العقل الإسلامي لما فكر في الموضوع راح مطلعها تعاونية، لكن العقل الغربي لما فكر في الموضوع طلعها فردية.
مثلاً من الحاجات التي سبحان الله قرأتها، واحدة صيادة فقيرة في تقرير كان اتعمل على موقع ميدان التابع للجزيرة، بتقول: يا بنتي لو احنا راضيين أو لو احنا مؤمنين بربنا ما كانش هيظهر عندنا حاجة اسمها الثلاجة. ليه يا بنتي؟ يعني إزاي ما يظهرش عندنا الثلاجة؟ دي حاجة كويسة! المرة البسيطة دي عبرت عن أن الثلاجة دليل على نوع من الشح والبخل، ونوع من عدم الثقة في الغيب وفي الرزق.
طيب لما نيجي ندخل جوه دماغ الست البسيطة دي ونروح نسألها: طيب المفروض نعمل إيه يعني لو كانت الثلاجة هذه اخترعت والمسلمون هم في حالة حضارية أرقى؟ أنا متصور أن كانت الثلاجة دي هتبقى ثلاجة جماعية، مش هيبقى فيه ثلاجات فردية، هيبقى فيه ثلاجة كده مثلاً عند كل شارع أو عند كل عيلة أو عند كل قبيلة، أي حد يا جماعة يزيد من طعامه شيء يجي يحطه في الثلاجة بتاعة كل الناس، والذي ينقص من طعامه شيء يجي يأكل. لكن ليه حصلت الثلاجات الفردية في البيوت؟ لأنه الحضارة التي أخرجتها حضارة فردانية تهتم بمصلحة الفرد. كانت هتبقى الثلاجة الخاصة دي عاملاً زي الطيارة الخاصة، ممكن تبقى موجودة بس غالية جداً ولا يقتنيها إلا الأثرياء جداً.
فهذا الذي أعنيه أنه التغريب بمستواه الذي وصل إلينا وبمستواه الذي وصل إليه في بلادنا، كان أقل في الشمول والسعة والانتشار وأقل في التأثير العميق من البلاد الأخرى، زي الصين وزي الهند.
مفهوم، تعقيب صغير بس على صاحبك أبو تطبيق السيارة، بنظرة سوداوية؛ هو الأصل الدولة أن تنظر إلى هي الفكرة أنها بتخفف من ضغط المواصلات وبيساعدوا الناس فيما بينهم، لكن الدولة ما بتقرأ فكرة زي هي بهذه الطريقة، هي بتقرأها أنك حتنافس في الاقتصاد، وبالتالي الحيتان والمافيات والعصابات اللي ماسكين المواصلات حيعتبروا هذا التطبيق تدميراً لخطوطهم ومواصلاتهم، فيضربوه في مقتل في أرضه، وقبل ذلك ستتخوف من نشوء كتل اجتماعية متماسكة.
أنا زمان مما أدركته ومما يحكيه الناس في القرية عندنا، أنه كان عيب تركب الحمار والبتاع ده وفي ولد صغير ماشي أو حد ضعيف ماشي وما تعزمش عليه. كان ده طبيعي في بلادنا وكانت الناس عارفة بعض، وكان الناس يطلبون هذا الحق من بعضهم طلباً للمستحق له. أنا أدركته في قريتنا، لو مثلاً واحدة ست شايلة حاجة ثقيلة، هي بتقول مباشرة، هو لو أي حد شافها يهرع مباشرة ليحمل عنها. طيب افرض ما حدش خد باله؟ تنادي: أنت يا فلان تعال شيل دي وصلها للبيت، تطلبها طلباً للمستحق.
طيب دلوقتي المرأة الحديثة المعاصرة ما تقدرش تطلب هذا الطلب، ولا يرى أحد أن له عليها واجباً، ممكن واحد عنده إنسانية خير وبركة، لكن لو ما عندوش وما يهمهوش، لا هي ترى أن ذلك حقاً لها، ولا هو يرى أن ذلك واجباً عليه.
