أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فامتدح الله هذا النسل الطيب من الأنبياء وأخبر ماذا أعطاهم؛ سواء من الكتب الإلهية، أو الحكم والفهم والدراية، والنبوة وهي أعلى شيء أعطيه هؤلاء. ثم قال: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّسُوكَ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89]. وهنا فائدة سبحان الله متعلقة بقضية فان يكفر بها هؤلاء؛ قلنا المشهور عند المفسرين أن اسم الإشارة هؤلاء يشير إلى من؟ إلى كفار قريش. يعني فان يكفر يا محمد عليه الصلاة والسلام، إن يكفر بهذه الدعوة وبهذه الرسالة هؤلاء وهم قريش الذين أنت الآن في مخاصمه معهم؛ فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. ولعل هذه الآية تشير إلى فكرة الاستبدال، أنه إذا أنت لم تؤمن بهذا الدين أنت لن تضر الله شيئا، الله عز وجل يستبدلك بشخص آخر وبجيل آخر يقومون بنصرة هذا الدين. وهذا الذي يخيف الإنسان دوما أيها الكرام، نحن لا نخاف على هذا الدين، هذا الدين منتصر منتصر والمستقبل له، والساعه التي سيعز بها أهله سيعزون. لكن على ماذا نخاف؟ نخاف على أنفسنا، على اصطفافاتنا، على مواقفنا، فإن الله يقول تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له بأن لا تحزن ولا تتقطع أسفا؛ فإذا هذا الجيل من كفار قريش رفض هذه الدعوة فسنستبدلهم بجيل آخر: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّسُوكَ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89].
وهكذا في كل جيل من أجيال هذه الأامة من يترك الدين ويترك التمسك به ويعيش حياة غفلة، ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]. هي فكرة الاستبدال التي يجب أن يخشى كل إنسان على نفسه منها، أن الله سبحانه وتعالى لا يراك مقبلا على هذا الدين ولا يراك متمسكا به، ويراك مستهزئا عابثا لاهيا غافلا تعيش لشهوتك وملذاتك، فتهون على الله عز وجل فيخذلك ويتركك ويستبدل بك سواك. فإن يكفر بها هؤلاء من كفر بهذه الدعوة، من كفر بهذا الدين، من لم يحمل لواءه، من لم يؤمن بهذه المبادئ وهذه العقائد، ما أهونهم على الله أن يستبدلهم وأن يهلكهم، وأن يأتي بقوم موحدين قائمين بحق هذه الدعوة وبحق هذا الدين. فإذا الخوف ليس على الدين، الخوف عليك أنت، هكذا يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: إذا كفر كفار قريش بدعوتك لا تقلق، فقد وكلنا ننشئ لهذه الدعوة رجالا صادقين يحملونها ويقومون بأعبائها، ولا يكفرون بها ولا يحيدون عنها ولا يبغون عنها حولا.
فأين أنت في حياتك؟ هل الله سبحانه وتعالى استعملك؟ إذا استعملك الله عز وجل فاحذر أن تستبدل. إذا استعملك الله في ثغر من الثغور فاحذر أن تستبدل، لأنك إذا استبدلت بتغيير مبادئك فما أهونك على الله سبحانه وتعالى، وما أسهل أن يأتي الله عز وجل برجل آخر يسد مسدك. يعني بعض الناس يظن أنه هو الذي يعني يسد مسد الدين بمعنى أنه لا يوجد مثله، لا يا اخي أنت احمد الله أن الله استعملك، وإلا حتى لو أنت لو لم تكن موجودا فإن الله ياتي بغيرك يسد هذا الثغر، لكن أنت تحمد الله على هذا الثغر الذي أوجدك فيه وتتمسك به وتقول يا رب ثبت، ولا تظن أنه لن يأتي على الأمة مثلك وأنك الإنسان الذي إذا لم تكن موجودا فإن الدين سينهار. لا، الله ياتي بقوم غيرك ينصرون ويقومون بهذه الأدوار، لكن من نعمة الله عليك أن يصطفيك في مكان وأن يستعملك، وإذا اردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر أين أقامك.
ثم أمرنا نحن بان نقتدي بهذا النسل الطيب من الأنبياء المتمسكين بالكتاب والشريعه فقال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]. أولئك إشارة لكل من سبق فبهداه مقتده. يا أيها السائر إلى الله، اقتدي بهدى هؤلاء. ولاحظ حتى هاء السكت هي أصلها اقتدي، لما دخلت هاء السكت اقتده صح، هذه الهاء هذه ليست ضمير، هذه الهاء ما هي هاء سكت وكأنها تعطيك نفس، تعطيك أريحية في قضية اقتده. عليك أن تعود إلى آثار هؤلاء السابقين وتتمسك بغرز نعالهم، واياك أن تخرج عن سكتهم، كما سيامرك الله عز وجل في نهاية السورة: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. فدين الله وهدي الله والتوحيد هذا ليس فقط دين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هو لدن آدم سلسلة من النور من الأجيال التي جاءت على هذه البشرية وعلى هذه الأرض، سلسلة من الموحدين أنت ترجو من الله سبحانه وتعالى أن يجعلك في نظامهم في سلكهم من هذه الفئة القليلة التي عمرت الأرض بتوحيد الله عز وجل وطاعته والدعوة إليه والحياة حياة ذات قيمة، ذات معنى، ذات مبادئ، وليست حياة التافهين فبهداه مقتده.
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن هذه الدعوة دعوة لله ليست دعوة بالأجرة، ليست دعوة مدفوعة، لا يطالب صاحبها لا بملك ولا زعامه ولا رياسة ولا شيء من حطام الدنيا: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: 90]. هي لله، كل هذا التعب، كل هذا النصب، كل هذه الآلام التي تصيب الداعية إلى الله لا يطلب عليها مقابل ذلك، ترى أي اجر، أي ثواب، أي حسنة من الناس، وإنما اريدكم فقط أن تتذكروا، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90]. أنتظر الثواب من الله سبحانه وتعالى واما من البشر فكلما كان الداعي متجردا لله كلما نفض يديه منهم.
أنا دائما أتذكر وأقول للإخوة موقف أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة، يكبل بالقيود ويحمل إلى الخليفة المأمون من بغداد، والملايين التي في بغداد ما حدا تحرك له. تخيل، هؤلاء الذين كانوا يدرسون على يديه ويتعلمون منه في المساجد الجامعة والإمام أحمد ياتيه الناس من الأقطار والامصار، لكن في النهاية لما اعتقل من أجل فتنه خلق القرآن واقتيد، أين هذه الشعوب تتحرك من أجلك؟ ما تحركت أحد. فالداعي دائما لا يجعل اعتماده وتوكله على البشر، ويقول والله هؤلاء البشر خذلوني، والله عاد ما أعطيهم درس أبد، ما يصلح. أنت في النهاية لله عز وجل تقدم، ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90]. أنت كل نصبك وتعبك وألامك وجراحك كلها تطلب فيها الثواب من الله سبحانه وتعالى وليس من المخلوقين، ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّ نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: 10-7]. ومن أجل هذا نصب الدعاة وتحملوا في سبيل الدعوة إلى الله ما تحملوا من الآلام والاتعاب.
وصلنا إلى هذه الآية، ليس كذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَذْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91]. هذه الآية اختلف المفسرون فيها، هل هي كلام عن اليهود أراد الله سبحانه وتعالى أن يسمعه لكفار قريش، أم أنه لا، هو كلام مع كفار قريش وهم الذين قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء؟ من الذي قال هنا ما أنزل الله على بشر من شيء؟ طبعا هو ايش الآن الأصل؟ هي سورة مكية كما قلنا، وأنه في مكة الخطاب مع كفار قريش، وأصلا يعني في مكة ما كان هناك مواجهات كبيرة ووجود يهود داخل مكة النبي صلى الله عليه وسلم يجادلهم ويناظرهم، فضلا أن السورة أصلا من بدايتها هي كلام مع المشركين مع أهل مكة وقضية اقتراح الآيات وأنهم كانوا يقولون عن القرآن زعمائهم ايش كانوا؟ اساطير الاولين، صحيح.
لذلك الله عز وجل عن زعماء المشركين وهم ينهون عنه وينون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم بهذا الابتعاد، وأما عوامهم فما تاتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين. مش كانت سورة الانعام في صفحاتها الأولى قلنا أن هناك العامة كانوا معرضين عن آيات القرآن والزعماء الكبار ومنهم من يستمع اليك ويكون هدفهم التشويش تمام، ويقول في ختام الآية أن هذا هو أساطير الأولين، ويحرصون على إبعاد الناس عن الوحي دائما. زعماء الفتن وزعماء الفساد تكون وظيفتهم ما هو؟ إبعاد الناس عن الوحي، لأن الوحي أيها الكرام يصوغ الهوية، الوحي يبني الشخصية، الوحي يجعل لك خطوط عريضة في الحياة تنفصل بها عن أهل الباطل، ويضعك داخل حماية معينة وداخل أفكار تميزك عن الفاسدين واهل الباطل عموما، هكذا يصنع الوحي في حياة المسلم شخصية، هوية، خصائص، امتيازات، تصبح أنت من اتباع شرعته، والمقابل سيكون كافرا، سيكون فاسدا، سيكون منافقا.
