دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام المجلس التاسع [من الآية 76 إلى الآية 90 ]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا المجلس الطيب المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير. الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن منهاج اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن، ممن يعيش مع القرآن، وممن يستبصر بالقر القرآن. اللهم اجعلنا من العاملين به، واجعله لنا في الدنيا أنيساً وفي القبر مبعداً عنا الوحشات والظلمات، ويوم القيامة قائداً لنا إلى الجنات يا أرحم الراحمين.

أيها الكرام، ما زلنا نعيش في أفياء سورة الأنعام، وقد وصل بنا الحديث إلى قصة سيدنا إبراهيم. وقلنا إن ذكر قصة سيدنا إبراهيم في هذا الموطن من سورة الأنعام له ارتباط بما قبله، وذلك أن المشركين كانوا من أبرز مجادلاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم واقتراح الآيات المتكررة المستمره فكانوا كثيراً ما يكثرون على النبي صلى الله عليه وسلم من طلب آيات جديدة وأمور خارقة ومعجزات، ونريد أشياء غريبة على خلاف المعتاد، على خلاف المتصور. والنبي عليه الصلاة والسلام من حرصه على دعوتهم وحرصه على إسلامهم كان يأتي في قلبه خاطر أن يسأل ربه سبحانه وتعالى أن ينزل آيات.

فكان القرآن في سورة الأنعام كثيراً ما يوجه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يثبت على خطابه الدعوي، وأن يثبت على ذكر كليات الإسلام ومبادئ الإسلام، وأن يدلهم على استعمال العقل استعمالاً صحيحاً للاستدلال على الخالق الواحد سبحانه وتعالى دون الحاجة إلى طلب المعجزات الخارقات؛ فإن في الكون وفي القرآن من الدلائل على وحدانية الله رباً وإلهاً ومقصوداً ما يغني.

فالله سبحانه وتعالى لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِي نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَاتِيَهُم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: 35]، فهو يقول له إن هؤلاء ليسوا جادين، ليسوا صادقين في البحث عن المعرفة التي توصلهم إلى الله، ولو كانوا صادقين جادين فها نحن نعطيهم نموذجاً من نماذج النظر والمعرفة والاستدلال الصحيح البسيط السهل الميسر، الذي إذا اتبعه الإنسان فإنه يقوده إلى حقيقة الألوهية والربوبية دون الحاجة إلى التعنت وطلب الأمور الخارقة والمعجزة والغريبه والملفتة حتى يثبت له مصداقية النبي صلى الله عليه وسلم ومصداقية دعوته.

فكان من المناسب في هذا السياق ذكر سيدنا إبراهيم عليه السلام باعتباره أستاذ المناظرات، وأستاذ الاستدلال، ومعلم الأمة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120] في جميع أمور أحواله وأخلاقه وسلوكياته عليه الصلاة والسلام. فجاءت هنا القصة مناسبة لما قبلها، وهذا الذي يهمني أن يكون الإنسان مستحضراً لارتباط قصة سيدنا إبراهيم بما ورد قبلها في هذه السورة؛ قوم يطلبون الخوارق والمعجزات، فتأتي قصة سيدنا إبراهيم لنموذج من الاستدلال على الله سبحانه دون الحاجة لخوارق ومعجزات، بمجرد النظر الصحيح في الكون يقودك إلى ربك عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75].

قلنا وليكون هذا واو العطف تدل على أن هناك شيئاً محذوفاً من السياق مقدراً. وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض ليعلم الناس كيف يجادلون، أنت معك مساحة للتقدير هنا، ما هو الشيء المقدر الذي عطف عليه الآن؟ وليكون من الموقنين هذه واضحة ليزداد هو يقيناً. وبالتالي هذه قلنا فيها فكرة مهمة في الدرس الماضي، وهو أن الإنسان عندما يعيد النظر في أدلة التوحيد هو يجدد الإيمان في قلبه، ويجدد اليقين في قلبه، وأنه لا ينبغي أن يقف المؤمن عند حد معين يقول: خلاص أنا آمنت بوجود الله، بالتالي لا حاجة لي أن أنظر في أدلة وجوده مرة أخرى. كلا، سيدنا إبراهيم بقي ينظر في أدلة وجود الله، ويزداد في النظر فيها، ويزداد في التأمل فيها؛ لأن هذا التأمل وهذا التجديد في التأمل يعيد الإيمان في قلبك بعدما يخلق: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب». فلما يبلى الإيمان، النظر في أدلة وجود الله، النظر في ملكوت السماوات والأرض، النظر في الأدلة القرآنية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53]. هذا النظر وهذا التجديد مهم لتجدد الإيمان، فهذه فكرة مهمة جداً.

المؤمن لا يوجد عنده حد ينتهي عنده، لا يوجد حد أنتهي عنده من الاستدلال ثم أقف ولا أعيد النظر مرة أخرى، ينبغي أن تعيد وتجدد النظر بشكل دائم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: 190-191]. ولاحظ الفعل المضارع الذي يدل على التجدد: ويتفكرون، مش تفكروا أنت لا، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً.

فهذا التفكر وهذا التأمل واعاده النظر مرة تلو المره يزيدك حب لله وعلاقة بالله وإيقاناً بالله سبحانه وتعالى؛ فانه حتى اليقين اليقين يزيد وينقص، وأنت عليك أن تتبع الخطوات التي تزيد مستوى اليقين. فكما قلنا، وكذلك نوري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، هناك تعليل أول مقدر في السياق وتعليل ثاني المذكور، المذكور هو ايش؟ من الموقنين.

فكان هذا تنبيه من الله لنا، يعني لماذا ذكر هذا وحذف ذاك؟ ذكر هذا لينبه أهل الإيمان على ضرورة النظر المستمر وضرورة أن يزدادوا يقيناً، وأن لا يعتقد الإنسان أن معرفته لأصول الجدل والمناظرة وأصول الاستدلال والتفكر هو فقط هدفه مجادله الناس والأخذ بأيدي الناس، لا، أنت نفسك تحتاج أن تنظر وتستدل وتتعلم الاستدلال لتزداد يقيناً.

فإذا المفعول لأجله خلينا نقول المقدر وإن لم يكن مفعول لأجله لكن هو التعليل المقدر، وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليجادل بها، لينافح بها عن هذا الدين، ليرد على المبطلين الفاسدين أشياء كثيرة، وليكون في نفس الوقت من الموقنين هو في داخله وفي أعماقه يزداد يقيناً.

فلما إبراهيم في سورة البقرة: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: 260]. فالبحث عن برد اليقين، البحث عن الطمانينة، هذا بحث مهم حتى أنت كمسلم، وأنا واياك مسلمين، يجب علينا أن نجدد البحث ونعيده لتزداد الطمانينة في نفوسنا، وليزداد اليقين تجذراً.

الآن هذا نموذج من نماذج المناظرة، وأظن أننا في درس الماضي في ختامه ذكرنا النقاش: هل سيدنا إبراهيم كان ناظراً أو مناظراً؟ هل كان ناظراً يعني هل هو كان فعلا هو يبحث بنفسه عن الحقيقة عن الإله أم كان مناظراً فمثل دور الذي يبحث عن الإله أمام قومه ليعرفهم طرق الاستدلال؟ أنت عندك قولان للعلماء في هذا، ابن جرير الطبري والخازن ومجموعة من أهل العلم نصروا أنه كان ناظراً في نفسه، وهذا لا يعيبه.

قالوا أما لأنه هذا كان قبل البلوغ، أو لأنه هنا قبل أن يوحى إليه، قبل أن يوحى إليه كان يتعبد كما كان عليه الصلاة والسلام يتعبد في غار حراء، فكان يحاول النظر والبحث والتفكر ليصل إلى المعبود الحق، فهذا ليس كبيرة من الكبائر وليس أنه كان مشركاً فعلا، وإنما كان على سبيل التقدير: افترض أن هذا ربي، طب هل ستكون النتيجة موفقة؟ لا، مش موفقة. سافترض بعد ذلك أن القمر ربي، طب هل سيكون موفقاً؟ لن يكون. سافترض أن الشمس ربي؟ إذاً بالتالي لا يصلح أن يكون رباً إلا هو الإاله الحق سبحانه وتعالى.

طبعا هنا أيضاً هذا له قضية أخرى يجب أن ينظر فيها، وهو أن الاقوام الذين كان سيدنا ابراهيم يدعوهم، والفكرة التي كانت موجودة وسائدة عند أبيه وعند قومه هي ليست فكرة فيما يظهر ليست فكرة عدم الايمان بالله، هي فكرة الشرك مع الله. يعني لأنه لو كان يتعامل مع قوم هم لا يعترفون أصلا بوجود إله غيبي سنجد أن هذه المناظرة سيكون فيها إشكال؛ لأنه سيقول لك: طب كيف استدلت من خلال عدم وجود الليل، عدم نجاح الكوكب والقمر والشمس، كيف استدلت بعدم نجاحها أن المعبود الحق هو الله سبحانه؟ أنت لم تذكر هنا كيف وصلت إليه؟ لا، هي النتيجة هذه وصل إليها ابتداء؛ لأن قومه كانوا يؤمنون بوجود إله ولكن يشركون معه هذه الكواكب وهذه الأجرام السماوية، فأراد أن يبين لهم أن هذه الكواكب والاجرام لا تصلح أن تكون شريكة معبودة مقصودة، لما سياتي معنا؛ لأنه هو في النهاية قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78]. هي في الآية ماذا قال؟ ما قال إنّي بريء مما تعبدون، قال إنّي بريء مما تشركون.

إذاً هي مشكلتهم شرك إشراك، مش مشكلتهم أنهم ما كانوا يعرفون الله سبحانه؛ لا، هم يعرفون الله ولكن كانوا يعتقدون في النجوم والأجرام والشمس والقمر أنها تتصرف مع الله، أنها تشارك الله، فكانوا يخضعون لها كما يخضعون لله سبحانه، وهذا هو جل البشرية أن مشكلتهم في الشرك وليست في أنهم كانوا ملحدين أو أنهم ما كانوا يعرفون الله، كانوا يعرفونه لكن يعبدون معه سواه.

فهنا بدات المناظرة، طبعا كما قلنا القول الأول كان ناظراً، القول الثاني أنه كان مناظراً، وأنه يحاول أن يقنع قومه بأن هذه المعبودات المقصودات لا تسمن ولا تغني من جوع. فبدأ النقاش هكذا: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: 76]، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلما جن عليه الليل راى كوكبا. فلما جنّه يعني جنّ الليل، يعني أظلم عليه الليل وستره الليل. وشوف العبارة القرآنية الجميلة واستغل ساعة الليل: فلما جنّ ستره الليل، رأى كوكباً من كواكب السماء.

طبعا هنا المفسرون دخلوا: هل رأى كوكب الزهرة؟ هل رأى كوكب آخر؟ حقيقة مثل هذه المعلومات كما يقول ابن تيمية لا تعنيك؛ في النهاية ما هو الكوكب؟ لو كان يفيد لذكره الله. فلما ربنا عز وجل قال رأى كوكباً على سبيل النكرة، فهذا هو المقصود في هذا السياق أنه في كوكب من الكواكب راه، هو الزهرة ولا غيره راه على شكل نجم في السماء. فالآن قال هذا ربي. هل قالها ناظرا؟ هل قالها مناظرا؟ نحن في النهاية حقيقة هنا كزبده نقاش لن تؤثر؛ يعني أنت في النهاية أخذت بقول ابن جرير وأخذت برأي الآخرين لن يؤثر عليك في زبده النقاش، عليك فقط أن تنظر كيف فكر إبراهيم عليه السلام وكيف أوصل قومه إلى النتيجة.

قال هذا ربي، بدي أفترض أن هذا رب. طب الآن الرب من خصائصه أن يكون دائماً معبوده مع عابده، يكون محيطاً بأمره مطلعاً عليه، لا يمكن للرب ولفكرة الرب أن يكون الرب شيئاً يغيب؛ لأنه إذا غاب الرب أنا ماذا أفعل بنفسي؟ وين أروح؟ يعني إذا غاب الرب عن المشهد ماذا يفعل الإنسان؟ يعني أحياناً سبحان الله تعيش مع كثير من الناس في حياتك وفي يومك وفي نهارك وفي ليلك، تشعر أن كثيراً من الناس أن فكرة الرب ليست موجودة في حياتهم حتى لو كان مسلماً، يعني بس أنه تجرب وأنه هناك من يحوطني ويحفظني، مع اعتياد الذهاب والعودة ووجود المال والثراء والأكل والشرب، ينسى كثير من الناس، نسي، كما قال في سورة الزمر: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: 8]. ينسى وجود الإاله ويعيش وكانه هو المتحكم بزمام الأمور.