من أهم ما نكون نحن بنحكي بالحصاد، في ليفل بدأ مع بدايات القرن الـ 21 مختلف شوي في طبيعة الإنجاز أو الانتصار، نحن شفنا الذي صار في 7 أكتوبر، مثلاً هي يمكن هذا ليس انتصاراً أو يعني ليس هي نقطة تحول كبرى في هذا القرن؟
أنا أنظر لهذا الأمر بشكل مختلف يا أبا الحارث، أنا أضع سواء 7 أكتوبر وحتى شبيهتها 11 سبتمبر في باب آخر وهو باب أن هذه الأمة يخرج منها ما لا يتوقع أبداً أن يخرج وفي ظرف مستحيل. أمريكا في سنة 2000 و2001 كانت فعلياً لا منافس لها ولا أحد يفكر في منافستها، وتعيش كالآمنة المطمئنة التي تتربع على عرش العالم، وكان قبلها كلينتون يقدر يبعث طيارة تضرب في السودان ويقدر يضرب في العراق وهكذا.
كيف يمكن لأمة تعيش كل هذا القدر من الضعف أن يوجد فيها من يكن عنده من الخيال ومن العزيمة والإصرار أن يسدد ضربة لا يجرؤ على التفكير فيها القوة الكبرى؟ لو دخلت لدماغ بوتين، لو دخلت لدماغ بتاع الصين، لو دخلت لدماغ بتاع الهند، اللي هو تحت يده إمكانيات لا يجرؤ ولا يفكر فيها، لا يجرؤ، كيف يفعلها من ليس بيده شيء أصلاً؟ ولذلك لما تتلبس النظرة الغربية وتنظر بعينه، ترى أن هذه الأمة أمة عصية على التفسير، عصية على التوقع. وأنا قرأت هذا في عدد من المرات، أنه بعد ما يستنفذ "احنا مش هيقدروا يعملوا كذا علشان واحد اثنين ثلاثة أربعة"، يرجع ويقول: ولكن هذه الأمة عودتنا أنها يمكن أن تكتشف طريقاً لم نتوقعه.
حقيقة، أنا قرأت في بعض التقارير الرعب والانزعاج من أنه أمة بإمكانيات ضعيفة جداً يوجد فيها من يفكر هذا التفكير ومن يقدم على خطوة بهذا الشكل، أدعى إلى الخوف والانزعاج من أنه هذه الأمة إذا امتلكت بعض قرارها أن يكون ذلك. أنا أقول لك على حاجة لطيفة، لسه من يومين بالضبط، كان واحد إسرائيلي كاتب مقال عن صهر خامنئي. صهر خامنئي هذا هو بيقول إنه هذا هو الذي ترجم فلسفة "كانت" إلى اللغة الفارسية، وعنده دكتوراه في الفلسفة، وأبناؤه كلهم فلانة عندها دكتوراه في كذا وفلانة عندها دكتوراه في كذا وفلانة عندها ثلاث دكتوراهات.
بيقول: طبعاً أنتم متوقعين أن أنا بعد ما أقول لكم كده متصورين أن الراجل ده راجل معارض للنظام الإيراني أو راجل يساري أو راجل بيحب، قال لهم: على العكس، الراجل ده من اليمين بتاع الإيرانيين اللي هو مش هنقول إنهم بيكرهوا، لا ينطبق عليه ما نروجه في الغرب من أن دول مش فاهمين الحداثة ومش فاهمين الحضارة فعشان كده بيعادوها، لا، دول فاهمين الحداثة وفاهمين الحضارة واستوعبوها وترجموها وفي الآخر أصدروها وألقوها تحت أقدامهم ووقفوا موقفاً يقولون فيه: احنا أفضل منكم.
ده بالنسبة للغربي والإسرائيلي شيء مدهش، أنك تبقى فاهم هو بيعمل إيه وترى نفسك مستعلياً عليه. أنا أذكر الآن كيف ينظر الغربي العدو إلى أمة قد فنيت من يدها كل عوامل القوة وبتروح طالعة بحاجة مفاجئة غير متوقعة بهذا الشكل وبهذا المستوى، هذا الذي أتكلم فيه.