فلذلك دائما أهل الفساد حريصون على ماذا؟ على إبعاد الناس عن الوحي حتى لا تتشكل لك شخصية، حتى لا تكون لك هوية. فلذلك هنا سبحانه وتعالى يستعظم قول هؤلاء، بغض النظر الآن هل هم اليهود أم المشركون؟ سنناقش القضية بعد قليل ربما بصورة أعمق. لكن لاحظوا افتتاح هذه الصفحة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91]. متى؟ في أي شيء لم يقدروا الله حق قدره؟ ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91]. إذن هنا بيان متى؛ يعني الزمن الذي لم يقدروا أو الشيء الذي بسببه لم يقدروا الله حق قدره، هم لم يقدروا الله حق قدره حين قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء.
إذن قضية الوحي عند الله سبحانه قضية عظيمة، قضية الوحي عند الله قضية عظيمة. والله سبحانه وتعالى يقول لنا الذين ينكرون نزول الوحي على الأنبياء عموما هؤلاء لم يعظموا الله، إذا من تعظيمك لله أن تؤمن بأن الله ينزل الوحي، لأنك إذا قلت إن الله ما أنزل على بشر من شيء معناه أن الله عز وجل ترك الخلق سدى وهملا، معناه أن الله تركنا نحكم في هذه الأرض بأهوائنا وآرائنا وأذواقنا، وترك الناس لأزجتهم ورغباتهم، والحكام يضعون ما يشاءون، والبشر يحتكمون إلى من يشاؤون، ترك الناس سدى وحاشاه سبحانه أن يفعل ذلك. فقول الفاسدين إن الله ما أنزل شيئا من السماء وما أنزل شريعة من السماء هذا من عدم تعظيم الله.
ولذلك تمسكك بالوحي وتشبثك بأحكام الله وشرعته هو من تعظيم الله، وما قدروا الله حق قدره حين قالوا ماذا أيها الكرام؟ قال: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91]. تخيل هذا الجحد الفضيع أن يكون الله سبحانه وتعالى خاطب أهل الأرض من خلال أنبيائه بوحي أنزله عليهم، هذا استنقاص، هذا شتم، هذا أذى، هذه إهانة، والله سبحانه وتعالى لا يقبلها، لذلك قال: وما قدروا الله حق قدره. هو سبحانه لا يضره أذاهم، لكن يخبر سبحانه وتعالى كيف أنهم آذوا الله سبحانه وتعالى بهذه المقالة، وما قدروا الله ولم يعظموا الله سبحانه وتعالى حق التعظيم لما يقول الإنسان في أي زمان وفي أي مكان إنه والله ما في شريعة إلهية، أنت لا تعظم الله بهذه الطريقة.
ولذلك دائما أهل الإيمان هم أكثر الناس حرصا على التمسك بالشرائع ودعوة الناس إليها والعودة إليها والتحاكم إليها. لماذا؟ لأننا نعرف قيمة هذه الشرائع أنها نزلت من السماء ولم تخرج من الأرض، ولا من عقول البشر، ولا من أذواق، ولا من أهواء، ولا من أمزجة. فتعظيمنا لله سبحانه وتعالى هو الذي يستوجب علينا التمسك بهذا الهدي والدفاع عن القرآن، ومحاولة والاستماته أمام أي محاوله لتشويهه أو تحريفه أو الزعم بأن هناك آيات غير صحيحة، أو أن هناك آيات في غير مكانها، أو أن هناك آيات فيها لحن.
لماذا كان العلماء منذ القدم يدافعون عن القرآن وإلى وقتنا المعاصر؟ لذلك لما خرج طه حسين في الفترة السابقة وهذه ربما قرأناها وفي كتاب الاتجاهات الوطنية، لما طه حسين خرج في كتابه ومشروعه الشعر الجاهلي هو نظره البعيد، كان الطعن في ماذا اخواني؟ في القرآن، أنه أراد أن يفسد اللغة العربية وأن يشوهها، وأنها لغة مادتها من الشعر الجاهلي غير مطمئنة وغير يقينية الجذور.
وكلها أشعار مولد طاعن عبث باللغة العربية ليعبث بالقرآن، فلما انتدب له مصطفى صادق الرافعي ليرد عليه، ماذا سمى كتابه في الرد على الشعر الجاهلي؟ تحت راية القرآن. شوف فاهم، مصطفى صادق الرافعي هو يدرك أن طه حسين في الشعر الجاهلي هو لا يهاجم العربية كلغة، هو يهاجم ما هو أبعد من ذلك، هو يريد أن يفسد كتاب الله سبحانه وتعالى على الناس وأن يشوهه على الناس. فإدراك مصطفى صادق الرافعي بعد ما يريده طه حسين، أَلَّف كتابه في الرد تحت راية القرآن: علينا أن نجتمع وأن نتمسك وأن لا نسمح لأي أحد أن يقترب من هذا الحمى، هذا حمى يجب حمايته بكل ما أوتينا من قوة. وهذا الذي دفع أحمد بن حنبل أن يصبر في فتنة خلق القرآن؛ لأن السماح بتشويه صورة القرآن في أذهان الناس هو بداية تفكك القرآن وقيمته. المعتزلة ماذا قالت عن القرآن؟ أنه مخلوق. بالنسبة لك في الوقت المعاصر، تيجي تناقش بعض الناس يعني الموضوع مش عامل له مشكلة يعني القرآن مخلوق مش مخلوق، بقول لك أنا مش مشكلتي هذه الفكرة. لكن أحمد بن حنبل يعرف أن هذا باب فتنة متعلقة بالقرآن. تخيل أن هناك تشوهاً سيتعلق بمفهوم القرآن، سيصبح الناس يعتقدون أن القرآن ليس كلام الله وإنما هو ايش؟ مخلوق من المخلوقات، مثله مثل الشمس والكوكب والنجم، مثله مثل أي شيء خلقه الله سبحانه وتعالى.
فهنا أحمد يدرك أن القرآن سيفقد قيمته، القرآن أعظم هيبة له أنه ايش؟ كلام الله، أنه صدر من الله. لما تقول لي أن القرآن مخلوق، أنا صرت أتعامل مع مخلوق من المخلوقات الموجودة، أنا فقدت الهيبة التي كانت موجودة في صدري والمنزلة العظيمة التي كان يحلوها. فلذلك لاحظوا أن العلماء منذ القدم وإلى واقعنا المعاصر يدافعون عن الشريعة، يدافعون عن القرآن. فأحمد بن حنبل لماذا رضي الجلد والإقامة الجبرية وتحمل ما تحمل؟ لماذا بعض العلماء علقت رقبته على أبواب بغداد؟ علقت رقبة بعض العلماء على أبواب بغداد من أجل القول بخلق القرآن ورفض؛ لأنه يدرك أن هذا فتح باب فتنة على الأمة لن يغلق. فبعض الناس للأسف يتعامل مع هي القضايا أنها شكلية وانه خلص يعني كان قالوا بالموضوع هذا ومش مشكله. لا، مش مشكلة؛ لأن العالم يعرف قيمة الثبات على هذه القضية وأن هذا وحي إلهي يجب أن نصونه وأن نحميه وأن لا نسمح بأي تشويه يمسه. وهذا ما يعلمونه إياه القرآن: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91].
فالله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء به مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91]. من هنا قال كثير من المفسرين: إن الآية كلام مع اليهود. طيب، لماذا الكلام مع اليهود وإن كانوا هم غير حاضرين الآن في مشهد السورة؟ ابتداء السورة كان مشهدها مع مين؟ مع كفار قريش. فلماذا الخطاب مع اليهود الآن؟ بعض المفسرين ماذا يقول؟ هو خطاب مع اليهود؛ لأن كفار قريش كانوا يعتمدون على رواية اليهود. كانوا يذهبون بتعرفوا إلى المدينة وإلى بعض اليهود في القبائل، يأخذون منهم بعض المعلومات، أخبرونا عن هذا الرجل هل هو نبي أو لا؟ طيب في عندكم أسئلة نمتحنه فيها؟ فكفار قريش كان مرجعهم اليهود؛ لأن اليهود كانوا أصحاب كتاب وكفار قريش كانوا ليسوا أصحاب كتاب، كانوا أميين في أكثرهم لا يقرؤون ولا يكتبون.
فالله سبحانه وتعالى، صحيح السورة تتكلم عن المشركين، لكن يريد أن ينبه المشركين على حبائل اليهود، أنه أنتم يا كفار قريش لعلكم تذهبون فتسألونهم عن قضية الكتب السماوية، وهل هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي فينا، هل معقول أنه نبي؟ وهل ورد في كتبكم يا كفار قريش؟ ستجدون بعض اليهود ماذا يقولون لكم؟ اليهود قوم بهت، قوم جحود، فلن يعجب اليهود أن يكون نبي آخر الزمان عربياً ليس منهم. فكان من المتوقع أن بعض اليهود ماذا قالوا لكفار قريش؟ ترى ما أنزل الله على بشر من شيء. فكان هذا تنبيهاً لكفار قريش: اسمعوا يا كفار قريش، من أول السورة ونحن نتحدث معكم ونبين لكم طرائقكم الخاطئة في التفكير، ومن طرائقكم الخاطئة أنكم ممكن أن تلتجئوا إلى اليهود، تسألوهم عن هذا النبي واليهود لأفكهم وكذبهم وافترائهم مستعدون أن يقولوا ليس فقط ما يعني ينكرون نبي آخر الزمان، بل يمكن أن يشوهوا لدرجة أنهم يقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء.