فكرة أن هذا الانسان ضعيف، وبالتالي كلما استذكرت ضعفك ستستوحش من فكرة مجرد أن ياتيك خاطر عدم وجود إله يدير لك هذا الضعف ويدبر هذا الضعف. هذا الإنسان الضعيف من كل جوانبه، الذي تقتله حشره ويهلكه مرض، وإذا جاع أو احتاج أو ظمأ يحتاج إلى الطعام والشراب أو سيهلك، والذي يشعر بالخوف ممن حوله، الذي قوي الإنسان المؤمن ما هو شعوره بوجود يحوطك، يحفظك، يدبر أمورَك؟ ولذلك حتى أنت لما تشعر بأنك انتكبت في الحياة أو مرت بك ضائقات، تشعر أنك نفسياً وعاطفياً تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى؛ فحتَّى كفار قريش لما كانوا في ظلمات البحر كانوا يلتجئون إلى الله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: 8]. هذا الالتجاء هذا الفزع، هذا شيء فطري أنك في حالات الضعف تريد أن تلتجئ إلى هذا الخالق العظيم، الذي أنت تعتقد فطرياً أنه يدبر أمرك وشأنك ويقضي حوائجك، وأنا بدونه أكون في قمة الخوف والرعب والتقطع.

فإذا هذا الرب لا يقبل أن يغيب عن المشهد هي الفكرة، لا يقبل أن يغيب عن المشهد وإلا ستكون الكارثة. سيدنا إبراهيم عليه السلام لما جاء الكوكب في الليل قال: بدي أفترض أن هذا ربي، وخلينا نتابع ونراقب: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 76]، لما غاب الكوكب وذهب مع ساعات الصباح، سيدنا إبراهيم قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]. قال لا أحب، لاحظ كلمة الحب هنا، ما قال لا أريد أو لا أقصد، قال لا أحب، لا يمكن قلبي أن يحب محبة تعبد؛ لأن هذا الحب هو حب التعبد وحب التعلق، يمكن لهذا القلب أن يحب حب تعلق وتعبد وخضوع لإله يغيب، لرب فجأة يكون موجوداً ثم لا يعود موجوداً.

هو الآن يحاور قومه ويبين لهم ضعف تفكيرهم، معقول هذا الكوكب الذي يغيب مع ساعات الصباح يستحق أن يكون معبوداً يخضع له؟ قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، وهذا يدل على أن علاقة الإنسان بمعبوده هي فيها علاقة حب، ويركز على هذا الجانب: أن حبي لله سبحانه، من الأمور التي أحبها في الله وتجعلني دائم المحبة له، ما هو شعور الدائم بوجوده؟ صحيح، من الأمور التي تجعلك محباً لله سبحانه راغباً بالخضوع له مستكناً إليه ملتجئاً إليه، ما هو شعورك الدائم بوجوده؟ لما يكون في حياتك محاولة لتقريب الصورة أكثر وأكثر، لما تكون أنت في الحياة وتشعر أنه في إنسان وين ما تروح معك، وين ما تروح بيسندك.

وين ما تروح في أي مصيبة من مصائب الحياة، بقول لك: ناديني، احكي معي، وأنا ما رح أنساك. في أي موقف من المواقف، كيف بتصير علاقتك مع هذا الإنسان؟ علاقة حب؛ وطلب أنه أنا هذا الإنسان ما في مصيبة، ما في حاجة، ما في أمر من أمور الحياة تعسكر معي إلا وجدته حاضراً مسانداً قائماً واقفاً، فتجذرت هذه المحبة بيني وبينه، مع أن هذا الإنسان قد يخفق في مرة من الممرات في مساعدتك، قد ترن عليه، ترن عليه وما يرد عليك.

فما بالك الآن تتكلم عن الله سبحانه، الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد؟ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 63]. مش هيك مرت معنا الآيات؟ تدعونه تضرعاً وخفيا. لما تكون أنت في ظلمات البر وبتنقطع اتصالاتك مع المخلوقين، وبتحاول ترن على الجوال ومش عم بعطيك إشارة، ولقيت حالك في ورطة، لاحظ ظلمات البر لما تنقطع كل شركات الاتصال وبتحاول ترن على الناس والشبكة ما عادت توصل، مع مين بدك تتصل؟ مع الله، ما في مجال. ظلمات البحر وأنت ضايع ووصلت في نصف المحيط الأطلسي أو الهادي، في تلك اللحظات وما في شبكات اتصال تغطي هذه المناطق، من الذي ينجيك؟ من الذي لا يغيب؟ من الحاضر دوماً معك؟ الله سبحانه وتعالى.

فسيدنا إبراهيم إذا هو عم يحرك هذا المعنى قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]. لا يمكن أن يتجذر عندي حب وتعلق، حب العبادة وتعلق العبادة والخضوع بشيء يغيب عن المشهد. لما جاء الصباح غاب الكوكب، إلى أين أذهب وإ إلى أين ألجئ ومن أقصْد الآن في ساعات الصباح؟ لا يعقل إذاً أن يكون المعبود شيئاً يقبل الغياب، شيئاً يقبل الاختفاء، لابد أن يكون شيئاً حاضراً في كل ساعات الحياة.

فلما رأى القمر... جاءت ليلة أخرى، قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 77]. قال: آه والله، هذا قمر! وخاصة إذا كان على صورة البدر، هذا أكبر من الكوكب، كوكب نقطة مضيئة في السماء لكن هذا بدر مكتمل، فالآن كأنه يتنزل مع قومه إذا قلنا إنه كان مناظراً، فيريد أن يقول: خلينا نشوف شغله أكبر من الكوكب الذي رايناه في ليلة البارحة. فلما رأى القمر بازغاً في السماء ظاهراً جرياً قال: بدي أفترض أن هذا هو الرب. قال: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 77]، ووجد أنه حتى وإن كبر حجمه وازداد ضياؤه لكنه في النهاية يغيب، فلما أفل مع ساعات الصباح قال: ﴿لَّئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ [الأنعام: 77] السلام ورحمة الله لاكونن من القوم الضالين.

الان شعر كأنه بحالة من الافتقار -إذا كان ناظراً- شعر بحالة من الافتقار أنه لا يمكن، لا يمكن أن يكون الرب شيئاً يقبل الغياب، سواء كان كوكباً صغيراً أو قمراً متوسطاً أو شمساً، لا تقبل فكرة غياب الرب. فالآن يقول لقومه: هذه المحاولة الثانية ظهر أيضاً أنها لا تصلح أن تحقق لكم الربوبية. في هذا القمر قال: لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين. إذاً ربي لم يهدني اليه لاعرفه سابقى في حيرة وضلال.

ولاحظ هنا فكرة أن هناك، كما أقول، هناك فطرية وجود رب، يعني قضية وجود رب هذا شيء فطري. بس الاقوام الكافرة أو أغلب الكفار عبر التاريخ هم اخفقوا في ماذا؟ أنهم عبدوا مع هذا الرب رباً سواه، وهو الشرك، أو اخفقوا في تحديد من هو الرب. فلذلك سيدنا إبراهيم كأنه يخاطب فطرهم ويخاطب فطرته، إذا كان ناظراً فهو يقول: فطرتي تقول إنه في رب، هذه الفطرة تقول إنه لازم في رب، فلا يمكن لهذا الكون وهذا الاحتياج وهذا الافتقار أن يكون بدون رب، لكن من هو الرب؟

فلما اقترح عليهم أولاً الكوكب، بعدين اقترح في الليلة الثانية القمر، ووجد أنه الكوكب أخفق وأن القمر أخفق، يقول: لئن لم يهدني ربي إليه، يعني في رب، لكن أنا مفتقر أن هذا الرب يهديني إليه ويعرفني به ويدلني على استحقاقه وحده لا شريك له. إذاً هو يقول: فإن لم يهدني ربي، لأنه ممكن البعض يعني يعترض ويقول: كيف يقول سيدنا إبراهيم: لئن لم يهدني ربي، مع أنه هو الآن إلى الآن في الظاهر لم يصل إليه؟ يعني هو الكوكب ما نجح، القمر ما نجح، فكيف يقول إبراهيم في الآية الثانية: إن لم يهدني ربي؟

نقول: لأن قضية وجود رب متفق عليها مع قومه أنه في رب، حتى قوم الكافرين هم متفقين أنه لازم يكون في رب، فسيدنا إبراهيم عم بيتعامل معهم إذا كان مناظراً على هذا المستوى، أنه هذا الرب لازم يهديني إليه، لازم يعرفني عليه، معقول رب موجود قائم ويترك عبده فلتة تدله عليه؟ لا يتصور رب يخلق الكون ويخلق الأفلاك ويخلق النجوم والكواكب وكل هذا العالم، وهذا الرب نسي أن يضع أدلة عليه؟ لا يتصور عالم دقيق وأجرامه عالية وظلمات بر وبحر وحيوانات وكواكب، الرب الذي صنع كل هذا الاتقان معقول لم يضع أدلة تدل عليه؟ لا يمكن.

فإذاً لابد من الافتقار والدعاء الآن: ﴿لَّئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ [الأنعام: 77] إليه ويسوقني لاعرفه سابقى في هذه الحيرة وأبقى في هذا الضلال، ولذلك قال الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته». فالهدايه أيضاً بيد الله سبحانه، فالإنسان يسأل الله أن يهديه دائماً، اهدنا الصراط المستقيم، مش هذا هو الدعاء الأبرز في حياة كل مسلم؟ الدعاء بالهداية. الهداية أنت تحتاج إلى أن يهديك الله في كل موقف من مواقف الحياة، الهداية للدين والهداية أن تتمسك بالدين في كل موقف وأن تفهم مراد الله فيه وأن تثبت إلى أن تلقاه وأن يهديك الله في الآخرة إلى جناته، فإذاً الهداية هي أبرز حاجة يحتاجها الإنسان. أن يهديك الله إليه، يعني أنت تحتاج طعام، شراب، زواج، هناك كثير من الحاجات، لكن أعظم حاجة من حاجاتك الحياتية التي أنت تحتاج فيها إلى الله الهداية.

يعني لو اخفقت في الطعام، لو اخفقت في الشراب، لو أنت لم تستطع أن تحصل كل أمور دنياك، لكن إذا اخفقت في موضوع الهداية نار! اه، فش فيها هذه، يعني لو انسان مات جوعاً دنيا، لو مات ظمأً دنيا، لو مات ولو لم يتزوج دنيا، يعني لو مهما حصل في حياتك من الأمور التي لم تكتب لك تبقى الدنيا، لكن إذا مات الإنسان ولم يهدَ، نتكلم عن النار، فهذا أعظم ما يحتاجه الإنسان من ربه: ﴿لَّئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنّ مِّنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]، وهذه كارثه، وكأنه ينبه قومه أن هذا الموضوع يجب أن يحوز على اهتمامكم، أنه كارثة أن تعيش ضالاً، كارثة أن تعيش عابثاً لاهياً لا تعرف معبودك الحق ولا تقصده، تشرك به سواه أو تتوجه إلى غيره.

نعم، لو اعترض معترض: أنت كما هذه كذلك أن الله سبحانه وتعالى يحتجب عنها؟ ما الفرق يعني بين... لا، أنت في النهاية هي فكرة أن هذا الإله الذي اخترته ليكون رباً كان حاضراً ثم غاب، ففكرة الرب يجب أن تكون حاضرة على الدوام. فالله سبحانه الرب الحقيقي لما تعرف إلينا، ما تعرف إلينا من جهة أنه أنكم تروني أو أنه مشاهد، لذلك أنت تعبده، صح؟ تعرف إليك باياته ودلائل وجوده واحاطته بهذا الوجود، فيقول: هذه تعرفه دائمة لا تقبل النقض. لكن أنتم لما تعرفتم أو تعبدتم لهذه الكواكب والنجوم، ما موطن تعبدكم لها؟ هذا هو السؤال. لما تختار كوكب لأن تعبده، لما تختار قمر لأن تعبده، لما تختار شمس لأن تعبده، ما سر اختيارك له؟ هذا هو السؤال، ها هنا السؤال.

