دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 8. متى بدأ انكسار الحضارة الإسلامية؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نقطة الانكسار الأساسية الرئيسية لأمة الإسلام، هنا حصل انهيار التوازن بين جماعة العلماء وبين السلطة السياسية. نحن لم نصل إلى القعر الآن، نحن كأمة في مسار نهوضنا. طيب، نهاية الانكسار زوال الخلافة؛ طبعا، ما علاقة هذا الكلام بفكرة الانكسار ذاتها؟ أفضل يوم في الدولة العثمانية أحسن ممَّا بعده؛ يعني هم تقدموا أنتم تراجعتُم، خلص، تزعلش! هيَّاك الحياة، لما يشوف شيء مبهر عند المسلمين بيقى يتمنى أن يكون عنده. نقاش فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية؛ يعني فكرة مضي على الوقت أنه تقعد تناقشها، هذا الموضوع لا يناقشه إلا الجهلة بهذا الموضوع. هل هذا الانتقال كان شكله قصري بالضبط؟ قامت كل الحضارة الغربية هي والأوروبية بسبب هَلا كم من كتاب اللي أنتم بتدَّعوا أنَّه يعني احنا اخذناهم من عندكم؟ الاكتشافات التي اكتشفها المسلمون كانت مفاصل مركزية في التقدم الإنساني المعاصر.

لما الإنسان ترى يتعرف على علاقته في الدولة من منظور الدين، ينصدم؛ لا، لا، ما فيش حاجة اسمها مال الدولة، ما فيش حاجة اسمها هيبة الدولة، ما فيش حاجة اسمها تضحي بنفسك علشان الدولة. والحكي فيه بالمناسبه هو مزعج للانظمة، الحكام العرب قوميون طالما لم يكونوا في الحكم، أول ما يبقوا في الحكم يبقوا وطنيون.

سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، هذه الحلقة الثامنة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ. وين وصلنا؟ وصلنا عند السؤال التاسع عشر، سؤال 19. وهذه السلسلة كما هو معروف ومعلوم ضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي. أهلاً وسهلاً أستاذ محمد. حياكم الله أبو الحارث، جزاكم الله خيراً. يعني ما شاء الله ما شاء الله، ردود الأفعال على السلسلة يعني حقيقة شيء يثلج الصدر، وحقيقة يدعو ويدفع للاستمرار والبذل والعطاء. هذا من فضل الله علي، جزاكم الله خيراً.

السؤال التاسع عشر أستاذ محمد؛ يعني نقطة الانكسار الأساسية الرئيسية للأمة الإسلام. نحن الأمم كلها، كل الأمم يعني تنهض، تطلع، تنزل، تطلع، تنزل، لكن منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى هذه اللحظة، نقطة الانكسار الكبرى الرئيسية للأمة التي قسمت ظهر البعير، اللي خلتنا ورا، متى كانت؟ متى بدأ تحول هذا في التراجع في الحضارة الإسلامية؟ يعني انتقالنا من فترة الحضارة والازدهار إلى فترة الضعف والتراجع، متى بدأ؟

جميل، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. طبعا سؤالك كان بيقول عن لحظة الانكسار الأساسية. نعم، أنت تعرف يعني هذه من الأمور التي يختلف فيها الناس، يختلف فيها المؤرخون والمفكرون؛ متى وقعت لحظة الانكسار الأساسية؟ ومثلاً أنا متصور السؤال ده أنت لو طرحته على عدد من الناس ستاخذ بعددها إجابات مختلفة.

كثير من الناس مثلاً حابب يتوقف عند اللحظة التي كانت بدايه الدولة الأموية، اللي هي بداية الملك العضوض، لما تحولت الخلافة إلى مُلك بعد أن كانت شورى. ولا ريب أن هذا الجواب فيه قدر من الصحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر خلافة ثم تكون مُلكاً عَضَّاً، وقال: «تنقض عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقدت عروة تعلق الناس بالتي تليها، فأولها نقضاً الحكم». يعني أول شيء سيصيبه الضعف ويصيبه الانحلال في الاسلام هو منظومة الحكم، وده حصل بالفعل؛ يعني يعتبر أول ما ظهر في الحضارة الإسلامية من أوجه الضعف.

لكن بعض الناس مثلاً ممكن يقول لك إنه بداية الانكسار دي كانت مع انتهاء الدولة الأموية. لأن انتهاء الدولة الأموية -الدولة الأموية كما قلنا كانت دولة عربية والقائمون عليها العرب- بينما لما جاءت الدولة العباسية، صحيح العباسية صحيح خلفاؤها عرب عباسيون هاشميون، لكن كثر في رجال دولتهم غير العرب من الفرس على وجه التحديد. فبعض الناس بيقول لك إنه بداية الدخول العناصر غير العربية كانت بداية دخول ثقافة غير عربية، وبدايه دخول شوائب غير نقية داخل جسد الحضارة الإسلامية، فمنها هنا بدا الخلل؛ ده تحليل بعض الناس.

بعض الناس هيقول لك إنه بداية الخلل كان لما استولى العسكر الترك على الخلافة العباسية وصاروا هم الذين يحكمون حكماً فعلياً، وضعف معهم الخلفاء. لأن أنت دلوقتي صرت أمام حكم عسكري، وكمان أمام حكم غير عربي؛ لأن الشخصية القوية التي صارت تسير العالم الإسلامي هو العسكري التركي، اللي هو بالتاكيد بعيد عن فهم الإسلام كما يفهَمُه العربيُّ الذي نشأ على اللغة العربية والثقافة العربية، وحتى بعيد عن فهم الشخصية المدنية، حتى الفارسية أعجمية التي نشأت أصلاً في التعلم، فدي شخصية عسكرية تركية.

بعض الناس شايف أن هذه بداية لحظة. بعض الناس قد يتكلم عن اللحظة التي حكمت فيها الخلافة العباسية الاتجاهات الشيعية في لحظة السيطرة البويهية؛ هؤلاء عسكر وعجم وشيعة، فبيقول لك هذه اللحظة صار فيها قلب العالم الإسلامي وقوة العالم الإسلامي، بالذات في هذا القرن الرابع الهجري لأنه كان قرن انتكاسة، ويسميه بعض المؤرخين قرن هيمنة الشيعة، الحكم الشيعي؛ لأنه بالذات كمان حصل أن الدولة العبيدية الفاطمية نشات، فصار العالم الإسلامي منقسم بين خلافتين: خلافة سنية وخلافة عبيدية شيعية إسماعيلية باطنية فاطمية.

كل ده، وطبعا هناك امور اخرى، في بعض الناس بيتكلم عن الحملات الصليبية كأول غزوة لقلب العالم الإسلامي حصلت في تاريخ العالم الإسلامي، وأحد أهم نتائجه كان تصعيد الطبقات العسكرية. لأن احنا من بعد الحملات الصليبية لما جاءت الأمه، افرزت من يجاهدها ويقاومها، فبالتالي طفت على السطح دول عسكرية ليست دول مدنية زي الدولة الزنكية والدولة الايوبية وبعدها دولة المماليك؛ فالدولة العسكرية بطبيعتها تقوم بواجب الجهاد خير قيام، لكن عند الحضاره بقى والاستفادة من الحضارة لا، تبدا تظهر مشكلات الدولة العسكرية ومشكلات الطبيعة العسكرية، ده برضه تحليل قوم من الناس.

