دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 25. من أول حاكم متغلب في التاريخ الإسلامي؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ما هي الخلافة الصحيحة؟ عبد الله بن الزبير أم خلافة مروان بن الحكم؟

سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في هذه السلسلة الطيبة المباركة، سلسلة مئوية سؤال في التاريخ، والتي من خلالها نجيب عن الأسئلة الملحة التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. نحن وين؟ نحن في المحور الخامس، محور الدولة الأموية، ونرحب دائماً بضيف السلسلة الدائم الاستاذ محمد الهامي، أهلاً وسهلاً بكم استاذ محمد. حياكم الله يا أبا الحارث، بارك الله فيك. سؤال 45 جاهز؟ توكلنا على الله. يا سيدي، هذا بيحكي لك: ما إن مات يزيد حتى بدأت موجة جديدة من الانقسام بين المسلمين، وهون حصل انقسام خطير في ملف الخلافة، وبالتالي السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه والذي -وطبعاً أنصار هذا الطرف تشككوا وبحاولوا أنهم يشدقوا- أنصار هذا الطرف يشددون ويحاولون أنهم يشدقوا، لكن نسأل: ما هي الخلافة الصحيحة؟ خلافة عبد الله بن الزبير أم خلافة مروان بن الحكم ولماذا؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. طبعا نحن ما زلنا في خضم المشكلات التي حصلت في فترة الدولة الأموية. الإجابة المختصرة هو أنه خلافة عبد الله بن الزبير هي الخلافة الصحيحة، وذلك أنه حصل فراغ في موقع الخلافة بموت يزيد بن معاوية، ثم بتنازل ابنه معاوية بن يزيد عن الخلافة بعد أربعين يوماً أو بعد ثلاثة أشهر، وهذا مما كنا ألمحنا إليه في الحلقات السابقة وذكرنا أن ابن الزبير نادى بنفسه خليفة في مكة وأن الأمصار قد أرسلت إليه بالبيعة. فانت دلوقتي عندك فراغ في مكان الخلافة وهناك من تصدى له وقال نادى بنفسه خليفة وجاءته البيعة من الأمصار، فلا شك أن خلافة عبد الله بن الزبير هي الخلافة الصحيحة.

ولكن الذي حصل هو أنه كنت ذكرت في الحلقة الماضية أنه بايعه أهل الحجاز وأهل العراق وأهل مصر، وطبعا أهل العراق وما وراءه من المشرق، بل انقسم الشام الذي هو معقل الأمويين على نفسه، وكاد أهل الشام أن يبايعوا عبد الله بن الزبير، وتزعم ذلك فيهم الضحاك بن قيس الفهري. والضحاك بن قيس الفهري من رجال الدولة الأموية، وكان في حاشية معاويه وفي حاشية ابنه يزيد، ومروان بن الحكم نفسه كاد أن يبايع لابن الزبير إلى هذا الحد؟ نعم، كاد أن يبايع لابن الزبير، لولا أن ما تورده الروايات من أن عبيد الله بن زياد جاءه من البصرة -طبعا احنا لما حصل التفكك طرده أهل البصرة- فجاء إلى الشام فكان هو الذي رأى أن مروان بن الحكم وبني أمية قادرين على أن يتولوا هم الخلافة، فتكلم مع مروان بن الحكم ويبدو أنه أقنعه فعاد مروان عن نيته في بيعة ابن الزبير. فبالتالي كان شكل العالم الإسلامي في ذلك الوقت: الأمة بايعت لعبد الله بن الزبير إلا قطعة في منطقة الأردن فلسطين، قطعة هي مع مروان بن الحكم، وهذه القطعة تقابلها قطعة أخرى من الأمويين وأنصارهم يؤيدون بيعة عبد الله بن الزبير.

بدأت من هنا موجه أخرى من المشكلات التي تعيدنا إلى النتيجة التي قدرها منذ البداية سيدنا معاوية بن أبي سفيان من أن بني أمية هم العصبية الأقوى التي يمكنها أن تحمل أمر الخلافة. فما الذي حصل؟ الذي حصل أنه مروان بن الحكم ومن معه من الأمويين استطاعوا أن ينتصروا على الضحاك بن قيس الفهري في معركة مشهورة اسمها معركة مرج راهط كانت سنة 64 للهجرة، وبالتالي استقام لهم أمر الشام. وما إن استقام لهم أمر الشام حتى أرسل مروان بن الحكم جيشاً إلى مصر، فما أسهل ما استولى على مصر وما راها من الشمال الإفريقي، ويشاء الله سبحانه وتعالى أن مروان بن الحكم يموت بعد تسعة أشهر فقط.

ما طول تسعة أشهر فقط، فيتولى الأمر من بعده ولده عبد الملك بن مروان، وإذا بعبد الملك بن مروان يستطيع عبر فصول متعددة أن يأخذ العراق وما وراءها وأن يأخذ الحجاز وأن ينتصر على عبد الله بن الزبير. فعبد الملك بن مروان هو أول خليفة حصل على الخلافة بالتغلب بالقوة بالشوكة العسكرية بغير الشورى من الأمة. فلذلك صحيح الفترة دي اسمها كدة فترة الدولة الأموية، لكن البصر أو النظر في كتب الفقهاء كتب المحدثين: عبد الله بن الزبير هو الخليفة الشرعي، وهذا أحد الاشياء التي نستدل بها على أن تاريخنا لم تكتبه السلطة، لأنه لو تاريخنا كتبته السلطة كان هيبقى إيه؟ كان هتبقى الدولة الأموية مستمرة، وهذه ثورة في مكة استمرت تسع سنين ثم اخمدتها الدولة الأموية. على العكس، يبقى حتى الآن أن خلافة ابن الزبير هي كانت الخلافة الشرعية، ويبقى حتى الآن أن عبد الملك بن مروان هو الخليفة المتغلب الأول. ومروان بن الحكم شو بيطلع؟ يعني يعتبر ناكساً خارجاً، لكن لم يتولى الخلافة فلا تعتبر خلافته.

في قاعدة كده عند الجماعة الفقهاء يقول لك: المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً. فهو مروان بن الحكم أحد الناكثين، أحد الخوارج الذي خرج على الخليفة الشرعي عبد الله بن الزبير، لكن لأنه لم يتولى الخلافة فلا يسلم له بذلك.

طيب، كونك حكيت أن عبد الملك بن مروان هو أول خليفة متغلب ولا أول ملك متغلب؟ شو أحكيها هي؟ كيف أحكيها؟ أول خليفة متغلب، لأن تكلمنا عن أن الخليفه هل تقصد أن معاويه جاء بالشورى ويزيد جاء بالشورى ومعاوية الأصغر بالشورى وعبد الله بن الزبير بالشورى وبالتالي أول متغلب برافو والتاريخ كان عبد الملك من هي هيك شكلها طالع؟

يعني بس شوية ألفاظ مش دقيقة، يعني اللي انت قلته ده صح، الأول معاوية كيف ملك الخلافة؟ بتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه وبيعة أهل العراق له. فدلوقتي معاوية لم يغلب عليها بالسيف، لم يأخذها بالقهر، إنما حصل تنازل وصلح فاجتمعت الأمة على بيعته. طيب معاوية كيف نقلها إلى يزيد؟ نقلها بنظام ولاية العهد، أنه عهد إليه، وولاية العهد ليزيد وافق عليها جمهور الأمة ما عدا الشخصيات التي ذكرناها الشخصيات الأربعة المعروفة، ثم لم يخرج على بيعته حين تولى إلا رجلان لم يبايع، فبالتالي الرجلان دول لا يؤثران في شرعية البيعة، أنه هي بيعة كانت بالرضا لم تكن بالقهر لم تكن بالغلبة. طيب معاوية بن يزيد بقى، هل يحسب ولا لا يحسب؟ الناس لا يحسبونه، هي في الآخر فترة قصيره وهو تنازل فخلع نفسه، فبالماضي ما فيش إشكالية. واقفة هنا فين؟ عند معاوية بن يزيد.

أما عبد الله بن الزبير فهو نادى بنفسه، ولما نادى بنفسه جاءته البيعة من الأمصار، فهو برضه تولى بالرضا لم يتولى بالغلبة والقهر. مين بقى أول واحد أخذها بالسيف؟ عبد الملك بن مروان.

طيب، طالما جبت سيرة عبد الملك بن مروان وجبت سيرة التغلب، هيك نحن بدنا نروح للسؤال 46. لكن خلاصة السؤال 45 أنه خلافة عبد الله بن الزبير خلافة صحيحة شرعية ما في عليها أي كلام، وما في شك من أن عبد الله بن الزبير أفضل من عبد الملك بن مروان وأفضل من أبيه مروان بن الحكم. عبد الله بن الزبير صحابي وكان أول مولود ولد بالمدينة، وله إسهامه الهائل في الفتوحات، سيدنا عبد الله بن الزبير ممن حارب وجاهد، وحتى معركه فتح تونس المشهورة معركة العبادلة كان فيها عبد الله بن الزبير، فهو رجل من السادات الكبار. وبعدين هنيئا له، وبعدين عبد الله بن الزبير ده واحد يعني إيه؟ كان سيدنا عبد الله بن عباس يقول لك: ماذا أقول فيه؟ ده واحد أبوه الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر، فجده لأمه أبو بكر، وجدته صفية التي هي عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وهو ابن أخت خديجة لأن زبير بن العوام بن خويلد، فرجل محاط بشرف النسب. فصحابي جليل كبير معروف، وهو الذي شرب دم النبي صلى الله عليه وسلم من حجامته -لا أرى ولا مش هو يعني لا أستحضر حقيقة، لا أستحضر-.