الله عز وجل لما تعرف إلينا، ما تعرف إلينا بأننا نشاهده في الدنيا، تعرف إلينا بأسمائه وصفاته وأفعاله الدالة عليه. هذا الكوكب وهذا القمر كيف تعرفت؟ كيف تعرف إليك؟ صح أن يكون... كيف تعرفت؟ هل هي قضية بالأحجام؟ مش عشان هيك هو عم يتكلم معهم بالأحجام، لأنه لما يأتي للشمس قال: هذا أكبر. هو عم يناقش قوم أو بده يفكر هذه القضية قضية حجم، طيب ما هو الحجم بيروح في النهاية، القمر كان حجمه ماشي أعلى من حجم الكوكب بس في النهاية غاب عن المشهد، الشمس اللي هي أكبر الأحجام، فالقضية مثلاً هي قضية أنه اللي بيفرض وجوده أكثر في الحضور؟ طب هذه كلياتها ما فرضت وجودها في الحضور، في النهاية كلها غابت، كلها زالت عن المرأى البشري. فهي فكرة أن أمامك لما اختص هذا الكوكب أو هذا القمر أو هذه الشمس بالربوبية، لماذا اختصه بالربوبية؟ ماذا أعطاك؟ ما الشيء الموجود فيه اللي خلاك تشعر أنه هذا رب؟ وهيك السؤال، ما الشيء الموجود فيه الذي جعلك تعتقد أنه رب؟ ستقول لي: الحجم، بقول لك: هذا الحجم يستمر معك طول الليل؟ في النهار سيغيب، هذا حجم ليس موجوداً دوماً، خاصة أنهم في أزمتهم هم يعني ما كانو بالخبرة أن يعرفوا وين بتروح القمر أو الشمس أو حركة الدوران أو ما شابه. أنت اخترت هذا الجرم السماوي لأنك رايت حجمه، رايت لمعانه، رايت شيء بارز فيه، فأحببت أن تجعله رباً، طب ما هو يغيب عنك في النهاية؟ فهنا هي القضية والله أعلم تتعلق بهم، لماذا اختاروا هذه الأجرام لتكون آلهة؟ ماذا كانوا يعتقدون فيها لتكون آلهة؟

فهو اعتمد إذاً على فكرة الزوال والغياب ليفند هذه الإلهية، أنه لا يصلح أن تعتقد وجود إله يغيب. لكن أنا كمؤمن لما تعرف الله إليّ وأنا عرفته سبحانه، أنا ما عرفته إلهاً يغيب عن المشهد، لا، هو حاضر دوماً، لكنني محجوب في الدنيا عن رؤيته، هكذا تعرف إليّ. فهذا نقاش مع قوم يريدون المحسوسات، مش قادرين يقتنعوا بالمغيبات، فهو يريد أن يجعل شيئاً محسوساً إلهاً، ولذلك كانت فكرة الصنم مثلاً فكرة فاشلة، لأنه مثلاً أنت بتعبد الصنم، يعني لما يكون أنت في داخل الحجره معه تراه، طب لما أنت تطلع بره الحجرة، طب ما هو الحس الآن، هل هو يراك؟ هل أنت تعتقد في داخلك أنه يراك؟ لا. إذاً كيف يصلح أن يكون إلهاً أصلاً؟

هي الشرك لما نشأ في تاريخ البشرية كان يقوم على فكرة تجسيد الآلهة، أن أغلب البشرية الذين ضلوا، مش قادرين يقتنعوا أن الإله يكون غيب غير مشاهد، فبدهم يروحوا لفكرة التجسيد له، أما على شكل صنم أو على شكل كوكب أو على شكل بقرة أو على شكل بوذة أو... المهم أن يرى شيئاً محسوساً. فهو يريد أن يخبرهم أن كل الأشياء المحسوسة التي تفترضون أنها آلهة، في لحظة من اللحظات تغيب عن الحس، هذه هي الفكرة. فهمت؟ لأنه هي هم يريدون شيئاً محسوساً يجعلونه إلهاً، هذا هو مناط اتخاذ آلهة. فلما غاب عن الحس -إذا طلعت بتغيب عن الحس- إذاً فشلت الفكرة.

البشر الذين أشركوا بالله، كان أول شرك حصل في الأرض ما هو؟ قوم نوح، إيش كانت الفكرة؟ أنه جسدوا الشباب الصالحين الذين ماتوا على صورة أصنام. الإنسان، سبحان الله، الإنسان تجد يميل إلى تجسيد الأفكار، يحاول دائماً أن يراها محسوسة، تمام. فلما... لذلك الإسلام، حتى تعرفوا ليش الإسلام شدد في موضوع صور، أنه نهى عن رسم الصور ذوات الأرواح وشدد فيها، لأنه هو الإنسان بطبيعته يميل إلى التجسيد، وقد يتعلق بالصورة المحسوسة، فالإسلام حمى هذا الجانب. ولماذا كذلك القبور وعدم وضع التماثيل والقباب عليها؟ لأن كل هذه الأشياء المحسوسة تجعل الإنسان يتعلق بها.

أكبر خاصيه في المؤمن، الذين يؤمنون بالغيب، عشان هيك أول خاصيه ذكرت في سورة البقره أنه لابد يكون عندك قدرة على أن تؤمن بالغيب لتكون مؤمناً. فالمشركون يميلون إلى التجسيد، لازم يكون في شيء موجود أمامنا، أما صنم، أما كواكب. شوف من قوم نوح لقوم عاد لقوم صالح لقوم إبراهيم، كل هذه الاقوام هي مشكلتها أنها تريد أن تجسد معبوداتها، صحيح أن تراها محسوسة أمامها. فهنا سيدنا إبراهيم عم يركز على هذا البعد، أنه أنتم اخترتم هذه الأجرام باعتبارها أشياء محسوسة مجسدة ترونها، لاحظوا أنها تغيب في النهاية: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]. قال: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 76]، حتى هذا المحسوس عم بغيب، إذاً قضية أن يكون الإله محسوس هذا ليس شرطاً. محسوس أقصد يعني هو حتى الإله سبحانه وتعالى يقبل الحس بمعنى لأن نراه يوم القيامة، لكن فكرة في الدنيا أني لا اقتنع أني أبقى أعبد إلهاً لا أُشاهده، إلهاً في عالم الغيب، أريد إلهاً محسوساً. فبقول له: هذه الفكرة فاشلة، لأن هذا الإله المحسوس الذي أنت تعتقد أنه يعني يصلح، يغيب عنك في لحظات ويحضر في لحظات، فهذه الكواكب تغيب، هذه النجوم تغيب، ففكرة الحس ليست فكرة تتعلق بها أو مناطاً للربوبية أو الألوهية حتى تتعلق بها وتتشبث بها.

فلاحظ أنه في الآية التي بعدها ماذا قال؟ ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ [الأنعام: 78] في وسط السماء في النهار، قال: خلينا نطلع عن الليل، نجي عن النهار، في الليل شفنا نجوم كواكب ما زبط، نجي على ساعة النهار لعل وعسى وكانه يناظر قومه، نشوف شيء يصلح لأن يكون ربا من هذه المحسوسات العظيمة التي ترونها. قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: 78]. كلمة هذا أكبر تدل على إيش يا شيخ عمر؟ الحس، أنه هم بمركزين قاعدين على الأشياء المحسوسة كحجماً أو كصورة وهيئة، وكلما كان الحس في أعينهم أكبر حجماً وأكبر صورة، ممكن يتعلقوا فيه أكثر وأكثر. فسيدنا إبراهيم بده يمشي على هذا المستوى في التفكير، تقول لهم: طيب خلينا نقترح أن تكون الشمس رب، هذا أكبر، يعني من حيث الحس هذا أكبر جرم يمكن أن نشاهده كبشر في السماء، أكبر من القمر، أكبر من الكواكب والنجوم، فلما أفلته...

قال يا قوم إني بريء مما تشركون. فكرة أن يجعل إلها محسوسا بجانب الإله الغيبي، هذه فكرة أثبتت فشلها. كيف يكون إلها ويغيب؟ ما بتزبط. وأعود فأقول: قوم إبراهيم وقوم محمد صلى الله عليه وسلم كلاهما كان يعرف الإله الغيبي، لكن كانت مشكلته في الشرك؛ لأنه قال ايش: إني بريء مما تشركون، إذا هم كانوا هم كانوا يشركون مع الله الكواكب، ما كانوا لا يؤمنون بوجود الإله الغيبي، هم كانوا يشركون مع الله، ولذلك كان نموذجا مناسبا لكفار قريش يسمعوه؛ يعني لماذا هذه الآيات تطرق في سورة الأنعام؟ لأن قوم إبراهيم مثل قوم محمد صلى الله عليه وسلم.

قوم محمد عليه الصلاة والسلام كانوا يعلمون أن الإله الذي في السماء الذي لا يرونه هو الخالق هو الرازق هو الذي يفعل، لكن ما استطاعوا أن يثبتوا على فكرة الإيمان بالغيب فقط دون الحاجة إلى اقتراح آلهة محسوسة، لا أرادوا أن يجسدوا فكرة الإله المحسوس فأتوا بأصنام اللات والعزة ومناة وقالوا هذه تقربنا إلى الله زلفى فعبدوها وجعلوها آلهة، بل أعطوها بعض خصائص الربوبية وإن لم يجعلوا لها خصائص مطلقة لأنها تجسد لهم فكرة الإله أمامهم، يعني حتى لما تقرأ في سيرة ابن إسحاق وغيرهم كيف كان الشرك في العرب، وكيف أنه الشخص بتلاقي أخي فجأة بيعمل آلهة كذا بيكون في السفر يأخذ معه حتى أحيانا ليكون معه إلها، بقول لك أنا وين أترك إلهي، خلص خليني أخذ معي بعض الأحجار من مكة أضلني أعبده في الطريق.

لاحظ أنه هو إذا النظام الداخلي مش قادر هو أن يؤمن بفكره إله غيبي بده شيء محسوس حتى يضله يعبد ويشعر أنه إذا فقد هذا الشيء المحسوس أنه فقد فكرة الإله وفقد فكرة الالتجاء. فجاء القرآن يركز، ركز لهم: لا، هو الإله الغيبي وحده سبحانه، ما في شيء سواه، ولا تحتاج أن تجسد وسائط وأشكال وأجرام وكواكب حتى تكون تقربك إلى الله أو تشارك الإله أو تعبدها مع الإله، هو الإله الوحيد سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. لماذا هي ثلث القرآن؟ هي تركز على فكرة الوحدانية التي أخفق فيها كثير من البشر، محاولة اقتراح آلهة محسوسة تشارك الإله لا تصلح، هو الله أحد، ما في غيره، لا تحاول تقترح ولا تحاول تقترع؛ لأن كل شيء محسوس في هذه الدنيا من أجرام ومن أبقار ومن أجسام ومن بشر تريد أن تجعله إلها مع الله سيافل سيغيب، لاحظ كلمة أفَل، كله يأفل.

إذا كان بشر تعبده مع الله رح يموت، وإذا كانت بقرة ستموت، وإذا كان نجم سيغيب، وإذا كان صنم الأحجار تذبل مع الوقت، كله يتغير، كله مع الوقت يفنى، فكيف تكون فكرة إله يفنى، إله يغيب، إله ينقطع، إله يزول منه أجزاء؟ هذا لا يمكن ولا تقبل هذه الفكرة، الإله يجب من خصائصه أن يكون دائما حاضرا ثابتا سبحانه وتعالى لا يتغير بمعنى لا يقبل الفناء ولا يقبل. لكن هذه فكرة مش فيها مشكلة مع الأشاعره أن الرازي في كتابه استدل بهذه الآية على عدم اتصاف الله بالصفات الخبرية الاختيارية، لكن هذا نقاش آخر يعني يورد في النقاش مع الأشاعره فيها، لكن فكرة التغير بمعنى الزوال الفناء عدم الحضور هذه لا يمكن أن تقبل فكرة في إله.

فلذلك سيدنا إبراهيم حتى لا نطيل قال فلما أفل قال، كل فكرة الأجرام؛ لأن هؤلاء القوم اللي كان يناقشهم كان هم يشركون مع الله أجرام سماوية، قال لهم: شو أكبر جرم سماوي؟ الشمس هي بتغيب بالليل، كل يعني الكل يفنى، الكل يذهب، الكل يغيب عن المشهد، ففككرة الحس هذه يعني، طيب أنا بالليل شو أسوي؟ يعني كأنه إبراهيم بده يقول لقومه: أنا بالليل شو أسوي؟ راحت الشمس بالليل، ماذا أفعل ما هو بدي إله؟ مش أنتم لازم يكون الإله المحسوس هيك ها لازم يكون الإله المحسوس، أنا عبدت شخص عبدت الشمس في النهار، طب الشمس غابت بالليل، إيش أسوي في حالي وين أروح؟ بدك تستنى حتى يجي النهار، طيب ساعات الليل ماذا أعبد في ساعات الليل؟ ما دامت إذا فكرة إذا في وقت معين أنت لن تجد فيه الإله المحسوس إذا هو بزبط يكون إله أنه في ساعات معينة لن يكون هذا موجودا، معقول أظل طول الليل ما في إله أعبده؟ إذا ما، طب بقول لك خلص تعبد الإله الغيبي إذا ما دمت في النهاية ساعود إليه، إذا هو المستحق؛ لأن هذا الإله الغيبي موجود في الليل وموجود في النهار، لكن كل ما تريد أن تجسده من فكرة إله محسوس هو يحضر في فترة ويغيب في فترة، وبالتالي كل ما سوى الله لا يصلح أن يكون ربا ولا إلها ولا مقصودا.

