دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 7. هل هدم المسلمون ميراث الحضارات القديمة؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

سلام الله عليكم اخواني اينما كنتم. هذه هي الحلقة السابعة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ، وصلنا إلى السؤال رقم سبعة عشر. السؤال السابع عشر؛ طبعا في هذه السلسلة دائما وأبدا نرحب بضيف السلسلة الدائم الاستاذ محمد الهامي. حياك يا أهلاً وسهلاً ومرحباً استاذ محمد. الله يرفع قدرك ويبارك فيك أخي، حفظكم الله. احنا دائما مستمتعين معكم في هذه السلسلة، سلمت. ونكتشف الجديد دائما من خلال الأسئلة التي نطرحها وإجاباتكم الغنية. الله يرفع قدرك، نسأل الله أن ينفعنا وإياك بما نقول وما نسمع. جاهز للسؤال السابع عشر؟ توكلنا على الله.

السؤال السابع عشر يقول: يعني احنا بنعرف طبعا أيضا مرة أخرى، الغالب الأمم التي تدخل هكذا وتسيطر وتبدأ بالتوسع، تتعامل أو تفاوتت الأمم في تعاملها مع قصة الموروث الحضاري؛ ما هو خلاص أنا هيني دخلت عندك، أنت شو عندك قلاع؟ شو عندك قصور؟ شو عندك بنى تحتية؟ إلى آخره، كيف سأتعامل مع مكتبات، مع مساجدك، كنائس، أياً كان يعني؟ وبالتالي تفاوتت الأمم، لكن الكثير منها ــ الصادم في الموضوع ــ تعامل -إن جاز التعبير- بهمجية ليست عادية. يعني أمة الإسلام، المسلمون كانت إحدى هذه الأمم التي انتشرت وتوسعت واشتغلت وصار عنا فتوحات وإلى آخره؛ نحن المسلمون كيف تعاملنا مع حضارات الأمم الأخرى؟ الحضارة الفارسية، الحضارة الهندية، الحضارة الرومانية، الفينيقية، أي حضارة من هذه الحضارات، الفرعونية، البابلية إلى آخره، كيف تعاملنا مع هذه الحضارات؟

جميل، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. شوف يا سيدي، برضه أنا بحاول دائما أنفذ إلى نفس السائل؛ ما الذي يدور بذهنه وجعله يطرح السؤال بهذا الشكل؟ احنا عندنا من الأمور نقدر نقول التجارب المشهورة في التعامل مع التراث السابق حاجة من ثلاثة:

الحاجة الأولى هي على نحو الذي تعامل به المغول؛ المغول مثلاً لما دخلوا ديارنا الإسلامية وحتى في ديار غير إسلامية دخلوها، هذه هجمه تترية، تسمى هجمه تترية وهجمه مغولية نسبة إلى ما فيها من الإبادة، ومن التدمير، ومن الإحراق، ومن عدم احترام ما تراه أمامها من الكتب ومن العلوم ومن المعارف وهكذا. مع أنه يجب أن أقول إنه حقيقة التتار والمغول وإن كانت فيهم هذه الهمجية، إلا أن هذه لم تكن سياستهم الدائمة في كل شيء، أنت برضه لازم نبقى واخدين بالنا، أي قوم يا جماعة عرفوا يعملوا دولة وعرفوا يستمروا، فمافيش قوم من الهمج الخُلُّص عملوا دولة، لازم يبقى في قدر من العقل وققدر من الاستفادة من منجزات الاقوام الآخرين. لكن أحيانا المغول مثلاً كان سيرتهم أنهم لما يدخلوا أي بلد بيعزلوا العلماء والصناع والناس المفيدة وياخدوهم إلى بلادهم، ودمروا الباقي، أحيانا تدمير الباقي هذا بيبقى فيه قدر من التجاوز ومن إهلاك العلوم والمعارف وغيره. فعايز أقول بالنهاية، هذه الوسيلة كانت موجودة أحيانا لبث الرعب في قلوب الناس، أحيانا لأنهم يحتقرون هذا التراث على وجه التحديد أو هذه الأمة، أحيانا يحطم المقدسات لكي يفت في عضد هذه الأمة؛ زي لما يصيبنا الآن مثلاً حين نرى المصحف يحرق أو يهان، فهم كانوا يريدون أن يفعلوا ذلك. فده نموذج من النماذج، هو نموذج التدمير والإحراق والتخريب.

النموذج الآخر هو نموذج الذوبان في المغلوب؛ الذوبان في تراث المغلوب يحصل، كثيرا ما يحدث أن تكون أمة راقية، لكن هذه أمة دخل إليها الضعف، دخل إليها الترف، دخل إليها الرخاء، دخل إليها الفساد، فجعلها تهزم عسكريا أمام من؟ أمام أقوام أقل منها حضاريا. غالب الأمم التي هزمت أصلا هزمت لما غزيت من أقوام أقل منها في الحضارة؛ الحضارة والترف والرخاء أفسدها، أحل من قوتها وأفسد بأسها، فلذلك صارت معرضة للهجمات. فاللي لما يدخل القوم -خلينا بقى بين قوسين نسميهم الهمج- اللي هم بلا خلفية حضارية على أرض فيها تراث حضاري زاخر، فكثيرا ما يدخلون في ثقافة المغلوب ويستلهمون حضارة المغلوب. أشهر ما يذكر في هذا أن الرومان لما غزوا بلاد اليونان استلهموا الحضارة اليونانية مع أن الرومان غلبوهم. طبعا نحن المسلمين تكرر هذا عندنا كثيرا، المغول اجتاحوا عسكريا وفي الآخر اسلموا وشربوا ثقافتنا، الصليبيين لما هزمونا عسكريا في الشام ومع ذلك تعلموا حضارتنا، الأسبان في الاندلس وهكذا. ففكرة أنه في أمة حضارية متفوقة غلبها قوم أقل منها في الحضارة ينتج عنها ذوبان الغالب في المغلوب، ظاهرة موجودة في التاريخ وتكررت جدا في تاريخنا الإسلامي.

الأمر الثالث، وهو ما ذكرنا في الحلقة الماضية، أنه كان استثناء إسلاميا؛ أن المسلمين ظلوا قرونا طويلة في ديار أخرى وحضارات مختلفة، ولكن أهل هذه البلاد هم الذين تشربوا الحضاره حتى مع طول الوقت.