طيب، نذهب إلى السؤال 46. السؤال 46 استاذ محمد يقول: عبد الملك بن مروان هو أول خليفة متغلب في التاريخ، كما ذكرتم قبل قليل. طيب، نحن بدنا نعرف ما هو التغلب أولاً، حتى نكون فاهمين ما معنى خليفة متغلب. لكن الاغرب من هذا كله أنه لاحقاً استاذ محمد الفقهاء والعلماء هيك عبر التاريخ الإسلامي قبلوا موضوع التغلب، قبلوا موضوع التغلب، ومش بس هيك، نحن وصلنا لمكان لمنطقه لمرحلة أنه بطل حدا يقاوم التغلب ولا يثور على التغلب، وصار الموضوع في استسلام وتسليم لهي القصة وبطل حدا يقاومه، وعليه هل نبرر بالأخير موضوع التغلب؟ هل نقبل فيه، اوكي نمشي، ولا لا نوقف ونظل محافظين على المبدأ الأساسي أن الخلافة لا تأتي إلا بالشورى؟

أنا أشكرك على هذا السؤال، وعلى رأي الشيخ حازم الله يفك أسر، أنا سعيد أنك سألت السؤال ده. بداية يجب أن يجب أن أقول -بحيث الأمر يكتمل- أن خلافة عبد الله بن الزبير هي الخلافة الشرعية عند عموم المسلمين، لكن مش معنى كده أن كل الناس كانت راضية عنه؛ عبد الله بن عمر لم يبايعه، عبد الله بن عباس لم يبايعه، ورأوا أنه ما زال الأمر أمر فتنة وأن الناس لم تجتمع عليه اجتماعاً كاملاً. لكن بشكل عام لما الشخصيات التي لا تبايع تكون قلة، فهذا لا يخدش في شرعية هذه البيعة بشكل عام، ده ضيفه كده للسؤال السابق.

نيجي عند مسألة التغلب، وحقيقة هي واحدة من أخطر المسائل، هي مش واحدة من أخطر المسائل في نفسها، هي واحدة من أخطر المسائل لأنها في عصرنا الحالي عملت مشكلتين. المشكلة الأولى أنه كثير من علماء السوء وعلماء السلطان يحاول أن يمنع الشعوب من أن تطالب بحقها، أو أن تثور، أو أن تنخرط في ثورات، ويستدل بمسألة التغلب وأنه طالما الحاكم متغلب فالعلماء قد قالوا إنه التغلب طريقة من طرق الوصول إلى الخلافة. فعالم السوء وعالم السلطان يدعم المستبد الظالم الطاغية، ويحرض على الشعوب أو يثبط الشعوب من أن تطالب بحقوقها. فهذا النموذج نموذج جعل كثيراً من الناس يستبشع كيف أن العلماء المسلمين قبلوا التغلب.

المشكلة الثانية -احنا دلوقتي انا باوصاف مشكلة التغلب ليه بقت قضية خطيرة في عصرنا- القضية الأولى لأنها لبانة عند علماء السوء والسلطان. المسألة الثانية لأنه الجماعة المتغربين والمعجبين بالغرب بالذات في عصر التفوق الغربي وبالذات في عصر الديمقراطية الغربية، صاروا يقولون: بصوا على الغرب، الغرب في نموذج ديمقراطي، الناس تختار بانتخابات حرة نزيهة، بانتخابات ما حدش بيزورها، والرئيس ولا المسؤول -يقول رئيس الوزراء بقى بحسب النظام برلماني ولا رئاسي- يتنحى بعد أربع سنين أو بعد ثمان سنين بدون ما ندخل في حروب وفي مشكلات، كيف أن الغرب وصل إلى ما لم تصلوا إليه أنتم أيها المسلمون؟! بل أنتم أيها المسلمون علماؤكم قبلوا التغلب ومنعوا الخروج على المتغلب ونحو هذا الكلام. فبالتالي المسلمين الموجودين في عصر هزيمة، الذين هم شايفين عندهم في بلادهم ديكتاتورية شديدة جداً، وشايفين في بلاد الغرب حريات وحقوق إنسان ومواطن محترم والشرطة ما بتعذبهوش، وشايف علماء سلطان يؤيدون هذا.

منسوبين إلى الدين بلحى ويطلع واحد يقول لك لو زمن نص ساعة على التلفزيون ما تعملش حاجة، والتاني قادر البرلمان يحاسبه وقادر حتى يرفع عليه قضية! أيوه نعم، في هذه الأجواء صار المتغلب قضية.

في هذه الأجواء، طيب تعال بقى نفكك ما الذي حصل؟ يعني إيه مسألة التغلب نفسها؟ طيب أنا ذكرت معلش خلينا نذكر يعني بسرعة شديدة كده، هو إيه اللي حصل الآن؟ بعد أن تولى مروان بن الحكم، مروان بن الحكم استطاع أن ينتصر على الضحاك بن قيس الفهري، وكذلك استطاع أن يأخذ مصر، وبعد كده جاء ابنه عبد الملك بن مروان، فاستطاع أن يأخذ العراق من مصعب بن الزبير، وكذلك استطاع أن ينتصر على عبد الله بن الزبير.

وفي هذه السنوات التسعة كانت قد نجمت ثورات أخرى خوارج في مناطق العراق، وفي مناطق ما وراء يعني مناطق فارس، خوارج ثورات خوارج تصدى لها واحد مشهور في تاريخنا الإسلامي اسمه المهلب بن أبي صفرة تمام.

وفي ذلك الوقت أيضاً نبتت فرق ضالة، كان على رأسها واحد زي المختار بن أبي عبيد الثقفي، ده واحد كان منحازاً لأهل البيت وتتبع قتلة الحسين وقتلهم، ثم انحرف وعن له يعني صار يزعم أنه نبي وأنه يأتيه جبريل.

فالعالم الإسلامي دخل في حالة من الفوضى، وحالة من الحروب، وحالة من القتال، وبالتأكيد كل هذا أثر على تراجع الدولة الإسلامية، وأحياناً حصل انكماش في الأرض الإسلامية، وأحياناً هاجمت الروم المناطق التي كانت قد فتحت منها، فحصل عندنا من بداية من نهاية عهد معاويه -عهد معاوية ده مات سنة 60 للهجرة، الآن إحنا هنتكلم في سنة 73- يبقى إحنا عندنا 13 سنة كانت الأمة في حالة من الفوضى والحروب والاقتتال الداخلي.

طيب انتصر عبد الملك بن مروان وتغلب ولم يعد له منافس وطلب البيعة من كل الأمصار؛ أه طبعا الشام خلاص بايعوه، هو طبعا المكان اللي بيتغلب عليه خلاص بيبيعوه نعم.

أوكي الآن السؤال المطروح أمام الفقيه المسلم هو كالاتي: الآن هناك رجل تغلب على هذه الأرض وليس له منافس، وهو يقوم بشؤون المسلمين الضرورية التي هي معهوده للخليفه اللي هو منها يعني استباب الأمن في الداخل، ومنها إقامة الجهاد في الخارج، وليس لدينا القدرة على يعني إزاحته وتنصيب من هو خير منه.

السؤال ده مطروح أمام الفقيه المسلم بهذا الشكل: كيف تكون الإجابة؟ نعترف له بشرعية ولايته بعد أن تغلب وأقصى منافسيه في ظل عدم القدرة على استبداله بخير منه، ولا نمنعه أو يعني نحجب عنه هذه البيعة، وبالتالي تكون هذه دعوة للخروج المتكرر إلى أن نستطيع الانتصار عليه أو تستمر الحروب إلى مدى غير منظور؟ أم البحث عن شخص مناسب بهدف في البحث عن شخص مناسب أو شخص تأتي به الشورى اللي إحنا لغاية دلوقتي اللي إحنا في هذه اللحظة مش عارفين مش عارفين نعملها يعني مش عارفين نأتي بالشورى؟

هذا هو السؤال المطروح، عارف أنت الموضوع ده بيتحل إزاي في عالمنا المعاصر؟ بيتحل إزاي؟ واحد مثلاً عمل انقلاب عسكري أو واحد يعني عمل انقلاب عسكري استولى حصل عمل إيه؟ بيطلع يقول بيان رقم واحد 1 2 3 4 بيملي إرادته هو.