فسيدنا إبراهيم لما وصل معهم لهي النتيجة قال يا قوم إني بريء مما تشركون، كل هذا الذي أشركتموه غير مقنع؛ لأنه يفنى ويزول ويبتعد، فلا يمكن أن تأتي علي فترة في حياتي أنا لا أقبل كإنسان عاقل يحترم عقله لا أقبل تأتي علي فترة يكون الإله الذي اخترته مش موجود، سأضعف سأنهار في هاي الفترة، ولذلك الإنسان إخواني بدون إله ينهار، ما يستطيع أن يعيش الإنسان دون وجود وإيمان بوجود الإله سبحانه وتعالى الذي يستند إليه في كل شيء.

فأعلنها: أني وجهت وجهي، خلاص كأنه يقول: أعرفت القبلة التي أريد أن أتوجه إليها؟ هل قالها ناظرا مناظرا؟ قلنا هذا الان ما عاد النقاش يهمني هنا في هذا السياق، يهمني أنه أعلن أمام قومه التوحيد الفطري: إني وجهت وجهي. والمراد هنا أن قبلتي وتوحيدي ومعبودي أصبح واحدا: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض. فإذا الذي يستحق أن أتوجه إليه هو الذي خلق السماوات والأرض وكل ما فيها من أجرامكم من نجوم ولا كواكب ولا قمر أو شمس، هذا الذي فطر السماوات والأرض هو الذي فطر هذا القلب على التوجه إليه.

ولاحظوا كلمة فطر هنا: الذي فطر السماوات والأرض هو الذي فطر هذا القلب على أن يتوجه إليه ولا يتجه إلى غيره سبحانه وتعالى، لأن الفطر هو أن تخلق الشيء دون مثال سابق تمام، هو بداية الإنشاء، مش أنا فطرتها لما ابن عباس سمع أعرابيين يختصمان في بئر فقال أنا فطرتها، هو أن تبتدي الشيء، الذي ابتدا خلق السماوات والأرض وجعلها دون مثال سابق هو الذي أعطاك أنت الفطرة التي تتجه بها إليه سبحانه وتعالى: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا.

حنيفا هذه صفة لمن؟ لإبراهيم مش للذي فطره، يعني من الحنيف؟ الحنيف ليس وصف للإله الذي فطر السماوات والأرض، لا، هذه وصف لإبراهيم يقول: إني أنا وجهت وجهي حنيفا، والحنيف هو المائل من الخطا إلى الصواب، ما معنى الحنيف؟ هو الذي يميل من الباطل إلى الحق بخلاف الجنيف بالعكس الذي يميل من الحق إلى الباطل، فمن خاف فموس جنفا صح يعني ميلا إلى الباطل، فالحنيف عكس الجنيف، فالحنيف هو الذي يميل إلى الحق ويختاره ويتجه اليه ويتصوب إليه، فسيدنا إبراهيم يقول: أنا وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حاله كوني حنيفا يعني أنا الآن أميل وأترك وابتعد عن كل الضلالات والافكار المعوجة وأميل إلى الراي الصواب السديد الحق وهو الله سبحانه هو الذي يستحق فقط أن يكون معبودا.

وقال: وما أنا من المشركين، عادها مرتين. لاحظ لما قال في الآية السابقة: إني بريء مما تشركون، فهو أعلن البراءة من معبوداتهم، وفي هذه الآية أعلن أنه هو نفسه ليس فيه طابع الشرك: وما أنا من المشركين، أنا لست من هذا الجنس الذي يريد أن يجعل مع المعبود معبودا آخر؛ لأن هذه مشكلتهم أنه مصرين أن يكون الإله الغيبي بجانبه إله محسوس، لا لا أنا لست من المشركين، أنا مؤمن بالإله الغيبي الذي جعل في كل شيء آية تدل عليه، وهكذا بطمئن وبستريح هنا تاتي الراحة ويأتي الإيمان، وبعد ذلك ماذا تتوقع؟ هل سيسلم له قومه في أي دعوة من الدعوات؟ لا تظن أن الناس مباشرة ستسلم إليك وهذه رسالة أيضا للنبي عليه الصلاة والسلام ولكل داعية أنه ما عندنا الدليل واضح وشيء منطقي وواضح أن كل المحسوسات تأفل وكل المحسوسات تغيب، وبالتالي لا مناص إلا الإيمان بالإله الحق الغيبي سبحانه، ومع ذلك سيبقى البشر يعاندون ويكابرون.

وحاجة قومه الآن ايش حكوا له؟ بيهمنا صح ربنا عز وجل ما أعطاك إيش حكوا له قال: وحاجة قومه، وكانه بده يقول لك هي ايش سلسلة متكرره من الاعتراضات والمناقشات والمناظرات يعني بتعرف لأنه الواحد لما خلص يبهت فبهت الذي كفر يصبح يعني يتكلم بكلام لا قيمة له فالله سبحانه أهمل كلامهم لأنه لا قيمة له فهمت، قال: وحاجة قومه، ماذا تكلموا؟ تكلموا بكلام لا يستحق أن يذكر هنا خلص ما هو الادله واضحه والبراهين واضحه إيش فائدة أني اسمع أعطيك كلامهم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في هذا الموطن، لكن المهم انك تعرف وكأنها رسالة للنبي عليه الصلاة والسلام أن الكافر المعاند لا يستسلم بسهولة يبقى يطلع لك: لا، طيب افرض كذا افرض كذا.

حتى اليوم في المناقشات والمناظرات اللي بتشوفوها على اليوتيوب ولا غيرها، حتى لو ظهر الحق وبان سيبقى الإنسان المريض الذي لا يريد أن أن يستجيب سيبقى يماحك ويجادل ويطلع لك من هون ويجيب لك قصة من هون وكذا، طيب يا شيخ افرض كذا، واخر شيء راح يكون واضح أنه هو لا يريد الهداية، خلص إذا وحاجة قومه، فسيدنا إبراهيم هنا هو الجمال هنا الروعه في سيدنا إبراهيم.

تفضل في الآية القبلة نعم تذكرت أنه طرحت سؤالي: هل كان إبراهيم عليه السلام ناظرا أم أو مناظرا حنيفا، ممكن ترجح أنه كان ينظر بالضبط، أنا فاهم عليك صحيح، أنا خطر في أن أقول كلمة حنيفا أي أنا مائلا من الباطل أو من الضلالات إلى الصواب، وهذه قد تكون من المرجحات، يعني حتى في سورة الضحى ماذا قال الله في وصف النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7] صحيح، هنا الضلال مش معناها أنه كان والعياذ بالله عليه الصلاة والسلام مشركا أو يعبد غيره حاشاه، لكن مراد ضالا: أي أنك لم تكن مهتديا إلى هذا الإله الحق تمام الهداية، تمام الهداية، فهداك الله إليه تمام الهداية.

كذلك أن سيدنا إبراهيم، لذا قلت ما اختاره ابن جرير الطبري إمام المفسرين أن إبراهيم كان ناظرا يا قوم، وأنه كان مش مناظرا، كان هو ينظر في نفسه وأنه ما كان أصلا يناقش هو كان في زمن صباه في بعض الاقوال وبعض الاقوال أن قبل أن ينزل عليه الوحي كان شابا فهو كان يبحث وكانت منطقيته عالية، فكان ينظر: والله قومي هؤلاء يعبدون أجرام، طب خليني أجرب أشوف يعني هل هي منطقية ولا لا؟ فكان يفكر بشكل صحيح حتى وجد أن كل هذا ضلال وحيرة، فهو لم يصمم قالوا ولم يجزم بعبادة نجم أو كوكب، هو قالوا لو كان ناظرا هو كان يقترحها تحت سلم تحت مجهل الاختبار، هو كان يختبر بده شوف ببط ولا ما بزبط، فبعد ذلك عرف أن كل هذا لا يصلح وأن فكرة أن يكون الإله المحسوس هذه فكرة ها محسوس في الدنيا وأنه لا يقبل إلا أن يكون محسوسا، هذه فكرة غير صحيحة، لأن كل المحسوسات تغيب، فان يكون مناط أن هذا ربنا أنه محسوس؛ لأنه محسوس لا هذا مش مناط.

فلذلك كلمة حنيفا نقول قد تشير فعلا إلى ما تفضلت به، وحاجة قومه قال: ﴿أَتُحَاجُونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: 80]. وهي شوف كلمة وقد هدان أيضا ممكن ترجع اختيار ابن جرير الطبري أنه كان سيدنا إبراهيم إذا بدي امشي مع طريقة ابن جرير الطبري أنه كان ينظر نظر سيدنا إبراهيم فوصل إلى الحق، فأعلن هذا الحق أمام قومه: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، فنطقه بالحق استفز قومه فأصبحوا يجادلونه ويمارونه و و، فهو بعد طول الكلام هم يعني ما لك اقول لك ما لك بالسالفة بعد ما أطالوا الكلام والنظر ولا وكذا وممكن قال لهم سيدنا إبراهيم قال: أتحاجوني في الله وقد هدان يعني وقد هداني إليه يعني تظنوا أنه من السهل أني أغير ه القناعات معقول أنت تحاجني في هذا الإله وقد هداني هداية ارشاد وهداية توفيق يعني هداني واعطاني من الأدلة التي تقودني إليه؟

معقول الانسان يصل إلى الحق الواضح الجلي ثم بعد ذلك يتركه أمام شبهات أصحاب الشبهات وزيغ أصحاب الزيغ وأمام القلوب المريضة والناس التي لا تملك أدلة؟ فكانه يياسهم ويقنطهم أن يغير قناعته قال: أتحاجوني في الله وهو الذي أعانني على الوصول إليه واعطاني من الأدلة، مش هو في بداية الصفحة: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 75] فربنا عز وجل أعطى سيدنا إبراهيم قدرات عقلية ممتازة، كان من خلال نظره في الأمور والشواهد الكونية والأرضية يستدل بها على الله فيزداد يقينا بعد يقين فيقول: بعد ما ربنا أعطاني وأنعم علي بالعقل هذه نعمة وجعل هذا العقل يهتدي إليه ويصل إليه، معقول أترك كل هذه الحقائق الواضحة من أجل ترهات الكلام؟

ثم قال: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا. وإذا كنتم ستخوفونني من تسلط أجرامكم علي، إذا كنتم ستخوفونني ترى أنا لا أخاف قال: ولا أخاف ما تشركون به، ماذا كانوا يشركون؟ الأجرام السماوية، وكذلك كفار قريش كانوا يشركون الأجرام الأرضية الاصنام، فهو يقول: الخوف انتزع من قلبي، تمام أو انتزع من قلبي وهذا يعطيك قيمة التوحيد في حياة المؤمن، أن التوحيد إخواني يمنح الإنسان قوة ما بعدها قوة.

وكلما كمل مقام التوحيد في قلبك كلما انتزع الخوف أكثر فأكثر. إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين. إذًا إن الإنسان خلق هلوعه عنده خوف هلع. نوبات الهلع هذه ما إلا في ناس معينين، نوبات الهلع هذه تزول من حياتهم من هم؟ المصلون الموحدون لله سبحانه وتعالى.

فالتوحيد من أبرز النعم التي يضفيها التوحيد على حياتك أنه ينزع الخوف؛ لأنك أنت وصلت إلى الإاله الحق وارتبطت به، ومن ارتبط الإاله الحق ماذا يصنع أعدائي به؟ مش كان يقول ابن تيمية: إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفيي سياحة. يعني ايش بدك تعمل فيها؟ أنا وصلت خلص وصلت للإله المعبود المدبر لهذا الكون، خضعت له، اتصلت به وأنت تريد أن تواجهني وتقاتلني عليه، صح أنت بتواجهني ليه؟ لأنني وحدته، لأنني أنطق بتوحيده، فأنا ما بخاف؛ لأني أنا معه ومتصل به، وهو سبحانه يدبر شاني وأمري، ولا يمنعني إلا أن يشاء ربي شيئا.

