دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 6. العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.. أين ومتى وكيف كان؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

شو تعريف الحضارة عند المسلمين إذا؟ المسلمون ظلوا مهيمنين ولم يفقدوا ثقافتهم الإسلامية ولا دينهم الإسلامي. ما هو العصر الذهبي للحضارة الإسلامية؟ حتى المستشرقين بيختاروا برضو القرن الثالث أو الرابع أو الخامس الهجري. كيف نفسر دخول اللغة العربية على الشمال الأفريقي؟ هذا طبيعي لأن هم دولة عربية وقاعدتهم من العرب. ألم يجبروا هذه الشعوب على أن يتعلموا اللغة العربية رغماً عنهم يعني؟ إذاً من طبيعتنا الاجبار هنروح نعمل ايه؟ ننجبر الجميع. ما هي الإجابة الصحيحة إذاً؟ إنما متى تدين الأمويين؟ تدينهم إذا حاولوا إجبار الآخرين على ترك لغاتهم أو تعلم اللغة العربية، هذا لم يكن يا أخي. أنتم ما كنتوش عنصريين معاهم. غير أن هناك استثناءً واحداً من قاعدتنا هذه، وهي الفتوحات الإسلامية الأولى، بل الشعوب هي التي دخلت في الإسلام.

أهلاً وسهلاً بكم إخواني أينما كنتم، وأهلاً بكم عشاق التاريخ أينما كنتم أيضاً في سلسلة مئة سؤال في التاريخ. احنا الآن في الحلقة السادسة، واللي حنطرح فيها السؤال رقم 15. وأرحب أيضاً بضيف السلسلة الدائم الأستاذ محمد الهامي، حياكم الله أخي. أهلاً وسهلاً.

أستاذ محمد، السؤال الخامس عشر يقول: ما هو العصر الذهبي للحضارة الإسلامية؟ هذا العصر الذهبي يا أخي متى كان موجوداً؟ ووين كان؟ وفي شغلة كمان هيك يعني تثار أيضاً هنا وهناك، هي قصة النموذج الحضاري، يعني طالما حنحكي نحن عن العصر الذهبي فبدنا نحلم عاد، هل سنعود في يوم ما إلى النموذج الحضاري الإسلامي؟ بل هل ممكن نعمل شيئاً أحسن منه ولا لا؟ ولا دائماً هذا النموذج فكرة العودة له ستواجه بالتآمر؟ وقد يتطلب الموضوع تدخلاً عسكرياً عاد من أجل إفشال وبالتالي أن تبقى هذه الأمة في ذيل الأمم.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يا سيدي وأنا أكرر الترحيب بك، الله يحفظك يا رب في هذه السلسلة الممتعة. وما شاء الله عليك، يعني احنا الحلقة اللي فاتت خلصنا حلقة في سؤال واحد بس، يعني أنا بشهد عليك الناس اهو، أنت بتسال سؤال مركب وضخم ومليء بالتفريعات. فالمهم أنا هجاوب وأنت بقى إيه تاخد بالك من العناصر. الشكر موصول لكم أولاً، ليس لي يعني، أنت اللي بتجاوب واحنا اللي كلياتنا بنستفيد منكم، ماشاء الله. تسلم يا سيدي.

طيب جميل، هذا السؤال، سؤال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، يرتبط بالكلام اللي احنا كنا قلناه في الحلقة الماضية. بالمناسبه، هذا السؤال كنت أحياناً لما بادي دورة مثلاً أو محاضرة، كنت بخليها مسابقة مع الشباب: يا جماعة، العصر الذهبي للحضارة الإسلامية إيه؟ فألاقي مثلاً اللي يقول الأندلس في عصرها الذهبي، طبعا أنت تعرف، طبعا زرت غرناطة وقصر الحمراء، قصر الحمراء ده شيء يعني مبهر بديع، يعني يخلب الألباب حقيقه، وده بعد بناءه بـ 600 سنة، يعني أنا متصور هذا حين بني، قصدي أقول الإنسان الذي رأى باريس وواشنطن ونيويورك لما ينبهر بالحمراء، طيب كيف كان الإنسان اللي ما شافش التقدم المعاصر كيف كان يرى الحمراء؟ كانت يعني كعالماً من الخيال في ذلك الوقت.

وأنا قرأت لبعض المؤرخين الإسبان أنه مجلس سلطان غرناطة كان مجلساً معداً لإلقاء الرهبة والهيبة في نفوس السفراء، علشان كده طبعا المجلس اللي هو في قاعة قمارش أي نعم، كون أنها مفتوحة من جهات مختلفة وانعكاسات الضوء فيها، وكمان لما بتحط عليها على الزجاج الألوان، هذا يفضي على السلطان الجالس وكأنه مهيمن على غرناطة، وهو أصلاً القصر فوق تلة سير نيفادا، يعني شيء رهيب، هو فوق تلة السبيكة في جبال سيرا نيفادا، نعم، جانب سيرا.

فالقصد أنه، طيب الحمراء ده كان مبهر؟ نعم، إذا هو مبهر دلوقتي بعد كل هذا التقدم العلمي، كيف كان في زمنه؟ حد يقول لك بغداد في عصر العلوم، وعصر، طبعا بغداد دي يعني احنا دلوقتي إذا قلنا إذا كنا بنقول مثلاً نيويورك دي عاصمة التجارة العالمية، وواشنطن عاصمة السياسة، وباريس عاصمة الثقافة، إذا كنا بنقول كده كل دول مع بعض كانوا بغداد في وقتها. بغداد في وقتها كانت كل دول معاً، ولذلك حتى ياقوت الحموي، جغرافياً المشهور الكبير، كان يقول: بغداد أم الدنيا وسيدة البلاد. ما فيش حد، طبعا هو عمل معجم عشان معجم البلدان، عند بغداد، بغداد دي سيدة البلاد، ما فيش حد بهذا المستوى.

الشافعي كان سأل أحد قرنائه، سبحان الله نسيت اسمه، كان يقول له: رأيت بغداد؟ يعني أرحلت إلى بغداد؟ فكان يقول له، قال: إذا ما رأيت الدنيا ولا الناس، اللي ما راحش بغداد ما شافش دنيا. طبعا الشافعي، الشافعي متوفى 204 هجرية، كان في يعني في أزمِنَة العصر الذهبي، لأنه أدرك هارون الرشيد، وبغداد واصلت ذروتها بعد هارون الرشيد في أيام المأمون.

واحد مثلاً يقول لك تاج محل في الهند، عصر المغول العظام، السلاطين الكبار، القصور الهندية العظيمة. واحد يقول القاهرة في زمن المماليك، ابن خلدون وهو بيقول فلما دخلت القاهرة فرأت يعني إيه إيوان الملك ومحشد البشر ومجمع الدر من الناس، وبيقول إيه؟ بيقول سالت شيخنا: ما هذه القاهرة؟ قال: كل شيء يحكيه الناس إذا رايته رايته دون ما حكوا إلا القاهرة. فلذلك ابن خلدون دخل القاهرة قال: من لم يرَ القاهرة لم يرَ عز الإسلام. القاهرة في وقت، يعني أنت قدام قدام عالم إسلامي.

ولورانت كان بيقول: الدنيا في العصور الوسطى كانت جنات أربع كلها في العالم الإسلامي. فمظاهر الحضارة الإسلامية زي ما قلت لها كده لو فتحنا مش بنخلص. فلما كنت بسأل الشباب: يا ترى يا شباب، أنتم شايفين فين العصر الذهبي للحضارة الإسلامية؟ فيقول لك: بغداد في عهد الأمين، في عهد المأمون، في عهد هارون الرشيد، القاهرة زمن المماليك، غرناطة، قرطبة، فاس.

