دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام المجلس الحادي عشر [من الآية 95 إلى الآية 105 ]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في مجلس جديد من مجالس الوحيين؛ حيث نعكف بقلوبنا وعقولنا على كتاب ربنا سبحانه وتعالى وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ننهل من هذا المعين العذب، ونبني العقول والقلوب على مائدة الوحي الإلهي، ون صوب صلاتنا تجاه كلام ربنا عز وجل، ففيه الكفاية والغناء.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن استغنى بكتابه وأعاننا على فهم مقاصده ومراده، إنه سبحانه وتعالى بيده مفاتيح القلوب، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. فنسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحجب هذه القلوب عن معاني القرآن بسبب الذنوب والمعاصي التي كثرت منا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا يا أرحم الراحمين.

ما زلنا نعيش في هذه السورة العظيمة التي تبني الإيمان والعقيدة في القلب، وهي سورة الأنعام، ووصلنا عند قوله تعالى في الآية الخامسة والتسعين، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95]. هذه الصفحة أيها الكرام تنفي الإلحاد من القلوب، صدقوني هذه الصفحة لو قرأها ملحد بعقله ونظر في الكون ونظر في المعالم التي تشير إليها هذه الآيات لانفك عن الإلحاد ولطرده من حياته.

انظروا إلى ربنا سبحانه وتعالى كيف يرينا أن كل فعل في هذا الكون من الأفعال أو من الأمور المشاهدة في حياتنا اليومية، سواء في العالم العلوي أو في العالم السفلي، أن هذا الفعل مصدره من الله سبحانه وتعالى، ويرينا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الصفحة أنه عز وجل هو الذي يفعل الأشياء المتضادة، أنه سبحانه هو الذي يفعل الشيء وضده، لأن الذي يدل على وجود العالم المختار المريد الصانع هو أنه يفعل الأشياء المتنوعة المختلف المتضادة قادر عليها. لو كان هذا الوجود مصدره من الطبيعة أو المصادفة، فالاصل أن يكون المنتج واحد، وأن تكون الطبيعة مضطردة في إنتاجها، لا تستطيع الطبيعة أن يكون لها عقل واختيار حتى تنتج الشيء وضده. فلذلك يقولون في علوم الاستدلال: عندما ترى شيئا وضده، عندما ترى من يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، عندما ترى النبات المختلف الألوان والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، وجود الأشياء المختلفه المتنوعة المتضادة هو دليل على وجود واحد فاعل مختار مريد هو الذي صنع هذه الأشياء. الطبيعة إذا صنعت تصنع إما شيئا يمشي على نسق واحد أو اشياء مبعثره فوضويه، أما أشياء منسقه مرتبه ولكنها متباينه متقابله بهذا التنسيق وبهذا الترتيب عقلا ومنطقا وفطرة لا يمكن إلا أن يكون بوجود العالم المختار الفاعل سبحانه وتعالى.

لذلك لاحظوا كيف ابتدات هذه الصفحة وكانها تقول لغفار قريش: يا من تطلبون المعجزات ويا من ارهقتم نبيكم صلى الله عليه وسلم في طلب الآيات، انظروا إلى منهج الاستدلال، فإن الكون معبأ بالدلائل والاشارات الدالة على وجود الصانع الفاعل المختار سبحانه وتعالى. انظروا ما أجمل هذه الآية وهذه الصفحة عندما تبدأ بأنها تريد أن تريك الفاعل الحقيقي: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95]. هو الفاعل الحقيقي لهذه الأشياء التي نراها يوميا، وجمالية هذه الصفحة أنها لا تطرح لك الأشياء التي هي نادر أن تحصل في هذا الوجود، لا، الأشياء الطبيعية التي ترونها في حياتكم اليومية في المزارع والأراضي، ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95].

لاحظوا أنه ذكر الحب وذكر النوى. الحب هو الذي يخرج قالوا النباتات الزرعية نحن بنسميها في الفقه الإسلامي الحب، قال هو الذي يخرج القمح والشعير وما شابه ذلك، الذي ليس له ساق وأشجار كبيرة، وإنما النباتات التي تحصد حصداً، قمح، شعير، حمص، فول، وما شابه ذلك. قالوا والنوى هي النباتات التي أو البذور عذراً التي تخرج لنا أشجاراً سامقة كالزبي، العنب والتمر والمشمش وما شابه ذلك. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يلفت انظارنا، انظروا إلى الحبوب التي تخرج المزروعات المحصودة، وانظروا إلى النوى الذي يخرج الاشجار التي تنتج ثماراً. هذه الحبة من الذي فلقها حتى تخرج سنبلة القمح أو الشعير؟ وهذه النواة نواة التمر من الذي فلقها لتخرج برعماً صغيراً بعد ذلك يشق طريقه إلى سطح الأرض، ثم بعد ذلك إذا بجذع ضخم ينمو على هذه الأرض، ثم تخرج الأوراق، ثم بعد ذلك تأتي الثمار يانعة، من الذي فلق هذه الحبة ومن الذي فلق هذه النواة؟ ولا توجد حبة شاذة ولا توجد نواة شاذة يعني نواة التمر إذا بها تخرج عنب أو حبة أردت أن تجعلها قمحاً فإذا بها تخرج شعيراً. نظام متكامل متناسق من الحياة النباتية أنت تراه في حياتك اليومية، فعل ذلك هو الله سبحانه، ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95].

ثم أراد أن يفصل فقال: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [الأنعام: 95]. فهذه النبتة الطرية الخضراء الحية من أين خرجت؟ من تلك الحبة الميتة، ومن تلك النواة الميتة. أنت ترى نواة ملقاة مهملة بمجرد أن تسقى إذا بكائن حي، خلينا نقول الأشجار فيها حياة وفيها ارادات تنمو وتتجه مع الشمس، إذا هي حياة تخرج من تلك الحبة الميتة إذا هي شجرة تنمو وتخرج من تلك النواة التي لم يكن يعبأ بها ويظهر إليها. من الذي اخرج الحي ذلك النبات وتلك الأشجار من الميت سبحانه وتعالى؟ ثم قال: ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ [الأنعام: 95].

لما ذكر الحبة والنوى وكيف يخرج منها الاشجار والنباتات أراد أن يدلنا على أنه يصنع الشيء وضده أيضاً، فهو قادر على أن يخرج أيضاً الميت من الحي. وهنا ذكر المفسرون أمثلة كثيرة على خروج أشياء جامدة من أشياء حية، قالوا كخروج البيض من الدجاجة، وخروج اللبن، ايش أيضاً عندنا أفكار من هذا الجنس؟ قالوا مثلاً المسك الذي يؤخذ من الغزال، كلها أشياء جماد بالنسبة لنا، كبيضة تأكلها يومياً أنت ولا حليب ولا لبن ولا مسك تأخذه، من أين خرج؟ من أشياء حية. إذاً لاحظ مظاهر هذا الكون والاشياء المتنوعة المتقابلة، أشياء ميتة تخرج حي، وأشياء حية تخرج أشياء ميتة لا روح فيها، من الذي يصنع كل هذه المتقابلات هل هو صنم أو شمس أو طبيعة أو مادة قادرة على أن تفعل هذا التنوع؟

وهنا الإمام ابن طاهر بن عاشور رحمه الله تعالى تكلم عن شيء من أوجه البلاغة الجميلة، قال: لماذا قال في الأول ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ بصيغة الفعل المضارع، بينما قال ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ بصيغة اسم الفاعل؟ صح قال يخرج ثم قال ومخرج، لماذا ما قال ويخرج الميت من الحي حتى يكون يتناسق هذا مع هذا؟ قال في الجمله الأولى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أتى بالفعل المضارع الذي يدل على التجدد تماماً. فخروج الحياه من النواى والحب هذا شيء يتجدد في الحياة اليومية، صحيح تجد حبة وضعتها إذا بها تخرج، ثم حبة أخرى تضعها إذا بها تخرج، ثم نواة تضعها إذا بها تخرج، فقال الفعل المضارع في علم البلاغة يدل على ماذا؟ على تجدد حصول الشيء مرة بعد أخرى.

ومخرج الميت قال في المقابل أو في الجملة الثانية قال مخرج باسم الفاعل الذي طبعا باسم الفاعل المشوب هنا بالصفة المشبهة، قال الذي يدل على ايش؟ على الدوام والثبوت والاستمرار. فيقول الطاهر بن عاشور وهنا يوجد شيء من الاحتباك، ماذا يريد أن يقول؟ يريد أن يقول هو سبحانه وتعالى ما قال يخرج الحي من الميت على التجدد ومخرج الميت من الحي على الدوام والثبات، هو يريد أيضا أن التجدد موجود في الجملة الثانية وأن الدوام موجود في الجملة الأولى، لكن حتى يكونك تنوع في الآية، حتى يكونك تنوع في الآية فيجمع بين التجدد والدوام بدون تكرار، جاء في الأولى بيخرج وجاء في الثانية بايش بمخرج. لكن هو في الأول يخرج الحي من الميت ألا يريد الدوام أيضا بلا، وفي مخرج الميت من الحي ألا يريد التجدد أيضا بلى، لكن هذا نوع من علوم البلاغة اسمه الاحتباك تماماً.

فكانه ذكر في الأولى التجدد وهو يريد الدوام اكتفاء بذكره في الجملة الثانية، وذكر في الثانية اللفظة الداله على الدوام وهو مخرج مع أنه يريد التجدد لكنه لم يذكره اكتفاء بذكره في الجمله الأولى، فكانه من باب التفنن والتنوع أراد سبحانه أن يخبرنا أن هذا المشهد متجدد ومستمر في كلا الحالتين. في يخرج الحي من الميت هذا شيء متجدد ومستمر في الحياة الأرضية، ومخرج الميت من الحي هذا شيء متجدد ومستمر في الكرة الأرضية. فذكر في الجملة الأولى ما يدل على التجدد وهو الفعل المضارع، وذكر في الجملة الثانية ما يدل على الدوام وهو الصفة المشبهة، ولكنه في كل واحد اكتفى بشيء ودل على الآخر بمساعدة الجملة الأخرى، وهذا ما يسمى عندنا في علم البلاغة بماذا بالاحتباك إذاً.