إيه اللي يخلي ناس مهندسين مدنيين متعلمين طيران ممكن يعيشوا في مستوى اقتصادي عالي، ويقودهم واحد وكان ثرياً وكان سعودياً وساب الثراء وساب النفط وقعد في الجبال؟ إيه اللي يخلي دول يفضلوا حياة المطاردة ويفضلوا الموت على أنهم يحيوا هذه الحياة الكريمة؟ ده منطق لا تفهمه الدول الأخرى، لا تفهمه الحضارات الأخرى، حتى وإن فهمته زي مثلاً بعض الناس في اليابان ولا في غيرها الفدائيين، إلا أن الأمة دي بتطلع فدائيين كتير بهذا الشكل.
بقول هذا أضرب به مثالاً على أنه أنت لو بصيت من وجهة نظر الغربي، هذه الأمة أمة مخيفة مزعجة توشك وأن تنهض مع كل اللي حصل فيها. الكلام ده يوضع في النهاية في ميزان الحركات الإسلامية، سواء كان التفصيل صحيحاً، يعني سواء كان الفعل في نفسه فعلاً صحيحاً قدر المصلحة والمفسدة ولا ما قدرهاش، لأنه في الآخر كل العمل البشري عمل يعتوره الصحة والخطأ، قد يختلف فيه التقدير.
يعني أنا أقول لك على حاجة، إنسان شجاع وأراد أن ينقذ امرأة من الغرق، وهو رايح ينقذها من الغرق غرق هو، انقذها وغرق هو، بلاش يا سيدي غرقت هي وغرق هو معها، إيه رأيك في النتيجة اللي هي سوداوية خالص دي؟ المشهد اللي أنت شايفه ده يخليك تقول ما حسبهاش كويس، ما نطش كويس، كان ينبغي يعمل، ليكن لكن تسلب عنه صفة الشجاعة والشهامة؟ لا، يظل شجاعاً وشهماً ولو أنه أخطأ التقدير، ده اللي أنا بحكي فيه.
مفهوم. عندها القدرة على المقاومة مهما كانت الظروف ضدها. طيب سيقول لنا أيضاً أحد الإخوة: إنه حلو هذا الحصاد اللي أنتم عملتوا لنا إياه في هذه الحلقة، ولكن أيضاً هناك أمور قد تكونوا أغفلتموها، مثل أنه هذه الجهود جهود الأمة في محاولة الإجابة عن سؤال "أين الأمة" طبعاً، وسؤال "كيف نستكمل الطريق بعد سقوط الخلافة"، إنه من أهم إنجازاتهم أنهم أعادوا الدين إلى المجال العام. برضه كلام صحيح، هذا إنجاز، هذا ولا ليس إنجازاً هذا؟
هذا إنجاز كبير، ولا قصدي هو كان موجود بالطبيعة هكذا؟ لا، لا، لا طبعاً، الدين كان مستبعداً من المجال العام، بل أنت دلوقتي تلاقي بعض العلمانيين والفنانين في مصر يقول لك إيه: يقول لك يا أخي أنا مش عارف إيه اللي غيرنا، زمان كنا بنقعد مع بعض بناكل ونشرب وننام، ما فيش حد فينا عارف مين المسلم مين المسيحي، هو طبعاً بيقولها متحسراً، أنت متخيل كان فيه طبقات اجتماعية وصلت أنه مش عارف مين المسلم المسيحي والموضوع مش فارق معاه، يعني المسلم ده واضح أنه ما بيصليش، واضح أنه لما يبقى فيه خمر بيشرب الخمر عادي، فانت مش عارف تفرق بينهم أصلاً هو بيقول كده وهو زعلان.