طبعا ورد في بعض الروايات وأسباب النزول أن هذه الواقعة الآية نزلت في المدينة، وأنها نزلت في رجل من اليهود قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أسألك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في كتاب التوراه ذم الحبر السمين؟ وكان رجلاً من علمائهم أو من أحبارهم سميناً. فالرجل من شدة غيظه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فقيل نزلت في قوله ذلك، أن هذا المشهد وقع في المدينة. طيب تمام، سامحونا على الانقطاع. إذاً قيل في أسباب نزولها روايات وقصص عامة يعني ليست كلها يعني ليست بتلك الدرجه من القوة والصحة، ولذلك ما أميل إليه، ما يختاره البعض من أن هذا كلام وإن كان مع اليهود، لكنه تنبيه لكفار قريش أنكم لعلكم تلتجئون إلى اليهود لتسالوهم، واليهود سيفترون ويقولون ترى ما أنزل الله على بشر من شيء. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم سيجيب بنفسه: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء به مُوسَى﴾ [الأنعام: 91]، تقولون يا أيها الكذبة: ما أنزل الله على بشر من شيء. طب كتاب موسى التوراة التي بين أيديكم، التي أنزلها الله نوراً وهدى وأنتم تقرؤونها وحرفتموها وعبثتم بها وتزعمون أنكم متمسكون بها، هذه من أنزلها؟ فالقضية واضحة ولذلك تولى النبي صلى الله عليه وسلم الجواب بنفسه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 91].
سياتي الجواب في السطر الثاني: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 91]. هو سيجيب بنفسه صلى الله عليه وسلم، نحن لا ننتظر من اليهود إجابات، تنتظر من اليهود إجابة؟ اليهود متلاعبون، نحن نجيب: قل الله. لكن دعونا نأتي إلى الجمله المعترضة بين السؤال والجواب: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء به مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91]، هذا سؤال صحيح وجوابه بعد سطر ونصف: قل الله. طب ما بين السؤال والجواب هو إخبار عن ممارسة اليهود مع هذا الكتاب، والتي لا يجب أن تنتقل إلينا وإن كانت للأسف انتقلت إلينا. يقول سبحانه عن ممارستهم، وهذه كجملة معترضة خلينا نقول: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام: 91]. أنتم أصلاً كيف كنتم تتعاملون معه؟ تجعلونه قراطيس، يعني أقسام أوراق، القرطاس هي ورقة، وكأنكم تجعلون القرآن ايش أو التوراة عذراً؟ أقسام الورقة التي تخدمكم من التوراة تخرجونها وتقولون: هكذا قالت التوراة. والورقة التي ما بتخدمكم في التوراة بتخفونها وبتحطوها على جنب، بتقولوا: ايش والله هذه مش موجودة يا محمد صلى الله عليه وسلم أو في أي زمان ومكان.
كانوا هكذا يفعلون اليهود بالتوراة، بالكتاب الذي أنزل إليهم، كما فعل كفار قريش الذين جعلوا القرآن عضين، هي نفس الممارسة. الذين جعلوا القرآن عضين، قال: جعلوا القرآن أقسام، خلوا القرآن ايش؟ أجزاء، الجزء اللي بيعجبهم من القرآن يستدل فيه ويشهره وكذا، والجزء اللي ما بيعجبهم حطه يا شيخ. هذا زي حالاتنا المعاصرة تماماً. آيات عفو واصفح ﴿وَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: 13]، و﴿مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، بنطلعها، ممتازة. آيات ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]، ومكر الذين، لا، تتخذ اليهود والنصارى، هذه حط لي اياها هون، الله يعطيك العافية على جنب. آياتك، طيب، ما القرآن في آيات العفو والصفح والرحمة وفي آيات القتال، يعني ايش نسوي؟ وهذا شرع الله وكله خير وبركة. هذه ممارسه، هذا أسلوب الله يحذرنا منه. هكذا فعل اليهود وهكذا ستفعل أو سيففع بعض هذه الأمة في كتابهم في القرآن، يجعلونه قراطيس أوراق، الآية اللي بتعجبهم بخلوها في هالمناهج في هالكتب، فكر إلى اللي ما بتعجبهم، يا اخي امسح لي اياها.
وهذه من أسوأ الممارسات؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يعبث بوحيه، ولذلك ستأتي في الآية التي بعدها الشدة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93]. ما بصير تاخذ من القرآن ما يعجبك وتترك من القرآن ما لا يروق لذهنك. فهذا من جنس فعل اليهود الذين اخذوا من التوراة ما راق لهم، ولما جاء مثلاً حد الزنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: ائتوا بالتوراه فاقروها. فقرا حبرهم ما قبل الآية وما بعد الآية والنص اللي فيه الآية وضع يده عليه قراطيس. هذه ممارسة وأسلوب، وهذا ممكن للأسف، هذا لا يطبق فقط على مستوى يعني عذراً مجتمع مؤسسة، ممكن على مستوى أنت نفسك في حياتك، تقرأ آية قرآنية، الآية القرآنية اللي تشوفها سهلة تعمل فيها، والآية القرآنية اللي تشوفها لا توافق هواك تتركها. بعض الناس يقرأ القرآن معنا وفي المساجد وفي رمضان، لما تجي آية الربا يقرأها ويمشي لا يعمل بها، وللما تجي آية ثانية بتعجب فيها صح. الأخوات غير المحجبات لما تجي آية التي تأمرها بالحجاب والجلباب تقرأها وتحطها على جنب. وهذا الذي يحصل قراطيس.
فكلمة جعل القرآن قراطيس أو التوراة قراطيس، هذه ممارسة قد يمارسها أي إنسان أن يأخذ من الشرع ما يوافق هواه وأمزجته ورغباته ويترك من الشرع ما لا يأتي على وفق أَمْسِجته ورغباته. ولذلك ذكر الله أن هذا من صنع اليهود، فكل من يفعل هذا الفعل في حياته الشخصية أو على المستوى المجتمعي، فهو يفعل شيئاً من جنس فعل اليهود. طيب، ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام: 91]، وان كان طبعا هنا في هذا السياق هو كأنه يزي كان نوع من التهكم بهم، هم ايش بقولوا لكفار قريش؟ ترى ما أنزل الله على بشر من شيء، فبقول لهم النبي عليه الصلاة والسلام: قل لهم وين كتاب التوراة اللي أنتم أصلاً عادة ممارستكم فيه ايش؟ نوع من التهكم به بتخبوا اللي بدكم اياه منه وبتطلعوا بدكم اياه. نحن مش رح نناقش هاي الجزئيه، بس وينها فهمت علي؟ يعني من انزل الكتاب الذي جاء به موسى، بغض النظر هك اللي أنتم أصلاً وضعكم الطبيعي أنكم تخفون ما تهوون وتظهرون ما كذا، فكانه نوع من التهكم في طريقه تعاملهم مع هذا الكتاب. وبعدين مع كل وقاحة تزيدون هذا وتقولون ما أنزل الله على بشر من شيء.
طيب، لماذا إذاً تتعبون أنفسكم باظهار بعض القراطيس منه واخفاء بعض القراطيس؟ صحيح، يعني كيف يؤذيك شخص فاسد؟ يعني بعض الآيات القرآنية بطلعها وتجده يتكلم بها في المحافل وفي القنوات التلفزيونية، وآيات قرآنية حاطها على جنب، بعدين فجأة تلاقي هذا الفاجر شو بحكي لك؟ ما أنزل الله القرآن. بتقول له: طيب أنت ليش متعب حالك إذاً وآيات قرآنية تستدل بها أحياناً وآيات قرآنية إذا أنت مؤمن أن الله ما أنزل على بشر من شيء إذاً أنت ليش مغلب حالك في إخفاء البعض وإظهار البعض؟ طبعا أنت هذا تقول على وجه التهكم والاستهزاء به. طيب، فهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91]. وهذه التوراة تضمنت يا أيها اليهود من المعاني والاحكام حتى اخبار بالغيبيات، امور لا تعلمونها لا أنتم ولا آباؤكم.
فالكتب السماوية تتضمن الأحكام والشرائع وتتضمن الأخبار، أليس كذلك؟ يعني دائماً أي كتاب سماوي في العادة يتضمن ماذا؟ اخبار وأوامر، وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً، مش قالوا صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام؟ فأي كتاب سماوي سواء التوراة أو الإنجيل أو القرآن في العادة ماذا يتضمن؟ أخبار، إما عن أشياء مضت يخوفك تعتبر بها، أو أشياء مستقبلية يبشر بها، أو أحكام. فقال: ﴿تَجْعَلُونَ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَ وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام: 91]، تمام، وهذا عادة ما يكون في الأحكام. تمام، وان كان أيضاً يصح في الأخبار: ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91]، هذا أيضاً في الأخبار. وان كان أيضاً يصح في الأحكام أنه علمتم ما لم تعلموا، يعني أعطيناكم في التوراة من المعلومات والأخبار والمغيبات أمور لا أنتم يا أيها اليهود ولا آباؤكم يعرفون بها.