على كل حال، كل هذا له حظ من النظر، أنا مش داخل، مش حابب أن أنا أناقش كل ده، أنا بس بادي لك أفكار. لكن الذي اميل انا اليه هو أن كل هذه كانت لحظات تراجع، لكن أعقبها صعود، وأعقبها تفوق؛ فلا استطيع أن أسميها الحركة الأساس أو نقطة الانكسار الأساسية. في تقديري أن نقطة الانكسار الأساسية هي التي وقعت في عهد السلطان سليمان القانوني. كيف ذلك؟ هذه لها حكاية نحتاج أن نحكيها وسأختصر بحيث أن الوقت يسعنا.

أحد أهم المزايا التي جاء بها الإسلام، والتي قامت عليها الحضارة الإسلامية، أن الحضارة الإسلامية هي حضارة ربانية، أصلها رباني. فالحضارات، الدولة النبوية ودولة الخلافة الراشدة وبعد ذلك، فالدين كان مهيمناً على كل حركة الدولة. مثلاً في الذهن الإسلامي، ما فيش حاجه اسمها مال الدولة، المال اسمه مال المسلمين. لذلك لما وقع حتى خلاف بين سيدنا أبي ذر وسيدنا معوية، هذا المال هل هو يعني ماذا يسمى؟ اللي هو المال العام؟ لأن احنا دلوقتي بنسميه مال عام أو بنسميه مال الدولة. فمعاويه كان يقول: هذا المال مال الله. أبو ذر حريص أن يسميه: مال المسلمين.

إيه الفرق؟ الفرق أن كلمة مال الله -طبعاً المال كله لله والخلق كلهم لله- بس كلمة مال الله هنا تعطي الخليفة صلاحية في التصرف به أوسع من صلاحية كلمة مال المسلمين. ما حدش فيهم قال ده مال الدولة، لا، ما فيش حاجة اسمها مال الدولة، ما فيش حاجة اسمها هيبة الدولة، ما فيش حاجة اسمها تضحي بنفسك علشان الدولة. ما فيش حاجة لا، كل حركة الجهاد، كل حركة العلم، كل حركة السياسة كانت لإعلاء الدين، إعلاء كلمة الله. الدولة نفسها هي جزء من أدوات الدين؛ يعني الدولة موجودة لإقامه الدين، لإقَامَةِ الدين نعم.

أم علماء السياسة الشرعية كده تقرأ تمسك الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به». ده دي مهمة الحاكم في الإسلام، دي مهمة الدولة في الإسلام: حراسة الدين وسياسة الدنيا به، بالدين، مش سياسة الدنيا بمنهج آخر. الغزالي يقول: «الدين أصل والملك حارس، فما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع». ولذلك الدولة لما نشأت، نشأت من شجرات الدين، من تحت ظل الدين.

تمام، فلذلك لما بقول كده، الحاكم والمحكوم، يعني كل الناس اللي قاعدين في الدولة الإسلامية في الحضارة الإسلامية شايفين نفسهم بيخدموا الدين، وأن المرجعية العليا هي مرجعيه الشريعة، وأنهم يطيعون هذا الحاكم ما أطاع الله فيهم، فإن عصاه فلا طاعة له عليهم، تمام؟ ويخرج عليه لأنه لم ينفذ الدين.

هذه المنظومة عملت إيه؟ من أهم مزاياها أنها قلصت صلاحيات الدولة، وقلصت صلاحيات الحاكم؛ فخليته خلت الحاكم والدولة صلاحياتهم محدودة، بيقوموا بواجب الأمن والدفاع وما يتعلق بهما. مهمة الدولة في الإسلام أنها إيه؟ ترتب الوضع الداخلي، يبقى أمن، تحمي الثغور، تجاهد في سبيل الله، وما يتعلق بها بقى من جبي الضرائب، جمع الجزية، العشور، الخراج، إقامة الشرطة، نصب القضاء، اللي هي المهمات الكبرى.

بينما بقية الحركة الإسلامية المجتمعيه لا تهيمن عليها الدولة. ماذا صنع لنا هذا؟ صنع لنا أننا قدام سلطة قوية ومجتمع قوي؛ سلطة محدودة الصلاحيات ومجتمع ناشط. ممكن تعيش حياتك في العالم الإسلامي لا تبص على سلطة ولا سلطان، ولا تحتاج لها في حَاجَةٍ أبداً، تعيش حياتك من الميلاد إلى الوفاة. العالم لما يتكون، يتكون من أنه درس في الكتاب على مشايخه، تميز، صار يدرس، صار عالماً. أرادت الدولة، تحتاج تقول له: احنا محتاجين قاضي، محتاجين مفتي، تعال خليك في بلاط الحاكم تستشيره وهو يقبل أو يرفض، ولو رفض ما لوش علاقه بيه.

فالدولة كانت محدودة الصلاحيات، ماسكة الملفات الكبرى، والمجتمع منطلق في حركته الذاتية التي لا تعتمد على الدولة؛ فعندنا مجتمع قوي، ناهض، ناشط، متماسك. لأنه المجتمع ده تهيمن عليه عبادات يومية، تهيمن عليه قيم زي صلة الأرحام، وزي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزي أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وصلاة الأرحام وإطعام الطعام. قصدي الإسلام بطبيعته ينشئ مجتمعاً متماسكاً متكافلاً متعاضداً ماشي.

ولذلك ممكن ننهزم عسكرياً، والسلطة تنهزم عسكرياً، وتفضل الحضارة قائمة؛ لأن الحضارة ما كانتش مرتبطة بالسلطة. تنهار السلطة السياسية، تبدأ حركة مقاومة شعبية؛ لأن القوة مش متركزة عند السلطة، عند الحكومة. السلطة عندها جزء من القوة، وفي مجتمع قوي عندنا، أوقاف تمول العلماء، تمول اليتامى الأرامل المدارس، حتى ترجمة العلوم، فكاك الأسرى، تمول مجاهدين، وفي ناس مجاهدين يجاهدون بدون إذن السلطان. المسؤولية موزعة وليست بالضبط.

فاحنا عندنا مجتمع قوي، وعندنا علماء، وعندنا سلطة؛ فبالتالي في حالة من حالات توازن القوة. توازن القوة ده امتى بدا ينهار؟ بدا ينهار عند السلطان سليمان القانوني. كيف؟

هناك لقطة مبكرة، لما أبو جعفر المنصور جاء للإمام مالك وقال: إنّي أريد أن تكتب كتاباً توطئة للناس، توطئة، وتجنب فيه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشذوذه ابن مسعود. ده أبو جعفر بيكلم الإمام مالك، وإنّي أريد أن أحمل -يعني أنشره في الأقطار- وأحمل عليه الناس. الإمام مالك رفض هذا، كان أول رفض لتقنين الشريعة؛ هذا رفض أن الشريعة تتحول إلى قانون، وقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر شديد، وقال: إن عند كل قوم علماً. طبعا الإمام مالك يرفض أن كتابه هو يبقى الكتاب الرسمي أو القانون الرسمي اللي منزلاه الدولة.