وبالتالي أي حد مش يعني البيان رقم واحد ده إيه دوره القانوني؟ البيان رقم واحد دوره القانوني أنه يعمل شرعية جديدة وينسف الشرعية القديمة، ولذلك دائماً بيان رقم واحد في إيه؟ إلغاء العمل بالدستور أو تعطيل العمل بالدستور أو ما شابه، اللي هو بيلغي الشرعية القديمة، فبالتالي بيبقى هذا المنقلب يمثل شرعية جديدة، واللي كان قبله أو المهزوم الذي كان قبله يمثل إيه؟ شرعية بائدة أو خروجا عن القانون! لأن الخارجين هؤلاء كانوا بالنسبة للقانون القديم بالنسبة للدستور القديم إيه؟ خارجين عن القانون، فدي تثبيت شرعية جديدة.

طيب إيه اللي بيحصل عادةً؟ إيه اللي بيحصل عادةً يعني ما الأمر الذي تفعله كل الأمم أمام هذا المشهد؟ إيه اللي بيحصل؟ بيقبلوا بالبيان رقم واحد، يعني من ليست لديه، وخصوصاً لما يطمننا أنه هو ما بدهش يترشح وانه الموضوع عشان الأمة وعشان الناس وعشان الش...

أه ماشي بس أنا عايز أقول لك هو ده هو ده اللي بيحصل بس يا سيدي افرض حتى ما طمنكش يعني هيحصل إيه يعني؟ أنت دلوقتي ليست عندك القدرة على إزالته، فإيه اللي بيحصل؟ مش كل الناس في كل الأمم في كل الدنيا بتخضع لبيان رقم واحد، مش كل المؤسسات بتدأ تتعامل مع هذا الإعلان الدستوري الجديد أو مع الدستور الجديد الذي يصدره هذا المنقلب أو هذا الثائر أو يعني أيا ما يعني هذا الذي غير النظام السياسي، مش كل الناس بتتعامل معاه بالسمع والطاعة، مش المحاكم بتدأ تعامل رئيس الجمهورية السابق أو أركان النظام السابق باعتبارهم مجرمين، مش بتتعامل مع الراجل الجديد ده باعتبار عنده حصانة دبلوماسية ولا بتعامله بالقانون القديم باعتباره أن هو منقلب وخرج على الدستور والقانون.

أم قصدي أقول: هذه الإجابة هي إجابة كل الأمم، إجابة كل الأمم في كل الدنيا أنه من تغلب استطاع أن يحوز الحكم. فين المعضلة اللي عندنا إحنا عند المسلمين؟ المعضلة دي برضه ناتجة من أن احنا مستوى عالي ومستوى رفيع، ومن أن السلطان لا ينفرد باصدار القانون ولا بتحديد الشرعية، هذا هو! أم إيه اللي خلى العلماء يقبلوا بموضوع إيه اللي خلانا نسال السؤال؟

يعني أنت عمرك ما هتلاقي حد يقول لك إيه: ما الذي جعل القانونيين في كل دول العالم يتقبلون البيان رقم واحد ويوافقون عليه؟ ما فيش حد بيسال السؤال ده. عمرك عمرك سمعت السؤال ده: كيف قبل النظام القانوني الفلاني بالانقلاب العسكري؟ أو كيف قبل النظام القانوني الفلاني بفلان اللي جه تحت ظل الاحتلال؟ أو كيف قبل القانون الفلاني بالثورة التي نجحت؟ ما فيش كده، لكن كيف قبل الفقهاء؟ كيف قبل الفقهاء؟

طيب تعالوا ليه بقى بنقول كيف قبل الفقهاء؟ لأن الفقهاء هؤلاء هم ضمير هذا الدين، والأمير أو السلطان أو الملك لا يملك أن يأخذ الشرعية إلا من الناس، وشرعيته هذه مستندة إلى الدين، الدين الذي يتكلم به الفقهاء. يعني هذه مش عايز أقول المعضلة ومش عايز أقول المشكلة، عايز أقول هذه المزية وجدت في تاريخنا، لأنه تاريخنا نحن لا يجعل السلطة قادرة على فرض الشرعية من تلقاء نفسها وبمجرد القوة.

في على فكرة بحث جميل جداً أحب الناس كلها تشوفه، بحث للشيخ إبراهيم السكران الله يفك أسره اسمه طاعة القوانين غير العادله في الفكر القانوني الأوروبي. الآن لو أنت عندك قانون في أنت في أي دوله، لو أنت عندك في الفكر القانون الغربي لو أنت عندك قانون وأنت شايفه مش عادل ورحت تمردت عليه، كيف يواجهك القانون؟ كيف تواجهك الدولة؟ كيف تواجهك المؤسسات باعتبارك خارج عن القانون؟ صح ولا لا؟ نعم في حد بيقول لك لا والله تعالى أنت يعني تعال نشوف وجهة نظرك.

المشكله هنا أنه، أو مش المشكله بقى يعني المزية في حكمنا الإسلامي: أن القانون لا تنفرد السلطة بصناعته، القانون لا تنفرد السلطة بصناعته، فبالتالي موجود عندنا ناس زي الفقهاء قاعدين كده دايما بيقولوا الحكم ده شرعي ولا مش شرعي، نبايع ولا ما نبايعش، ما هو الأفضل وما هو المفضول؟

فساعةئذ الفقهاء قالوا كالاتي: كالاتي إنه إذا تغلب أحد تغلب وانتهى وطلب البيعة وكان يقوم بمصالح المسلمين، فالتغلب ده أحد الطرق التي يحصل بها على الخلافة. إذن هو مش استسلام، هو مش استسلام، هو طيب يا جماعه أنتو عملتوا كده ليه؟ قال لك علشان يقوم بمصالح المسلمين، علشان يقوم بمصالح المسلمين مش علشانه هو، ولذلك هم لا يقرون بالشرعية للمتغلب إلا بعد أن يتغلب فعلاً، مش بيروحوا يقفوا قدامه، هم مش بيقروا للشرعية إلا بعد ما يتغلب، مش بيروحوا يقفوا معاه قصدي يعني. وبعدين لما يقروا بالشرعية له، لما أنت تنظر في تفاصيل كلامهم هتلاقيهم إنما يفعلون ذلك لمصلحة المسلمين، دلوقتي هو هذا الرجل تغلب، فلكي هو سيولي ولاة وسيولي قضاة لكي تنفذ أحكامه التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها، فهم أقروا بشرعيته مش علشان هو يعني حلو ولا احنا بننفق.

ثم هناك أمر خطير أنهم لا يجيزون ولاية المتغلب على خليفة شرعي، يعني الذي ينقلب على خليفة شرعي لا يسلم له بل يقاوم ويقاتل مع الخليفة الشرعي. طيب أمال امتى نقبل بالتغلب؟ لما يبقى ما فيش خليفة شرعي، سواء قتل أو أسر أسرا لا يمكن فكاكه أو إحنا قلنا قتل أو أسر أسرا لا يمكن فكاكه أو خلاص يعني يعني في فراغ يعني زي اثنين مات يعني مات ليس موجوداً، فساعةئذ ما بقاش في خليفة شرعي أصلاً.

نعم فلذلك قبلنا بأيه بحكم المتغلب قبولاً اضطرارياً لأن إحنا ما عندناش القدرة على فرض الحالة المثالية، لا حالة إحنا نجيب واحد بالشورى ولا حالة إحنا نشيله بدون أن يترتب على ذلك أضرار أكبر بالامة الإسلامية. أم.

طيب وأمر ثاني مهم، أن المتغلب ده تغلب صح؟ إذا خرج عليه خارج آخر لا نقاتل معه لأنه أصلاً واخدها بالتغلب. كمان مرة الخليفة الشرعي ما نسمحش بححد ينقلب عليه أو يتغلب عليه ونقاتل معه. تمام؟ لكن فلان ده تغلب خلاص ومافيش خليفة شرعي، أما مات أو قتل أو أسر أسرا لا يرجى فكاكه ساعتها إحنا مضطرين نقبل بهذا الرجل علشان نمشي مصالح المسلمين، عشان يبقى في أمن، علشان يبقى في قضاء، علشان يبقى في جهاد، في أمور كبرى مصالح كبرى للمسلمين لابد لها من قائم يقوم عليها واحنا ما عندناش القدرة نجيب غيره.

طيب كويس كده، طيب هذا الذي تغلبنا له بالتغلب، لو خرج عليه خارج آخر لا يلزمنا أن نقاتل مع هذا الذي تغلب، لا عادي زي ما ده خدها بالتغلب ممكن حد يجي ياخدها بالتغلب حد يجي ياخدها بالتغلب، يعني لا ينزلونه منزلة الخليفة الشرعي اللي هو جرى اختياره بالشورى أو بالرضا أو بالبيعة، وهذا المتغلب اسمه عندنا ولي الأمر، يسمى ولي الأمر.

الطاعة بشكل عام في الفقه الإسلامي طاعة فيما يعني طاعة في غير معصية، وهذا أمر آخر مهم جداً جداً أنت سبقتني إليه: إحنا الخليفة الشرعي الخليفة الشرعي لا نطيعه في معصية الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الطاعة في المعروف» وقال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

طيب أرجع وأقول برضه وأقارن يعني الكلام ده يحصل عندنا إحنا بس كمسلمين، لأن إحنا عندنا مصدر شريعة لا يتدخل فيه الحاكم، يعني أنا دلوقتي عندي أمر من الله وعندي أمر من الحاكم، أمرني بمعصية، أنا علشان عارف أن دي معصية من الشريعة فلا أقوم بها وأخالف فيها حتى الخليفة الشرعي.

