بدكم تجاوبوني، هو صلاح الدين عربي ولا كردي؟ نحنا كمسلمين حقيقة ما بيفرقش معنا تركي ولا عربي أو كردي. ما تيجي نحسمها ها، الراجح إنه كردي. آه طبعا إنت بتتنازل عن بيت المقدس والمقدسات وجاي تنادي لي واحد حرر بيت المقدس وضحى. الحكام العرب يكرهوا صلاح الدين؛ لأن مثاله يحرجهم.
صلاح الدين الأيوبي ما سر شهرته دونا عن غيره؟ صلاح الدين كان ألمع في الوجدان الأوروبي منه في الوجدان الإسلامي، لكن صلاح الدين كاريزما قائد مقنع، صلاح الدين كان أنبل من اشترك في الحروب الصليبية. هل إحنا يا استاذ محمد حقا نقوم بتلميع أبطالنا زيادة عن اللزوم؟ الظاهر بيبرس مثلا كان أشهر منه وألمع وأقوى منه.
لكن هل فعلا صلاح الدين حدث نفسه بأنه يكون هو السلطان؟ ده السؤال بتاع إيه؟ نور الدين صلاح الدين ده ما زال على ولائه وما زالت مصر دي تابعة للشام، ولا صلاح الدين مصر حليت في عينيه وناوي يستقل بها؟ هل من الدروس إذا كنت أنا شايف في نفسي إن أنا قائد أو عندي قدرات إني انتزع؟ نعم، ولكن يحتاج الأمر تجردا وإخلاصا.
أسد الدين شيركوه هو شاف في صلاح الدين شخصية هتخدم الفكرة كلها، فأخذه معه. أقسم صلاح الدين أنه سيقتل أرناط. هذا بحب الحكمة، أنا بحب الحكمة، حلو. الإصلاح حقيقة يبدأ من السلطة، مصر هي التي تحكم الشام مش الشام اللي تحكم مصر. اللحظة اللي طرد فيها والده وعمه من قلعة تكريت في هذا اليوم انولد صلاح الدين، صحيح صحيح، حتى والده تشاءم به.
صلاح الدين حكم دولة. حقيقة الإصلاح يبدأ من السلطة والناس على دين ملوكهم.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ. نحن وين؟ نحن لا نزال في المحور السابع، محور الدول المستقلة، وزي ما اتفقنا إن هذا محور واسع كبير صعب تحط له قاعدة مشان تحدد له عشرة أسئلة؛ لأنه هو بدو مش عشرة أسئلة، بدو عشرة آلاف سؤال مشان تقدر تغطيه.
ولكن نحن حتى تكونوا ماشيين معنا وإذا طبعا إنت انضميت جديد، فمئة سؤال في التاريخ هي السلسلة التي تجيب عن الأسئلة الملحة التي يعني تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. وصلنا إلى الحلقة 36، شباب يعني قاطعين شوط حلو، وأشكركم لأنكم ماشيين معنا هيك خطوة بخطوة ستيپ باي ستيپ، والان وصلنا إلى السؤال رقم 66.
جهزوا حالكم أنا واياكم هيك مع بعض بدنا نرحب بالضيف الدائم لهذه السلسلة الأستاذ محمد الهامي. أهلاً وسهلاً أستاذ محمد. حياكم الله يا أبو الحارث، بارك الله فيك. السؤال رقم 66 جاهز أستاذ محمد؟ توكلنا على الله.
بتعرف بالحلقة السابقة إحنا أتينا على الحروب الصليبية نعم، وكانت هي تقريبا أطول حلقة في السلسلة؛ لأنها تستحق حقيقة، تستحق. نعم والله تستحق. وطبعا لما بنحكي نحن عن الحروب الصليبية أستاذ محمد نكون هكذا يعني بيجي معنا هيك بيمر معنا مجموعة من الدول عاد السلاجقة على الزنكيين على الأيوبيين على المماليك، وطبيعي دول زي هاي الدول أفرزت لنا الكثير من الأسماء ما بين سلاطين ووزراء وقاده وجند، وكلها تستحق الوقوف، صح؟ تستحق يعني إنه نحكي قصتهم ونرويها، ولكن من أبرز الأسماء صلاح الدين الأيوبي. فهذا السؤال عاد 66 بيحكي عن القائد الكبير صلاح الدين الأيوبي.
صلاح الدين الأيوبي الحقيقة في سر محتاجين نفهمه أستاذ محمد بمعيتكم، يعني ما سر شهرته دونا عن غيره؟ نعم. وبالذات يمكن يمكن هيك الفترة الأخيرة مع يعني قصة يمكن الطوفان والحالة اللي صارت بستدعي كل الأسماء، وبرضه من ضمن الأسماء التي تم استدعائها هو اسم صلاح الدين الأيوبي.
فهل نحن أستاذ محمد حقا يعني نقوم بتلميع أبطالنا زيادة عن اللزوم؟ ما هو كونه هي السلسلة تجيب عن الأسئلة الملحة، هي واحدة من مشاكلنا مع مع حالنا تجاه صلاح الدين وتجاه أبطالنا؛ يعني نحن بنلمع يعني زيادة عن اللزوم، فهل نحن فعلا المسلمين بنلمع صلاح الدين زيادة عن اللزوم؟ لأنه يعني نحن متذكرين شوية مصائب ومنها طبعا الكارثة الكبرى ومصيبتنا القضية المركزية، طبعا فلسطين.
هناك كتابات شيعية نعم تهاجم أيضا صلاح الدين باستمرار، هناك من يقول إن الرجل كان متسامحا زيادة عن اللزوم يعني كان مفرطا في التسامح ولين، وبالذات مع الصليبيين يعني، وشبهات عرق كثيرة جدا، يمكن بنحكي أنا أطلع لك شوي منها هيك ونحن ماشيين. لكن بالاخير نريد أن نتوج كل هذا الكلام أستاذ محمد نعم بالدرس، يعني نحن ماذا نستفيد بالاخر لما بنحكي كل قصة صلاح الدين ونفهم شخصيته؟ السؤال 66 أستاذ محمد، تفضلوا.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. إحنا من ساعة ما دخلنا في المحور السابع وإحنا السؤال هو مجموعة أسئلة، فالأسئلة 66 يعني متعلقة بصلاح الدين.
شوف يعني أبدأ بسؤال هو يعني ليه صلاح الدين أشهر شخصية من شخصيات الحروب الصليبية؟ بدايه لا شك ولا ريب أنه ما حصل في فلسطين من الاحتلال الإنجليزي ثم النكبة في 48 ثم ما يحصل حتى الان، لا شك أن هذا مما اضاف مزيدا من الأهمية على شخصية صلاح الدين؛ لانه التاريخ كما يقول البرت حوراني هو ما يحتاج الناس إلى تذكره. الطبيعي إنت التاريخ ده نوع من الدواء أو نوع من الغذاء الذي تتذكر منه ما تحتاج إليه. بالتاكيد لما تبقى مصاب بانفلونزا مش بتجيب دواء يعني أي حاجة تانية بتجيب دواء الإنفلونزا، فلما بيبقى عندك مشكلة متعلقة ببيت المقدس بتفتكر فتح عمر، بتفتكر تحرير صلاح الدين.
عارف إنت قول الشاعر: سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. لما تبقى الدنيا مظلمة ساعتها إيه الناس بتتذكر القمر؟ فشيء طبيعي إن احنا لما يبقى عندنا نكبة وجرح مستمر ودائم في فلسطين إن احنا دائما نتذكر صلاح الدين ونتذكر قبل ذلك فتح عمر لبيت المقدس، فلا شك انه هذه الأجيال عبر المئة سنة الماضية تتذكر صلاح الدين بأكثر مما تذكرته الأجيال السابقة، هذه حقيقة. نعم.
يعني الأجيال السابقة ما كانت تحكي صلاح الدين؟ صلاح الدين الأبطال بشكل... لم يكن صلاح الدين من أبطال الصف الأول أو من أبطال الذاكرة الأولى، يعني واحد زي الظاهر بيبرس مثلا كان أشهر منه وألمع وأقوى منه، وإحنا لعلنا إن شاء الله لما ندخل في دولة المماليك ونقارن عسكريا، أه تجد أن الظاهر بيبرس انجازه العسكري أقوى بكثير من انجاز صلاح الدين. انجازه حتى العمراني والإداري أقوى بكثير من صلاح الدين.
فالظاهر بيبرس يعني بعد طوال هذه القرون، قرون المماليك وما بعدها، كان ألمع في الوجدان؛ يعني احنا عندنا في مصر مثلا الظاهر بيبرس، أبو زيد الهلالي، ألف ليلة وليلة. دي السيادة الشعبية رقم واحد، وبعدها صلاح الدين لو حد افتكره يعني. عارف المصريين عندهم بيبرس، أبو زيد الهلالي، ألف ليلة وليلة، الحاجات دي عنترة يعني. لكن مثلا صلاح الدين لم تلتصق بشخصيته أساطير كثيرة في الوجدان الإسلامي.
يا سلام! مثيرة والله. نعم نعم صحيح. لا يعني ذلك أنه لم يكن عظيما، هو كان شخصية عظيمة، بس أنا عايز أقول إنه نعم، إنه حاجتنا المعاصرة إلى تذكر صلاح الدين جعلت ذكره يعلو مثلا على ذكر الظاهر بيبرس، وإن كان بيبرس طول هذه الفترة هو الأعلى ذكرا مثلا يعني، وخصوصا انه حرر بيت المقدس.
لانه حرر بيت المقدس، نعم، لانه حرر بيت المقدس. فالحاجة رقم واحد. الحاجة الثانية هو صلاح الدين كان ألمع في الوجدان الأوروبي منه في الوجدان الإسلامي، ودي على فكرة يعني ظاهرة قد لا يعرفها كثير من الناس؛ يعني الأوروبيين كتبوا في صلاح الدين وفي الثناء عليه وفي تغليف شخصيته وسيرته بالاساطير والخرافات ما لم يفعله المسلمون. يعني ممكن ناتي على بعضها بعد قليل إن شاء الله.
لكن حقيقة صلاح الدين على الأقل فيما اتصور أنا وبشكل انطباعي يعني، صلاح الدين هو الشخصية الثانية التي كتب عنها الأوروبيون بعد محمد صلى الله عليه وسلم. يعني الأوروبيين اهتمامهم بالإسلام تقدر تقول كده محمد رقم واحد صلى الله عليه وسلم، ورقم اثنين صلاح الدين؛ لأن صلاح الدين مثل نموذجا أدهش الأوروبيين باخلاقه ونبله وعظمته وفروسيته، وأفاضوا في مدحه، أفاضوا في مدحه؛ يعني لا يمكن تمسك كتاب لدى صاحبه به ولو قدر قليل من الإنصاف إلا وتجد يثني على صلاح الدين ثناء هائلا بسبب تسامحه ولينه و... نعم، التسامح واللين، النبل، الفروسية.
يعني هذه الشخصية الأوروبيين كانوا معجبين بها غاية الإعجاب إلى الدرجة التي صنعوا لها أكاذيب وأساطير تجعل صلاح الدين مسيحيا كمان! آه؛ لأنه المستشرق الفرنسي ماكسيم رودينسون يقول: لأن الأوروبيين لم يقتنعوا أنه يمكن للإسلام هذه الديانة الخاطئة أن تخرج شخصا على هذا القدر من النبل، فصاروا يلتمسون له أساطير مسيحية، منها مثلا أن أمه كانت يعني أصلا مسيحية أوروبية ولكن كانت في رحلة إلى بيت المقدس تحطمت سفينتها، أسرها المسلمون، تزوجها أبو صلاح الدين، فأنجبت صلاح الدين وعلمته سرا المبادئ المسيحية! أيوه، فعلشان كده صلاح الدين شخصية عظيمة للدرجات.
أو أسطورة أخرى تقول إن هو صلاح الدين من كثرة تعامله مع المسيحيين مال إلى المسيحية، لدرجة أن هو مثلا على فراش موته استدعى ممثل اليهود وممثل النصارى وممثل المسلمين، وقال لكل واحد منهم يعرض دينه، فإذا به يميل في النهاية ويموت على دين المسيحية! أو حالة ثالثة أن هو كان أحد الفرسان المأثورين، ولكن استطاع يعني قدموا على تجارة واستطاع أن يندرج ضمن الجيش الأيوبي أو الجيش الزنكي بقى في ذلك الوقت، المهم يعني صلاح الدين مش مسلم؛ لانه المسلمين ما ينفعش يطلعوا زي واحد زي صلاح الدين.
ولذلك صلاح الدين كان هو الشخصية الشاذة بالنسبة للأوروبيين التي لم تلوثها خرافات عصور التعصب الديني العصور الوسطى في أوروبا. يعني هناك باحثة ألمانية اسمها كارلين هيلين براند لها بحث عن صورة صلاح الدين في العصور الوسطى الأوروبية، فتقول فيه إن الصورة دي هي التي لم تتلوث بوجود الصلي... يعني تعصبات القرون الوسطى الصليبية، فهو صلاح الدين أسطورة عند الغربيين، ونقدر نقول إنه برضه شخصية عظيمة، لا شك أنه من ملوك ومن شخصيات الصف الأول في التاريخ الإسلامي.