فهو سبحانه يريد أن يخبرنا في كلا الجملتين أن هذا الأمر متجدد في حياتكم ترونه مستمرا في حياتكم ترونه، لكنه بهذا التفنن القراني الجميل المليء بماذا بالفكرة مع الاختصار والايجاز والابتعاد عن الحشو الذي يمكن الاستغناء عنه من خلال هذه الاساليب. طبعا هناك رأي آخر يعتقد ماذا؟ يقول هذا الرأي التفسيري الآخر أن مخرج لا هي معطوفه على فالق، فهذا رأي آخر يراي الأول الذي ذكرته بما فيه من الاحتباك، مخرج تكون معطوفة على ايش على يخرج مخرج الثانية معطوفة على يخرج، وهذا جائز أن يعطف اسم الفاعل على الفعل المضارع. ولكن هناك رأي تفسيري آخر يقول أن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت هذه جملة، ومخرج الميت من الحي هذه جملة أخرى، لأن يخرج الحي من الميت على هذا الرأي هي تابعة لفالق الحب والنوى هو يعني هو تفسير كيف يفلق الحب والنوى يخرج الأشجار والنباتات من البذور الميتة، ومخرج الميت من الحي هذا سياق آخر مثاله البيضة واللبن والمسك الذي يخرج من الحيوانات.

ممتاز طيب، إذا ما هو المقصود من هذه الآية بذكر هذين المتقابلين؟ أن يريك الله سبحانه وتعالى أنه قادر على أن يفعل الأشياء المختلفة كما قلنا المتقابلة، وهذا لا يمكن أن يكون من مجرد طبيعة أو من المادة التي يريد الغربيون اليوم أن يقنعوك أنها تنتج هذا التنوع وهذا الازدهار وهذا الابداع الكوني، هذا لا يمكن أن يكون صنيع مادة ميتة نعم.

تقدير الاحتباك يخرج ومخرج الحي من الميت ومخرج ويخرج الميت من الحي تمام، فكانت في الأولى تقول يخرج وهناك أيضا مخرج، وفي الجملة الثانية مخرج ويخرج فذكر في كل واحد ما يغني عنه الآخر واضح.

وهذا كما قلنا من الأساليب الجميلة البلاغية في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، لذلك يقول الطاهر جميل بدي أقرأ لك كلام الطاهر حتى نوضح الاحتباك أكثر وأكثر. يقول الطاهر: وقد جيء بجمله يخرج الحي من الميت جملة فعلية مضارعية للدلالة على أن هذا الفعل وهو الاخراج يتجدد ويتكرر في كل آن في كل وقت فهو مراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتفاق. يعني لما يقول لك الفعل المضارع وهذه ما ذكرتها لذلك أحببت أقرأ كلام الطاهر لما قال يخرج الحي من الميت، يخرج الحي من الميت مش قلنا الفعل المضارع يدل على ايه؟ على التجدد، إذا أرادة التجدد هنا ما فائدتها في الرد على الملحدين؟ يريد أن يخبرك أن اخراج الحي من الميت لم يحصل مصادفة بدليل أنه ايش متكرر صحيح.

يعني هذا ممكن واحد بيعطي قصيدة تقول والله طلعت معه بالصدفة، لما أنا أعطيك قصيدة بعدين قصيدة بعدين قصيدة بعدين أكون عامل لك مئة قصيدة تقدر تقول هذا مش شاعر طلعت معه القصيدة الأولى بالصدفة، لا. فيقول الطاهر فهو مراد الفعل المضارع يخرج الحي الفعل مقصود ليخبر من خلال التجدد على ماذا؟ أن ما يحصل من مظاهر النبات والأشجار هذا مش وليد الصدفة، بل هو متقن مراد مقصود، لأن الصدفة لا يمكن أن تصنع هذا التناسق، الصدفة تصنع أشياء مبعثرة، أشياء غير منتظمة، أما غابات وأشجار ومحاصيل وكذا على مستوى هذا العالم لعقود وسنوات متناسقه ملتئمة لا يمكن حتى في علوم الرياضيات وفي أقصى الاحتمالات أن تكون بهذا التناسخ وهذا الإبداع.

ثم قال: وفي الجملة الأخرى ومخرج الميت من الحي أتى بها اسما أي مخرج وليس يخرج، قال للدلالة على الدوام والثبات اللي هي الاستمرارية، ثم قال ايش: فحصل بمجموع ذلك أن كلا الفعلين اللي هو اخراج الحي من الميت أو الميت من الحي متجدد ثابت، متجدد بالمضارعية، ثابت بالاسمية. وذلك لأن أحد الإخراجين ليس أولى بالحكم من قرينه، فكان في الاسلوب شبه الاحتباك تمام. فيقول لك بالتالي يعني التجدد والاستمرار ليس أحدهما أولى به من الآخر، فاخراج الحي من الميت أو الميت من الحي كلاهما شيء متجدد مستمر، فكانه نوع من الاحتباك كان في الآية.

ثم ماذا قال سبحانه؟ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 95] ها ذلكم الذي يصنع الأشياء العجيبة المتجددة المستمره التي لا تناقض فيها ولا تضارب وتسير على نظام على مستوى هذا الكون، من يفعل ذا ذلكم الله، ﴿فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95] فان أي من أين، من أين تؤفكون أي تصرفون عن الحق وعن الهدى؟ وهذا تعجب تعجب استنكاري. فأنى تؤفكون يعني انسان يرى كل هذه المشاهد وهذا التناسخ وهذا العجب في اخراج الحي من الميت والميت من الحي على سبيل التجدد والاستمرار، ثم بعد ذلك يعتقد أن فاعل ذلك سوى الله، أو يفكر في أن يتقرب ويعبد سوى هذا الفاعل الحقيقي لهذا الوجود. يعني كيف أقول لك أنا من وين بتيجيك أنت الأفكار الضالة؟ عجيب والله أمرك، تؤفك ما معنى تؤفك؟ أي تصرف عن الحق وتصرف عن التوحيد وتشرك.

بالله، من الذي يبيح لك؟ من الذي يقنعك أن هناك إِلى سوى الله يستحق أن يعبد، وأن يوجه إليه، وأن يقصد سبحانه وتعالى؟

ثم بعد ذلك انتقل إلى مشهد آخر: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. كما أن الآية الأولى تتكلم عن الفلق، الآية الثانية تتكلم أيضاً عن ماذا؟ عن الفلق. والفلق هو الانشقاق والتصدع. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1]. صحيح، الفلق هو الصباح؛ لأن الصباح كأن الليل والظلام يتصدع ليخرج من بينه النور، فالفلق هو التصدع والتشقق. فيقول: إن الله فالق، هو الذي يشقق ويصدع ماذا؟ ايش قال؟ فالق الإصباح. والإصباح هنا بمعنى الصباح. فالصباح هو نتيجة ماذا؟ انفلاق ظلمة الليل. ويقولون: الظلام عدم، بخلاف الصباح هو شيء وجودي. فكأن ذاك الليل وهذه الظلمات المتراكمة تنفرق وتبتعد ليخرج من بينها شيء وجودي ونور ساطع يعم هذا الوجود. من الذي فعل ذلك؟ إنه الله فالق الإصباح.

﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾. هنا الطاهر بن عاشور أيضاً يتكلم: لماذا عبر بالجعل في الليل بينما عبر بالفلق بالنسبة للصباح؟ قال: فالق الإصباح فهو الذي يفلق ليأتي الصبح، لكن في الليل ما قالوا: وفالق الليل، ما قال وفالق الليل! إيش قال؟ وجعل. لماذا هنا اختلف الفعل؟ هناك قال فالق وهنا قال وجعل؟ يقول عليه رحمة الله: وعبر في جانب الليل بمادة الجعل، قال؛ لأن الظلمة عدم، الظلمة أمر عدمي، فتعلق القدرة فيها هو تعلقها بإزالة، إزالة ما يمنع تلك الظُلْمة. إيش الذي يمنع الظلام؟ نور الشمس خلينا نقول هو الذي يمنع الظلام. ألم تكن الأرض أصلاً الكون في ظُلْمة ثم جاء بعد ذلك النور؟ الكون أصلاً كان في ظُلْمة، فهذا أن الظُلْمة شيء عدمي، هي الحالة الأصلية العدمية، والصباح والنور هي الحالة الوجودية الإضافية. فيقول: ففعله سبحانه وتعالى بإزالة ما يمنع عودة الظلام -والذي يمنع عودة الظلام هي الشمس المنيرة- فسبحانه سبحانه وتعالى يزيل نور النهار، فإذا زال عاد الكون إلى حالته الطبيعية وهو الظلام. فلم يكن إذن من المناسب أن يقول: وفالق الليل. تمام، إذن النهار هو شيء وجودي بينما الظلمات والليل هو شيء عدمي، لذلك قال في سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ﴾ [ليس: 37]. صحيح، الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون.

كان النهار جلده كأنه لاصق، نسلخ النهار، يعود الأمر إلى طبيعته الظلام. صحيح، الليل نسلخ منه النهار، كأن النهار يسلخ ويزال فيعود الظلام فإذا هم مظلمون. لاحظ التعبيرات القرآنية المتناسقة. فهذا هو المناسب هنا، أنه الصباح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، يفلق ليخرج ليأتي ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18]. كل هذه التعبيرات، وأما الليل هو عودة الأمور إلى ما كانت، إلى حالتها الطبيعية الظلمة، ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾. وأراد أن يريك كما أن نعمة فلق الصباح نعمة، كذلك لماذا لم ترد الإرادة الإلهية أن يبقى الصباح طوال حياة البشرية؟ لأن البشر يحتاجون إلى الليل، ففيه نعمة أيضاً، وهو ماذا؟ سكونهم وراحتهم وهدوء عقولهم وقلوبهم وحياتهم وأبدانهم. فامتن بنعمة الإصباح، وامتن بنعمة الليل وهو الظلام، فكله نعمة.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، وهذا عطف على جعل، يعني: وجعل الشمس والقمر ماذا؟ حسباناً؛ أي للحساب؛ فإن بعض الأمم كانت تحسب السنوات بالحساب الشمسي، مش عندنا التقويم الشمسي المشهور به الروم وغيرهم، وبعض الأمم وهي العرب تحسب الأيام والسنوات بالحساب القمري، وإن كنا نحن في الشريعة الأصل أننا متعبدون بالحساب القمري في عباداتنا وأحوالنا، لكنه سبحانه أراد أن يذكر النعمة على وجه العموم، أن الشمس هي حساب لبعض الأمم، والقمر هي حساب لأمم أخرى. فالقمر والشمس جعلها الله سبحانه وتعالى بالنسبة لكم -طبعاً غير النعم الأخرى التي نستفيدها هنا، ذكر نعمة من نعمها، وإلا فنعمها أكثر بكثير- لكن من النعم التي تعرفها العرب وتعتادها أن تعد أيامها وسنواتها باعتبار الشمس عند الأمم الرومية وغيرها، وأما العرب باعتبار القمر. ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ﴾، ذلك تقدير نزول الشمس في أبراج معينة حتى يتم بها حساب السنة، أو نزول القمر في منازل معينة حتى يتم به حساب السنوات. تقدير من؟ ذلك تقدير العزيز الذي لا يغلب، العليم بتفاصيل كل شيء كيف يكون. فهذا يحتاج إلى عِزَّة؛ فهو لا يغالبه أحد على ما صنع في الكون، وإلَى علم ليوضع كل شيء في مكانه وبطريقة صحيحة.