ظل الوضع على هذا النحو حتى السلطان سليمان القانوني. السلطان سليمان القانوني، طبعا أنا أحسن به الظن، أنا متاكد أنه عمل كده للمصلحة، وبالشيخ، شيخ الإسلام الذي كان في عصره، اللي هو أبو سعود أفندي؛ شيخ السلطان سليمان القانوني. عمل إيه؟ لقي مثلاً أن القضية الواحدة قد يحكم فيها قاضيان بحكمين مختلفين. ده ممكن أنت دلوقتي لو سلطان، يعني لقيت الوضع ده، فممكن تفكر في أنه أحد القضاه أقل علماً من الثاني (ليس صالحاً)، أو واحد فيهم كان متعصباً أو كان غضوباً فحكم بحكم أشد من الحكم الطبيعي، أو واحد فيهم كان فاسداً رشي بالمال وحكم بحكم أقل من الطبيعي، أو غيره أو غيره أو غيره.

أنت كواحد كسلطان موجود في دولة مركزية -أحد عيوب الدولة العثمانية أنها كانت دولة مركزية، يعني ازدادت فيها المركزية لظروف كثيرة، مش، لظروف كثيرة مختصرها أن هذه عادة تركية، وأنهم ورثوا دولة بيزنطية مركزية، ولأنه السياق التاريخي للدولة العثمانية كان يعظم من شخصية السلطان، فبالتالي الدولة العثمانية أكثر دولة نشأت فيها الحالة المركزية-.

طيب، السلطان المركزي الذي عايز يصلح هذه الحالة، عايز، أنت أحد الاحتمالات اللي تيجي في دماغك وأنت بتشوف في الحالة دي، حالة القاضيين دي، أنه والله في تفاصيل دقيقة فارقت هذا القضاء عن هذا القضاء؛ وارد جداً. مش أنت دلوقتي القاضي؟ القاضي في الإسلام يحكم ليس بينه وبين الله أحد، بيحكم منين؟ بيحكم بما تعلمه من شيوخه على المذهب الذي درسه. وارد جداً تعرض عليّ قضية أنا كقاضي، فأنتقي له القول الأنسب لها من المذهب، ووارد جداً أنه لا أجد لها قولا في المذهب، فأذهب إلى قول فقيه خارج المذهب لكي أحكم في هذه القضية، لأن أنا شايف المصلحة في الحالة دي في هذا القضاء، لأن القاضي ده مش بس واحد عنده علم الشريعة، لا، ده برضه عنده الحالة الواقعية اللي أمامه، فعلم شرعي وعلم واقع، ازاي ينزل علم الشرع على الواقع؟ فالصلاحية التي كانت عند القاضي حية كبيرة، بيجتهد في المسألة وينظر فيها.

فالسلطان سليمان القانوني أراد أن يتجنب ما يراه فساداً وانحلالاً في القضاء، فكان أول من سعى إلى تقنين الشريعة؛ أن نجيب الشيخ أبو سعود أفندي ومشايخ.

الإسلام، ويجعلوا لنا الفقه الحنفي على هيئة كتاب قانوني، على هيئة بنود، وعلى هيئة حالات، وهذا الكتاب نلزم به القضاة بحيث لا يقع التفاوت في التقاضي. علشان كده دي نيته حسنة، لكن هو إيه اللي حصل لما عمل كده؟ اللي حصل حقيقة أنه: أولاً؛ خصم من اجتهاد القاضي، دلوقتي القاضي بقى عنده كتاب مجبر وملزم أن يحكم بما جاء فيه، ما بقاش عنده مساحة الاجتهاد الواسعة داخل المذهب أو حتى خارج المذهب.

الأخطر من ده أن الكتاب ده نزل من السلطة، فبعدما كان القاضي ليس بينه وبين الله أحد، بقى القاضي بينه وبين الله إيه؟ كتاب نزل إليه من السلطة. هنا حصل انهيار التوازن بين جماعة العلماء وبين السلطة السياسية. هنا السلطة السياسية رفعت نفسها فوق جماعة العلماء. وطالما بقى فيه تقنين شريعة؛ فهيبقى عندنا مدارس لتخريج القضاة والأئمة تشرف عليها الدولة، وطالما هيبقى عندنا حالة إدارية؛ إذاً فالجماعة الدينية جماعة العلماء صارت جزءاً من السلطة السياسية، بدل ما كانت جماعة أخرى، سلطة أخرى، مؤسسة موازية لمؤسسة الحكم. الآن عملت إ ايه السلطة؟ احتوتها ودخلت داخلها، دخلت جماعة العلماء داخل السلطة. هذا ما أراه اللحظة التي وقع فيها أهم انكسار في الحضارة الإسلامية، وقع في لحظة الذروة، لحظة سليمان القانوني.

طب ما علاقة هذا الكلام بفكرة الانكسار ذاتها؟ يعني ماشي، أوكي؛ تم تقنين العلم، تم تحجيم القضاء، صار فيه... لكن ما علاقته بالانكسار؟ لأنه اللي بيسأل هذا السؤال قاصد أنه احنا اليوم منهزمون، أمة في ذل الأمم، صح؟ ما لنا أي قيمة، ما لنا لازمة، يا أخي كل شي بيجينا من برا، فاحنا أمة منكسرة. هو هيك قاصد يعني. وبالتالي رجعنا الأستاذ محمد الهامي لعند السلطان سليمان القانوني، اللي هو طبعا أعظم وبعدين أكبر مساحة حكمها الإسلام يعني.

صحيح، صحيح، عشرون مليون كيلومتر كان يحكم السلطان سليمان. هي لحظة الذروة دي بيبقى بعدها التراجع. كلام جميل، سؤال في محله تماماً. إيه علاقة ده بالانكسار؟ علاقة ده بالانكسار أنه الآن هذا المجتمع الإسلامي النشط الناهض الذي صارت مؤسساته رويداً رويداً تدخل لتهيمن عليها السلطة، وصارت السلطة تتوسع صلاحياتها، مش بس علشان تدير الأمن والدفاع وما يتعلق بهما، بل علشان تدير الأمن والدفاع وما يتعلق بهما، وتدير التعليم، وتدير الإعلام، وتدير الاقتصاد، وتدير الثقافة، وتدير المجتمع.