الكلام ده ما بيحصلش في أمة أخرى ليه؟ لأنه الحاكم هو مصدر القانون، الحاكم هو مصدر القانون. تعال أنا أقول لك الديمقراطية الغربية دلوقتي كيف يستطيع فيها الحاكم أن يجعل أن ينفذ إرادته؟ بيروح للناس بيقول لهم إيه؟ يعني بيقول لهم اعملوا اللي أنا عايزه ده مخالفاً للقانون ما بيعملش كده، هو الحاكم ده مثلاً أنا بقول لك في الديمقراطية اللي هو الشكل المثالي حاجة من اثنين: يا أما هو منتخب بنظام برلماني، يعني إيه نظام برلماني؟ يعني حزبه خد أغلبية في البرلمان، الحزب ده شكل الحكومة والحكومة دي بقى رئيس وزرائها هو الحاكم. الراجل ده لما يحب يعمل حاجة بيعمل إيه؟ بيقترح قانون والقانون توافق عليه أغلبية المجلس البرلماني، وبالتالي تبقى رغبة الحاكم قانوناً، وبالتالي هو لما ينفذ رغبته فهو بينفذ القانون.

الحاكم في حالتنا الإسلامية ما يعرفش يعمل كده، لأن الشريعة ليست جزءاً من صلاحياته، ما فيش حد فينا بيعرف يتدخل في الشريعة ويخلي الحلال حرام ويخلي الحرام حلال، أبدا أيوه. فبالتالي يعني خد بقى هذا فارق ضخم جداً جداً جداً وفارق بين الفكر الإسلامي وبين النظام الإسلامي وبين غيره من النظم: أن الحاكم في الفقه الإسلامي صلاحياته محدودة، صلاحياته في الأمور الفنية، وبالتالي فأي مسلم يؤمر بمعصية الله يجب عليه ألا يسمع ولا يطيع.

في الأنظمة الأخرى ما فيش حاجه اسمها معصية الله في يعني الحاكم في السياقات الأخرى بيقدر يغير القانون فبيخليه حلال أو حرام وبيقدر يغير الدستور أيضاً سواء بثلثي المجلس أو بإجراءات أو باستفتاء. فيعني في النهاية في النهاية الحاكم المسلم ده كان حاكم مقيد، وكان في شريعة أخذها الفقهاء عن الصحابة عن التابعين عن النبي مش قادر هو يتدخل فيها ولا يخلي حرامها حلال، وأنا دائماً كمسلم عندي القدرة على تقييم هذا الحاكم: الراجل ده بيامرني بطاعة ولا بيامرني بمعصية؟ الكلام ده كله مزايا مفقودة عند كل الأمم الأخرى، لأن الحاكم قادر يخل قادر يعمل القانون وقادر يعمل الدستور واستطاعوا للأسف أن يعطلوها في أمتنا.

أنت فانت متخيل كيف الميزة اللي عندنا انقلبت سوءة علينا ومطعنة ومسلبة ومنقصة؟ إحنا اللي نجي نقول يا جماعة يا أيتها الشعوب أنتم اللي حالتكم بؤس وحالتكم كرب، ويجي أي حاكم فيكم بيقدر يغير القانون! إحنا دلوقتي عايشين في عصر ترامب، أنت شفت ترامب فاكر أول ما تولى وكان عنده عدد من القرارات التنفيذية اللي كان شغال، كل ده ما كانش متاح، إمبارح بقى متاح النهارده، كان حرام إمبارح، يعني بألفاظنا الإسلامية كان حرام، إمبارح بقى حلال.

هارده أو اللي كان حلال إمبارح بقى حرام النهارده؟ أم الكلام ده ما بيحصلش عندنا في الإسلام؟ تمام، فلذلك يعني نرجع ونقول: إذا كان الخليفة الشرعي أصلاً لا يطاع إذا أمر بمعصية الله، فكيف بالخليفة يعني اللي هو متغلب؟ اللي احنا ناقص عن الشرعية درجة بهذا المعنى، أمم.

فلكن هو شوف أنت حاجة خطيرة، وهو بيقول لك إيه: إذا خرج عليه أحد فلا تقاتل معهم. بل أنت عارف والله يعني في كلام ابن تيمية وفي كلام العز بن عبد السلام وفي كلام غيرهم، عايز أقول لك إيه: فارق دقيق لم تصل إليه أي منظومة قانونية معاصرة! ابن تيمية بيقول لك إيه؟ بيقول لك: الحاكم الصالح أو الحاكم العدل، الحاكم العدل يطاع إلا فيما علم أنه معصية. الراجل الصالح ده احنا بنسمع له ونطيع الحاكم العادل، إلا لما يبقى في معصية إيه واضحة، فلا نطيعه. وغير العدل لا يطاع إلا فيما علم أنه طاعة. يا سلام، كلام دقيق ولا خطير؟ وكلام خطير! أنت عمرك شفت منظومة قانونية تترك للناس حرية تقييم ما يصدر عن الحاكم: نطيعه ولا لا نطيعه؟ لا طبعا، طالما صدر القانون الناس كلها ملزمة بيه. تبعاً أنت تبقى شايفه معصية، تبقى شايفه أنت، أنت حر، يعني أنت يا هتنفذه يا تساق إلى السجن.

أستاذ محمد، وكان الإسلام بدّه إيانا نكون قطيع؟ طبعا الإسلام تحرر. المشكله أن الإسلام مطموس، المشكلة أن كثير من الناس لا يعرفون قيمة الجوهرة التي عندهم، لا يعرفون نعمة الله بالإسلام عليهم، بل مش المسلمين بس وغير المسلمين أيضاً. غير المسلمين مش واخدين بالهم: ما هي عظمة الإسلام من أمور كثيرة؟ فانت دلوقتي لما تلاقي راجل فقيه، الفقيه ده يعني عندنا احنا بمثابه القانوني عند الأنظمة الأخرى، لما تلاقي فقيه بيقول لك إيه؟ بيقول لك: الحاكم العدل يطاع إلا فيما علم أنه معصية؛ حاكم عادل أهو، بس لما تشوف معصية لا تطيعه. لكن الحاكم غير العدل لا تطيعه إلا فيما علمت أنه طاعة، يعني قال لك: هنجهد مثلاً، آه، اسمع وأطع في مسألة الجهاد، أو قال لك: هات الزكاة المفروضة عليك، فتعطيه الزكاة، أم تمام، ولكن غير كده لا يطاع.

طيب، احنا أصلاً نملك الطاعة ونملك عدم الطاعة أصلاً؟ وده أيضاً فارق خطير وضخم بين المسلمين وبين غيرهم، وبين النظام الإسلامي وبين غيره، الأدق يعني بين النظام الإسلامي وبين غيره. النظام الإسلامي يصنع -ضمن أمور كثيرة بقى، مش هينفع ندخل فيها دلوقتي- لكن النظام الإسلامي يصنع سلطة محدودة الصلاحيات ومجتمع متكتل قوي، بينما النظام الغربي المعاصر -باعتباره التحدي يعني القائم- يصنع سلطة متغولة تملك كل الصلاحيات، ومجتمع ضعيف ومفكك. علشان كده الغربيين طول عمرهم كانوا بيدوروا على الحرية؛ لأن أصلاً عندهم النظام قوي ومهيمن، يعني الفكرة المركزية في الفلسفة الغربية هي الحرية، لكن الفكرة المركزية في النظام السياسي الإسلامي هو الطاعة؛ لأنه أصلاً المجتمع عنده كل أسباب، أيوه، عنده كل أسباب أن ينقلب، أو أن يتمرد، أو أن لا يوافق.

لذلك مثلاً يعني واحد زي الشهرستاني له عبارة مشهورة يقول لك: ما سل في الإسلام سيف ولا أريق دم كما أريق على الإامامة. قال لك: موضوع الإمامة ده هو أكثر موضوع المسلمين تقاتلوا فيه وتحاربوا فيه. الكلمة دي أنا استغرب حين وجدت بعض الفضلاء يعني ممن لا أتهمهم يقول بانه ده دليل على أن المسلمين ما يعني ما يعرفوش يوصلوا لنظام زي النظام الغربي، مع أن الكلمة تدل على مجتمع في غاية الثورية! المجتمع اللي بيتخانق على مسألة الإمامة ده مجتمع خانع ولا مجتمع ثوري؟ ثوري، مجتمع ثوري طبعا.