تمام، وأصلاً أصلاً مش هم كانوا يستبشرون بنبي آخر الزمان؟ مش هم كان اليهود يستبشرون بنبي آخر الزمان؟ من أين كنتم تستبشرون به؟ من أين المعلومة هي حصلتموها؟ ومن كتابكم. فقول علمتم في هذا الكتاب أشياء لم تكونوا تعلمونها أنت ولا آباؤكم قبل إنزال التوراة، كل هذا وتقول ما أنزل الله على بشر؟ هذا الافتراء العريض، لذلك كان الجواب مختصراً يتلائم مع هؤلاء الفاسدين الذين لازم ما تطول معهم حديث: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 91]. نعم، الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس الناس هو ايش؟ قل الله هو الذي أنزل ذلك.
طيب هنا نذكر نحن نقرا ثلاث ابن تيمية أن بعض الصوفية استدل بهذه الآية على جواز إنك أنك تضلك تحكي الله الله في مجالسهم. فيقول ابن تيمية: استدلوا بهذه الآية ليه؟ يقول ما الله عز وجل ايش حكا لنا؟ قل الله. بس فظلك احكي الله الله. قال ابن تيمية: هذا مبتدأ خبره محذوف، أنتم ما بتعرفوا لغة عربية، قل الله يعني الله هو الذي أنزل هذا مبتدأ والخبر محذوف لعلمه من السؤال، مش المراد قل الله وهم قالوا ها ربنا بحكي له قل الله، إذن ربنا يقول لك قل الله. فاذا يضبط يقول: هذا ليس من الذكر المشروع أن تقول الله الله. هذا ذكر دائماً انظر في الأذكار اللي علمها
أما فقط اسم الله سبحانه وهو أعظم الأسماء وكذا، لكن الذكر لا يكون فقط من خلال التلفظ بهذا، لابد أن تسند إليه صفة تنزيهاً تعظيماً إجلالاً وما شابه ذلك.
على الهامش: طيب إذاً قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، وكأن القضية إيش؟ لا تنشغل بهؤلاء أكثر من ذلك، لأن الإنسان الذي يصل به السماجة والسذاجة أن يناقش في الواضحات البينات، هذا ما بخليه يستهلك وقتي صحيح، وبركز على الشباب المؤمن الصالح الذي أربيهم على الكتاب والسنة.
هذه قاعدة تعلمنا هي هذه الآية، الإنسان الذي يناقش في الواضحات الجليات ويريد أن يجادل جدال السفسطائيين مع أن القضية واضحة، هذا أجيبه إجابة مختصرة. كأن الله يعلمك في الجدل؛ إذا رأيت رجلا يناقش في البدهيات في الواضحات لا تطل معه الكلام، خلص قل الله، حتى شايف الجواب قل الله، حتى الخبر محذوف افهموه أنتم من السياق، ثم ذرهم. لا تتعب نفسك في النقاش مع إنسان يستهزئ في النقاش، لا يتحاكم إلى قضايا علمية واضحة، إنسان عنده شبهات ما عندي مشكلة أففك هذه الشبهات له ونجلس الساعتين والثلاث، بس إنسان يماحك يناقش في بدهيات فهذا إضاعة وقت معه.
هذا الوقت أعطيه لشباب الدعوة، الشباب المؤمن الصالح نربي أنفسنا وإياه على الخير أفضل من أضيعه مع أمثال هؤلاء، لذلك قال: ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. سماهم الله إيش؟ في خوضهم، الخوض هنا الجدال. جعل الله هذا الخوض إيش؟ لعبا، لأنه كما قلت لا يقوم على أسس واضحة، أنت كتاب بين يديك أنت أصلاً تعبث به وتستهزئ به وتجعله قراتيس وعرفت منه الكثير من المعلومات، تأتيني الآن تقول لي ما أنزل الله على بشر من شيء؟ معناته أنت تلعب لعباً، فسمى هذا النوع من النقاش في قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء لم يجعله خوضا علميا أو جدالا علميا، جعله جدالا عقيما فسماه لعبا.
ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، وما أكثر الذين اليوم في السوشال ميديا والقنوات في خوضهم يلعبون دائما. الخوض؛ ابن تيمية يقول إن هذه العبارة تستعمل في العقائد، إذا يقول وخطم كالذي خاضوا في سورة التوبة لما قال سبحانه وتعالى: استمتعتم بخلاقكم وخضتم كالذي خاض. الخوض يكون في العقائد وهو النقاش والجدل بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير، فهذا يكون عبث وعبا. فما دام عبثا ولعبا فوقتي أعز علي من أن أضيعه في هذه الترهات.
طيب، ثم بعد أن رد على اليهود، ولعل كما قلت في رده على اليهود هنا هو تنبيه لكفار قريش: إياكم يرحمك الله أن تغتروا بالدعاية اليهودية، إياكم أن تغتروا بالدعاية اليهودية والتشويه اليهودي، الذين سيحاولون إقناعكم بأنه أصلاً ما في وحي إلهي والله ولم ينزل على بشر من شيء. طبعا هذا لعله مارسه بعض اليهود حتى نكون دقيقين، فالله يحذر كفار قريش من أن ينصطوا لهذا التشويه وأن يؤثر عليهم هذه الدعاية، ثم أخبر عن هذا القرآن بعد أن بين عظم التوراة.
قال سبحانه: وهذا كتاب، وهذه إشارة إلى القرآن، وهذا كتاب أنزلناه. فكما أنزلنا التوراة ورددنا على اليهود في قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء، فبين الله أن التوراة نزلت وقراها اليهود وتلاعبوا بها، كذلك هذا القرآن من جنس التوراة كتاب إلهي سماوي نزل ليكون كتاب بركة مبارك. وللاحظ وصف القرآن بأنه مبارك: وهذا كتاب أنزلناه. ايش وصف هذا الكتاب؟ إذا أول شيء أنه منزل، ثاني وصف أنه مبارك، فكل من قرأ القرآن وفهم معاني القرآن وتمسك بالقرآن لابد وأن تتحقق البركة في حياته.
ما دام الله وصف القرآن بأنه كتاب مبارك، إخواني لا يمكن أن يتخلف هذا الوصف إلا لمن تخلف منه الشروط أو وجدت الموانع صحيح. القرآن هو سبب لحصول البركة، ودائما القاعدة عند علماء الأصول أن السبب ينتج مسببه إذا وجدت الشروط وتخلفت الموانع.
طيب، كثير من الناس بقول لك: يا شيخ أنا بقرا قرآن لكنني لا أجد البركة في حياتي؟ بنقول: إذا هناك أكيد شرط من الشروط تخلف أو مانع من موانع الانتفاع بالقران وجد؛ إما شرط من الشروط أنه أنت مثلا لا تتدبر القرآن، لا تعيش مع معاني القرآن، لا تعطي القرآن وقتك، وهذا شرط من شروط حصول البركة به، أو مانع من الموانع، والله حضرتك لا تعمل بالقران ياتيك الحكم الإلهي أنت تضعه خلف ظهرك على طريقة اليهود تجعلونه قراتيس، هذا يمنع حصول البركة بالقران. فحصول البركة بالقران تتوقف على وجود شروط الانتفاع بالقران وذهاب الموانع، فإذا تخلف شرط أو وجد مانع لن يحصل ولن تحصل هذه الفائدة.
إذاً: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، وهذا الكتاب في نفس الوقت مصدق الذي بين يديه. يعني إذا قال لكم اليهود ما أنزل الله على بشر من شيء، قولوا لهم هذا القرآن جاء مصدقا لما بين يديه، أي لما سبقه، لما تقدمه وهو التوراة، فهو إذا ليس بدعا، ولم يأت في أصول الدين بأحكام أول مرة تعرفها البشرية، وإنما أتى مصدقا لعقائد التوراة ولعقائد الإنجيل ولعقائد كل الكتب السماوية التي نزلت وهي عقائد التوحيد الخالص: فاعبد الله مخلصا له الدين. وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه.
ولتنذر أم القرى ومن حولها. هذا الاسلوب ولتنذر ينبئ عن ماذا؟ أحسنت، أن المعطوف عليه محذوف. وين مرت معنى شبيهه بها؟ في قصة إبراهيم وليكون من الموقنين، مش قلنا وليكون من الموقنين معطوفة على شيء محذوف، وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليجادل بها الفاسدين وليكون من الموقنين؟ كذلك هنا.