بس كمان المسلمين على تعظيمهم لصلاح الدين لما عاشوا محنة ضياع بيت المقدس، فصار هذا مما يجدد في أذهانهم وفي ضمائرهم صورة صلاح الدين. ولذلك يعني تستطيع أن تقول أيضا إنه هذه الأمور (يعني اللي أنا بحكيها دي الثلاث حاجات دول مع بعض)؛ لأن المسلمين عايشين في نكبة مركبة: نكبة أن هم مستضعفين من اليهود احتلوا بيت المقدس، ومستضعفين من الصليبيين؛ لانه قبل كده كان في احتلال إنجليزي ولا يزال في احتلال أمريكي وأوروبي لبلادنا، فإنت بتستدعي الذاكرة الصليبية، وكمان عندك طغيان من الحكام العرب فإنت كمان بتستدعي السلطان العادل.
فكل ده يعني يزيد من تألق صورة صلاح الدين؛ يعني إنت وقت ما بتفتكر بيت المقدس بتفتكر صلاح الدين، وقت ما بتفتكر الصليبيين والأوروبيين بتفتكر صلاح الدين، وقت ما بتفتكر الظلم اللي إنت فيه والتفرق والتمزق بتفتكر صلاح الدين؛ لانه كان سلطانا عادلا ووحد هذه الأمة قبل أن يقوم بتحرير بيت المقدس.
وكذلك هذه العواطف كلها تفاعلت معها أجواء السياسة؛ أجواء السياسة المعاصرة. يعني واحد مثلا زي صدام عايز يدخل الكويت أو مثلا عايز يعني يهاجم إيران بعد الثورة وهو عراقي، فيروح يستدعي صلاح الدين باعتبار أن صلاح الدين قضى على الدولة الشيعية الفاطمية، فبالتالي يرى نفسه أو يسوق نفسه يعني باعتباره البطل العربي الذي يكرر سيرة صلاح الدين في القضاء على التهديد الشيعي وفي القضاء على الفرقة العربية. إنت رايح تحارب إيران؟ ادينا بنعمل زي صلاح الدين. رايح تحارب الكويت؟ ادينا إحنا إيه بنوحد العالم العربي.
وكون أن هو عراقي، ولذلك حتى سمى المحافظة محافظة صلاح الدين بعد ما كانت تكريت، لكي يستدعي وتنتج الأفلام عن صلاح الدين وهكذا. يعني في حالة من الحالات السياسية التي يحاول توظيفها، وطبعا القوميين وصدام حسين، وطبعا أيضا السوريين؛ لأن صلاح الدين عاش حياته في دمشق، وصحيح أصله ولد في العراق لكن عاش حياته بين مصر والشام وأزهى سنيه كانت في دمشق. فكذلك القوم... يعني القوميين في العراق بيستخدموا صلاح الدين في اللي احنا قلناه، والقوميين في سوريا بيستخدموا صلاح الدين في إثبات نسبه العربي.
لأن دلوقتي صلاح الدين كردي والعربي، فبتحصل عندنا مشكلة؛ يجتهد القوميون العرب في أن يجعلوا صلاح الدين عربيا ويجعلونه لكي يسلبوا من الأكراد البطل الكبير ولكي يزيدوا في رصيد العرب بطلا جديدا عظيما مثل صلاح الدين. فالحالة دي حالة احتياج الأمة إلى صلاح الدين وحالة السياسة وأغراض السياسة، كل هذا أكثر من الحديث وأعاد مرة أخرى بعث سيرة صلاح الدين. فلذلك نعم، صلاح الدين في أجيالنا هذه أو في المئة سنة الماضية لا شك أنه أكثر تألقا من صورته في بقية...
ولذلك هذه التفاعلات جميعا جعلت نستطيع أن نقول مثلا إيه في ثلاث فئات بيكرهوا صلاح الدين تماما. الثلاث فئات دول هم الصليبيين بطبيعة الحال، يعني احنا قلنا قبل كده من الأحداث المشهورة التي... لما دخل اللورد الليمبي إلى بيت المقدس سنة 1917 كتبت الصحافة الغربية: "الان انتهت الحروب الصليبية". والقائد الجيش الفرنسي غورو لما دخل دمشق...
ركل قبر صلاح الدين وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين. نعم، فأنت عندك في حالة يعني إذا بنتكلم عن مبغضي صلاح الدين، الذين كان لهم دور بلا شك في إعادة بعث حالته؛ فالصليبيين رقم واحد، والشيعة أيضا يكرهون صلاح الدين؛ لأنه أسقط، مش بس أسقط الدولة الشيعية العبيدية الفاطمية، ولكنه كذلك حجم وقلل نفوذ الإسماعيلية الحشاشين الذين كانوا موجودين في الشام، ودي قلاع في جبال النصيرية، اللي حاولوا يغتلوه.
ولا ريب أيضا أن الحكام العرب يكرهون صلاح الدين؛ لأن مثاله يحرجه. كل ما تقول أين صلاح؟ زي كده ما الحكام من الظلمة يكرهون عمر بن الخطاب؛ يعني في كده بعبع أو في أزمة ضخمة لما الناس تقول صلاح الدين أو لما الناس تقول عمر بن الخطاب؛ لأنه هذا يحرجهم. طبعا، يعني أنت بتتنازل عن بيت المقدس والمقدسات، وجاي تنادي لي واحد حرر بيت المقدس وضحى؟ مش معقول، باسم بدني هيك.
فلذلك نبتت أيضا حالة علمانية متصهينة في دولنا العربية تحط من قدر صلاح الدين. يعني تجد مثلا بعض النخب عندنا في مصر، مثلا واحد زي يوسف زيدان، وواحد زي إبراهيم عيسى وغيرهم. وطبعا أنا قلت الشيعة يكرهون صلاح الدين، فتجد الجماعة بتوع لبنان كتبوا ضد صلاح الدين؛ فهناك حالة من حالات الهجوم أيضا على صلاح الدين لمحاولة كسر صورته وإثارة البلبلة عليه، وهذا يستدعي بطبيعة الحال رد ومهاجمة من آخرين بحسب ما تقتضيه أديانهم أو ربما أغراضهم أيضا.
احنا عندنا مثلا يوسف زيدان ده كان بيقول: صلاح الدين أحقر شخصية في التاريخ الإنساني. بهذا المستوى من الشناعة. أيوه، لأنه أصلا يوسف زيدان متساوق مع فكرة أن المسجد الأقصى ده مش هو المسجد اللي في فلسطين، ده مسجد موجود كده على أطراف مكة. أيوه، هو متساوق مع خطاب صهيوني يحاول نزع وتفتيت القداسة حول المسجد الأقصى؛ فمن ضمن الأشخاص اللي بيخبط فيها ويهاجمها هو صلاح الدين.
فالقصد أن صلاح الدين صار موضوعا لكل هذه الظروف، ولذلك تألقت صورته وتألق البحث فيه، كثرت الكتابة فيه، كثرت الترجمة عنه لهذا الشكل. طيب، أستاذ محمد، هو في مشكلة إني أنا استدعي صلاح الدين، وأتمجد فيه، وأتغزل فيه، وأحكي عنه؟ يعني قصدي أنا كحاكم، يعني ماشي صدام حسين استدعى صلاح الدين وحكى عنه، هو في مشكلة في ذلك؟
المشكلة أنه يستدعي، ويريد أن يكون متماهيا مع التاريخ لكي... ما هو يستدعيه لأغراض فاسده؛ ما هو دلوقتي أنت لما تجيب صلاح الدين علشان مثلا تستخدمه كبطل عربي ضد الأكراد، الكرد ده غرض فاسد؛ لأن صلاح الدين، سواء كان عربيا أو كرديا، ما كانش يجاهد في دماغه قومية عربية؛ لا كان الخليفة العباسي، ولا كانوا العرب، ولا كانوا الترك، ولا كانوا الكرد عندهم هذه النزعه القومية في صلاح الدين.
فقصد أقول: أنت بتستخدم صلاح الدين في أغراض فاسدة. يعني مثلا عندنا في مصر يوسف شاهين، اللي هو المخرج المشهور، عمل فيلم الناصر صلاح الدين؛ عايز يعمل الصراع بين الصليبيين وبين المسلمين صراع عربي استعماري أوروبي، مش صراع إسلامي، فبالتالي زور التاريخ وجعل رجلا مسلما، اللي هو عيسى العوام، جعله نصرانيا في الفيلم؛ علشان يقول إن ده صراع عربي اجتمع فيه المسلمون والنصارى العرب ضد الغزاة المستعمرين المحتلين.
طب وهذا تزوير للتاريخ؛ لأن الصراع كان صراعا دينيا، ومليئا بالجهاد، وكان الصراع حول بيت المقدس صراعا دينيا؛ فهو المشكلة مش بس في استدعاء صلاح الدين؛ الطبيعي أنك بتستدعي التاريخ وقت أن يكون ذلك حاضرا، وأن التاريخ فيه دروس وملهم، المشكلة أنك تستدعيه لأغراض فاسدة. فنعم، هذا هو؛ يعني هو دلوقتي رايح اقتحم الكويت مثلا، يقول لك: أنا أوحد العرب كما وحدهم صلاح الدين قبل التحرير.
وهكذا؛ فيعني دي إجابة القدر الأول من السؤال، أنه فعلا صورة صلاح الدين لا شك أنها أعلى وأقوى وارسخ في ضمير الأجيال الحالية من صورتها في الأجيال الماضية. طيب، أستاذ محمد، قبل ما تكمل، في شغلتين صغار؛ طب هم الأوروبيين، يعني هم ما لهم بالعادة يمجدوا لنا حدا من أبطالنا ولا ينصفونا بالتاريخ ولا إلى آخره، ليش صلاح الدين تحديدا هيك؟ يعني قصدي هم مش ما لهم بالعادة يمجدوا حدا، ليش لقوا صلاح الدين تحديدا؟
صح؛ لأنه صلاح الدين كان متسامحا إلى درجة مذهلة، وهذه الدرجة جعلت بعض مؤرخي المسلمين منذ ذلك الوقت وحتى الآن يرى أن صلاح الدين مسرف في التسامح. يعني أنا أقول لك على حاجة يا مولانا، احنا أحد مشاكلنا في التاريخ، أحد مشاكلنا المعاصرة في قراءه التاريخ وفي روايته، أن أنت بتلاقي نفسك قدام ال... عارف أنت الراجل البيت الشاعر اللي بيقول لك ايه: إذا حسناتي التي أدل بها كن ذنوبا، فقل لي كيف اعتذر. يعني أنت بتلاقي واحد زي يوسف زيدان، ولا زي إبراهيم عيسى، ولا زي غيرهم بيقولوا: صلاح الدين ده واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ.
تقول لهم: ازاي أحقر الشخصيات في التاريخ؟ ده إذا كانت أعداؤه شهدوا له بأنه من أعظم الشخصيات في التاريخ. ولدي دورانت، المؤرخ الأمريكي صاحب كتاب قصة الحضارة، يقول: لقد أجمعت الآراء على أن صلاح الدين كان أنبل من اشترك في الحروب الصليبية. بهذه الجملة.
طيب، لما تيجي تقول: صلاح الدين كان متسامحا، أنا عن نفسي ممن يرى أو ممن يميل إلى أن صلاح الدين كان مسرفا في التسامح، وأن دي إحدى عيوبه؛ هذا رأيي، هذه إحدى عيوبه. طيب، لكن أنت التقييم الموضوعي للشخصيات التاريخية حقيقة صار مفقودا في زماننا لقوة ضغط الكذابين والمزورين. فأنت رايح تدافع عنه بما يجعل السامع أو القارئ يتصور أن أنت تمدح صلاح الدين على طول الخط ولا تقدم له قراءة موضوعية، لكن أنت في ظل أن في ضغط حتى على هؤلاء النجوم والرموز، فصلاح الدين ما مثله من أخلاق؛ أن هو كان قادرا على كثير من الأمور، كقتل كثير من الصليبيين، كأسر الصليبيين، كمطاردة كثير من الصليبيين، فتجد أنه كثيرا ما يعفو، كثيرا ما يطلق الأسرى بدون فداء، كثيرا ما يستطيع أن ينتقم فلا ينتقم.
كل هذا جعل كثيرا من الصليبيين في وقته حتى دخلوا الإسلام. كثيرا من الصليبيين ومن فرسان الصليبيين من دخلوا الإسلام؛ لأنه ألهمهم مثال صلاح الدين. طب ها ليش ما يذكروا هي مثلا؟ طب هي منقبة من مناقب ال... مين اللي بيذكروا؟ هم زيدان وعيسى؛ دول جزء من مشاريع دول، أدوات؛ يعني دول جزء من الحالة، حالة الهيمنة الصهيونية في بلادنا، حالة التغريب؛ فحقيقة دول، يعني قصدي هم أصلا مش باحثين، لهم أغراض نزيهة؛ لا، دول أدوات بس، أدوات مكنوا من الصحافة، مكنوا من القنوات، مكنوا من منافذ الإعلام؛ لكي يشيعوا هذه الأمور، لكن هذه الأمور لا تثبت عند أدنى نظر. يعني هذا الكلام غير محترم في أي وسط علمي، ما حدش بيبص له، أنت بتضطر تناقشه بس لأنه ذهب إلى ساحة الإعلام.