وحتى الغربيين يعني أنا مما أجادل فيه وبقول: الأيام بيني وبين من يخالفني في ذلك، هو أن الغربيين يعيشون استبداداً هم لا يشعرون به، وهيظهر هذا الاستبداد إذا ظهر فيهم زعيم يحطم النظام القانوني، ساعةئذ الزعيم ده هيلاقي في يده من أدوات الدولة كل أدوات القهر والتحكم، ولا يملك أحد أن يعترض عليه. وأنت شفت، يعني احنا شفنا بوادر ده في عهد بايدن، اللي هو الراجل الديمقراطي مش ترامب، في عهد بايدن لما كان في جامع بتعترض على اللي بيحصل في غزة، راح عمل قانون إعادة تعريف معاداة السامية عشان يوسع التعريف فيجرم هذه المظاهرات، فالمظاهرات اللي كانت إمبارح حرية رأي بقت النهارده إيه؟ معاداة سامية وخطاب كراهية.

أمم، جه ترامب زي ما أنت متابع من حوالي كم أسبوع كده، سحب التمويل من جامعة كولومبيا: والله طالما أنتم قسم الشرق الأوسط عندكم ده عايزين بقى حرية أكاديمية وعايزين كل واحد يتكلم كلم براحته، طيب ما فيش تمويل! راحت الجامعة اعتذرت ورجعت كما كانت، وإلا هتفقد التمويل. فحقيقة النظام الديمقراطي يخفي في داخله طغيانية شديدة، بس هي مش واضحة دلوقتي؛ لأنه الغرب مش محتاج دلوقتي أنه يعني، طول ما الغرب مش مستمتع، أو طول ما الغرب متغلب علينا وقادر يمول رفاهيته من دمائنا وأموالنا، فما فيش أزمة داخلية ظاهرة هناك، لكن ستظهر وستجد أن هذا النظام نظام في غاية الشراسة والطغيانية. وهذا الكلام لا أقوله وحدي، وإنما يقوله كثير من مفكري الغرب أنفسهم من أن الدولة مهيمنة.

بس أنا أرجع دلوقتي لفكره أنه إيه: ليه كانت، ليه كان الغربيين طول عمرهم بيدوروا على الحرية؟ بينما كانت فكرة مركزية في النظام السياسي الإسلامي أو في المجتمع الإسلامي فكرة الطاعة؟ لأن المجتمع أصلاً حر وقادر على أن يثور. أمم، فبالتالي لما نجي لموضوع التغلب هنلاقيه كالاتي: لو وأنا بحاول اختصره أنا يعني لعلّه ربما إن أذعت هذه الحلقه هيبقى صدر لي كتاب هيبقى فيه هذا التفصيل الخ...

يعني أنت يا أستاذ محمد بتحضر لكتاب له علاقة بموضوع التغلب؟ كنت يعني أحضر لكتاب سميته خلاصه تاريخ الإسلام، أم تمام، هذا الكتاب، هذا الكتاب نعم حين وصلنا إلى يعني هنبدا في الدول الأموية والعباسية في فصل عن مقدمة في تاريخ الدول ازاي نفهم تاريخنا الإسلامي، فتعرضت فيه لموضوع التغلب إن شاء الله إذا صدرت، يعني إذا أذعت الحلقة يكون صدر إن شاء الله. فعلى كل حال، الذي أريده في مسألة التغلب أن العلماء أولاً جعلوا المتغلب فاسق، والتغلب إثم. تمام، ده رقم واحد: التغلب فسق والمتغلب آثم. طيب يا جماعه، احنا راضيين به؟ راضيين به ليه؟ راضيين به اضطراراً؛ ليست لدينا الفرصة للوصول إلى الحل المثالي، وهذا هو أجابه السؤال، أنه هل يمكن تبرير هذا الموضوع؟ فهذا هو العلة يعني هذا هو مع ما يليها اللي احنا رايحين نقوله، وانه التغلب لا يسلم لخليفة شرعي اختير بالبيعة، إنما يسلم لواحد لم يكن قبله خليفة شرعي.

والمتغلب ده لا يقام، لا يقام معه ضد المتغلب الآخر؛ لأنه أصلاً ما أخدهاش بالبيعة والرضا، ورضينا بالتغلب للقيام بمصالح المسلمين، مش علشان بنحبه هو ولا عايزينه هو، ده احنا أصلاً بنقول إن هو فاسق، والتغلب فسق، إنما لابد للمسلمين من إمام، لابد لهم من يقوم بأمورهم، من أهمها: الدفاع عن البيضة، عن الجهاد، استباب الأمن، نصب القضاة والولاة وغيرها من الأمور التي تحتاجها، يحتاجها المسلمون حاجة ضرورية. ثم هذا المتغلب لا يطاع إلا في طاعة الله، ويعصى في معصية الله؛ قبولنا له ليس استسلاماً ولا صكاً بأننا نطيعه في أي شيء، لا يطاع إلا في الطاعة ويعصى في معصية الله تمام. هذا هو لو وجدنا فرصة للخروج عليه بشكل يعني لا يترتب في خلعه فتنة أكبر، فيجب الخروج عليه، إذا لم يكن يترتب على خلعه فتنة أكبر، طالما اللي هنعرف نجيبه هيكون أرضى لله منه، أو أجدر بمنصب الخلافة منه.

ده شكل التغلب الذي قبله علماء المسلمين، لو أنك تاملت فيه لوجدته أرقى من أي منظومة ديمقراطية معاصرة! سبحان الله، كيف نظام الشورى؟ يعني إذا جاء شخص بالشورى، وجاء شخص بدّه يتغلب عليه، نحن لن نوافقه؛ لأنه في عنا واحد جاي بالشورى، يقام مع الأمير الشرعي اللي هو جاي بالشورى ضد هذا الثائر أو المتمرد عليه أو الخارج عليه، يقام عليه حماية للشورى وهذا النظام العادل.

نعم، طيب أستاذ محمد حيطلع لك واحد ويحكي لك: يا اخي أنتوا ليش هيك ملزقين في المصطلحات وبدكمش تفكوا عنها؟ أمم، بينما أنتم سايبين العنب نفسه! نحن شو بدنا فيه؟ اجا بشورى، اجا بتغلب، اجا بانقلاب، اجا على ظهر دبابة! نحن بنقول له: ما له الحكي! نحن إذا اجانا واحد يا اخي عمل لنا نظام صحي كويس، وبنى تحتية حلوة، وأقام العدل، وعمل نظام قضائي حلو، وقش كل اللي قبله وزدتهم بالسجن، قتلهم، عمل فيهم، احنا بالأخير كشعب اجانا واحد بخاف رب العالمين وأقام فينا العدل، إيه ما ليش نسميه حاكم متغلب؟ سموا أي شيء، خليفة المسلمين، المهم هو كويس يعني. ليش احنا شايف السؤال الجميل ده، واللي أنا فعلاً أنا عارف أن هو بيطرح؟

اهو ده، يعني هذا السؤال أمر لم يقبله علماء المسلمين ورأوا أنه ظلم للأمة واستعباد لها. لا، طب ما هو لما اجا عبد الملك بن مروان، طب ما هو عمل نظام حلو، عمل نظام مش أي كلام يعني وعمل نهضة وحضارة واستقرت الدولة في عهده وازدهرت، ولغاية دلوقتي احنا بنسميه خليفة متغلب، وبنسميه فاسق، وبنسميه آثم، ونجيب اللي عمله الحجاج بن يوسف الثقفي ونضعه على وزره. فعلاشان كده أنا بقول لك التغلب الذي قبله العلماء وأشكال المتغلبين في عالمنا الإسلامي هم النماذج التي تتمناها الأمم الأخرى، واللي هي لو نزعناها من تاريخنا وحطيناها في أمم أخرى هتبقى حاجة عظيمة جداً. يعني بعض المستشرقين يتكلم عن عبد الملك بن مروان أنه كان عمر بن الخطاب الثاني! ده مستشرق ما عندوش الإيه، ما عندوش، ما عندوش الخناقة بتاعتنا احنا دي، فلما بينظر للأمر نظرة مين الكفء؟ مين الجدير؟ مين اللي خدم الأمة خدمة ممتازة؟ خلى عبد الملك عمر بن الخطاب رقم اتنين.

أدي عمر بن الخطاب رقم اتنين في ذهن المستشرق، قاعد في تاريخنا كله المتغلب الفاسق الآثم، مع كل اللي عمله بعد كده من نهضة ومن فتوح ومن قوة! من حرص الأمة على، من حرص الأمة على. ولذلك يا جماعة المزية العظمى في أمتنا وفي ديننا أن احنا عندنا دين، عندنا ثوابت، عندنا ثوابت وعندنا دين ما حدش قادر يغيرها، ما حدش قادر يخلي الحلال حرام والحرام حلال ولا الصح غلط ولا الغلط صح. صحيح أحياناً ما بنقدرش نوصل للمثال فبنقول لك: احنا قبلنا بهذا الوضع اضطراراً، لكنه لا يلغي الأصل، لا يلغي الأصل، بينما كل الأمم الوضع الاضطراري ده خليته هو الأصل وفلسته وقبلت به.