ثم أكمل قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ وهنا استعمل -لاحظوا التفنن- استعمل أسلوب الحصر، وهو الذي، إذا كان المبتدأ معرفة والخبر معرفة يقولون: هذا أسلوب من أساليب الحصر. فهو يقول: وهو فقط لا غيره الذي جعل لكم النجوم. بعد أن انتهى من ذكر نعمة النهار والليل والشمس والقمر، ذكر نعمة النجوم، وهذه كلها نعم في العالم العلوي، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97]. عندما تكون في الصحراء وفي الفيافي ويحل الليل عليك، أو عندما تكون في لُجَّة البحر وتظلم الدنيا، كيف كان العرب يهتدون في أسفارهم براً وبحراً؟ بالنجوم. وكانوا يعرفون أن هذا النجم يدل على جهة الشمال، وهذا يدل على جهة الغرب، وهذا يدل على جهة الشرق. من الذي علم الإنسان هذا الاهتداء؟ علم الإنسان ما لم يعلم سبحانه. من الذي وضع النجوم بهذه الدقة وبهذا الإحكام ليكون هذا النجم يدلك دوماً على جهة معينة؟ مش يوم تشوفه على اليمين على جهة اليمن، ويوم ترى نفس النجم على جهة الشمال، ويوم ترى النجم على جهة الجنوب هكذا، عمره ما أحد يهتدي. لكنك دائماً ترى النجم في جهته وفي مكانه لا يتغير. من الذي وضع هذا بهذا الحساب؟ هذا الإتقان في العالم الكوني وهذا الإتقان في منازل الشمس والقمر؟ هل تقنعني يا أيها الملحد أنه أتى مصادفة، أن هذا كله الطبيعة هي التي أوجدت كل هذا الإحكام وكل هذا الاتقان؟ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]. قال سبحانه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 97]. هذه كلها آيات ودلائل على وجود الله، فصلت هذا التفصيل وجزئت هذه التجزئة لقوم يعلمون، لقوم عندهم علم، عندهم منطق، عندهم معرفة. فبمجرد الإنسان الذي عنده عقل ومعرفة وعلم مباشرة سيهتدي بهذا الإتقان على وجود الصانع سبحانه وتعالى.

ثم آية أخرى من آيات الدلالة على وحدانية الله: وهو الذي -أيضاً أسلوب حصر، هو لا غيره- ﴿أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: 98]. فنحن بدأنا من آدم عليه السلام اليس كذلك؟ ثم استمرت البشرية. فمستقر ومستودع. هذه الجملة أو هذه أو نقول: هاتان الكلمتان. هاتان الكلمتان فمستقر ومستودع اختلف المفسرون في شرحهما اختلافاً فيه طول، ولكن أبرز الاقوال التي وردت فيها ذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: المستقر هو فوق الأرض، والمستودع هو في القبور تحت الأرض. فنحن استقرارنا كبشرية فوق الأرض، ومستودعنا الذي نستودع فيه آخر حياتنا وين؟ داخل الأرض. فهذا تفسير نقل عن عبد الله بن مسعود، فمستقر فوق الأرض، ومستودع تحت الأرض؛ يعني هكذا أنتم أيها البشرية نشأتم من آدم ثم كانت حياتكم استقرار واستيداع، استقرار واستيداع فوق الأرض ثم تحت الأرض، فوق الأرض ثم تحت الأرض، أجيال تأتي ثم تموت ثم تخلفها أجيال أخرى فوق الأرض، وأجيال تكون بعد ذلك تحت الأرض، وهكذا.

التفسير الثاني ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما: فمستقر في أرحام الأمهات، ومستودع في أصلاب الآباء. فأنت يا أيها الإنسان عبارة عن نطفة، ماء. هذا الماء أين كان؟ في صلب الاب، يخرج من بين الصلب والترائب، كنتم نطفة مني في صلب الآباء، انتقلت عن طريق المعاشرة فاستقرت في رحم الأمهات. فهذا تفسير آخر، أننا كنا مستودعين بنطف في أصلاب آبائنا أي ظهورهم، ثم انتقلنا من خلال المعاشرة إلى أن نكون مستقرين في أرحام أمهاتنا. وهذا تفسير آخر مقبول. الإمام الطبري رحمه الله عليه بن جرير الطبري يقول: والآية جاءت عامة لتشمل كل استقرار وكل استيداع. يعني كأن ابن جرير يقول ماذا؟ إن الله لم يخصص معنى دون غيره؛ فما ذكره ابن مسعود صحيح، وما ذكره ابن عباس صحيح، فأي شكل من أشكال الاستقرار والاستيداع في حياة الإنسان، سواء في الأرحام والأصلاب، أو فوق الأرض وتحت الأرض، كله مشمول في الآية.

لكن الطاهر بن عاشور ذكر معنى ثالثاً وأراه جميلاً، جيد أن يذكر، قال: الواو هنا ليست للتقسيم، ليس المراد أن الإنسان في طور معين يكون مستقراً وفي طور معين آخر يكون مستودعاً. لا، هو في كل مكان كان مستقراً فيه كان أيضاً مستودعاً؛ لأنك وديع لله سبحانه وتعالى. يقول: في كل مكان كنت فيه مستقراً فانت أيضاً في نفس هذا المكان من جهة أخرى ومن كاميرا أخرى ومن زاوية أخرى مستودع. فأنت أنت في رحم أمك مستقر، وكذلك في هذه الحالة أنت إيش؟ أنت أيضاً مستودع لتخرج إلى هذا الكون. وأنت في هذه الأرض مستقر، لكنك أيضاً في نفس الوقت مستودع. فالقضية ليست أنك مستقر في فترة ثم مستودع في فترة أخرى أو محل آخر، بل في كل مكان كنت مستقراً فيه أنت أيضاً مستودع، وديعة ستؤخذ وستسترد وتخرج من هذه الحياة لترد إلى الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. فهمتم الآن؟ فكانه يقول: فكل واحد منكم مستقر ومستودع في نفس الوقت. فأنت في مستقر وكذلك في نفس الوقت أنت في مستودع؛ لأننا في النهاية سنرد إلى الله. فهو يرى الطاهر بن عاشور أن هذه كأنها تشير إلى أننا جميعاً نصير إلى الدار الآخرة، سواء كنا في أرحام أمهاتنا مستقرين، ولا في الدنيا مستقرين، ولا في القبور مستقرين، في النهاية نحن ودائع للدار الآخرة في كل أطوارنا وأحوالنا.

طيب، تفضل. مستقرة شيء؟ نعم، طيب يمكن أن تجعلها يعني خبر لمبتدأ محذوف، فحالكم مستقر ومستودع، أو شأنكم مستقر ومستودع، فتكون مستقر خبر لمبتدأ محذوف يتناسب مع السياق: حالكم أو شانكم أنكم مستقر ومستودع، والله أعلم. ثم قال: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ نفس الشيء، وهو سبحانه يشير هنا لكفار قريش ولكل معاند، هذه الآيات التفصيلية لماذا تذكر؟ حتى تستدل بها على الواحد سبحانه وتعالى. ومن هنا كان شيخ الإسلام رحمه الله عليه يقول: إن طريقة القرآن في الاستدلال على التوحيد أعلى من طرائق المتكلمين؛ لأن القرآن يربطك بالدلائل الجزئية، وبالمشاهد الجزئية، بالحب والنوى، بالشمس والقمر، بالليل والنهار، ليأخذك بها أو منها إلى الله سبحانه. لكن أدلة المتكلمين دائماً تجدها أدلة عامة، لكل عالم محدث. العالم حادث ولكل محدث، العالم حادث ولكل حادث محدث، فالعالم له محدث. ابن تيمية شو يقول؟ مثل هذه الادله، حتى وإن كان فيها جانب من الصحة، لكنها عامة. القرآن لا يستعمل الأدلة العامة الفضفاضة، لا يدخلك على الأمور الجزئية، مش العالم حادث وكل حادث له محدث فالعالم له محدث، لا! يريك العالم بتفاصيله، القرآن يريك العالم بأن الله فالق الحب والنوى، يريك الأشياء والمشاهد اليومية التي تراها لينبهك بها على الصانع سبحانه وتعالى. وهذا أقوى وأقنع وأكثر تأثيراً في قلب المتلقي.