هذه المركزية؛ لما تتمركز القوة في السلطة، أول ما السلطة دي تزول؛ المجتمع يظل بلا قوة أمام الغازي الأجنبي أو أمام الانهيار الحاصل في السلطة. يعني أنت دلوقتي راجل مدير شركة كبير، تمام؟ عندك اطلاع على كل الملفات التي يديرها الموظفون معك، عندك اطلاع على كل الملفات. لما يجي مدير قسم من الأقسام حصل له أي ظرف من الظروف؛ مرض، تعب، سافر... إيه شكل الانهيار اللي هيحصل في الشركة؟ محدود، هيحصل في القسم ده تحديدا. لكن لما يجي هذا المدير المحدود يتطور حتى صار هو مديراً على كل هذه الأمور، ثم حصل له الظرف ده، إيه اللي هيحصل؟ ينهار العمل كله.

فهنا لما تجد العالم الإسلامي؛ لما انهار الأمويون كان عندنا عباسييون، انهار العباسيون كان فيه مماليك، انهار المماليك كان فيه عثمانيون. لما انهار العثمانيون، لم يكن هناك أحد؛ لأن الدولة العثمانية الممركزة كانت سياستها ممركزة كل الأنشطة الاجتماعية في مؤسسة تابعة للسلطة.

مثال تطبيقي: احنا عندنا في مصر مثلاً طول عمرنا عندنا الأزهر، والأزهر عاش عصره الذهبي في عصر المماليك والعثمانيين. لكن الدولة العثمانية حالة الأزهر ومشايخ الأزهر حالة مش مريحة بالنسبة لها بطبيعتها زي ما هي بتفكر. عملت شيخ الأزهر؛ يعني أنا لما أحب أككلم الأزهريين دول أكلم مين؟ فعملت شيخ الأزهر. أول ما عملت شيخ الأزهر، إيه اللي حصل في جماعة العلماء؟ بدأ بينهم التنافس حول منصب شيخ الأزهر. بطبيعة الحال، التنافس حول منصب شيخ الأزهر ده هينتج من العلماء من يتقرب للسلطة، وينتج من العلماء من... يعني حالة شلال، وهينتج من العلماء من يسارع في هوى السلطان لكي يكون هو شيخ الأزهر القادم.

صحيح الدولة العثمانية أنا مد شيخ الأزهر في الأول ما... يعني ربما ما كانش في دماغها أنها تسحب الحالة بهذا الشكل، بس الأول دلوقتي شيخ الأزهر عمل إيه؟ ما نظم الحالة العلمية بقدر ما أنه أدخل الحالة العلمية تحت الحالة السياسية. فلما تطور الأمر، صارت السلطة تملك مع تطور الأيام... بقى زمان كان شيخ الأزهر واحد زي الشيخ شهاب الدين السنباطي، أرسل السلطان سليمان القانوني والي على مصر اسمه داود باشا، وكان ورع ومحب للعلم والعلماء ومش عارف إيه، يعني كان رجلاً جيداً. فالشيخ شهاب الدين السنباطي قال له: لا يجوز لك أن تحكم؛ لأنك ما زلت في رق الأمير، أنت عبد ما ينفعش تحكم أحرار. طبعا داود باشا ما صدقش كده، رايح يقبض عليه، أو يعني راح لقي الجنود العثمانيين وقفوا مع الشيخ ضده، قالوا له: أنت بتعمل إيه؟ هذا شيخ الإسلام.

لم يجد إلا أن يرسل بما حصل للسلطان سليمان. السلطان سليمان بعت له رسالة شكر للشيخ السنباطي، ومعاها ورقة فيها عتقه من الرق عشان ينفع يحكم. واخد بالك لما الأزهر ما فيهوش مشايخ، ما فيهوش شيخ أزهر، شايف الوضع إزاي؟ طب لما الأزهر بقى له شيخ وتطورت الأيام وفسدت السلطة، بقى في شيخ أزهر ينصبه الحاكم ويعزله الحاكم، يبقى دلوقتي بدل الحالة العلمية، بدل ما كانوا العلماء قادة المجتمع وكانوا سلطة موازية للسلطة الحاكم؛ الآن صاروا موظفين لدى السلطة الحاكمة، وصاروا أقل قدرة على أن يقودوا المجتمع وأن يعبروا عنه في وجه السلطة.

طب العباسيين في بيت الحكمه مثلاً ما حطوش رئيس؟ لا، يحط رئيس إداري لجماعة، رئيس إداري، لكن الحالة العلمية ما يسيطر عليها العباسيون، الحالة العلمية لا يسيطر عليها العباسيون. فخلاصة يعني يا شيخ مراد أبا الحارث، أنه المركزية التي انتهجتها الدولة العثمانية بقت مركزية في القضاء، في المشيخة، في بعد ذلك في التعليم، لما الدولة احتوت داخلها كل مواقع السلطة والقوة واحتكرت، فأول ما تزول الدولة العثمانية، يجد العالم الإسلامي نفسه منكشفاً أمام الاحتلال الأجنبي. فهذه هي لحظة الانكسار الأساسية الرئيسية بتعبيرك أنت التي قسمت الظهر.

طبعاً كل اللي عملته الدولة العثمانية في المركزية لا يساوي شيئاً أمام ما فعلته الدولة الحديثة. الدولة الحديثة تسيطر على الناس سيطرة هائلة، كل إنسان عنده بطاقة شخصية، كل إنسان عنده حساب بنكي، معلوماتك كلها موجودة عند الدولة، عنوانك، رقم تليفونك، حتى الكارت بتاع البنك، أنت اشتريت إيه النهارده، منين، وكنت فين؟ هناك سيطرة هائلة. يعني عايز أقول الدولة المركزية الحديثة دي اللي هي عقدة عالمية يتعذب بها الشعوب في العالم شرقا وغرباً، دي حاجة هائلة. بس أنا عايز أقول الدولة العثمانية بالنسبة للدولة الحديثة جنة ما فيهاش كلام. لكن الدولة العثمانية بالنسبة لما قبلها من العالم الإسلامي، بداية إدخال الأمة في حكم الدولة.

وهنا لما فسدت السلطة العثمانية وبدات تضعف وتهزم أمام الغربيين واجتاحها التغريب، والدولة العثمانية غير قادرة على صد هذه الموجة، لم يكن في العالم الإسلامي من الفاعلين ومن القوى الحية ما يستطيع أن يمثل بديلاً للدولة العثمانية.

إذاً، أستاذ محمد، يعني لحظة الانكسار هي ليست مثلاً لحظة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو مثلاً نهاية الدولة الأموية، أو نهاية الدولة العباسية، أو تدخل السلاجقة في الحكم، أو أياً كان. من وجهة نظركم، أنت شايف ما فعله السلطان سليمان القانوني على عظيم قدره يعني وجليل ما قدم للإسلام والمسلمين، كان بداية بدايه هذا الانكسار؟ طب نهاية الانكسار؟ زوال الخلافة.

طبعاً زوال الخلافة، نعم، هذه مرحلة اعلان سقوط هذه الأمة الإسلامية وتشتتها. شوف، آخر يوم في الدولة العثمانية كان أفضل من أي يوم بعده فعلاً، بلا شك، بلا شك. وهذا الكلام حتى يشهد به ناس قوميون؛ يعني ناس من أصحاب القومية العربية الذين كانوا يبغضون الدولة العثمانية ويريدون التحرر منها.