ولاحظ يقول هنا الطاهر بن عاشور أن هذا أسلوب متكرر في البلاغة القرآنية وفي بلاغة العرب أيضا، أنه يذكر المعطوف ويحذف المعطوف عليه لأنه جنسه معلوم من السياق، يعني يمكن أنت أن تفهمه وأن تقدره دون الحاجة إلى التنصيص عليه، وهذا يعطيك مساحة للفكر يعني. وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، بعدين ايش يقول لك؟ ولتنذر أم القرى، إذا ما هو المعطوف عليه المحذوف؟
نعم أحسنت، ممكن نقول لما قال ولتنذر أم القرى، الإنذار هو التخويف، فكانه يقول: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، مثلا لتنتفع لتنتفعوا به، النفع الرفعة اللي هي الأشياء اللي فيها خير. وفي المقابل ولكون إنذار وتخويفا لأهل مكة ولكل ما حول مكة في الكرة الأرضية، فإذا هو كتاب إنتفاع وبشارة وخير، وفي نفس الوقت هو كتاب إنذار وتخويف وتهديد، فاذا هناك معطوف عليه محذوف التقدير: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه لتنتفعوا به ولتتأسوا به وليرتفع شأنك، وانه لذكر لك ولقومك، فكل الأشياء الإيجابية، وفي نفس الوقت ولتنذر أم القرى به وفي نفس الوقت ولنخيف به هؤلاء لا هؤلاء أهل مكة الذين هم الآن ما زالوا معاندين، لأنه نحن الآن بنحكي عن الفترة المكية، وأم القرى وهي مكة في هذه الفترة على الشرك ولا على الإسلام؟ على الشرك، فاذا هو إنذار لها ابتداء كونه نزل أولاً في ظهرها، ثم هو نذارة لكل ما حولها من الكرة الأرضية. تمام فكل ما على الكرة الأرضية هم منذرون بالقرآن متى بلغهم: ولتنذر أم القرى ومن حولها. هذه وظيفة القرآن إذا الانتفاع والاستمرارية دعوة التوحيد التي بدأها الأنبياء السابقون وليكن نذارة وتخويفا لكل من عارض هذه الدعوة ووقف في وجهها.
طيب، من الذين ينتفعون بالقران؟ كأنه الآن ذكر شرطا من شروط الانتفاع بالقران شرط أساسي، قال: والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به. دائما علمائنا يقولون: الذي ينتفع بالقران هو الذي يؤمن بالدار الآخرة، لا يمكن انك تستفيد من القرآن ومن توجيهاته إذا كنت أنت ترى الدنيا فقط كل شيء، إذا أنت انسان فقط ترى الدنيا إذا القرآن لن يخدمك، القرآن يخدم من ينتفع به من يؤمن أن هناك الدار الآخرة.
لانه عقائد القرآن ومفاهيم القرآن وإنذارات القرآن وبشارات القرآن بنيت على وجود دار آخرة، فاذا أنت لا تؤمن بدار آخرة فبالنسبة لك كل الوعود وكل الوعيد، كل التخويفات وكل التشويقات العقائد والموت والإنذارات كل هذا بالنسبة لك لن يجدي، لن يؤثر فيك. ولذلك تجد أن الناس الذين هم في غفلة وفي سكرات الدنيا ومتعلق بالدنيا ومتشبث، لا ينتفع بالقرآن، لذلك نحن قلنا مش الانتفاع بالقران له شروط من شروطه استحضار الدار الآخرة.
الذي يقرا القرآن وهو مستحضر للدار الآخرة في حياته وخفف تعلقه بالدنيا بينتفع بالقرآن، القرآن بيأثر فيه، لكن الإنسان انغمس في الدنيا انغماسا ومنهمك فيها إلهاكا ولا يفكر في صلاته وفي حياته إلا في الدينار والدرهم، هذا لما يجي يقرا قرآن وهو بفكر في المحل والدكان وهذا، كيف بدو ينتفع بالقران يا اخوان؟
فقضية والذين يؤمنون بالآخرة ليس فقط المراد الإيمان كفكرة عامة لا، الإيمان الذي فيه استحضار واستظهار واستجلاب ودائما الآخرة في ذهنه وفي حياته ودائما هو يعد نفسه لها، هؤلاء هم الذين يؤمنون به ويسلمون له فيغيرهم القرآن.
إذاً حتى تنتفع بالقرآن أبق الآخرة منك على ذكر، لأنك كلما غفلت عن الآخرة وذهبت من ذاكرتك كلما قل انتفاعك بمادة القرآن. فشرط الانتفاع بالقران تذكر الدار الآخرة.
ثم قال صفة أخرى من أهل القرآن الذين ينتفعون به، قال: والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون. إذا أهل القرآن لهم خصلتان إخواني؛ الإيمان بالدار الآخرة والمحافظة على الصلاة. وهذه هي أساسيات الدين، دائما أنت الدين أساسياته التوحيد، الدار الآخرة، القرآن والصلاة، هذه أساسيات هذه كليات. فالله يقول سبحانه وتعالى إن أهل القرآن الذين ينتفعون به ويستهدون به هم أصحاب اليقظة الذين يؤمنون بالآخرة وهم على صلاتهم يحافظون. واضح، الذين يؤمنون بالآخرة وهم على صلاتهم يحافظون، هؤلاء هم أكثر من ينتفع بكتاب الله سبحانه وتعالى ويجد بركته، ولاحظ قيمة الصلاة وعضور في هذا المكان.
ثم قال سبحانه: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سانزل مثل ما أنزل الله. من اعظم الظلم العبث بالشرائع والوحي، وللاحظ ارتباط الآيات مع بعضها لما قال: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء تمام. كما أن ذاك تشويه وإهدار وعدم تعظيم لله سبحانه، لكن أيضاً من أعظم الظلم ما هو أيضاً من أعظم الظلم؟ أشكال أخرى من تشويه الوحي، قال: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا. هذا الشكل الآخر من الاشكال، يعني إذا كان اليهود بعضهم يتبجح ويقول ما أنزل الله على بشر من شيء ويشوهون الرسائل الإلهية بهذه الطريقة، بعض الناس يظلم من خلال تشويه الرسائل الإلهية بأن يغير معانيها ومضمونها فيفتري على الله الكذب فيها، وهذا ما نسميه تغيير المعاني.
قال ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا؟ كيف تفتري على الله الكذب؟ تقول شيء مش صحيح وتنسب إلى الله: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. والعياذ بالله! يا أخي أنت تنسد الفاحشة أن الله أمرك بها؟ قل إن الله لا يأامر بالفحشاء، أتقولون على الله ما لا تعلمون؟
تشويه الشرائع من أعظم الظلم، وما أسوأ هؤلاء المشايخ الذين يلبسون العمائم ويخرجون على الشاشات ويتكلمون باسم الدين وينسبون إلى الله وإلى شريعة الإسلام ما ليس منها كذبا وزورا وبهتانا، يتم استئجارهم أو التقاطهم أو صناعتهم في أروقة معينة ليخرج ويقول: ذاك الطرف الاخر الإسلام الراديكالي، وبيصير يالف لك كلمات ومصطلحات والإسلام الراديكالي والإسلام الأصولي والإسلام الأ... وبتسمع منه.
طيب ايش الإسلام الذي يتفضل حضرتك الذي تؤمن به؟ بس حتى نفهم ما هو الإسلام الذي تريد أن تقول إن الله أمر به؟ تجري يتكلم عن إسلام مائع هيك انسيابي سائل فش في حدود وفش في ولا راء وفش في عقيدة وهوية واضحة، إسلام العولمة الذي تريده أمريكا، هذا الإسلام هو الذي يريده ويقول: هكذا قال الله. المشكلة أنه يقول أن الله قال ذلك، أنت تشوه يعني لو أنت نسبت هذا إلى رأي قلت هذا مش رأي رب أو عفوا هذا ليس قول رب العالمين ولكنه هذا رأيي، لسه بنقول الرجل صرح ببعده عن الدين، المشكلة أنه يقول هذا قول رب العالمين، يقول إن قوله والتصور الذي يعطيه عن الدين أن هذا قول رب العالمين، هكذا سم قال الله عن الإسلام في القرآن. فالله يقول: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا؟ هؤلاء مصيبتهم مصيبة.
واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها. تشويه الشرائع والعبث بمضمونها وتغيير مناراتها والعبث وكتم الحق منها وتزوير الحقائق، هذا تشويه عظيم عند الله سبحانه وتعالى فسماه الله من أعظم الظلم. ومن أظلم؟ كان في حدا أظلم من هيك من أن تعبث بالشريعة؟ أنت مش عم تعبث بأمر دنيوي، أنت لا تقوم بحظ نفس هنا، أنت تعبث بشريعة أنزلها الله ليستهدي بها الناس، أنت تريد أن تغير منارات الطريق صحيح، ولعن الله من غير منار الأرض إخواني. إذا رجل يغير منار الأرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ايش يعني يغير منار الأرض؟ إشارة الإشارات التوجيهية، يعني بتعرفوا اليوم في ط في علامات للطرق صح، عجلون باليمين، إربد اتجاه الأمام، إذا واحد عبث بهذه الإشارة المرورية ليفسد على الناس، فكانت الإشارة هيك عملها هيك عشان الناس تروح هيك بده يضيع الناس، لعن الله من غير منار الأرض. طيب اللي بيغير منار الدين ويشوه منار الدين هذا ايش وضعه؟ وهذا الاستدلال بالادنى على الاعلى، إذا كان من يغير منار الأرض ملعون.
فمن يغير منارات الطريق، ويشوه معالم الوحي، ويضلل الناس، وينسب فهمه المشوه وضلاله العميق إلى الله سبحانه، هذا ماذا تقول له؟ أقول له: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. تكذب على الله، وتشوه منار الطريق، وتضلل الناس باسم القرآن بعد أن تغير معانيه؟
طيب، الشخص الآخر المشوه ماذا قال؟ قال: ﴿أَوْ قُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أو قال أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء. هذا شخص آخر من المشوهين، اللي بده يضيع الناس، اللي هم مين؟ اللي بيقول لك: أنا نبي من الأنبياء أوحي إلي. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيخرج في هذه الأمة متنبئون ثلاثون، صحيح؟ كلهم كذاب. لا نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم. فكل شخص يقول: أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء، فهذا من الكذبة.