لذلك أعود فأقول: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾، القرآن إخواني، حتى لو كنت لا تؤمن به يا أيها السامع، القرآن يقول أبو العباس: فيه من الأدلة العقلية التي إذا سمعها الإنسان استدل بها على التوحيد حتى ولو لم يعرف أن القرآن كلام الله. يعني لو أنا مسكت شخص ملحد وبدأت أقرأ عليه هذه الآيات: أن الله فالق الحب والنوى، هل بيطلع لشخص يقول لي: لا يا شيخ لا تقرا عليه هذه الآيات؛ لأنه هو لن يستطيع أن تستدل عليه بهذه الآيات حتى يؤمن بوجود القرآن وأن القرآن من الله؟ خطأ! يقول لك ابن تيمية: إن هذه الآيات هي تعطيك أدلة بغض النظر من الذي قالها، صح؟ بغض النظر من الذي قالها، يعطيك أدلة يقول لك: شوف فالق الحب والنوى كيف تلقفتخرج منها الأشجار، انظر إلى النهار ثم بعده الليل، انظر إلى الشمس والقمر، انظر إلى النجوم، انظر إلى هذا التناسق الكوني، انظر إلى حياتك يا أيها الإنسان كيف تمر في طور بعد طور، مستقر في رحم أمك ثم مستقر على كوكب الأرض ثم مستقر في الأرض. طب هذه السلسلة البشرية المتكاملة أليست تدل على وجود نظام كوني محكم لا يمكن أن يكون وليد الصدفة؟ لا يمكن أن تكون مادة عشوائية بشكل مصادف أوجدت كل هذا الإتقان والإحكام، بغض النظر من الذي قال هذا الكلام؟ أليس هذا دليل منطقي؟

ولذلك دائماً ما كان يقول ابن تيمية أحياناً في مناظراته للمتكلمين: إنكم تستغنون عن القرآن، تظنون أن القرآن لا يمكن الاستدلال باياته إلا بعد اثبات أنه من عند الله. فيقول: هذه الطريقة في التفكير غير صحيحة؛ لأن القرآن تضمن من الحجاج العقلي ما يلزم به الملاحدة وغيرهم دون الحاجة أن يعرف الملحد من الذي تكلم بهذا الكلام. هذا مهم أن تفهم أنه عليك أن تستفيد وتستثمر أدلة القرآن، وتفهم أسلوب القرآن في الحجاج؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حاجج بهذا القرآن كل البشر، فلا يمكن أن تقول والله القرآن لا يمكن أن يحتج به إلا بعد الإيمان بأنه من عند الله، وإلا سيكون الاحتجاج في غير مكانه. هذا خطأ في فهم أسلوب القرآن.

قال: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: 98]. وهنا الطاهر بن عاشور أيضاً أراد أن ينبه -طبعاً ليس الطاهر فقط، حتى قبل الرازي في مفاتيح الغيب- ناقش مسألة: لماذا في الآية الأولى قال يعلمون، وفي الآية الثانية قال يفقهون؟ يعني لماذا في: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ ختم الآية بايش؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، وفي آية: ﴿أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾؟ لماذا الأولى علم؟

الفقه أعمق. يعني حتى في الدلالات اللغوية، مش قلنا بعض اللغويين يقول إن فهم الشيء ليس كفقيه الشيء؟ إن فقهه عند بعضهم تحتاج إلى عمق أكثر، بالتالي يقولون: كون النجوم يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، هذه أمور كان يعلمها حتى الجهال والناس البسيطة من كفار قريش ومن غيرهم. شيء واضح أن النجوم يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، لكن الكلام عن النفس البشرية وأنها نشأت من آدم وكيف انقسمت، وأن الناس تأتي من أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، هذه شوية مسألة أعمق من أذهان العامة، إذا خاصة على التفسير الذي إذا قلنا: مستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء، له دخلنا في التشريح البشري الإنساني، وأنك عبارة عن نطفة كنت في صلب أبيك ثم انتقلت إلى رحم الأم، هذه بدها شوية عمق أكثر ومعرفة أكثر واطلاع أكثر، فكان الأنسب فيها أن يقول لقوم يفقهون.

إذاً، موضوع النجوم موضوع مشترك يدركه حتى الناس البسيطة، لكن موضوع النفس البشرية وكيف نشأت الأجيال وكيف أن الإنسان يكون مستقر ومستودع، هذه بدها فهم أكثر وعلم أكثر، فكان الأنسب أن يقول: إن هذه آيات لقوم يفقهون. تمام، لذلك اليوم تشعر أنه في آيات مين يفهمها؟ المتخصص في الفيزياء، صحيح. في آيات كونية اللي بيفهم دلالتها على الله المتخصص في الأحياء والتشريح؛ لأنه هو فقيه في هذا الباب. أنا ما عندي خبرة في ذلك، لكن في آيات مشتركة الجميع يفهمها؛ مثل قضية فالق الحب والنوى، يعني هذا الكل يراه في حياته اليومية لا يحتاج إلى شخص متخصص. وجود الشمس والقمر والليل والنهار، فهم هذا لا يحتاج إلى تخصصية وفقه، مجرد وجود أصل المعرفة والعلم يكفي لتفهم دلالة هذه الآيات على وجود الله سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك نعود إلى عالم الأرض والمزروعات. لاحظ الصفحة بدأت بعالم المزروعات، ثم انتقلت بنا إلى العالم العلوي؛ إلى الصباح والليل والشمس والقمر والنجوم، ثم عادت بنا إلى النفس الإنسانية، ثم عدنا أيضاً إلى عالم المزروعات مرة أخرى؛ لأن هذا من الأمور المشتركة. ولاحظ أن القرآن يركز على الأمور المشتركة في العادة بين الجميع، التي يراها الناس في مختلف بقاع الأرض، ما من بقعة من بقاع الأرض ولا بلد من البلدان إلا فيها مزروعات، فهو يعني مشترك إنساني كما يقولون. قال سبحانه وهو الذي -أيضاً استعمل أسلوب الحصر وهو لا غيره- أنزل من السماء، أعطانا دورة حياة النبات من لحظة نزول المطر إلى لحظة إخراج النباتات بأشكالها المختلفة، يقول وهو سبحانه لا غيره: أنزل من السماء ماء، هذا الماء أخرجناه به -بهذا المطر- نبات كل شيء، وشيء هنا بمعنى صنف، وكانه يقول أخرجنا من كل أصناف النبات، فاخرجنا به نبات كل شيء يعني أخرجنا به جميع أصناف النبات، نبات كل صنف من الأصناف.

ثم دخلت نوع من التفصيل الأعمق الآن، كيف ذلك؟ كيف خرج بهذا المطر نبات كل شيء؟ قال ف، هذه الفاء قالوا: فاء التفصيلية. هذه الفاء إيش؟ التفصيلية، كأنها تفصل بعد إجمال؛ لما قال فاخرجنا به نبات كل شيء، أراد أن يفصل لك فجاءت فاء التفصيل: فاخرجنا منه، هذا يعود على المطر أو يعود على النبات، يعني فاخرجنا منه أي من خلال هذا المطر خضراً. والبعض يقول فاخرجنا منه أي من هذا النبات؛ إنه النبات هنا شيء عام له أصناف وأشكال، فيكون فاخرجنا منه أي من هذا النبات، اخرجنا أول شيء ماذا؟ الخضر، والخضر قال: كل نَبَْتة خضراء من أولها إلى آخرها، وهذا مثال السنابل القمحية والشعيرية والحمصية والفولية، اللي ما بتكون جذوع ثم بعد ذلك أوراق، لا، هي من أولها إلى آخرها نباتات خضراء، اللي هي التي تكون الحشائش والمحاصيل. فاخرجنا منه، إذاً أول شيء ذكر ربنا سبحانه وتعالى النبات الأخضر، وهي الحشائش والمحاصيل التي تكون خضراء من فوقها إلى تحتها أو من أولها إلى آخرها، فاخرجنا منه خضراً، هذا النبات الأخضر بعد أن يكبر إذا بك تجد به حَباً متراكباً بعضه فوق بعض بإتقان. وهنا بذكرك هذه إيش؟ حبة القمح، خذ سنبيلة قمح صحيح، كيف بتكون حباتها متراكبة بعضها فوق بعض؟ هذا التركيب الدقيق للحبات في سنبيلة القمح، من الذي أخرجه؟ تخيل نقطة مطر تنزل من السماء على تربة، فاذا هناك الحب والنوى الذي ذكر في بداية الصفحة، هذا تفصيل لطيف بكاميرا هيك أعمق شوي. مش قلنا: فالق الحب والنوى، هذه الحبة لما تخرج فتخرج لك نبتة خضراء، ثم داخل هذه النبتة الخضراء إذا بك تجد حبات متراكبة بعضها فوق بعض بإتقان وأحكام عجيب، من الذي فعل ذلك؟ الله سبحانه. معقول طبيعة صدفة نشأت ودائماً تخرج بهذه الصورة؟ سبحان الله، هل لهذه الدرجة الطبيعة ذكية؟ هل لهذه الدرجة هذه الجمادات قادرة على أن تنتج هذا الاتقان في تركيب وترتيب حبات القمح؟

قال: ومن النخل من طلعها قنوان دانية. هذه قالوا: جملة اسمية، وهذا من التنوع داخل الآية؛ لأنه قال: فاخرجنا منه خضراً، نخرج منه حباً متراكباً، انتهينا من النبات الأخضر، انتقلت بنا جملة اسمية إلى النخل بالتحديد كون هي النبتة الأكثر شهرة في جزيرة العرب عندهم. قال: ومن النخل من طلعها، وهذا بدل بعض من الكل. ومن النخل وبالتحديد كأني أقول لك: ومن النخل وبالتحديد من طلعها، والطلع هو الوعاء الذي يكون فيه القنوان بالنسبة للنخل الأنثى. الطلع ما هو؟ هو الوعاء اللي بيكون فيه عنقود، باللغة البسيطة عنقود التمر، هو الوعاء الذي يكون في داخله عنقود التمر، طبعا عنقود التمر ما اسمه عنقود؟ شو اسمه؟ قنوان، طبعا قنوان جمع قنو، فالقنوان هي جمع ومفردها ايش؟ قنو.