إيش يعني إلا أن يشاء ربي شيئا؟ يعني ولو شاء ربي يعني أنا مش خايف إلا أن يشاء، ولاحظ هذا الاستثناء. وأيضا استثناء تعظيم لله؛ يعني إلا أن يشاء ربي أنه أنتم تهلكوني أو تقتلوني فهذا أيضا أمره، وأنا لست معترضا عليه، وساكون في تمام الرضا مهما حصل. إذًا: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا، وهذا أيضا من حال المؤمن المسلم لله في كل شيء. يعني الله سبحانه وتعالى لو شاء أن تضروني ستضروني. كيف أقول لك أنا؟ أنا أجي أقول لك: أنا مش خايف منك ولا ما تعمله إلا أن يشاء ربي شيئا، أنه أنت تضرني أو تتسلط علي أو حتى ممكن أنت تعمل لي أشياء تخوفني، فممكن أخاف، بس هذا كله هذا الخوف الذي سياتيني هذا منه سبحانه؛ حتى هذا الخوف الذي يمكن يأتيني في بعض الأحيان من تسلط الظالمين أو الفاسدين، حتى هذا أعلم علم اليقين أنه بمشيئة ربي، ولو شاء ربي أن يأتيني هذا الشعور بالخوف لن يأتيني، وهذه كما قلت هذه قمة التسليم لله؛ لأنه أنت أحيانا في مقامات معينة أنا بتيجي واحد بده يواجه أهل الباطل بقول لك: أنا مش خايف منكم وول اعمل اللي بدكم إياه، وراح بتلاقيه مثلا دخل شوي في الأزمة، لا شيخ، في في جانب من الخوف موجود، يعني في جانب من الخوف أحيانا، الثقة الزائدة شوية برضه مش حلوة، يعني بتكون تظهرك في مقام في مقام غير جيد باختصار.

فأنت قول لهم: أنا مش خايف، في النهاية قال: إلا أن يشاء ربي شيئا، يعني ممكن تيجيني نوبات خوف، ممكن أقلق، فئوجس في نفسه خيفه موسى، يعني حتى موسى وهو يواجه سحرة فرعون وهو رسول يوحى إليه في النهاية جاءت النوبة وربنا سجلها: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾ [طه: 67-68]. فحتى الأنبياء أيضا سيدنا موسى ولا مدبر يعاقب: يا موسى لا تخف إن لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم. فقد ياتي خوف أحيانا، قد ياتي خوف، لكن نقول نحن: الأصل أن التوحيد يبدد الخوف، ينزع هذا الخوف على أعلى الدرجات.

إذا شاء الله أن تخاف يمكن، وهذا أمره وشأنه، فهو الذي قدر لي أن أخاف وليس أنتم من تصنعون الخوف، يعني هو حتى يعني كأنه يقول: حتى في ساعة الخوف هذا الخوف من قدر الله علي، فلذلك هذا بسمي أنا توازن الخطاب عند سيدنا إراهيم عليه السلام ما كاد كبعض الشباب المتحمس أنه أنا مش خايف من كل أهل الباطل بعدين على أول مطب، أول موقف بتلكأ شوي؛ تلكأ هيها عبد الله بن رواحة، فما في داعي انك تكون استعراضي لدرجة كبيرة، واحترم ضعفك كإنسان، وإنسان يقبل الضعف: ويا رب سترك، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، مش هاي الأدعية؟ فلذلك سيدنا إبراهيم قال: أنا لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا، إذا شاء ربي شيئا من الخوف قدره عليه فهو الذي يشاء وهو الذي يشاء أن يرفعه تسليما لله سبحانه وتعالى؛ فحتى الخوف قدره وليس أنتم أصحاب القرار فيه.

ثم قال: وسع ربي كل شيء علما. الله عز وجل لماذا الإنسان لا يخاف؟ لماذا هذا الموحد لا يخاف؟ لادراكه بسعه علم الله بكل شيء، ومنها أحوالك. ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا، فكأن هذه وسع ربي كل شيء علما هي جملة تعليلية: لماذا لا أخاف ما تشركون به؟ ليش أنا مش خايف منك كأهل باطل؟ لأن ربي سبحانه وسع كل شيء علما، وأنا من معلومه، فهو يعرف تقلباتي، إذا سجد سجنت، يعرف أني انسجنت، وإذا تعرضت للخوف أو للإبادة يعرف أنني تعرضت، وإذا مرضت يعرف أنني مرضت، وإذا تسلط يعرف أنني.

ولذلك سيدنا إبراهيم لما ألقي في النار بالمنجنيق، مش اليس جبريل لقيه بين السماء والأرض فقال: هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، أما إلى الله فنعم، حسبنا الله ونعم الوكيل. إيش اللي بخليه إبراهيم وهو بين السماء والأرض ولحظات تفصله عن النار يكون عنده هذه الثقة بايش؟ أنه يعني يا جبريل الك ما لي حاجة، أنا ما بدي حاجة منك، أنا خلاص أنا مع الذي وسع كل شيء علما، فيعلم أنني الآن بين السماء والأرض دفاعا عن دينه وعن العقيدة الصحيحة، فأنني أعلم أنه سيحوطني ويرعاني ولم يخيب ألا ظنه، فقلنا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. هذه العقيدة وهذه إخواني الحقيقة حتى نكون منصفين هذا المستوى من الإيمان يحتاج إلى جهد، هذا المستوى من الإيمان، الإيمان الذي ينتزع معه الخوف أو يقل معه الخوف، ويكون الإنسان في كمال تفويضه لله سبحانه وتعالى، وكمال انتباه لوجود الله في كل خطراته وأحواله بحيث إذا تعرض لمازق أنا موقن أنه ربي موجود، إذا تعرض لتخويف أنا موقن أن الله موجود، إذا تعرض لسجن، إذا تعرض لدين، إذا تعرض لأي شيء يتعرض له يوقن أن الله موجود، فعندئذ إخواني ينتزع الخوف من قلبه أو يقل قدر المستطاع.

فاذا يقول سبحانه وتعالى إن إبراهيم ماذا قال: وسع ربي كل شيء علما، ثم يعاتب قومه ويؤنبهم: أفلا تتذكرون؟ يعني ما في عندكم تذكر وانتباه لدلائل السماوات والأرض وللبراهين القائمة على فشل آلهتكم وعدم صلاحيتها؟ الإنسان لابد يتذكر، لابد تكون أنت انسان تقبل التذكرة، في هناك أنااس قست قلوبهم، فمهما أتاهم الله من القوارع والزواجر والبراهين والادله وما بده ينتبه، ما بده يتذكر والعياذ بالله، وهذه والعياذ بالله حالة مرضية أن الإنسان مهما وعظ ومهما ذكر ومهما نصح ومهما قيل له اتق الله ما بده، ويبقى مصمما على باطله وعناده، فسيدنا إبراهيم يؤنبهم على هذه الحالة: أفلا تتذكرون؟ يا أخي تذكروا، افهموا، استبصروا، شغل دماغك كما يقولون.

قال: وكيف أخاف ما أشركتم؟ رجع لقضية الخوف؛ لأنه واضح أن قومه كانوا يخوفونه أنه بكرة بتتسلط عليك الزهرة، بكرة بتسلط عليك الشمس بيعمل لك، ما هو دائما المشركين بيكونوا كذبوا كذبة وصدقوها، كانوا يعتقدون لما ذكرنا قصة أن النبي عليه الصلاه والسلام لما أرسل المغيرة بن شعبة وخالد بن الوليد أظن أو أبو سفيان لهدم آلة عند قوم ثقيف، قوم ثقيف أسلموا، تمام، قوم ثقيف أسلموا، لكن في بداية إسلامهم النبي عليه الصلاة والسلام أرسل لهم المغيرة بن شعبة الثقفي حتى يهدم لهم صنمهم، فكانوا هم لسه ما زالوا مقتنعين، قالوا له: هسه يا مغيرة رح تضربك، استنى شوي. المغيرة بن شعبة -طبعا كما جاء في الآثار- أعطيها بالمعنى أن المغيرة بن شعبة لما رأى عقولهم قاصرة ولسه جالات الخير أنتم مسلمين، أنتم مفكرين هذا الصنم رح يأذيني بتخوفوني فيه، فصار ايش قال لك: بدي أضحك عليهم، فمسك المعول وضرب العزة، بعدين ايش وقع؟ عمل حاله ايش وقع؟ قلب، ضحك عليهم، عمل حاله سقط وسألوا يصرخ، قالوا: ها شايف يا مغيرة بن شعبة مش قلنا لك إنها هسه رح تضربك وراح تأذيك؟ فهو قام يضحك عليهم، يقول لهم: يا جماعة الخير أنتم صدقتوا، أنا بدي أبین لكم المساكين، فقام ونهض ومسكها وهدها تماما، قال: لا ضربتني ولا نفعتني ولا آذت لي بشيء. فهو المغيرة كان صاحب نكطة، فكان يريد أن يضحك على قومه لما وجد عقولهم ما زالت بسيطة ويقتنعون أن هذه اللات أو العزة قادرة أن تؤذي الإنسان، فهكذا الناس البسيطة. فهؤلاء سيدنا إبراهيم قومه الظاهر أنهم كانوا يخوفونه: استنى شوي هسه الشمس رح تزعل، هسه القمر رح يغضب أنه أنت ما عبدته فرح يأذيك.

فقال: وكيف أخاف ما أشركتم؟ يعني أنا اللي بدي أخاف مين اللي لازم يخاف؟ يعني هو الآن يخاطب قومه: من الذي ينبغي أن يخاف؟ الذي أشرك مع الإله الحق، ولا الذي ترك آلهته الباطل؟ يعني من الفريق الذي عليه أن يخاف فعليا؟ فهو يستنكر هذه العقول الرديئة؛ لأنه كما قلنا في شيء مدفون في السياق، لكنه مفهوم أنه هم كانوا يخوفونه أن هذه الأجرام ستغضب عليك وسيحل عليك وكذا وكذا، قالهم: يا جماعة الخير وكيف أخاف ما أشركتم؟ أخاف شيء أشركتموه مع الإله الحق، وأنتم مش خايفين أن الإله الحق يغضب عليكم أنكم أشركتم به سواه؟ يعني الموازنة مش صحيحة، وبالتالي المؤمن هو منسجم مع الكون، أنت منسجم مع كل هذه الأجرام وهذه الكواكب وهذه الجبال التي توحد الله وتعبده، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، فأنام المنسجم، أنا الماشي على الطريق الصحيح، أنتم اللي خرجتوا عن السكة، أنتم اللي ماشيين غلط، من الذي ينبغي أن يخاف؟

فهو يستنكر هذا النوع من التفكير وهذا النوع من الخفة العقل أن الكواكب ستؤثر عليك وتمضك وكذا وكذا، فهو يقول لهم: وكيف أخاف ما أشركتم؟ في المقابل أنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا؟ الذي يشرك بالله ويعبد مع الله أجساما أو كواكب ما في سلطان، السلطان هنا ما هو؟ هو البرهان، أنا استطعت أن أثبت بالبراهين أن ما تعبدونه مع الله لا يستحق الإلهية، وأنتم ما زلتم مستمرين على عبادتها مع الله وليس لكم برهان ولا سلطان ولا دليل على صلاحيتها الإلهية، يعني أنا الذي سلكت المسالك العلمية والمعرفية الصحيحة حتى اهتديت إلى ربي أخاف، وأنتم الذي أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا، يعني أشركتم به أجساما لا يوجد أي سلطان ولا برهان ولا حجة ولا دليل على صلاحيتها أنتم تكونون مطمئنين؟ غريب والله حالكم! اللي يصل إلى الشيء من خلال الأدلة والبراهين أولى أن يشعر بالأمن من الذي يعبد الشيء أو يتجه إلى الشيء دون وجود أدلة ولا براهين، مش هيك الإنسان السوي؟ أنت لما تقتنع قناعة بس أنت ما عندك أي سلطان أو برهان عليها، وأنا أقتنع قناعة عندي ملكوت السماوات والأرض تدل عليها، مين اللي لازم فينا يكون قلق ومن الذي يكون عنده برد اليقين؟ أنا.

وهذا هذا هو المنطق؛ لأنه أنا عندي براهين وأدلة علمية وصلت لقناعة، أنتم ايش براهينكم يا جماعة؟ ما عندكم براهين، ما لم ينزل به سلطانا. طيب كيف أنتم يعني من وين هاي الثقة الزائدة اللي عندكم، وما من أين آتاكم هذا الشعور باليقين أن هذا الإله الذي أعبده لن يغضب عليكم ويمقتكم لأنكم أشركتم به ما لم ينزل به سلطانا، وأما أنا الذي وصلت إلى فشل آلهتكم بالبراهين أنا اللي لازم أخاف من آلهتكم؟ هو يعطي حتى من حيث التفكير في خطأ في منظومة خاطئة معرفية عندكم.