وللاسف هؤلاء بعضهم قد لا يدعي النبوة، أو قالوا: أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء. بعضهم قد لا يدعي النبوة، لكن يدعي أنه من ماذا؟ من الأولياء. وهذا يكثر في بعض جماعات الغلو الصوفية، اللي بيقول لك: حدثني قلبي عن ربي. خذ عاد، اسمع شو حدث قلبه عن ربه! واسمع الابداعات شو حدثني قلبي عن ربي وأنه أنا حدثت وسمعت هاتفاً يقول: وهذا الهاتف من الله عاد! سمع هاتفاً ولا قلبه حدثه عن ربه ولا شيء، وإنما هو يضحك ويشوه على العامة. العامة بيشوفوا مثلاً هذا الولي أو الذي يصطنع الولاية في حالة من الغشيان وفي حالة من الكذا، فيقولون: اجا الشيخ الهاتف، اجا هيك حالة من جاءه الاتصال الملكوتي. وهذا الكذب من أعظم الظلم. شوف، إنه أنت تكون فاسد وحدك شيء، وأنك تحاول تفسد الناس هذا الشيء أخطر وأبعد.
وهذه اللي بتركز عليه الآية: الناس اللي حاولوا يضيعوا، رؤوس الفساد. فهذه الآية تتكلم عن رؤوس الفساد من المشايخ الذين يفترون على الله الكذب أو يقولون أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء، وأيضاً هؤلاء يعبثون بالناس وبعقائدهم ويفسدونهم.
أو الشخص الثالث: قال ومن قال: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. لاحظ، كلهم عتاولة في الشر! هذا كلهم الثلاثة عتاولة الإفساد. اللي بيقول ايش؟ وهذا أشدهم، من يقول للناس: أنا سانزل لكم واضع لكم كتاباً كما أنزل الله كتاباً. يذكرون عن جنكيز خان أنه وضع الياسق وأمر الناس أن يتحاكموا إليه في زمن المغول، وجعله مقارناً لكتاب الله سبحانه وتعالى. وبعضهم أيضاً يضع كتباً كثيرة ويقول ماذا؟ بلسانه أو بلسان حاله: سانزل مثل ما أنزل الله. ما أخطرها! الذي يضع شيئاً مقابل شرع الله وكتاب الله!
سواء قالها بلسانه، الجوارح يعني، أو بلسان حاله يقول: سانزل مثل ما أنزل الله. يقول لك: هو القرآن وحده هو الذي يعرف مصالح البشر، أنا أعرف مصالحكم يا بشر! ويضع لك آراءه وأفكاره ويدونها لك ويقول: هذا مثل كلام رب العالمين! بل بعضهم يزعم أن كلامه وأحكامه أعلى من أحكام رب العالمين والعياذ بالله. فهذه خطيرة، هذه ومن قال. وهنا القول كما قلت قد يكون قولاً صراحة، وقد يكون بلسان الحال؛ يقول لك: سانزل مثل ما أنزل الله، وأعطيك توجيهات وآراء وأفكار مثله. ولذلك كان من الخطير في التاريخ الإسلامي ذهاب البعض إلى الفلسفة اليونانية وجعلها، والعكوف عليها، وترجمة مصنفاتها وكتبها، لأنه كأنك تريد أن تذهب إلى منبع آخر تضاهي به المنبع الصافي.
هل تظن أن آراء اليونانيين وأفكارهم وظلامهم تضاهي شرع الله وبيان الله والقران الذي أنزله الله؟ مسكين والله ذاك الذي يبحث عن الهدى في كتب اليونان، والله مسكين! أنت عندك كتاب نزل من السماء! تذهب إلى عقول أرسطو طاليس وإلى أفكار هؤلاء الفاسدين تبحث عن الهدى ضمن عقولهم الفاسدة وآراءهم الضالة ونحالهم التي تتغير وتتبدل؟ مسكين، مسكين، مسكين من يضاهي بشرع الله وبكتاب الله رأياً بشرياً وكتاباً وضعياً، مسكين!
يعني فعلا الانسان يستغرب من حال هذا الرجل؛ رجل ياتيه كتاب من الله، كتاب من فوق سبع سماوات، ليس من عالم الأرض ولا من شغل الأرض، من الله من فوق سبع سماوات ياتيك كتاب يقول لك: افعل كذا. وياتيك رجل يذهب ويستنجي ويقضي حاجته، فياتيك ليعطيك آراءه التي يصادم بها قال الله، ويقول لك بلسان حاله أو مقال: مثل ما أنزل الله. مسكين هذا والله!
فهؤلاء الثلاث، ومن كان على شاكلتهم، الله عز وجل يعطيك خاتمتهم لترتعب. الآن، لن يكون الرد بـ... أحياناً بعض الردود يجب أن تكون ردود وجدانية كما قلنا، هنا القرآن سيخاطب الوجدان، يقول لك: بس شوف لي هؤلاء الثلاث كيف سيكونون عندما تقبض أرواحهم! قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ لأن هؤلاء هم الظالمون، قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، صحيح؟ فهؤلاء الظالمون الثلاث، ومن سار على شاكلتهم.
لو تراهم... شوف هذا الخطاب الوجداني العميق المؤثر! ولو ترى، أراهم... هذا خطاب لي ولكل من يقرأ، وقبل ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ غمرة الماء هو أن يغمرك الماء كاملاً، الغمرات جمع غمرة، والغمرهو ما يغمرك من الماء، فيقول: ولو تراهم، وكأن الموت غمرهم، مش غمرة واحدة، غمرات! وكانوا أحاط بهم من كل جهة، جاءت ملائكة الموت أحاطت به وهو في السكرات. هو يعطيك مشهد السكرات الآن، والموت أحاط به من كل جانب، ولا يجد نصيراً ولا شفيعاً ولا أحد يخرج من هذه الحالة. لذلك جعلها غمرات، وكأنها ظلمات بعضها فوق بعض، ولجج ماء تحيط به، والرجل يغرق في هذه الغمرات؛ لأنه الغمرات تغرق، هو يغرق في سكرات الموت المؤلمه المتعبه. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾. ملائكة الآن هؤلاء، الذي ينسب إلى شرع الله ما ليس منه، يفتري على الله الكذب باسم الدين، وهذا الذي يقول: أوحي إلي، وحدثني قلبي عن ربي، وباسم الدين يكذب على الناس، وهذا الذي يضاهي بعقله ورايه الوحي الإلهي، خلينا نشوفه ساعات الموت ورجولته! والملائكة باسطو أيديهم: أخرجوا أنفسكم.
يعني وهنا الملائكة بصيغة التهديد والوعيد والرعب الشديد تقول لهم: أخرجوا لنا أرواحكم خلينا نتفاهم معكم في عالم آخر في غير عالم الدنيا، دعونا نتفاهم معكم الآن في عالم جديد، أخرجوا أنفسكم. طبعا في النهاية هو من الذي سيخرج هذه الروح؟ الملائكة، لكن هكذا يقول الطاهر، وكأن هذا الخطاب هو خطاب التخويف والارعاب: أنقول لك جيب لي روحك، جيب لي إياها! كيف أقول لك أنا: جيب لي روحك؟ في النهاية أنا راح أسحبها، لكنني أنا الآن عم... أنت الآن رأيت الحق، رأيت الملائكة، كل ما بنيته من باطل وفساد وإفساد وتغيير منار الدين والهدى، الآن فخر عليهم السقف من فوقهم، انتهى كل شيء، والان أنت تغرق في غمرات، وملائكة الموت أتت بخيلها ورجلها تريد تسحب هذه الروح النتنة. الله يريك، أن يريك أن ترى هذا المشهد، ما بدنا نخبرك المشهد لسه اللي بعدين جاي، بس شوف هذا المشهد الكئيب وكأن يقول لك: هذا ماذا استفاد هذا الشخص الذي عاش حياته يشوه الدين، أو عاش حياته يقول: حدثني قلبي عن ربي، أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء، أو عاش حياته وهو يضاهي بعقله وهو شرع الله: سانزل مثل ما أنزل الله. الآن في هذه الساعة الأخيرة أنت ماذا استفدت؟
أنت عشت حياتك تظن أنك ستخلد يعني هذه الأفكار وهذه التشوهات وهذا، أنا أحزن على بعض الناس الذي يعيش حياته لإفساد دين الناس، ويعيش بين ظهرانينا! أنت بتعيش حياتك حتى تفسد دين الناس؟ شو هذا المشروع اللي عشت من أجله؟ شو الغاية الكبيرة اللي أنت تفتخر بها؟ تعيش بين ظهرانينا وبتخرج على الإعلام وبتنزل وبت... فقط من أجل أن تشوه منار الدين؟ هذا مسكين. الله يريد فقط أن يريك ضعفه وهونه وهوانه في هذه الساعة، والملائكة بتتفهم معه: طلع لنا روحك، طلعها! ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
ولاحظ، هم طلبوا العز والافتخار بما فعلوه، فتقول وهم الملائكة الآن: الهوان والذل! ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الآن كل الهوان والذل ستلقونه. تظنون أن ما فعلتموه في الدنيا بأحوالكم وأشكالكم وجلب لكم عزا أو جمهوراً أو قطيعاً أو متابعين أو... أو ملكاً أو شيئاً، الآن جاء وقت الهوان: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ﴾. ما هو السبب؟ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾. لأن الثلاثة هؤلاء، سواء اللي افترى على الله كذبا، أو الذي قال أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء، أو الذي قال سانزل مثل ما أنزل الله، ايش المشترك بين هؤلاء الثلاثة؟ أنهم قالوا على الله غير الحق. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾.