فهذه من الكلمات الأربعة، كونك أنت أ استاذ في التجويد، بسم الله. أستاذ، هي أربع كلمات في القرآن، لا تُدغَم. قنوان صحيح، ودنوان، وصنوان، وبنيان، فهذه من الكلمات الأربعة. فقلنا: الله عز وجل يريد أن يريك النخل، لكن يريد أن يريك مشهدا قريبا. دائما يقول لك كأنه هكذا تشعر أن القرآن يدخلك في عمق المشهد، كأنك تدخل في عمق النخلة وتذهب إلى أعلاها، فإذا بك تجد طلعا وهو وعاء يكون هذا العنقود اللي اسمه القنو داخل هذا الوعاء، هذا الطلع في الشجره الأنثى ينفتح، فإذا بعنقود التمر يتدلى بكل ما عليه من حبات البلح وبهذا التناسق والجمال، تجد قنو وقنو وقنو، فتجد قنوان، مش واحد ولا اثنين ولا ثلاثة، تجده يتدلى بكل ما عليه من الحبات الرطب الجميلة، والرطب بعد ذلك يمر بأحوال إلى أن يصبح تمرا. قال: ومن النخل من طلعها قنوان دانية، فهذا هو المبتدا المؤخر، يعني قنوان دانية من النخل من طلعها، هذه جملة اسمية المبتدا مؤخر والخبر مقدم، ومن النخل من طلعها. إذا بك تجد ليس قنوا واحدا، قنوان، واحد واثنين وثلاثة وأربعة، كلها متدلية تراها أمام عينيك بهذا الجمال وبهذا التنسيق وبهذا الترتيب، لا تجدها شاذة، لا تجدها بشكل يدل على صدفة أنها حصلت بكامل تناسقها. قال: قنوان دانية، يمكنك أن تصعد فتقطفها بكل سهولة، من الذي فعل ذلك؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك نعود إلى ماذا؟ إلى الجمله الفعلية، وهذا تفنن الغرض منه في علم البلاغة؛ أنه أنا أكون في جملة فعلية، أنقلك لجمله اسمية، بعدين أراجعك للجملة الفعلية لفت الانتباه للأشياء المتعددة، كأنه يلفت انتباهي، كنت في جملة فعلية ثم أعطيك ومن النخل من طلعها قنوان، بعدين أرجعك للجملة الفعلية. العرب تفهم هذا الأسلوب جيداً، وأن المتكلم هو يريد ماذا؟ كأنه أن يريك أكثر من مشهد بطريقة متعددة ومتنوعة، وهذا يعطيك جمالية النص. قال: وجنات من أعناب، جنات هذه منصوبة معطوفة على خضراً. قال سبحانه: فاخرجنا منه خضراً، والتقدير: واخرجنا منه أيضاً ايش؟ جنات. طبعا هي مفعول به منصوب، وجمع المؤنث السالم ينصب بايش؟ بالفتحة ولا بالكسرة؟ ينصب بالكسرة على خلاف القاعدة، ينصب بالكسرة. فقال: وجنات من أعناب، بساتين من أعناب، هذه أيضاً خرجت. والزيتون، ولاحظ هنا عاد النصب إلى أصله والزيتونة، إذاً معطوف على جنات من أعناب، والزيتونة، أو إذا قلنا المعطوف على أصل المعطوفات وهو خضراً أيضاً يصح عند بعضهم، طبعا المعطوف على الأصل هو أول واحد اللي هو خضراً، فجنات معطوف على خضراً، والزيتون معطوف على خضراً، والرمان أيضاً معطوف على خضراً.

ثم قال: مشتبهاً وغير متشابه. وهنا عادت السورة أو الآيات أو السياق ليدللك على أن سبحانه قادر على أن يفعل الأشياء المختلفة المتعددة المتباينة، فتجد أشجار من الزيتون والرمان مشتبهاً في طعمها ومذاقها، وتجد أنواع أخرى لا، غير متشابهة؛ فهناك رمان بطعم حامض نوعاً ما، وهناك رمان بطعم حلو، هناك رمان متوسط، كذلك الزيتون، هناك زيتون يعطيك نوع معين من الزيت بشكل، وهناك زيتون يعطيك نوع آخر، كذلك الأعناب. مش الأعناب اليوم تتكلم أنت في سوق العنب عن أصناف مختلفة؟ من الذي يجعل بعض هذه الأشجار العنبية متشابهة وبعضها غير متشابهة مع أنه كله عنب؟ من الذي يجعل الزيتون بعضه يشبه بعضه بعضاً وبعضه متباين له أنواع، وكذلك الرمان، من الذي يصنع هذا التنوع والتعدد والتقابل؟ قال: مشتبهاً وغير متشابه.

والبعض يقول: مشتبهاً في الصورة وغير متشابه في الطعم، هذا تفسير آخر؛ يعني البعض يقول مشتبهاً وغير متشابه، التفسير الأول أن بعضها يشبه بعضه بعضاً، والقسم الآخر منها لا، تجد فيه اختلاف وتباين. البعض يقول: لا، مشتبهاً، المراد أن هذه الثمار مشتبهة من حيث الصورة وغير متشابهة من حيث الطعوم هي نفسها، وهذا في النهاية يؤدي إلى نفس المؤدى؛ أن هناك تنوع في عالم النباتات حتى داخل الثمرة الواحدة، حتى داخل الثمرة الواحدة والنبته الواحدة؛ أنواع من النخل، أنواع من التمر، من الزيتون، أنواع من الرمان.

ثم سبحانه يريدك أن تنظر أيضاً بكاميرا أخف شوي في المشهد، قال: انظروا إلى ثمره إذا أثمر. يريدك سبحانه أن تنظر إلى لحظة خروج الثمر؛ انظروا إلى ثمره، متى؟ إذا، إذا بمعنى وقتُ؛ يقول لك الله عز وجل: انظر إلى الثمره وقت إثمارها، انظر إليها كيف تكون حبة داخل كم أو داخل زهرة، ثم تتفتح، تتفتح هذه الزهرة أو هذا الكم، إذا به يخرج ثمره من داخله. من الذي جعل هذه الزهرة تتفتح هكذا؟ من الذي جعل هذا الكم يفتح بهذه الطريقة لتجد في داخله ثمرة بدأت تخرج وتنظُر؟ لذلك أحياناً أنت لما تشاهد بعض أفلام عالم الطبيعة تعطيك كاميرا سريعة، ورده هكذا خرجت، فتحت، ثم بعد ذلك خرجت الثمرة، بتكون بكاميرا مستعجله شوي، تقول: سبحان الله. فربنا عز وجل يريدك أن ترى هذا المشهد، الثمرة ليس عند انتهاء تشكلها، وليس قبل وجودها، يريدك سبحانه أن تركز في الثمرة وقت خروجها؛ انظروا إلى ثمره إذا أثمر، في هذه اللحظة في هذا التوقيت لحظة تفتح الوردة عنها، لحظة تفتح الكم عنها، كيف تخرج هذه الثمرة؟ هل هذه تقنعني حركات مصادفة حصلت، خاصة لما تتكرر وتتجدد بشكل متواصل على مر السنوات والعقود، هل تخيلت حصلت مصادفة؟

طيب، فيقول: وينعه. الآن ركزوا هنا، وهذا سؤال للأذكياء، قال: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه. الينع ما هو؟ هو النضوج. لماذا لم يقل: وينعه إذا أينع؟ لماذا لما قال انظروا إلى ثمره قال وقت إثماره، ثم قال: وانظروا إلى ينعه، ما قال إلى أينع؟ قال: وينعه. صحيح، ما قابل بينهم، ما قال انظروا إلى ثمره إذا أثمر وإلى ينعه إذا أينع، قال: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه. وينعه: نضوجه. ماذا يمكن أن نقول هنا؟ أن النضوج يا إخواني قد يكون شيء صعب إدراكه بالعين، صحيح؟ النضوج هو شيء داخلي داخل الثمرة، أنت لا تبصره في العاده، أنت لا تشاهده، ممكن بعض الثمار قد يلحظ عليها اختلاف الألوان، لكن في العادة أنت النضوج شيء، أنت بتقول لسه لسه بدها وقت، أنت تذوقه بالطعم وليس بالعين، أنت تذوقه بماذا؟ بالطعم. فلما قال لك: انظر إلى ينعه، ما قال لك إذا أينع؛ لأنه عادةً -وليس دائماً- النضوج شيء يدرك بالذوق، تمام، وليس بماذا؟ بالعين، وإن كانت بعض الثمرات أقول تغير درجات الألوان فيها قد تنبئ عن شيء من أنواع النضوج، والله أعلم.

ثم قال: إن في ذلكم لآيات. آيات، كل هذه آيات، كفار قريش من أول السورة وهم يقترحون معجزات، هل كل شيء يحتاج إلى معجزه حتى تستدل على وجود الله؟ كل هذه التفاصيل الكونية وفي عالم العلوي والسفلي، ألا تدل على وجود الله سبحانه وتعالى الصانع المريد المختار المتقن لما صنعه وأبدعه عز وجل؟ لكن هذه الآيات تحتاج إلى قوم ايش؟ لقوم يؤمنون، تحتاج لإنسان عنده إيمان، إنسان يصدق، إنسان باحث عن المعرفة، إنسان يريد أن يستدل حقيقة. أما إنسان معاند، إنسان مستهزئ، إنسان متترس ومتمسك بتقاليد الآباء والأجداد وهواه أعلى من عقله، هذا بالتأكيد سيرى كل هذه الأمور المشاهدة، بل بالعكس يزداد كفرا على كفر وطغياناً على طغيان. وانظروا إلى ملاحادة اليوم، تجد الشخص كلما تعمق في الفيزياء يزداد إلحاداً، بدلاً من أن تقوده هذه الآيات إلى الله -يعني أنت متخصص في الفيزياء، أنت متخصص في...

الأحياء وتشريح الإنسان والحيوان. الأصل كل من كشف لك عالم من عوالم الأحكام أن يزيدك ذلك يقيناً بوجود إله يزدادون عتوًّا. داوكنز، هذا عبارة عن ماذا؟ هذا عالم أحياء، بتعرفوا داوكنز هذا كبار الملحدين اليوم بل يعتبر إيه هو دهقان من دهاقين الإلحاد الآن. داوكنز عالم أحياء، بدل ما أن يستفيد من علمه في التوظيف، وظف حياته كلها لماذا؟ لإنكار وجود إله صانع لهذا الوجود، وقص عليهم كثير ممن تكلم في الإلحاد. وبعضهم طبعاً في آخر حياته استيقظ وعاد إلى رشده، مثل هذا الذي كان مشلولاً ايش يقول شو اسمه؟ الله أعلم.

طيب إيه قال سبحانه وتعالى بعد ذلك، بعد أن ذكر الآيات والبراهين والعلامات، قال عز وجل مستنكراً عليهم صنيعهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100]. الله سبحانه وتعالى يستنكر على الجاهلين والعرب، وهذه فكرة كانت موجودة عند غيرهم، ولكن العرب للأسف كانوا يقولون العرب استفادت أو دخلت عليها عبادات الأصنام وعبادة الجن وجعل الملائكة بنات الله، دخلت عليها هذه الأفكار من الأمم الأخرى. يعني العرب كانت أمة بسيطة فطرية، لكنها تأثروا في رحلاتهم إلى الروم والفرس، تأثروا ماذا بأديان تلك الأمم؟ فأصبح كل شخص يذهب في تجارة أو شيء بشكل عام يعود متأثراً ببعض هذه الأفكار.