ثم قال: فأي الفريقين أحق بالأمن؟ إذا فهمتم الآن هو يقول: فأي الفريقين، فريقكم ولا فريقنا؟ ولاحظ أنه معتبر حاله فريق، صح؟ طب هو وحدك سيدنا إبراهيم؟ لا، هو مش وحده، هو مع الكون، هو ماشي بالاتجاه الصحيح، هو مع كل هذا الكون المنتظم لله سبحانه خضوعا، واحنا فريق أنتم فريق، لذلك أنت الجماعة ولو كنت وحدك، قال ابن مسعود: أنت الجماعة ولو كنت وحدك. الإنسان الماشي على الحق وبالأدلة وبالبراهين ويسير على طرييق الصحابة والتابعين، فهذا لا يخاف، أنت الجماعة، أنت مش وحدك، أنت مش واحد، أنت فريق وهم فريق.

فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ هنا: إن كنتم تعلمون، يعني إن كنتم تعلمون الطرق الصحيحة للمعرفه، إن كنتم تعلمون يعني إذا أنتم ناس بتفهموا، ها كقول لك: إذا أنتم ناس بتفهموا رح تعرفوا أنه أنا أحق بالأمن منكم، حتى من ناحية معرفية، يعني هو الآن بدنا نناقشه منطقيا من ناحية معرفية: أنا أحق بالأمن ليه؟ لأنه أنا استطعت آتي ببراهين علمية أن آلهتكم تغيب، هذه الآلهة التي محسوسة بالنسبة لكم تغيب فهي غير مقنعة، أنتم الآن أثبت لي أن الكوكب يستحق العبادة، أثبت لي أن الشمس تستحق العبادة، أنت مش قادر تثبت، أنت بتتكلم بكلام سيولة كحال كثير من الناس اليوم يناظرون على السوشيال ميديا وغيره، كلام كيف تتكلم لا قيمة له فقط يتكلم بكلام عام ويجادل مجادلات عامة لا تقوم على سوق المعرفة، فأنا بالنسبة لي أنا مطمئن ومتيقن، أنت لو كنت تفهم ستعرف أنه أنت أحق بالخوف مني والقلق مني وعدم الشعور بالارتياح مني؛ لأنك لم تستطع أن تقيم الأدلة الصحيحة العلمية على صحة معتقدك.

ولذلك هنا أعلنها سيدنا إبراهيم: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.

ولم يلبسوا يعني لم يخلطوا المؤمن الذي آمن ولم يخلط في إيمانه ظلما ما هو الظلم هنا؟ إن الشرك لظلم عظيم كما فسرها النبي عليه الصلاة والسلام. ولاحظوا أن الشرك هنا عبر عنه بأنه ظلم، أنت تظلم الله سبحانه وتعالى.

طبعا ظلمك لله لن يضره شيء حاشاه، مش أذى ابن آدم مش هيك جاء في الحديث القدسي؟ لكن هل هذه الأذية تضره؟ حاشاه سبحانه وتعالى، لكنك أنت تظلم وتظلم نفسك، لأنك لما تأتي إلى شيء لا ينفع ولا يضر وتجعله شريكا لله أنت ظلمت، الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه هذا تعريف الظلم، لما تجعل الشيء لا يستحق الألوهية وهو مخلوق ضعيف كالشمس والقمر والكواكب لما تجعلها إلها أنت ظلمت، أنت وضعت الشيء في غير موضعه فأنت ظلمت الله لما جعلت له شريكا، وظلمت نفسك لما لم تحترم عقلك ولا معرفتك فجعلت الأمور غير منطقية في العقل السوي، أردت أن تجعلها منطقية وتفرضها على نفسك وفي النهاية هذا سيقودك إلى مخازي ومخاسر الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون.

فلذلك سيدنا إبراهيم يقول لهم: الذي يستحق الأمن هو الذي وصل إلى التوحيد، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وفكروا بطريقة صحيحة هؤلاء هم الذين يستحقون الأمن، وهذا الأمن في الدنيا وفي الآخرة، أولئك لهم الأمن وهذا أسلوب حصر أولئك دون من سواهم هم الذين لهم الأمن.

طيب رح تقول لي: كيف الأمن في الدنيا؟ الأمن في الآخرة فهمنا جنة، طيب وين الأمن في الدنيا للموحدين وهم يسامون سوء العذاب ويقتلون ويشردون ويعتقلون؟ تقول لي: أولئك لهم الأمن، خلص يا شيخ خليها في الآخرة بس في الدنيا يعني صعب نقول إنه في الأمن بل الحال المشاهدة أن المؤمنين يستضعفون ويقتلون ويشردون، فمن أين يأتي الأمن في هذا المفهوم؟ تفضل أبو.

أن يبقى على ثابت على إيمانه ولا يشق.

أن يبقى ثابت على إيمانه، بس أنا بدي اياك تجيبنا عن السؤال أين الأمن في أن تبقى ثابت على إيمانك؟ يعني وين الشعور بالأمن؟ نعم.

في القلب.

أحسنت، الأمن هنا إخواني بدنا نفçهمه في الدنيا ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الرضا عن الله الرضا. ولذلك الراضي عن الله سبحانه وتعالى حتى لو كان في سجن، حتى لو كان في عذاب، حتى لو كان في ما كان فيه، توحيدك لله بيجعلك راضي عنه ورضاك عن الله يهون عليك كل مصائب الدنيا.

ثم تاتي معنا قصة الغلام مع الملك والساحر وهي شرحناها قصة أصحاب الأخدود، شوفوا هذا الغلام لما كان حريص أن يخبر الملك بطريقة قتله في آخر المطاف كان حريصا أن يقول للملك: بدك تقتلني؟ أنت متخيل أنك تعطي لواحد الطريقة الوحيدة التي يستطيع أن يقتلك فيها بتقدر تعملها؟ يعني أنت عارف أن هذا الشخص الذي أمامك لن يقتلك إلا بطريقة واحدة بس وأنت تروح تعطيه إياها تقول له: حاب تقتلني؟ أنا بقول لك هي الطريقة، خذ سهما من كنانتي وكذا وارم وقول: بسم الله رب الغلام تقتلني.

هذا الغلام ألم يكن يشعر بالأمن والرضا حتى وهو يعطي قاتله طريقة قتله؟ حالا فعلا، الإيمان يصنع العجائب إخواني، الإيمان والتوحيد يصنع نفوس عجيبة غريبة شعورها بالرضا عن الله سبحانه حتى وهي في أشد ساعات العذاب والبلاء والشدة، وأظن يعني ما رأينا في غزة في كثير من المواطن والقصص والأحوال شاهد عيان يعني أنا ما بتكلم عن قصص خيالية أو أوهام نتكلم عن أناس فقدوا أبناءهم في ليلة واحدة تمام، اللي بيكون يعني يقطع وأرجله مقطعة وكذا ولا إله إلا الله رضينا يا رب ونحن عبارات الرضا، عبارات الشعور بالطمانينة بالله، لأنه هنا في مفهوم الأمن الدنيوي أخشى أن يفهم هذا الأمن بصورة خاطئة، لأنه بعض الناس لما تقول له وهذا أصلا مشكله في مشاكل عرض الدين كما قلنا أنه نعرض أن الدين يعني رفاه اقتصادي وحياه مستقرة وراتب وزوجه جميلة حسناء وتجلس تحت كذا وأمورك طيبة، هذا معنى التدين؟ أنت تدين بس والاسلام هو الحل؟ لا يا عم الله يرضى عليك بدنا نهدى شوي، الآن التدين لا يعني بالضرورة رفاه اقتصادي، لا ممكن تكون الحياة فيها صعبة، والتدين لا يعني أنك ستنجو من البلاءات ستبتلى.

مش الراهب أصلا ايش قال؟ قال: إنك ستبتلى، يعني راح تبتلى ما عندي مجال، لكن أهم شيء أنك تؤمن، لأنه حتى لو ابتليت حتى لو مهما تعرضت لهم في هذه الدنيا من سجن وقهر وستشعر أن توحيدك لله وأنتمائك لهذا الإاله العظيم ورضاك به ربا وإلها ومعبودا هو الذي سيمنحك دوما شعور بالطمانينة والرضا حتى في أحلك ساعات البلاء، فهذا معنى أولئك لهم الأمن، فتجد الإنسان مهما ضغط عليه من الفاسدين ومن المجرمين ومهما وقع تحت ما وقع من أشكال أسلحة الدمار الشامل والعذاب وهو تجده مقبلا على الله سبحانه وتعالى سعيدا راضيا.

السعادة بيد، السعادة شعور داخلي، وهذا الشعور لن يحول بينك وبينه بلاء الجسد، هذا الشعور هذا شعور داخلي كما قلنا، وجود بلاء على الجسد ليس شرطا أن يحول بينك وبين هذا الشعور، شعورك بالرضا والطمانينة. مش ابن تيمية كان يقول في سجن القلعة وهو مسجون إنه: لا تمر علينا ساعة نقول فيها لو كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه لكان، أنت بتخيل واحد في سجن وعم بقول لك: لو كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم الذي نحن فيه في السجن لكفى بها نعيما، يعني كيف واحد يجعل البلاء يشعر فيه براحة وطمانينة وسكينة ومشاعر بخوف أو قلق؟ كيف إنسان ممكن يساق إلى منصة الإعدام وهو راضي عن الله مطمئن مش خايف ولا فزع؟ هذه الصور التي تشاهدونها أو تسمعونها أو تقرؤون عنها هذه قلوب صنعها الإيمان، هكذا يصنع الإيمان، هكذا يصنع الإيمان إذا لمست بشاشته القلوب ﴿أولئك لهم الأمن﴾ ستكون آمنا تماما، لن تخاف، لن تقلق، لن تكتئب، لن تشعر بالأمور هذه، لأنه أنت متصل مع الإله مرتبط به فتجد عنده السكينة والراحة والطمانينة وانه هو الذي سيمنحك كل شيء وكما قال سيدنا إبراهيم: ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ إذا شاء أن يرفع عني جانب من الأمن الأمن أقصد المادي أو يضعني في شيء من البلاء هو اللي وضعني وهو اللي بينتزعني ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أو ﴿أو أن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾.

في هذه السورة شعورك أنه الضار النافع المعطي المانع المعز المذل أن كل ما يجري من مشاهد هذا الكون بإذنه وأنا منتمي له شعورك هذا سيمنحك لابد الأمن في الحياة الدنيا، الأمن القلبي والرضا والسعادة القلبية ﴿وهم مهتدون﴾ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ظفروا بشيئين بالامن والهدايه، وهم مهتدون أي استطاعوا أن يصلوا إلى الهداية الصحيحة، هذا شخص مهتدي، مهتدي يعني عرف أين يتجه، عرف من يعبد، عرف من يقصد، مهتدي وهذه من أعظم الألقاب التي ينافس في الحصول عليها أن تكون مهتديا، ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.

ثم قال سبحانه وتعالى بعد أن انتهى النقاش أو ذكر كلام سيدنا إبراهيم ﴿وتلك حجتنا﴾ هذا النقاش الذي حصل بين إبراهيم وبين قومه قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾ اه هون صار في نقاش، لما قال: ﴿وتلك حجتنا آاتيناها إبراهيم على قومه﴾ من يرى أن إبراهيم كان مناظرا قال: هذه الآية دليل لنا واضح، لأنه تلك اسم الإشارة يعود إلى كل ما سبق ومنها فلما جن عليه رؤى كوكبه فلما رأى القمر بازغا فهذا بيعطيك مؤشر أنه إذا هو كان يناظر، لأنه قال: وتلك الأمور التي تكلم بها إبراهيم هي حجتنا وبرهاننا أعطيناه إبراهيم ليكون دليلا له على قومه، هذا رأي من يرى أن إبراهيم كان مناظرا.

من يرى أن إبراهيم كان ناظرا يقول: وتلك حجتنا إشارة إلى ما بعد قوله تعالى: ﴿وحاجه قومه﴾ وليس إلا ما قبلها، أنه وتلك حجتنا أنه إبراهيم لما ناقش قومه بعد أن وصل إلى الهدى لما ناقش قومه فقال لهم ولا أخاف ما اتحاجوني في الله وقددا ولا أخاف ما تشركون به، وهذا برضه نقاش لكنه نقاش أنه من الذي ينبغي أن يخاف ومن الذي ينبغي أن يشعر بالأمن؟ فهو أخبرهم أنكم أنتم الذين ينبغي أن تشعروا بالخوف الخوف والقلق وعدم الشعور والطمانينة وأنا الذي يجب أن أشعر بالأمن والطمانينة، حتى ولو أنتم كثرة وانا قليل، حتى لو أنتم تملكون القوة وأنا الآن لا أملك شيئا أنا وحدي في خضم الصراع، أنا الذي يجب أن أشعر بالأمن وأنتم يجب أن تشعروا بالقلق، هذا النقاش هو الذي ﴿وتلك حجتنا آاتيناها إبراهيم على قومه﴾ وليس المقطع من أوله، وبالتالي يعني لاحظوا كيف أن التجاذب النظر في تفسير الآيات.