واحد مثلاً يقول لك: يا سلام فين الأيام الجميلة لما كان الواحد يبقى قاعد في البلكونة وقدامه إزازة البيرة ومراته بقميص النوم في البلكونة، هو فاكر دي حاجة كويسة. طبعاً كل ده دلوقتي هو متحسر بقى. الشيخ القرضاوي الله يرحمه كان ليه قصيدة لطيفة وكوميدية وساخرة، ودي من المواطن النادرة بتاعة سخرية الشيخ القرضاوي. القصيدة اسمها "الأصوليون"، أرجوزة على لسان العلمانيين، يعني العلمانيين بيتكلموا إزاي عن الأصوليين، فمطلعها كالاتي:
أبلغ رجال الأمن حتى يزحفوا فها هنا جماعة تطرفوا من الأصوليين أعداء الوطن أخطر من جميع عباد الوثن قد نأمن الهندوس واليهود وقد نقيم معهم العهود إلا أولئك فإذًا يحذروا فهم علينا من يهود أخطروا
عرفتهم باللحن والسمات ومجمل الأعمال والصفات إذا دعي إلى الصلاة هبوا لها في خفة القط حتى صلاة الفجر في المساجد والناس بين راكد وراقد يؤذنون في أماكن العمل من غير خوف أو حياء أو خجل والناس فيهم تارك الصلوات فكيف يؤذون مدى الأوقات
أليس من ميراثنا الثقافي رياضة الخصور والأرداف؟
ويا حسرة على زمان انقضى، كان الشاطئ فيه لحماً أبيضاً. فطبعا الإسلاميون أنجزوا إنجازاً هائلاً على مستوى خربوا المجتمع الإسلامي. أيوه أيوه، وكثير على هذا النحو. طيب، على فكرة، بس أنا على فكرة أنا أريد أن أضيف إلى ذلك، تذكرتني بأمر، تدري ما أنتجه الإسلاميون في أبواب الثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والقانون وغيرها ضخم كثير طويل جداً، ولكنه مع الأسف رهين رفوف المكتبات وأقسام الدراسات في الكليات والجامعات.
لأنه لا يجد الطريقة للعمل، يعني المكتوب في الاقتصاد الإسلامي وكيف يمكن أن تتحول البنوك من بنوك ربوية إلى بنوك إسلامية، كيف يمكن أن تتأسس الشركات بشكل إسلامي، مسائل البورصة وما فيها من يعني الخروج من المعاملات المحرمة، السندات والأذونات، كل هذه الأبواب يا أبا الحارث في الهيكلة في الإدارة كل ده مكتوب فيه رسائل ماجستير ودكتوراه وأبحاث، ولكنها لا تجد الطريقة إلى التطبيق والتنفيذ.
يعني حتى الأرث الذي تركه الإسلاميون في باب إصلاح الحياة أرث عريض وطويل ولكنه معطل، لا يستثمر حتى الآن. أيضاً يمكن من حصاد هذا القرن للإسلاميين أنهم سدوا بعض الفراغات أو ملؤوا بعض الفراغات التي الدولة كانت غير قادرة على ملئها، يعني هم صنعوا شبكات من الأنشطة الخيرية ومن يعني بنى تحتية هيكلية مجتمعية ضخمة جداً ومتنوعة جداً.
تدري أنه الإسلاميون مختلفون في هذا الأمر، بعضهم يرى -من أي ناحية؟- بعضهم يرى أنه الإسلاميون لما بذلوا كل هذه الجهود في البر إنما عالجوا مشاكل السلطة والدولة واستدركوها وأخروا الثورة عليها ورقعوا لها ما أفسدته بيدها، وبالنهاية لم يكسبوا من وراء هذا كثيراً، لأنه حين أشبعت البطون دون إصلاح العقول لم يغني عنهم هذا شيئاً.
يعني مثلاً من التجارب الحديثة في مصر بعد الانقلاب العسكري، مشهور جداً حتى لسه كنت من يومين مع أخ فبيقول لي أنا رايت هذا المشهد بعيني يعني أنا سمعته أو سمعت أمثاله كثيراً بس هو لما حكى لي قال إن أنا شفت المشهد ده بعيني، في هجمة على مظاهرة من المظاهرات تماماً، ففي واحد ماشي كده كأنه مش تبع المظاهرة يعني، فواحد بلطجي قال له ده تبعهم يا باشا، قال له عرفت إزay؟ قال له هو ده اللي كان كل شهر بيجيب لأمي تموين الشهر.