فلذلك كيف دخلت عبادة الأصنام إلى قريش وإلى جزيرة العرب؟ عمرو بن لحي الخزاعي ذهب إلى الشام، فوجد فكرة الأصنام في الشام، فهو الذي أحضر أول صنم إلى جزيرة العرب وحث الناس على عبادته، وقال إن هذا لا يتعارض مع ملة إراهيم. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ألم يقل: «إني رأيت عمرو بن لحي في النار يجر قصبه أمعاءه»؟ ليه؟ لأنه حضرتُه ذهب إلى الشام فوجد أصناماً هناك فأتى بها إلى جزيرة العرب، وإلا العرب ما كانت تعرف عبادة الأصنام حتى أدخلها هذا الرجل، فتحمل وزرهم.

بعضهم ذهب إلى الفرس فنظر في عبادة النجوم والكواكب، ورأى كيف أن بعض الفرس يتأثر وبعض الصابئين -طبعاً الفرس يعبدون النار وبعض الصابئة هناك أيضاً يعتقدون في الشمس- فتأثرت بعض القبائل العربية بسبب مجاورتها للفرس باعتقادات في النار واعتقادات في الشمس والقمر والكواكب. كذلك العرب سمعت عن عالم الجن من الفرس والصابئة، وأن هذا العالم مؤثر وله قدرات وما شابه ذلك، فظهر عند بعض العرب اعتقاد في الجن وأنه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]. كان العربي إذا دخل في واد من وديان جزيرة العرب يتعوذ بسيد الوادي ويلتجئ إليه ويذبح له ويتقرب إليه من دون الله، يظن أن سيد الوادي من الجن ينفعه أو يضره، مساكين.

فالعرب إذاً يقولون إن أفكارهم ومعتقداتهم كانت خليطاً مما عند الأمم، وإلا لو تركوا هذا الاقتباس من الأمم الأخرى لعلهم أقول بقوا على شيء من ملة إبراهيم الصحيحة، ولكن للأسف تأثروا بما حولهم. فمن هذه الأمور التي تأثروا بها كما قلنا الشرك بالجن وليس فقط بالأصنام، فلذلك أنكر الله عليهم هذا النوع من الشرك. هنا قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ مع أنه سبحان خالق الجن كيف تجعل لله الجن شريكاً وهو خالق الجن؟ هل يمكن أن يكون شريك الله مخلوقاً لله؟ المخلوقية تتنافى مع المشاركة.

وهنا الآية نحتاج أن نحلل إعرابها، قال: وجعلوا لله، جعل هنا بمعنى اعتقد، وكأنْ كانت جعل بمعنى اعتقد فإنها تنصب مفعولين، لكن الغريب في هذه الآية بالنسبة للطالب أن المفعول به الثاني جاء متقدماً على المفعول به الأول؛ لأن المفعول به الأول على قول جمهور المعربين هو الجن، والمفعول به الثاني هو شركاء، فأصل الجملة في التركيب اللغوي: وجعلوا لله الجن شركاء، وجعلوا لله الجن شركاء. لكن لماذا اختلف ترتيب الآية؟ لماذا وضع المفعول به الأول ليكون بعد المفعول به الثاني وقدم المفعول به الثاني فأصبحت الآية: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾؟ لماذا قدم المفعول به الثاني على المفعول به الأول؟ عشان يعني التركيز على الشرك مش على الجن.

أحسنت، إنه صحيحهم جعلوا لله الجن شركاء، لكن لو بقيت الآية على ترتيبها لتوهم القارئ أن المشكلة أنهم جعلوا لله الجن شركاء، اه يعني لو جعلوا غير الجن بتزبط معهم الأمور؟ لا، إذاً نحن مش مشكلتنا أنهم جعلوا الجن شركاء، نحن مشكلتنا الأعوص هي فكرة وجود شركاء أصلاً، لكن الآية بعد ذلك أرادت أن تتكلم عن الجن ثم عن جعلهم الملائكة بنات الله إلى آخره، لكن ابتداءً لاحظوا القرآن كيف يعطيك المعاني من خلال ترتيب الألفاظ ويعطيك ماذا يريد من خلال تقديم شيء على شيء، وهذا يدل لك على ضرورة فهم العربية لفهم مقاصد الكلام.

لو قالت الآية: وجعلوا لله الجن شركاء، لكانت المشكلة ايش الظاهرة؟ أنه لماذا جعلتم الجن شركاء؟ آه، إذاً تريدوننا أن نجعل جنس آخر غير الجن؟ خلاص، طب ناخذ الملائكة شركاء؟ ناخذ.. لا، المشكلة الأعوص أنكم لماذا تجعلون أصلاً شركاء؟ كيف الآيات السابقة: أن الله فالق الحب والنوى، فالق الإصباح وهو الذي جعل كل هذه الآيات، بعد ذلك تفكر في اتخاذ شريك، ما زلت مصراً على كِبْرِك وعنادك يا أيها الإنسان؟

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ مع أنه سبحانه هو الذي خلق الجن فقال ايش؟ ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100]، وكأنها جملة حالية، وكأن يقول: حال كونه خالقاً لهم كيف تجعل لله الجن؟ كيف تجعل لله شركاء ومن الجن بالتحديد؟ الآن نريد أن نتكلم ما أنه خالق، وهذا يدل إخواني على فكرة، وهي أن الشيء المخلوق لا يمكن أن يشارك الخالق، هذا دليل من الأدلة القرآنيّة أن الله سبحانه يريد أن يبين لك أن الشيء المخلوق الذي خلقه الله كيف يمكن أن تجعله مشاركاً للإله الخالق في اختلاف الرتبه؟

واضح؛ لأنه هذا المخلوق كان عدماً، طيب لما كان عدماً من الذي كان يتصرف في الكون؟ إذا أنتم إذا أنتم تعتقدون أنهم شركاء، من الذي كان يتصرف في الكون عندما كان الشيء عدماً؟ الله سبحانه متفرد، وما كان في أي خلل في هذا الكون. إذاً وجود هذا الشيء بعد أن كان معدوماً لم يؤثر على نظام الكون ولا على حاله، إذاً هو ليس شريكاً. فالخالقِيّة دليل افتقار، وما كان مفتقراً معيب في العقل والمنطق أن يجعل شريكاً للإله الخالق، أي شيء مخلوق إذاً هو مفتقر، والمفتقر لا يمكن أن يكون رباً ولا إلهاً، فكانه سبحانه يستنكر على عقولهم كيف مع أنكم لأنهم كانوا يقرون ترى أن الجن مخلوقين فيقول: ما دمتم تقرون أن الجن مخلوقين كيف رضيت عقولكم أن تقبلهم في نفس الوقت آلهة مربوبين؟ هذا يدل على إشكال في التفكير العقلي.

وخرقوا له الموضوع، إذاً لا يقتصر فقط على الجن، لذلك قلنا المشكلة الأعوص مش في الجن هي هي في الشرك، فقال: ﴿وَخَرَقُوا﴾ أي كذبوا، واختار لك خرق كذباً، فمعنى وخرقوا أي اختلقوا كذباً وزورا وبهتاناً، اختلقوا وكذبوا فجعلوا لله بنين وبنات. فالعرب وقريش ونحوهم ماذا كانوا يقولون عن الملائكة؟ أنهم بنات الله، وماذا كانوا يقولون عن الجن؟ يقولون بعض العرب كان في معتقدهم أن الجن أبناء الله. وهنا ابن عاشور يقول: ولا يظهر لي أن الآية تشير إلى ما فعلوه النصارى واليهود، وإن كان النصارى يقولون أن عيسى ابن الله وأن عيُزير ابن الله، لكن هذه الصورة مكية تناقش العرب ابتداءً هنا، وبالتالي الكلام سيكون ابتداءً عنهم. فالذين جعلوا بنين وبنات هم العرب. نعم، النصارى جعلوا لله ابناً كفراً وزوراً وبهتاناً، وكذلك اليهود، لكن الآية هنا والسياق مع الجاهليين العرب، كيف خرقوا كذباً وزوراً واتباعاً لغيرهم؟ وكان العرب اتباعاً للنصارى أتوا بفكرة البنين والبنات، واتباعاً لليهود متأثراً بهذه العقائد اخترعوا هذه الأفكار، وإلا فهذه ليست من ملة إبراهيم في شيء، لذلك قال: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] أي بجهلهم وغبائهم وحمقهم واتباعهم للأمم الأخرى المحيطة بهم بدلاً من أن يحافظوا على ملة إبراهيم التي وصلتهم أبوا إلا أن يشوهوها بما تلقوه من الأمم التي تحيط بهم. تفضل.

قضية باب التشديد أيضاً التكثير مثلاً في أي كلمة خرق؟ نعم، هذه ذكرها ابن عاشور أيضاً أن هناك قراءة تدل على التكثير لكثرة اختلاقهم لله سبحانه وتعالى بنين وبنات. ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه عن هذا التشوه العقدي الذي تعاني منه الجاهلية العرب وغيرهم من الأمم سبحانه، تنزيه لله عن كل نقص، وتعالى وترفع وتجلي، فهو سبحانه وتعالى علي بذاته وقدره عن كل هذه الأفكار الدنيئة التي أتت بها الجاهلية: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100] عما يصفون له من الأولاد والشركاء.

ثم قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 101]، والبديع هو المبدع، والذي أبدع الشيء هو الذي أوجده دون مثال سابق، فكل ما في السماوات والأرض من الذي أبدعه وخلقه؟ الله. ومما في هذا الوجود الذي في السماوات والأرض الملائكة والجن، فكانه لما قال: بديع السماوات والأرض، هو تأكيد آخر أنه هو المبدع لهذا الوجود من أوله إلى آخره، والملائكة والجن هي جزء من هذا الوجود، وأنتم تعرفون ذلك يا كفار قريش، فكيف جعلتم هذا الوجود الذي ابتدأه الله بدون مثال سابق.. ها هو يريد أن يقول: البديع هو المبدع، والمبدع هو ايش؟ هو الذي صنع الشيء بدون وجود نظير سابق له. إذاً الملائكة والجن التي هي جزء من السماوات والأرض هل كان لها نظير سابق ووجود سابق؟ لا، وإنما هي جزء من هذا الإبداع، جزء من هذا الشيء الذي لم يكن له نظير سابق.

فإذاً هذه الملائكة كانت عدماً وهذا الجن كان ايش عدماً، وإنما تم إبداعه مع إبداع السماوات والأرض، فكيف يتصور أن الشيء الذي كان عدماً وتم إبداعه مع إبداع السماوات والأرض، كيف يتصور أن يصبح في يوم من الأيام شريكاً للإله أو يصبح مولوداً؟ وإذا كانوا بنين وبنات ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: 101]، تعالى الله عما يقولون. إذا كان هناك ابن لله، تعالى الله ع.. ولد، هذا يجب أن يكون إلهاً، ما هو ولد الإله بده يكون ايش؟ إلهاً، إذاً يجب أن يكون قديماً، ولا يصح أن يكون ايش؟ مبدَعاً بعد أن لا يوجد مثال سابق له. يعني أنا أحاول أن أفهمك ايش سياق هذه الجمله هنا، يعني ماذا يقول هنا بديع السماوات والأرض؟ ايش علاقة هذا بالأجواء التي نحن فيها أننا نتكلم عن تنزيه الله عن وجود الشركاء وعن وجود البنين والبنات؟ فهو يريد أن يقول لك: لو كان لله ولد، مش على أحد التفاسير فأن أول العابدين في سورة الزخرف: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] وإن كان للرحمن ولد فالأول العابد على أحد التفسير كثير هذا تنزلاً لو صح، بده يكون ابن الإله إلهاً هيك المنطق، مش ابن الملك يطلع ملك يا دكتور تمام، بده يكون ابن الإله يطلع إلهاً، يعني هذا هو المنطق السوي في هذه الأمور.

طيب ابن الإله إذا بده يكون إلهاً، إذاً لا يجب أن يكون حادثاً؛ لأنه الإله ما هو هيك فكرة، ابن الإله بده يكون إلهاً، وإذا كان إلهاً بده يكون من جنس الإله، وجنس الإله لا يجوز عليه العدمية، فإذاً لا يمكن أن يكون ابن الله كان عدماً في وقت من الأوقات وإلا اصبح في هناك تناقض عقلي منطقي. ابن الإله هو من جنس الإله، من ذات الإله، مش ذات الإله نحن لا نعرفها ولا تبلغها العقول والأوهام، لكن هذا كله نقاش مع الفكر النصراني أو اليهودي: إذا كنتم تزعمون أن لله ولد، تعالى الله عما تقولون، إذاً هذا الولد ذاته ذاته التي تشكل منها ذاته بدها تكون ذات إلهية نفس صفات ذات الإله، لأنه أنت كبشر لما ياتيك ولد بيكون من ذاتك من نفس طباعك البشرية، الجن لما يخلفوا بيكون أولادهم من نفس طباعهم الجنية، إذاً الإله تعالى الله عما تقولون يقول: إن كان للرحمن ولد رح تكون نفس طباعه طباع إلهية، طيب طباع إلهية إذاً بده يكون إلهاً من هذا الجنس، من جنس الآلهة، إذاً سيكون قديماً ولا يمكن أن يكون مبدعاً أي نتج وحدث بعد أن لم يكن. فمجرد أنه ثبت أن الله بديع السماوات والأرض أوجدها بعد أن كانت عدماً وأنتم تقرون أن الملائكة والجن هي جزء من هذا الإبداع اللي في السماوات والأرض فهي نتجت بعد أن لم تكن، هذا متناقض تماماً مع قبول فكرة أنهم بنات وأبناء لله سبحانه وتعالى لأنهم جزء من هذا العالم المشاهد وليسوا فيهم ذوات إلهية حتى يكونوا قديمين ومن نفس الطباع الإلهية، فلذلك قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَلْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: 101].

ثم أراد أن يستدل لهم بصورة أخرى فقال: أنى يكون له ولد، أنى يعني من أين؟ كيف يكون له ولد ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 101] أي زوجة؟ طبعا هنا أعجبني الطاهر ابن عاشور في دقته في هذا التوصيف لما قال: ماذا يقول؟ وقد جعل انتفاء الزوجة مسلماً؛ لأنهم لم يدعوا أن لله زوجة كفار قريش والجاهليون، طيب؛ لأنهم لم يدعوا فلازمهم انتفاء الولد، آه بس ركز أنا لسه ما أجيت للفكرة لانتفاء شرط التولد وهذا مبني على المحاجة العرفية بناءً على ما هو المعلوم في حقيقة الولادة. ايش يعني المحاجة العرفية؟ أن مفهوم الولد في الفصل في العرف آه إلا من تولد، وهذا التولد لا يكون إلا من زوجة، ليس المقصود بها الاتخاذ، إنما التولد.

أنا أريد أن أقول شيئاً، وكأنه يريد أن يقول: هو سبحانه وتعالى ناقشهم بناءً على ما هو معتاد في العرف، في العرف أن الولد لا يكون إلا من زوجة، لأنه لو أر.. هو عاملهم على ما يتعارفونه في العرف، وإلا ممكن شخص يقول لك ايش؟ هل أن ينتشى منك ويتولد شيء منك هذا يتوقف على وجود زوجة؟ فيمكن يعترض البعض بايش؟ بحواء، حواء من أين نتجت؟

من ضلع آدم، وآدم لم يكن له زوجة. بغض النظر، تولدت بمعنى التولد، شيء نتجت منه. يعني هو البعض ممكن يقول: كيف يكون هذا؟ دليل. مع أنهم يمكن أن يقول النصارى أن الله عز وجل، تعالى الله، أو يهود مثلاً ممكن يقول: أن الله سبحانه وتعالى أتى بولد دون الحاجة إلى أنثى، وما المانع من ذلك؟

الجواب الصحيح: الفرق بين الولادة وبين الاتخاذ؛ ذكر أن الآية نفت الوجه، يعني الاتخاذ؛ أن يتخذ ولداً. وإن قال: الولادة هي الولادة المعروفة، الولادة الإيش؟ لو، لكن لو قالوا فكرة التولد، يعني هو ماذا يقول لك الطاهر بن عاشور؟ الآية خاطبت الناس على المحاجة العرفية، يعني إيش؟ على ما هو متعارف؛ أن الولادة تحتاج إلى وجود رحم، والرحم يكون في الأنثى، فاذا ادعيتم ولداً ينبغي أن يكون هناك زوجة وصاحبة لله، وأنتم لا تقومون بوجود زوجة وصاحبة لله، تعالى الله عما تقولون.

لكن لو أن فالآية بنت فكرة الدليل على ماذا؟ على العرف، وهو أنه في العرف أن الولد يحتاج إلى زوجة، ولم تبني، كأنه يقول: كأنه لم تبني على جانب آخر، جانب إيش؟ أنه لو جاء شخص فأراد أن يتكلم أنه: طب لماذا ما نقول لك تولد بدون أنثى على طريقة حواء مع آدم؟ فيقول هنا سيذهب إلى سياق آخر؛ ستكون بديع السماوات والأرض هي الدليل الأول لها.

فكأنه بديع السماوات والأرض دليل على أنه لا يمكن أن يكون لله ولد، ثم من الناحية كأنه، ثم من الناحية العرفية والمعتادة عندكم يا أيها الناس أن الولد إنما يكون من زوجة، ولا تثبتون لله زوجة، فمن أين أتى الولد؟ فكأن هذه محاجة إيش يقول؟ عرفية. سيقول الطاهر بن عاشور: يعني على ما هو متعارف متداول، وإلا فلو عدتم قلتم: لا، ترى هذا ولد نشأ من التولد دون الحاجة إلى أنثى، كما أن حواء نتجت من ضلع آدم، فهذا متصور، فسيكون الدليل الأول بديع السماوات والأرض أيضاً مفحماً لكم أنها كانت عدماً، ولو كانت تولدت من الله، تعالى الله عما تقولون، تولداً ذاتياً، لكانت، كما قلنا، ذاتاً إلهية، فلما كانت عدماً في يوم من الأيام، لأنها من جنس الإلهية، فكان الدليل الأول بديع السماوات والأرض دليل يقوم على المحاجة العقلية، والدليل الثاني دليل عقلي يقوم على المحاجة العرفية، على ما هو متعارف ومتبادر، وليس على ما هو، كأنه يقول لك: على ما هو إلزام من حيث التولد، لأنه التولد ممكن يكون ينشأ من شيء واحد، ممكن هيك هم، يعني يقول لك: أنا أعتقد أنه تولد منه دون الحاجة إلى أنثى، فيقول لك: لا، إذاً خلّيه.

فبديع السماوات والأرض تنفي لك ذلك، ولكن في العرف، المحاجة العرفية، أن التولد يكون بوجود أنثى، فإذاً هل أنتم تقولون بوجود زوجة لله؟ ما في زوجة لله! إذاً كل هذا الذي تفكرون به، يعني أنتم في عالم التولد الذي ترونه أيها البشر، ما رايتم تولداً في حياتكم العرفية إلا من ذكر وأنثى، فلا تأتي تستدل بماذا بقضية لا، ما هو حواء طلعت من ضلع آدم بدون أن يكون هناك أنثى؟ فباجي سعيد يقول لك: بديع السماوات والأرض، ولو كان هذا ولد تولد من الله دون الحاجة إلى أنثى لكان من جنس صفات الله، فلكان قديماً معه، وهو سبحانه بدأ خلق السماوات والأرض من العدم، كانت عدماً.