طيب، أستاذ محمد، هو أصلا صلاح، احنا لو جينا درسناها دراسة موضوعية لصلاح الدين وتوقفنا عند تفاصيل التفاصيل، يمكن نجد أنه فعلا كان يجب أن يتسامح، ممكن؛ الظروف اللي حواليه تقول إنه يا اخي خلاص، مش فيها، ممكن؛ ممكن، يعني أنا في الآخر أذكر لك ترجيحي أنا، يعني أذكر لك قراءتي أنا، والناس اختلفوا منذ ذلك الوقت وحتى الآن في هل صلاح الدين أسرف في التسامح ولا ربما كانت دي سياسة حكيمة؟ اختلفوا.
إذا بتسالني عما أميل إليه أنا بعد هذه السنين، أنا أميل إلى أنه كان مسرفا في التسامح، وأنه كان متسامحا أكثر من اللازم، وأن تسامحه هذا أدى إلى بقاء الصليبيين مئة سنة زيادة في بلادنا. نعم، وعلى فكرة، لو أنا مثلا أخذت الطرف الثاني، هعرف أقول لك برده من الدفوع والمبررات ما قد تقتنع معه بأنه تسامحه كان أفضل. خليني أقول لك على حاجة: لو صلاح الدين ما كانش متسامح وكان زي أي واحد، لم يكن الأوروبيون ليتغنوا به كل هذا التغني، ولم نكن نجد نحن الآن -احنا بقالنا تسعمئة سنة ومع صلاح الدين- لم نكن نجد الآن حتى تسعمئة سنة ما ندلل به الغربيين على الفارق بيننا وبينهم في الحروب: ملكتم ملكنا فكان العفو منا سجية... فلما ملكتم سال بالدم أبطح. وأحللتم قتل الأسارى، وقد كنا نمر على الأسارى نمن ونصفح. فحسبكم هذا التفاوت بيننا... وكل إناء بالذي ينضح.
ما في مؤرخ يعدي على تاريخ القدس أو تاريخ الشام إلا ويقارن بين مذبحة السبعة آلاف مسلم لما دخلت الحملات الصليبية وبين التحرير الصلاحي الرحيم. ما يمكن أن يعبر على ذلك أحد إلا ويتوقف أمام هذا المثال؛ فوارد جدا تقول: صحيح يا أخي، خسرنا مئة سنة مثلا فيها صليبيين، صحيح احتجنا جهادا آخر، لكن إرث صلاح الدين الذي نفاخر به بقي معانا تسعمئة سنة. وصحيح ما زلنا حتى الآن ندلل للصليبيين على الفارق بيننا وبينهم، وصحيح أنه كسبنا، وإن كنا خسرنا مثلا لمدة مئة سنة مقاتلين، لكن كسبنا إلى الآن من يسلم لأنه يقرأ سيرة صلاح الدين. ممكن حد يقول كده.
لكن أنا في الآخر بقول لك: يترجح عندي أنه هذه المصالح كان أولى منها أن يكون حاسما، وألا يكون بهذا القدر من التسامح. لكن صلاح الدين كاريزما، قائد مقنع، حازم في الكثير من المواقف، هي فيها قصدي ما فيها شك؛ لأنه قد يظن الظان أننا نحكي عن متسامح لينه، فهو زلمه يعني شوية.
لا، أبو شامة يقول في نهاية كتابه، المؤرخ الذي قال يوم مات: ولقد كنت أسمع الناس يقولون: لو أن الأعمار تشترى لوهبته عمري فلا أصدق ذلك، حتى كان اليوم الذي مات فيه السلطان صلاح الدين؛ فلقد علمت من نفسي ومن الناس أنه لو قبل الفداء فيه بالعمر لفدي بالأعمار. لا، يعني فكرة أن صلاح الدين ده كان مستولي على الناس، يحبونه ويتبعونه؛ لا، هذه حالة هائلة، وكارل بروكمان جعل مسألة أن صلاح الدين كونه قادرا على أن يسيطر على اتباعه وأن يقودهم، رغم أن حياة كلها حروب، كلها حروب في بيئة كان القاده العسكريون فيها يعانون من تفلت جنودهم أو من اضطرابهم عليهم؛ لا، صلاح الدين شخصية هائلة وكاريزما عالية وكل حاجة، أنا بس بكلمك في إيه؟
في فكرة التقييم الموضوعي اللي أنت بتشعر أنها مفقودة، أنه لأنه يخرج هؤلاء الجرذان من... والله يخرجون فعلا من مكبات النفايات لكي يحاولوا إسقاط الأعلام الكبار الشامخين الذين كتبوا اسمهم في التاريخ؛ واحد زي صلاح الدين ده، يعني ده واحد كتب اسمه في صفحات التاريخ، ما حدش بعدي على التاريخ إلا ويعرف صلاح الدين. طبعا، نعم، طبعا، فلا كان شخصية هايلة، وعلى فكرة صلاح الدين كل الإنجاز اللي عمله ده مات وهو خمسة وخمسين سنة، شاب يعني. أيوه، يعني أنت أصلا أنت عمال تحكي في صلاح الدين، هتلاقي أن هو قاد الجيوش وهو واحد وثلاثين سنة، يعني كان وزيرا وهو اثنين وثلاثين سنة، وزير مصر وهو اثنين وثلاثين سنة؛ أنت بتتكلم عن شخصية فاقت أقرانها وفاقت الذين كانوا أكبر منها سنا؛ فدي شخصية هائيلة، مش شخصية بسيطة.
وعلى سيره التسامح والشدة، ما هو لما لقط أرناط هذا اللي قتل حجاج بيت الله الحرام، ما تسامح، لم يتسامح معه. صح، ولم يتسامح مع فرسان... مع الجماعات الدينية اللي هي... يعني إيه؟ الجماعات الصليبية اللي هي جماعات الدينية الصليبية كانت منفصلة، اللي هي تسمى الداوية والأسبيطارية أو فرسان الهيكل وفرسان المستشفى؛ وهو حتى ويلدورانت بيقول: لقد كان شفوقا غاية الشفقة على الناس، أما عند الأسبيطارية فقد كان حازما أو كان قاسيا، لم يتعامل معهم بالرحمة.
يعني نعم هو برضه ما كانش يعني سايبها خالص، إنما أنت قصدي أقول لك يعني بالنهاية في تقييم يحتاج إلى توقف عنده؛ فعلى كل حال أنا... يعني خليني بقى إيه أنا كنت ناوي أقول لك شويه اقتباسات من مدح الغربيين لصلاح الدين، بس عشان ما ناخدش كتير من وقت الحلقة، لو بقى فيها وقت، لكن في هذا المجلد الأول من كتاب «أروقة التاريخ» كان في بحث اتعمل، كان في مؤتمر اتعمل هنا في تركيا سنة ألفين وستة عشر في مدينة سيرت؛ مدينة سيرت هنا معروفة في تركيا بأنها مدينة اللغات الثلاثة؛ لأن فيها العرب والترك والكرد؛ وكان عن صلاح الدين؛ فكان البحث الذي قدمته بحثا عن مدح المستشرقين والمؤرخين الغربيين لصلاح الدين؛ فالكتاب طبعا متاح على الإنترنت لمن أراد أن يقرأ فيه يعني.
فأنت دلوقتي لو جئنا بقى نقول يعني قصة صلاح الدين باختصار، باختصار شديد: صلاح الدين ولد في تكريت في العراق؛ ليه ولد في تكريت؟ لأنه أبوه أيوب الأول. صلاح الدين كردي أو عربي؟ آه، ما تيجي نحسمها هي. الراجح أنه كردي، الراجح أنه كردي، تمام، وإن كان بعض الأيوبيين، بعض الأيوبيين ذكروا لهم نسبا عربيا، لكن هم ذكروا لهم نسبا عربيا لما صاروا ملوكا.
فأنت تشعر بأن فيه قدراً من الحاجة إلى تثبيت شرعية ملكهم؛ يعني أنا بتكلم دلوقتي على أحفاد صلاح الدين. لما صاروا ملوُكاً في الشام وبعضهم في اليمن، فمثلاً الراجل بتاع اليمن ده ادعى لنفسه نسباً أموياً مثلاً. العادل سيف الدين، اللي هو أخو صلاح الدين، قال: كذب فلان، لسنا أمويين؛ أو يعني الخلاصة أن في بعض الأيوبيين زعم لنفسه نسباً عربياً؛ لأن هو يحكم مناطق عربية، فالشرعية فيها للايه، وربما كان بعضهم يفكر في ذلك وقت مع ضعف الخلافة العباسية أن يكون منافساً بحيث ما يعني ما ياخدش دايماً شرعيته من الخليفه العباسي. فقصد أقول الدعوة بأنهم ذو نسب عربي دعوة فيه ما يعكر عليها.
لكن احنا كمسلمين حقيقة ما بيفرقش معانا تركي ولا عربي أو كردي؛ لأنه بالنهاية الإسلام ثبت بيقين أنه قد جاهد في سبيله، وكان من أبطاله العرب والترك والفرس والكرد والبربر والزنج وكل هؤلاء، والالبان والارناقوط والشركس؛ كل هؤلاء جاهدوا في سبيل الإسلام ولم تكن الفكرة القومية حاضرة عندهم. نعم. وعلى فكرة استاذ محمد هي هي مالها قيمة عنا، زي ما تفضلتم؛ يعني هو نحن بس بنحكيها، بنجاوب عليها بس؛ لأنه الذبابة الإلكترونية هي قاعدة ونحاول نمسكها من إيدها، بنقول لها: تعالوا ندرس تاريخ، نروح نمشي على التاريخ. لا لا هي قاعدة، بدكم تجاوبوني هو صلاح الدين عربي ولا كردي بعدين تحرك للتاريخ! ما هو مالهاش قيمة، هي مجرد معلومة؛ الرجل المسلم ينتمي إلى. ولم ولم يكن في أذهان هؤلاء القوم في ذلك الوقت أن ده بيعمل مجد للأكراد أو للكرد، ولا ده بيعمل مجد للترك؛ ولا هؤلاء قوم كانوا يفهمون الحياة أنه الحياة دين، فهم مسلمون ضد هؤلاء الفرنجه، ضد هؤلاء الكفار.
طيب هو ليه قلنا ولد في العراق؟ ولد في العراق لأن أباه، اللي هو أيوب، كان والياً على قلعة. هذه، اه هذه القلعة طبعا هم زمان البلدة أو البلدة الصغيرة كانوا يسمونها قلعة أحياناً. ف هذه القلعة كانت كان حصل إيه؟ كان حصل حكاية لطيفة كده أن عماد الدين زنكي، اللي احنا ذكرناه في حلقة الحروب الصليبية، وهو يؤسسه لنفسه ملكاً، دخل في اشتباك أحياناً مع الخليفة العباسي في ذلك الوقت. طيب لما دخل في اشتباك مع الخليفة العباسي وهزم مرة أمام جيوشه، لجأ إلى هذه القلعة، فأغاثه أيوب. أغاثه أيوب وكان معه في القلعة أخوه أسد الدين، أو اسمه شيركوه لقب أسد الدين؛ فأغاثوه ودبروا له الفرار يعني وفروا له المركب اللي هي يعدي عليها النهر ونهر الفرات ويكمل، فأفلت بهذا من يد الآيه من يد الخليفة وبيدي سلطة بغداد؛ هم السلاجقه كانوا وقتها. كانوا السلاجقه نعم. وعلى هذا النحو اللي احنا حكيناه اللي كان بينهم مشاكل واضطرابات، وكان ساعتها الخليفة بدأ يحاول أن هو يعني يسلك ضمن هذه الاضطرابات لكي يكون يستعيد قوته مرة أخرى.
فالمهم السلطة في بغداد كان ساعتها بقى في وزير اسمه الوزير بهروز، كان أيضاً واحد من اللي بيحاولوا يستعيدوا سلطة الخلافة. المهم بهروز لما وجد هذا الأمر، استغل حادثة حصلت هناك وانه نزاحة وقع بين أسد الدين، فأصدر قراره بعزل أيوب. وبإخراجهم من القلعة. ومش أصدر القرار بذلك (بهذا وفقط)، لا جاء بجيشه أمام القلعة وقال: إن لم تخرجوا الآن، إن لم تخرجوا حتى الصباح هاجمت القلعة. فطبعا كان لابد من الخروج؛ لأنه لا يمكن يواجه جيش بغداد وهو ايه صاحب قلعة بسيطة. يعني هو طلب من نجم الدين من أيوب وشيركوه أن يخرجوا؟ أن يخرجوا. أيوه هو عزلهم وينفذوا قرار العزل الآن؟ معهم معهم الليلة مش معهم 24 ساعة يعني؛ معهم الليلة لكي يخرجوا.