وأنا أذكر هنا مثلاً يعني من أواخر ما قرأتهم في ذلك، أحمد الشقيري. أحمد الشقيري الذي كان أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، رجل قومي عروبي، كان أبوه أسعد الشقيري مفتي الجيش الرابع، وكان هو من المعترضين على العثمانية، وكان من الفرحين بثورة الشريف حسين ويراها الثورة العربية الكبرى. يكتب في مذكراته كتاب أربعين عاماً في الحياة الدولية، في مقدماته، يعني في الصفحات الأولى، أنه: أنا أعترف الآن بأننا كنا على خطأ لما كنا نَعارِض الدولة العثمانية؛ لأننا إحنا أيام ما كنا في الدولة العثمانية، كان أي عربي بيعرف يتجول في كل الديار العربية والعثمانية، لا حد بيوقفه، ولا يقول له بابورك ولا تأشيرتك ولا أنت إيه اللي جابك هنا، ولا أنت هتقسك هنا ليه ولا تعمل إقامة قبل ما تقيم ولا ولا ولا ولا. قال: فكانت الوحدة العربية حقيقة في الزمن العثماني، حقيقة، فعلاً لم تعد كذلك في عصر القوميات العربية، تمزقنا.

هو حتى ليه عبارة لطيفة كان بيقول إيه؟ بيقول: الحكام العرب قوميون طالما لم يكونوا في الحكم، أول ما يبقوا في الحكم يبقوا وطنيون. وطبعا هذا أيامه أحمد الشقيري مات سنة الثمانين، هذا أيامه، أما الآن فما حدش من القائمين دلوقتي بيفكر في القومية أصلاً. فالوحدة العربية كانت حقيقة في أيام الدولة العثمانية.

وهتلاقي الدولة العثمانية ورغم أنه جنودها أتراب مثلاً أو يعني يغلب عليهم الأتراب ورجالها، لكن كانوا يدافعون عن مكة وعن المدينة وعن البحر الأحمر وعند قناة السويس. طيب فلسطين يا أخ مراد؟ فلسطين لما سقطت، من الذي كان يرى نفسه مسؤولاً عن الدفاع عنها؟ مين؟ ما حدش؛ الدولة العثمانية لما هزمت في الحرب العالمية الأولى، فلسطين وجدت نفسها بلا أحد يرى أنه مسؤول أن يدافع عنها، ما فيش، بلا دولة أو قيادة سياسية يعني في الهوا، فضاعت.

كأنك دلوقتي تجيب مدينة مثلاً زي قونية، ولا زي كوتاهيا، ولا زي الفيوم مثلاً في مصر، ولا زي نابلس، وتقول لها: أمريكا نزلت تحتل المدينة، كيف كلفلسطين اللي هي كانت جزء من ولاية الشام في الدولة العثمانية، كيف لها أن تواجه الاحتلال البريطاني الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟ نعم، فلا شك أنه أفضل أفضل يوم في الدولة العثمانية أحسن مما بعده.

إذاً هذه بداية الانكسار، وهذه نهاية أو نهاية الانكسار. طبعاً احنا ما زلنا في الانكسار. أنا بس عايز أقول لك أنت عايز تقول دي بداية الانكسار، فين ذروة الانكسار؟ أقول لك سقوط الخلافة، لكن ما زلنا نحن احنا لم نصل إلى القعر. مش الأصل أنه احنا بدينا نغادر القعر؟ يعني مش الأصل بدينا نغادر؟ يعني خلاص احنا خبطنا في الارض وخلصنا، هلاً بدنا...

في تقديري أنه القعر كان في الستينيات من القرن العشرين، وصلنا لقعر... ما انت طمنا! الآن الآن نحن كأمة في مسار نهوضنا، يعني اللي بيحصل ده من طبعا من ربيع عربي ومن طوفان الأقصى ومن صحوة دينية، هو دليل على أن هذه الأمة بدات تستعيد نفسها مرة أخرى.

هو بلا أدنى شك، أستاذ محمد، علاقات الإنسان الرئيسية يعني ثلاثة؛ علاقة الإنسان بالخالق، علاقة الإنسان بالمجتمع، وعلاقة الإنسان بالدولة. اللي تحدثتم فيه في هذا لللاجابة عن هذا السؤال كان له علاقة مباشرة يعني في فكرة علاقة الإنسان بالدولة. والحقيقة هذا موضوع يحتاج عشرات الحلقات عشان تحكي فيه، صحيح. والحكي فيه بالمناسبه هو مزعج لأنظمة دول، لما الإنسان ترى يتعرف على علاقته في الدولة من منظور الدين صحيح ينصدم، ينصدم أن هو بيدفع ضرائب مثلاً، ينصدم من أشياء كثيرة جداً، طبعاً طبعاً.

طيب، كان هذا السؤال التاسع عشر، نعم، سانتقل إلى السؤال العشرين، نعم. وهذا السؤال هو اللي حيخلص معنا المحور الثاني اللي هو مدخل الحضارة الإسلامية، وهو اللي حيخلنا على المحور الثالث في هذه السلسلة المباركة، وهو محور السيرة النبوية، وسيكون إن شاء الله محوراً شيقاً جداً. سؤال عشرين في هذه السلسلة: السؤال العشرون هو له علاقة أيضاً بالحضارة الإسلامية، أستاذ محمد، يعني الحضارة الإسلامية وموروثها العظيم، يا أخي أنتم المسلمين كمان مرة يبدو عندكم مشكلة، يعني فكرة أنه هو انتقل إلى الغرب، وانتقلت كل هذه الحضارة والموروث والكتب والمكتبات وأهم ما أنتجته، عليه قامت كل الحضارة الغربية هي والأوروبية، يعني بسبب هالكم من كتاب اللي أنتم بتدعوا أنه يعني احنا اخذناهم من عندكم، وبالتالي يعني إذا انتقلت فعلاً الحضارة الإسلامية إلى الغرب، متى انتقلت هذه العلوم وهذه الحضارة وهذا الموروث؟ وكيف؟ وكيف ومتى حصل هذا الأمر؟

جميل. فكرني أجيب لك... أجيب لك عبارة عشان أنت قلت الكم كتاب دول، أجيب لك عبارة لواحد مؤرخ تعجبك إن شاء الله. عارف أنا تذكرت قول الشاعر: بيقول لك إذا حسناتي التي أدل بها كن ذنوباً، فقل لي كيف أعتذر؟ يعني الحاجة الجميله اللي أنا يعني أفخر بها وآتي بها طلعتها لي حاجه وحشة، طب هعمل إيه يعني؟ كيف أعتذر؟