لكن حقيقه هذه الإجابات كلها خاطئة، كلها خاطئة. ما هي الإجابة الصحيحة؟ ما هي الإجابة الصحيحة؟ وبالمناسبه، حتى المستشرقين حين يكتبون عن ذروة الحضارة الإسلامية بيختاروا برضو القرن الثالث أو الرابع أو الخامس الهجري. الإجابة الصحيحة هي أنه العصر الذهبي للحضارة الإسلامية هو عصر الخلافة الراشدة. يا سلام. نعم، على فكرة صادم للجمهور. نعم. طيب، هتشوف ليش مع ليش بقى؟ أيوه، مع أنه الخلافة الراشدة دي لا عملت قصر حمراء ولا عملت تاج محل ولا ولا كان فيها أبنية بديعة، ولا كان فيها اختراعات، ولا كان فيها ساعات، ولا ليه بقى؟

أولاً، احنا منين خدنا النه العصر الذهبي؟ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». هنا نرجع للمعيار الذي يميزنا كأمة إسلامية. احنا يا جماعة الخير، الأمة الإسلامية، ما هو أفضل ما أضافته للعالم؟ هل ما جاءت به من العلوم والفنون والعمارة والزخرفة والكتب والمصنفات والاختراعات، ولا أفضل ما جاءت به ما كان في الأفكار وفي الوعي وفي الأخلاق وفي القيم وإخراج الناس من عبادة العباد، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، والارتقاء بنفسية الإنسان ليكون طالب آخرة لا طالب دنيا، وليكون متعففاً عن الدنيا وزاهداً فيها، وليكون مجاهداً في سبيل الحق دون أن ينتظر مكسباً ولا أجراً، ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83].

الطبيعي يا جماعة الخير، احنا موجودين في العالم، موجودين في هيمنة الحضارة الغربية، وطبيعي المستشرقين اللي أنتجته الحضارة الغربية، طبيعي أول ما ينظروا إلى الانبهار وينظروا إلى الذروة ويسألوا عن عصر القوة، طبيعي يفكروا في بغداد، ويفكروا في الأندلس، ويفكروا في القاهرة. إنما المسلمين لا، المسلمين يبحثون عن العصر الذي كان خير تطبيق للإسلام. العصر الذي كان خير تطبيق للإسلام، حتى لو ما كانش فيه أي مظاهر مادية عمرانية، يعني عصر عمر، وعصر عثمان، وحتى عصر علي رضي الله عنه. الجميع، بما فيه من حروب، كل هذه العصور هي أعلى عند المسلمين وأرقى من عصور بني أمية، وبني العباس، وبني عثمان، ومن الأندلسيين، ومن سلاطين المغول في الهند.

ليه مثلاً عصر أبو بكر وعصر عمر؟ ولا ده كان سيدنا عمر يرى قاتل أخيه ويقول له: والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم، فيقول له: وهل هذا مانعي حقاً من حقوقي؟ فيقول: اللهم لا. فيقول الرجل: فأحبب ما شئت أو لا تحبب، إنما تأسى على الحب النساء. الخليفة الكبير العظيم، اللي هو يملك ثلث العالم المعروف بالنسبة لهم في ذلك الوقت، ما يقدرش يحرم من يبغضه حقاً من حقوقه؟ ما يقدرش يحرم من يبغضه حقاً من حقوقه؟ هو ده العالم اللي احنا عايزينه، احنا المسلمين عايزين هذا العالم، الحضارة.

عايزين، أه هو ده الحضارة. احنا عايزين العالم كله يبقى كله أكواخ وكله بيوت من الشعر ومن الحجر وما عندناش موبايلات ولا رفاهية ولا أقمار فضائية ولا ولا ولا ولا، والعدل يكون سائداً، وكرامة الإنسان تكون سائدة، والإنسان يسير في الشارع يأمن على نفسه، لا يخشى من ظلم حاكم، ولا يخشى من لص، ولا يخشى من قاطع طريق، ولا يخشى أن يهضم حقه. أيوه، ده العالم اللي احنا المسلمين نطلبه، ونفضله على العالم المليء بالترف، والمليء بناطحات السحاب، والمليء بأنواع التقنيات الحديثة، والإنسان فيه مهدور الكرامة، والإنسان فيه محبوس، والإنسان فيه ما يقدرش ياخد حقاً من حقوقه، والإنسان فيه يتعب لغاية لما يرفع قضية ولغاية لما إجراءات التقاضي تكمل، أو الإنسان يمكن أن يتلاعب به في أروقة ودهاليز القضاء والقانون، أو في أروقة ودهاليز الرأسماليين و و.

لا، هذا هو العصر الذهبي. احنا عايزين العصر اللي حتى لما ه نتقاتل فيه، نتقاتل فيه كما كان علي يقاتل معاويه رضي الله عن صحابة النبي أجمعين، اللي هو يقتتلون فيأتي وقت الصلاة فيصلون خلف إمام واحد، مقتتلين ومختلفين، ويسفك بعضهم دم بعض، لكن مقتتلين وهم الاثنين مجتهدين في إدراك الحق، يعني الفريقين يتقاتلان لطلب الحق، هم مختلفين في الحق، مش بيقتتلان لطمع الدنيا وكنز المال وتوسع الأرض.

لا، علي يرى أنه الحق، ومعاوية يرى أنه الحق، ووراء ذلك، يعني وراء كل واحد منهما من هو على رأيه وهناك من يعتزل. حتى وهم بيتقاتلوا، إذا جاء حان وقت الصلاة اصطفوا خلف إمام واحد. حتى إذا انتهى القتال، نادى علي: ألا لا يتبعن مدبر، اللي بيفر من المعركة ما حدش يجري وراه، ولا يسبن قتيل، ولا يذف على جريح. يا ليت أن العالم حتى حين يتقاتل، يتقاتل على طلب الحق اللي ما عرفناش نحله بالوسائل السلمية. ووقت ما يتقاتلون على طلب الحق، عندما تاتي لحظة الأخلاق، لحظة العبادة، يصطفوا صفاً واحداً، ولما تنتهي المعركة بانتصار أحد الفريقين، يتعلم كل الناس هذه الأخلاق في الحروب.

يجب أن يفهم المسلم أن مهمته في الحياة ليست هي، يعني مش رقم واحد فيها هو المظاهر المادية الضخمة، على العكس، لكم رفض القرآن الكريم وأدان وأنكر المظاهر المادية الضخمة إذا اقترنت مع الكفر والظلم والفساد. فقال تعالى، يعني الله تبارك وتعالى أمتن على الناس، قال: دمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، اللي هي البنايات العالية.

تمام، وفرعون ذي الأوتاد، فرعون ذي الأوتاد، هل هو فرعون ممدوح ولا مذموم في القرآن الكريم مع أنه كان صاحب مظاهر مادية ضخمة؟ مذموم. ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: 9]، يعني ثمود الذين قطعوا الصخر في الواد، أنت ترى مساكن ثمود، الناس كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، يعني عمل شيئاً عظيماً بمقياس العصر، فكيف كان بمقياس عصرهم؟ ثمود مذموم ولا ممدوح؟ مذموم في القرآن الكريم. عاد التي لم، ثمود التي لم يخلق مثلها في البلاد.

القصد هنا أنه المظاهر المادية الضخمة لا تزن عند المسلم شيئاً. ما الذي يزن عند المسلم؟ هو ما يكون من الالتزام بتطبيق الإسلام، وما ينطوي عليه الإسلام من قيم، ومن رحمة، ومن عدالة، ومن كرامة. ولذلك المسلمين عبر تاريخهم لم يرفعوا أحداً فوق الخلفاء الراشدين. يعني تلاقي واحد زي أبو جعفر المنصور، واحد زي هارون الرشيد، واحد زي المأمون، واحد زي سليمان القانوني، قصدي أقول الناس اللي هم إيه بلغوا في اتساع الملك وهشام بن عبد الملك بلغوا في اتساع الملك وفي الهيمنة عليه، المسلمون طوال تاريخهم يقارنون هذا بعمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق، وهذا الحاكم لا يجروء أن يقول هو أنا خير من عمر أو أبي بكر لأننا أحكم أوسع منه، أو لأننا بنيت قصراً أعظم منه، أو لأنني أمتلك من الأموال ما لم يكن عنده. المعيار ده مش موجود أصلاً.

يعني أنت الذي كان ينتقض لأنه لا يسير في الناس سيرة عمر، يعني أبو جعفر المنصور لما دخل المدينه فقال له ابن أبي ذئب: إنك إنك جبار، أبو جعفر، أبو جعفر كان الإمام أحمد يقول: مالك خير من ابن أبي ذئب في كل شيء إلا في القيام بالحق، لأن ابن أبي ذئب كان يواجه، يجابه أبو جعفر المنصور. قال أبو جعفر، أبو جعفر ده حاجة هيبة ضخمة جداً، واحد أه واحد حاكم الكوكب في عصر تأسيسي، فيقول له: إنك، فابو جعفر يقول له: أنا خير من عمر؟ لا، يقول له: إنما أهلكت المال على، قال: قد سير الجيوش من هو خير منك وعدل في المال يا عمر. أنا ألفت النظر إلى إلى أنه المسلمين لم يرفعوا أحداً فوق الخلفاء الراشدين، واللي الحاكم دول ما حدش فيهم يجروء يقول: أنا خير من هؤلاء الخلفاء الراشدين، مع

إنهم بالمقياس المادي وحده أوسع منهم ملكاً وسلطاناً، وأكثر أموالاً، وأكثر قصوراً، وأكثر حرساً.

طيب أستاذ محمد، يعني نحن بنعرف إن الحضارة لها شقين كبار؛ في شق ثقافي وفي شق عمراني، هذا اللي بنعرفه كلياتنا، لكن وفقاً لما تطرحون الآن لازم نسأل: شو تعريف الحضارة عند المسلمين إذاً؟ طالما بنسأل: العصر الذهبي لحضارة الإسلام والجواب هو حقبة الخلفاء الراشدين، صحيح. وبالتالي، ما تعريف الحضارة عند المسلمين؟ علماً -طبعاً- إنه احنا عملنا حضارة صح، مش معنى الكلام إنا ما عملناش حضارة، لا، احنا عملنا حضارة وكبيرة جداً ومبهِرة جداً، نعم، وتكلمنا فيها في الحلقة اللي فاتت عن مظاهرها المادية الهائلة، وحتى إحنا برضه في حلقة سابقة ذكرنا تعريف الحضارة واختلاف الناس فيه.

لكن أرجع وأقول: إذا إحنا بنسأل عن الحضارة عند المسلمين، فلا شك أن القيم والمعاني تستولي وتهيمن وتعلو على المظاهر المادية، هذا لا شك في ذلك، لأنه حتى المسلمين -شوف المسلمين- حضارتهم تعظم الكعبة، وتعظم المسجد النبوي، وتعظم المسجد الأقصى، ولا تعظم الحمراء، ولا تعظم تاج محل، ولا تعظم قصور القاهرة وقرطبة وفاس، ولا الباب العالي في إسطنبول، بل يرى كل هؤلاء أنفسهم مكلفين بخدمة الحرمين.

فأعيز أقول: إنت في الآخر لو جيت تقول عصر الخلافة الراشدة ده يعني أنتج إيه على المستوى العمراني؟ ما فيش غير الكعبة بناء مربع بسيط، وعلى فكرة، بعض العلمانيين المستشرقين يحقرون من هذا العصر على هذا النحو، بيقول لك: يعني إيه الإنجاز العمراني؟ لا، المسلم يرى نفسه مكلفاً باخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ يخرجهم من الظلمات إلى النور على مستوى بنائهم النفسي والقلبي والمعنوي أولاً، بعد كده يعملوا هم مظاهر مادية ورخاء حلو كويس.

طيب، إذا تعارض الأمران، يعني إذا تعارض الأمران بقى عندنا عصر بقيم معنوية بدون مظاهر مادية، وعصر فيه مظاهر مادية لكن القيم أقل، كيف يزن المسلمون هذا الميزان مع تطبيق الدين وتطبيق الشريعة والحفاظ على هذه القيم المعنوية -أقصد-؟ فذلك هذا هو العصر الذهبي.

طيب، العصر الذهبي ده بيفرق معانا إحنا في إيه؟ طبعاً هو إحنا لما بنتكلم في التاريخ ما بنتكلمش علشان نثرثر، ولا يفرق معانا في إنه ده بيحسن شكل العالم اللي إحنا عايزين نعمله، يعني إحنا كمسلمين إذا سُدنا مرة أخرى على هذا العالم، إحنا هنهتم نعمل إيه؟ إحنا هيبقي ما الذي نرى أن العالم يفتقده فنذهب إلى إصلاحه ونذهب إلى بنائه، لا، إحنا مش ناويين نعمل زي ما في ناطحة سحاب نروح إحنا علشان نُظهِر علو الإسلام نروح نعمل إيه؟ ناطحة سحاب تانية فوقيها، أو بدل ما الناس وصلت المشتري وكوكب زحل نروح إحنا ناويين نوصل للمجرة اللي بعدها، ليس هذا هو شكل العالم الذي نريد.

ممكن نعمل ناطحات سحاب ممكن -يعني ساعتها بقى نختلف، طبعاً أنا في عندي رأي في مسألة ناطحات السحاب، لكن عايز أقول إيه؟ ممكن اثنين مسلمين يختلفوا نعمل ناطحة سحاب أعلى من اللي عملها الأمريكان لإظهار علو الإسلام مثلاً، أنت عارف السلطان أحمد أراد أن يبني جامع السلطان أحمد أمام أيا صوفيا علشان يثبت أن المسلمين عارفين يعملوا قبة أعلى من قبة أيا صوفيا.

هل ده منطق إسلامي من وجه من الوجوه؟ ممكن نقبله، لكن مش ده اللي احنا عايزين، الذي نريده لهذا العالم والذي نريده لهذه البشرية أن يرتفع منها الظلم، المسحوقون الموجودون في الهند ونيبال وبنغلاديش الذين يديرون مكنة الرأسمالية العالمية والذين يدفعون من دمائهم ثمن رفاهية الإنسان الغربي -ولا حتى رفاهية الإنسان الشرقي أو الخليجي أو المترف أو أي حد- حرام! هذا الذي ينبغي أن نصححه؛ أن في شعوب مستعبدة لشعوب مربوطة باتفاقيات دولية تمنع الشعوب من أنها تستثمر مواردها وتنفق على نفسها وتحسن من أحوالها، علشان في دولة ما هي اللي متولية عقود طويلة الأجل وتسيطر على هذه الموارد، حرام! لا يجوز أن تكون مسألة أن في دولة تطبع أوراق نقدية بلا غطاء وتهيمن بجيوشها على العالم وبهذه الأوراق النقدية تشتري من الناس جهودهم وأموالهم وكنوزهم وأعمالهم، حرام!

فالعصر الذهبي للحضارة الإسلامية لا ينفعنا فقط في أننا بنناقش مسألة تاريخية، لا، هذا يوجه أذهاننا وضمائرنا: ما الذي نريد أن نصححه في المستقبل؟ ده فارق ضخم يا أخ مراد، حتى نعرف النموذج الحضاري اللي إحنا بدنا نعمله، وكيف يجب أن يكون هذا فارق ضخم في التوجه.

طبعاً أنا عايز أقول لك: إنت بالتأكيد لن تتمكن من مواجهة الحضاره المهيمنة القائمة الآن إلا بأن تمتلك العلم والتقنية، وأن تقاتل، ولازم يبقى عندك المظاهر المادية لازم علشان تتمكن منها في هذه الحرب لابد، لكن أن تكون هذه الأمور وسائل شيء وأن تكون غايات ومقاصد شيء آخر، لا، إحنا بنمتَحَن، والتي نُذبَح نحن يومياً بسبب ضعفنا فيها، لكن الذي نريده ليس أن نعمل مظاهر ترف ورفاهية ورخاء وعلو في الأرض وفساد أعلى من هؤلاء، لا، إحنا نريد إنقاذ هؤلاء من الظلمات إلى النور.

ولذلك -معلش سامحني- لذلك كنت تجد واحد زي ربعي بن عامر وهو بيكلم رستم -رستم ده قائد الجيوش الفارسية، اعتبره دلوقتي وزير دفاع الولايات المتحدة الأمريكية- ورستم ده مبعوث من جيش المسلمين، وحتى الرواية تصفه بأنه مخرق الثياب ورمح وحتى -أعبر- حالته صعبة، ورستم بيقول له: ما الذي جاء بكم؟ ربعي بن عامر بيقول له إيه؟ بيقول له: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

شوف المشهد العجيب! يا عم إنت ضيق دنيا مين؟ إنت جاي -يعني هو عايز يقول له: أنا جئت لأخرج رستم من ضيق الدنيا اللي هو فيه إلى سعة الدنيا والآخرة- يا حج! ده إنت ما عندكش كم تمرة تاكلهم، والراجل ده قاعد في الوسائد والنمارق وخلفه إمبراطورية فارسية بقها آلاف السنين خلف ظهره، فإنت جاي تطلع الفرس من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة اللي عندك إنت اللي هي ماذا تقول؟

لكن هذا هو الذي كان في عقل المسلم أنه: آه، رستم ده في زينته التي فيها في ضيق الدنيا، وأنا أريد أن أخرجه وقومه من ضيق الدنيا اللي هم فيها؛ تفكيرهم دنيا، آخر أحلامهم دنيا، آخر طموحاتهم دنيا، لما حبوا يُبهِروا المبعوث المسلم راحوا فرشوا له نمارق ووسائد.

لكن لا، أنا بقا اللي هو الأعرابي اللي في أنا في سعة الدنيا والآخرة مش متعلق بالدنيا ومش حريص على الدنيا وعندي سعة في الدنيا وفي الآخرة، فلذلك يا أخ مراد الإنسان المسلم إذا فهم هذا المعنى فهماً جيدا واستقر في ذهنه، راى الدنيا على حقيقتها، وراى هذه الأشكال الحضارية على حقيقتها، وراى في هذا المظهر البراق الخلاب ما تحته من الخديعة وما تحته من الظلم والفساد والفجور وسفك الدماء وقهر الأطفال.

لما إنت تسمع أن ملايين الأطفال شغالين ١٢ ساعة في اليوم و١٦ ساعة في اليوم في مصانع بتعمل القمصان لماركة جوتشي اللي موجودة في إيطاليا ولا لماركة كذا اللي في باريس، ما بتبصش ساعتها للقميص إزاي حلو وإزاي مضبوط، لا، بتبص ساعتها للدماء التي أُهلكت والمجهودات التي أُهلكت علشان الراجل الغربي والراجل الشرقي اللي معه فلوس يلبس القميص! هذا أمر مهم.

فالعصر الذهبي للحضارة الإسلامية هو عصر الخلافة الراشدة، وهو الذي بشرنا به النبي صلى الله عليه وسلم لما حدد مراحل التاريخ الإسلامي، قال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة راشده على منهاج النبوة فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا أراد أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً» -يبقى إحنا كده بننزل اهو بننزل- «فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».

وهذا هو العصر الذهبي؛ سنعود للعصر الذهبي، سنعود! والعصر الذهبي -كما بشرنا به النبي صلى الله عليه وسلم- أنه ساعة يعني في هذه العوده الأخيرة هيبقى برضه فيها أموال، أنا عايز أقول لك الخلافة الراشدة برضه كان فيها أموال، سيدنا عصر سيدنا عثمان بن عفان ده كان عصر رخاء على فكرة، ولذلك سيدنا الحسن البصري يقول -طبعاً سيدنا الحسن البصري من كبار التابعين أدرك أمهات المؤمنين وكان في عصر عثمان- فكان يقول: لقد كنت بالمدينه وما يمر يوم إلا وينادي منادي على الناس: هلموا أعطيكم! تعالوا النهارده في فلوس، كل يوم بيقول: ما فيش يوم، كل يوم في فلوس.

فقصدي مش معنى كده يعني مش معنى إنا بقول القيم المعنوية والأخلاق والدين أن إحنا هيبقى في فراغ من الدنيا وفقر دائم، لا، بس أنا عايز أقول: هذا هو العنصر الأهم، وإلا ففي عصر سيدنا عثمان كان في رخاء على هذا النحو، برضه النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لنا من هذه الفترة، من فترة الخلافة الراشدة، قال: «يكون في خلفائهم خليفة يحثو المال حثواً لا يفرقه تفريقاً» -يعني مش بيعد فلوس وهو بيه-.

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الزمن بأنه زمن يكثر فيه المال ويعم فيه الأمن، وذكر من المظاهر حتى إنه إيه: ترعى الذئاب مع الغنم، وترعى الوحوش مع البقر، ويلعب الصبيان بالحيات لا يؤذينه هن، ويمكن كان في عهد الأمويين هذا، أعد هذا في الزمن في العهد الخلافة، يعني هذا في الخلافة المنتظرة؛ غالب الذين فسروا هذا الحديث فسروه في زمن المهدي وفي الخلافة الموعودة -زمن المهدي وفيما بعد في زمن عيسى ابن مريم حين يعود عليه رضوان الله، لأنه سيعود أيضاً فيما بعد المهدي-.

لكن على كل حال يعني عايز أقول لك إيه: إن الخلافة الموعودة التي على منهاج النبوة هيكون فيها برضه أموال ومظاهر تفوق مادية كما كان في الخلافة الراشدة أيضاً مظاهر تفوق مادية، لكن ليس هذا ولا ذاك هو الذي يميز أنها راشدة، وليس هذا ولا ذاك هو الذي نطمح نحن المسلمين المسلمون إليه لتحقيقه.

لا، سيظل عصر بني أمية أقل من عصر الخلافة الراشدة، مع أنه كان أوسع منه وكان أكثر مالاً منه وكان أكثر سطوة منه، سيظل العباسيين أقل من الأمويين، والعثمانيين أقل من العباسيين، وهكذا.

طيب هو أستاذ محمد، عشان نسكر إحنا القوس تبع هذا السؤال وننتقل للسؤال اللي بعده -إن شاء الله- يعني هو اللي بسال هذا السؤال أستاذ محمد هو شو قصده؟ قصده إنه إحنا أمة الإسلام في ذيل الأمم، صح؟ تقييمنا الحالي يعني، سواء لأنفسنا أو تقييم الآخر لنا، وبالتالي في الشعور بأنه: طيب إحنا إذا بدنا نرجع للنموذج الحضاري هذا، أنا قصدي من السؤال هذا اللي سأل يعني قصده إنه الإحساس بالهيمنة، صحيح؟ نحن نريد أن نعود إلى عصر الهيمنة، نحن المسلمين نقود العالم، سادة العالم، إحنا اللي نحكي عن فكرة الأخلاق وتعزيزها بين الأمم حتى تنهض هذه الأمم كما نهضت أمة الإسلام، وأهلاً وسهلاً اللي بده يفوت في الدين يفوت، اللي بده يكمل في حياته أهلاً وسهلاً، لكن في عدل، في تواصل، في وئام، والسادة هذا الكون هي أمة الإسلام.

هذه السيادة لا نصل إليها إلا إذا في عنصر اقتصاد قوي وعنصر قوة قوي، وبالتالي هو بيسال: إحنا هل سنعود يوماً ما؟ هذا اليوم بعيد، قريب؟ سياتي، لن يأتي؟ شو القصة؟

جميل جداً، هو لابد من توفر عنصر القوة الاقتصادي وعنصر العلم والتقنية، لابد من توفر هذا، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن أهم من العنصر الاقتصادي ومن العنصر التقني هو العنصر البشري.

ولذلك نحن أرجع وأقول في طوفان الأقصى كيف أن المقاتل المبني نفسياً والخالي من أنواع التقنية والسلاح يسطر معجزات، بينما الجندي المدجج بالسلاح إذا أُحيط به تسمع صراخه وتسمع رعبه، وكيف يصاب بأمراض نفسية، وكيف يمتنع عن الخدمة مرة أخرى وأشياء كثيرة.

فالبناء النفسي هو البناء المُقدَّم، والبناء النفسي سيقود لا شك إلى هذا البناء المادي.

هل نحن نريد أن نشعر بالهيمنة؟ نعم، نريد أن نشعر بالهيمنة ولكن لا نريد ذلك انتصاراً لأنفسنا، ولا لكي نستبدل الطغيان الأمريكي والطغيان الروسي والطغيان الصيني بطغيان مسلم.

نحن نريد الهيمنة لا لأنفسنا -«لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً»- ولكن نريدها لكلمه الله، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أشد الأمور الصعبة على المسلم -﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]- قال لما سئل عن الرجل يقاتل حمية، يقاتل عشان قومه، ويقاتل شجاعة، يقاتل عشان عنده طبع نفسي، ويقاتل ليرى مكانه، يرى مكانه يعني الناس تشوفه؛ أي ذلك في سبيل الله؟ قال النبي: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» -كل دول مش في سبيل الله، وكم من قتيل بين الصفين الله أعلم به-.

يعني يبلغ المرء الصادق النية مرتبة الشهادة وإن مات على فراشه، وربما قتيل بين الصفين الله أعلم به.

فأيوه إحنا عايزين الهيمنة ليست لنا، ليست لأنفسنا، وإنما للدين، للإسلام، لكلمه الله، لدين الله، لأن إحنا نرى ونؤمن أن دين الله هذا هو المثال والنموذج والمنهج الأبشمل والأكمل والأمثل.

لإدارة هذا العالم ولإعطاء كل ذي حق حقه. فهذا فارق مهم، الهيمنة ليست لنا لأنفسنا، ليست ملكا، ليست يعني طغيانا.

طيب، هل معنى كده اليوم ده هيجي ولا مش هيجي؟ احنا كأمة موعودة بالنصر، كأمة لكن كأشخاص غير موعودين بالنصر. كأمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها». وقال صلى الله عليه وسلم: «فلا يدع الله بيت مدر ولا وبر ولا حجر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل». وقال: «لتفتحن القسطنطينية وروم». يعني فالأمة موعودة بالنصر، أما الأشخاص أما الأجيال فلا، غير موعدين بالنصر، هؤلاء مكلفون بالعمل والسعي والجهاد.

طيب، في يعني عايز أقول ما حدش يتحرك في الحياة وهو خايف، الأمة مصيرها إيه؟ هي الأمة موعودة بالنصر؟ كل واحد يتحرك في الحياة وهو خايف على نفسه وعلى مصيره؟ هل معنى ده إن التفوق الحضاري الغربي أو الغرب يدعي الأمة الإسلامية تنهض؟ مستحيل، مستحيل. بيننا وبين النهوض وبين التفوق وبين الهيمنة رحلة عنيفة، شاقة، مريرة من الجهاد والكفاح والنضال. هذه الرحلة خاضتها كل أمة لكي تتفوق، بما فيهم الأمريكان والإنجليز والفرنسيين. كل أمة لكي تتحول من الذل إلى العز وإلى التمكين، كلها خاضت هذه الرحلة، ونحن المسلمون لابد أن نخوض هذه الرحلة أيضا لكي ننتقل من الذل إلى العز. طبعا لن يسمح لنا، وسنواجه بحروب هائلة. هو دلوقتي يعني اللي بيحصل في شرق العالم الإسلامي وغربه، المؤامرات التي كانت على الربيع العربي، هو كل كل هذا كان لماذا؟ كان لكي تمنع هذه الأمة من النهوض مرة أخرى.

أنا حتى لما أقرأ في مذكرات بعض الأمريكان والقادة الغربيين وبعض الشخصيات المهمة، فنعم لديهم رعب حقيقي من تجدد الإسلام وانتشاره. لديهم رعب حقيقي نعم، ويخشون من خروج هذا المارد، وأشد ما يعني يقلقهم يعني تتعدد أن أرى هذا المشهد في تقارير أو مذكرات، أن هو كل المؤشرات المادية أمامه بتقول إن الجماعة دول ضعفاء ووضعهم صعب واحنا قادرين ومتفوقين عليهم، ويقول لك ولكن يجب أن نتذكر دائما أن هذا الدين انبثق فجأة وساد فجأة بشكل غير متوقع. هو خايف التاريخ يتكرر، جننهم الموضوع، إن الموضوع فجأة من الحكايات اللي أنا قلتها كتير أتوقع الجمهور مل مني وأنا بقولها، دي كانت حاجة اندهشت لييها جدا في مذكرات الحاج أمين الحسيني رحمه الله. أنت عارف طبعا الحاج أمين الحسيني علشان هو آه مكوك، علشان يوازي الضغط الإنجليزي الذي يريد إنشاء دولة لليهود فذهب إلى التحالف مع الألمان أعدائهم في الحرب العالمية. بس من الحاجات العجيبة جدا وهو بكلم وكيل وزارة الخارجية الألمانية فبيقول له يجب أن ألمانيا تدعم الشعوب الموجودة في شمال إفريقيا ضد الاحتلال الفرنسي، بالمصلحة أهي. فالراجل قال له، قال له: لا ده والله حاجة ما نقدرش نعملها وحاجة مش في مصلحتنا. قال له: ازاي يعني؟ قال له إن قال له آه فبيقول له: لا دي مش في مصلحتنا مش هنقدر نعملها. قال له: طيب ما أنت خد بالك لو أنتم كألمانيا ما دعمتهمش هيضطروا هم يروحوا يجيبوا دعم من الشيوعية، الشيوعية المفروض إنها عدو لألمانيا وعدو لأوروبا. قال له: بص، أوروبا لا تخشى من الشيوعية، الشيوعية دي ممكن نعالجها بشوية يعني تعديلات اقتصادية واجتماعية وقانونية في أوروبا. الخشية الحقيقية التي تخشاها أوروبا أن يلتئم المغرب الإسلامي مرة أخرى في دولة واحدة ويتكرر التاريخ. يا لطيف، الكلام ده بيتقال سنة 44.

44 كان العالم العربي صفر كله محتل، ليست به قوة. الراجل الألماني القوة العظمى مش خايف من الشيوعية، القوة العظمى ومش عايز يدعم الجماعة عساكر الفقراء دول ضد فرنسا، القوة العظمى عشان خايفين إن المغرب العربي لو لو اتحد هيفتح الأندلس تاني. قصدي أقول هذا أمر مدهش جدا أن تقراه على لسان عدوك، وأنت أصلا احنا بندور على احتلال يعني على تحرير البقعة التي نحن فيها، الحته اللي احنا فيها.

فطبعا سنواجه يا شيخ مراد أزمات شديدة وسنخوض رحلة طويلة، ولكن هذا هو الذي يميزنا بين البشر. احنا جايين نخرج الناس من الظلمات إلى النور، ننقذهم من الخرافات والأوهام ومن طغيان الحكام، ونريد أن تهيمن كلمة الله لا أن تهيمن أشخاصها، وهذا هو النموذج الحضاري لو أردنا أن نلخص ستكون سيكون هذا هو الملخص.

هو بالمناسبة في بداية حديثكم تحدثتم عن لما سألتم طلابكم عن شكل نموذج الحضارة (يعني الأندلس). أنا مؤخرا بس هيك سريعا يعني قرأت تقريرا له علاقة بالسياحة، إنه أهم وأكثر ثلاثة مواقع زيارة في العالم هي مواقع اسلامية. الحمراء في إسبانيا، والباب العالي في إسطنبول، وتاج محل في الهند، وكلها إسلامية يا سبحان الله أو من الموروث الإسلامي، أي نعم.

أي طيب، من السؤال 15، إذا ننتقل إلى سؤالنا رقم 16. السؤال السادس عشر، أستاذ محمد يقول: طبعا سمحني أنا مرات بسأل السؤال بالعامية هيك بس مشان أكون قريب من اللي عم من عقلية اللي بيطرح السؤال يعني. هذا الدف يا إخي، احنا بنعرف إن الأمم لما بتنتصر بتروح هيك وبفرض يعني لغتها وعاداتها وتقاليدها وتراثها على الأمم المغلوبة، يعني يعني كما يفعل الكثيرون، وبالتالي اللي عملوه الإسبان، اللي عملوه البرتغال، اللي عملوا الفرنسيين، أنهم مثلا الشعوب اللي دخلوا عليهم هيك على الأقل يعني أقل ما يقال إنه أجبروهم على تعلم لغتهم صحيح. على سبيل المثال نحن كيف نفسر دخول اللغة العربية على الشمال الإفريقي يا إخي؟ أنتم المسلمون ألم تجبروا هذه الشعوب على أن يتعلموا اللغة العربية رغما عنهم؟ يعني هذه الشعوب اللي دخل عليها الإسلام يا إخي أنتم ما كنتوش عنصريين مهتمين يعني زي أمة الترك وأمة الفرس وأمة الأمازيغ وغيرها من الأمم اللي دخل عليها الإسلام. وبالتالي كيف نفسر انتشار اللغة العربية في الشمال الإفريقي وفي كل مكان دخل عليه الإسلام؟ بارك الله فيك، يعني يعني هذا السؤال مهم وسؤال حيوي.

طب احنا قدامنا كام الأول؟ احنا معانا 25 دقيقة، عظيم عظيم ممتاز. شوف يا سيدي، صلي على النبي اللهم صل على سيدنا.

احنا دلوقتي قدامنا مفارقة، قدامنا مفارقة يعني شيء عجيب شيء مدهش هتخلينا نفهم إيه اللي حصل دلوقتي العالم الإسلامي. الإسلام انطلق من المدينة المنورة من الجزيرة العربية تمام، فاللغة العربية والاسلام بدا في الفتوح يعني في وقت واحد، بدا في الفتح في وقت واحد، يعني الهزيمتين الكبيرتين للإمبراطورية الفارسية والرومية كانوا في نفس السنة، واحدة رجب سنة 15 والثانية شعبان سنة 15، اللي هي اليرموك والقادسية.

طيب، ومع ذلك الآن نحن في عصرنا الذي نحن فيه الآن آخر اللغة العربية شرقا العراق، وتبدأ بعد كده اللغة الفارسية وتبدأ اللغات الأخرى، بينما اللغة العربية غربا منتشرة حتى آخر المغرب العربي وأيضا دخلت الأندلس لولا أن طرد منها المسلمون بالقوة. فيا سيدي، إذا كنا أجبرنا الشعوب المفتوحة على اللغة العربية يبقى كنا سنجبر الناس اللي فتحنا شرقا والناس اللي فتحنا غربا، ولا احنا ننجبر قوما دون قوم؟ (إذا من طبيعتنا الإجبار هنروح نعمل إيه؟ ننجبر الجميع). طيب، إذا حصل إننا وجدنا اللغة العربية لا تنتشر ما بعد العراق، فبالتاكيد هناك سبب آخر غير سبب الإجبار هو الذي يفسر انتشار اللغة العربية في الشمال الإفريقي، أرجو أن يكون هذا واضح بشكل طبيعي.

طبعا السؤال السؤال يعني في روحه إنه المسلمين أجبروا الناس على لغتهم ولا ما أجبروهم؟ طبعا ده سؤال طبيعي، لأنه عادة المستعمرين، طبعا المستعمرين المحتلين الأجانب، احنا عندنا إيه ثلاث تجارب نقول خلينا ثلاث تجارب كده تشكل ذاكرتنا التاريخية المعاصرة.

التجربة الأولى هي تجربة الإسبان والبرتغال. طبعا الإسبان والبرتغال لما بدأوا في نهضتهم اللي هي كانت في آخر القرن الخامس والسادس عشر وراحوا احتلوا الأمريكتين واحتلوا كذلك أجزاء من إفريقيا ومن آسيا، الاحتلال الإسباني البرتغالي كان احتلالا إباديا، اللي هو إجبار الشعوب على الحديث باللغة الإسبانية والبرتغالية ومنعهم من التحدث بلغات أخرى، يا الهي. لذلك بعد 600 سنة حتى الآن الجماعة بتوع البرازيل والأرجنتين، الجماعة بتوع بتوع أمريكا الجنوبية ما يزالون يتكلمون الإسبانية والبرتغالية.

الموجة الثانية من الاحتلال الغربي، اللي هي الموجة التي سادها الإنجليز والفرنسيين، ما كانتش على هذا النحو الإبادي الإجباري، كانت أخف شوية، لكن في مدرستين، المدرسة الإنجليزية مدرسة تهيمن ولا تجبر، المدرسة الفرنسية تهيمن وتجبر، فلذلك تجد الشعوب التي احتلها الإنجليز ممكن تجيد الإنجليزية على الأقل نخبها، لكن يعني ممكن ما تجيد برده عادي، يعني احنا عندنا في مصر احتلنا الإنجليز السودان الأردن العراق، يعني هذه الديار طبعا كل دول الخليج احتلها الإنجليز، هذه الديار لم تترسخ اللغة الإنجليزية في أهلها، إنما تعلمها الذين كانوا يديرون العلاقات والمقتربين من مواقع السلطة والحكم. أما الفرنسيين فلا، الفرنسيين كانوا يجبرون على تعلم اللغة للدرجة التي ترى أن اللغة الفرنسية موجودة في بلاد الشمال الإفريقي، ترست وتركت كثيرا من ألفاظها ومبانيها اللغوية داخلهم.

طيب، إذا دي الثلاث تجارب، تجربة إبادية إجبارية، وتجربة إجبارية لكن ليست على هذا النحو الإبادي الذي كان، وتجربة بالهيمنة الثقافية وحدها. احنا حتى عندنا في مصر كان عندنا موقف لطيف، كان عندنا الإنجليز هم المحتلين لكن لغة النخبه فرنسية، حتى لو تشوف الأفلام المصرية القديمة تلاقي بونسوار بونجور ما تلاقيش جود مورنينج جود إيفنينج لا، تلاقي أفووار ما تلاقيش جود باي يعني فابيا والاشياء. آه يعني الجماعة الإنجليز كانوا يهمهم أنهم يمسكوا مفاتيح الحكم. الإنجليز قوم عمليون على فكرة، الفرنسيين هم اللي كانوا مهتمين بالتشكيل الثقافي للشعوب المستعمره.

طيب، أنا أذكر هذا علشان أروح واخد منه المثال، واحنا بنتكلم عن الفتوحات الإسلامية. من أطف ما وجدت في هذا الموضوع، عارف أنت المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي؟ مؤرخ مشهور يعني يراه البعض أعظم مؤرخ في القرن العشرين. أرنولد توينبي له كتاب برده أفنى فيه حياته، فاكر احنا قلنا في حلقة سابقة إن ويل ديورانت أفنى حياته جماعة أخونا صاحبنا بقى مش أخونا بقى والد أرنولد توينبي أفنى حياته في كتاب سماه دراسة التاريخ، طلع في 12 مجلد، ترجمته إلى العربية موجودة في أربع مجلدات أعتقد، خد منه كمان 40 سنة تقريبا زيك يعني حقيقة مش فاكر 30 مش فاكر، لكن الخلاصه إنه إيه هذا الكتاب وضع فيه خلاصه رحلة الحضارات قيامها سقوطها بلغة صعبة، ويعني لغة أكاديمية مش ول ديورانت لغته لذيذة جدا والذين ترجموه إلى العربية كانوا أصلاء يعني أنت تقرأ كتاب ويل ديورانت تحس أن أنت تقرأ نص عربي وهو ويل ديورانت أصلا أسلوبه الإنجليزي لذيذ، حتى يعني من يدرك قليلا من الإنجليزية يحب يقرأ ويل ديورانت، إنما أرنولد توينبي أكاديمي متخصص، وحتى الذين ترجموه إلى العربية كانوا برده إيه يعني ما عرفوش يخففوا من جفاف لغته.

طيب، اللي أنا عايز أقوله، أرنولد توينبي ده قال إيه بقى؟ أحد القواعد التي توصل إليها أنه يا جماعه لا يستمر احتلال إلا إذا دخل الغالب في ثقافه المغلوب، يعني دلوقتي دولة احتلت دولة أخرى، حاجة من اثنين: يا أما بعد فترة الدولة دي تنسحب، يا أما إذا يعني إذا استطاعت أن تطيل عمر هيمنتها وسيطرتها فلازم تاخد وتلقح وتذيب في نفسها ثقافة محلية علشان تككمل. تمام؟ فهو إنه الغالب ما بيستمر فترة طويلة إلا إذا أخذ من ثقافة المغلوبين كل الحضارات كل الحضارات رجع وقال: غير أن هناك استثناء واحدا من قاعدتنا هذه وهي الفتوحات الإسلامية الأولى.

الفتوحات الإسلامية الأولى المسلمون ظلوا مهيمنين على هذه البلاد المختلفة الحضارات لفترات طويلة ولم يفقدوا ثقافتهم الإسلامية ولا دينهم الإسلامي، بل الشعوب هي التي دخلت في الإسلام. ده كلام يذكره أرنولد توينبي في كتابه مختصر، طبعا أنا قرأته في مختصر دراسة التاريخ.

واحد زي جاك ريسلر اللي أنا ذكرت اسمه في الحلقة الماضية، اللي هو رجل فرنسي كتب كتابا عن الحضارة العربية، هذا الكتاب عنوان الحضارة العربية متوفر على الإنترنت، كان يقول: لم يكن من العجيب أن تدخل الشعوب في دين المتفوق الغالب، وأن تستبدل لسانها وثقافتها، وذلك أن اللغة العربية لم تكن لغة الغالب، بل كانت لغة الفاتح. ده كلام واحد فرنسي غير مسلم. العرب لمستخدم كلمة الفاتح، قال: لم تكن لغة الغالب، كانت لغة الفاتح.

فلذلك لا يوجد في أخبار التاريخ أخبار عن أن المسلمين أجبروا غيرهم من البلاد على تعلم لغتهم، بل إنه حالة زي الحالة المصرية مثلا، يعني جوستاف لوبون يتكلم عن إنه الإسلام صنع في مصر ما لم يستطع أي غاز أن يصنعه في مصر. ما هي مصر الفرعونية دي يعني مصر الناس عد عليها يونان وبطالة ورومان وفرس ولم تتخلى عن لغتها، أول ما جاءها الإسلام دخلت في لغته حتى نسيت لغتها، (الآن في مصر ما حدش يعرف الهيروغليفية والقبطية واللغات السابقة على الإسلام). فبيقول يعني حقق الإسلام في مصر ما لم يستطع أن يحققه أي غاز من قبله، الناس دخلت بكليتها في الإسلام، فبقول لك ما فيش أي اخبار عن إجبار المسلمين على تعلم اللغة.

طيب، إيه اللي خلى الناس تقبل على اللغة؟ اللي خلى الناس تقبل على اللغة أمر طبيعي نشاهده في كل الدنيا وهو الحضارة المتفوقة المهيمنة، الحضارة الثقافية التي تتبوأ المكان العالي، الحضارة الغالبة يرنو الناس إليها زي ما احنا دلوقتي بنتعلم الإنجليزي. ليه بنتعلم الإنجليزي؟ علشان أنت أي شغلانة محترمة هتبقى محتاجة أنك تتعلم إنجليزي، واحد راجل.

الأعمال. عايز يتاجر لازم يبقى عارف إنجليزي. أغلب الواحد عايز يبقى باحث محترم في أي مجال علمي لازم يتعلم الإنجليزي. فالضضارة المتفوقة لغتها تصير مطلباً بطبيعة تفوقها، فهذي حضارة طبيعية. فطبيعي لما كان المسلمون هم الحضارة المتفوقة ذهب الناس إلى تعلم اللغة العربية.

والامر الثاني وهو الأهم، إنه هذه اللغة العربية بها قوام الدين؛ فالناس الذين يريدون أن يقيموا دينهم وأن يتعلموا دينهم وأن يصلوا وأن يصوموا وأن يقرأوا القرآن وأن يفهموه، ذهبوا إلى تعلم اللغة العربية. فلذلك مثلاً تجد إنه في مناطق هيمنت عليها الدولة العثمانية مثلاً، مناطق شرق أوروبا دي فتحتها الدولة العثمانية وأدخلت في الإسلام، لكن مع ذلك الناس لم تتعلم اللغة التركية العثمانية. تعلموها في وقتها نخبتهم، لكن ظل الناس المسلمون يتعلمون اللغة العربية.

حتى المناطق التي جاءت ظروفها التاريخية بما جعل اللغة العربية تنحسر منها، اللي هي زي مناطق الشرق، فارس والسند والهند وأفغانستان، كل المناطق دي المناطق دي ظلت لغة العلم والثقافه فيها هي اللغة العربية. يعني الآن أنت روح إيران هتلاقي أغلب طلاب الحوزات الدينية عارفين عربي، امشي بعدهم للهند هتلاقي أغلب طلاب العلوم الشرعية عارفين عربي، روح لأفغانستان عارفين عربي، تروح لإندونيسيا وماليزيا اللي هم ما وصلهمش فتح خالص، دول هتلاقيهم بيعبعتوا الأزهر علشان الناس تتعلم عربي، تعلم اللغة العربية.

يبقى إذاً السر في انتشار اللغة العربية وفي بقائها وفي تمددها هو أنها ارتبطت بالدين، وارتبطت في مجالها الأول -يعني ارتبطت في طورها الأول- بأنها كانت لغة الحضارة المتفوقة، الحضارة السائدة، الحضارة المهيمنة. أما أن المسلمين أجبروا؟ لا يوجد أي تفسير، أي حدث في التاريخ بيقول إن المسلمين أجبروا على تعلم اللغة العربية. لا، ولا حتى الأمويين.

الأمويين كانوا دولة عربية، هو على فكرة ده الفارق -حلو إنك سألتني السؤال ده، يعني ذكرتني بشيء- هو ده الفارق اللي بيقول لك ليه الشمال الإفريقي ظل عربياً والشرق، يعني الغرب الإسلامي ظل عربياً والشرق الإسلامي لم يظل عربياً. الأمويين كانوا دولة عربية، بلاطها عربي، وزراؤها عرب، كتابها عرب، كل حاجة فيها عربية. فلذلك الشام ومصر والشمال الإفريقي الذي فتحه -يعني تجدد فتحه- الأمويون، والأندلس التي تجددت فيها الدولة الأموية، المجال ده كله كان مجال عربي.

بينما الدولة العاسية لما جاءت واتخذت مقرها في العراق كانت نخبتها الحاكمة مزدوجة، فيها العرب وفيها الفرس، وبعد شوية فيها العرب وفيها الترك، وبعد شوية فيها العرب وفيها، يعني الأول العرب والفرس وبعد شوية العرب والترك، فلذلك لم تظل اللغة العربية هي لغة النخبة دائماً. كنت تستطيع تبقى، يعني تتعامل باللغة الفارسية وتتعامل باللغة التركية، وإن ظلت لغة الثقافة لغة عربية -يعني لغة العلوم والثقافة والدين والفقه والشريعة، كل ده ظل عربياً-.

ولذلك لم تترسخ اللغة العربية في الشرق الإسلامي. يتوقع الكثيرون من المؤرخين -طبعا أنا أؤيد هذا الرأي- بأنه لو بقيت الدولة الأموية مئة سنة أخرى لكان تعرب الجناح الشرقي أيضاً للعلام الإسلامي. لكن اهو يا سيدي ما حصلش اللي احنا كنا نتمناه علشان أعر أقف قدامك وأقول لك إيه: المسلمين ما أجبروش حد بدليل أن كل الجناح الشرقي لم يُجبر.

ولم يتعنت أيضاً، لم يتعنت بل أصهَروا إليهم. نعم، يعني التمازج الذي حصل بين الفاتحين العرب وبين سكان هذه البلاد التي فتحت ودخلت في الإسلام، تمازج لم يحدث في تجارب أخرى. فلذلك يعني احنا سريعا سريعا كده نشأ في الأندلس -أنت بتحب التاريخ- نشأ من يسمونهم المولدين، بقت طبقة كبيرة دول أمهاتهم أندلسية وآباؤهم من العرب، وظلوا عنصراً أساسياً كبيراً في الدولة الأموية.

نفس الكلام برضه ظهر الموالي. الموالي ظهروا في كل العالم الإسلامي، الموالي هؤلاء اللي هم منتمين بالولاء إلى إحدى القبائل العربية فظهروا في كل العالم الإسلامي. القصد لا، مسألة إنه في يعني عنصرية على النحو الذي رآه الناس من الأوروبيين لا يوجد. احنا احنا شفنا من الأوروبيين شيء بشع يتمثل في قرون العبودية والاستعباد، أنت شفت الناس كانت تساق من إفريقيا بالسلاسل وتوضع في السفن، تشحن في السفن لكي يستخدمهم عبيد. هذه ظاهرة لم توجد مثلاً في عالمنا الإسلامي أبداً.

لكن هو يمكن اللي خلى الناس يسألوا هذا السؤال ويثيروا هذه القصة أكثر من أكثر من حجمها أو يعطوها أكبر من حجمها، هي قصة إصرار الأمويين على إنه الحكم يكون في العرق العربي. هل هذا الكلام صح؟ هو يعني هو صح بس أنت عايز تقول صح دي حاجة وحشة ولا حاجة حلوة؟ ما هنا هنا نختلف. الدولة الأموية كانت دولة عربية، بلاطها عربي، نخبتها عربية، ميزانها، يعني قاعدتها الجماهيرية التي تستند إليها العرب.

يا ترى دي حاجة حلوة ولا حاجة وحشة؟ يختلف الناس. أنا ممن يراها شيئاً جيدا، مع إنكاري لما صدر من بعض الأمويين من تعصب تجاه الموالي -طبعا موجود-. أنا في الآخر يعني بص، وقت ما بتتكلم عن ظاهرة لازم نبقى عارفين إن الظاهرة دي لها سلبياتها اللي مش هندافع عنها، لكن الآن تعالى انظر إلى المصير الأخير.

تخيل يا شيخ مراد، أيهما كان أحسن للعالم الإسلامي في مستقبله أن يكون العالم الإسلامي كله لغة واحدة اللي هي اللغة العربية؟ حتى وإن احتفظ الناس بلغاتهم المحلية -يعني قصدي أقول مش معنى إن فيه لغة عربية إن الناس هتنسى، وإلا، أيوه صح، مصر نسيت لغاتها القديمة وصار سُوها عربياً، الشام ماشي، لكن ما يزال حتى الآن في العراق سريان وكلدان، ما يزال حتى الآن في المغرب العربي ناس عارفين اللغة الأمازيغية وبيحاولوا إعادتها-.

يعني قصدي أقول لم يذهب الإسلام إلى إبادة اللغات، لا. لكن ألم يكن من الأجدى والأفضل، الذي تزيد به روابط بين المسلمين وتزيد به قوة تماسك المسلمين أن يكون العالم الإسلامي كله يتكلم اللغة العربية حتى وإن كانت بينهم لغات محلية؟ أنا يعني أرى أن هذا هو الصحيح، فمسألة أن يبقى الأمويين عربياً هذا طبيعي، لأن هم دولة عربية وقاعدتهم من العرب. إنما متى تَدين الأمويين؟ تَدينهم إذا حاولوا إجبار أو حاولوا قهر الآخرين على ترك لغاتهم أو تعلم اللغة العربية، هذا لم يكن. نعم لم يحدث. نعم لم يحدث.

آه طيب، يعني معلش طب خليني سامحني، يعني مثلاً أنا زي ما كنا قلنا في حلقه سابقة معك هنا، إنه أحد أهم المشكلات التي تواجهنا نحن كباحثين في التاريخ في هذه اللحظة، أننا نعرف عن تاريخ الأندلس أكثر مما نعرف عن التاريخ العثماني، مع إنه التاريخ العثماني أقرب إلينا زماناً ومكاناً من الأندلس. لماذا؟ لأن الأندلس كتب باللغة العربية، ما يزال حتى الآن لا نستطيع قراءة الوثائق، القليل من الناس من يستطيع قراءة الوثائق العثمانية، بينما كثير من الناس يستطيع أن يقرا ما كتبه الأندلسيون. حتى أيهما أفضل؟

نعم وبعدين مثلاً لما حصل هنا التحول في الجمهورية التركية وجاءت تركيا وراح مبدل الحرف العربي بحرف لاتيني فبقى بيننا وبين اللغة العثمانية مرحلتين. دلوقتي التركي المعاصر ما يستطيع يفهم اللي كتبه جده، واللي يجي يتعلم التركية في تركيا هيتعلم اللغة التركية الحديثة علشان يحاول يفهم القديمة. ولذلك أنت تلاقي مثلاً أحد المظاهر اللطيفة التي ظهرت هنا في تركيا، إنه يجي الواحد العربي اللي زي حالاتي كده اللي هو ما يفهمش تركي، ويجيبوا أخونا التركي يقول له: تعال اقرأ لي الشاهد على هذا القبر، فروح أنا أقرأه بالحروف العربية هو يفهم وأنا مش فاهم.

طيب لو كانت تعربت الدولة العثمانية، لم يكن هذا أفضل حتى في الدفاع عن الدولة العثمانية؟ يعني مش أليس أحد المناطق التي ضغط عليها الاستعمار هي مناطق: أن هؤلاء عرب وهؤلاء ترك؟ وكان هذا أحد الأشياء التي صنعت ما تسمى الثورة العربية الكبرى وفرقت بين العرب وبين الاتراك. فطبعا أنا كنت أتمنى أن الأمويين يطولوا حكمهم، أنا من محبي الأمويين على فكرة بشدة، كنت أتمنى الأمويين يطولوا حكمهم وأن يتعرب العالم الإسلامي كله، وأرى أن هذا أفضل.

لكن دلوقتي وأنا جاي أجوب على سؤال أنتو أجبرتم الناس على تعلم اللغة؟ بلاقيها ميزة أن أنا أقول: لا يا جماعة، ما أجبرناش. والدليل على ذلك أن الضفة الأخرى من الخليج العربي ليست عربية. نعم، نعم، هو طبعا من من سنن الحكم من الأفضل دائماً أن الدولة اللي أنت بتححكمها تكون بتحكي لغة وليس عشرات اللغات، مثلاً.

أه، طيب هو طبعا احنا احنا في السؤال رقم ستة عشر، ونحن الآن في الحلقة السادسة، تمام. لكن انتهى الوقت كالعاده، إذا انتقلنا للسؤال سبعتاشر اللي له أيضاً علاقة بقصة الحضارة، الحضارة الإسلامية وفكرة كيف تعامل المسلمون مع الحضارات الأخرى وموروثها، تمام، يمكن سنحتاج وقت طويل أعتقد من أجل الإجابة عن هذا السؤال، لذلك نحن سنقف عند السؤال السادس عشر.

ونلتقي شباب، عشاق التاريخ، محبي التاريخ، كل المهتم بهذه السلسلة، سلسلة مئة سؤال في التاريخ، سنلتقي بالحلقة القادمة بإذن الله تعالى. إلى اللقاء لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي، لتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكسارات قادته وعلمائه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب، تاريخنا: من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.