هو مما علق في ذاكرتي أنه السبب كان أنه أسد الدين شيركوه قتل جنديا اعتدى على امرأة. يقال هذا نعم، اعتدى على امرأة مات يعني. الحكاية بقى إيه مش مفصلة؛ أنت عارف بدايات الدول دي بتبقى دايما غامضة؛ لأنه ما حدش عارف إيه اللي هيحصل بعدين. ولما بيحصل بعدين وبتصبح هذه الدولة ذات أثر، نروح نقلب ونفتش هم جابوا منين وكان جدهم عامل ايه؟ يعني أنت عثمان مثلاً هو مؤسس الدولة العثمانية. ما نعرفش عن عثمان حاجة كتير؛ هي بالكتير المعروف عن عثمان يملى سطر يملى صفحة واحدة في كتاب تاريخ. لكن مش معروف عنه؛ لأنه عثمان إذا لم ينجب هؤلاء السلاطين العظام ولم يتحول نفسه إلى خلفاء، كان مجرد والي من ولاة المدن الموجودة في الاناضول. مين هيفكر؟ يعني أنت دلوقتي احنا عرفنا مثلاً أن عثمان فتح بروسة مثلاً؛ طيب أنت عارف مين كان والي سيواس ساعتها؟ ما حدش يعرف! فأنت في الآخر قصدي أقول البدايات دي بدايات إيه غامضة يعني. فالخلاصة أنهم إيه اضطروا إلى الخروج. وتدبير الله للمرء خير من تدبير المرء لنفسه؛ لأنه أيوب مهما بقي في حوزه الخلافة العباسية ساعة إذ ما كان ليكون إلا أمير في الآخر أو أمير قلعة.
لما خرج أيوب وأسد الدين أخوه شيركوه، لحقوا بعماد الدين زنكي، اللي هم كانوا ايه قد أنجدوه قبل ذلك، وكان يعني قد تمكن في حكم الموصل؛ فحفظ لهما هذا الصنيع والجميل، وضمهما إلى جيشه. سبحان الله. ومش بس ضمهما إلى جيشه، اكتشف فيهما قدرات هائلة لدرجة أنه ما صار النخبة الأولى من من القادة. فصار أسد الدين شيركوه هو قائد جيشه وقائد جيش ولده من بعده نور الدين. وصار نجم الدين أحد ولاته على المدن، ولاة قل مدينة بعلبك، اللي هي في لبنان الآن. تمام. طيب، فهنا في هذه الأجواء بدأت الأسرة الأيوبية تبقى إيه رفيقة أو موالية للأسرة الزنككية.
صلاح الدين في فترة شبابه، غالب فترة شبابه كانت في دمشق؛ لأنه تنقل أبوه بقى بين نور الدين وبين معين الدين أونر بتفاهم، فكان رئيساً لجيش دمشق ولشحنة دمشق. فصلاح الدين نشأ في دمشق، وورد عنه أنه كان يقول: دمشق أحب بلاد الله إليه. فكان متأثراً بدمشق، وحضر حصار بعلبك صلاح الدين، وفيما بعد صار رسولاً بين دلوقتي الابن في دمشق والعم في حلب مع نور الدين، وكلاهما في سلطة نور الدين بعد أن جرى توحيد دمشق وحلب؛ وهو يعتبر توحيد الشام الأمر الذي انجزه نور الدين. هنا أول بروز لصلاح الدين؛ طبعا صلاح الدين في ذلك الوقت لا يعرف عنه شيئاً حقيقة إلا قليلاً يعني؛ اه كان محباً للدين، وكان محباً للعلماء، وطبعا صلاح الدين يعني يروى عنه أنه كان متفقهآً وكان عالماً بالسير والانساب، وله قصيدة في منظومة عقدية كده، وكان شافعي المذهب؛ فقصدي أقول هو يعني كشخص تشعر أن نشأته نشأة دينية، لكن حيث أنه وجد في هذه الأسرة فتولى أيضاً بعض المناصب في دمشق.
لكن يبرز متى يا صلاح الدين؟ يبرز وهو عنده 28 سنة، لما أصر عمه أسد الدين شيركوه أن يصطحبه إلى مصر. احنا قلنا في حلقة الحروب الصليبية أن نور الدين وحد الشام، وحصل سباق بين المسلمين الزنكيين دلوقتي وبين الصليبيين على مصر؛ ومصر من ناحيتها كان فيها فوضى، كان فيها اختلاف واضطراب بين الوزراء؛ فوزير اسمه شاور رايح يستنجد بالزنكيين، ووزير اسمه درغام رايح يستنجد بالصليبيين. فحصل سباق بين الصليبيين وبين المسلمين على مصر. السباق ده نور الدين أرسل جيشاً قائده أسد الدين شيركوه ومعه وابن أخيه صلاح الدين. دي بقى بداية بروز صلاح الدين؛ صلاح الدين كان عنده كام في الوقت ده؟ كان عنده 27 سنة، 28 سنة. يا سلام مش بالساتة. لا يعني 27 سنة 28 سنة، وخاض ثلاث تجارب عنيفة جداً في مصر. احنا قلنا أن المسلمين والصليبيين اصطدموا في مصر مرتين، ورجعوا منها بلا غالب ولا مغلوب. حصل حصار في بلبيس في الشرقية، وبعدين حصل حصار في الإسكندرية؛ كلاهما كلا الحصارين كانت التجارب العسكرية الأولى لصلاح الدين، أبدى فيها بسالة، أبدى فيها كفاءة، أبدى فيها ذكاء.
المهم هو كان يعني مقرباً من عمه أسد الدين شيركوه؛ فلما تولى أسد الدين شيركوه الوزارة (بعد ما قتله شاور بعد بقى الأحداث التي ذكرناها)، والعاضد أراد أن يجذب إليه هذه النخبة المقاتلة؛ فولى أسد الدين الوزارة، وزارة مصر في ذلك الوقت؛ يعني سلطان مصر على الحقيقة، رئيس الوزراء. رئيس الوزراء نعم، رئيس الوزراء والمفوض الفعلي؛ يعني الحاكم الفعلي. كان الخليفة له الشروراف وله الوجاهة وله الكنوز، لكن الذي يدير الأمور فعلياً هو أسد الدين شيركوه. طيب، أسد الدين قضى في الوزارة شهرين أو ثلاثة ومات. سبحان الله. فجاءت الوزارة لصلاح الدين وهو 31 سنة. 31 سنة فقط؛ يعني 31 سنة كان حاكماً لمصر. طبعا والوزارة ما بتيجي لواحد أي كلام؛ طبعا اكيد كان مقنعاً، وكان يعني شغل و يعني بدون أدنى شك. وفيه زيادة على ذلك بأنه يغلب على الظن أنه أيضاً الخليفة الفاطمي في مصر أراد أن يجتذب هذه القوة؛ يعني دلوقتي أنت عندك أسد الدين شيركوه أنت متاكد أن ولاءه التام لنور الدين؛ ده واحد عاش معه سنين، وحرر معه مساحات الشام وخاض معه حروب الصليبيين؛ فانت متاكد أن أسد الدين ده، اللي هو أوشك على الستين، عاش منهم في مصر خمس ست سبع شهور، ولاءه لنور الدين. لكن صلاح الدين الشباب 32 سنة، ده اللي ما عاش مع نور الدين كتير، وارد جداً أنك إذا اجتذبته إليك يكون قوة للدولة العبيدية الفاطمية، ووارد جداً ما يفكرش في إزالة الدولة العبيدية الفاطمية.
اه دلوقتي مش أقول لك أنت لما تحب تختبر أخلاق حد ادي له منصب! صح ولا لا؟ أغلب الناس تسقط في هذا الاختبار؛ اختبار المناصب، اختبار الرئاسة؛ ده اختبار هائل، آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرئاسة. يا سلام نعم. فلذلك الخليفه الفاطمي العبيدي اختار صلاح الدين مع أنه كان أصغر القيادات العسكرية الموجودة، فاختاره وضمه إليه.
طيب ومن ناحية أخرى، من ناحية أخرى نور الدين برضو ما يعرفش صلاح الدين؛ يعني احنا دلوقتي احنا بنعرض التاريخ بموضوعية. أنا عارف أسد الدين ومجربه، وخدنا مع بعض حروب، أنا عارف أسد الدين، لكن صلاح الدين ده أنا ما اعرفوش، ولم يعني لم ناخذ حروباً؛ فوارد جداً جداً أن يطوف بخياله أن يستقل بمصر! ودي مصر؛ إذا كان الواحد لما بيبقى والي على مدينة وسيطة أو مدينة صغيرة يقاتل عنها ويريد أن يستقل بها. اه، ما هو دقيقة شوي استاذ محمد؛ لو واحد بيمر من جنب التاريخ وسمعك بتحكي هالكلمتين بقول لك: أوبا شو اللي بتشكوه؟ كيف يعني نور الدين ما بيعرف صلاح الدين؟ نحن اللي فهمينه طول عمرنا أنهم يعني بالعكس نور الدين هو اللي ودى صلاح الدين وتراسل معه وضبط له الأمور، مهد له الطريق إلى آخره. قصدي بدها هيك بس تفسيرة سريعة بجملتين.
الفارق بين نور الدين وبين صلاح الدين أكثر من 20 سنة. حلو. تمام؛ فنور الدين ده كان قائده أسد الدين شيركوه. فاللي رشحه يطلع معه أسد الدين. اه، نور الدين ما مش فارقة معه مين، ووارد برضه يكون عارفه وهو كلفه قبل ذلك برسائل وكل حاجة، بس مش الشخصية اللي أنا أضمن ولاءها ضماناً كاملاً بالذات في مهمة خطيرة زي مهمة حكم مصر. فلذلك نور الدين.
هنا حصل توافق بين الطرفين؛ صلاح الدين أرسل يطلبه من نور الدين أن يرسل إخوته وأباه إليه الأيوبيين ينضموا إليه؛ لأنه أنا ما زلت في يعني نظام قديم، الدولة العبيدية دولة دولة عميقة، في دولة عميقة لا أستطيع أن أملك الأمور بنفسي. وبعض الأمراء اللي كانوا موجودين في العسكر الشامي لما راوا أن الخليفه اختار صلاح الدين، راحوا تركوا مصر وذهبوا إلى الشام، لم يرضوا أن يتولى عليهم هذا الفتى الصغير. فبالتالي حصل حاجة متبادلة بين أن نور الدين يرسل نجم الدين أيوب أبو صلاح الدين وإخوته الأيوبيين؛ علشات يتمهد حكم مصر ويجد صلاح الدين لنفسه قوة. ومن جهة أخرى علشان برضه هو أعرف بنجم الدين من صلاح الدين؛ نجم الدين برضه خاض معنا خوضاً كبيراً في الجهاد، وهو أحد أسباب فتح الشام لنور الدين. مع وجود الخطر أن الأسرة الأيوبية دي تستقل بحكم مصر.
شوف دايماً الحسابات، وبالذات حسابات السياسيين، فيها الآيه؟ فيها المخاطر دي؛ كل حاجة لها مزاياها ولها مخاطرها. فصحيح جاء نجم الدين أيوب، وجاء إخوته صلاح الدين وصاروا يمثلون كتلة. من جهة أخرى الخليفة العبيدي الفاطمي بمجرد ما جاء الأيوبيين أغدق عليهم بالولايات والمناصب والأموال رجاء في أن إيه ينزعهم من نور الدين لكي يكونوا مع صلاح الدين.
وهنا يا مولانا لو أنت باصص على المشهد، خلينا نقسم المشهدين؛ لو أنت حط نفسك مكان نور الدين: نور الدين الان حقق إنجازاً هائلاً، عاش عمره كله في توحيد الشام خلاص، والان حقق إنجازاً هائلاً في توحيد الشام؛ الشام ومصر بقت مصر كمان ايه تابعة له. إلا أن يطوف بأذهان الأيوبيين الاستقلال بها! ده الخطر الهائل بقى، ده الخطر الكبير. ما هو احنا مستنيين الخليفة الفاطمي يموت عشان نوحد؟ ولا مات وخلاص؟ ليه وليه يموت، احنا عايزين نخلعه. اه بدنا نخلعه. ليه يموت أيوه احنا عايزين نوحد هذه.
الدولة العبيدية التي هي أصلاً على عقيدة باطلة، وهذه التي قسمت وحدة المسلمين، واحنا تبع الخلافة العباسية السنية، وبالتالي أحد ضرورات؛ يعني أحد مطالب الدين وأحد مطالب الدنيا؛ إزالة هذه الدولة الضعيفة.
فدلوقتي نور الدين عمل كل ما في جعبته لكي يتحقق التحاق مصر بالشام، وإزالة الدولة العبيدية الفاطمية، ووحدة المسلمين تحت الخلافة العباسية السنية التي مقرها بغداد.
طيب ده كده من وجهة نظر نور الدين إيه الخطر الهائل أمامه؟ أن الأيوبيين تحلى في عينيهم مصر ويستقلوا بها. طب هو ليش ودى له أخوته لصلاح الدين؟ ما هو لأنه في نظام قديم، صلاح الدين لوحده مش هيعرف يعمل حاجة مع دولة، اقتنع نور الدين فودى له؛ اه اقتنع، هي ضرورة مع شوية شكوك. هي ما هو هي ضرورة، أنت لازم تخلي صلاح الدين يعرف يمسك البلد ماشي، بعدما تمكن فيها لأنه في دولة عميقة في يعني في إداريين، في جيوش بحب الحكمة، أنا بحب الحكمة. حلو، ودى لأخواته واشتغل ودى لأخواته علشان يعرف يتمكن من الحكم فعلاً.