كما قلت، الإنسان إخواني يعصي صح، ويعترف بذنبه وخطيئته، الله بسترك، بتجاوز عنك. لكن أن تقول على الله شيئاً وهو ليس من كلام الله، هذه غير مقبوله أبداً! يعني كلنا بنخطئ وكلنا عندنا ذنوب وكلنا عندنا معاصي، في أخطاء تطوى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. لكن في أمور جوهرية أساسية هذه غير مقبولة أبداً، والله عز وجل لا يتجاوز عن صاحبها إلا أن يتوب قبل أن يموت. أما إذا مت وأنت تقول على الله الكذب، أو تقول أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء، أو تزعم أن عقلك وهواك يضاهي شرع الله، فهذا ينتظره عذاب الهون، والملائكة تخاطبه: اليوم تجزون عذاب الهون، اليوم سيبدأ... ستبدأ رحله الهوان الأبدي، سيبدأ الذل الأبدي لكم من هذه الساعة عندما تقبض أرواحكم.
الآن ستبدأ رحلة من العناء والمشقة التي لا نهاية لها، فقط لأن حضرتك بدك العز في الدنيا من خلال محاربة شرع الله، تشويه شرع الله، التلاعب بشرع الله لسنوات معدودة ستعيش ثم ستنتهي. مسكين هذا الإنسان! يقول سبحانه: ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ﴾، اللي هي الحق، ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾. يعني هم جمعوا بين آية أنه الحق استكبروا عنه ورفضوا الانصياع له وهو الوحي، وفي المقابل... يعني هو لم يكتفي فقط بأنه استنكف واستكبر على الحق، لا، هو زاد الطين بلة بأنه افترى على الله الكذب.
هسه في واحد إخواني قد لا ينصاع للقرآن، لكنه لا يشغل نفسه بإفساد الناس، صح؟ بتشوفه إنسان هو مستكبر على آيات الله، لا ينصاع. بس هل سخر حياته لإفساد دين الناس؟ بقول لك: أنا عم مسخر حياتي لشهواتي لملذاتي الشخصية، أنا مالي في الناس. هذا، وإن كان مجرماً، لكن ليس كإجرام من إيه؟ اللي هو استكبر على آيات الله وفي نفس الوقت سخر حياته ليقول على الله غير الحق، وليشوه منار الأرض وليشوه دين الله! لا، أنت ارتكبت جريمتين مش جريمة واحدة؛ الجريمة الأولى: استكبرت عن آيات الحق ورفضت الانصياع لها، الجريمة الثانية: أنك ما اكتفيت فقط بأنك لم تعمل بالحق، بل افتريت الكذب في نفس الوقت وشوهت الدين ونسبت ذلك إلى الله وقلت أو... هي جريمتين مش جريمة واحدة، فعقوبتك ليست كعقوبة غيرك.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. ما زال يعني المشهد يستمر ويريدك أن ترى هؤلاء، هؤلاء الذين صنعوا أنفسهم. وهذا كله لاحظ في خضم مكة وكفار قريش؛ كفار قريش كما قلنا كانوا على نوعين: عتاولة يعرفون أن النبي عليه الصلاه والسلام يقول الحقيقه، صحيح، لكنهم أبوا وشوهوا القرآن في أعين عامة أهل مكة.
لأن إذا بترجع على أول الصفحات في سورة الأنعام، هم ماذا قالوا؟ قالوا: كانوا يقولون، حتى إذا آية 25: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. فبعض رجالات مكة كان يقول: إذا كان محمد عليه الصلاه والسلام يخبركم بقصص الأمم، فانا أخبركم بقصص الملوك! وكان يجلس ويقص عليهم قصص الملوك ويخبرهم أن هذا مثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. فهذا من جنس من يقول: سانذر مثل ما أنزل الله. هذا اللي بيقول: أنا ساعطيكم مثل ما قال محمد صلى الله عليه وسلم وأقص عليكم. هذا من جنس من يقول: سانزل مثل ما أنزل الله.
أو يأتي شخص كان من رجالات مكة ويفتري على الله الكذب ويقول إن الله عز وجل أمرنا بالفحشاء، أو أن الله... قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء، أو أن الله أمرنا بكثير من التشوهات التي أضيفت على ملة إبراهيم. وهذا من جنس من يفتري على الله الكذب. وكل ما سيأتي بعد ذلك من ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة، كل ما جاء... سيأتي في آخر سورة الأنعام من عبث وقالوا: هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشأ، وهذا كله من التشوهات التي نسبوها إلى الله كفار قريش وأقنعوا بها عوامهم.
فالله سبحانه وتعالى هنا يهدد عتاولة قريش، لأنه دائماً أنت العامي الفاسد صعب تتكلم معه كثيراً، أنت عادة بتوجه خطاب لمين؟ لرؤوس الإفساد اللي بيشوهوا على العوام. العامة، العامة حتى لو هو فاسد، أنا بحاول أصلحه، بس أنا عارف أن هذا العامي هو متاثر بمن؟ بمنظومة فاسده فوقه هي اللي عم بتضخ خطاب إعلامي وبتعمل ما يسمى اليوم بروباجندا معينة، هي اللي عم تأثر على العوام وبتخليهم ما يستجيبوا للحق. فانا بالتالي بدي أخوف الكبير اللي عم بشوه، المصر على أن يضلل الناس، بدي أخاطب هذا وأخوفه وأريه هذا المشهد: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. بعدين: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾. إكمال في الخطاب الوجداني الذي يعلم العتاولة الكبار أنه حق، لكن الاستكبار والعناد... هؤلاء أبو جهل وغيره من عتاولة قريش كانوا...
يتقصدون أن يجتمعوا ليلاً أمام حجرَة النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليستمعوا القرآن. وكانوا إذا التقوا في الطريق مع الأخنس بن شريق يقول يسأل أبا جهل: شو رايك باللي سمعته؟ يقول: والله إنه هو حق. فما قال؛ عداوته ما عيت، هو يعلم أنه حق، ولكنه سيبقى على العداوة لأنه أبو جهل، مش مقتنع. قال: نافسنا بني عبد المطلب فكانت منهم السقاية ومنا كذا، ومنا الرفادة ومنهم كذا، قال حتى إذا قالوا: منهم نبي! من وين بدنا نجيب نبي؟ فهي عقليّة أبي جهل أنه هو عارف أنه هناك حق، بس هو مش قابل، مش قادر يتقبل أنه كيف هذول يسبقونا بهذا الشرف؟ مش القضية أن محمداً صلى الله عليه وسلم في مضمون كلامه شيء مش مفهوم، أو أنه لا يملك البيان؛ كل شيء واضح، بل أبو جهل نفسه بالله بيروح بيسمع القرآن، أبو جهل! لكن خلاص، هو مصمم على هذه الطريقة. فأمثال أبي جهل كثر في كل زمان ومكان.
فالله عز وجل يتوعد هؤلاء في ساعات الموت، ويتوعدهم أيضاً في ساعة الحشر، فيقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 94]. كما أنكم كنتم في الدنيا فرادى؛ خرج كل واحد لما خرج من باطن أمه خرج وحده، صحيح. فيقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. الآن؛ كما خلقناكم أول مرة، هذا المراد؛ يعني كما خلقناكم فرادى أول مرة؛ فكل شخص خرج فرداً، يعني أنت دخلت إلى الدنيا فرداً صحيح، ويوم القيامة ستأتي إلى الله فرداً. أو يمكن أن تفسر: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ غرلاً حفاةً؛ يعني كما خلقناكم؛ يعني هنا بمعنى أي على الصورة التي خلقناكم عليها أول حياتكم؛ فكل البشر سياتون إلى الله عراةً، حفاةً، غرلاً غير مختونين. فإذاً يمكن أن نقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فرادى وخرجتم من بطون أمهاتكم فرادى، أو نقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي على الصورة، أي على الهيئة التي خلقتم عليها أول مرة غرلاً، حفاةً، عراةً. وهكذا سنخرج، مش خرجنا من بطون أمهاتنا غير مختونين، حفاةً، عراةً؟ كذلك سناتي يوم القيامة بهذه الصورة رجالاً ونساءً. وهذا يعطيك مفهوم إيش؟ التجرد التام.