شوف يا سيدي، أولاً حقيقة أن النهضة الغربية المعاصره قامت على أكتاف الحضارة الإسلامية، هذا بمثابة الحقيقة التاريخية التي يتكلم فيها المؤرخون. وللمؤرخ الشرق الإنجليزي المشهور مونتغمري وت كتاب هذا عنوانه فضل الإسلام على الحضارة الغربية، فضل الإسلام على الحضارة الغربية، ترجمه أحد عتاه العلمانين المصريين بالمناسبة اسمه حسين أحمد أمين. وادورد بروي، مؤرخ فرنسي، كتب عن الحضارة الإسلامية المجلد الثالث من موسوعة تاريخ الحضارات العام التي صدرت التي كتبها مؤرخون فرنسيون بإشراف موسيه كروزو، إذا كنت نطقت الاسم صحيحاً، كان يقول في عبارة جميلة: وانجلى غبار

الفتح عن حضارة ولا أروع، وعن مدنية ولا أسطع، وعن تقدم ولا أرفع، أحيا مواتاً من العالم القديم وبث الروح فيه. الحضارات القديمة التي كانت ستزول وتمتنس وتندثر دي الإسلام أحياها واختزن علومها وعول عليها الغرب في بناء عالمه المعاصر. فمسألة لولا الخوارزمي الذي عمل الجبر ده ما كنتش هتعرف تعمل الموبايل ولا تعرف تعمل الحاسب الآلي وغيره. الاكتشافات التي اكتشفها المسلمون كانت مفاصل مركزية في التقدم الإنساني المعاصر. فمسألة دور الحضارة الإسلامية في النهضة الغربية مسألة كتب فيها كلام كثير.

الدكتور جلال مظهر له كتاب اسمه الحضارة الإسلامية وأثرها على التقدم العالمي، وبشكل عام مؤلفات الدكتور أحمد فؤاد باشا، ومؤلفات الدكتور علي عبد الله الدفاع، ومؤلفات الدكتور شوقي أبو خليل؛ هؤلاء من الذين اهتموا برصد هذه الحركة العلمية وكيف انتقلت وكيف أثرت. وبالتالي فكرة نقاش فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية فكرة مضي على الوقت وتقعد تناقشها؛ لأن هذا مسلم به، هذا الموضوع لا يناقشه إلا الجهالة بهذا الموضوع، لكن أي واحد دخل بحث فيه فهو يسلم به، بما في ذلك الغربيون. وطبعا ذكرت بعض المصادر في الحلقة ربما قبل الماضية أو التي قبلها فيمكن الرجوع إليها.

إنما دلوقتي السؤال أو الجزء الذي يمكن أن نجيب عليه من السؤال فيمثل إضافة، هو كيف انتقلت هذه العلوم والمعارف إلى الحضارات؟ هنا نقع على فضل جديد من فضائل المسلمين، وهو أنهم لم يكتموا العلم. الآن في اللحظة التي نتكلم فيها إذا أنت رحت أوروبا ورحت أمريكا هناك موضوعات يمنع مثلك من دراستها. في موضوعات موجودة في فرنسا لا يدرسها إلا الفرنسيون، وفي مجالات موجودة في أمريكا لا يسمح بدراستها إلا للأمريكان. بل حدثني بعض من ذهب إلى الأرشيف في مكتبة الكونجرس أنه بناءً على جنسيتك وأصلك يتاح لك بعض الوثائق ولا يتاح لك وثائق أخرى.

وكان حدثني أيضاً أخ فلسطيني كان مؤرخاً أظن في جامعة لندن، طبعاً أنا الآن وهمت في اسم الجامعه، لكن هو حكى لي أن الأرشيف البريطاني قال لي عملياً مش نظرياً هو ثلاثة أقسام: قسم مفتوح للجميع، وقسم مفتوح للبعض، وقسم غير مفتوح. إلى الآن البعض، كل دولة إلى الآن ترى أن بعض العلوم وبعض الأقسام هي بمثابه الأمن القومي الذي لا يتيح الاطلاع عليه إلا للشخصيات أو العناصر التي يأمنها. هذا لم يكن موجوداً في العالم الإسلامي، العالم الإسلامي كانت مساجده مفتوحة، معاملة مفتوحة، مدرسوه موجودون، وكان يرتقي أي طالب للعلم يأتي من مشرق العالم، من مغربه، من شماله، من جنوبه، يطلب العلم، كان يدخل.

بل أحياناً الدولة الإسلامية، سواء في الأندلس أو في غيرها، كانت تعطي منحاً ورواتب لطلاب العلم الفرنجة القادمين للدراسة في جامع قرطبة، الذي هو أحد المراكز العلمية الضخمة في ذلك الوقت. فأولاً المسلمون لم يخفوا ولم يكتموا علومهم عن غيرهم. طيب، إذاً كيف انتقلت؟ انتقلت، نستطيع أن نقول هو طبعاً الاحتكاك بين العالم الإسلامي والعالم الغربي مستمر؛ ففي احتكاك بالحروب، في احتكاك بالتجارة، في احتكاك بالثقافة والعلم والتعلم. لكن اللي بيتكلم في هذا الموضوع يرى ثلاثة بوابات كبرى لانتقال العلوم والمعارف.

البوابة الأولى هي فترة الحروب الصليبية في الشام. فترة الحروب الصليبية في الشام عملت إيه؟ جاءت بكثير من الناس من أوروبا الغارقة في الجهل والظلمات في ذلك الوقت إلى الشام، الذي كان أحد أزهى البقاع العلمية في كل العالم، وأرادت توطينهم فيه. وظلت الحملات الصليبية مئتي سنة في هذا المكان. مئتي سنة في هذا المكان، عدد هائل من الفرسان، عدد هائل من المقاتلين والمحاربين، معهم عدد هائل من القساوسة، معهم عدد هائل من المغامرين؛ فكلهم أخذ من هذه البيئة الحضارية بقدر ما استطاع. طبعاً فيهم المتعصب الذي رفضها وهجرها موجود، وفيهم من انكب عليها والتهم وأسلم والتحق بالمسلمين موجود، وهناك من اهتم بأن يجمع الكتب والمصادر وأن يترجمها، يتعلم لغة العرب وأن يترجمها وأن يعود بها إلى بلاده؛ لأن علوم الطب والفلك والصيدلة والهندسة كل هذه العلوم هؤلاء هم سادتها.

أنت كنت الصليبيين وهم جايين يحتلوا أرفع البقاع العلمية، فهذا عدد كبير من الناس احتوى عدداً كبيرا من العلوم والمعارف. طبعاً حتى الصليبيين اللي في الشام تاثروا بالحضارة الإسلامية تأثراً على مستوى سلوكهم؛ على مستوى سلوكهم بقوا يأكلون على الطاولات، بقوا يأكلون بالملاعق، بدأوا يعرفون مسائل الطب؛ لأن الطب طبعاً كان متقدماً. من الكتب والمصادر اللطيفة التي تحكي بعض هذه الأشياء كتاب الاعتبار لأمامة أسامة بن منقذ؛ الأمير الشاعر أسامة بن منقذ أحد الفرسان الشعراء، وكان حاكماً وسياسياً وطال عمره حتى فاق التسعين، وكانت له علاقات مع الفرنجه وصداقات ودخل إلى بلادهم وسفر لملوكهم كذلك، وسفر بين ملووك المسلمين وملوكهم. وكتابه الاعتبار فيه لطائف من كيف تأثر هؤلاء بالمسلمين وكيف أنهم كانوا ينفرون من الصليبيين القادمين حديثاً. أه، اللي هو أنتم جايين تخربوا. بيقول لك: أنا داخل مرة أصلِّي في المسجد الأقصى، فإذا بواحد منهم يهجم علي، فحجز عني أصحابي -اللي هم الفرنجه- وبعد كده بيقولوا: معلش الراجل ده لسه جاي أصله من فرنسا ما يفهمش، يعني مش دراية.

فترة الحروب الصليبية هذه كانت إحدى الفترات التي مثلت معبراً من معابر انتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا. البوابة الثانية وهي الأندلس. الأندلس بقعة زاهرة من العالم الإسلامي في غرب العالم، محتكة مباشرة بمملكة الظلمات، اللي هي فرنسا وألمانيا في ذلك الوقت، اللي عايشين في غارقين في الجهل وفي الظلمات. فقرطبة بالنسبة لهم كانت شيئاً من الجنة، شيء مدهش وشيء مبهر وشيء مش طبيعي. وبعدين أنتم إزاي عايشين كده مسلمين ونصارى ويهود مع بعض؟ سبحان الله، مش راكبة معاهم؛ لأن طبعاً هم أوروبا في ذلك الوقت سيطرت عليها التعصب المذهبي الديني، وبينهم مذابح، مذابح دينية. إزاي اليهود عايشين والمسلمين عايشين والنصارى عايشين وما فيش؟

فده كان بالنسبة لهم، أنت فاكر حتى أوباما في خطابه في جمعة القاهرة سنة 2009 كان خطاب لطيف كده، وهو عمال يتقرب من العالم الإسلامي، فذكر الأندلس وأن الأندلس أحد الأشياء التي بنى عليها الغرب تقدمه المعاصر، واحد المراكز التي انتقلت بها العلوم والمعارف من الشرق إلى غرب من جديد وبدأ خطابه بآية كريمة. أقول يعني ده رئيس أمريكي بيتكلم فيعني مش هيقول كلام. قصدي أوباما، وإن كان طبعاً ترامب ممكن يهجس عادي. قصدي أقول يعني أوباما راجل محامي وكتبت خطاباته على مستوى عالي، فقصدي أقول معلومة ثابتة ما حدش ينكرها.

فالأندلس كثرت من قدم إليها من الغربيين، من فرنسا ومن إيطاليا ومن ألمانيا ومن العالم الغربي، ودرسوا في جامع قرطبة، وبعضهم أكمل دراساتهم في المغرب العربي؛ نزل إلى مساجد فاس وتجول. هؤلاء اللي هم قلنا لما اتكلمنا عن المستشرقين كانوا طليعة الاستشراق، نعم، قلنا إنه تعتبر أول حركة الرجل، أول مستشرق كان بابا موجود في روما، جيربرت دي أوريلاك، درس في فاس ودرس في الأندلس؛ فهنا أيضاً كان معبراً كبيرا من معابر انتقال العلوم الإسلامية، خصوصاً بعدما سقطت الأندلس. فما ورثه الغربيون من الكتب والمخطوطات، وما، دلوقتي إلى الآن مثلاً مكتبة دير الاسكوريال في إسبانيا أحد المناجم التي تحفل بالمخطوطات العربية والإسلامية. وطبعاً صار بعد ذلك في كل مركز ثقافي مكتبة هائلة، المكتبة الملكية في مدريد وغيره.

وممكن أن نلحق بالأندلس معبراً ثالثاً صغيراً كده، وهو صقلية. جزيرة صقلية التي موجوده الآن في الجنوب الإيطالي. هذه صقلية حكمها المسلمون حوالي مئتي سنة، شيء مجهول، فترة مجهولة. صقلية كانت ناضرة وزاهرة، والفترة الوحيدة في تاريخ صقلية كلها التي صارت فيها صقلية لها اسم في عالم الحضارة هي الفترة الإسلامية، دول اللي هم الأقل من مئتي سنة دول بس. قبل ذلك صقلية دي تابعة، وبعد ذلك لصقلية تابعة برضو، إنما صقلية تظهر بنفسها وأنها مورد حضارة، لا يوجد فترة فقط الفترة الإسلامية.

وهؤلاء، قصدي هذه الفترة طبعاً كتب عنها مؤرخون ومستشرقون إيطاليون؛ منهم فرانسيسكو جابرييلي، وده يعتبر أحد أهم المستشرقين الإيطاليين الذي كتب عن صقلية، وقبله أستاذه ميشيل أماري كتب ثلاثة مجلدات عن تاريخ صقلية العربية، وشاعت في الكتب الأخرى التي نقلت عن هذين المؤلفين. ما الذي اخذته أوروبا وورثته؟ الذي أطال في عمر الحضارة الإسلامية في صقلية أنه الذين طردوا المسلمين من صقلية وغلبوهم كانوا هم النورمان. والنورمان كانوا جماعة غير متدينة بالمسيحية، كانوا نوع من الديانة الوثنية، وما كانواش متدينين بالمسيحية وكانوا عندهم مشاكل مع الكنيسة. فلما حكموا صقلية استمرت فيها الحضارة الإسلامية؛ صار الملك النورماني صار يلبس العباءة العربية المزخرفة، يتلقب بلقب الغالب بالله روجر، يتلقب بالألقاب الإسلامية. إلى الآن باليرمو التي هي عاصمة صقلية فيها القصر المبني على النمط الإسلامي، كان بلاطه عربياً واحتوى عندهم الجغرافي المشهور الإدريسي، الإدريسي كان حلا، أنا سمعت حتى العملة كانت مطبوعة بالعربية، فيها ألفاظ عربية على القصور في آيات؛ لأن هو مش عارف أصلاً أن دي آيات قرآنية. فقصدي أقول هو لما ورث حضارة عربية واستمرت، هذا مما أطال في عمر الحضارة العربية.

ثم المعبر الثالث، وإن كان هذا يقع فيه خلاف بين المؤرخين، هو الدولة العثمانية. الدولة العثمانية وإن لم تكن يعني أن لم تكن أخذوا منها الكتب والمخطوطات؛ لأنها كانت دولة عثمانية قوية، لكن حياة الدولة العثمانية ونظم الدولة العثمانية وما كان في الدولة العثمانية من تسامح ومن قوة أيضاً استلهم منه الأوروبيون فكرة التسامح والتعايش، وفكرة أن الدولة الواحدة يبقى فيها أكثر من عرق وأكثر من دين. وكانوا يهربون إليها المضطهدون دينياً من وسط أوروبا، كانوا يهربون إليها؛ وعلشان كده اليهود هربوا من الاضطهاد الإسباني، أتباع مارتن لوثر هربوا، وأتباع كالفن هربوا، ولم يجدوا ملجأ لهم إلا في الدولة العثمانية. فالدولة العثمانية بالنسبة لهم هي بالنسبة لنا الآن زي مثلاً لندن وزي أمريكا؛ الواحد إذا واحد مضطهد في بلده فأحسن أكثر حد بيروح لها لندن؛ لأنه عارف أنها فيها نظام قانون عريق، ومش هتسلم، ودولة قوية مش تخضع لضغوطات الأنظمة الحاكمة.