طيب صلاح الدين من ناحيته الوضع كالاتي؛ أقصد الخليفة الفاطمي بقى من ناحيته الوضع كالاتي: الأيوبيون دول أن يكونوا وزراء في دولتي وسادتها وقادتها أحب إلى أي إنسان من أن يكونوا مجرد أتباع موالين لنور الدين. يعني دلوقتي إيه الترتيب البروتوكولي لصلاح الدين في الدولة الفاطمية؟ الراجل رقم اثنين رسمياً، رقم واحد عملياً. إيه الترتيب البروتوكولي بتاعه لو هو في دولة العباسيين؟ مجرد والي من ولايات نور الدين، اللي هو والي من ولايات الخليفة العباسيين، أي واحد يختار إيه؟ أن تبقى أنت رأس الخلافة العملية الموجودة في مصر الغنية، ولا تبقى أحد ولاة الخليفة العباسي؟ فالخليفة الفاطمي أيضاً وكذلك دولته العميقة أغدقوا على الأيوبيين بهذا لكي يجتذبوهم من الولاء للخلافة العباسية والولاء لنور الدين: وخليكم سادة مصر.
أنت مش خايفين منهم لهالدرجة يعني قصدي هم مين؟ اللي هم الفاطميين، مش خايفين من الأيوبيين يعني بيقربوهم بيعطوهم مناصب؟ هو الدولة الفاطمية عايشة خمسين سنة فاتت في صراعات بين الوزراء والخلافة ضعيفة، فكل وزير بيجي بيتخانق مع غيره وبيقتله، وبعدين يجي غيره ينقلب عليه، احنا عايشين زمن هائل من الانقلابات، فالخلافة الفاطمية مش قادرة تعتمد على عنصر محلي، العنصر المحلي ده خلاص فسد وبينهما منازعات، وزي ما قلنا واحد راح لنور الدين والثاني راح للصليبيين وجوم اتخانقوا في مصر وتحاربوا في مصر. فهو لقى دلوقتي كتلة قوية فرسان يقدروا يتصدوا للفرنجة ويقدروا يجددوا شباب الدولة لو أنت بتبص من وجهة نظر الفاطميين.
فهو مطمن كتير لصلاح الدين؟ هو مش مطمن قوي هو عمال يغدق عليهم بالأموال علشان لا؛ علشان يفضلوا أن يكونوا رجال الدولة الفاطمية ووزراءه ولا يكونوا اتباع نور الدين.
فبالتالي هذه الفترة؛ يعني هذه الفترة كانت فترة إيه بقى؟ حصل فيها هذا الخلاف بين نور الدين وبين صلاح الدين.
إزاي الخلاف بين نور الدين وبين صلاح الدين؟ معلش خليني أقول لك إيه سر كده يفهمنا الموقف. الخلاف ده رواه اثنين شهود عيان، مؤرخين يعني. بالميسبة بعض الباحثين يرون أنه من حسن حظ صلاح الدين أن عصره كان فيه مؤرخين ثقال، فلذلك سيرته واضحة، فلذلك هو أشهر من كثير من الملوك الآخرين الذين لم يتوفر لهم مثل هؤلاء المؤرخين؛ يعني حتى أن اظن الدكتور نظير إحسان سعداوي له كتاب اسمه المؤرخون المعاصرون لصلاح الدين، عندك خمسة من أعمدة التاريخ العربي وثلاثة من أعمدة التاريخ الصليبي كلهم عاصروا صلاح الدين.
فاحنا نقرا عنه واحنا مطمنين في معلومات كتير؛ يعني أنت عندك ابن أبي طيء له كتاب اسمه كنز الموحدين في سيرة صلاح الدين، ده حلبي شيعي. وعندك ابن الأثير المؤرخ الضخم اللي هو صاحب الكامل في التاريخ، وعندك بعد and كده بهاء الدين بن شداد ده كان قاضي العسكر مع صلاح الدين له النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، وعندك القاضي الفاضل قاضي صلاح الدين وكاتبه وأثيره والمقرب منه وقلمه سيال، وعندك العماد الأصفهاني اللي كان أيضاً كاتب لصلاح الدين وكان نائب للقاضي الفاضل وله كتاب الفتح القدسي في الفتح.
فعندك إيه المهم؟ الخلاف اللي بين نور الدين وبين صلاح الدين ده في مشكلة؛ أو يعني هو السر اللي هقوله لك دلوقتي: ابن أبي طيء المؤرخ الشيعي الحلبي أبوه كان من كبار الشيعة ونور الدين لما سيطر على حلب أقصى أو يعني نشر السنة وأقصى الشيعة، وكان ممن نفاه؛ نفى أبا ابن أبي طيء هذا. فرواية ابن أبي طيء حافلة بحب صلاح الدين وبالازدراء على نور الدين، فدلوقتي هو إيه بيصل في الخلاف ويعمقه وينحت فيه إلى صلاح الدين، عكسه بقى المؤرخ الآخر المناظر له اللي هو ابن الأثير، ابن الأثير ده موصلي من الموصل والموصل ظلت في حكم الزنكيين قرن ونص، فنشأ في ظل الزنكيين فبيشرح الخلاف لكن مشكلته منحاز لنور الدين ضد صلاح الدين، لأن صلاح الدين أزال الدولة الزنكية أيضاً فيما بعد.
فبالتالي لدينا مؤرخين؛ المؤرخين الاثنين بيؤكدوا الخلاف، وواحد منحاز لصلاح الدين وواحد منحاز لنور الدين، البقية يعني لم يذكروا كثيراً في هذا الموضوع. فيذهب بعض الناس إلى القول بأنه حقيقة لم يحدث خلاف، ولكن انحيازات الجماعة المؤرخين دول زودت الموضوع كده، ويحيى يعني رشت الملح على الجرح زي ما بيقولوا، فبالتالي ظهروا كأنه الخلاف كبير. ففي ناس بتقول تقول كذا، ويجوز لأن هو لم يحدث يعني لم يحدث شيء يؤكد لك أن الخلاف حصل، ولكن أنا برضه مما يعني أميل مع من قالوا وأرجح من قالوا، لا، إنه كان في خلاف، وخلاف طبيعي، لكن لم يبلغ أن يكون صداماً ولم يبلغ أن يكون حقداً وحسداً.
طيب إيه الخلاف ده؟ الخلاف ده ببساطة: نور الدين صار أمامه سؤال: صلاح الدين ده ما زال على ولائه وما زالت مصر دي تابعة للشام؟ ولا صلاح الدين مصر حليت في عينيه وناوي يستقل بها؟ ده السؤال بتاع نور الدين. طيب ما دليل أن صلاح الدين ما زال على الولاء؟ أنه يلغي الخلافة الفاطمية ويسقطها ويعيد الوحدة، وأنه يتعامل معي كما يتعامل مع كما يتعامل معي والي من ولاة؛ المواضيع المهمة يبعت لي ياخد رأيي، لما أبعت له حد أنا قادر على إقامته أو عزله، ده المشهد بالنسبة لنور الدين.
طب بالنسبة لصلاح الدين؟ صلاح الدين يرى أنه ما زال أنا في أول الدولة والحكم لم يتمهد لي بعد، والأقدام على إسقاط الخلافة العبيدية الفاطمية قد يصنع مشاكل أكثر مما أتقوقع ومما أحتمل، وأنا الآن في حال صعبة للغاية، خصوصاً وانه فعلاً صلاح الدين بمجرد ما تولى الوزارة حصلت حملة صليبية مش مذكورة قوي لأنها فشلت سريعا، تحالف فيها الصليبيون مع البيزنطيين ضد صلاح الدين وهاجموا دمياط وظلوا محاصرين لها، وكانت حملة خطيرة لأنه البيزنطيين كانوا حلفاء للفاطميين، فمش عايزين توازن القوة اللي في المنطقة يختل.
فصلاح الدين كان له دور بإفشالها؟ اه، هو الذي أفشلها، هو كان وزير مصر في ذلك الوقت. بس الخلاصة هنا إيه؟ أنه أنا دلوقتي لابد من أن يعني أؤجل خطوة إلغاء الخلافة وخلع الخليفة، علشان أنا مش عايز مشاكل إلى أن تتمهد لي الأمور.
هذا لأنه نور الدين قاعد بيطلب من صلاح الدين أنه الغي؟ بالضبط بمجرد ما صار وزير. إي نعم. وصلاح الدين بده شوي شوي؟ بالضبط بهذا الشكل.
والحاجة الثانية: المصريين دول، أنت بقى لو حطيت نفسك مكان واحد مصري عايش تاريخ مصر في دماغه في ذلك الوقت، فمصر دي احنا كنا خلافة فاطمية يا جماعة، والشام دي كانت تبعنا، ده احنا ضعفنا عن الشام والصليبيين خدوا مننا الشام واحنا ضعفاء، فيكبر بروا على نفس الناس أن مصر اللي طول عمرها المدينة العليا التي تحكم الشام طول عمرها دي يعني من أيام ما استقلت الدول؛ يعني من أيام الطولونيين والأخشيديين وبعدها الفاطميين، مصر هي التي تحكم الشام مش الشام التي تحكم مصر، فالعقل المستقر عند المصريين أن مصر أكبر من أن تكون تابعة للشام، احنا ممكن نتوحد معها توحد الأكفاء الانداد أو نحكمها احنا، عارف أنت لما زي كده بهزر مع إخواننا السودانيين أحيانا، أهزر معاه أقول له إيه: يا اخي أصلاً السودان دي أرض مصرية، ألاقيه زعل وانزعج، دايماً أقول له طب خلاص ما تزعلش، مصر أرض سودانية، يعني أنا عمّاله يعني أذكر فكرة أن الوحدة الإسلامية أهم، سواء دي أرض مصرية ولا دي أرض سودانية مش مشكلة. بس عايز أقول لك لا، في جروح وفي مناطق موجودة عند كل الناس، فالجماعة المصريين دول من أيام عمر بن العاص أول ما فتح مصر قال: بلد جامع يعدل الخلافة مصر.
فأنت دلوقتي عايز تقول أن سلطان مصر بقى والي من ولاة نور الدين، زي كده الأمير بتاع حمص والأمير بتاع حماه والأمير بتاع بعلبك؟ دي ما تمشيش مع العقل المصري؛ فصلاح الدين يخشى فعلاً أن نصل لمرحله صدام مع نور الدين يساوي أن نور الدين يعزل صلاح الدين، فعزل صلاح الدين هذا يسبب فعلا انقساماً، أن المصريين لا يقبلوا أن يكونوا ملحقين ولا تبع، لطبيعة تاريخية. احنا دلوقتي مش بنقول ده صح ولا غلط.
فهذا هو يا مولانا أصل الخلاف بين كلا الطرفين له وجهة نظر. لكن هل فعلاً صلاح الدين حدث نفسه بأنه يكون هو السلطان وأنه فعلاً يستقل؟ وصفنا والله ما في النفوس لا يعلمه إلا الله، عايز تقول ممكن يكون فكر في كده ممكن، يعني صلاح الدين في النهاية بشر، بس ما فيش شيء مكتوب. لا لا ما فيش حاجة، ما فيش حاجة مكتوبة، لأنه حقيقة هو نور الدين استدعى صلاح الدين إليه مرتين، في المرتين وقع شيء منع لقاء صلاح الدين بنور الدين، المرة الأولى حصلت حصل تمرد من فلول النظام القديم بتاع الدولة الفاطمية، والمرة الثانية أبو صلاح الدين كان في مرض موته فعاد صلاح الدين، وفعلا لم يصل إلا لما كان أبوه قد مات، ففي المرتين ما حصلش التواجه اللي هو بين نور الدين وبين صلاح الدين.
العام اللي بعده نور الدين مات، سبحان الله. فهو هذه المواجهة لم تحدث، فبالتالي صلاح الدين احنا قلنا أنه الغى الخلافة الفاطمية فعلاً، وخليفتها اللي هو العاضد بالله آخر واحد مات بعد ثلاثة أيام فقط من خلعه، ولم يكن يعرف أنه كُلع لأنه كان في مرض موته، اه إذاً أول شيء خلع وبعدين توفي بعدها بثلاث أيام، مش العكس، لم يكن يعرف أنه خلع. من إجراءات صلاح الدين هو أنه إيه لم يسمح لأحد أن يدخل عليه إلا حرمه وأهله.
فصحيح حصلت الوحدة اهو بين مصر والشام، لكن بقيت الإشكال: هل صلاح الدين والي نور الدين على مصر؟ ولا صلاح الدين سلطان مستقل بنفسه على الحقيقة؟ هو ده الإشكال.
بعدين لما مات نور الدين ونور الدين كان قد تاخر انجابه فلم يمت إلا وخليفته من بعده أو ولده كان عنده 11 سنة فقط، فلما بقى عنده 11 سنة فقط هنا صار هذا الولد الصبي تقدر تقول ألعاب بين يدي أمراء نور الدين، وأمراء نور الدين وقع بينهم الانقسام من جديد، كل واحد فيهم يريد أن يكون هو صاحب الوصاية وصاحب الولاية على الصالح إسماعيل اللي هو ابن نور الدين، وحصلت بينهم مؤامرات، وفي مؤامرة كده أخرجوه من دمشق التي هي قاعدة الملك إلى حلب، علشان يبقى في مع قوم آخرين، وبدا أن الشام التي توحدت وتوحدت معها مصر دخلت في طور آخر من التفتت، لأن هؤلاء الأمراء لما تنافسوا على الملك تقسمت البلاد وبعضهم استعان بالصليبيين ضد الآخرين، فكأن ما بناه نور الدين يوشك الآن مع هذا التنازع والتفرق أن ينهار.