فالآن لما نسأل: ماذا فعل المسلمون بتراث هذه الأمم السابقة؟ بعض الناس بيسأل السؤال ده وفي دماغه: عملوا إيه في الكنائس؟ عملوا إيه في المكتبات؟ عملوا إيه في العلماء؟ على هذا المستوى، المسلمون لم يقتربوا من تدمير هذه الأمور، ولا تعاملوا معها بالإحراج أو بالافساد أو بغيره أبدا. حتى الشبهة الشهيرة التي تتحدث عن إحراق مكتبة الإسكندرية لم تعد الآن -يعني حد بيتكلم في هذه الشبهة- كانت شبهة قديمة ورد عليها، وأن مكتبة الإسكندرية أحرقت قبل ذلك، ولم يثبت أبدا أن عمر بن الخطاب أو عمرو بن العاص أحرقوا أو أمروا بإحراق مكتبة الإسكندرية التي كان فيها زبدة العلوم اليونانية والرومانية في ذلك الوقت. ولا نسمع أنه المسلمين جمعوا علماء القوم أو هدموا كنائسهم أو دمروا، ما حصلش هذا الكلام. بل إنه ما يوجد في تراثنا الإسلامي، سواء على مستوى الفقه -يعني على مستوى كيف نعامل الاقوام الذين فتحنا ديارهم- أو على مستوى التاريخ، لا يوجد فيه هذا؛ أنه المسلمين تقصدوا هدم الكنائس أو تقصدوا هدم الصوامع، لا مافيش، لم يحدث هذا. بل إنه حتى إلى وقتنا هذا يوجد يجادل الناس: يا ترى المسلمين ليه ما هدموا الأهرام وأبو الهول؟ هو حقيقة الأهرام وأبو الهول ما كانوش ظاهرين، يعني كانوا مطمورين في أيام المسلمين. بس أنا عايز أقول اللي بيسأل السؤال ده دلوقتي واخد باله أن المسلمين لم يهدموا مآثر أو آثار الأمم السابقة.

جميل، لكن معلش خليني استطرد هنا استطرادا بسيطا؛ إلا أن، يعني إيه الاستثناء من الحالة دي؟ الاستثناء من الحالة دي أن يكون هذا صنما معبودا؛ الصنم المعبود، والإسلام جاء لتحرير الناس من الوثنيه، فالأحجار المعبودة حصل أنه المسلمين هدموها، ليس هدما لما يعد أجل التخريب، إنما هو هدم لهذا المعنى الوثني. هنا برضه يا أخ مراد في حته حقيقة تغيب عن الذهن، ويعني مناسبة جيدة أن احنا وصلنا لها، خليني أُشير إليها.

وهذا الموضوع أثير لما كان الرئيس اردوغان هنا في تركيا أرجع مسجد أيا صوفيا مرة أخرى إلى جامع. أنت عارف أن أيا صوفيا كانت كنيسة لما فتحها المسلمون حولوها إلى جامع، وبعدين في عهد مصطفى كمال حولت إلى متحف، ثم أرجعها مره أخرى اردوغان إلى جامع. ساعتها ثارت الفكره التي تقول: أصلا ليه المسلمين لما بيفتحوا بلد بيحولوها إلى جامع؟ ليه بيحولوا الكنائس إلى مساجد؟ كيف نوضح هذا؟ أنا دلوقتي مش بحاول أرد، أنا بحاول أوضح: كيف نوضح هذا؟

الكنائس في ذلك الزمن كانت هي رمز النظام القديم بالمصطلح المعاصر، يعني إيه؟ يعني مثلا الامريكان لما دخلوا بغداد ما هدموا جوامع، لكن هدموا تمثال صدام حسين، استولوا على قصر الرئاسة مش على جامع الإمام الأعظم، وهيمنوا على البرلمان تمام مش على مكتبة اسلامية موجودة. ليه؟ طبيعي، أي انسان انتصر، فاز، غلب، بيسيطر على أماكن الحكم والسياسة رموز النظام القديم. في ذلك الزمن الكنائس والمساجد هي رموز هذا النظام، احنا دلوقتي في زمن علماني، فعلشان احنا في زمن علماني شايفين أو مستوعبين أو فاهمين أنه طبيعي يسيطر على مبنى البرلمان، وطبيعي يسيطر على مقر الحزب الحاكم، وطبيعي يسيطر على قصر الرئاسة، وطبيعي يهدم رموز النظام القديم وشعاراتهم. في ذلك الزمان، هذه هي شعارات النظام القديم وهذه هي رموزه، فلذلك أبيح للفاتح المسلم البلد التي فتحها عنوة -البلاد التي سلمت لا تحفظ كنائسها وتحفظ أنفس أهلها وكما تم الاتفاق اتفاق الجزية اتفاق التسليم، لكن البلاد التي فتحت عنوة: يعني قتل قبل أن نفتحها عشرة آلاف، عشرين ألف، خمسين ألف، مئة ألف- طبيعي جدا أن اعلان الانتصار، اعلان الهيمنه هو أن أنت تاخذ هذا الرمز بتاع النظام القديم وتسيطر عليه وتحوله إلى مسجد. هكذا فعل المسلمون، وهكذا فعل غير المسلمين، وهكذا يفعل الناس حتى الآن. لكن علشان احنا بس في زمن علماني فما بقيناش شايفين أن البرلمان وقصر الرئاسة كان يشبه زمان المسجد الكبير، الجامع، أو الكنيسة الكبرى، جامعة.

أها، طيب. وبالتالي، فعايز أقول: استثناء من اللي أنا بحكيه ده هو أنه كان ممكن يحصل هدم أو تخريب لما كان رمزا دينيا مضادا للإسلام في البلاد التي فتحت عنوة، البلاد التي دفع المسلمون من أجل فتحها آلاف الشهداء وخسروا الكثير من الأموال وهكذا. فلا يفهم بأنه ده تعامل مع تراث، لا، يفهم بأنه هذه سياسة فتح -يعني سياسة انتصار في الحروب- تمام. لكن بعد سياسة انتصار في الحروب المكتبات موجودة، علمائهم وقساوسة ورهبانهم وأحبارهم موجودون، ما أحد بيتعرض لأملاكهم بالسوء أو بالأذى. وبالتالي أيا صوفيا لأنها كنيسة إمبراطورية.

أه، هي النقطة جدا مهمة السيطرة عليها. أه، بالضبط، كان لابد زي ما الناس دلوقتي تتقبل بسهولة السيطرة على قصر الرئاسة، الناس زمان تتقبل بسهولة تحويل الكنيسة إلى جامع وحتى برضه تحويل الجامع إلى كنيسة لما يغلب النصارى. أه، طيب.

طيب، لكن مثلا المسلمين أحرَقوا مخطوطات زي ما النصارى لما استولوا على الأندلس أحرَقوا مخطوطات؟ لا ما حصلش. المسلمين رموا المكتبات في الشارع ولا في الانهار زي ما المغول عملوها؟ لا ما حصلش. أو مثلا ما هدموا أيا صوفيا؟ ما هدموا أيا صوفيا مثلا تمام. وبالتالي فهذا فيما يخص طيب.

واحد تاني بيسال السؤال ده وفي ذهنه، أنا بقول لك إن في الأولاني بيسال وهو عايز يشوف احنا عملنا إيه مع المكتبات مع الكتب مع العلماء، الثاني بيسال وهو بيقول لا، القيم اللي كانت موجودة المحتوى المضمون اللي كان موجود في الكتب دي، عملنا بها إيه؟ كيف تفاعلنا مع تراث مع محتوى هذه الأمم السابقة؟ هنا بندخل في مسألة التلاقح الثقافي والتاثير الثقافي.

نثبت قاعدة، أنه مافيش أمة تواصلت مع أمة إلا وحصل نوع من التأثير والتاثر، ده احنا بشر، أنت أصلا لما بتقعد مع -يعني أنا دلوقتي مصري، لو صاحبت شوية سوريين ولا شوية فلسطينيين، بعد شوية تدخل إلى الفاظ، ألفاظا من لهجتهم الخاصة- شيء طبيعي جدا، أي أمة بتحتك أي أمة في تلاقح ثقافي. لكن هنا: هل رحنا للذوبان الحضاري؟ هل رحنا هنا؟

في قاعدة كان في مؤرخ من مؤرخي الحضارات اسمه مارسيل موس، يقول: وهذا الكلام ذكره المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل في كتاب "تاريخ وقواعد الحضارات"، كتاب كبير ترجمه دبلوماسي مصري سفير ونشر في وزارة الثقافة المصرية، موجود على الانترنت أيضا، كان يقول: ليس هناك حضاره تستحق اسم الحضارة إذا لم يكن لها طبع النفور من الاسهامات الداخليه.