إذا وتلك حجتنا ولاحظ أن الله سبحانه وتعالى نسب هذه الحجة إليه قال: ﴿وتلك حجتنا﴾ وهذا يدل على أن الأدلة الصحيحة هذه شريفة فنسب وتلك أن من نعم الله عليك أن يعطيك حسن الاستدلال، وهذا توفيق من الله نعمة ربنا بيعطيك اياها، وإياك أن تقول: ﴿إنما أوتيت على علم﴾ لا هذا من نعم الله عليك أن تكون إنسانا تستطيع أن تأخذ الدليل الصحيح لتستدل به على المدلول، هذه حجج الله وضعها في الكون لتدل عليه فتنسب إليه سبحانه وتعالى، لأنها هو الذي وضعها أولا، هو الذي وضعها ويهدي إليها من يشاء من عباده أن يهديك إلى طريقة التفكير الصحيحة ﴿وتلك حجتنا آاتيناها﴾ احنا اللي وفقنا إبراهيم ليفكر بهذا التفكير السليم وليغلب قومه في هذا ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ نرفع درجات في العلم والمعرفه والفهم والنظر من نشاء، وفوق كل ذي علم عليم فالله سبحانه وتعالى حتى الأنبياء فضل بينهم ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ فاذا نرفع درجات من نشاء، ففلان يفتح عليه من العلم والمعرفة والفهم ما لا يفتح على غيره ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم عليم في هذا السياق في اختيار من يصلح للرسالة ومن يصلح للدعوة ومن يصلح لحمل هذا الدين ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْضُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ كما يقول ابن القيم دوما ايش أصلا وفرعا أعلم من الذي يصلح أن يكون رسولا، فعنده استعدادات نفسية وعقلية وذهنية تجعله هو المناسب ليكون رسولا، وكذلك هو الأعلم من يصلح أن يكون عالما فيحمل هم هذا الدين فيعطيه الله من العلم والمعرفه ويكشف له ما لا يكشف لغيره، فإنه هذه تحتاج إلى حكيم يعرف من الذي يصلح من الذي لا يصلح، عليم بظواهر البشر وبواطنهم، فالحكمه اسم الله الحكيم والعليم، رحمك الله جعله سبحانه وتعالى يختار إبراهيم ليكون أمة قانتا لله حنيفا واما من أئمة المرسلين. تفضل.

على قوم.

هذول على الغلبة.

نعم ﴿وتلك حجتنا آاتيناها إبراهيم على قومه﴾ أن هنا تضمين الغلبه أنه هو بهذه الحجة استطاع أن يغلب قومه وأن يهيمن عليهم ولم يغلبوه، فهنا ليس مجرد إيتاء، هو إيتاء مع استعلاء، إيتاء مع استعلاء أعطيناه إياها ليستعلي بها على قومه والله أعلم.

﴿نرفع درجات من نشاء﴾ يعني على بها على قومه نرفع درجات لا ترفع درجات من نشاء هي اشاره إلى ذهن إبراهيم وعقلية إبراهيم أن الله سبحانه وتعالى كيف رفع ذهنه وفكره وعقله ليستدل هذه الاستدلالات القويمة الصحيحة ويكون عنده حسن بديهه وسرعه إجابة قد لا توجد عند غيره من أهل الإيمان، فهذه خلينا نقول أنها جملة استئنافية مستقلة ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ في العلم والمعرفة ومن هنا أصبح إبراهيم معلم الناس وسيدا من ساداتهم، وأن ربك إن ربك سبحانه ايش ﴿حكيم عليم﴾ عندما اختار إبراهيم واصطفاه ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ يختار من يصلح منهم وهذه تحتاج إلى ماذا؟ حكمه وعلم.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنه نعم الإنسان يتعرض لبلاءات ولشدائد، ولكن المتمسك بدين الله سبحانه وتعالى أيضا الله سبحانه وتعالى يعطيه حتى من النعم المحسوسة ويفرج عليه من الكربات ما يفرج عليه.

فسيدنا إبراهيم ما كان عنده أولاد ومع ذلك الله سبحانه وتعالى فرج عليه أولا بإسماعيل ثم فرج عليه بمن؟ بإسحاق وإسحاق أتى له بماذا؟ بيعقوب، ولاحظ أن الحفيد (يعني في منزلة الابن) أن ربنا قال: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب﴾ طيب يعقوب ابن النبي ابن إبراهيم؟ لا يعقوب ابن مين؟ ابن إسحاق، بس بقول لك ابن الابن ابن مش هيك نحن بنحكي في العرف؟ ابن الابن بمنزلة الابن بيكون عزيز عليك فتفرح به كما تفرح باولادك، فسماه هبة لإبراهيم ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب﴾ ولا تتم هذه الهبة إلا بأن يكونوا على استقامة فقال: ﴿كلا هدينا﴾ يعني أنا إذا وهبت لك شيئا لكن هذا الشيء ما كان خير أنت ما راح تستفيد، لو اعطاك الله أولاد بس كانوا عاقين أولاد طلعوا كافرين أو فاسدين أو فاجرين هنا أنت لن تشعر بتمامها، فمن تمام النعمة أن يرزقك الله الذرية الصالحة فقال: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا﴾ يعني وكلاهما كان يسير على خطى أبيه وكلاهما كان يسير على خطى أبيه في أنه على هدايه ونور وبصيرة، فالولد الصالح نعمة أي والله.

ولذلك لما سيدنا نوح عليه السلام أغرق ولده سأل ربه قال: ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ فماذا أجابه الله سبحانه وتعالى؟ ﴿إنه عمل غير صالح﴾ كأنك خلص يعني الذي ابنك كالكافر لا لا تعد من أهلك مالك مصلحة معه، فمن تمام النعمة أن يوفقك الله إلى ذرية صالحة ﴿كلا هدينا﴾ قال: ﴿ونوحا﴾.

من قبل إبراهيم كان نوح إماماً للمهتدين، وهو أول رسول على الأرض، سيدنا آدم كان نبياً لكن أول الرسل نوح.

قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84] اختلف المفسرون في الضمير ومن ذريته؛ هل يعود الضمير على نوح باعتباره أقرب مذكور، أم يعود على إبراهيم باعتبار أن السياق يتكلم عن إبراهيم؟ كلاهما حقيقة له حظ من النظر، وكلاهما مقبول؛ لأنه داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون هم من ذرية إبراهيم ومن ذرية نوح من باب أولى. فالبعض قال: لا، ما دام السياق يتكلم عن سيدنا إبراهيم فالأولى أن نقول إنه ومن ذريته تعود على إبراهيم. وهذا يدل إخواني أن الأب الصالح العالم الفقيه تنزل البركة على نسله لدرجات وطبقات. يعني فقه سيدنا إبراهيم وصلاحه أثر في صلاح أولاده وأحفاده، فكان سبباً لنشء صالح خرج منه. فلذلك أهمية إنشاء الأسرة الصالحة اليوم كثير مهمة.

لما يكون شاب واعي وامرأة واعية ينشئ أسرة صالحة ويهتمون بتربية أبنائهم، شوف كيف ربنا عز وجل بارك في ذرية إبراهيم؛ لأنه رجل واعي ونبي صالح، فكان من ذريته داود وسليمان وهما ملكان ونبيان من انبياء بني إسرائيل، وأيوب ويوسف وموسى وهارون. ولكل شخص منهم قصة وحكاية وبلاء، وكلهم كانوا على طريق الاهتداء وعلى طريق الأنبياء.

وكذلك نجز المحسنين، نحن عرفنا أسلوب وكذلك هو مثل من الأمثال العربية، وكذلك نجزي إشارة إلى ماذا؟ إلى قمة الإحسان في الجزاء. لما أقول لك وكذلك، يعني ومثل هذا الجزاء العظيم نجزي المحسنين. هذا معنى هذا المثل عند العرب، ومثل هذا الجزاء العظيم الذي نال كل شخص منهم نجزي المحسنين. أو ممكن تقول وكذلك نجزي المحسنين هي إشارة إلى إبراهيم. يعني وكأن الله يقول: لما أحسان إبراهيم وصبر وثبت وجادل وأفاد وأجاد، أحسن الله إليه إحساناً عظيماً بأن جعل ذريته ذرية أنبيأ. فتكون وكذلك نجزي المحسنين إشارة إلى النعم العظيمة التي حصلها إبراهيم بسبب هدايته. وهذا يدل على أن المؤمن إخواني مرعي في الدنيا وفي الآخرة، حتى إن الله حفظ إبراهيم في ذريته لأنه كان ثابتاً على عقيدته واضحاً في منهجه.

فالله سبحانه وتعالى يقول: لاحظوا أن إبراهيم خرج من نسله كل هؤلاء من الصالحين والأنبياء والابرار والأتقياء، ومن آبائه. وسيأتي كل هذه الأسرة المسلمة نشأت من هذا الرجل الصالح؛ إنسان صالح يغير المعادلة إخواني، إنسان صالح ثابت قوي عنده مبادئ ينشئ أبناء على هذا المنهج، الأبناء ينقلوه للأحفاد تكون ركيزة. ولذلك كثير من الأسر العلمية نشأت من علماء، اليس كذلك؟ يعني آل ابن تيمية، آل ابن قدامة؛ تجد هذه العائلات أصبح فيها علماء، المجد جده عبد السلام أبوه أو عبد السلام هو الجد ولا الابن؟ عبد الحليم أبوه، إذاً هو عبد السلام الجد، عبد الحليم الابن، أحمد نفسه ابن تيمية ما تزوج ولا كان بيصطلحنا منه شيء آخر تمام. أعمامه تجد الأسرة كلها أسرة علمية؛ لأنه الجد كان عالماً. كذلك آل قدامة هو وأولاد أخوه وأولادهم كلهم كانوا من عائلات العلماء.

ولذلك دائماً سبحان الله الانسان المبارك والابُ الصالح الواعي الحقيقة هذا غنيمة في الزواج؛ لأنه يرجى ببركة هذا الصلاح أن ينزل إلى أولاده وأحفاده، وكان أبوهما صالحاً تذكروا في قصة أصحاب الكهف حتى الكنز خرج له من ذلك. فسبحان الله كيف سيدنا إبراهيم كل هذه البركات حلت في ذريته.

وكذلك وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس. ولاحظ هذا التعداد يعطيك أنه كلهم أنبياء من ذرية إبراهيم. هذه البركة وكان هذا فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أن يسير على خطى إبراهيم، أنه كما أن نسل إبراهيم بثباته كان في نسله وفي ذريته الأنبياء والصالحون، كذلك يا محمد صلى الله عليه وسلم اثبت فسيكون الان ليس من النسل الصلبي لكن العلماء ورثه الأنبياء سيرثك في هذه الأمة.

يعني أنت لما تكون في فترة مكية واستضعاف، واللي أمامك مغلبينك ومتعبينك، بدك شيء يرفع الروح المعنوية، إنه سيدنا إبراهيم غلبوه قومه لكن في النهاية أعلاه الله عليهم، آتيناها إبراهيم على قومه، مش قلنا الاستعلاء؟ وهذا الاستعلاء حتى في الدنيا كان من بركة ثبات إبراهيم وجود هذا النسل العظيم المستمر من الأنبياء والصالحين.

قال: ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم. شوف الآية كيف تعطيك زخماً في أسماء الأنبياء ومشكش ضروري كله يكون أنبياء، برضه أزواج الأنبياء، أبناء الأنبياء، أحفاد الأنبياء، أقارب الأنبياء؛ طب ما هذا كله صلاح عم يسير في المعمورة ببركة ثبات ذلك الرجل الصالح أن إبراهيم كان أمة، لذلك قال سبحانه: وإسماعيل.

طبعا هنا لماذا ذكر إسماعيل وحده مع أنه هو أيضاً من ذرية إبراهيم (يعني هو ولد صلبي)؟ لأنه إبراهيم عليه السلام له نشئين، له إسماعيل وله إسحاق. الانبياء الذين ذكروا بعد إسحاق يعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلهم من إسحاق، وهم بنو إسرائيل يسمى من بني إسرائيل وأنبياء بني إسرائيل.