يعني ابن الأسرة الفقيرة الذي كان يأخذ كل شهر تموينه من واحد من لجنة البر من الإخوان هو أول من أبلغ عنه، فهنا إيه اللي حصل؟ هنا إن أنت أشبعت البطون دون أن تصلح العقول. طيب، هل كان من مصلحة الإسلاميين فعلاً أن هم ينشروا عمل البر هذا وهم غير قادرين على أن يحصدوه وعياً؟ هل من الطبيعي أن أنت تسمن من يمكن أن يكون عدوك؟
طيب، هل لو أنت امتنعت عن هذا وخليت الشعب تجاه الدولة التي تفسد والتي تفقر والتي تجيع والتي لا تقوم بخدماتها، هل من المصلحة أصلاً أن أنت تدخل علشان تعالج واحد أفقره عدوك وأوجعه عدوك وأصابه وأفسده عدوك؟ أنا بقول لك الفكرة فين، طبعا لا يزال الناس مختلفين في هذا، وبعد كده الناس بتقول خير الناس أنفعهم للناس وهذا من عمل البر وطبعا هذا لله ما كانش علشان يبقى فيه حصاد سياسي.
لكن أنا مش عايز أفصل في الخلاف دلوقت، مش بقول أيهما أرجح، لكن الفكرة هنا إن المجهود الإسلامي الذي بذل في إغاثة المحتاج كان مجهوداً ضخماً هائلاً إلى الدرجات التي يرى بعض الإسلاميين أنه كان أكثر من اللازم جداً، وأنه أبطأ الثورة الناس على الدولة، وأنه استنفد مجهوداً لو أنه بذل في الدعوة وفي إصلاح العقول لكان أجدى على مصلحة الناس وعلى حتى الإسلاميين من هذا الذي بذل في ملء البطون.
طيب، استاذ محمد، هذا حصاد أكثر من رائع جميل جداً، لكن أريد أن أسال هو احنا قاعدين بنحكي عن حصاد وانتصارات وانه القصة مش سوداويه قوية كثير، لأنه نحن بدنا نلمع صورة الإسلاميين، يعني نحن بدنا نبيض صفحتهم، يعني مثلاً ما فش انتقادات فش مشاكل فش سلبيات، ولا هذا مش موضوعنا؟ احنا لأنه في سؤال أنا سالت هذا السؤال في بعده سؤال، احنا في سلسلة تاريخنا نستعرض على الأقل مجمل التاريخ الإسلامي.
فحين وصلنا إلى القرن العشرين كان ينبغي أن نتعرض لما أصاب هذه الأمة من مشكلات، وأن نتعرض لرده فعل الأمة، وبالتالي نتعرض لماذا انجزت رده الفعل هذه لصالح الأمة؟ أقصد أقول احنا كل منطلقنا منطلق تاريخي، يعني احنا مش في مجال تقييم الحركات الإسلامية نفسها دلوقت. ماشية السؤال الأخير في هي الحلقة يعني أنه هذا الكيان اللي اسمه الدولة استاذ محمد نحن موقفنا من الدولة ايش لازم يكون؟ وهذه الدولة اللي الإسلاميين كلهم شايفينها شيء لن يحقق مفهوم الأمة بالاخر.
نحن مطلوب منا أنه الدولة هي استاذ محمد عامله مساجد؟ نعم، أعطيني هيك من هي من موريتانيا لمشارف الصين فشرق عن تركستان ادخل على الصين فيها مساجد للمسلمين وبصلوا فيها، بس قصدي هي من هناك لهون ومن من الشمال للجنوب تحت في مساجد ومفتوحة وبدك تزكي بتدفع زكاة وفي مدارس اسلامية وفي بنوك إسلامية وفي والناس بالعموم يعني هيك بتلاقيهم عايشين بأمان.