احنا دلوقتي قاعدين بنتكلم عن عبد الملك بن مروان، كم واحد في المسلمين دلوقتي يقول لك عبد الملك بن مروان رضي الله عنه؟ ما فيش، أنا متاكد. عبد الملك بن مروان ده لو راح تاريخ أي أمة تانية كان هيبقى المؤسس الثاني للدولة الفلانية، هيبقى شخصية عظيمة جداً في مكانها، لكن لا، احنا المسلمين علشان كده عايز أقول لك إيه؟ المسلمين بين أمرين لابد فيهما من التوسط: الحساسية الأخلاقية العالية والمعيار الديني العالي، وهذا هو الأصل وينبغي أن نحافظ عليه، لكن ما ينفعش المعيار الديني العالي ده يخلينا ننبذ ونكره ونبغض أناساً هم من العظماء في أي سياق آخر لولا أنهم نزلوا عن هذا المثال. يعني ما ينفعش نغالي في كره بني أمية والعباسيين والعثمانيين ويقول لك: لا دول ما ينفعش يتسموا خلفاء، ودول كان عندهم مظالم، واللي كان منهم بيشرب الخمرة، واللي كان، إيه يا عم يا عم، أنت يعني كانه يرى كانه يريد أناساً على نمط الراشدين؟

ايوه، خليك متمسك بمثال الراشدين، وخلي الأمة عندها ميزان حساس تفاضل به الناس، ماشي، لكن ما ينفعش ده يسوقك إلى أن تكره نفسك، وتكره تاريخك، وتكره الناس الكبار الذين نشروا الإسلام شرقاً وغرباً ووطدوا لهذه الدولة، والذين لولاهم ربما كانت الأمة انتهت.

أمّم، وسبحان الله موضوع التغلب هذا هو أيضاً تصديقاً لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، هو أخبرنا أنه سيكون هناك تغلب. لكن، في هذا الحديث أستاذ محمد أيضاً، أيضاً يعني يخطر لي: طب ما هو طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه ستكون فينا خلافة ما شاء الله أن تكون، وبعدين ملك جبري، بعدين عضوض، بعدين إلى أن نصل إلى الملك الجبري، بعدين تعود الخلافة، طيب هو طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني أخبرنا هذا الكلام، يعني نحن لماذا لا نقبل به وخلص؟ يعني هو خلص، ما هي الزمن حيمر فينا حيمر فينا، وحنوصل احنا للخلافة الراشدة بالاخر، يعني ليش يحكينا ما هو الرسول حكى لنا انه هيكون في تغلب؟ أنا قصدي بس بسال هيك يعني.

ايوه، الجماعة بتوع العقائد بيقول لك إيه؟ بيفرقوا بين ما يسمونها الإرادة الشرعية والارادة الكونية. سيبنا احنا من المصطلحات الاكاديمية دي، ايوه خليك معانا احنا هون عشان نفهم براحتنا. النبي يخبرنا بأشياء من علم الغيب، وهذه حين تقع تكون دليلاً على نبوته، لكن لا يعني ذلك أننا نقبل الانحراف؛ هو في انحراف هيحصل، تمام، في انحراف هيحصل. أنا كمسلم في لحظة الانحراف دي ينبغي أن أقاوِمَه، ولا أن أسمى إليه، ينبغي أن أقاوِمَه، هو في النهاية حصل.

في زمي أو ما حصلش في زمي هو هيحصل كما أخبر النبي، بس الواجب المفروض على المسلم هو مقاومة هذا الانحراف مش السعي إليه. يعني دلوقتي مثلا النبي أخبرنا إن الكعبة ستهدم في آخر الزمان، هل ينفع جدي ويقول إيه، أي حد يا جماعة عايز يغزو الكعبة اتفضل افتح لك الطريق لأن إحنا؟ لا، هو النبي يخبرنا بأمور هي ستجري، علمها من غيب أطلعه الله تبارك وتعالى عليه، لكن ده ملوش علاقة بالواجب علي أنا في هذه اللحظة.

نعم، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا وهو لم يأمرنا أن نوافق، طبعا يعني هو بس حكى لنا شو حيصير، لكن الصح والخطا، حكى لنا نعم وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. طبعا ابن خلدون بحكي لك: الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية، وهذا اللي صار مع بني أمية يعني صحيح.

إذا خلاصه لو أرادنا أن نلخص هذا السؤال، سؤال رقم 46 فيما يخص التغلب: لو أرادنا أن نضع له جملة تحديدا فيما يخص -مش عبد الملك بن مروان- فيما يخص رأي الفقهاء تبريرهم لفكرة قبول التغلب؟ قرر الفقهاء أن التغلب إثم، وأن المتغلب فاسق، ولم يقبلوا بالتغلب ولا بالمتغلب إلا اضطرارا بعد أن يستتب له التغلب، ولم يسعوا في تنصيبه متغلبا، ولم يرفعوا درجته إلى درجة الخليفة الشرعي الذي أخذ بالبيعة، وإنما فعلوا ذلك لمصالح المسلمين، وليس نفاقا ولا جبنا، وقرروا أنه لا يطاع إلا في الطاعة ولا يطاع في المعصية.

أها، طيب جزاكم الله خيرا. أنتقل إلى السؤال 47، يا مسهل. السؤال 47 عن شخصية يعني بدك تحضر حالك لها استاذ محمد، لأنه أيضا أثير حولها الكثير والكثير من الكلام والجدل، وهي شخصية جدلية حقيقة في التاريخ. لما بنحكي عبد الملك بن مروان، سيظهر معنا هذا الاسم اللامع يعني اللي حقيقة الجميع تحدث فيه.

نحن بنعرف إن عبد الملك بن مروان يعني لما بدات خلافته واستقر له الأمر والحكم الحقيقه إنه اشتغل، أبدع، قدم كثيرا، سيرته طويلة جدا وفيها الكثير والكثير من المآثر والمناقب الإيجابية. لكن كيف نفسر وجود شخصية مثل شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي في حكم يعني شخصية باطشة، شخصية طغيانية، البعض بتطلق عليها شخصية شيطانية، يعني نعم الحجاج بن يوسف الثقفي في مرحلة أو يعني خلافة عبد الملك بن مروان؟

وبالتالي، وبالتالي استاذ محمد طالما فتحنا قوس الحجاج بن يوسف الثقفي، نحن بنسأل: هي الشخصية التاريخية المركزية والمهمه أيضا في تاريخنا الإسلامي، نحن كيف نقراها؟ هل هو شخص يعني طاغيه؟ هل هو شخص مجرم سفاح؟ إلا شخص يعني قدم الكثير والكثير للإسلام، ومحاسنه مثلا تجب سيئاته ولا العكس؟ نحن كيف نقراها؟ لأنه حقيقة ما انفتحت سيرة الحجاج إلا تلاقي ناس بتمدح وناس بتغلط وبتسب وبتلعن، فكيف نحل هي القصة؟

وبعدين في لقطة هيك صغيرة، يبدو أنه عندما جاء التكليف لخلافة عبد الملك بن مروان، كان فاتحا للمصحف، فأغلقه وقال: هذا آخر عهدي بك، أنا رايح أنشغل هس بقصة ثانية. ففي ناس إيش بحمل لك إياه؟ بقول لك: أيوه، يعني هو إيش، يعني ترك المصحف بده يعني؟ لا، هو طبعا أنشغل بالملك، يعني راح لقصة ثانية، بس هيك لقطة صغيرة هي. لكن نحن موضوعنا الحجاج.

نعم، هو بدايه هذه الرواية لا تصح عنه رواية أن هو قال المصحف: هذا فراق بيني وبينك. وطبعا عبد الملك بن مروان أحد الفقهاء الكبار وبعض المؤرخين ينسبه في فقهاء المدينة السبعة، فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى علمهم فيما بعد إلى الإمام مالك، فيدرج في بعض الروايات عند ابن عساكر في تاريخ دمشق أنه من فقهاء المدينة السبعة، لكن ليس كذلك. بس هذا يدلك على ما كان فيه من الفقه، وله حوارات مع الإمام الزهري تدل على فقهه. عبد الملك بن مروان ما فيش لا شك في أنه كان على علم، ولا شك في ذكائه. عبد الملك بن مروان كان وليا على المدينة وعمره 16 سنة، ما شاء الله، أنت بتتكلم في شخصية مش طبيعية.

ولما ذكرنا لما أخرج بنو أمية من المدينة في أيام الحرة كان هو الذي وضع لمسلم بن عقبة المري خطة دخول المدينة. يعني أنا بكلمك عن واحد شاب صغير في ذلك الوقت، فانت الآن عبد الملك بن مروان تولى وهو في الـ 40 سنة، يعني في نضجه. يعني شوف، أنا إحنا بنتكلم عن التغلب حاجة، لكن إذا بتتكلم عن الجداره والكفاءة حاجة ثانية. عبد الملك بن مروان دون أدنى شك شخصية في غاية القوة، شخصية في غاية الذكاء، شخصية في غاية الجداره، ورجل حكم 20 سنة، أعاد توحيد الأمة وأعاد الفتوح من جديد، وأحمد الثورات التي قامت عليه سواء من الخوارج أو من الشيعة أو من غيرهم.

يعني إحنا بس أرجع وأقول علشان إحنا مسلمين وعندنا ثوابت دينيه وعندنا حساسية أخلاقية عالية، فمثله عبد الملك بن مروان بنختلف فيه، لكن هو على المستوى السياسي والدنيوي ما فيش كلام في ذلك. وبعدين يجب لقارئ التاريخ أن يكون عارفا بأن إحنا مش مضطرين دايما نحل الإشكالات، لأن الإنسان فيه خير وشر، فيه صواب وخطأ. يعني عبد الملك بن مروان زي ما أنت بتثبت له إنه كان أول خليفة متغلب وإن هو ارتكب جرائم، وإن هو رضي عن الحجاج صاحب الجرائم الكثيرة، فلازم تثبت له أيضا أن عبد الملك بن مروان هو الذي مهد وامن ووحد وأصدر، وكان راسا في تعريب العملة وتعريب الدواوين، وهو الذي أعاد الفتوحات مرة أخرى. هذان الوجهان يجتمعان في الشخص الواحد.

ولو نزلنا عنه درجة هنلاقي الحجاج بهذا الشكل. الحجاج بن يوسف الثقفي هذا رجل أنت حين تطالع تاريخه، كان يرى أن بني أمية هم أجدر الناس بالخلافة، وأن طاعتهم واجبة، وأنه ببساطه كده كل محاولة للخروج على بني أمية جابت للأمة مشاكل ومصائب. ولذلك في من كلام الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني يقول: وكفره بعض العلماء لغلوه في طاعه بني أمية.

فهو الحجاج كان لديه ولاء لا يقبل التردد ولا الشك في بني أمية، ولذلك عاش في زمن عبد الملك وعاش في زمن الوليد بن عبد الملك بعده. طيب الحجاج، إذا إنا قلنا قبله مسلم بن عقبة المري قبل ذلك، فالحجاج هو أشهر شخصية لدى بني أمية، وهو برضه سينطبق عليه نفس ما كنا قلناه قبل ذلك. إذا أنت تنظر إليه بدون هذه الحساسية الأخلاقية وبدون هذه الثوابت الدينية، هذا الرجل هو الذي مهد البلاد وقضى على الثورات وأعاد الأمن واستأنف الفتوحات، لأنه الحجاج من موقعه في العراق كان مشرفا على فتوحات المشرق الإسلامي، يعني فتوحات قتيبة بن مسلم الباهلي في آسيا الوسطى اللي هي بلاد الترك، وفتوحات محمد بن القاسم الثقفي في بلاد السند وأوائل الهند، كلها كانت بإشراف الحجاج بن يوسف الثقفي.

يا سلام، وكان محبا للقرآن وأهله، فضلا طبعا عن فصاحته، وكان معتنيا بالحفظة ومعتنيا بكتابة المصحف. عفوًا، تورد بعض الروايات أنه هو الذي أشار على عبد الملك بتعريب العملة وبتعريب الدواوين. ف هذا جانبه الإيجابي، وسيكون هو جانبه الوحيد حين تنظر إليه بمنظور سياسي فقط.

لكن الحجاج هو شخصية في غاية الإسراف في الدماء. ده واحد كان شايف إيه، يعني عارف مثلا عكس سيدنا معاويه رضي الله عنه. سيدنا معاوية كان يقول: إني لا أضع صوتي حيث ينفع لساني، ولا أضع سيفي حيث ينفع صوتي. الحاجة اللي بتتحل بالكلام ما نضربش، والحاجة اللي بتتحل بالضرب لا نقتل. الحجاج مش كده، الحجاج في مشكلة هناك، فأول ما يفعله هو معالجتها بالسيف، وأسرف في هذا إسرافا شديدا.

فهو الذي قتل مصعب بن زبير في العراق، ثم هو الذي قتل فيما بعد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في مكة. ومش بس قتله، لا قتله واحتز راسه وأرسل بها إلى عبد الملك، وأبقى جسده مصلوبا ثلاثة أيام، يا الله في مكة. ولما جاءت أسماء بنت أبي بكر، طبعا هناك عدد من المحاورات بين أسماء وبين الحجاج سكت عنها المرة الأولى وسكت عنها المرة الثانية، وبعدها راح قال لها: إنما أنت عجوز خرفتي. ومرة استدعاها إليه فأبت أن تاتيه، فقال: لتاتيني أو لأرسلن من يسحبها من قرونها، يعني من شعرها. فقالت: والله لا أتيه، فليرسل من يسحبني من قروني. فجاء إليها كالمغضب، لكن طبعا ما قدرش يتجرا عليها، لأنه طبعا دي أسماء بنت أبي بكر، وهذا أمر سبه لأجله عبد الملك بن مروان، قال: ما لك وما لك وابنة الرجل الصالح دي أسماء بنت أبي بكر.

فالحجاج، وبعدين لما بتقول له أسماء قالت: لقد سمعت رسول الله يقول: إن في ثقيف كذابا ومبيرا. فأما الكذاب فقد عرفناه، اللي هو المختار بن أبي عبيد الثقفي اللي إنا ذكرنا أنه زعم النبوة، وأما المبير فلا أراك إلا إياه. أنت بقى إيه المبير؟ المبير يعني القتال أو المبيد يعني القتال. فقال: مبير المنافقين. بس على المنافقين هذول.

لما جاءت وقالت أما الدولة تستق... لما رأت جسد ولدها مصلوبا، قالت: أما أنا لهذا الفارس أن ينزل أو لهذا الراكب أن ينزل؟ قال: المنافق. قالت: والله ما كان منافقا، إن كان لصواما قواما، وما أراك إلا وما أراك إلا أفسدت. هو لما بيقول لها: كيف رايتني صنعت بولدك المنافق؟ قالت: ما كان منافقا وما أراك إلا وما أراك إلا أفسدت عليه دنياه وأفسدت عليك آخرتك.

فالحجاج كان يقدم السيف، هو يعني وطبعا مشهورة خطبته في جامع الكوفه ومشهور قوله: أنا ابن جلى وطلاع الثنايا، متى أضع العمامة تعرفوني. والله لو أمرت أحدكم أن يخرج من هذا الباب فخرج من هذا الباب لقتلته. يعني هو كان يرى... هو حتى هو رايح مثلا العراق، فطبعا أنت دلوقتي لو أموي وبتبص للعراق هتبقى شايف العراق دي إيه؟ الثقوب الأسود، موضع المشاكل. فهو رايح يقول لهم: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوي الأخلاق، لقد عجم أمير المؤمنين عيدانه فلم يجد فلم يجد أصلب مني فرماني، فرما اللي هو يعني إنا جايكم هو ما لقاش حد أسوأ مني أو ما لقاش حد أصلب مني إلا واختارني.

ويقال إنه أهل العراق كانوا... أي حدا أي وال جديد بيجيهم بيمسكوا الحصى هيك ويحصبوه ويحصبوه. فلما سمعوه بحكي هذا الكلام بدات تتساقط.

لكن بعيدا عن العواطف استاذ محمد، بعيدا عن العواطف وبعيدا عن إنا بحاكم شخص مسلم بعاطفة مسلمة أو بعقلية مسلمة، مش هي المرحلة كانت بدها بني آدم زيه هيك؟ يعني مؤيدو الحجاج يقولون هذا، مؤيدو الحجاج يقولون هذا. ولكن يعني إنا رايح أحكوم ناس كل شوية عاملين مشاكل، كل شوي عاملين مشاكل، يعني كيف بدنا نقودهم يعني، كيف بدنا نديرهم؟

لكن لا تنسى يا شيخ مراد، لا تنسى أن هذا الإسراف ولد أيضا ثورات أكثر، ما هو الحجاج، ما هو ثارت عليه ثوره بقيادة القراء، قراء يعني العلماء، اللي هي الثورة المعروفة بثورة عبد الرحمن بن الأشعث، وكان معه سعيد بن جبير، وأيدها أنس بن مالك. وهو حتى إساءاته للصحابة زي ما بنتكلم على أنس بن مالك وزي ما بنتكلم على أسماء بنت أبي بكر، لا هو كان غاليا ومسرفا.

هذه الثورة، ثورة عبد الرحمن بن الأشعث، هذه الثورة، أهل... ما هو كم أهلكت من الدماء والاموال، وبلغت ذروتها التي كادت تتهدد فيها فعلا الدولة الإسلامية، وتوقفت فيها، واضطر هؤلاء الثائرين إلى التعامل مع غير المسلمين من الكفار لكي يدعموهم. بالنهاية، يعني الإسراف في القسوة وفي استخدام الدماء، ماشي أفلتت أو بقيت مع الحجاج بعد تكاليف كثيرة، لكن كان يمكن في كل لحظة أن تنفلت أيضا منهم.

وظلت الثورات في العراق بعده، بعد الحجاج، يعني عايز أقول الحجاج في الآخر لم ينه هذا الأمر انهاء تاما، حتى في العراق الذي تولاه هو، وإنما ظلت هذه الأحداث تراكم حزازات وتراكم ثارات وتتجدد في العراق الثورات، حتى جاءت الثورة التي أطاحت بملك بني أمية. وأنت عمال وأنت بتكلم في الأسباب غير المباشرة لانهيار الأمويين لا يمكن أن تزيل منها مظالم الحجاج، لأن هذه المنطقة صنعت، يعني هذه السياسة صنعت ثارات وعداوات، صار كل واحد بعد ذلك متقبلا أن يخرج الخارج على بني أمية فيكون معه أو يموله.