لكن الطريق الآخر لسيدنا إبراهيم هو طريق مين؟ إسماعيل. وإسماعيل لم يخرج من صلبه طبعا إلا نبي واحد لكنه سيد الأنبياء وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يعني من إسماعيل من ذريته كان نبي واحد لكنه هو سيد الأنبياء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. أما إسحاق فكان من ذريته كل هؤلاء الأنبياء، فلذلك ابتدأ بذكر إسحاق وذكر الأنبياء الذين خرجوا من صلبه ثم ذكر إسماعيل.

ممتاز، وإسماعيل ثم قال: واليسع ويونس فيما يظهر هل هم كانوا من نسل إسحاق أم ذكرهم بعد إسماعيل لأنهم ليس لهم علاقة بإسحاق؟ يعني اليسع ويونس البعض يقول هؤلاء ليسوا من أنبياء بني إسرائيل وإنما أنبياء أرسلوا إلى أقوام مختلفين، فلذلك ذكروا بعد إسماعيل. ولوط أيضا ذكر وحده؛ لأنه هو فيما هو مشهور أنه ابن أخو إبراهيم عليه السلام، لوط ابن أخيه لسيدنا إبراهيم فلذلك ذكر هؤلاء بعد إسماعيل. وكأنه فصل أنبياء بني إسرائيل عن الأنبياء الآخرين فذكر إسماعيل ثم ذكر واليسع ويونس ولوط. وهنا حقيقة نحتاج أن نعرف ما علاقة اليسع ويونس بسيدنا إبراهيم؟ لأنه ما دمنا هنا قلنا نحن يذكر النسل الصالح الذي خرج من سيدنا إبراهيم فلعلنا نحتاج إلى دراسة نسبية أنا لا أملكها حقيقة، لا أعلمها لنسب اليسع ونسب يونس؛ ما علاقتهم بسيدنا إبراهيم نسباً؟ يعني لوط عرفنا عليه السلام أنه كان ابن أخيه. اليسع ويونس الذي يظهر أن لهم علاقة نسبية، لكن ما هي؟ الله أعلم.

قال: وكلاً فضلنا على العالمين. يعني كل هؤلاء الأنبياء الذين خرجوا من سيدنا إبراهيم كانوا متميزين، ففضلوا على عالم زمانهم وعلى أهل زمانهم، فكان لهم تميز عن سائر البشر. ومن آبائهم هؤلاء الأنبياء أكيد لهم آباء وهم أحفاد، وذرياتهم وإخوانهم كلها أسر صالحة نشأت ببركة الجد الصالح. واجتبيناهم اصطفاء واختياراً وهديناهم إلى صراط مستقيم.

اجتباء واهتداء، وركز هاتين الصفحتين في هناك تركيز على الهدايه، الهداية أعظم نعمة، أعظم نعمة لنعمة الإسلام أن يهديك الله ألا تبقى تائهاً حائراً، ذلك هدى الله. ركز كلمة الهداية، هذا هدى الله. هذا هو الهدى الذي يبحث عنه، وهو هداية من الله سبحانه وتعالى يهدي به من يشاء من عباده.

فيا محمد صلى الله عليه وسلم أنت جزء من سلسلة النور التي جاءت على تاريخ البشرية، أنت جزء من هذه السلسلة العظيمة، وأنت معركتك مع هؤلاء الكفار هي جزء من معركة البشرية، فهناك من يهديه الله من هؤلاء الأنبياء وذريات إخوانهم، وهناك من يصر على الكفر والعناد ويختار المعسكر الآخر، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده. فهذا فيه تسلية عامة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تظن أن الأمور ستفنى وتنتهي، لا تظن أن الكفار، صح أنت الآن في مرحلة استضعاف ومن معك قلة، لكن ستاتي البركة؛ البركة قادمة في حياتك.

انظر إلى سيدنا إبراهيم كيف كان وحيداً ثم أصبح من نسله كل هذه البركات والأسر والخيرات والأمم، فهذا فيه تسلية تامة أنه في النهاية هؤلاء الذين معك من كفار قريش إذا بقوا مصرين على موقفهم وما زالوا يفكرون بالطريقة الدنيئة، وهو أنزل علينا آية نريد آية نريد آية، دعهم، فخلاص البركة ستاتيك وسيلتحق بك أناس وسيكون لك اتباع وسيكون هناك من يؤمن بهذه الدعوه وينصرها. فهؤلاء كفار قريش هي معركة من معارك الحياة وسينتهون ولن تبقى الأمة كلها قائمة على كفار قريش، وهذا ما حصل، يعني هذه حقبة كفار قريش حقبة زمنية انتهت والدين والحياة الإسلامية أوسع منهم والتاريخ سيتحرك، لن تقف المعادلة عند هؤلاء فكان هذا تسلية له. لا تقلق منهم، لا يضجرونك، لا لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين، سينتهي هؤلاء كما انتهى من قبل وسيكون لك اتباع وصالحون وينشؤون على هديك وعلى طريقتك.

إذاً ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده. ولو أشركوا هؤلاء الصالحون الذين مروا ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم لو اختاروا طريق الشرك لحبط عنهم ما كانوا يعملون. ففي النهاية المعادلة واضحة؛ أما أن تختار معسكر التوحيد فيجتبيِك الله ويختارك وبارك لك في حياتك ونسلك، واما أن تختار المعسكر الآخر معسكر الشرك، ولو أشركوا لهانوا على الله؛ لو أشركوا لهانوا، لأن أشركت ليحبطن عملك مش هيك ربنا قال؟ لو أشركوا لهانوا على الله، لكن ما الذي جعلهم في حيز الاجتباء والاصطفاء؟ اختيارهم معسكر التوحيد. ولو أشركوا لحبط عنهم يعني والحبوط هنا السقوط التام، كل ما كانوا يعملونه من الأمور الخيرة والأعمال الإنسانية وكل ما كانوا يعملونه بشؤومة الشرك سيخسرونه. فلذلك أنت تسأل الله التوحيد وأن تثبت على التوحيد إلى النهاية؛ لأنه الشرك يحبط كل أعمالك الخيرة.

ثم هنا تأكيد آخر على هذا النسل الطيب: أولئك الذين آتيناهم الكتاب وهذا الكتاب دلالة العلم، والحكم والحكم دلالة الإدارة وامتلاك زمام المبادرة فهم حكموا أيضاً، والنبوة. فهذه طبعا هذا موزع بين هؤلاء الأنبياء السابقين كتاب، حكم، نبوة هؤلاء الأنبياء. وهذا سيؤول لك يا محمد صلى الله عليه وسلم ولامتك الكتاب القرآن، والحكم الدولة المسلمة، والنبوة التي حصلت فيك وسيكونك من يرثك ميراث العلماء.

فإن يكفر بها هؤلاء، قومك يا محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء المشركون، إذا بقوا مصرين على الكفر ما بدهم ياخذوا العلم الذي أتيت به ولا يتبعوا نور النبوة، فقد وكلنا بها قوماً (يعني سننشئ أقواماً يحملون لواء هذا الدعوة وهذا الدين وهذا ما حصل في الأوس والخزرج). إذا هؤلاء بقوا مصرين على موقفهم فلا تهلك نفسك عليهم، سيقدر الله من يحمل هذه الدعوة ومن يحمل هذه الرسالة غير هؤلاء القوم. وفعلا هذا ما حصل، ما حملها إلا الأوس والخزرج وكانوا دار الأنصار، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين. وهذا أكثر ما يسلي الداعي يا إخواني.

ثم يختم هذا المشهد عند قوله سبحانه، رسالة واضحة للنبي عليه الصلاة والسلام ولكل من سيحمل لواء هذه الدعوة: أولئك الذين هدى الله، هل ترى هذا الركب الذي ذكرناه من الأنبياء والصالحين الذين جاؤوا على هذه الأمة؟ أولئك قوم هداهم الله؛ هداهم الله إيمانياً ومعرفياً وكيف يتعاملون مع أقوامهم بجميع أنواع الهداية. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. اقتدي بركب هؤلاء، فأنت لست بدعاً من الرسل، هناك نماذج سابقة ونماذج ناجحة وناس رائعون اهتدأهم الله علماً ومعرفة وثباتاً وعزيمة وصبراً وأنت ختام هؤلاء الأنبياء في سلسلة النور.

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. وهذه رسالة لي ولك؛ اقتدي بهذا الهدى واثبت على درب الأنبياء ونحن في هذه المرحلة من مراحل الأمة المستضعفة ما عندنا مجال إلا أن نقتدي بهؤلاء نثبت كما ثبتوا، ونصبر كما صبروا، ونحقق التوحيد في حياتنا وفي حياة أسرنا والذي يشعرنا بالأمن أولئك لهم الأمن التوحيد. احنا نعم مستضعفون، لا نملك أسلحة الدمار الشامل ولا القنابل ولا التكنولوجيا ولا نملك، لكننا نملك أعظم من شيء، أعظم من كل هذا، نملك التوحيد وأننا عرفنا الله سبحانه وتعالى فبهداه اقتده.

ثم قال له: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: 90]. وهذه مهمة، قضية دائماً أذكرها أنه وذكر قومك أنه هذه الدعوة التي أنا أبذلها لكم يا قريش أنا لست طالب حكم ولا ملك ولا طالب مال ولا أجر، أنا أدعوكم إلى الله لأنني أرسلت منه ولا أدعوكم من أجل أن أحصل منصباً أو وزارة أو مالاً أو جاهاً. وهذه دائماً رسالة الأنبياء، أن رسالتنا لله خالصة، وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة والمصلحون أنه لما يدعو الناس إلى الله دعوة بدون مقابل، حتى تبقى دعوة الدين نقية صافيه لا تخلط بحظوظ الدنيا.

قل لا أسألك عليه أجراً (يعني هل تظنون أن محمد صلى الله عليه وسلم يتعب هذا التعب، وينصب هذا النصب، ويكابد هذه المكابده معكم من أجل أن تحصيل متاع دنيوي؟ هذا كله أنا لا أسألكم شيئاً من هذه الدنيا). قل لا أسألكم عليه أجراً؛ لاحظ أجراً نكرة في سياق النفي تدل على العموم، أي شكل من أشكال الأجر والحظ الدنيوي لا أطالبكم به. وهذا حري أن يجعل من أمامك يفكر؛ هذا الشخص ما الذي يجعله يتعب هذا التعب وينصب هذا النصب وهو لا يريد أي شيء دنيوي؟ هناك شيء مع هذا الرجل، هناك شيء خلف هذا الرجل، لا يمكن لإنسان أن يتعب ويهلك ويعرض نفسه لهذه المهالك وهذا التعب والنصب ويعادي قومه.

ويحصل ما يحصل وهو لا يريد شيئاً. إذاً، ما مضمون هذه الرسالة؟ هذا كأنه باعث من بواعث التفكير: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: 90]. طب، لماذا تتعب؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90]. من أجل هذا أتعب؛ أن هو كل هذا الجهد والتعب والرسالة هي ذكرى، أنا أريد أن أذكر البشرية بحق التوحيد؛ وهو أعظم حق في الوجود الإنساني؛ حق الله على العبيد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً. ومن أجل هذا الحق قامت الدنيا، ومن أجله قامت سوق العبودية، ومن أجله وجدنا نحن البشر.

لاحظ، نحن لم نوجد من أجل الزواج والطعام والشراب ولا من أجل أن نحقق لذاتنا، وإنما هذا متاع الدنيا. نحن وجدنا من أجل تحقيق التوحيد لله. من أجل ذلك نزل آدم على الأرض وبدأت القصة والحكاية الطويلة التي نحن عبارة عن جزء من أجزائها، أنا وإياكم جزء من أجزاء هذه الحكاية العريضة في تاريخ البشرية. والمطلوب منا أن نوفق لفهم طبيعة الوجود وغاية الحياة، أن نحقق التوحيد لله رب العالمين في أنفسنا، في تصرفاتنا.

أن يبتلينا الله؛ ما حجم التوحيد في قلوبنا؟ وما كيف حل؟ وما هل أنت صادق في توحيدك لله أم ما زال هناك شوائب تنغص هذه الحسنة وهذه العظمة؟ هل أنت نقيت نفسك من الشرك؟ كل هذا الأمر هو الذي ينبغي أن يشغل المسلم. وهكذا القرآن يوجهك دوماً ويعيدك إلى غاية الوجود وأصل الحياة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90].

اللهم بصرنا وفقهنا وعلمنا وارشدنا واجعلنا على طريق الانبياء والصالحين فبهداهم اقتده، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.