كل حضارة لها إيه؟ خصائصها المميزة، الخصائص دي تمثل بالنسبة لها ثوابت، حاجات ما بتتنازلش عنها، لازم يبقى في نفور ورفض ونبذ للحاجات المتعلقة بخصوصيتها، يعني كل حضارة لها فلتر، في حاجات بترفض وفي حاجات تتسامح معها وتقبلها، الذي ترفضه هو غالبا ما يتعلق بثوابتها وأمورها الأساسية المركزية. فدلوقتي أنت مثلا لما تشوف المسلمين كيف تعاملوا مع هذا التراث، المسلمون أقبلوا اقبالا نهم جدا، نهم جدا على معرفة تراث وعلوم الأمم السابقة. حتى انه أحد المستشرقين همبل، إذا لم تخن الذاكرة، في كتاب "تراث الإسلام"، يقول -هو كان له بحث في كتاب تراث الإسلام بإشراف توماس أرنولد- يقول: إنه العرب كانوا ذوي همة منقطعة النظير.

فرانز روزنتال، ده مؤرخ أمريكي من أصل ألماني وهو يهودي وهو حجة في التاريخ الإسلامي، فرانز روزنتال هذا له كتاب بديع اسمه "علم التاريخ عند المسلمين"، وهو الذي ترجم.

مقدمة ابن خلدون للإنجليزية، وترجم أيضاً الطبري، وقسم من الطبري للإنجليزية. والمهم، أحد الشخصيات المشهورة كان يتكلم عن النشاط الذي بثه الإسلام في حركة المسلمين التاريخية، بيقول إن المسلمين دينهم ده مليان تاريخ، فالوارد في القرآن والوارد في السنة خلاهم منهمرين وطموحين لإشباع هذه الغريزة التاريخية التي نشأت عندهم بفعل دينهم. فالمسلمون أعطوا -يقول محمد- أعطى لحركة النشاط التاريخية ما لم يعطيه أحد.

يا سلام! المسلمون علشان عايزين يتتبعوا القرآن ويتتبعوا السنة، وفهموا الكلام الذي جاء في القرآن عن قصص الأنبياء وعن آثار الأقوام السابقين أو الأشياء التي حكاها النبي صلى الله عليه وسلم، اندفعوا لمعرفة ما عند القوم من العلوم. ولذلك النبي قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، وقال: «حدثوا عنهم فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». فلذلك من بداية الحركة العلمية الإسلامية المسلمون كانوا عايزين يجمعوا أكبر قدر ممكن من العلوم ويستفيدوا منها.

طيب، في جمعهم لهذا العلم، يعني حركة الترجمة بدأت من أيام الأمويين. الأمويين من أيامهم بدأت الترجمة، طبعا ازدهرت الترجمة وبلغت قدراً عالياً في زمن الدولة العباسية، طبعا لما المأمون أنشأ بيت الحكمة، بيت الحكمة دي اعتبرها جامعة هارفارد بمقياسنا المعاصر، بس وإن كان هارفارد لها نظراء، لكن بيت الحكمة لم يكن لها نظير مثلها، أو وادي سيليكون مثلاً في أمريكا. بس هو كان جامعة بتراقب أو بتנסق أو بتحاول تترجم، وكان ينفق على المترجمين، وأحياناً كان يقبض الجزية كتباً؛ يعني البلاد أو الروم اللي هم دخلوا معه في جزية أو في اتفاق، كان يقبضها كتباً. خلاص مش عايزين فلوس، هاتوا لنا الكتب اللي عندكم! وطبعا يعني الكلام المكتوب عن بيت الحكمة كلام كثير، وفصل زاهر من فصول حضارتنا الإسلامية، وما كانش مجرد مكتبة، ده كان أكاديمية فيها علماء وفيها تدريس وفيها مرصد فلكي. أنا قلت لك قيس المحيط، محيط الأرض، في عصر المأمون.

فبالتالي كان عندنا إقبال شديد على استيعاب علوم السابقين. طب الإقبال الشديد على استيعاب علوم السابقين ده مارس فيه المسلمون أيضاً هذا القدر من الفلترة ومن الانتقاء ممارسة كبيرة. يظهر أكثر هذا مثلاً في إيه؟ في أن المسلمين ترجموا عن اليونان أشياء كثيرة، بالذات ما كان عند أفلاطون وأرسطو وأبيقراط وإقليدس. أنا قلنا في حلقة سابقة أن العلوم كانت مختلطة، يعني هم ما كُنوش رايحين يترجموا الفلسفة، لا، هم كانوا رايحين يترجموا الطب أو يترجموا مثلاً المنطق، يعني علوم، لكن كل ده كان موجود في كتاب واحد، فترجم الكل.

مع أنهم اهتموا بترجمة اليونان، لكن ما ترجموا مثلاً الأساطير اليونانية، الأساطير المتعلقة بالآلهة وصراع الآلهة وخناقات الآلهة وإله الجمال وإله الشر، المسلمون لم يترجموها. فبالتالي حقيقة كان المسلمون عندهم قدر من الثقة بالنفس، وقدر من الاعتزاز بما هم عليه من الدين. وعلى هذا المستوى صاروا يترجمون أو يدعون، يترجمون أو يدعون.

طيب، معنى كده إنه ما تسرب لينا حاجة خالص منحرفة؟ لا، تسربت. تسربت أولاً لأنه ده عمل بشري، تسربت لأنه كثير من المترجمين في البدايات كانوا من غير المسلمين، كانوا من النصارى ومن الصابئة ومن الناس الموجودين على تخوم الحضارتين، الناس العارفين اللغتين، اللغة العربية واللغة السريانية واللغه اليونانية وهكذا. وتسرب كذلك لأنه العلوم كانت مختلطة كما ذكرنا، فصحيح حصل تسرب، لكن الأمور الواضحة أنها تخالف الدين الإسلامي أو الميراث الإسلامي لم يترجمها المسلمون. ولذلك تجد عندك ميراث فارسي ترجم، هندي ترجم، يوناني ترجم، روماني ترجم، مسيحي ويهودي وعبراني ترجم، ولم ننسبه لأنفسنا. كل هذا لم ننسبه لأنفسنا، وكل هذا وبعد كده صار المترجمون يستدرك بعضهم على بعض؛ حصلت الحالة العلمية الطبيعية أن الترجمة دي مش دقيقة، أن الترجمة دي محتاجة تصحيح، وهكذا.

فالخلاصة أنه كيف تعاملوا مع التراث؟ تعاملوا هذا التعامل، تعامل الانتقاء، انتقاء الواثق بنفسه. ولا يمنع هذا أنه دخل إلى حضارتنا، لهذه الأسباب التي ذكرتها، أشياء مما يخالفها، فهذه قام لها فريق آخر بقى من العلماء المسلمين؛ يعني دخول المنطق الذي كان، أو دخول الطب المشبع بالفلسفة اليونانية، دخول الكيمياء المشبعه بالسحر والطلاسم، ودخول الفلك المشبع بالتنجيم، كل ده كان مختلط، قام له من علماء المسلمين من يرده ومن يصده ومن يقول: «لا، هذا دخيل، هذا لا يجوز». تأثر به البعض، رأى البعض أنه يُميَّز؛ يعني حاجة زي المنطق مثلاً، ما يزال المنطق الناس شايفه أنه لا، هذا علم نرده أصلاً، وأنه ده ظرف يوناني، ظرف انبته الحضارة اليونانية تواجه به السفسطائيين. وناس شايفه لا، أن المنطق ده أحد الوسائل والآلات التي يمكن بها تمييز الأقوال، وأنه آلة مجردة، يعني علم مجرد يمكن أن توزن به الأقوال. ولغاية دلوقتي هتجد مثلاً طوائف إسلامية أو اتجاهات إسلامية ترى أن المنطق أمر مهم، وطوائف أخرى اتجاهات أخرى ترى أن المنطق علم لا ينتفع به الذكي ولا، يعني لا ينتفع به البليد ولا يحتاج إليه الذكي. هذه الكلمه الأخيرة كلمة ابن تيمية.

تمام والمستشرقين بعد ذلك فيهم نفس هذا الانقسام؛ بعض الناس شايف أن ابن تيمية وطائفة أهل الحديث كانوا هم الأصح، وأنه ده مجرد علم يوناني ظهر في ظروف حضارية مختلفة، وبعضهم شايف لا، أن المنطق ده علم توزن به الأقوال وهو علم مجرد، ويمكن أن يستخدم كما استفاده الأصوليون. وهكذا، يعني الخلاصة أن التعامل مع التراث كان فيه قدر من الاعتزاز بالنفس، وفيه قدر من الانتقائية.

ولذلك مثلاً أحد العناوين المحببة إلى قلبي كتاب البيروني: تحقيق ما لله من مقولة مقولة في العقل أو مرذولة. يا سلام! آه، هو دلوقتي عمال يتكلم على أديان الهند، فراح قال لك: إيه، احنا دلوقتي هنقول مقولات الهند المقبول فيها والمرذول أو المرفوض، وهكذا. فبالتالي تعامل المسلمين الحضاري مع تراث السابقين كان تعاملاً عاقلاً وتعاملاً حصيفاً في الجمله، وإلا فهي ظاهرة إنسانية، وبطبيعة الحال لا يمكن أن تبني حضارة دون أن تستند إلى ميراث السابقين، لأنه في الاخر هذا علم بشري.

لكن أستاذ محمد، هذا فيما يخص البعد الحضاري الثقافي، لكن احنا مع الحجر شو عملنا؟ يعني احنا، مثلاً أنا من فتره قرات خبر في مصر أنهم هدوا قبة كانت في زمن محمد علي باشا، أعتقد. نعم، هم هدوا، يعني أنا مش قادر أفهم كيف احنا بنتعامل مع الإرث الحضاري العمراني بهذه الطريقة، بينما أمم أخرى عندها حضارة اسلامية ومحافظين عليها، بل بدر لهم دخل؛ يا سيدي، إذا مش عشان الحضارة عشان السياحة! فالفكرة أنه احنا المسلمين أيضاً مع الحجر، كيف تعاملنا؟ وبمناسبة أيضاً الحديث عن الحجر، ما هو بيقول لك يا اخي أنتم أصبح عندكم حالة نفسية هيك، أول ما تشوفوا كنيسة بدكم تحولوها لمسجد، شو اللي قاعد بيصير معكم؟ الدليل آيا صوفيا الكبرى وآيا صوفيا الصغرى وفي كم من مسجد هيك في اسطنبول، عرفت كيف؟ بينما هو بيغمض عينه عن آلاف المساجد التي حولت إلى كنائس مثلاً في إسبانيا والبرتغال وغيرها من أماكن العالم.

هو يعني، طبعا اللي بيحصل في مصر هذا أمر ليس له تفسير عقلاني، فعلا ليس له تفسير عقلاني، يعني هذه، مش عارف أقول إيه، لأنه يعني لا إنسان عاقل ولا إنسان مجنون يفرط في تاريخ وتراث البلد، اللي هو حتى بالمنطق المادي النفعي البراجماتي العلماني مصدر دخل، ويمكن أن تكتسب منه أموالاً. لكن حقيقه اللي بيحصل في مصر ده وراءه دافع لا يمكن أن تنزع عنه صفة عداوة الدين؛ لأنه الذي يحصل في مصر هو إحياء التراث الفرعوني وإحياء التراث اليهودي وإعادة ترميم مقابرهم ومساجدهم، وتقنين حتى الكنائس المبنيه بشكل غير قانوني، وهدم المساجد! لو أن الذي يحكم مصر احتلال أجنبي لم يفعل إلا هذا. وعلى كل حال هذا موضوع ذو شجون.

لكن احنا عبر التاريخ كيف تعاملنا مع؟ ذكرت لك أنه لا يعرف أن المسلمين تعقبوا الكنائس أو الصوامع أو الأديار بالهدم، بل على العكس، كثيراً من المناطق استقبل فيها أهل البلاد المسلمين كفاتحين، وأشهرهم في ذلك مصر، مصر التي كانت كنيستها القبطية تتعرض لاضطهاد شديد من الكنيسة، اللي هي كنيسة القسطنطينية لخلاف المذهب المشهور. فالذي حصل هو أنه لما دخل المسلمون إنما أعادوا مره أخرى هذه الأملاك القبطية والكنائس القبطية للبابا القبطي بنيامين، وكان هارباً من وجه الرومان ومختبئاً في الصحراء، فعاد مره أخرى من جديد. ولا يعرف أن المسلمين تعقبوا الكنائس أو الأديار بالهدم، إنما ذكرت أنه الاستثناء، ما يستثنى من هذا هو ما يكون في فتح بلد فتحت عنوة، وكانت هذه الكنيسة أو هذا الصنم أو هذا البناء هو رمز الهيمنة السياسية الحاكمه. ولم تكن وهذا يشمل كل شيء، سواء في مناطق فارس، المناطق الشرقية، وحتى في المناطق الغربية، في الشام وفي مصر وفي الشمال الإفريقي، فلذلك بقيت.

العالم الإسلامي نتذكر كلمة لطيفة للدكتور عبد الوهاب المسيري لما واحد بيقول له: يعني ما المسلمين في أزمنه تفوقهم عملوا نفس اللي عملوه الغربيين في أزمنه تفوقهم؟ قالوا لا، غير صحيح، أنت تروح أوروبا لا تجد إلا شيئاً واحداً، بتحس الناس حتى كوبي بيست من بعض، بينما تعال العالم الإسلامي متحفاً من الناس، متحفاً. وعبد الوهاب المسيري، وإن حسب علينا، إلا أني آتيك يا سيدي بكلمه لبرنارد ليويس؛ برنارد ليويس المستشرق الأمريكي اليهودي المتعصب الصهيوني والمتخصص في الدولة العثمانية. والدولة العثمانية اللي هي عند الدارسين تعتبر النسخة الأقل إسلامية بين النسخ الأخرى. طبعا الدولة العثمانية دولة إسلامية عظيمة جداً، لكن قصدي أقول إيه: أنت بتقول إنها أبعد، أبعد هذه الدول زماناً من الفاتحين، وكذلك لم تكن لغتها عربية. هذه الدولة العثمانية يقول برنارد ليويس إنه المناطق التي استولى عليها العثمانيون لما أزيح عنها، كان كل ما فيها قائماً بلغاته ومؤسساته، فاستأنف وجوده، بينما إسبانيا والبرتغال لا يوجد فيها اليوم مسلمون. دي كلمة برنارد ليويس في بحث بعنوان: الحرب والسلام في كتاب تراث الإسلام، الجزء الأول، بإشراف شخت.

فمسألة أن المسلمين تسامحوا دي مسألة لا خلاف فيها خالص. لما أنا ذكرت كلمة جوستاف لوبون: لم يعرف التاريخ فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً مثل دينهم. فأنت تجد في التاريخ الإسلامي أنا أتذكر كتاب اسمه تاريخ الإسرائيليين، يهودي مصري اسمه مكاريوس شاهين، المجلد ده حابب يقول إنه الإسرائيليين دول اضطهدوا في كل مكان راحوا له وفي كل أزمنة، لما جه عند العالم الإسلامي ما عرفش يطلع إلا اضطهاد بس! اضطهاد فقط في كل العالم الإسلامي، والاضطهاد دول لما تدور وراهم تلاقيهم فشوش، ما تلاقيش فيهم حاجه، بس هو في الاخر مجرد أن هو على تتبعه لكي يريد اثبات ما ينتشر في العالم من بغض اليهود، ما لقاش في العالم الإسلامي على طوال التاريخ إلا حادثتين! فده دليله نفسه على التسامح.

والحادثة الأولى هي حادثة أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي، وده كان بيطهد الكل. والحادثة الثانية حادثة في المغرب وردت ذكر لها في كتاب روض القرطاس لابن أبي زرع، وأنا أتذكر أني تتبعتها بنفسي في المصادر ولم تكن صحيحة. لم تكن صحيحة، يعني هو ذكر أنه بعض الأمراء في المغرب أباد اليهود في هذه الناحية. طب أنت تجد بعده بعشر سنوات مؤرخ آخر ذكر أنه وبلغت الجزية التي دفعها اليهود كذا كذا كذا! يبقى معنى كده أنه ما حصلش إبادة، وهو كان في يهود بيدفعوا الجزية.

فبلاش، المقريزي، المقريزي شيخ المؤرخين المصريين، له كتاب اسمه تاريخ الأقباط، المقريزي ده توفي في القرن التاسع الهجري. في كتاب تاريخ الأقباط أنا عددت التمردات التي نسبت إلى النصارى ضد الحكم الإسلامي في التسع قرون: ثمان مرات! ده ده كلها، يعني بعضها أشياء إدارية، وبعضها أشياء فيها اشتباكات، وبعضها أشياء اجتماعية. لكن عايز أقول لما تلاقي تسع قرون فيها ثمان تمردات، يعني بمعدل أكتر من تمرد لكل أكثر من 100 سنة، الناس دول كانوا متسامحين ولا كانوا متعصبين؟

أنا تعال أعد لك في كل، تعال أعد لك في أي دولة معاصرة دلوقتي التمردات كل سنة! اليوم أستاذ محمد، في الهند مثلاً الهندوسية رافعة قضية في المحكمه له 3000 مسجد، نعم، بدعوة أنها أقيمت على معابد هندوسية. صحيح، هذا إذا بدنا نعمل بس مقارنات، وهم هذا مسجد بابري الكبير، آه، للاسف طبعا هذا تحفه معماريه كانت الحضارية غير عادية.

بعيداً عن المسلمين أستاذ محمد، حتى هيك نسكر بس هذا السؤال ونطبق عليه، بعيداً عن المسلمين وطريقتهم في التعامل مع الموروث الحضاري لأي أمة هم دخلوا عليها هيك سياسياً؛ مش أنا الأصل إني أنا الغالب، وبالتالي أنا داخل، وبالتالي طبيعي أنا أهدم لك أهم مبانيك، أغير لك لغتك، أغير لك عاداتك وثقافتك، أزور لك موروث، ما هو أنا اللي غالب، أنت ليش زعلان؟ ما هو هذا، هذا هو التميز الإسلامي! هذا هو التميز الإسلامي، أنه المسلمين في انطلاقتهم في الفتوح لم يكونوا مجرد غالبين ولم يكونوا طغاة، يعني لم يكونوا نسخه جديدة من الطغيان. أنت عارف يا اخ مراد آية الحارس أصلاً: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، متى نزلت أو لماذا نزلت؟ نزلت أنت.

أهل المدينة قبل أن يأتيهم الإسلام كان عندهم يهود، فأنت عارف أحياناً تنتشر خرافات كده وسط الناس؛ لما واحدة كل ما تحمل أو تلد وابنها يموت، تروح تقول إيه؟ أنا الولد اللي جاي ده هخليه يهودي أو أحـ... موجود حتى في زماننا لغاية دلوقتي؛ تروح عند قبور الأولياء، وبعضهم يروح الكنائس، وبعضهم يروح للسحرة. فبعض نساء المدينة كانت يعني تقدم نذراً لله أن لو رزقها الله ولداً لجعلته يهودياً علشان أولادهم يعيشوا، فنشأ في المدينة جيل من الأطفال اليهود تهودوا بهذا المعنى.

لما جاء الإسلام ودخل آباؤهم في الإسلام، أرادوا أن يجبروا أبناءهم على العودة للإسلام، نزل قول الله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]. فالمسلمين لم يكن لديهم أي محاولة لإـ... لإجبار الناس على دخول الدين، ولذلك حتى أتذكر رجل بريطاني اسمه رونالد فيكتور بودلي في كتاب الرسول حياة محمد كان يقول: إن الاسلام يتصرف تصرف الدين الواثق من نفسه، ليس عنده الشبق والطموح لإدخال غير المسلمين فيه، لا؛ هو الإنسان الإسلام موجود، عايز تدخل أهلاً وسهلاً، مش عايز يدخل ما في... يعني لا يضرك من ضل، إذا اهتديتم.

فبالتالي لا تجد في تراث المسلمين هذا القدر من يعني أو هذا النوع من الاضطهاد، المسلمين لم يكونوا طغاة على مثال الطغاة السابقين. طيب؛ احنا في هذه السلسلة الناس حبت فكرة التلخيص، نعم. إذاً؛ نحن المسلمون كيف تعاملنا مع ميراث الأمم السابقة بسطر واحد؟ نحن المسلمين تعاملنا مع تراث الأمم السابقة: إذا أُريد الحجارة والأوراق، بالاحترام والتقدير، وإذا أُريد المضامين، فبالنظر والتقييم والوزن؛ فما كان موافقاً لما أردناه أو نافعاً في الدنيا قبلناه، وما كان غير ذلك رددناه.

السؤال الثامن عشر؛ السؤال الثامن عشر في هذه السلسلة، أستاذ محمد، له علاقة بشيء أنت ذكرته أكثر من مرة في أكثر من مكان، في أكثر من لقاء، يتعلق بالفارق بين التاريخ السياسي والتاريخ الحضاري. ونحن لو أردنا أن نستفيد من التاريخ، يعني نهتم بأيهما؟ ندرس أي واحد منهم؟ واش... واش تعريف كل واحد أساساً؟ طبعا نعم، هذا نحن أشرنا إليه وقتما دخلنا في محور الحضارة، نذكر به لأنه يعني الأسئلة ربما تنسي بعضها بعضاً. احنا قلنا إنه التاريخ السياسي هو التاريخ ما يكون في القصور، تاريخ الحروب والنزاعات وتاريخ المؤامرات، تاريخ الملوك والوزراء، هذا هو التاريخ السياسي. أما التاريخ الحضاري فهو تاريخ المجتمعات، تاريخ العلوم والفنون والثقافة، الزراعة، الصناعة، الاقتصاد، النظم، الآداب، الثقافة، الإدارة، هذا هو تاريخ الحضارة.

ولذلك دائماً التاريخ السياسي هو أسوأ ما في تاريخ أي أمة، بينما التاريخ الحضاري هو أنضر ما في تاريخ أي أمة. دائماً وأنت بتدور في السياسة، السياسة كلها إيه؟ حروب، نزاعات، مؤامرات، خيانات، انقلابات، ثورات، يعني مشاكل، هذا في كل الأمم، لا يقتصر على أمة الإسلام، لا لا، كل الأمم، هذا كل الأمم. والتاريخ الحضاري دائماً هو الايه؟ الوجه المشرق، ماذا صنعنا من المخترعات والالات والابتكار، الأجهزة التقنية، النظم، الإدارة، الثقافة، الشعر، الفن، الموسيقى، يعني العمران، البناء، هكذا.

واللي مع هذا يظهر الحاكم الظالم أنه أوه والله عامل شغل مرتب يعني، أه صح. يعني أنت أنت إذا أحبت أن تمدح حاكماً مهما كان، انظر إلى الحاكم من المنظار الحضاري؛ شوف هو ماذا فعل في زمنه، أو ماذا حصل في عهده، فساعتها... من يريدون تجميل صورة الحكام بيدخلوا هذا المدخل، وبرضو لو عايز تشوه الحاكم الصالح ممكن يدخل من التاريخ السياسي، لأنه... فلكن طبعا هذا أمر يعني ايه معروف أن نية صاحبه التزوير والتدليس والتشويه أو أو التزيين والنفاق على حسب يعني. لكن القصد أنه ده التاريخ السياسي وده التاريخ الحضاري.

طيب؛ لما يجي حد يقول لي: ما أيهما أهم؟ التاريخ السياسي ولا الحضاري؟ فالقاعدة المطردة السائرة في التاريخ هي: الناس على دين ملوكهم، والناس على دين ملوكهم، وغالباً ما بيبقى عندك تاريخ حضاري لما بيبقى عندك استقرار سياسي؛ لأنه الشعوب في أوقات الحروب والازمات والانقلابات والتضعضع والعواصف لا تتمكن من إقامة حضارة، ده طبيعي يعني، الإنسان ما يبدع وما يبتكر إلا إذا وجد حداً أدنى من الأمن على نفسه تماماً، ولذلك الحضارات نشات في المجتمعات المستقرة، المجتمعات على ضفاف الأنهار، المجتمعات التي نشت فيها حكومات، فده طبيعي.

ولكن يعني خليني أقول: أنا دلوقتي بكلم عدد غير محدود من البشر، نعم، حقيقة: كل ميسر لما خلق له. كل ميسر بمعنى إيه؟ بمعنى الجماعة الحركيين والمصلحين وأصحاب التغيير وحمّلة الرسالة وأصحاب النضال والكفاح؛ الأهم بالنسبة لهم التاريخ السياسي، هو ده اللي أنت بتشوف فيه كيف تقوم الدول، كيف تسقط الدول، كيف تتحول الحركات من الدعوة إلى الدولة، كيف تنجح، كيف تخفق، كيف تفشل، على ما فيه. من المصلح الذي يحمل رسالة، الذي عايز يغير العالم، يغير بلده، يغير مكانه، يغير مجتمعه، هذا لابد له من استيعاب التاريخ السياسي، فيه طلبته، والذي نجد فيه سنن النهوض وسنن السقوط، وسنن الحروب وسنن الصراع. يعني أنت لكي تعرف كيف تغير، كيف تصلح، كيف تفتح بلداً، كـ... التاريخ السياسي.

لكن الداعية... أنا يعني الداعية الذي هو إيه؟ أقرب إلى العلم وأقرب إلى النشاط المجتمعي، وأقرب إلى تربية الأطفال وتعليم النشء، هذا الأنفع له والأنسب له التاريخ الحضاري. يعني اللي ناوي يدخل معركة كفاح وتغيير وإصلاح في الواقع، ده لازم يستوعب التاريخ السياسي، وهذا هو الأهم في حقه. الراجل الذي ما عندوش هذه المواهب أو يعني مش في دماغه هذا الموضوع، لم لم يخلق لهذا، لم ييسر لهذا، ويريد أن يشرح التاريخ، هذا سيجد طلبته في التاريخ الحضاري، ده بقى اللي يجي يحدثنا عن كيف طلب فلان العلم، وكيف رحل إليه فلان، ده ازاي طور الفكرة دي علشان تبقى اختراع فلان، ازاي هضم علوم السابقين وأضاف عليها من عنده، فلان حل المشكلة العلمية دي ازاي، طيب؛ الدولة الفلانية دي علشان تعمل فريق علمي عملت ايه، أنفقت كام على الترجمة، أنفقت كام على إقامة المراصد الفلكية، ازاي كان الحاكم قديماً يجمع في بلاطه أهم علماء الدولة، وازاي كانت تحصل قدامه المناظرات الفكرية.

التاريخ الحضاري تاريخ نهضة في ظل النشاط المجتمعي والـ... يعني الدعوي، التربوي، الإصلاحي، داخل المحاضن، هنا التاريخ الحضاري هو الأهم بالنسبة لهذا وذاك. لكن إذا أنت بقى بتنظُر نظرة عامة عشان تقول أيهما أهم؟ فالاهم عموماً التاريخ السياسي، ولذلك التاريخ الحضاري تابع للتاريخ السياسي؛ أول ما بيبقى فيه حروب ومشاكل وانقلابات وثورات بتجد توقفاً حضارياً، شوية كده حصل استقرار يبدا التاريخ الحضاري يبرز ويعلو، طب حصل انهيار سياسي التاريخ الحضاري يكمل شوية عالي وبعد كده يروح متأثراً به فيذهب إلى الجمود، وأحياناً تفسد... يعني الحاكم الفاسد أو الحاكم... يعني عايز أقول إيه؟ الحاكم الذي لا يقوم واجبه يفسد التاريخ الحضاري ويحبسه.

أقول لك أشهر مثال برضو ضربته كثيراً حتى أخشى أن أمل، أنه مثلاً في تاريخ الجبرتي، تاريخ الجبرتي المؤرخ عبد الرحمن يتحدث عن والده الجبرتي الكبير حسن أنه كان عالماً، عالماً يعني في الفلك والزيجات والهندسة، حتى كان يأتيه طلاب الفرنج يدرسون عليه، الكلام ده في آخر القرن، آخر القرن الثامن عشر، ناس من فرنسا جاية لشيخ أزهري تدرس عنده هندسة وفلك. الله! طيب، ذا الجبرتي نفسه الذي يحكي الكلام ده عن والده، هو نفسه الذي اكتسحت الجيوش الفرنسية في الحملة الفرنسية! يبقى يا جماعة هم جايين يتعلموا عندنا ولا كانوا متقدمين عندنا علينا وجوم كَسَاحوه؟ يعني أيهما؟

الجبرتي يلتقط هذا ويقول: لأن هؤلاء الفرنج لما عادوا إلى بلادهم أخذوا هذا العلم وأخرجوه من القوة إلى الفعل، كان عندهم هناك نظام سياسي يستفيد من العلوم ويحولها إلى أسلحة، لكن الحكم الموجود في مصر في ذلك الوقت، الذي هو حكم المماليك في آخر عصرهم تحت ظل العثمانيين في آخر عصرهم عصرهم، حكم فاسد، كان عنده هذا العلم لكن موجود في الورق، موجود في الكتب، لم يُستثمر لكي يكون أسلحة وادوات واختراعات تمكننا من صد هذه الجيوش. ولذلك حقيقة الفرنسيين لما احتلوا الجزائر كان عدد الأمية في فرنسا أكبر من عدد الأميين في الجزائر، ونفس الكلام لما احتلوا مصر.

يبقى كانت فين المشكلة؟ ما كانتش المشكلة في مجرد النهوض العلمي، لا، العلم أهو كان موجود داخل الكتب، لكن كان في نظام سياسي فاسد، وهذا التاريخ السياسي النظام السياسي الفاسد لم يستطع أن يستثمر العلم الموجود لكي ينمو به عسكرياً وحضارياً، فلذلك تم اكتساحه على يد قوم كانوا أجهل منهم. نحن في عصرنا هذا الأمر واضح؛ تجد العالم العبقري المخترع لا يجد لنفسه مكاناً في عالمنا العربي، يروح فين؟ فيروح أوروبا وأمريكا، أوروبا وأمريكا تستثمر هذه العلوم والمعارف في صناعة أسلحة تقتلنا نحن بها. نحن... نحن... يعني وارد جداً جداً يكون العالم الذي اخترع شيئاً وأضاف شيئا، ده قُتل به أهله الموجودون في بلده الأصلي.

فالتاريخ السياسي أهم من التاريخ الحضاري لأنه يقوده، لكن كل ميسر لما خلق له؛ بعضهم يستطيع أن ينتفع بالتاريخ السياسي، وبعضهم يستطيع أن ينتفع بالتاريخ الحضاري.

أنا بدي تسحب نفس عميق. أيوه.

لأني حالك سؤال أدخلك فيه إلى عش الدبابير، فجهز لي حالك. هذا السؤال ما خلص ترى؛ لأنه في له شق تاني بخوف.

استر يا رب.

هذا التاريخ السياسي والتاريخ الحضاري عامل صراعات رقمية على السوشيال ميديا بطريقه لا يمكن أن يتخيلها عقل. وبالتالي، استاذ محمد، يعني أنا رجل أعيش في دولة، يا أخي، يصنف حاكمه أنه ظالم سياسياً، ويصنف أنه في قمة الذكاء والروعة والعطاء والكرم على المستوى الحضاري. وبالتالي أنا قاعد ورا هالإنستغرام، فيسبوك، زي ما بدك؛ يعني إذا حدا دعس على طرف دولتنا فنحن حنفر، سواء كنا ذباب إلكتروني ولا ما كناش ذباب إلكتروني. فهنا أنا كإنسان بسيط يعني أعيش في هذه الدولة معزز مكرم، عندي كهرباء، مي، سيارة حلوة إلى آخره، تمام؟ أنتم شايفين الحاكم تبعي في مصيبة، شايفينه شيطان رجيم، هي مشكلتكم، لكن هو بالنسبة إيلي... أه شو بدي أحلى من هيك؟ وبالتالي ما تحكو عنا إذا سمحتوا!

فالقصد، طبعا لا أقصد عين دولة بعينها، ولكن قصدي هذا يبدو أنه منتشر كثير وموجود كثير، وهو اللي عم بيسبب لنا صراع مش طبيعي على السوشيال ميديا، بندخل في نقاشات ما بنعرف نطلع منها، فنروح ننام وبنترك النقاش شغال، وإلى اللقاء. فماذا أفعل أنا مع هذا الإنسان؟ كيف... هو هو نفسه كيف يفهم؟ نعم وكيف ينحاز؟ هل ينحاز ولا ما ينحاز؟ بعدين بالمناسبة يعني شوف؛ أولاً قد يوجد الحاكم الذي هو مستبد في نفسه، يعني مستبد طاغية وجبار، ولكنه حريص على نهضة بلده نهوضاً حقيقياً، هذا يوجد، موجود في التاريخ، موجود في أمثله الواقع؛ هو صحيح ماسك البلد بالحديد والنار، ولكن هو حتى وهو ماسكها بالحديد والنار حريص على قوتها ورفعتها ونهضتها، ده موجود فعلاً.

ولكن إيه مشكلة هذا النوع من الحاكم؟ أنه يؤسس لمشاريع ولدول تكاد أن تنهار بعده دائماً، واخد بالك؟ هو المشروع الذي يأسسه، يبقى... بيبقى المشروع هذا ممسوك طالما الحاكم موجوداً، طيب إذا لم يكن موجوداً تبدا تنهار هذه الأمور؛ لأن النفوس استنامت إلى الذل وبدا فيها الجبن والفساد وهذه العناصر التي تنهار بها الدول. فهذا موجود عبر التاريخ عادي يعني.

ولكن حقيقة الذي يححصل في زماننا هذا أو في عالمنا العربي، نوع ثاني؛ احنا في عالمنا العربي في وضعنا المعاصر لا يوجد مثل هذا الحاكم، احنا الموجودين الآن هم حقيقة يعني أخذوا منا الدين وأخذوا منا الدنيا، والمظاهر، مظاهر الرقي الموجودة في بعض البلاد الغنية، ليست إلا استيراداً لما عند الاجانب، ليست نهضة ذاتية. فلذلك تجد أن مظاهر الرخاء الموجودة في بلادنا هي في حقيقتها مظاهر احتلالا، وبدون ما أذكر أسماء على ما قلت يعني.

مثلاً، من الكتب من يقرر أصحابه الأمريكان أن هذه البلد بالنسبة لنا هي البقرة الحلوب بصريح العبارة، الكلام كتبوه ومنشور، يعني هي البقرة الحلوب التي سنظل نحلب حتى نخرج على المعاش. أو أن الوزير الأمريكي الفلاني اتفق مع المسؤول الفلاني في الدولة الفلانية على أننا الذين نتولى البنيه التحتية أو نتولى إدارة المرافق. ده نوع بيسموه الاستعمار طويل الأمد؛ عارف أنت لما تبني المدينة بتاعتك أو تبني النظام الإداري بتاعك على تقنية أجنبية، فانت مش بتفضل... يعني قصدي العقد ما بيبقى على قدر البناء بس، لا، ده كل ما ياتي بعد ذلك من ملاحق ومرافق وزيادات وتطورات بيبقى مرتبطاً بإيه؟ بالأساس الذي بنيت عليه.

أنت مثلاً لو رايح تتفق مع شركة أمريكية، ورايح تتفق مع شركة في الاتحاد السوفيتي؛ دي مدرّسة ودي مدرّسة، لو أنت رحت للامريكان غير لما تروح للاتحاد السوفيتي، كلاهما ما بيبقى بناء مدينة هو عقد واحد على بناء مدينة، لا، النظام الذي يوضع للطرق، النظام الذي يوضع للتليفونات، النظام الذي يوضع للصرف الصحي، النظام الذي يوضع لأجهزة التبريد والتكييف، كل ده يستتبع وراءه ارتباطك الكامل بالجهة التي بدأت تؤسس عندك هذه المدينة. فاللي حاصل حالياً من مظاهر مادية وعمرانية هو في حقيقته ليس مظهراً حقيقياً للمادة والعمران، ولذلك أنظر في أعظم المباني، أعلاها مثلاً؛ بل أنظر يا سيدي في أعظم المساجد: هل الذين بنوها عرب ومسلمون؟ الذين وضعوا التصميم... الذين جاؤوا بال... الذين وضعوا التصميم، الذين جاؤوا بالحجاره، الذين جاؤوا...

بالرخام، بل مسلمين، عرب ومسلمين؟ لا، الذين يديرون الصيانة فيها والذين يديرون مرافقها عرب مسلمون، لا. فهذه حقيقة، مش تقدم ولا نهضة، ده استيراد، والاستيراد ده استيراد بحذافيره، يعني ده مظهر من مظاهر الاحتلال.

فلذلك اللي بيعملوه الذباب الإلكتروني دلوقتي ده قدر كبير منه جهل، وقدر كبير منه نفاق، مهما حصل ومهما كان، وإلا فهم ينافقون حتى الأنظمة التي ليس فيها لا دين ولا دنيا بالمظاهر المادية نفسها. إنما اللي احنا بنتكلم عنه، احنا بنتكلم عن نهضة حضارية ذاتية مستقلة، يعني قادر الأمير أو الحاكم أو السلطان أو الملك قادر أن يؤسسها بنفسه، بمهندس، بمارستان، بفنان، بزخرف، هنا اللي هو لا تستمد مواردها ولا تستمد أسبابها من عدوها، هذا فارق مهم، مع إقراري بأنه قد يوجد الحاكم المستبد الذي يسعى في رفعة بلده، يحدث.

طيب، في تفريعة صغيرة كمان هيك مشان نطبق برضه على هذا السؤال، احنا عاملين سلسلة اسمها مئة سؤال في التاريخ وندرس في التاريخ وحالتنا حالة، بس خطر في بالي وانت بتحكي على السريع، أنا بعرف أن حأسأل سؤال جوابه بده ثلاث ساعات، لكن في ثلاثين ثانية: هل التاريخ علم؟ علم من نوع خاص؟ اللي بيختلفوا في الموضوع ده بيقولوا، هو طبعا ده بيختلف باختلاف تعريفهم لكلمة علم، يا ترى كلمة علم دي بمعنى أن هو يكشف المجهول مثلاً؟ ولا علم بمعنى أن له قواعد أساسية مطردة وأننا يمكن أن نستثمره؟ يعني إيه مثلاً؟ يعني دلوقتي الفيزياء، الفيزياء علم، الفيزياء دي أنا لو عرفت قوانين الحركة باعرف أعمل عربية. التاريخ ده؟ آه، ده خلاص علم ساينس، يعني ده علم التاريخ بتاعكم ده عنده قواعد ثابتة مطردة أعرف أقيسها زي ما أنا بقيس قوانين الحركة؟ لا، لا، يبقى ده مش علم، ده مذهب من المذاهب.

المذهب الثاني بيقول لا، علم لأنه يكشف المجهول، أنا بيبقى عندي شيء مظلم مش عارفه، أول ما بكتشف أحفورة أو اكتشف مخطوطة أو اكتشف أثراً، أكتشف مجهولاً، فالشيء الذي كنت جاهلاً به وعلمته هذا علم، فبالتالي هو من هذه زي كده علم الجيولوجيا، طب ما الجيولوجيا علم، لكن أنت عمال تكتشف وتستديم كلما نقبت وحفرت ورايت. وبعض الناس بتقول كل العلوم الإنسانية علوم ذات طبيعة خاصة، علوم ليس لها الدقة والضبط والاطراد بتاع العلوم البحتة، لكن برضه ما أقدرش أقول أنها مجرد موهبة وفن، لا، هي برضه علم ولها أصولها الثابتة ولها قواعدها اللي أقدر أقيسها واللي ممكن توضع عليها استثناءات، فلذلك العلوم الإنسانية بيسموها كده علوماً ذات طبيعة خاصة، فيها وجه من وجوه العلم الساينس، وفيها وجه من وجوه الفن والذوق، اللي هو بيبقى فيه قدر من انحياز المؤرخ بشريته وقدر من اعتماد على مواهبه العقلية.

يعني أنت دلوقتي واحد مسلم وواحد غير مسلم بالتاكيد قرائتهم للتاريخ هتختلف بالتاكيد، لكن واحد مسلم وواحد غير مسلم والاثنين مسكوا مادة واحدة هيدرسوها في المعمل، ما الاثنين هيطلعوا بنفس الخصائص. أها، طبعا فيها تفصيل بس مش وقته يعني، نعم، نعم تمام. فلذلك التاريخ علم من نوع خاص بهذا المعنى، وابن خلدون يمكن حكى عنه علم وفن، يعني عرفه مرة ذكره بأنه علم ومرة ذكره بأنه فن. ما هو إحنا لما بنتبع مثلاً الأوبئة، العرب ما كانش عندهم التفرقة دي، كلمة فن عند العرب تشمل العلم. كلمة فن عند العرب تشمل كلمة العلم، يعني التاريخ فن عزيز المذهب، العربي يفهمها: التاريخ علم عزيز المذهب. ولذلك مثلاً حاجي خليفة كان كتب كشف الظنون، كتابه الذي كتبه عن أنواع العلوم، عنوانه إيه؟ كشف الظنون عن أصول الفنون. فكلمة فن عند العرب كانت تعني العلم. وطبعا لما الواحد بده مثلاً يتتبع تاريخ الأوبئة، هذا لو في أنا طبيب وبدي أتتبع تاريخ الأوبئة ومتى ظهرت أين ظهرت كيف تطورت، وهذا برضه بالاخير معلومة هي طبعا.

طيب، السؤال الثامن عشر: كيف نفرق؟ أو إذا أردنا أن نهتم بعلم التاريخ، إما التاريخ السياسي أو التاريخ الحضاري، وأردنا أن نلخص هذا السؤال فماذا نقول أستاذ محمد؟

باختصار: التاريخ السياسي أهم من التاريخ الحضاري. التاريخ السياسي أهم بالنسبة لمن يعملون في الإصلاح والتغيير، بينما التاريخ الحضاري أهم بالنسبة لمن يعملون في الدعوة والتربية والتثقيف. وهكذا تكون الحلقة السابعة انتهت من سلسلة مئة سؤال في التاريخ، وتوقفنا عند السؤال الثامن عشر، السؤال التاسع عشر إن شاء الله غاية في الأهمية، غاية في الرواعة، سيكون في الحلقة الثامنة بعون الله، ودمتم في رعاية الله.

لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي، ولتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكسارات قادته وعلمائه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب: تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.