ثوره عبد الرحمن بن الأشعث هذه أيدها أنس بن مالك الصحابي كان في شيخوخته، لم يخرج فيها لكن لكبره. فلذلك، يعني الحجاج لو... الناس اللي عندها شوية رهق والناس اللي بتحب الظلم والناس اللي شايفاه حزم بتقول لك: آه، هم ما كانش ينفع معهم غير الحجاج. ولكن لا يمكن أن نرضى بالظلم ولا يمكن أن نقر به، وهو إن كان نجح في أماكن أخمد فيها الثورات، فهو لم ينجح في معقله هو نفسه. فلذلك، وأنا بقول: أنت دايما من يقرا التاريخ يحتاج أن يقرا.

التاريخ لأنه التاريخ ما فيهوش الأبيض والأسود، يعني ما فيهوش الشخصية الخالصة التي تمدحها وأنت مطمئن أو تذمها وأنت مطمئن. ولذلك كما ذكرت أنه بعض العلماء كفَّره وبعض العلماء قال: ومن لا يفرح بموت الحجاج؟ وبعض العلماء سجد لله شكراً لما مات الحجاج.

لكن بعدين بقى بعد الحجاج بحوالي ست مئة سنة أو بحوالي سبع مئة سنة يأتي واحد زي الذهبي مؤرخ الإسلام المنصف ويقول له حسنات مغمورة في بحر سيئاته. هذا هو الآية، هذا هو التوصيف المنصف. له حسنات طبعا مهمة لا شك، ما أحد يقدر يعني. الحجاج بن يوسف مثلاً من حسناته أنت عارف يعني اللي أنا هحكيه لك ده دي حاجة أول مرة أشوفها، فلعله أقدم من فعلها: قتيبة بن مسلم الباهلي وهو يفتح بلاداً في ما وراء النهر استعصت عليه مدينة، فأرسل إليه الحجاج يلومه ويستبطئه يعني ليه الفتوح مش ماشية؟ فقال له: استعصت علي المدينة الفلانية. قال: صورها لي. فراح قتيبة بن مسلم عمل ما نسميه الآن ماكيت أو مجسم للمدينة وأرسله إلى الحجاج، وعلى حد علمي هذا أول مجسم يتعمل لمدينة. فنظر فيه الحجاج، ثم أرسل إلى قتيبة أن يدخلها من المكان الفلاني والمكان الفلاني.

فقصد أقول لا، يعني كان مشرفاً نشطاً على فتوحات المشرق الإسلامي. ومثلاً لما أُسرت بعض المسلمات أسرهن ملك الهند أو ملك السند -طبعاً الحدود ما كانتش واضحة زي دلوقتي يعنی- فالحجاج بن يوسف هو من أرسل إليه لكي يعيدهن إليه، فلما تَبَاطَأَ أرسل إليه جيشاً فتح البلاد وأتى بهما. يعني أنت عايز أقول لك إيه؟ أنت لو بتقارن مثلاً الحجاج مع حُكَّامنا المعاصرين الحجاج أحسن منهم كلهم، طبعاً؛ لأن دول فيهم الإسراف في الدماء، ما فيهمش الإنجازات التي فعلها الحجاج.

ستظل التاريخ ليس فيه الشخصية الخالصة؛ الحجاج هذان الوجهان عنده: هذه السيئات وعنده هذه المظالم ومُسْرِف في القتل. أنا كنت قلت قبل كده في حلقة سابقة كلمة عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بطاغيتها وجئنا بالحجاج لغلَبْناهُم. دي كلمة لا يجب أن تفهم في ضوء قائلها اللي هو عمر بن عبد العزيز، مش تفهم على حقيقتها، لا، حقيقة الأمُم مليانة ناس أسوأ بكثير جداً جداً من الحجاج. لكن عمر بن عبد العزيز الشخصية التقيَّة النقية دي، أنت عارف حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يوشك أن يقع عليه». المؤمن شايف ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل والجبل ده يوشك أن يقع عليه. «وأما المنافق فيرى ذنوبه كذبابة حطت على أنفه فقال لها هكذا». مع أن المؤمن ذنوبه بالتاكيد أقل بكثير جداً من إيه.

فأنت لما تسمع الكلمة من عمر بن عبد العزيز تفهم أن الكلمة دي تدل على حساسية عمر، مش تدل على حقيقة تاريخية للأمم مليئة بأمثال الحجاج. وفي يعني لماذا كان عبد الملك متمسكاً به؟ لهذا، عنده والٍ كفء شديد الولاء والطاعة والانتماء لا يخالف عنهم أبداً وقادر على إخماد هذه الثورات، بالذات المنطقة التي يراها الأمويون ثقباً أسود، اللي هي منطقة العراق؛ فالحجاج كان متمسكاً، قصدي عبد الملك كان متمسكاً به، والوليد بن عبد الملك بعده كان متمسكاً بالحجاج أيضاً. المشاكل كانت بين سليمان وبين الحجاج، وكان الحجاج يتخوف أن يعيش إلى زمن سليمان، كان عارف أن سليمان لو تولى فمصيره سيكون القتل أو الحبس أو العقوبة الشديدة، فكان يدعو الله ألا يدركه زمن سليمان، وبالفعل مات في آخر خلافة الوليد ولم يدركه سليمان. ولما جاء سليمان حصلت بعض الحوادث زائد هذه الرغبة، أن سليمان تعقَّب كل رجال الحجاج بالعزل وبالنفي وربما بالسجن والقتل.

عندنا كمان واحد ثالث قاعد في المدينة اسمه عمر بن عبد العزيز مش طايق، مش طايق صح، يعني كان مش نازل له من زور لدرجة أنه لما تولى الخلافة مسح أي شيء له علاقه بالحجاج، سبحان الله. لكن يقال إنه عبد الملك بن مروان كان معتمداً على الحجاج لأنه لم يتبقَّ في الدولة لكثرة ما دخل في معارك وإخماد تمردات وثورات إلا الحجاج، وكمان شخصية أخرى أنا نسيت اسمها. فكان مضطراً أن يعتمد على الحجاج اضطراراً، يعني يبدو أنه هو كان فاهم أن الحجاج أسرف في الدماء وتجاوز، لكن ما عندوش خيار، هو يراها ضرورات.

لكن هل ما ما كانش عنده غيره؟ أشك في هذا، ولا أستطيع أن أجزم بذلك. بالنهاية أنت علشان تتمثل شخصية العصر ويبقى عندك اطلاع برجاله ومن كان الأكفأ فيهم دي مهمة صعبة جداً أنه يقوم بها واحد بعد ألف وأربع مئة سنة من هذا الوقت. طبيعي، لكن أن تقول إنه كان مضطراً، أنا عايز أقول إحنا مش محتاجين نذهب لقول الاضطرار؛ لأنه هو عبد الملك شايف أن واحد زي الحجاج والي، شوف اللي زي الحجاج ده شخصية مهمة لكل حاكم، أن تلاقي واحد إخلاصه لك، مثلاً أبو جعفر المنصور فيما بعد أيام العباسيين كان يتمنى واحداً كالحجاج في ولائه لبني العباس، فقال رجل كان في مجلس أبي جعفر المنصور -وإذا لم تخن الذاكرة فهو يزيد بن مزيد الشيباني-: يا أمير المؤمنين إن في رجالك مثله. قال: لعلك تقصد نفسك. قال: نعم. قال: لست به، أنت مش زيه.

إنما عايز أقول إيه؟ هو بيقول له يعني أنت تفعل لنا وأنت ترجو المكافأة، لكن هو كان ولاؤه تاماً لبني أمية. إذاً شخصية الحجاج بجملة واحدة ماذا نقول عنه؟ له حسنات مغمورة في بحر سيئاته، ما قاله الذهبي. نعم، هذه أراها أفضل تعبير عن شخصية الحجاج، وله لا يمكن أن ننكر حسناته ولا يمكن أن نتغافل أو نتساهل مع مظالمه وجرائمه.

نحن وصلنا لنهاية الحلقة. أستاذ محمد جزاك الله خيراً حقيقة أبدعت، الله يبارك فيك. السؤال الثامن والأربعون طبعاً سيكون في الحلقة القادمة، وهو أيضاً إحدى المسائل التي أثير حولها كلام ويتم تناولها بشكل سطحي في السوشيال ميديا، مما يصيبك الموضوع شوية بالغثيان، فانت بتصير بدك لازم تجاوب وتوضح. نتركها إن شاء الله للحلقة القادمة. إخواني أينما كنتم دائماً وأبداً سلسلة مئة سؤال في التاريخ خليها على جدولك، اسعى دائماً إلى نشرها حتى تعم الفائدة والخير على الجميع. ودمتم في رعاية الله، إلى اللقاء.