الدولة العثمانية كانت كده في ذلك الوقت، أن الناس تهاجر إليها؛ لأنه فيه في تسامح، في تنفس، ممكن تمارس دينك بشكل طبيعي ما عندهمش تعصب، وأن طبعاً هم أخذوا بعض العلوم، لكن الدولة العثمانية في نهضتها كانت بدات النهضة الغربية الأوروبية؛ وعلشان كده اللي بيتكلموا عن المعابر بعضهم لا يدرج الدولة العثمانية فيها، لكن لا شك أنها أيضاً كانت أحد المعابر، معابر انتقال الحضارة وإن لم تكن ترجمات العلوم والفنون. طبعاً المؤرخين العثمانيين وبعض التراث العثماني زي ذكرت كتب بيري ريس كتاب بحرية وغيره أيضاً اطلع عليها الأوروبيون واستفادوا منها. أصل بيري ريس ده كان قائد الأسطول العثماني؛ يعني الراجل ماشي في البحر المتوسط كأنه ماشي في بيته، فأعد خقائط للبحر المتوسط وجزره، كانت خرائط بيري ريس، كل هذا استفاد منه الأوروبيون فيما بعد.

فالثلاث معابر الكبرى: فترة الحروب الصليبية وفترة الأندلس -يعني الشام في فترة الحروب الصليبية والأندلس- وكذلك الدولة العثمانية في لحظات قوتها، وصقلية. وصقلية أنا اتبعتها الآن بإيه؟ بالأندلس، أه يعني اعتبر معبر صغير أو اعتبره معبر رابع ما عنديش مانع، لكن. بغداد ما كانت معبر من المعابر؟ بغداد مركز علمي، لكن أنت دلوقتي بتتكلم على المناطق التي أخذ فيها الغربيون العلوم الإسلامية؛ فالمناطق التي وجدوا فيها بكثره وأخذوا منها بكثره لم تكن بغداد، لم تكن القاهرة، لم تكن فاس، كانت الاماكن التي كان فيها تواجد غربي كبير في وقت ما لظروف ما. شهرلمان كان منبهر، بس هذه هدية أرسلها له، ممكن يرسل إليه كتب طبعاً، ممكن يبقى في كتب، ممكن يبقى في مراسلات، لكن أنت بتتكلم عن كتله بشرية أخذت قدراً كبيرا من الحضارة في وقت واحد ده يعني اللي هو المعبر البوابة؛ فهذه كانت الأندلس، هذه كانت الشام، وهذه كانت صقلية والدولة العثمانية، بينما طبعاً بقية مراكز العالم الإسلامي الحضارية كانت مراكز.

هل هذا الانتقال كان شكله قصري ولا كان بالتبادل وب؟ هم طبعاً أنا بداية أول ما كلمت قلت إن الاحتكاك كان مستمراً، الحروب كانت مستمرة، التجارة كانت مستمرة، السفارة كانت مستمرة؛ فكل ما يجي سفير بغداد ولا القاهرة ولا فاس ولا قرطبة كل ما يجي سفير ويروح يرى وينقل ما رآه وبيحاول يحصل على هدية، بيحاول يحصل على تقنية، بيحاول يتعلم، ممكن يصطحب معه كتب، ممكن يصطحب معه علماء؛ كل ده كان حاصل بشكل مستمر غير منقطع، لكن ده مش هو المعابر، يعني ده مش هو المعابر، دي في الآخر علاقات فردية وعلاقات محدودة. أنما أن تجد قدراً كبيراً من الناس تلقى قدراً كبيراً من العلوم في وقت ليس بالواسط تاريخياً، فهذا الذي يسمونه المعابر، يعني من أين انتقلت؟ فهذا الذي نحكيه، لكن طبعاً ما كانش في إجبار ولا شيء، هو طبعاً هم طلبوا العلم أولاً من كان يأتي من السفراء.

كان كأي واحد عايز يسعى لنهضة بلده، لما يشوف شيء مبهر عند المسلمين بيبقى يتمنى أن يكون عنده زي ما احنا بنعمل دلوقتي كده، أن أنت بتشوف شيء مبهر عند الغربيين بتبقى عايز تستخدم هذه التقنية أو هذا النظام أو هذا الأسلوب. فلا طبعا ما كانش في إجبار ولا شيء، ده هو شيء هم انتفعوا به، يعني هم كانوا حريصين عليه.

أحد المتحذلقين إن صح التعبير مرة شو بحكي لي؟ بحكي لي: يا أخي ما أنتم الملكة إيزابيلا يا أخي حطت أكثر من مليون كتاب في ساحة وحرقته، صحيح أنتم شو ضل لكم يعني قصدي أنتم؟ فأسألته سؤال بسيط، قلت له: أنت عمرك سمعت المدرسة اليوسفية يا عزيزي؟ فالفكرة أن في ناس هو مقتنع تماما أن يا أخي أنتم أنتم حضارتكم انتهت، هذول لما نهضوا نهضوا على رجليهم هيك وقفوا لحالهم، اشتغلوا على حالهم، عملوا أبحاثهم، كملوا، عملوا نهضة، هم تقدموا أنتم تراجعتوا، خلص، تزعل هي هيك الحياة.

نعم نعم، فمن هذا المنطلق نطرح هذا السؤال، لكن ملخص هذه الإجابة أن نقاط التحول في عملية الانتقال الحضاري هي تكمن في ثلاثة معابر كبرى، معابر كبرى؛ الشام وقت الحروب الصليبية، الأندلس وتبعها صقلية، والدولة العثمانية نعم.

بهذا السؤال استاذ محمد نكون قد أنهينا المحور الثاني في سلسلة مئة سؤال في التاريخ، ونتجهز الآن في الحلقة القادمة إن شاء الله لمحور السيرة النبوية وما تعلق أو يتعلق بها من أسئلة ملحة جدا. ومشاهدة برضه المتابع معنا لهذه السلسلة أو المنضم جديد لهذه السلسلة يكون فاهم أن احنا فاتحين عشرة محاور، تحت كل محور بنسأل عن أسئلة في مجموعها يتكون معنا مئة سؤال في التاريخ وهو عنوان هذه السلسلة.

أسأله تعالى أن تكون نافعة ورافعة ودافعة لنا من أجل أن نقدم المزيد والمزيد لهذه الأمة الكبيرة العريقة المجيده. شكرا جزيلا استاذ محمد. حياك الله أبو الحارث، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة دمتم في رعاية الله، إلى اللقاء. لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكسارات قادته وعلمائه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة، الحروب والمعارك؛ ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب. تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.