فساعة إذ رد صلاح الدين الجميل إلى نور الدين أو نقول ردت مصر الجميل إلى الشام، فخرج صلاح الدين بجيشه لكي يسيطر من جديد على منطقة الشام، ولكي يزيح ويقصي هؤلاء الأمراء الذين تقسموا وتفتتوا وتحاربوا وبعضهم صار يحالف الصليبيين.
احنا دلوقتي مثلاً أقول لك على حاجه؛ يعني مثلاً سنة 567 هجرية جرى إلغاء الخلافة الفاطمية العبيدية جميل، 569 في أولها كده في محرم مات نور الدين. من 569 يعني صلاح الدين عنده دلوقتي 35 سنة، تمام صلاح الدين مولود 532 عنده كده 37 سنة. مولود 532 احنا دلوقتي 569 عنده 37 سنة.
منذ هذه اللحظة صلاح الدين سيقضي حوالي 10 سنوات، 10 سنوات في توحيد الشام مرة أخرى، وبعدين توحيد الجزيرة الفراتية اللي هي شمال العراق وشرق تركيا الحالي، ويوطد مملكته اللي هتبقى موجودة في مصر وفي برقة في ليبيا وفي اليمن والحجاز والجزيرة الفراتية والشام، مساحة شاسعة، مساحة شاسعة طبعا مساحة شاسعة وأخذت وقتاً وجهداً كبيرين وطويلين، ثم سيتوجه، ثم يعني مش ثم بقى يعني مش حاجة مرحلة وبعدها مرحلة لأن المراحل دي متداخلة، يعني في ظل هذه المراحل كان شوية بيهادن.
الصليبيين شوية بيهادن هؤلاء الأمراء وبيحصل تحالفات بين الصليبيين وبين الأمراء عليه. فانت داخل في شبكة من الأحداث والمعارك شملت كل هذه السنوات حتى تصل إلى المعركة الفاصلة اللي هي معركة حطين سنة 583 هجرية. يعني انت عندك حوالي 13 أو 14 سنة من بعد 569 إلى 583 وصلاح الدين في محاولة توحيد الشام وتوحيد الجزيرة الفراتية وتوطيد مملكته ومواجهة الهجمات والغارات الصليبية.
انت أصلا لما بتقرأ المعارك دي بتتصدع من كثرتها ومما فيها. وفوق هؤلاء يعني مش بس عندك أمراء ومش بس عندك صليبيين، عندك الحشاشين. الحشاشين الجماعة المنظمة المعتصمة بالجبال، كان ساعتها عليهم قائد مشهور أيضاً في التاريخ رجل قوي اسمه رشيد الدين سنان. رشيد الدين سنان كادوا يغتالوا صلاح الدين مرتين، جرح في اغتياله.
في واحدة منهم جرح في وجهه وكان وجهه يسيل دماً. هو الحشاش ضربه على راسه بس لأن صلاح الدين كان متحفظاً فكان دائماً يرتدي الخوذة، فلم تصنع شيئاً. ضربه الخنجر في الرأس فسحبها على وجهه فشج وجهه، ثم وثب الثاني ثم الثالث، قصة يعني. وكان هذا وهو يحاصر حصناً.
طيب صلاح الدين الآن هو هيك بيكون ازال كمان أيضاً الدولة الزنكية في الشام. وبعد شوية في الموصل والجزيرة العراقية وبعدين صار عنا شيء اسمه دولة أيوبية. هيك ظهرت الدولة الأيوبية. في أي سنة نعتبر أنه الدولة الأيوبية... عايز تقول من 567 اللي هو من بدايتها في مصر ماشي، عايز تقول من 569 و70 بدايتها في الشام ماشي، يعني هي ظهرت بهذا التدرج في كل منطقة دخلت في ظل الأيوبيين في مرحلة مختلفة.
طيب دلوقتي الحالة الصليبية كالاتي؛ الحالة الصليبية أيضاً كانت ذهبت إلى حالة من الضعف ومن الملوك يعني ملك اثنين ورا بعض ماتوا هم شباب وصغار عند الصليبيين. وبعدين ذهب الملك إلى ملك شاب يسمى الملك المجذوم، شاب ولكنه كان مصاباً بمرض الجذام، مرض يتساقط منه الجلد. فهذا الملك كان ذكياً وشجاعاً لكن لم يعمر طويلاً لتساقط جلده. وبعدين صار يذهب الملك إلى صبية يأتي عليها أوصياء، فالصبي ده الوصي عليه أمه مثلاً، طب علشان أمه ما ينفعش تبقى وصية فإما أنها بتجوز واحد أو إنه بيجي واحد من قرابته يبقى هو الأرشد يكون وصياً على الملك.
هذه الاضطرابات أتاحت ظهور الشخصية المجرمة الشهيرة جداً في التاريخ وهي شخصية أرناط، اللي هو الفارس الفرنسي رينو دي شاتيون. رينو دي شاتيون ده واحد جاء في الحملة الصليبية الثانية، ولكنه أسر وظل موجوداً في سجن حلب يمكن 15 سنة أو أكثر. وخرج في ظل صفقة بين أمير حلب الوصي على الصالح إسماعيل وبين الصليبيين ضد صلاح الدين. يعني في تامرهم على صلاح الدين أخرجوا أمراء صليبيين كانوا موجودين في الأسر بدون فداء، بل دفعوا هم أيضاً أموالاً مقابل إنه الصليبيين يتحركوا علشان صلاح الدين يفك حصاره عن حلب.
رينو دي شاتيون ده كان هو السبب في الوصول إلى المعركة الفاصلة اللي هي معركة حطين. ازاي؟ هذا الرجل كان شرساً. هو فكرة أنه فارس وقوي ومقدام وكل حاجة دي ثابته، إنما شرس ما عندهوش أخلاق وما عندهوش حسابات. فالراجل ده من زمان من أيام ما كان قبل أن يؤسر تزوج أرمله والي أنطاكيا الذي قتله نور الدين في الحرب. فلما تزوج أرملته صار هو الوالي على أنطاكيا، فعشان عايز فلوس وعشان عايز يتمدد بغض النظر بقى عن القدس وبيت المقدس، فراح عمل ايه؟ نهب الكنيسة الشرقية في أنطاكيا وشن حمله على قبرص اللي هي أصلاً في حوزة الدولة البيزنطية. فالمهم أثار ثورة هائلة إلى أن أسر فكبت شره قليلاً.
فلما خرج من الأسر في الصفقة اللي احنا بنقول عليها دي، تزوج أرملة أمير الكرك فصار أميراً على الكرك. طب الكرك دي منطقة كده حيوية وحساسة، المنطقة دي ماسكه كده الطريق بين الشام وبين مصر، وبين الشام وبين الحجاز، وكذلك حتى بين الحجاز وبين مصر. فالراجل ده قاعد ما بيهداش وما عندهوش اعتبارات سياسية، فهو قاعد هنا يعتدي على الحجاج، ممكن يعتدي على القوافل التجارية، فكر في أن ينشئ قوة بحرية وفعلاً أنشأ قوة بحرية عند ميناء العقبة. فكر في مهاجمة المدينة المنورة ونبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم وفي هدم الكعبة، وقوته البحرية وصلت إلى ميناء عذاب، ميناء في جنوب البحر الأحمر.
فصار يمثل خطراً على التجارة وعلى الحجاج وعلى المدن المقدسة مكة والمدينة. هذا الرجل كان سبباً في انهيار كل الهدن التي طلبها الصليبيون أو وافق عليها صلاح الدين بين المسلمين والصليبيين. ولأنه في أزمة في الحكم مع الملوك الضعاف والمرضى، فأرناط كان خارج كل الاتفاقيات، ما حدش قادر يحجمه ولا حتى لوزنيان عارف يمون عليه. لوزنيان سياتي بعد قليل وسيكون أرناط هذا من أنصاره. لوزنيان هو أصلاً جاي من فرنسا جديد، هو ازاي جايزنيان ده ملك؟ جاء لما تزوج أخت الملك المجذوم فصار وصياً على الوريث فصار ملكاً.
فبقى عندك واحد جاي من فرنسا لسه ما يعرفش الوضع ازاي متحمس، وجد بغيته وقرينه في أرناط، والاثنين مثلوا الجناح المتطرف. الجماعه دول هم الذين مزقوا اتفاقيات الهدنة التي بين صلاح الدين. صلاح الدين حرك جيوشه، كسروا أرناط في أكثر من مرة، هاجموا قلعة الكرك، الجماعة اللي كانوا رايحين عذاب دول أسرهم وذبحهم في الحرم في يوم الهدي علشان يبقوا عبرة لمن يعتبر. ومن أسرهم في الكرك قتلهم في القاهرة. مسألة انك تعتدي على مكة والمدينة دي خط أحمر، وأقسم صلاح الدين أنه سيقتل أرناط هذا إذا ظفر به.
فلما انهارت الهدن بدأت المعركة الكبرى اللي هي معركة حطين. صلاح الدين جمع كثيراً من الجيوش وبدا يهاجم حصن طبرية، واجتذبهم إلى مكان هذا المكان يعتبر وادي كثير الحجاره والمسلمين خدوا فيه موقع استراتيجي أن عندهم الماء وأجبروا الصليبيين على أنهم يمشوا إلى الجيش مسافة طويلة. لو لم يكن أرناط أو دي لوزنيان على راس هذا الموضوع، ما كانش ممكن تحصل المعركة بهذا الشكل. لكن لما كان فيهم من الاندفاع والشراسة، هم أقدموا على الهجوم على صلاح الدين والسير وفق خطته أنهم مشيوا في الصحراء مسافة طويلة وما فيش ماء، فاستقبلهم الجيش عند حطين وكانت المعركة الهائله الكبيرة التي قضي فيها على القوة الرئيسية للصليبيين.
حطين مش هي المعركة اللي حررت بيت المقدس، حطين هي القضاء على الجيش الرئيسي للقوة الصليبية في الشرق. ابن الأثير مثلاً بيقول في المعركة دي: فمن راى القتلى ظن أن المسلمين لم يأسروا أحداً، ومن راى الأسرى ظن أنهم لم يقتلوا أحداً. بقى عندنا كم هائل من القتلى وكم هائل من الأسرى. ولسه في بينا وبين تحرير بيت المقدس كمان ثلاث أشهر. الثلاث أشهر دول عمل فيهم ايه؟ بدا هو صلاح الدين قضى على القوة الرئيسية وأسر الملك دي لوزنيان وقتل أرناط، وبدا يطوق بيت المقدس من الساحل بحيث لا تأتي نجدات من أوروبا، يمسك أول مدن الساحل وبعدين تبقى بيت المقدس كالثمرة النهائية.
ففعلا فتح عددا من الموانئ إلا مدينة صور، مدينة صور لم يستطع أن يفتحها. ليه لم يستطع أن يفتحها؟ هنا نيجي لصلاح الدين والتسامح والاسرى الذين أطلقهم بغير فداء وحتى الملك دي لوزنيان أطلقه مع التعهد بأنه لا يعود لقتال المسلمين. طبعاً كل دول أطلقوا من هنا وحنثوا بأيمانهم وبعهودهم، والجماعة صارت صور قلعة للمقاتلين الصليبيين. مع أنه أكثرهم كان يمكن لصلاح الدين أن يقتله أو أن يأسر، ولم يستطع صلاح الدين أن يفتح هذه المدينة.
وكذلك جاء إليها قائد صليبي اسمه باليان دي إيبلين. هذا القائد استطاع أن يدير دفاعاً باصلاً حقيقة عن صور، وقطع عنها صلاح الدين. هنا الوجود الصليبي لم ينتهي، ففك صلاح الدين الحصار وعاد وحاصر بيت المقدس. هنا برضو حصل من تسسامح صلاح الدين أنه مكن لفارس أراد أن يخرج باهله، مكن له أن يدخل إلى بيت المقدس ليخرج بأهله زوجته.
وأول ما دخل هرقل، اللي هو بطريرك النصارى، قال له: كويس انك دخلت بقى علشان تنظم الدفاع عن المدينه. قال له: لا ده أنا حلفت لصلاح الدين أن لا أفعل. قال: أنا أحلك من يمينك. واستطاع هذا الفارس أن يخوض دفاعاً هائلاً عن بيت المقدس أمام صلاح الدين. وفي النهاية صلاح الدين يعرض عليهم الاستسلام وهذا القائد يأبى، وكانت معركة هائله. ولما شعر أنه لا بد مهزوم، أخرج إلى صلاح الدين يطلب منه الأمان.
فقال صلاح الدين: ولما أعطيك الأمان الآن وقد استطيع أن أخذها بالسيف وقد عرضته عليكم من قبل؟ قال: والله لو لم تجبنا إلى الأمان سنقتل أسرى المسلمين اللي عندنا ونخرب الصخرة المقدسة ونقتل أبناءنا وأزواجنا ونخرج إليكم نقاتل قتال من لا يخشى الموت. فهذه كانت عقبة شديدة تسبب فيها تسامح صلاح الدين. لذلك البعض يحكي... نعم ابن الأثير يقول عن مدينة صور: وإنما الذنب فيها على صلاح الدين، فإنه هو الذي شحنها بالمقاتلين والرجال.
الْبَقِيَّة في قصة صلاح الدين أنه حرر بيت المقدس. بقيت مدينة صور فيها مشكلة؛ مثل هذه صاعقة كهربائية سارت في أوروبا، أوروبا جندت أقوى الحملات الصليبية وهي الحملة الصليبية الثالثة اللي كان فيها ريتشارد قلب الأسد الشخصية المشهورة، فيليب أوغسطس ملك فرنسا، فريدريك بربروسا ملك ألمانيا. وهذه جيوش هائلة ضخمة جاءت بعد ثلاث سنوات من تحرير بيت المقدس. هو حرر بيت المقدس 583، والحمله الصليبية دي جاءت 586.
الحملة الصليبية دي حملة صليبية فعلاً هائلة وخطيرة وقوية، ولكن أنعم الله تبارك وتعالى على المسلمين بأمر أن الجيش الأيوبي... أن الجيش الألماني الذي يعتبر من أقوى الجيوش أو أكثرها عدداً، سلك الطريق البري ولم يسلك الطريق البحري. ولما سلك الطريق البري كان على راسه إمبراطور قوي، ولكنه مع أنه كان في التسعين من عمره، هذا الرجل وهو يستحم في نهر جوكسو هنا في تركيا، إلى الجنوب من قونية، وهو يستحم في هذا النهر أصيب بنزلة برد بذبحة صدرية، المهم أنه مات فتفرق جيشه. لو تصورت الحال إذا هذا الجيش لم يتفرق، كنا سنكون أمام كارثة.
لأن صلاح الدين صد بصعوبة بالغة وهائلة الجيشين الآخرين الإنجليزي والفرنسي. فماذا حصل؟ هذه قوة هائلة جاءت وريتشارد قلب الأسد. خلاصة المسألة: صلاح الدين كل ما كان يملك من القوة بعد هذه السنين المتطاوله من الجهاد والحروب المستمرة، والتي بدأت تسبب نوعاً من التشققات في جيشه، كل ما استطاع أن يفعله هو أن يحافظ على بيت المقدس محرراً، بينما استرجع الصليبيون عدداً من مدن الساحل التي حررها صلاح الدين. خلاصة قوة الحملة الصليبية تركزت على استعاده الساحل، وكل قوة صلاح الدين تركزت على أن لا يفرط في بيت المقدس أبداً. وانتهى هذا الأمر بعد سنة ونصف وداخلين على سنتين من التفاوض بين ريتشارد قلب الأسد وبين صلاح الدين إلى هذا الحال: للصليبيين ما استعادوه من مدن الساحل، وبيت المقدس مفتوح للحجاج.
يعني لكن لم يستطيعوا أن يستولوا مرة أخرى على بيت المقدس؛ لأن صلاح الدين استمات في الدفاع عنها.
استمات تماماً، وقع صلح الرملة من هنا سنة 589، بعد شهور مات صلاح الدين رحمه الله بعد شهور، وهو في الخامسة والخمسين من عمره. مات في دمشق طبعا، ودفن في دمشق، نحن قلنا الرجل حقه الضعف يعني هي كان سببها أنه في جزء كبير على علمي بعد هذه المعارك الطويلة تم أو طلب أن يعود إلى أهله وتم تسريح جزء كبير يعني نروح استريحوا شوية وإلى آخره فكانت الحملة في وقت أصلاً عدد الجيش كان قليل أيضاً.
صحيح، هو طبعا كان من عادة الجيوش في ذلك الزمن أنها لا تقاتل في الشتاء؛ لأنه الشتاء مليء بالعواصف وبالثلوج ومش حالة طبيعية لحركة الجيوش. والشتاء غالباً ما يبقى إيه داخلين على مرحلة من الجدب ونقص الأغذية؛ لأنه ده مش موسم الحصاد مش يعني فدائماً الجيوش بتبقى ما عندهاش أكل، ما عندهاش تموين، ما عندهاش إمداد. فالغالب يعني من عادة هذه العصور أن القتال بيبقى في الربيع وفي الصيف عادة هذه العصور.
فجاءت هذه الحملة في ذلك الوقت، طبعا هذه الحملة جاءت بمؤنها وجاءت وسارع طبعا بجمع الجيوش إليها مرة أخرى. مش معنى كده أنهم دائماً يعني في الشتاء ما بيقاتلوش أو في الخريف ما بيقاتلوش لا، العادة، لكن لما بيبقى في ضرورات أو بيبقى في حالة طارئة أو حملة قادمة يظلوا في الحصار. وكمان لازم نفهم أنه جزء كبير من الجيوش هم كانوا متطوعين، يعني ما بين قبائل وأفراد وإلى آخره، وبالتالي أنا زعلان ممكن أنسحب يعني أروح يعني ما أقاتلش مثلاً يعني.
والله نعم، بس يعني هو طبعا عادة المتطوعين موجودين، لكن تكون يعني لا يعتمد الجيش على المتطوعين اعتماده الأساسي؛ فالاعتماد بيبقى على الجنود، وهؤلاء الجنود أيضا لهم إقطاع يعني لهم إقطاعات ويحبون أن يريحوا ويحبون أن يعودوا إلى أهليهم على نظام الإقطاع العسكري الذي كان مستقراً من أيام الدولة السلجوقية. في يعني في سنواته الأخيرة أو في هذه الحملة الأخيرة نستطيع أن نقول خلاصه ما لدى صلاح الدين من القوة أنفقها لكي لا يعاد احتلال بيت المقدس مرة أخرى، وبالفعل هذه الحملة بالنسبة للجميع يعني وبالنسبة للأوروبيين هي حملة فاشلة يعني أقوى الحملات الأوروبية كانت حملة فاشلة.
طيب، قصة أو شبهة أن صلاح الدين لم يحرر بيت المقدس بما يمتلك من قدرات وإمكانات وإمكانات عسكرية، وإنما لعبت السياسة دورها الأبرز، وبالتالي لا ينسب له يعني تحرير أو الفضل في تحرير بيت المقدس.
طبعا هذا شيء هذه شبهة ظالمة، هذه شبهة ظالمة؛ لأنه أنت مش ممكن تحذف جهاد واحد عمل كل اللي احنا حكيناه من الصبح ده، لكن اللي بيقول ده عايز يعني عايز أقول إيه؟ اللي بيقول ده لو كان محسناً أو لو كان حسن النية فهو يعتمد إلى أنه ما فشا في مملكة بيت المقدس الصليبية من الفوضى الأخيرة في الملوك الذين ماتوا مبكراً، وفي الملك المجذوب وفي وجود الأوصياء، هذا قد ساعد صلاح الدين، لكن بدون صلاح الدين كانت المملكة ستستمر. يعني ما كانش يعني عارف أنت زي إيه يعني؟ أنت لا تستطيع أن تقول إن فلان انتصر؛ لأن الطرف الآخر كان ضعيفاً، الصليبيون لم يكونوا ضعفاء إلى هذا الحد، وإلا فقد بقوا في أنطاكيا وبقوا في طرابلس يعني بقية هذه الممالك ظلت موجودة، وطبعا في عكا انحاز إليها فيما بعد غي دي لوزينيان وفي صور، ثم جاءتهم الإمدادات.
طيب، يعني لو أنت عايز تقول إنه حرر بيت المقدس لما فيهم من الضعف، طيب ما تفسيرك إلى قدرته الحفاظ على بيت المقدس مع هذا القدر الهائل من القوة الذي جاءه مثلاً؟ ففيها ظلم شديد، لكن لا يمكن أن ننكر أن الله تبارك وتعالى إذا رأى صدق عبده المؤمن أنعم عليه بأُمور قدرية، فمن الأمور القدرية أنه كان في هذا الاضطراب، ومن الأمور القدرية أن الراجل بتاع ألمانيا ده غرق في النهر وتفرق جيشه، هذه أُمور يطلبها المجاهدون، هي من كرامات الله لهم.
وتحت عنوان لا تياس لا تياس على فكرة هو اللحظة التي طرد فيها والده وعمه من قلعة تكريت في هذا اليوم وُلد صلاح الدين. فانت النصر ممكن يكون قريباً منك، يعني أنت ممكن يمر شخص هو الرئيس القادم ولا هو القائد القادم وأنت لا تعلم. فعلا والله فعلا، عارف يا شيخ مراد كل واحد فينا مر عليه في حياته مواقف رأى فيها أن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه، وفعلا يعني كلنا حصلت لنا مواقف حاجة زعلنا منها، وبعدين رأينا أن فيها الخير، وأنه لو ما كانش حصل ده ما كنتش ساكون فيما أنا فيه ونحو ذلك، فالإنسان بالمناسبه هذه مما يقوي الإيمان في القلب أن الإنسان يتذكر نعم الله عليه ويتذكر مثل هذه المواقف، وأن ربي لطيف لما يشاء، كل إنسان فينا عنده ذكريات بهذا الشكل كان تدبير الله فيها له خير من تدبيره هو لنفسه.
نعم، سبحان الله، فمنها هذا طبعا منها أنهم إيه وحتى والده تشاءم به يعني يحكي لأَسد الدين شيركوه يعني يعني هو وحتى كان يبكي في الطريق فازداد غضباً لدرجة أن أسد الدين يعني يحكي له أنه يعني هذا صبي يعني إيش علاقته ولعله يكون له ملك! هذه التفاصيل حقيقة لا أعرفها نعم، لكن متوقعة، لكن هذه التفاصيل حقيقة لا أعرفها لكن مؤكد يعني أنه وُلد في الليلة التي طردنا فيها.
طبعا يذكر أن صلاح الدين له 17 من الأولاد، كلهم أعتقد ذكور إلا بنت واحدة، بنت واحدة نعم هو عدده. اسمها مؤنسة يمكن أو لا أدري والله لا أذكر، وتزوجها الكامل، مش مش مركز أنا مع الأسرة.
ويذكر طبعا أن صلاح الدين كان يصوم ويقوم، كان من يعني قرب العلماء، صلاح الدين معروف بتقواه ومعروف بزهده ومعروف بحبه للعلماء، ويقال يعني الجماعة الصوفية يقولون رآه الشيخ عبد القادر الجيلاني في صغره فقال إنه ولد مبارك يقال يعني، وهو زي ما قلت لك كده له علم بالمذهب الشافعي، ابن شداد يقول عليه كان فقيهاً ولكن لا ينطق بلغة الفقهاء. يعني هو عارف الفقه بس إيه مش على النحو المدرسي المصطلحي.
وطبعا هو مثال في الزهد، أنا أتذكر إدوارد جيبون المؤرخ البريطاني المشهور ذكر كلمة يقول فيها -طبعا هي كلمة سفيفة وسخيفة بس أنا بقولها للتدليل على- هو يقول: وكان في زهده أعظم مثالاً من نبيه صلى الله عليه. هي طبعا كلمة مجحفة وسخيفة، بس هكذا قراه الغربي الأوروبي، يعني قراه أنه إيه مثلاً لم يتزوج كثيراً من النساء، قرا يعني فصلاح الدين مثال في الزهد.
وهو أحد الأشياء التي ذكرها ابن الأثير في أنه المسلمين لما لم يكملوا حصار صور يقول ابن الأثير: وإنما حرضه على ذلك فلان وفلان يعني قال وتجار المسلمين وأغنيائهم أيضاً؛ فإنهم علموا أنه لو قد أقام على حصار صور فسيقترض منهم أموالاً، وهم مش عايزين يقرضوه لشده زهده وتورعه عن أموال الناس؛ كان يقترض من التجار ومن الأغنياء لكي ينفق على الجهاد. ولما مات لم يكن في خزانته إلا دنانير أو أقل من دنانير، يعني حاجة بسيطة 36 درهماً ودينار وديناراً نعم. في رواية حتى 48 درهماً بالصرف، ممكن يعني لم يترك داراً ولا بستاناً ولا أرضاً ولا سبحان الله.
زاهد نعم، هو عالم من وكان لا يحب أن يستعمل الحديث إلا بالسند ممن يحدثه يعني سبحان الله مما قرأته عنه يعني. صحيح، وها هنا يا مولانا بمناسبه هذا الحديث تتعرف على بهاء الدين بن شداد لهذا يعني أن هو كان بهاء بن شداد كان يحج طبعا زي ما قلت لك زمان كده كان يحج مكة المدينة بيت المقدس، فذهب إلى بيت المقدس فكان ساعة إذ مقيماً بالشام، استدعاه إليه، سمع منه الحديث بالسند عجبه، قال له أنت خليك كاتبي.
ما هي أهم الدروس والعبر من كل اللي حكيناه استاذ محمد؟
آه والله شوف، قصة صلاح الدين مليئة بالدروس، مليئة بالدروس، أنا ممكن يعني إيه أركز على دروس نحتاجها في حياتنا الآن. أول شيء في كتاب اسمه هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس هذا للدكتور ماجد عرسان كيلاني رحمه الله، طبعا مع كل التقدير للمؤلف لكن أنا أحذر من هذا الكتاب. وهذا الكتاب لماذا؟ لماذا؟ لأنه هذا الكتاب حقيقه يعني مارس قدراً من التزوير لسيره صلاح الدين، وهذا الكتاب يعني انعطف إليه واحتمى به وتمسك به الحركات الإسلامية التي لا تحب الجهاد بصراحه وبوضوح. الكتاب ده فكرته ببساطة إيه؟ فكرته أنه علشان نحرر القدس لازم نربي جيل، والجيل الذي سيتربى هذا هو الذي سيحرر القدس، فالكتاب حاول أن يوظف هذه الفكرة -عارف أنت اللي يعتقد ثم يستدل- حاول أن يطوع تاريخ صلاح الدين ومن قبله نور الدين ومن قبله عماد الدين لكي يجعلها في سياق أن الجماعة دول عملوا جيل والجيل ده هو حرر بيت المقدس. هذه الفكرة خاطئة، هذه الفكرة خاطئة.
وهذا الكتاب حين يقراه المؤرخ يقع فيه على أغلاط كثيرة جداً جداً، وبينت يعني إشارة من ذلك في المجلد الأول من كتاب خلاصة تاريخ الإسلام. الإصلاح حقيقه يبدأ من السلطة ويبدأ بالجهاد، وصلاح الدين لو لم يكن ابن الأسرة الأيوبية التي كانت في سلطة الدولة الزنكية ما كان سيستطيع أن يفعل شيئاً. الأيوبي عماد الدين زنكي أسس سلطة، نور الدين حكم دولة، صلاح الدين حكم دولة، الناس دي لم تنبث في المساجد وفي الزوايا وفي التكايا وفي المقاهي حتى أنشأت جيلاً مسلماً، والجيل المسلم استطاع بعد ذلك أن يكون جهاداً، ولا حقيقه الإصلاح يبدأ من السلطة والناس على دين ملوكهم.
نعم، هذا في غاية الأهمية. يعني استاذ محمد أنت بتحكي إنه في نظريتين للإصلاح أو التدرج في الإصلاح في أنه نبدأ من تحت لفوق وفينا نبدأ من رأس الهرم وننزل؟ فانت شايف الصح والافضل الذي جرت عليه سنة التاريخ هو أنه الإصلاح يبدأ من السلطة، والبدايات بتبقى قوة أو عصبة أو ثلة أو طليعة تمتلك تشتغل في الدعوة شوية لكي تمتلك شوكة، مش لكي تكون جيلاً، لكي تمتلك شوكة وبهذه الشوكه تغالب على الحكم، وحين تحكم يتمدد إصلاحها ويبدأ جهادها.
ولذلك بالمصطلحات المعاصرة دي حتى يعني كثير من الحركات الإسلامية أحياناً بحب أعمل ألغاز في في بعض المحاضرات أو الدورات يعني وأعمي على الأسماء، فاه حتى بالنسبة للحركات الإسلامية اللي أنا بحكيها لك دي عماد الدين يعتبر إرهابي وخارج عن سلطة الخليفة وعمل لنفسه دولة واستقل بها. أو الخلاصة يا جماعة أنه الإصلاح الإفساد يبدأ من السلطة، وهذا كلام يعني كتب كتبت وتكلمت فيه كثيراً لا أطيل بذكره. ولكن الآن صلاح الدين لم يحرر بيت المقدس لأنه اشتغل بالدعوة مع المصريين واشتغل بالدعوة مع الشاميين وقرب إليه العلماء، آه هو قرب إليه العلماء وهو السلطان، فتح بيت المقدس وهو يملك جيشاً وأجناداً، إنما فكرة تكوين جيل وجيل النصر المنشود وهذه حقيقة.
عبارة كما تكونوا يولى عليكم هذه حديث ضعيف جداً، لم يرد إلا من طريقين وفيهما مجاهيل. وحتى من التعليقات اللطيفة الشيخ الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة وهو يأتي إلى هذا قال: وسنة التاريخ جرت على غير هذا؛ فإن عمر بن عبد العزيز جاء على قوم ثم مضى، وإن القوم هم القوم. يعني حصل جيل عشان يأتي عمر بن عبد العزيز طب عمر بن عبد العزيز مات بعد سنتين، حصل تغير في الجيل فذهب عمر بن عبد العزيز؟ لا. فهذه يعني هذا حقيقه يعني ليس حديثاً، الحديث ضعيف زي ما قلت لك يعني، ليس حديثاً.
فلكن أين تذهب من ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]؟ بعد النصر يأتي دخول الناس في دين الله أفواجاً. في قول أبي بكر إلى متى هذا الأمر الذي نحن قال ما استقامت لكم أئمتكم، قول عمر أتتعرف ما يهدم الدين؟ فذكر منها زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين، وقول عثمان إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ويعني أمور كثيرة من طريق.
ويحق لنا استاذ محمد أن نعتز بقادتنا برموزنا. طبعا معلش خليني أشير إلى درس آخر أيضا مهم؛ القائد أحياناً قد لا يعرف نفسه ولا يكتشف موهبته، صلاح الدين كان كارها للخروج إلى مصر مع عمه أسد الدين شيركوه، وكان كارها لتولي الوزارة بعد عمه أسد الدين شيركوه حتى يروى أن خاله شهاب الدين الحارمي لما رآه متمنعاً قال: سبحان الله لقد خلق الله أقواماً يقادون إلى الجنة بالسلاسل. ده حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث حديث صحيح أنه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى أنه بعض الناس سيؤثرون على يد المسلمين وبعدين يعني في هذا الأسر يتعرفوا على الإسلام وهيدخلوا الجنة، وهذا ما حصل في الفتوحات، فشهاب الدين بيقول له.
يعني أنا مش فاهم واحد زيك كده يقاد إلى الجنة بالسلاسل، يعني يقاد إلى الملك بالسلاسل. عايز أقول لك أحد أهم وأخطر واعظم المهمات التي نحتاجها في عصرنا هذا، أن يبقى عندك العين الفاحصة التي قد تدرك الموهبة في رجل لا يدرك الموهبة في نفسه. شوف، لا يمكن أن تكون أمة فيها اثنان مليار ما فيهاش من يصلح للقيادة، لا يمكن أبدا. المشكلة فين؟ إنه هذا الذي يصلح للقيادة مش في مكان القيادة.
يشبه طالوت وجالوت، القوم من بني إسرائيل الذين طردوا من الأرض المقدسة وهزموا وشردوا. لما قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، أوحى لهم الله أن القائد هو مين؟ طالوت. استغربوا: طالوت أن يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتى سعة من المال؟ طيب، طالوت ده اهو موجود ومهزوم وخارج مع القوم مطرود من الأرض المقدسة، فيه موهبة القيادة وإمكانيات القيادة، لا هو يعرفها في نفسه لأنه ما طالبش بيها وما تنازعش عليها، ولا هم يعرفونها فيه.
فلم ينكشف أن عنده موهبة القيادة إلا لما جاء وحي الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247]، إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم. يبقى شوف، نفس الشخص لما ما كانش قائد كانت الأمة مهزومة، نفس الشخص لما تولى القيادة كان محتاج ثلاث مئة وثلاثة عشر واحد بس لتحرير بيت المقدس. يا سلام، فواحد زي صلاح الدين كانت تنبو عنه العيون لولا أن رأى فيه أسد الدين شيركوه هذه الموهبة.
فدلوقتي وارد جداً أبقى أنا وانت والمشاهد الكريم، وارد جداً تبقى عارف القائد. بلاش يا سيدي القائد الخليفة المحرر، وعارف واحد يعمل فرق، فأنَا عايز أقول لك أحد الواجبات أن أنت تفسح الطريق للموهوبين، وتساعد من ترى عنده الموهبة. رب العالمين يرزقك بهذا البني آدم اللي عنده القدرة إنه يكتشف، ما هي كارثتنا في الإدارة؟ تجرد، نعم. عايزة إخلاص، عايزة تجرد في من يمكن أن يعين بالعلاقات، في من يمكن أن يعين بالمال، في من يمكن أن يعين بالجاه، في من يمكن أن يعين بالشفاعة التشفع فقط.
يعني أنت لما تلاقي واحد ترى أن هذا الرجل لو تولى هذا المكان الفلاني، مش بس حتى في السياسة وإن كانت السياسة هي أعظمها يعني، لكن حتى لو فلان ده بقى في الإعلام، فلان ده بقى رجل أعمال، فلان ده بقى مثلاً في وزارة خارجية، فلان ده بقى في وزارة أوقاف، فلان ده بقى عالم في مكانه، مجرد أن أنت تفسح الطريق. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة». السعي في توسيد الأمر لأهله أحد أهم الواجبات على كل اللي بيسمعونا واللي بيشوفونا، أنك تسعى في أن يتوسد الأمر لأهله تفسح الطريق لمن تراه جديرا بمكان ما، وتساعده على بلوغ ذلك.
ولا شك أعرف في حياتي وأنت تعرف في حياتي، يعني والله العظيم أمثلة كثيرة جداً من علماء صاروا ملء السمع والبصر كانت حياتهم ستنتهي وهم في الطين وفي الفلاحة وفي الزراعة، لولا أن تنبه لهم شيخ. فرعاه أول سنة رعاه أول سنتين أو تواصل مع حد يعني يتعهده لغايه لما يخلص المرحلة العلمية وغيره وغيره. بس الخلاصة: من أهم الدروس في سيرة صلاح الدين أن تنتبه لهؤلاء الموهوبين.
هل من الدروس إذا كنت أنا شايف في نفسي أن أنا قائد أو عندي قدرات أني أنتزع؟ نعم، ولكن يحتاج الأمر تجرداً وإخلاصاً، لأن الإنسان دايماً يحب نفسه. يعني نبي الله يوسف قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. فالإنسان لو رأى في نفسه القدرة يجب عليه أن ينتزع وأن يتقدم الصف إذا خلى، لكن لابد من الإخلاص والتجرد. لأنه أما هتكون لله وأما هتكون لنفسك، وفي ناس برضو مخدوعين في نفسهم، يعني زي ما في ناس يهضمون حق أنفسهم، في ناس مخدوعين في نفسهم فيحتاج إخلاص وتجرد.
وأيضاً قاعدة إنه بالاخير كمان أسد الدين شيركوه هو شاف في صلاح الدين شخصية هتخدم الفكرة كلها، فأخذه معه. لكن في المقابل في قاعدة يا أبا ذر: أنت ضعيف، وإنه أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة. في فيها مجامله كمان هو مش لأني أنا مستحي منك وخجلان أروح أحطك في منصب تخرب بيتنا فيه، كمان هو مهم هذا. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولى رجلاً على عصابة من المسلمين وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله». لا، المهمات والولايات هذه لا مكان فيها للمجاملات، لا مكان فيها.
طيب، صلاح الدين في سطر واحد أستاذ محمد شو ممكن تحكي؟ لا ريب أنه صلاح الدين واحد من اعظم ملوك المسلمين ومن اعظم سلاطين المسلمين عبر تاريخهم. أنا يؤثر فيا جداً، كان في الملك فيلهلم الثاني، كان قيصر ألماني، كان علاقته طيبة بعبد الحميد الثاني، فجاء إلى السلطنة العثمانية، حتى هنا عند السلطان أحمد القبة الخضراء دي هتلاقي فيها طغراء عبد الحميد ونقش ويليام الثاني حرف الدبليو كده اللي هو عند الساقية، هي من الألمان هدية من الألمان مضبوط.
أي ما نقولش عليها، فالراجل ده لما جاء وثار الشرق زار القدس وزار صلاح الدين، من القصائد العجيبة التي يعني تؤثر في جداً قصيدة شوقي لما أنشدها في زيارة هذا، فكان مطلعها يقول فيها: عظيم الناس من يبكي العظام ويندبهم ولو كانوا عظامه. ويقول له فيها: اتعرف أي سلطان تحيي، وأي مملكته تهدي السلام؟ دعوت أجل أهل الأرض حربا وأشرفهم إذا سكنوا سلاما. رعاك الله من ملك همام تعهد في الثرى ملكا هماماً. سبحان من فتق ريحيته بهذه الكلمات. يا سلام، حقيقة صلاح الدين أحد الأمثلة الناصعة المتألقة العظيمة في تاريخنا الإسلامي، وأحد الشخصيات التي لا تزال تأخذ منها الدروس والعبر، وتتنسم فيها عبير هذا المجد الكبير، ومحاولة التشكيك فيه خطيئة تخرج من جوزان الناس.
أستاذ محمد، يعني الحديث معكم لا يمل حقيقة، جزاكم الله خيراً، الحقيقة مليئة بمعلومات مليئة بالفائدة هذه الحلقة. أسأل الله تعالى أن يرزقنا صلاح الدين النسخة الثانية لتخلص هذه الأمة من قرن الإهانة الأخير. إلى أن نلتقي بكم إذاً إخواني في الحلقة القادمة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ، ونحن لا نزال في محور الدول المستقلة، محور صعب، محور بنحاول نمشي فيه لكن بنحاول أيضاً نعطيه حقه ومستحقه حتى نستفيد جميعاً. لا تنسوا أنكم تشاركوا هذه الحلقات مع أحبابكم وأصحابكم، نلتقي في الحلقة القادمة، إلى اللقاء.
لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكساراته قادته وعلماؤه أحداثه وأسراره الحكم والسياسة والحروب والمعارك ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل نستنطق التاريخ.
محمد إلهامي