يعني هنا قضية كما خلقناكم أول مرة، أنه ستاتي هذا الظالم اللي كان يبحث عن العز؛ أبو جهل كان يبحث عن العز، عتاولة المشركين اللي مارسوا (سنأنزل مثل ما أنزل الله) أو افترى على الله الكذب، كل هؤلاء يبحثون عن إيش؟ عن حظ دنيوي. الله يريد أن يري كيف يوم القيامة رح تاتي وحدك، وكل حظوظ الدنيا وكل شيء تركته وراء ظهرك؛ حفاةً، عراةً، غرلاً، لا شيء، لا شيء. كل مشاريعك وأفكارك وبنيانك وكل ما سعيت من أجله ولا شيء، أتيت وحدك، حتى مش بالصورة التي أنت أردتها، بالصورة التي أرادك الله أن تاتي عليها، كما خلقناكم أول مرة. قال: ﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94]. ومعنى ما خولناكم؛ يعني ما أنعمنا به عليكم، وما أعطيناكم إياه. ما قال: وتركتم ما جمعتم، وتركتم أموالكم؛ لا، يريد أن يريهم أنه حتى اللي تركتموه وراءكم نحن اللي أعطيناكم إياه. يعني وهذا الذي ترك من المال والجاه والعز، كل هذا الذي تركتموه وراء ظهوركم هذا مش أنتم جمعتموه ولكنكم اضطررتم أن تتركه، نحن من تفضلنا به عليكم أو أعطيناكم إياه أو انعمنا به عليكم، وترَكتم ما خولناكم، ما أعطيناكم، ما انعمنا به عليكم تركتموه وراء ظهوركم. شوف هذا الانسان اللي كان يظن أن مشاريعه ستمضي به بعيداً بعيداً، إذا به يفاجأ بالموت، ثم به يفاجأ بالبعث، إذا به يفاجأ أنه سياتي ربه فرداً.
قال: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 94]. شوف هذا التركيب العجيب، قال: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾. هسه قريش شو كانت تعتقد؟ أن أصنامها ستشفع لها عند الله، لذلك كانت تعبدها وتلتجئ وتذبح عندها وتدعوها وما شابه ذلك. فيقول الله عز وجل: انتم أتيتمونا فرادى، ولا نرى معكم يوم القيامة الشفعاء هذه الأصنام وهذه المعبودات. ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾، إيش يعني فيكم شركاء؟ لاحظ، ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ لو بدنا نعمل هيك أعيد الترتيب في التقديم والتأخير لتفهمها أكثر؛ أنهم الشركاء فيكم، أن لهم حظ منكم. وكأن قريش وكل مشرك لما يشرك مع الله إلهاً آخر هو يعتقد أن هذا الإله الآخر له نصيب فيه. يعني اللات والعزى لها نصيب من كفار قريش وليس الله فقط هو الذي له نصيب فيهم، فليس الله هو الذي يتصرف فيهم فقط وله الأحقية بأن يصرفوا له العبادة. أنت إذا جعلت مع الله إلهاً آخر أنت كأنك تدعي أن هذا الإله الآخر له نصيب فيك، له حق فيك، فلذلك أنت عم تتعبد له وتقدم له، وإلا ليش اتخذت إلهاً آخر؟ فانتم زعمتم أن هذه الآلهة كأنها تنافس الله فيكم؛ فكما أن الله له حظ منك ونصيب منك، هذه الآلهة لها حظ ونصيب منكم؛ مش هيك أنتم زعمتم؟
ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل؛ هذا مثلاً يظهر المشرك والموحد. فالمشرك كان له أكثر من سيد، وهؤلاء السادة الشركاء متشاكسون؛ هذا السيد بيقول له: روح جيب لي مي، السيد الثاني بيقول له: لا، تروح تجيب مي تمام! فكيف بتلاقي هذا العبد ضايع بين أسياده، تمام؟ لانه هذا بيقول له: روح لي هون، هذا بيقول له: جيب لي قهوة، هذا بيقول له: جيب لي شاي، هذا بيقول له: روح امشي اليوم، هذا بيقول له: روح نام اليوم؛ فبيشعر حاله إيش؟ ضايع، ما هو أنا أرد على مين؟ بخلاف الموحد؛ رجلاً سلماً لرجل؛ كان عبد مع إله، فأنت مرتاح، مصدر تلقي واحد، تعليمات واحدة، ما في أكثر من مصدر بده يدخلون في التحكم بحياتي ويوجهونني. فالمشرك بشركه كانه ادعى أن هناك أكثر من مصدر له حظ منه وله نصيب منه. فيقول الله سبحانه وتعالى: أين هؤلاء؟ ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾؛ يعني أنهم شركاء فيكم، لهم نصيب من حياتكم وعقولكم ومجهوداتكم، بدل من أن تكون كل الحياة والأعمال والمجهودات لله سبحانه. وهذا ما سياتي آخر السورة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 162]، ما في حدا له نصيب مني إلا الله سبحانه وتعالى، كلي لله. فهو عز وجل يريد أن يريهم قمة التهالك وقمة تفاهة أفكارهم التي عاشوا من أجلها؛ وين راحت أصنامكم الآن؟ ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّع بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94].
لقد تقطع؛ تقطع فعل ويحتاج إلى فاعل، أين الفاعل أو ما هو الفاعل؟ لا، هنا مش تنازع، هي (لقد تقطع) قالوا: الفاعل سيفهم من السياق. هم؛ أحسنت، هم الآن زعموا أن شفعاءهم وأصنامهم لها شرك فيهم، فبالتالي هناك حبال وصل بينهم وبين الشرك وبين شفعاءهم، فيقول سبحانه: لقد تقطعت الحبال بينكم، لقد تقطع الوصال أو الحبل بينكم. فهنا قالوا: تقدر فاعلاً مفهوماً مما سبق، فالفاعل محذوف تقديره: لقد تقطع الحبل، لقد تقطع الوصال بينكم وبين شفعائكم، انتهى كل شيء، لقد تقطع قطع الوصال بينهم ذاك الوصال والحبل المزعوم الموهوم لقد تقطع. وهناك قراءة أخرى متواترة: (لقد تقطعَ بينُكم) بضم النون، فتكون البين هي الفاعل. (لقد تقطع بينكم) وهنا البين سيصبح ماذا؟ هو الفاعل، ويصبح المعنى: لقد تقطع المكان الذي ها البين هنا إذا أصبح فاعلاً، قالوا: تحول من الظرفية إلى الفاعلية. فقالوا: والبين هو المكان هنا، لقد تقطع المكان الذي كنتم تجتمعون فيه وتعتقدون أنه يجمعكم وأنكم فيه مع بعضكم البعض، لقد تقطع هذا المكان. وإذا تقطع المكان هذا، طبعا المجاز: تقطع المكان إشارة إلى تقطع الأشخاص. فاذا قالوا على القراءة الثانية: (لقد تقطع بينكم) يعني تقطعت أوصال المكان اللي كان بينكم وبيجمعكم. فقالوا: تقطع أوصال المكان هو تقطع لنفس الأشخاص الذين كانوا يحلون في هذا المكان، فيكون نوع من المجاز العقلي.
﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 94]. كل الأفكار ضل، ذهب، زال، كل ما كنتم تزعمونه. شو كانوا يزعموا؟ نرجع لأول الآية: ﴿وَمَنْ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، كنت تزعم أن هذا هو دين رب العالمين وتفتري على الله الكذب، أو أوحي إلي ولم يوحَ إليه شيء: «حدثني قلبي عن ربي»، أو من قال: (سنأنزل مثل ما أنزل). كل ما كنت تزعمه لتشوه به دين الناس ومنارات الطريق سيضل، وتسترعي أنه شوف هاي العبارة: ﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. كل الأفكار اللي عشت من أجلها، وكل الأهواء والكتب اللي صنفتها لنصرة الباطل، كل المواقف اللي وقفتها تجدها تخر أمامك يوم القيامة وتضيع وتتيه، وتاتي إلى الله سبحانه وتعالى في مشهد الصدمة أن كل شيء انتهى، وأتيت الله فرداً كما خلقك أول مرة، لا أصنام، لا شفعاء، لا شركاء، لا أفكار، تقطعت الحبال بين البشر. إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب؛ كل الأسباب اللي هي الحبال هذه هي. وهذا من جنس ما ذكر في سورة البقره؛ كله يتقطع، تنتهي كل العلائق، وكل الجماعات، وكل الأحزاب، وكل الليبرالية، والنسوية، والبراغماتية، والاشتراكية، والرأسمالية، وكل هؤلاء الذين اجتمعوا على هذه الأفكار وعلى عبادة الدنيا بالشكل الذي يهوونه؛ فالرأسمالية عبدت الدنيا بشكل يهوونه، كما أن الاشتراكية عبرت الدنيا بشكل تهواه، كما أن النسوية أرادت شيئاً، كل هذه الأفكار والآراء والمعتقدات ووو كلها قال: ﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
كل الأفكار والمذاهب الأرضية والبشرية ضلت وذهبت وزالت ولم يبقَ إلا الحق. ولذلك في الصفحة التي مرت معنا قبل قليل، عفوًا في الدروس الماضية: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73]. انتهى، لا حق يوم القيامة إلا الوحي، إلا ما كان في الكتاب والسنة، وستزول كل المذاهب والأفكار والمشيخة والولاءات والانتماءات والقومية والوطنية، كل ما كنتم تزعمونه ذهب. شوف هذا التعميم العام في زوال كل شيء وبقاء الحق سبحانه وتعالى، وهذا فيه تنبيه لأن يستيقظ الإنسان قبل فوات الأوان، وليتمسك بالحبال الصحيحة وليصطفي الاصطفافات الصحيحة قبل (ولا تحين مناص).
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا البصيرة في الأمر والعزيمة عليه، وأن يجعلنا من أهل الخير ومن أهل الوحي الفاهمين له، المتمسكين به، الذين يمسكون بالكتاب -إنه لذلك والقادر عليه- وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل