دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام المجلس الثامن [من الآية 70 إلى الآية 75 ]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في مجلس جديد من مجالس الوحيين. في البداية نتأكد من جودة الصوت، إن شاء الله أنه جيد. طيب؛ بسم الله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومنهاجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس الاستقاء من الكتاب والسنة، والاستهداء بهما، والوقوف على معانيهما، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على هذا النهج، وأن يرزقنا مكابدة كتابه، ومكابدة سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أن تتحرك القلوب بها، وأن تستهدي بها، وأن تستنير حياتنا، وأن يزداد إيماننا، وأن نزداد عمقاً ورسوخاً في هذا الدين من خلال هذا الاستهداء وهذا التدبر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زلنا نعيش أيها الكرام في أفياء سورة الأنعام، هذه السورة العظيمة التي تؤسس للمؤمن الذي يعيش في زمن الاستضعاف عموماً، تؤسس كما قلنا أولاً قضايا العقيدة والتوحيد الكبرى؛ قضايا الألوهية، وقضية الدار الآخرة، وقضية القرآن، وقضية النبوات، وهذه هي القضايا العقدية الأساسية التي ينبغي أن ترسخ في حياة الإنسان، لأن كل ما بعدها متعلق بها. ولذلك من أكبر الأخطاء هو أن يناقش في الجزئيات قبل أن تحكم الكليات، يعني أنا ما ينفع في أي نقاش مع اهل الباطل قديماً وحديثاً أن نبدأ نناقش أمور جزئية فرعية قبل أن تحكم المرجعيات الأساسية. هل أنت محتكم إلى كتاب الله سبحانه وتعالى؟ هل أنت محتكم إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل أنت موقن بأن الله حكيم خبير لطيف عليم؟ لأن أسماء الله الحسنى وصفاته ترى هي كليات مفصلية، إذا الشخص الأمامي هو غير موقن بها فأي نقاش أصلاً معه في قضايا جزئية تشريعية، اجتماعية، اقتصادية، سلوكية، سيكون فيه فجوات وفي نقص، فلذلك دائماً القرآن يعلمنا تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى من خلال ابتداء تثبيت الكليات.

وفي أثناء حياة الاستضعاف، وفي أثناء مرحلة حاله البناء، ستواجه أهل الباطل، لابد أن تعرف نفوس أهل الباطل وكيف يسعون للضغط عليك وتغيير مبادئك وتغيير أساليبك ومحاوله الاقتراح، قضية اقتراح الآيات اللي هي السمة البارزة في سورة الأنعام، ومحاوله كما يقول محاصرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لماذا الله عز وجل لا ينزل آية من السماء؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام لكثره ما طلبوا كأنه أصبح يتمنى نزول الآيات المقترحة، فالله عز وجل نبهه ألا يضعف أمام هذا الضغط الذي يمارس. وأهل الباطل كذلك، الله عز وجل يريك نفوس المشركين عموماً في التعامل مع أهل الباطل ومع بيئات التدين ومع بيئات الالتزام؛ كيف أولاً أنهم لا يتقبلون الجلوس في المجالس التي فيها الوعظ والنصح وأقامة الأدلة، إذا كان هذه المجالس تضم المستضعفين وتضم الطبقات المتدنية، ويرون أنهم أعلى من الجلوس مع هؤلاء، هؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53]. هذا نوع من النفسيات.

أحياناً من نفسيات أخرى، أن بعض المجالس التي يجلسها أهل الباطل بحضور بعض المتدينين أو أهل الالتزام، يحرص فيها أهل الباطل على الاستهزاء بقضايا الدين والعبث بها والتهكم بها لزعزعة إيمان الذين في قلوبهم مرض. لاحظ كيف سورة الأنعام تعطيك أنه في زمن الاستضعاف عندك هذه النفسيات؛ نفسية اللي أصلاً لا يقبل ويأنف الجلوس مع المستضعفين من المؤمنين ويقول: أهؤلاء من الله عليه من بيننا؟ واطردهم يا محمد عليه الصلاة والسلام من مجلسك حتى نتقبل السماع منك. وهنا يحذر ربنا سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقع تحت هذه الضغوطات ويستجيب لها ولو لمصلحة الدعوة، أن هذا مرفوض تماماً، وأن هذا الكافر الذي يريد أن يسلم بنفسه مشوهة لا يخدمنا.

كذلك كما قلنا -وهذا كان ختام المجلس الماضي- يحذرنا من مجالس الاستهزاء بالدين. وهذا كما قلنا في أي بيئة فيها استضعاف، حتى في واقعك المعاصر، حتى أنت في أسرتك، حتى أي شخص منا في ضمن هذه البيئة التي للأسف همشت قضايا الدين والعقيده وأصبحت الأديان عند كثير من الناس مكان للعبث والاستهزاء والتهكم؛ يحذرنا الله سبحانه وتعالى من المساومة على هذه القضية، كما أنه لا مساومة على طرد المستضعفين، كذلك لا مساومة في الجلوس في مجالس اللغو التي يعبث فيها بدين الله ويستهزأ فيها بدين الله، فهذا توجيه أساسي في سورة الأنعام.

عندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68]؛ أيضاً تعاليم يا أهل الإيمان، يا أهل الإيمان، إذا جلستم في مجالس الذين يخوضون من أقاربكم، من أبناء عمومتكم، من أي أناس حولكم، احذروا أن تجلسوا مع وجود الاستهزاء في دين الله سبحانه وتعالى، احذروا أن تساوموا، احذروا أن تقبلوا الخروج على وسائل الإعلام التي هدفها أن تخرج لك -كما قلنا في الدرس الماضي- هؤلاء الذين يزحزحون ثوابت الملة ويستهزئون بشرائع الدين، ثم يستضيف لك على القناة الإعلامية رجل من أهل الالتزام ومن أهل التدين وظيفته أن يحاول المدافعة، ويكون المقدم علمانياً أو ليبرالياً أو هو قلبه مش مع دين الله سبحانه وتعالى، فيحاول أن يورط الشيخ أو يورط الضيف، يحاول أن يورطه في حوارات، ويحاول أن يطرح مجموعة من الشبهات، الشيخ ممكن يجيب عن شبهتين وثمان شبهات تنتهي وقت الحلقة والشيخ لم يجيب عنها، ففي النهاية ماذا سيكون المخرج؟ سيكون المخرج أمام الشاشة وأمام الناس أن هناك فعلاً كثيراً من ثوابت الدين هي مجال للنقاش ومجال لإثارة الشبهات وأنه يجب أن نناقش مسلمات الدين. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68].

إياك، سواء في بيئة أسرية، أو في بيئة جامعية، أو في بيئة عمل، في أي مكان تكون فيه، إذا جلست مجلساً رايت فيه أهل الباطل يستهزئون بثوابت الدين، إياك أن تشابههم أو تحاكيهم، حتى ولو أنكرت في قلبك هذا مرفوض، يجب أن تقوم من هذا المجلس. اللهم إلا إذا كان سيف الإكراه حاكمك، لكن أن تقول: والله يا شيخ أنا استحيت أقوم مع أنه بيستهزئ بدين الله سبحانه وتعالى! ما يجوز. الله يقول لك: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68]. وهذا في زمن الاستضعاف، يعني ركز هي الآية متى تقال؟ هذه الآية عم تقال للصحابه الكرام وهم يعيشون في مكة، وتقال للنبي عليه الصلاة والسلام في أزمنة الاستضعاف وأهل الباطل أصحاب اليد العليا الآن. ومع ذلك كان المطلوب عدم المداهنة، عدم المساومة.

خاصة أن أهل الخير وأهل الصلاح إذا جلسوا في مجالس الذين يعبثون بثوابت الدين ويستهزئون بشريعة رب العالمين، ممكن يكون في هذا المجلس بعض الناس المؤمنة لكن عندها ضعف في الإيمان، فلما يشوفوا الشيخ جالس في هذا المجلس وعم يستهزأ بالدين والشيخ مش قادر يحكي أو الشيخ نفسه أصبح نكته، اللي في قلبه مرض رح تتزحزح مبادئه، رح تتزحزح ثوابته، سيصبح يميل. ولذلك المواقف الصارمة ممن يرجى فيهم الخير والصلاح، المواقف الصارمة منهم مطلوبة في أزمنة الاستضعاف حتى يثبتوا أنفسهم ويثبتوا من تحتهم ممن يقتدي بهم، لازم يكون لك موقف ومبدأ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]؛ إذا غيروا الموضوع وعادوا للكلام في أمر الاقتصاد وأمور اجتماعيه عاد ممكن أحاكيهم من باب يعني ها أن نعرّف الناس أننا نستطيع أن ندنو منهم، لكن لا أقبل أن أجلس معك وأنت تعبث بآيات الله سبحانه وبالشريعة الإسلامية.

﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]. قلنا أن الشيطان يسعى دوماً لإنسَاء وإلهاء أهل الخير والالتزام، فينسيهم ضرورة القيام، يعني أنت قد تجلس في مجلس كما قلنا مليء بالاستهزاء باللحية، بالحجاب، بشريعه رب العالمين، فانت جالس وخلص كأنك يعني مش منتبه أو متماشي مع الموضوع، هو الشيطان يريدك أن تفعل هكذا، يريدك أن تطاوعهم أو على الأقل أن تسكوت وأن تبقى معهم، لأنك بذلك أنت ستضعف، وأتباعك أو الناس اللي في قلبها ضعف في الإيمان سيضعفون، ولذلك الله قال: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: 68] هذا القيام، فمباشر ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]. يعني إذا نسيت وأخطأت في مجلس وجلست مع أنه يخاض فيه في دين الله ويستهزأ فيه بالشريعة، إذا الشيطان استطاع أن ينسيك فانتبه لا تكرر هذه القضية مرة أخرى.

ثم نبه سبحانه فقال: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 69]، الذين يتقون هذه المجالس، ما عليهم من حسابهم من شيء. يعني أنت جالس مع أقاربك وأقاربك في هذا المجلس يستهزئون بالدين، فأنت قمت اتقيت مجالستهم، ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 69] مجالسة هؤلاء ويقومون عنهم، ما عليهم من حسابهم من شيء. يعني كأن الله يقول لك -كأن بعض الصحابة يتحرج من القيام- يقول لك: طيب يا شيخ هؤلاء يعني إذا نحن قمنا مين بده يصلحهم؟ إذا احنا قمنا مين بده يصلحهم؟ مين بده يحكي معهم؟ مين بده ينبههم؟ لا، وأنت أحياناً المطلوب منك أن تقوم، قيامك رسالة، مجرد أنك قمت من هذا المجلس ورفضت الجلوس واتقيت الجلوس أنت لن تحاسب عنهم ولست مسؤول عن حسابهم يوم القيامة، ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 69]. أنت في النهاية المطلوب تحمي نفسك وتحمي المؤمنين معك، وهؤلاء الذين يخوضون في آيات الله يحاسبهم على أمرهم.

أحياناً في بعض بعض المواقف في الحياة بتكون حاسمة وصارمة وممش مقبول فيها المداهنات، وأحياناً بعض الناس هو يتأول لنفسه، يعني بصير يقول: أنا ما بدي أقيم يا شيخ بلاش يقولوا مثلاً إن والله الشيوخ ما بيعرفوا يجلسوا، أنا ما بدي أقيم بلاش يقول لك والله هذا الشيخ هسه بده يسوي فيها ويعمل فيها وأنه كذا وبده يشد علينا! فبتصير أنت تتأول لنفسك أنه طب بجوز أنا بقائي حتى وهم بخوضوا بايات الله، بجوز بقائي يكون في رسالة أنه أنا يعني ماشي مش كثير إنسان شديد شديد وكذا. لا لا، بدك تنتبه، في قرارات في الحياة لا مساومة فيها، فش فيها مجال أنك تتأول جلوسك في مجلس يستهزأ فيه بشرع الله، إياك تتأول هذا بأي شكل من أشكال التأويل.

طيب وهم يا شيخ ربنا رح يحاسبهم؟ طيب، يعني إذا أنا قمت مين رح يضل؟ إذا أنا اتقيت مجالسهم مين رح ينصحهم؟ يا أخي ما دام هم مصرين على الاستهزاء، الله سيحاسبهم، أنت لا تتحمل مسؤوليتهم، أنت احمي نفسك، احمي نفسك واحمي اتباعك واحمي من الناس التي تقتدي بك، أما هؤلاء هؤلاء ليسوا أهل الخير، ليسوا ناس تبحث عن الهداية. لو هو عفْواً عنده مشكلة وشبهة ويبحث عن الهداية يا مرحباً، أناقشك وأرفع عنك الشبهة وأدلك وأعطيك دلائل الإسلام، لكن أنت لست باحثاً عن الحق، أنت جاي تستهزئ وتتهكم بالدين بحضوري حتى تصنع مني نوع من الأضحوكة. وهذا قلت لك ما يفعلوه في القنوات الإعلامية، لما يجيبوا شيخ ويجيبوا معه مئة متبرج ومئة فاسد ومئة كذا، وبيجي الشيخ حرام هو مفكر أنه بده يحسنوا صنعاً وأنه أنا جاي بدي أقيم الحق على هي القناة الفاسدة! يا أخي هو اللي جايبك هو عارف أنه بده اياك تقع في الشبكة، وبده يجيب لك مئة إنسان فاسد ومئة إنسان ضال ومئة إنسان يستهزئ بالدين ويظهروك أنت، حتى الوقت الذي تعطاه لتجيب يكون محدوداً، حتى يصنع الشيخ في مظهر المسكين المغفل الأبله، ويصنع الدين كأنه مجال للنقاش والخوض واللعب والعبث.

ففي مواقف معينة التزم بشرع الله، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68] انتهت. الله يقول لك: لا أريد الدعوة أن تكون بهذا المقام، عندما يكف عن الاستهزاء ويبدأ يتكلم بجدية وبحث سعيت أنا بجيك وبعلمك وبرشدك ونتناقش ونتحاور، ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. وأما وأنت تستهزئ فانا أعرف أنك تريد إحراجي وإحراج مبادئي وإحراج وزعزعة العقيدة في الناس الذين يتبعوني، فهنا أتركك إلى الله. في أزمنة الاستضعاف أنا مش ما عندي قضائية شرعية أحاسبه، صح زمن مستضعف، فأنا أكثر ما استطيع أن أفعله في أزمنة الاستضعاف أن أقوم وأكلك إلى الله، ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 69] يتقون مجالسة هذا الصنف من الناس ما عليه من حسابهم من شيء.

ولكن ذكرى؛ قيامك ذكرى، قيامك رسالة، هذا القيام ذكرى لعلهم يتقون. من الذي سيتقي؟ الاثنين؛ المستهزئ لعله يتقي، لعله ينتبه أنه أنا والله أخطأت وهذا الشيخ لما قام دلالة على أنني أنا فسدت وأسأت فيكون في هذا سبب لأنه يتقي الخوض مرة أخرى في دين الله والاستهزاء. وأيضاً لعلهم يتقون، اللي هم المؤمنين ضعاف الإيمان اللي بيجلسوا في هي المجالس وبيقول لك: خلاص يا شيخ شو بدنا نسوي؟ فلما يشوفوا الشيخ أو رب الاسرة اللي عنده قيمة ومبدأ قام هم نفسهم بصيروا يقتدوا فيك، فيتقون مجالسه هذا الصنف من الناس مرة أخرى.

ولاظ دائماً القرآن لما يحذف المفعول به بعطيك مساحة في التفسير، شوف أقول لك: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 69] مين اللي يتقي هون؟ أنت بتقدر تعطي أكثر من شخص؛ الذي سيتقي أولاً الفاسد نفسه، لعله يتقي الخوض مرة أخرى في دين الله والاستهزاء بالشريعة والحجاب. ولعله، وأيضاً هناك شخص آخر ممكن يتقي وهو المؤمن اللي كان يتقبل الجلوس مع هؤلاء اللي بيستهزئوا بالدين لما يشوفك أنت كشيخ أو كرب أزرة أو كإنسان لك كلمة قمت، بصير هو نفسه عنده فكرة أنه أنا لازم أتقي فعلاً مجالسة هؤلاء، وعيب أني جلست مع هؤلاء وما بصير أسمح أن مبادئي وديني يصبح أكلة والناس تستهزئ به. فلاحظ كيف القرآن يرشدك كيف تدير المواقف في وقت الاستضعاف وفي الوقت اللي احنا كملتزمين أو كمتدينين محاط بنا من كل الأماكن، في مواقف يجب أن تتخذها بهدوء وحكمه وباذن الله توفق.

وما زال السياق مستمراً في طبيعة التعامل مع أهل الباطل في أزمنة الاستضعاف. قال بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 70]. الله سبحانه وتعالى ينبهنا هنا إلى ضرورة ترك والإعراض عمن اتخذ دينه لعباً ولهواً وغرته الحياة الدنيا. وذر، يعني اترك. صحيح.

من هم الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً؟ الآن هذا يحمل على طائفتين؛ الطائفة الأولى هم المشركون أنفسهم اللي جعلوا تدينهم بدل ما يكون هو إقامة التوحيد لله سبحانه وتعالى والانصياع لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم واتباع رسالته، جعلوا تدينهم عبارة عن ماذا؟ اللعب واللهو والاستهزاء بالدين والاستهزاء بالصحابه الكرام. كأنهم، يعني هناك، انظر كيف الله سبحانه وتعالى يعاتبهم أشد العتاب أنه بدل ما يكون دينك أفكار سامية ومبادئ عالية وبراهين وأدلة، جعلت دينك لعباً ولهواً واستهزاءً بأهل الدين والصلاح والاستهتار بالمبادئ، مع أنها دلت عليها الأدلة الواضحة البينة.

فيقول الله سبحانه إذن للنبي عليه الصلاة والسلام: ذر، يعني اترك هؤلاء الذين يصرون، بدلاً من أن يكون تدينهم هو اتباعك والانقياد للشريعة التي أتيت بها، مصرون على أن يكون تدينهم هو اللعب واللهو بالمبادئ التي تدعو إليها والاستهزاء بها. وهذا فيه تأكيد على المبدأ السابق أنه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68]. هنا يؤكد الفكرة مرة أخرى أنه مثل هذا الصنف، اللي هو يريد أن يكون تعامله معك بدل ما يكون باحث عن الحقيقة؛ الآن أهل الباطل على نوعين: هناك إنسان بتجد أنه يبحث صح، يعني هو فعلاً يريد الاسترشاد، نصراني، يهودي، في أي دين من الأديان يبحث عن الحقيقة ويحاول أن يصل إليها، هذا أنا ما عندي مشكلة أجلس معه ساعات طويلة وأسعى لإرشاده وتبيين الحق له؛ لأنه جاد، مستهدي، باحث.

لكن أنا مشكلتي مع -وهذا المطلوب مني- أتخذ معه مواقف صارمة، لا، إنسان هو غير جاد في البحث عن التدين ولا يريد الوصول إلى الحقيقه، لا، هو مصر أن يكون طريق تدينه وتعامله معي هي طريقة العبث والاستهزاء. هذا النوع، هذا النوع سبحانه وتعالى يقول: ذره. لما يأتي مسترشداً مستهدياً، أتتعامل معك، أما ما دمت مصرًا على أن تتعامل بنفسية اللاعب واللهو، أنا سأعرض عنك لعلك في يوم من الأيام تأتي مسترشداً.

إذاً، الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا، هذه يمكن حملها كما قلنا على أهل الباطل المصرين على التهكم بمبادئ الدين، ولكن يمكن حملها أيضاً على مين؟ وهذا انتبهوا له المعنى؛ لأنه أخطر على بعض الناس اللي أصله أنه مسلم، بس ماخذ قضايا الدين لعباً. يعني بعض الناس مسلم بقول لك: أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتلاقيه معك في التجارة وتلاقيه معك في سوق الحياة، بمجرد أن تطرح قضية دينيه هو يأخذ قضايا التدين بعدم الجدية وعدم الاهتمام، وماخذ دينه لعباً ولهواً. هو مش كافر فيها، بس مش ما بيتعامل معها بالجدية اللازمة؛ بسبب أن زمن الاستضعاف والسوشيال ميديا والاعلام خلاه يتعامل مع قضايا الدين بعدم جدية. بيئته، أصحابه في الشغل، زملائه، الناس اللي حواليه، أقاربه، طلعاتهم وجياتهم.

وهذا كيف صار بهذا النمط؟ لكثره مجالسته للذين يخوضون في آياتنا. لأن هذا النمط الذين أكثروا الجلوس مع الذين يخوضون في الآيات، ولم يقم الله عز وجل في الآية 68 شو أعطاك؟ قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. ليش قال لك: فأعرض عنهم وقم من المجلس؟ لأنه إذا أنت ما قمت وأصبحت تعتاد الجلوس في هذه المجالس، حتى أنت كمتدين -أنت مش ضد الإسلام، أنت صانك مسلم- مع الوقت ماذا سيصبح فيك؟ سيصبح تستمرئ هذا المزح في الدين، وتستمرئ النظر إلى قضايا التدين كأنها قضايا قابله للمداعبة، وهذا بيحكي نكته على الدين، وهذا بيحكي نكته على الحجاب، وهذا بيحكي نكته على اللحية، وهذا بيقول لك: مرة شفت شيخ، وهذا بيقول لك: مرة كذا. بتصير أنت تتقبل هذا المزح وتخوض فيه معهم. فلذلك الله يقول: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾.

والسبب في ذلك إيش؟ ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. هذا مؤمن أو مسلم ضعيف، الدنيا ماكلة قلبه، ماكلة حياته، بالتالي لما غرته الحياة الدنيا وانخدع بها أصبح إيمانه ضعيفاً، فأصبح يتقبل كما قلت أخذ قضايا الدين اللي هو مؤمن فيه، أصبح يتقبل أخذها بعدم جدية وعدم اهتمام وعدم اكتراث وأنها تكون مجالاً للعب واللهو، ما عنده مبدأ.

فبالتالي على هذا التفسير الثاني يكون الله سبحانه وتعالى في الآية رقم 68 نهانا أولاً عن الجلوس مع الذين يخوضون في الآيات وطلب منا أن نعرض عنهم، وفي آية 70 أيضاً طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يهجر وأن يترك المسلمين اللي ماخذين قضايا الدين بلعب ولهو وبعدم جدية ومخدوعين بالحياة الدنيا. أصبح منهي عن هؤلاء وعن هؤلاء. وكما قلت هذا المسلم اللي الأصل أنه مسلم، لكنه متخذ قضايا دينه لعباً ولهواً ومغروراً في الدنيا وماكلته الحياة، هو اصبح هذا نمطه؛ لأنه اعتاد الجلوس مع الذين يخوضون في الآيات ابتداءً، فتغير نمط تدينه انتهاءً فأصبحت هكذا نمط تدين.

وهذا بنشوفه واقعنا المعاصر إخواني في كثير من الناس. في اذهب إلى بيئات العمل العام المكشوفة، بتشوف واحد يصلي ماشي، بس أنه بعد كدة لما يطرح أي موضوع ديني مش مهتم، مش جاد. لما تيجي تقول له: يا أخي المال الحلال، حاول تأخذ المال الحلال، يا شيخ أنت خلص مالك ترى ببنك ربوي! يا شيخ بتمشي الأمور، يعني هي وقفت معي البنوك الإسلامية؟ بصير يحاول أي قضية ربا، قضية حجاب، قضية انضباط، قضية أخلاق، قضية نظر، كلياتها بالنسبة له اتخذ دينه لعباً ولهواً. شوف التعبير القراني ماخذ دينه لعباً ولهواً، مش مبدأ، مش عقائد، مش انتماء، مش ولاء، لا يغار على الشريعة، لا يغار على حرمات الله، لا يغار لما يرى معاصي الله عز وجل تنتهك أمامه. ممكن يكون جالس في مقاهي وفي اختلاط وفساد، وبعدين هو نفسه بيروح يصلي، بس أنه مش كل هاي الأمور عادي، بتلاقيه مثلاً بنته حفلتها مختلطة أو ابنه عامل عرس وبيحضر مع الناس ومشارك، ما عنده كما قلت مبادئ.

لانه الدنيا أكبر عنده من الآخرة، الدنيا أعلى عنده من أوامر الله ومن شرع الله سبحانه، وغرتهم الحياة الدنيا. إذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يهجر هذا الصنف من الناس من المسلمين الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا، أو كما قلنا على القول الأول المشركين اللي أصلاً هم ما بدهم ينصاعوا وبدهم يضل نمط تدينهم اللاعب واللهو.

ثم قال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾. لكن يبقى عليك -مع أني هجرت وأعرضت- لكن يبقى عليك داعية إلى الله وظيفة ماذا؟ التذكير. كل ما سنحت فرصة مع هذا الذي يستهزئ بدين الله أو مع هذا اللي متخذ الدين ولعب ولهو مش مهتم، كلما سنحت لي فرصة سأبقى أذكر. أنصحك يا فلان ترى تذكر! قال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾. والضمير في به كثير من المفسرين قالوا: يعود على القرآن. ولاحظ أن سورة الأنعام تربطك بالقران في آية 51: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ [الأنعام: 51] بالقرآن، وفي آية 70: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾، ودائما سورة الأنعام بتقول لك والذين كذبوا باياتنا والله سبحانه وتعالى ينبههم أنه قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 25]، وهم ينهون عنه وينهون عنه عن القرآن. إذاً القرآن هو محط الصراع في سورة الأنعام، القرآن هو محط الصراع. ينهون عنه ويناون عنه. بس المطلوب انك تبقى متمسك به، فقال لك: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ وقال لك هنا أيضاً: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾. عليك أن تبقى تذكر الناس بمضمون القرآن.

لذلك القرآن إخواني يجب أن يبقى فقط يحفظ؟ يجب أنه أنت كمسلم تفهم القرآن وتذكر الناس بواسطة القرآن. تقرا عليه آية قرآنية فيها عبرة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51] القرآن فيه كفاية واستغناء لمن أحسن فهمه وتوظيف آياته في الأماكن المناسبة؛ لأن القرآن يخاطب العقل والوجدان، مع آياته طبيعتها تشكل قارعة على الفاسدين: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] لكان هذا القرآن، أنت متخيل قدرة القرآن على التأثير؟ بس مين اللي يستطيع أن يوظف القرآن في المواقف؟ اللي فاهمه، مش فقط اللي حافظه. في ناس حافظ القرآن كامل بس مش فاهم ولا يعرف أن يسقط القرآن على وقائع الحياة التي يعيشها وعلى تفاصيلها. فلذلك قال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾.

أبقى ذكر الناس بالقران وبمضمونه، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. هناك تقدير حرف جر: لالا تبسل نفس. هناك لام الجر قبل أن ولام النافية بعد أن، وهذا كثير أسلوب في القرآن أنه أن تاتي ويحذف قبلها حرف الجر، فقال سبحانه وتعالى: وذكر به لالا تبسل نفس. دقيقه، شوف، شوف، شوف شو.

فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70]. الإبسال هو الحبس. وهذه من المسائل التي سأل عنها نافع بن الأزرق أو أحد الخوارج، بتعرفوا مسائل نافع بن الأزرق مع عبد الله بن عباس، هناك أسماء، يعني جمعت هذه مسائل نافع بن الأزرق لعبد الله بن عباس. هذا كان، لاحظ، رؤوس الخوارج ومع ذلك كان يعني يستفسر من عبد الله بن عباس عن بعض كلمات القرآن اللي هو ما كان فاهم دلالتها. فكان من مسائل نافع بن الأزرق أنه سال ابن عباس: ما معنى أن تبسل؟ ما هو الإبسال؟ وما كان يعرف دلالتها، فسيدنا عبد الله بن عباس أجابه أن الإبسال هو الحبس، وأتى له ببيت لزهير يذكر فيه أنه استعمل الإبسال بمعنى الحبس. فكان الله يقول: وذكر بالقرآن لالا تحبس نفس نار جهنم بما كسبت أي بسبب ما كسبت من الاستهزاء بالدين والاعراض عنه والخوض فيه.

فنحن وظيفتنا أن نستنقذ الناس حتى لا يحبسوا في نار جهنم. أنت وظيفتك أن تبقى تذكر بالقران حتى هؤلاء الذين يخوضون في آياتنا، حتى هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً، نحن نبقى نذكر خشية لالا حتى لا تحبس أنفسهم بما كسبت؛ لأنه في النهاية ربنا ما راح يحاسبك إلا على شيء أنت فعلته، حتى لا تحبس أنفسهم بما كسبت في نار جهنم. والانسان إذا حبس في نار جهنم لن يخرجه أحد إلا الله إذا شاء، لذلك قال: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: 70].

أنت دائماً في الحياة لما تقع في ورطة، في مصيبة، تبحث عن إيش؟ إما ولي ينصرك أو شفيع يتوسط لك، يعني هيك هي الحياة. لما واحد فينا يقع في بلية، يا يبحث عن ولي، يعني ظهر يستند حتى يحل هاي المشكلة، يا إذا ما وجد ولي، على الأقل واحد يتوسط له عند الجماعة حتى إيش يفكوني، حتى ألاقي لي حل. هكذا الإنسان، فالله عز وجل يخبرهم إذا دخلتوا نار جهنم، في نار جهنم لن تجد لا ولي ينصرك وتستند إليه ولا شفيع يتوسط لك عند الولي الحقيقي، يعني قمه الضعف، قمه الضعف! فلذلك اتخذ الولي في الدنيا قبل ألا تجده في الآخرة. اتخذ الولي في الدنيا، وسورة الأنعام تركز كثيراً على اسم الله الولي، كما قلنا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 14]؛ لأن الولاية هي أحد احتياجات الإنسان الضعيف، محتاج، واحتياجه يجعله يبحث عن ولي يستند إليه، كلكم جائع إلا من أطعمته، كلكم عار إلا من كسوته، كلكم ضال إلا من هديته، فالإنسان ضعيف ودائماً يبحث عن ولي ينصره. فالله يخبرهم: اتخذ الولي في الدنيا قبل ألا تجده يوم القيامة.

هذه النفس لاحظ في قمة ضعفها وهي محبوسة وعبر بالإبسال ليعطيك قمة ضعفها يوم القيامة. تخيل أن هذا الذي اتخذ دينه لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وإيش راح يكون حاله يوم القيامة؟ هذا اللي انت بتشوفه في المجالس معك، يضحك على قضايا التدين بمن فيه، وماخذ المشايخ وأهل الدين وكذا مزح وضحك، وبقول لك: شوف هذا الشيخ المسكين، وشوف هاي قضية الحجاب، وشوف قضية الاختلاط، وبده يختلط، وبده ياكل حرام، بيضحك. شوف كيف المشهد كيف بينقلك من الدنيا للآخرة فجأة! ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هذا ذكره لأنه يوم القيامة راح يكون في قمة ضعفه، محبوس في نار جهنم، لن يجد ولي ينصره ولا واسطة تشفع له، وجالس في قعر جهنم.

وأنت بتحكي عن جهنم الشيء الذي لا نهاية له، عذاب مؤبد وأنت محبوس فيه وغير قادر على أن تستنقذ نفسك، وغير قادر أن تجد أحداً ينصرك. في الدنيا مهما كان بلاؤك شديد ممكن تلاقي لك واحد يشفع لك، ممكن تجد ولي ينصرك يكشف عنك الغم في يوم من الأيام، لكن يوم القيامة في قعر جهنم لن تجد شيئاً. فنحن نحزن على الذين يخوضون في آيات الله، بشفق عليهم صحيح، بنشفق على الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً؛ لأن أنا عارف أن هذا بس يدخل جهنم سيبسل، يعني سيحبس، ولو صرخ لبكرة الصبح كما يقولوا، ما راح يجد لا ولي ولا شفيع، انتهت.

فأنا متأسف عليك. وهذا كان حزن النبي عليه الصلاة والسلام على كفار قريش، لماذا كان يتقطع حزناً عليهم؟ لأنه هم صح في الدنيا ماخذين الموضوع لعب ومزح وبيضحكوا على الإسلام وعلى الصحابه وبيذبوهم، بس هاي الدنيا تنتهي في النهاية، يعني أبو جهل شو ما عملت في الصحابه في النهاية يا راح يستشهد الصحابه، يا إنه راح ينتصر راح يغلبوك، وانتهت القضية، يعني لن يستمر حال الدنيا على ما هي عليه، بس المشكله إذا.

أبسلَت وسجنت في نار جهنم بما كسبت، فإنك لن تجد ولياً ولا شفيعاً. فاحنا نحاول، ولاحظوا قمة الاكتئاب، قال: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70]. لاحظوا استفاضة القرآن في وصف حال هذا اللي كان مأخذ قضايا الدين لعباً ولهواً وغرّته الحياة الدنيا؛ كيف رح يكون في قمة الذل والهوان والاكتئاب والحسرة في نار جهنم، مسكين!

فاعطاك أنه كيف أنه مبسول محبوس، تبسل كيف أنه ليس له ولي ينصره ولا شفيع يتوسط له؛ كيف؟ ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ هذه النفس المحبوسة المبسولة في نار جهنم. ايش يعني وإن تعدل كل عدل؟ تعدل أي تريد أن تفدي، العدل هنا هو الفداء. أنت الآن ممكن تحبس، تدفع فدية كفالة بيطلعوك، صح ولا لا؟ نحن بنسميها في الدنيا فدية أو كفالة، بيجي واحد بيتكفلك، بيدفع لك 20 ألف دينار بيطلعك. الدولة المسلمة لما بتيجي إذا شافت واحد سجين، بتيجي بتدفع للكفار مبلغ معين بتطلعهم.

فيقول سبحانه وتعالى: هذه النفس لما تحبس في نار جهنم، ممكن يتوقع كفالة تطلع؟ ممكن يجي واحد يتكفلها؟ يدفع لهم يا عم 20 ألف دينار للملائكة ويطلعوه؟ مش حينفع، وإن تعدل لو يحاول يدفع كل الفدية، لو يحاول يدفع كل المبالغ. كل عدل كل عدل، يعني أي فدية ممكن تخطر في ذهنك شو ممكن تدفع فدية، وإن تعدل كل عدل تفدي كل الفداء اللي متصور في الذهن، الملائكة لن تأخذ منك ديناراً، ستبقى محبوساً في نار جهنم أبد الآباد من أجل مجلس كنت تستهزئ فيه في الدين، أو كنت أنت ما تستهزئ بس ماخذ قضايا الدين لعباً ولهواً، مش ماخذها بجدية، فبسبب ذلك ارتميت خارج اسوار الشريعة.

الله يعطيك، لا تضع نفسك في هذا الظرف يا ابن آدم. يا ابن آدم، لا تضع نفسك في هذه الحالة الكئيبة الحزينة المخيفه المرعبة؛ حالة أنه ما حدا يتوسط لك ولا ولي بينصرك، ولو أنت معك كل كنوز الدنيا وكنت أكبر ملك من ملوك الأرض وحاولت تفدي لن ينفع شيء، لن يؤخذ منك دينار. لماذا؟ طب أُبسِلوا هؤلاء، لاحق التأكيد: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّن حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 70]، وما ربك بظلام للعبيد. هذا اللي صار معك في نار جهنم، هذا ليس ظلماً من الله سبحانه، هذا أنت جنيته بيدك، هي قراراتك في الحياة. في القرآن جاء يعلمك، القرآن قال لك: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68]. القرآن قال لك: لا تكن ممن غرتهم الحياة الدنيا واتخذوا دينهم لعباً ولهواً. إصرارك على هذه المواقف أنت ستدفع ثمنه يوم القيامة، وما ربك بظلام للعبيد. أولئك الذين أُبسِلوا، يعني حبسوا في نار جهنم بما كسبوا.

ولاحظ هنا، أي لماذا لم تذكر جهنم هنا؟ يعني لماذا يقال أُبسِلوا لكن ما ذكر مكان الإبسال صريحاً؟ حتى في أول الآية ذكر: ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70]. تُبْسَل طب وين؟ في نار جهنم. نحن فاهمون ضمنياً أن الحبس في نار جهنم، لكن لماذا يركز فقط على الإبسال؟ لأنه هنا كان الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك: هو مجرد الحبس هو الذي يركز عليه الآن. أنت فاهم ضمنياً أين ستحبس، لكن أنا اريدك أن تركز أنه مجرد أن هناك نفس محبوسة مسجونه لا تملك قرارها ولا تملك أن تتخذ أي تصرف. هذه نقطة التركيز هنا على صورة الإبسال والحبس وأنها في نار جهنم، هذا معروف ضمنياً من سياقات القرآن.

ثم قال سبحانه: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: 70]. ها، ما زال القرآن يعطيك مشهد هؤلاء اللي ماخذين قضايا الدين لعباً ولهواً، والذين يخوضون في آياتنا كالصنفين. الآية كلياتها تستعرض لك حالهم في نار جهنم، لعلهم في يوم من الأيام يسمعون هذه الآيات فتخيفهم. إذاً، هذا معنى إخواني، وذكر به. عشان بقول لك وذكر به؛ كيف تذكر هؤلاء بالقرآن؟ أن تقرا عليهم هي الآية، أنه هي الآية حتى لو هو مش كثير مهتم بالقران، ممكن تحرك في وجدانه شيء. وذكر به، قل له يا فلان، وذكر به؛ اقرأ عليه: ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: 70]. لما تكون جالس مع أقاربك غير المتدينين، أو لما تكون جالس في بيئة عمل غير متدينة، اقرأ عليهم هي الآية: ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70]. اقرأها عليهم وفسرها لهم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: 70]. شراب جهنم، شراب حار، الحميم هو الشراب الحار المنتهي في الحرارة ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 70].

ولاحظ هنا الكفر، أن تخوض في آيات الله، وأن تستهزئ بقضايا الدين، وأن تتخذ دينك لعباً ولهواً؛ ترى هذا يجعلك من الكافرين، انتهت القضية! انتهت القضية، حتى لو بتصلي، حتى لو شكليا في الظاهر بتصوم مع الناس، مجرد أنك تستهزئ بقضايا الدين وتتخذ الدين مكاناً للعب واللعب، هذا يخرجك من دائرة الإسلام. فاتق الله سبحانه وتعالى قبل أن يفوت الأوان.

طيب، إذا ملاحظون هنا واقعية القرآن لما بيتكلم مع الصحابة في الفترة المكية، أنه هو بيتكلم عن هذه فترة متوقع فيها مثل هذه المجالس بكثرة. زمن الاستضعاف تجد أهل الباطل يكثرون من العبث والاستهزاء بمبادئ الصالحين. ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام: 71]. الذين يخوضون في آيات الله ويستهزئون بقضايا الدين، هم ماذا كانوا يريدون من النبي صلى الله عليه وسلم؟ أن يتدين بدينهم، يعبد الأصنام التي يعبدونها، يعبد المبادئ التي يتجهون إليها. فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر هنا بأن يتوجه إليهم بهذا السؤال: قل اندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا؟

يعني أنتم عم تخوضوا في الدين وفي القرآن وبتستهزئوا بمبادئ الإسلام، ليه بدكم إيانا نرجع نصير زيكم؟ ونصير على طريقتكم، ناس رأسماليين على الطريقة الأمريكية، أو ناس شيوعيين اشتراكيين على الطريقة السوفيتية، أو ناس بأي طريقة من أشكال التدين التي بدكم نصير مثلكم؟ ﴿أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام: 71]. شوف الانتكاس دائماً يعبر عنها بالرد على الأعقاب. ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله؛ معقول إنسان يشوف الهدى أمامه يتزعزع ويرد على عقبه ليتبنى مبادئ لا تضر ولا تنفع؟

إذاً، الله سبحانه وتعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم: قل، يعني واجههم: ﴿أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام: 71]، وننتكس ونغير مبادئنا بعد إذ هدانا الله؟ ثم صور هذا الذي هو متزحزح غير ثابت في مبادئ، دائماً لما يكون الباطل إخواني قوي وله سطوة في الإعلام، سيبقى هناك عدد لا باس به ممن هو متدين لكنه مهزوز ضايع. يجد أهل الإيمان يحكوا له تعال معنا واثبت واصبر والعاقبة للمتقين وهذه سحابة وبلاء، وإن شاء الله سيتصدر الإسلام والمستقبل لهذا الدين. في المقابل بسمع الناس اللي بتقول له يا اخي سيبك من التدين سيبك من الالتزام وخليك انسان وهذا وهذول تعبوك وهذول مشاكل، وهي لاحظ العالم كيف متطور ومتحضر وهذول بس بضلهم يفكروا في المواجهة، الباطل ناس فقط يحملون أفكار غير جيدة غير صائبة. فبتجد هو متحير وين يضع أقدامه، ما هي المعركة التي يعيش من أجلها؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول للمشركين: تظنون أننا في حيرة من أمرنا؟ يعني لما نحن اتخذنا قرار الالتزام، قرار التدين، نحن اتخذناه عن قناعة، اتخذناه عن ثبات، مش اتخذناه ونحن متشككين هل نحن في الاتجاه الصحيح أو لا، أو في حيرة من أمرنا؟ هذا اللي في حيره من أمره الله عز وجل يصف لك حاله، قال: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71]. له أصحاب يدعونه إلى الهدى إتنا. هنا لاحظ هذا التعبير القراني الفذ الذي يعطيك حالة المسلم الذي يعيش في زمن الاستضعاف، أو الكافر الذي حاول يصير مسلماً ولا أبقى مع العادات والتقاليد التي نشأنا عليها. في ناس في زمن الاستضعاف هيك حاله، هو مش من رؤوس الكفر المعاندين، ولكنه أيضاً ليس من الراسخين في الإسلام، إما كافر يناقش حاله في الداخل أسلم ولا لا، أو مسلم متزحزح أنه انتكس وأرجع زي ما كنت ولا استمر في هذا الخط، هذا هو السواد الأعظم.

فالله عز وجل يصور لك صورة هذا الانسان المتذبذب اللي مش ثابت، مش راسخ، يقول: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71]. استهوت لها تفسيران؛ أما استهوت يعني أرادته أن يلقى في الهاوية، أرادته أن يلقى في الهاوية، استهواه أي طلب وقوعه. فالشياطين بالنسبة لهذا المتذبذب شو بتحاول تعمل؟ بدنا نخليه خلينا الآن نحمله على أنه المسلم اللي مش ثابت في إيمانه في زمن الاستضعاف، خايف، أحياناً هون أحياناً هون، مش ثابت وراسخ، هذا الشياطين تطلب سقوطه في الهاوية. استهوته أي تطلب وتتصيد وقوعه في الهاوية، وهذا يؤكده أو يرجحه أنه قال: استهوته الشياطين في الأرض. كلمة في الأرض هنا للمبالغة، تريده الشياطين أن يقع في عمق الأرض، لأنه دائماً القرآن يعبر عن حالة العلو الإيماني: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 176]. فدائماً يعبر عن حالة الانتكاسة وحالة السقوط تماماً بالهوي في الأرض. ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. فالقرآن يصور لك حالة المنتكس بذلك الشخص الذي الشيطان يريد أن يلقيه في الهاوية في أعماق الأرض في ظلمات.

﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71]. استهوته، يعني هي ما زالت تطلب هويته، هو لسه ما سقط لأنه قال ما قال أهوت قال استهوت، فالألف والسين والتاء تدل على أنه ايش؟ هو ما زال لم يقع، لكن الشياطين عم تتطلب سقوطه، وعم تضع له الأفخاخ في الطريق، وعم تحاول تلغم له طريق الالتزام والتدين وتخوفه حتى يهوي فعلاً. فإذا هناك شياطين تطلب سقوطك في طريق الالتزام، وبتحاول تضع لك فخاخ وألغام في الطريق وبلاءات التدين والعقبات؛ عشان هيك ربنا قال في سورة البلد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]. أي تدين وأي حالة إلتزام فيها عقبات، في ضريبة في الطريق والشياطين تتطلب سقوطك، فإذا أنت ما كنت راسخ ممكن تسقط في أي فجوة من فجوات الطريق وتقع في مستنقع الانتكاسة مرة أخرى. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71].

شوف التعبير القراني: حيران، مش عارف وين يروح، هو أنا أظني مع المشايخ ولا أشوف لي شغلة ثانية؟ هو أنا أظني في طريق الالتزام ولا أشوف لي قصة حب ولا قصة كذا وأعيش حياتي زي ما هالناس عايشة؟ هو يعني الواحد بيدخل الجنة إلا لازم الشيخ يصير يصلي ويربي لحية؟ ما تخليكم يعني، فبصير هو حيران مش قادر يرسو على بر، حيران. والذي يزيد الطين بلة أصحابه، له أصحاب يدعونه إلى الهدى إتنا. هنا أحد التفاسير الجميلة التي قرأتها في هذه الآية، له أصحاب، هنا أصحاب السوء، بعض المفسرين قال يدعونه إلى باطل يسمونه هدى، يدعونه إلى باطل يسمونه ايش؟ هدى وانفتاح ورقي، فالهدى هنا ليس الهدى الصحيح لا، هو باطل يزين لك أنه هدى ووسطية وعدم تشنج وانفتاح، بتعرفوا هاي العبارات المعاصرة. فبعض المفسرين قال له أصحاب يعني رفقاء سوء، زملاء عمل، زملاء جامعة، أقارب، ناس حواليك كل واحد بيجي بيقول لك يا اخي تعال الحق معي، صح؟ يا اخي أنا أنا بدلك على الخير. فرعون شو قال لقومه؟ ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]، وايش قال بعد ذلك في منتصف الصفحة هذه؟ ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]. فرعون بيحكيها، شو بقول؟ ما أُرِيكم إلا ما أرى! أنا يا جماعة بدي مصلحتكم، وما أريكم وما أهديكم إلا سبيلاً، صواب. ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]. فرعون سماى طريقته في الاستخفاف بقومه ايش؟ هداية! قال ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، يعني أنا بدي أهديكم للطريقة الصحيحة في التدين.

وهذا كل واحد فينا مبتلى بأصحاب زي هيك، اللي بيشتغل في البيئات المعاصرة في زمن الاستضعاف إلا تلاقيهم في شغلك: أنت سيبك من هذا، طريقة تفكيره خاطئة، أنا الحق اللي بقول لك امشي معي، أنا بفكر لك بطريقة صحيحة، وهذا مسكين يعني هو حيران. واللي زاد الطين بلة أنه عم بسمع خطابات كثيرة عبر السوشيال ميديا: شيخ بقول له كذا كذا، أعمى؛ بلاقي شيخ بقول له لا أوعك تعمل هيك هيك؛ شيخ بقول له بصير تاخذ قروض ربوية مش عارف تمشي حالك في الحياة؛ بسمع الشيخ بقول له يا اخي هي كبيرة من الكبائر أوعك؛ شيخ بقول له يا اخي عادي الاختلاط وكذا مش مشكلة ويعني؛ بلاقي قناة ثانية بحكي له الشيخ فهم حيران ومش عارف مع مين يروح! وكل واحد بعطيه خطابه، اللي بقول لك أنا الهدى عندي، أنا اللي بعطيك الصح، سيبك من الشيخ هذاك، هذاك متشنج، هذاك شو قصته؟ فبتجد أنه هذا الشخص في زمن الاستضعاف مش عارف شو يسوي في حاله.

فهنا ربنا سبحانه وتعالى شو لاحظ كلمة إتنا؟ ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنَا﴾ [الأنعام: 71]. كل واحد بيقول له: ايش، تعال لي أنا رح أخذك للطريق الصحيح. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾ [الأنعام: 71]. أمثال هؤلاء الأشخاص اللي الشياطين تتطلب سقوطهم أرضية خصبة للسقوط وحيران ومتذبذب بين دعوات كثيرة كثيرة حواليه: علمانية، نسوية، ليبرالية، إسلاميين، كذا ومش عارف يعلن اصطفافاته هنا، قل لهذا الشخص قل له: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾ [الأنعام: 71]، هدى الله المتمثل بالكتاب.

والسنة؟ ارجع للكتاب والسنة إلى هدى الله وإرشاد الله؛ ستجد في القرآن والسنة ما يغنيك عن كل هذه الحيرة إذا أنت شاكٍ من الذي يحكي صح من المشايخ والدعاة ومين الذي يفكر بطريقة صحيحة، ارجع للقرآن إذا أنت باحث جاد ارجع لهدى الله، للكتاب والسنة وافهم ماذا يراد؛ ستجد وستعلم من الذي يدعو إلى الكتاب والسنة ومن الذي يدعو إلى هواه.

﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾ [الأنعام: 71]، وهذا لاحظ أسلوب حصر؛ هدى الله هو الهدى، تعريف الطرفين مع وجود أيضاً هو ضمير الفصل، هذا كله أسلوب حصر، لن تجد هدى إلا في هدى الله، هدى الله هو فقط هو الهدى، وكل الدعوات الأرضية الوضعية كلها ضلال، كل دعوة لم تنطلق من قاعدة الكتاب والسنة فهي ضلال، قل إن هدى الله هو الهدى فقط دون ما سواه. إذاً أسلوب حصر يريد أن يؤكد أن أي دعوة لم تنطلق من الكتاب والسنة وإنما من آراء البشر أو من الدراسات الغربية أو من الدراسات الفلسفية الفارسية أو الهندية أو من البدع، من أي دعوة لم تنطلق من قال الله قال رسوله، فهي لا يمكن أن يكون فيها الهدى؛ هدى الله هو الهدى، أسلوب حصر لبيان أنه لا مجال للـ (لو واحد فكر: طيب مش ممكن نروح للجنة من طريق آخر؟ مش ممكن؟)، ما راح تروح للجنة إلا من خلال هدى الله ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71].

وأمرنا لنسلم لرب العالمين. هذا التركيب فيه خلاف يعني في الدلالة اللغوية أو الطريقة اللغوية؛ بعض المفسرين قال: وأمرنا بالإسلام لنسلمه، يعني وأمرنا بالإسلام حتى نسلم، لكي نسلم لرب العالمين، لأنه قال لنسلم. طب هذه اللام ما هي؟ وأمرنا لنسلمه. إذاً البعض يقول هي لام التعليل، والمأمور به محذوف؛ أمرنا، أمرنا بايش؟ أمرنا بالإسلام حتى يعني لكي نسلم لرب العالمين. وأمرنا أيضاً بايش؟ ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: 72]، فامرنا بالإسلام وأن أقيموا الصلاة واتقوه. بعض المفسرين قال: لا، قال هذه اللام هي نفسها بمعنى الباء، والتقدير: وأمرنا لنسلم يعني وأمرنا بأن نسلم، فهو هو نفسه المأمور به، يعني ما في داعي أن تقدر المأمور محذوف وأن اللام لام التعليل؛ لا، وأمرنا لنسلم، يعني وأمرنا باللام بمعنى الباء وامرنا بان نسلم لرب العالمين وبان ايش نفعل أيضاً؟ وأن أقيموا الصلاة واتقوه.

فنحن أمرنا بالإسلام، وهذا هو تعريف الإسلام؛ هو الاستسلام التام لرب العالمين، الذي تم تعريفه في أول السورة وفي وسطها: الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، الذي عنده مفاتح الغيب لا يعلمه إلا هو ويعلم ما في البر والبحر، هذا رب العالمين الذي تعرفنا عليه، أمرنا أن نستسلام له استسلاما كلياً. وهذا الاستسلام شعاره وعنوانه الصلاة، فلذلك تذكر الصلاة في هذا المقام هو شعار الاستسلام؛ الصلاة بما فيها من الركوع والسجود والاقوال والأفعال هي شعار الاستسلام، فلذلك قال: وأمرنا لنسلم لرب العالمين وكيف وما هو شعار هذا الاستسلام؟ وأن أقيموا الصلاة، فهذه رأس المأمورات، واتقوه، يعني واجتنبوا المنهيات واجتنبوا مساخطه.

وهذا يعني تعريف مختصر خلينا نقول جامع للإسلام؛ الاستسلام لله سبحانه وتعالى بالكلية واداء الصلاة باعتبارها شعار الإسلام، ونحن نتكلم عن الفترة المكية، لم تنزل التشريعات التفصيلية بعد، الزكاة والصيام والحج كلها لسه لم تشرع بعد، فهي آية مكية نزلت في مكة، فكان المأمور الأساس اللي عندهم بين إيديه ما هو أساساً؟ هي الصلاة، فقالهم: أقيموا الصلاة واتقوه، يعني واتقوه مساخطه، هذا الذي أمرنا به في هذه المرحلة وهذا الذي أمرنا أن نحققه ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 72].

ودائماً القرآن يركز على هذه القضايا ويكررها؛ قضية الحشر، يوم القيامة، الحساب، لأنه هي قضية مفصلية وجوهرية؛ من آمن بيوم القيامة حق الإيمان صلح الدنيا، ومن كان يوم القيامة مش على باله شو ما نصحته شو ما نبهته شو ما خوفته شو ما ذكرته، إذا ما تذكر الحشر الحساب البعث، كل هذه الكلمات التي عم تتكرر معنا في سورة الأنعام الحساب البعث الحشر يوم القيامة، دائماً هذه الكلمات هي التي ستكرر في الفترة المكية، لأنه أنا بتكلم مع ناس فاسدين، ناس مش مهتمين، ناس عابثين، فلازم أظلني أعيد هذا المفهوم وأذكر به، لأنه هو المفهوم الأساسي الذي به صلاح الانسان واستقامته، وأن أقيموا الصلاة واتقوها والذي إليه تحشرون.

وعادت الأنعام لتعرفك بالله سبحانه وهو الذي ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 73]، يعني إياكم أن تظنوا أن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض باطلاً، خلقها فقط ليريكم قدرة عامة وانتهى المشهد؛ لا، الله خلق السماوات والأرض بالحق، أي لأمر حق يريده سبحانه وتعالى، لتقام سوق العبودية في هذه الدنيا، ما خلق السماوات والأرض عبثاً، أو فقط من أجل أن يخلقها، خلقها لحكمه؛ لقيام سوق الابتلاء وتقام هذه الدنيا وليحصل في كل ما يحصل فيها من تفاصيل علاقة البشر ببعضهم البعض، وبعد ذلك ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73].

قول الحق وهذه اختلف فيها المفسرون كيف تعرب وكيف هو السياق، فالبعض قال: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق وخلق يوم يقول كن فيكون، يعني خلق هذا اليوم الذي لما يقول الله كن يوم القيامة سيكون ولن يتاخر، خلق هذا اليوم الذي لما يقول كن سيكون وسيُحصل وسيسرى فيه، سينفخ في الصور ويأتي هذا اليوم، فهو إذاً خلق السماوات والأرض التي هي تمثل الدنيا، وخلق يوم يقول كن فيكون الذي يمثل الآخرة، وهذه الإحاطة؛ خلق الدنيا وخلق الآخرة، خلق السماوات والأرض الدنيا لتقوم هذه الحياة بكل ما فيها وخلق يوم يقوم قول كن فيكون لتقام الآخرة ولتكون ساعة الحساب.

فهو يريد أن يخبرك أنه خلق الدنيا والآخرة، ولكنه لما عبر عن هذه الأمور عبر عنها بطريقة تشعرك بالهيمنة، أنه ما قال وخلق يوم القيامة، لا، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73]، لماذا قال (يعني مع أنه لو قال وخلق يوم القيامة كانت مختصرة أكثر) لكنه آثر ماذا أن يقول: ويو وخلق يوم يقول كن فيكون؟ خلق السماوات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون، لماذا خلق يوم يق لماذا عبر عنه يوم يقول كن فيكون؟ ليعطيك شعور إنه هذا اليوم بإذنه وبسيطرته وهيمنته، وأنه هو الذي سيقول كن يوم القيامة فسيكون، لأنه سورة الأنعام تركز على قضية القهار صحيح، وهو القاهر فوق عباده تكررت مرتين معنا سابقاً، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يري هؤلاء المشركين في هذا السياق الهيمنة والقهر، أنه أنا خلقت السماوات والأرض وخلقت ذلك اليوم الذي بمجرد أن أقول له كن فسيكون وسيحصل.

قوله الحق، على هذا التفسير ستكون قوله الحق جملة مستقلة صحيح، ستكون جملة مستقلة قوله الحق حق يعني هو لما يقول كن فسيكون، قوله الحق يعني لا يمكن أن ينخرم صح، قوله الحق هل يمكن أن يقول الله ليوم القيامة كن فلا يكون؟ مش ممكن يقول قوله الحق؛ إذا قال للشيء كن لا يمكن إلا أن يكون، فقوله حق والحق هنا الثابت لا يمكن أن ينخرم، لا يمكن أن يحصل خلاف ما قاله كن، يعني أنت كبشر ممكن تحكي لواحد اعمل ما يعمل ممكن تحاول تعمل الشيء ما يزبط، سبحانه قاهر فوق عباده إذا قال كن فيكون قوله الحق لا يمكن أن يحصل خلاف ما أمر.

هذا التفسير. التفسير الثاني هو: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق انتهت، يخبر أنه خلق الدنيا لحق أراده ولشيء شيء أراد أن يوجده وهو استخلافنا في الأرض خليفة لتقوم قصة الحياة، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73]، ستكون قوله الحق مبتدأ ويوم يقول خبر مقدم، التتقدير قوله الحق يوم يقول كن فيكون، قوله الحق يوم يقول كن فيكون يعني كأنه يقول يوم القيامة قوله الحق.

ممكن واحد يحكي: طب في الدنيا يعني قوله مش الحق؟ هذه نفس فكره لماذا قال مالك يوم الدين مع أنه مالك الدنيا والآخرة؟ لانه في الدنيا هناك من ينازعه صحيح، هناك من ينازع زي فرعون وفراعنة الأرض من ينازع الله في ملكه، لكن يوم القيامة يوم الدين ما أحد رح ينازع الله الملك، ونفس الشيء هنا: ويوم يقول كن فيكون قول قوله الحق، هو سبحانه قوله الحق في الدنيا وفي الآخرة، لكن هو يوم القيامة لن ينازعه أحد في أحقية قوله.

في الدنيا أنت تقرا على الناس وعلى جبابرة الأرض القرآن والسنة ينازعك أنه هذا قول حق، ويدعي أنه هذه أساطير الأولين صح وأنه نحن اللي بنقول الحق، لكن يوم القيامة لما الله يحاسب كل انسان ويقف مع كل انسان ويواجه كل انسان ما حدا يعترض على الله قدر أن ما حدا يستطيع، لأنه ذاك اليوم لا أحد ينازع الله في أحقية قوله، وإن كنا كمؤمنين نعلم أن قوله الحق حتى في الدنيا لكن هناك من ينازع، لكن يوم القيامة ما حدا رح يستطيع ينازع، فهو يريك القهر يوم القيامة، ويوم القيامة ذلك اليوم الذي سيحصل بكلمة كن فيكون قوله سبحانه الوحيد قوله الحق، وكل من كان يدعي في الدنيا أنه هو صاحب الحق (مش في ناس كانت تقول مو فرعون شو كان يقول؟ أهديكم سبيل الرشاد ويقول الهدى اتنا) لا، قوله الحق يوم القيامة الله سبحانه وتعالى، وكل من كان يدعي أن عنده الحقيقة وأن ما أتى به الإسلام ليس الحقيقة لن يستطيع لا أن يناقش ولا أن يجادل، ولا ايش عندك شيخ؟ لا، الحق صفة القول ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73] يوم يقول كن فيكون، فالحق صفة للقول، يعني القول الذي صفته الحق المطلق يكون يوم القيامة.

ثم أعطاك معالم السيطرة والهيمنة أكثر وأكثر قال: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73]، عالم الغيب والشهادة. يقول الرازي في المفاتيح يقول: لما يتكلم عن يوم القيامة عادة القرآن ما يستحضر صفة القدرة وصفة الملك، عفواً صفة القدرة والملك وصفة العلم، لأنه يوم القيامة هو يحتاج إلى ايش؟ إلى قدرة وملك وإلى علم وإاحاطة، والذي سيحاسب الناس يجب أن يكون عالماً بتفاصيل ما فعلوا، والذي بده يقيم يوم القيامة يجب أن يكون قادراً على أن يجمع الناس ويحشرهم، فهو سبحانه ماذا يقول؟ ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: 73]، والملك علامة القدرة، قال: وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة.

كان يعلم كل شيء سبحانه وتعالى؛ عالم الغيب وعالم الشهادة، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73]، فهو سبحانه وتعالى له الملك وهذا علامة القدرة يوم ينفخ في الصور. طب رح تيجي تقول لي: ما هو برضو له الملك في الدنيا؟ ما هو احنا فاهمين، بس هو يريد أن يقول لك: يوم القيامة ما في حدا رح ينازع إلا الله في الملك من كل جبابرة الأرض، فهي مثل (مالك يوم الدين)، فلذلك وأتى بالحصر فقال: وله الملك، ما قال الملك له، قال: وله الملك حصرياً، تقديم الخبر هنا على المبتدا يعطيك الحصر له وحده دون من سواه، له الملك فلن يدعي أحد ملك يوم ينفخ في الصور.

ولاحظ أنه عبر عن يوم القيامة بتعبيرين في هذه الآية؛ في الآية في الأول الآية عبر عنه بايش؟ بأنه اليوم الذي يقول كن فيكون، وفي هنا ماذا عبر عنه؟ بأنه اليوم الذي ينفخ في الصور، هذا يعطيك دائماً لا تظن أن هذه التعبيرات هيك حصلت مصادفة أو بدون هدف، لا، هو بده يخبرك أن هذا يوم ساعة قيامة بهيمنته لما يقول هو كن سيكون يريد أن يعطيك صفة من صفات هذا اليوم أنه تحت سيطرته وهيمنته في وقت انطلاقه، بعدين بده يقول لك أيضاً أن يوم هذا اليوم سينفخ فيه في الصور، والصور هو البوق، ما هو الصور؟ البوق الذي في فم إسرافيل، من الذي سيعطي إسرافيل الأمر بأن ينفخ؟ هو سبحانه وتعالى.

فهذا كله إعطاء مشاهد متنوعة عن هذا اليوم، لأنه أنا لما أعطيك عن يوم القيامة مشاهد متنوعة وتفاصيل متعددة ومن جوانب كثيرة يصبح له وقع هيبته، يعني أنا لما أتكلم لك عن يوم القيامة: لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ولن تجد لها من دون الله ولي ولا شفيع، أكلمك عنه هو يوم أقول كن فيكون، أكلمك إنه هو يوم ينفخ في الصور؛ الشيء الواحد لما يوصف بأوصاف كثيرة وتعطى عنه معلومات كثيرة أنت تصبح تميل إلى التصديق بوقوعه أكثر وأكثر، وتصبح أنت تفهم أن هذه في تفاصيل كثيرة يوم القيامة فتزداد هيبة له وإجلالاً لهذا اليوم، إذاً وله الملك، وهو أيضاً ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73]، لا تظن أنه عزب عنه شيء أو فاته شيء من أعمالك الظاهرة أو الباطنة.

ثم قال: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 73]، فيتعرف إليك هنا باسمه الحكيم لتعرف أن كل ما فعله من قصة الدنيا وقصة الآخرة بحكمة، وكل ما يحصل معك لحكمة، وبخبرة، قال خبير، فهو خبير بطبائع النفوس وخبير من يستحق الجنة ومن يستحق النار وخبير بما يخوفك وبما يصلحك، فأنزل هذا القرآن الخبرة بمفهومها الذي أنت تعرفه، لكن خبرة الله ليست كخبرة البشر، خبرة من أحاط بكل شيء علماً سبحانه وتعالى.

بعد كل هذا الزخم في التعرف على الله وفي بيان أحوال أهل الباطل وفي تصرفاتهم وأفعالهم، تأتي سورة الأنعام لتعطيك نموذجاً عملياً تطبيقياً كيف تتعرف على الله سبحانه وتعالى؛ الآن المشركون ماذا كانوا يطالبون النبي عليه الصلاة والسلام؟ بإنزال الآيات وقالوا: لولا نزل آيات من ربه؟ والله قال النبي عليه الصلاة والسلام: فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتاتيهم باية فافعل، ورفض سبحانه وتعالى أن يماشي النبي صلى الله عليه وسلم رغبات المشركين في موضوع.

وقالوا لولا أنزل عليه ملك. والله من أول السورة إلى تضاعيفها، وكانت هذه إحدى التحديات الكبرى التي كان يواجهها النبي صلى الله عليه وسلم، أنه هذا الصنف من أهل الباطل اللي عم يواجههم هم مصرون أنه بدنا آية حسية نحن القرآن مش مقتنعين أنه آية، بدنا آية تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف، يعني عم بعجزوا النبي عليه الصلاة والسلام من خلال اقتراح الآيات.

فالقران اعطاهم نموذجا لشخصية متفق عليها بيني وبينكم، من هو إراهيم عليه السلام؟ الآن كفار قريش كانوا يقولون: نحن على ملة إبراهيم، فهم كانوا يعرفون إبراهيم ويدعون أنهم باقون على هذه الملة يدعون ادعاء. فشوف أسلوب القرآن في ارشادهم وتعليمهم: أنتم الآن اتعبتم نبيكم صلى الله عليه وسلم وأكثرتم طلب الآيات التي تدل على الصدق وعلى التوحيد وما شابه ذلك، خلونا نعطيكم نموذجا كيف يمكن أنك أنت تستدل بهذا الكون بشكل منطقي وسلس على وجود الله سبحانه، وأنه الأمر هل الدليل لازم دائما يكون معجزة؟ أنت كإنسان ككائن حي مش ممكن تستدل بدليل عادي طبيعي على حقيقة شيء بدون ما يكون لك معجزة؟ هل الموضوع لهالدرجة معقد؟ ترى الموضوع أنتم بتعقدوه، وأنتم من تحاولون تعجيز النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرسل إليكم.

فأنا بيهمني دوماً أن أربط أقسام السورة ببعضها البعض، ولماذا الآن يأتي قصة إبراهيم وما فعله مع قومه، وأنه جن عليه الليل فرأى كوكباً وبعدين رأى القمر ورأى الشمس؟ هي رسالة لكفار قريش أن الموضوع مش محتاج اقتراح آيات ومش محتاج تعجيز النبي عليه الصلاة والسلام واتعابه، من يريد البحث عن الحقيقة هكذا يبحث في ملكوت السماوات والأرض عن الحقيقة. فقال سبحانه وتعالى معطيا لهم هذا النموذج من الاستدلال العقدي اليسير المش معقد ولا يحتاج إلى عقول ذكية حتى تنتبه له، قال سبحانه وتعالى مبينا ملة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: 74].

يعني الموضوع اللي بيعالجه النبي عليه الصلاة والسلام معكم يا كفار قريش ترى عالجه إبراهيم عليه السلام مع أبوه وقومه منذ القدم، نفس المشكلة مش أنتم بتعبدوا أصنام اللات والعزى؟ نفس المشكلة كان يواجهها إبراهيم عليه السلام اللي أنتم تؤمنون به. فكانت مشكلته مع أبيه ومع قومه أنهم يعبدون أصناما ويعتقدون أن هذه الأصنام آلهة تستحق العبودية مع اعترافهم بوجود الله، قوم إبراهيم أبوه وقومه هم كانوا يقرون بوجود الله، لكن كانت نفس الإشكالية اعتقاد أن هذه الأصنام تخدمهم مع الله فيخضعون لها ويتقربون لها ويشركون بها مع رب العالمين سبحانه وتعالى.

فاذكر لهم واذ قال، يعني اذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم لهؤلاء كفار قريش اذكر لهم مقولة سيدنا إبراهيم الذي هم يؤمنون به لأبيه آزر. وهذا يدل على أن إبراهيم أبوه اسمه ماذا؟ آزر. هل هذا اسمه الحقيقي أم هو لقب وكان اسمه تارح؟ هذه نقاشات في كتب التفسير قد لا تهم مستمعينا، المهم أن الله سماه آزر، فهذا بالتأكيد أما لقب وأما اسم. ماذا قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناما آلهة؟ معقول يا أبتي تيجي على أحجار تخليها آلهة وتتقرب لها؟ يعني أبوكم إبراهيم الذي تنتسبون إليه يا قريش كان يستنكر على أبيه أنه يعبد أصنام وأحجار كما تفعلون أنتم الآن.

وإبراهيم ماذا قال لأبيه وقومه: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 74]. ضلال واضح. في عاقل يشغل دماغه بيخضع لصنم بيخضع لحجر ويتقرب له ويتعبد له ويتخذه آلهة؟ مش كمان إله واحد لا شركاء متشاكسون، أنتم عاملين آلهة وهيك حفلة يعني الواحد يخضع لإله واحد حتى يرتاح قلبه، أما اللي يخضع لآلهة متعددة هذا يتعب، هو بده يرضي فلان ولا يرضي فلان؟

فإبراهيم عليه السلام حتى يقنع قومه أن هذا النمط من التعبد لا يصلح وانه فاسد ما احتاج إبراهيم أن يأتي بأمور خارقة زي ما أنتم بتطالبوا يا كفار قريش. إبراهيم ربنا علمه سبحانه وأعطاه موهبة الجدال، لذلك القرآن كثيرا ما قص علينا مجادلات إبراهيم، مجادلته مع النمرود: أن الله ياتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. في سورة الصافات قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]. وبعدين راح الأصنام وقطع لهم اياها وخلى الكبير، يعني سيدنا إبراهيم عنده مهارات في الجدال واحقاق الحق دون الحاجة لمعجزات خارقة للسنن الكونية كما أنتم تطالبون ولا لتعقيد المشهد.

قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 75]. الآن وكذلك، الشيخ الطاهر بن عاشور يقول: وكذلك هذا أسلوب من أساليب العرب يجري مجرى المثل، أن تقول وكذلك نوري فلانا كذا وكذا. ايش يعني وكذلك؟ يعني طبعا هنا معنى اسم الإشارة كذلك، يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: كذلك هي دائما في بدايات الجمل ملازمة لهذه الصيغة للأفراد والتذكير، ما بصير تقول وكتلك أو كذلكم أو كه، يجب أن يبقى محافظ على هذه الصورة ذلك، ويكون اسم الإشارة يشير إلى ماذا؟ إلى شيء مأخوذ من مضمون الفعل المذكور بعده، إلى شيء من مضمون الفعل المذكور بعده، يعني وكذلك نري وكأنه يقول الكاف بمعنى مثل، أي مثل ذلك الإراء نوري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، والمراد به ماذا؟ المبالغة في تعجيب.

يعني كأنه يقول نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، والمراد بالرؤيا هنا ليست رؤية الحس، يعني وإن كان البعض قالها، الذي اختار أنه رؤية الفهم والاستدلال بملكوت السماوات والأرض على الله، يعني وكأنا نري إبراهيم كيف ينظر في ملكوت السماوات والأرض فيستدل به على الله سبحانه وتعالى. نريه ذلك بطريقه عجيبة مبهرة تزيد العلم والإيمان، فقوله في البدايه وكذلك نري المراد بها أن هذا الـ هذه الرؤية هي ليست كأي رؤية، هي رؤية متينة يقينية قوية مستبصرة مستهدية، ليست كأي إنسان يستدل، لا إبراهيم إبراهيم له تفوق له تميز له علو كعب على غيره في هذه المقامات، فتعلموا من ملة إبراهيم وتعلموا من مدرسته وتعلموا من طريقته. فكان الله يريد أن يشوقك لتنظر في طريقة إبراهيم في الإقناع وفي طريقة إبراهيم في الاستهداء حتى تنتفع بها يا أيها الإنسان.

فاذا وكذلك نري، كذلك هي ستتكرر معك حقيقة في القرآن كثيرا أن تجد في بداية الجمله وكذلك، وكذلك. الآن كما قلت ترى في خلاف كبير بين المفسرين فيها بس حتى أنت يعني تستروح وأنا ما بحب الإخوة الآن اللي بيحضروا هي المجالس أن أدخلوا في الآراء النحوية ولأنه في كلام كثير، خذ لك قول واحد وهو من الاقوال الجيدة ومن عالم نحرير في اللغة خلص وامشي عليه حتى ما تبقى تشعر بالبعذرة في هذا المكان، أن كذلك هي كأنها مثل من الأمثال يستعمل للتعجب والمبالغة لما يبت ابتدا بها وتفسر بما بعدها، وكذلك نري أي نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض رؤية متينة قوية. فإبراهيم عليه السلام، طبعا الملكوت هو مصدر بس مصدر فيه التاء تمام، والتاء هنا للمبالغة وأصلها الملك، وكذلك نوري إبراهيم ملك السماوات، ما قال ملك قال ملكوت للدلالة على أن الملك الذي في السماوات والأرض عظيم جدا وعميق جدا. كان إبراهيم يعلم كيف يستدل بهذا الملك على مالكه ويصل إلى الفاعل الحقيقي والخالق الحقيقي والإله الحقيقي الذي لا يقبل الشركة.

فارينا وعلمنا إبراهيم كيف يستهدي بملكوت السماوات والأرض على الله ليزداد علما وليكون من الموقنين، وهذا يدل على أنه سيدنا إبراهيم كان يحرس دوما أن ينظر في ملكوت السماوات والأرض وينظر في الأدلة التي تدل على الله سبحانه وتعالى ليزداد إيمانا ويقينا، مش فقط ليهدي قومه فقط بل هو نفسه كان يحرص على أن يطور القضايا ويطور الأدلة ويزداد عمقا في الإيمان، لذلك مش قال رب أريني كيف تحيي الموتى؟ هذا شيء بينه وبين ربه وما كان يناقش كفار قريش عفوا كفار قومه، ما كان في مقام المناقشة. لا سيدنا إبراهيم كان يعلم أن الإيمان ليبلى في جوف أحدكم فادعوا الله سبحانه وتعالى أن يجدده، أن الإيمان ليبلى في جوف أحدكم كما يبلى الثوب أو أن الإيمان ليخلق في ثوب أحدكم كما يخلق الثوب، فالإنسان المؤمن إخواني عليه أن يبقى ينظر ويعيد النظر ولا يفتا من النظر في الأدلة التي تزيد إيمانه بربه سبحانه وتعالى.

اجلس انظر في السماء، انظر في الأرض، أحضر لك برنامج عن الجيولوجيا، شوف في حيوانات، عليك أن تكثر هذا الإيمان ترى يبلى وقد يفطر علاقتك مع الله سبحانه، فأنت تجدده من خلال هذا النظر. فيقول سبحانه: إبراهيم لما كان ينظر في ملكوت السماوات والأرض، هل فقط كان ينظر ليعرف كيف يجادل قومه؟ لا، هذا كان أحد مقاصده ولكن من مقاصده أيضا أن يزداد هو يقينا وليكون من الموقنين.

فكان كان هناك شيء معطوف عليه، صح؟ لما يقول وليكون من الموقنين هذا عطف على ايش؟ في شيء مقدر في السياق، يعني نحن نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض لماذا؟ بدك تقدر شيء مناسب: نوري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ممكن تقول التقدير ليجادل قومه ويقيم عليهم البراهين وفي نفس الوقت وليكون هو في داخله من الموقنين المطمئن، أحسنت. فهو يستفيد من هذا النظر في ملكوت السماوات والأرض أني اعرف أجادل أمامي وفي نفس الوقت أنا أكون مطمئن في داخلي وأزداد يقينا مع الوقت لأنه حتى لو الأمامي ما قبل مجادلتي أنا مش أقول والله ضيعت وقتي وانا بنظر، أنا ازددت يقينا، أنا كسبت على كل الجهات.

ولذلك هناك خلاف شديد: هذه المجادله التي ستاتي معنا هل قالها إبراهيم ناظرا أو مناظرا؟ في خلاف بين المفسرين، ابن جرير الطبري يقول إنه هذا النقاش: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76] الآية اللي بعدها ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا... فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ [الأنعام: 77-78] إبراهيم ما كان يناظر أحدا، هو اختار الخيار أن إبراهيم هذه كانت فترة من حياته كان فيها سيدنا إبراهيم يبحث عن الهدى.

يعني يقولون طبعا هنا بعض المفسرين اختار ابن جرير إمام المفسرين اختار أن إبراهيم إبراهيم هنا ما كان يناظر المشكلة، كان قال بعضهم في فترة صباه، اللي بيعترض على هذا القول أنه معقول إبراهيم كان شاك؟ يعني معقول إبراهيم طب يعني الأنبياء معصومون؟ هل معقول أن إبراهيم يعني في فترة معينة اعتقد أن النجم رب بعدين أن القمر رب بعدين أن الشمس رب بعدين اكتشف أنها ما بتصلح فاخر شيء اهتدى إلى الله طب قبل ذلك؟ يعني فهمتوا بالا وين صعوبة هذا القول؟

الذي يخشى من هذا القول أن يقول أن إبراهيم هنا ما كان يناظر بل كان هو يعلم نفسه كيف يصل إلى الله، وهذا درس لكفار قريش انظروا في الكون واستدلوا به على الله كما أن إبراهيم نظر في الكون فاستدل به على الله، مش راد مناظرة إبراهيم مع قومه. هل هذا القول يعني خطأ 100%؟ هل فعلا لا يجوز أن نقول أن إبراهيم كان ينظر هو ليصل إلى الله؟ حقيقة ما دام كبار مفسرين كابن جرير الطبري وقالوا كذلك الخازن وغيرهم تبنوا وجهة النظر هذه ولم يقل أحد من العلماء لهم اتقوا الله وأنكم كفرتم بهذا وكيف تعتقدوا، إذا معناتها لهم وجهة نظر وأنه لا تتصور لا تتصور أن إبراهيم كان مشركا حقا، وإنما كما يقول بعض المفسرين أن إبراهيم هذه الحالة من النظر والتفكير هو لم يكن فيها مصمم، يعني كيف تجي أنت على بدك تعمل تجربة أنا الآن لسه ما اجا يعني بدنا نعتقد أن سيدنا إبراهيم لسه لم ينزل عليه جبريل.

فكان أن الله عز وجل مش قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7]؟ مش كان سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يخرج على غار حراء ما كان عنده وحي بس كان يعتقد أنه هناك شيء يجب أن أتوجه إليه وأعبده وأخضع له والا أكون كعباد الأصنام الذين في بلده؟ فهو لم يعبد صنما لكن كان ينتظر شيء يكشف له، فهذا ما يمكن أن نقوله أن إبراهيم كان ناظرا في حق نفسه أنه إبراهيم عليه السلام من ذكائه وحده نظره أنه قبل أن ينزل عليه الوحي أصلا. بعضهم قال في فترة صباه حتى يخرج من الورطة قالوا هي كانت في فترة صباه قبل أن يكلف، والبعض قال لا يوجد دليل واضح على أنه هذا كان في فترة الصبا، هو سيدنا إبراهيم قبل أن ينزل عليه الوحي كان متأملا كما كان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام متأملا في غار حرا، فكان إبراهيم يتأمل ويحاول أن يصل بنفسه للحق.

من هو الإله الذي يستحق أن يعبد؟ ما كان عنده وحي استنزل عليه وكل قومه كانوا يعبدون أصنام وأحجار، هو مش مقتنع بعبادة الأصنام والأحجار أو بعبادة الأشياء التي كانوا يعبدونها، فحاول أن يضع ايش فرضيات؟ كيف أنت تحط فرضية وبتحاول تختبرها؟ أنت لست موقن بها بس أنا ايش بدي اختبرها؟ ففرض فرضية، اجا الليل راى كوكب قال هذا ربي، يعني بدي أعتمد كأول تجربة أنه هذا رب بدي أشوف بيصلح ولا ما بيصلح، إذا هل هو مصمم عليه؟ لا، وفرق بين من يجرب الشيء تجربة مع عدم تصميمه وإنما حتى يختبر. أنت الآن في وحي تخيل ما في وحي على الأرض ما في رسل وصلت ديانتهم إلى إبراهيم عليه السلام، إبراهيم كأنه تقول بدأ من نقطة نقطة الصفر بالنسبة لحياته عاش مع قوم يعبدون الأصنام مش مقتنع، فكأنه يبدأ من نقطة الصفر في وجهة نظر ابن جرير وهذا هو ما يعلم به كفار قول، شوفوا كيف بدون معجزات فكر فاهتدى فكر بمنطقية.

جعل ليرا كوكباً قال: بدي أفرض إنه هذا ربي، بدي أشوف شو بيصير معه، اجت طلع الصبح راح النجم أو الكوكب بطل يبين، قال: لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر قال لك: خلينا نعمل تجربة أخرى على شيء آخر، خاصة أن قومه قيل كانوا بعض الآن إراهيم تعامل مع أكثر من فئة منهم؛ قوم كانوا يتجهون إلى الكواكب، صابئة كانوا يتجهون إلى الكواكب، ما كانوا يعتقدون أن الكواكب هي الرب الأول، لا، كانوا يشركون بها مع الله.

فإبراهيم عليه السلام عم بيعمل اختبار في وجهة نظر ابن جرير ومن اختار هذا الرأي، عم حاول يختبر بنفسه دقة هذه الأمور التي يزعمون أن هذه الكواكب والله تصلح أن تكون آلهة وأرباب. فاختبر النجم أو أولاً اختبر الكوكب أفل، بعدين اختبر القمر أفل، بعدين اختبر أكبر جرم سماوي ممكن تشاهده الشمس وجدها نفس الشيء أفل، فوصل في النهاية إلى قناعة وتيقن أن هذه لا يمكن أن تكون آلهة وأرباب؛ لأنها تأفل وتغيب، وسأعلق على هذا بالتفصيل في الدرس القادم، أنا فقط وأنا بس بجهزك للقصة، وإنما الذي يستحق أن يكون هو المعبود هو فقط من خلقها؛ لأن أنا مش ممكن ألجأ إلى شيء يغيب.

طبعا لما يغيب طبعا شو بدي أسوي في حالي لما يغيب الإاله؟ تخيل الإله بيغيب عن المشهد، لما يغيب شو أسوي في حالي؟ وين أروح أنا الإنسان؟ لأن أنت ما الذي يطمئنك في بلاءات الحياة ومصائبها؟ إنه الإله ما بيغيب، لازم يكون حاضر طول الوقت حتى أنا نايم، شعور: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، يعني عنده شعور تماماً بالطمأنينة. فإبراهيم استطاع من خلال النظر الدقيق أن يصل إلى المعبود الحق، فأنتم يا كفار قريش بإمكانكم أنكم تنظروا في ملكوت السماوات والأرض بدون ما تعجزوا النبي عليه الصلاة والسلام بالآيات وأنزل علينا آية، وانظروا وستهدون، ترى الموضوع لا يحتاج إلى كثير عمق لتفهموا أن هذه الأصنام وهذه الكواكب ترى لا تؤدي شيئاً، هذا الصنم اللي أنت تعبده إذا طلعت من الغرفة ما بشوفك، بغيب، كل شيء بيغيب، لا يصلح أن يكون إلهاً.

هذا القول الثاني هو من يرى أنه لا، أن هذه الأصنام أنه سيدنا إبراهيم هنا كان موحداً، لكنه كان في مقام الجدل والتنزل معهم، وهذا اختار ابن كثير ومجموعة الأكثر المفسرين قد يتجه إلى هذا الرأي، أنه إبراهيم لا أصلاً هو ما كان يعني يبحث ناظر، كان مناظراً، مناظراً يعني هو موقن وجود الله، بس بده يحاول بالتلطف أن يقنع هؤلاء أن هذه الكواكب التي تعبدونها مع الله تشركونها مع الله لا تصلح، لا تصلح أن تعبدها وأن تلتجئ إليها؛ لأنها تغيب، والغائب لا يصلح أن يتعلق به، فهذا رأي آخر.

وحقيقة، سواء على الرأي الأول أو الرأي الثاني، أنت بيهمك المضمون، يعني أنت قا- كان ناظراً ولا مناظراً؟ أنت ما تدوش حالك في القصة هي، يعني اختار وانظر وتامل، معك مساحة التفتيش في الأقوال، لكن في النهاية أنت بيهمك مضمون النقاش، وكيف استطاع إبراهيم أن يصل من خلال المقدمات اللي افترضها إلى النتائج التي يريد أن يوصل قومه إليها. هذا نتركه للدرس القادم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.