أي نعم الأحلام أو الطموحات تحولت إلى أحلام وتبخرت والدنيا تعيسة وحالة سيئة نفسياً، لكن بشكل عام في أمان في مية في كهرباء في في حياة، يعني نحن شو مشكلتنا مع الدولة؟ ما خلص. والله يا أبا الحارث كويس الجو يعني، السؤال الأصح أن يقال ما موقف الدولة من الناس؟ وشو ماذا تريد الدولة من الناس؟ يعني في الآخر من هو الطرف الأقوى؟ من هو الطرف المسلح؟ من هو الطرف الذي يملك الأموال؟
الآن لو أن هذه الدولة، على فكرة، الإسلاميين مختلفين في نظرتهم إلى الدولة، يعني الإسلاميين ما عندهمش رأي واحد في مسالة الدولة تماماً، ومسالة أن الدولة لا تحقق الحد الأدنى للناس ده مش رأي الإسلاميين بس ده تقريبا رأي كل الناس، تمام، وإلا لو الناس راضية عن الدولة يعني الدولة دي تعبير حقيقي للناس تحفظ كرامتهم تعبر عنهم، الذي يحكمها يحكمها باختيارهم، الناس عندهم القدرة أن هم يقولوا له أين الصواب وأين الخطا، الناس عندهم القدرة أن هم يعزلوه إن أرادوا بشكل سلمي.
الدولة دي بهذا الشكل ما الذي يصنع إشكالاً بينها وبين الناس؟ ما فيش، لكن نشأة الدولة في بلادنا نشأة مشوهة، هي دولة جاءت إما بالغلبة والقهر وإما جاءت بفعل الاحتلال الأجنبي. فمنذ ذلك الوقت هذه الطبقة التي يسميها الدكتور المسيري الجماعة الوظيفية، هذه الطبقة تنتمي بافاقها واحلامها وأفكارها ومصالحها لتنسجم مع الغرب ولتضاد الأمة زي ما قلنا كده الرجل القومي اللي اسمه برهان غليون وهو كاتب إيه؟ المحنة العربية الدولة ضد الأمة.
فهي مش مشكلة الناس مع الدولة، هي مشكلة الدولة مع الناس، الدولة تحولت إلى آلة وظيفية باطشة وقاهرة، أتصور أني ذكرت قبل ذلك في حلقة من الحلقات واحد زي المستشار طارق البشري، راجل تقدر تحسبه قومي وتقدر تحسبه إسلامي، وكان رجلاً قاضياً بمجلس الدولة، يعني راجل دولتي ورجل قانون مؤرخ قاض. لما كتب كتاباً عن جهاز الحكم والاداره في مصر حسب الفترات التي كان فيها جهاز الدولة منبثقاً عن حكومة منتخبة طلعوا تقريبا ثلاث أربع سنين من ضمن 150 سنة ومتفرقات يعني.
فبيستنتج إيه؟ بيستنتج أنه الثقافة الداخلية لمؤسسات الدولة تعادي الشعب، الثقافة الداخلية يعني الضابط والعسكري في داخله يعني شرب ثقافلة بتقول إن احنا أسياد البلد إن دول شغالين عندنا، مش احنا اللي شغالين عنده، مش احنا موجودين عشان نخدمهم يعني، آه ما هي كارثة والله. فدي مشكلة الدولة مع الناس مش مشكلة الناس مع الدولة، نعم نعم الله المستعان.
استاذ محمد أنا كان قصدي أقول يعني أنه زي ما ذكرنا يعني أي انتصارات وإيجابيات الإسلاميين وكذا يعني برضه الدولة في لها إيجابيات ولا ما لها إيجابيات الدولة عموما؟ يعني عموما لو في مساوئ عند الحركات الإسلامية ولو في إيجابيات عند الدولة فبالتأكيد آلاف وسائل الإعلام بتقولها، آه الناس مش هيفتقدوها عشان ما سمعوهاش في البرنامج بتاعنا.
يا سيدي جزاك الله خيراً. حياك الله يا سيدي وأسأله تعالى أن ينفع بما تقولون وأن يبلغ عنكم إن شاء الله. أما أنتم إخواني أينما كنتم كما تعودنا لا تنسوا أن تشاركوا هذه الحلقة مع إخوانكم وأصحابكم حتى يعم الخير على الجميع، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة من هذه السلسلة الطيبة المباركة دمتم في رعاية الله إلى اللقاء. لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته وقادته وعلماؤه أحداثه وأسراره الحكم والسياسة والحروب والمعارك ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب. تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.
محمد إلهامي