الثانية وجعله على التولد مثلاً؛ يعني إيش قصدك؟ يعني هذه أن يكون ولم تكن له صاحبة هي رد على من يعتقد أن الله سبحانه أتى بولد من خلال تزاوج، من يفكر بهذه الطريقة، بتقول له: يا ابن آدم، أنت كيف تقول له ولد من خلال التزاوج؟ أنت لا تثبت له صاحبة، أنت عقلك معك، يعني ممكن هذا صنف ممن يؤمن بهذه الفكره، إن كان وجد من يعتقد أنه ولد، بس هو يعتقد أنه في، يعني بس هي المشكله ستبقى قضية أنه هل كانوا يعتقدون لله زوجة؟

فهو يقول الطاهر بن عاشور: وقد جعل انتفاء الزوجه مسلماً لأنهم لم يدعوه. فنحن في سياق قوم لم يدعوه، فكأنه اعتمد على ما هو متعارف؛ يعني أحياناً أنت قد تناقش شخصاً بما هو إيش؟ متعارف لديه في حياته العملية التي يشاهدها، أن الولد بده يكون من أمه، تمام؟ فقضية قياس، فإذا خطر في ذهنه: لا، ما هو تولد على طريقة حواء مع آدم؟ بقول له: طب وإذا كان كذلك يجب أن يكون إذا تولد من إله محض على طريقة التولد، الشيء يولده، معناه هذا بده يكون قديم، فكيف قديماً مع أنه كان عدماً؟ وأنتم تقرون، هم يقرون أنهم كانوا مخلوقين وأنهم كانوا عدماً. فكأنها رد من جميع الاتجاهات، إذا أنت تؤمن بما هو متعارف لديك فهذا يكفيك، وإذا كنت تريد ما هو أفعى، فعندك بديع السماوات والأرض أعلى.

لذلك عاد فكرر الدليل الأول، فقال مرة أخرى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 101]، يعني هذا بحد ذاته هو أقوى وأظهر شيء تجدونه بين أيديكم، أنه سبحانه وخلق كل شيء، وأنتم تقرون بذلك، ذلك أنه خلق كل شيء، ومنها الجن والملائكة وكل ما تدعونه، وهو بكل شيء عليم.

لكن أنت لفتّ انتباهي يا شيخ عمر، لا أظن ذكره بعض المفسرين، أن بعض طوائف العرب كانت تقول إن الجن، والعياذ بالله، والعياذ بالله، أن الله عز وجل، والعياذ بالله، يعني كلام يستقبح ذكره، كان له نسب مع سراة الجن. وهنا فسر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158]؛ ذكروا أن بعض العرب كانت تعتقد أنه سبحانه، والعياذ بالله، تزاوج مع نساء سراة الجن، النساء الفخمات في الجن، فانتجوا الملائكة، تمام.

لكن هذا لا يتناسب مع هؤلاء، لأنه أصلاً أخذ قضية عدم الصاحبة على أنه مسلم: ولم تكن له صاحبة؛ هؤلاء لا يقولون له، والعياذ بالله، صاحبة، فاخترعوا فكرة الجن، إيه فكرة أن الملائكة ولدوا من الجن. لكن هنا أنت تتكلم مع شخص هو يقر بوجود الصاحبة، أخذتها مسلَّماً أنه أنت لا تقر بوجود صاحبة، فكيف أنتج ولداً؟ أنت تتكلم مع هذا النوع، وهو بكل شيء عليم سبحانه وتعالى، فهو عليم بما تقولون، عليم بما تصفونه به، عليم بخلقه وبأفكارهم ومعتقداتهم واختياراتهم وتوجهاتهم، لذلك قال سبحانه بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: 102].

لاحظ التركيز على ذلكم الله، لاحظ التركيز على إيش؟ ذلكم الله في أكثر من مقام، لاحظ في الصفحة الأولى: ذلكم الله فأنى تؤفكون. ثم هنا في بداية الصفحة الثانية: ذلكم الله ربكم، الرب ربكم، يعني خالقكم مدبر أمركم المشرف على شؤونكم، هذا هو الله، وهذا تعريف لله سبحانه بأعلى وأجمل الأدلة التفصيلية في الحياة، كما ذكرنا من بداية الدرس.

ثم قرر التوحيد: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 102]، سبحانه، لا معبود يستحق العبادة بحق إلا الله عز وجل، خالق كل شيء، وما دام خالق كل شيء فوجب أن يعبد: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: 102]. والعبادة هنا ليس مجرد العبادة بل هي التوحيد، إنه يعني ليس مضطراً اعبدوه واعبدوا غيره، لا، فاعبدوه، كما قال ابن عباس: وحدوه بالعباده وبالقصد وبالعمل.

معقول الذي فلق الحب والنوى وفالق الإصباح، وهو الذي لا غيره جعل لكم النجوم، وهو الذي لا غيره أنشأكم من نفس واحدة، وهو الذي لا غيره أنزل من السماء، كلها حصر حصر حصر؛ من يفعل هذا حصرياً هو الذي وحده يعبد.

فكل شيء مفتقر إليه، كل شيء مفتقر إليه، ودليل الافتقار الخلق. ولماذا يذكر الخلق إخواني؟ الخلق هو دليل الافتقار. شيء كان عدماً فأصبح موجوداً، إذاً هو مفتقر، هذا دليل الافتقار. أعظم شكل من الاشكال طبعا، الافتقار عليه علامات كثيرة، لكن أعظم وأبرز شيء يدل على الافتقار: الخلق، أنك أنت عدم فأصبحت موجوداً، فكل شيء ما سواه مفتقر إليه، فهو المعبود وحده لا سواه.

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: 102]، وهو على كل شيء من أعماركم وأرزاقكم وطعامكم وشرابكم هو وكيل، يعني إيش هو متوكل بكل أمور حياتكم، متوكل بأنفاسكم. عرفتم دلالة كلمة وكيل؟ يعني هو ليس فقط خالق كل شيء، بل هو متوكل بكل شيء متعلق بكم، رزقاً، طعاماً، شراباً، إيش نريد، إيه كما قلنا نفساً، حياة، تحرُّكاً، هو متوكل بكل أمور حياتك من أولها إلى آخرها، ثم تعبد سواه؟!

أعظم قضية في الوجود هي التوحيد إخواني، قبل القضايا القومية والوطنية والأرضية والبشرية والعلاقات، أعظم قضية في حياتك يجب أن تحققها: ما هي؟ أن توحد الله سبحانه وتعالى؛ لأن حياتك من أول نقطة وخطوة خطوتها في هذه الدنيا إلى آخر خطوة ستخطوها هي مع الله الوكيل المتوكل لأمرك، فلا يقبل بشكل من الاشكال، ولا بصورة من الصور أن تشرك معه سواه، هذه قضية خطيرة.

ثم قال بعد ذلك: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]. الآن نحن قلنا فكرة في الدرس الماضي أو في درس سيدنا إbrahim، وهو أن مشكلة الناس لماذا كانت تطلب شركاء مع الله من جنس الأصنام أو الكواكب؟ تريد أشياء محسوسة، صحيح؟ هنا قال سبحانه، يريد أن يخبرهم أنه ليس كجنس آلهتكم، هو سبحانه، هو سبحانه ليس من جنس آلهتكم التي تشاهدونها في الدنيا، وإلا فهو، يعني هذه المسألة تدرس في علم العقائد، هو سبحانه وتعالى يدرك بالحس.

طبعاً ما بدي استعمل كلمة يدرك، الإدراك هنا بمعنى المشاهدة ليس بمعنى الإحاطة، يدرك بالحس بدليل أن المؤمنين يرونه يوم القيامة، فهو إذاً سبحانه وتعالى يمكن أن يحس، لكنه في الدنيا احتجب عن عباده، احتجب عن عباده. إذاً، قلنا أصل الإدراك بالحس، لكن الإدراك كلمة، قال سبحانه حتى نقرا ألا نعلق عليها، يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103].

الإدراك يحمل على أمرين: الإدراك أن تصل إلى الشيء بغض النظر أنك أحطت به أو لم تحط به، وهذا منفي عن الله في الدنيا، ثابت له يوم القيامة؛ أنه لا تدركه بمعنى لا تصل إليه الأبصار في الدنيا، ولكن هل هذا يعني أنها لن تصل إليه في الآخرة؟ لن ترى؟ لا، سترى وجهه. فنفي عدم نفي إدراك البصر في الدنيا إذا قلنا الإدراك هو المشاهدة فقط وليس الإحاطة؛ لأنه كلمة أدرك تحمل على معنى مشاهدة الشيء هنا، وتحمل على معنى الإحاطة بالشيء.

فإذا قلنا الإدراك بمعنى الإحاطة التامة فهذا لن يكون لا في الدنيا ولا في الآخرة، صح؟ لأن هذه الآية البعض يستدل بها على ماذا؟ على أن الله لا يرى في الآخرة. المعتزلة يستدلون بهذه الآية على أن الله لا يرى في الآخرة، قالوا: الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، كيف أنتم يا أهل السنة تثبتون رؤية الله؟ فماذا نقول؟

الإدراك هنا على أحد معنيين: إما الإدراك بمعنى الرؤية، وإما الإدراك بمعنى الإحاطة. إذا قلنا الإدراك بمعنى الرؤية والوصول إلى رؤية الشيء، فهذه تكون الآية نفت الإدراك في الدنيا، لا تدركه الأبصار في الدنيا، يعني أنتم في الدنيا لا ترونه وهو يراكم، ولكن في الآخرة هل نحن لن نراه أيضاً؟ نقول: جاء في السنة ما يقتضي أننا نراه، ونحن نؤمن بالكتاب والسنة، فتكون السنة أعطتنا معلومة الكتاب لم يشر إليها في هذه المقام، وإن كان أشار إليها في: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23].

أما إذا قلنا الإدراك هنا بمعنى الإحاطة التامة فنحن لم نقل أننا في الدار الآخرة وفي الجنة سنحيط بالله إحاطة تامة نراه بذاته كاملة، نحن لا نستطيع أن نفعل ذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة، فتقول: لا تدركه بمعنى لا تحيط به إحاطة تامة الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقصارى ما يمكن أن تصل إليه الأبصار هو فقط في الدار الآخرة أن ترى وجهه بإذنه سبحانه فقط، وأما الإدراك والإحاطة التامة فلا تكون.

فهذا الإله ليس من جنس آلهتكم المحسوسة التي إذا دخلتم غرفة أو مكاناً رايتموها بحدها متحيزة، متحيزة في داخل مخلوق آخر توجد في داخله، يعني الصنم أين متحيز؟ في داخل غرفة مخلوقة، فهو متحيز في داخل متحيز، والشمس والقمر والنجوم لمن يعبدها متحيزة، أنت شايفها كاملة في داخل شيء أكبر منها يحوز وهو السماوات، هل هذا يصلح أن يكون إلهاً، أن يكون متحيزاً في داخل مخلوق متحيز؟ وأما الله الحق، ذلكم الله، فهو لا تدركه الأبصار، فغيابه عنكم ليس دليلاً على انتفاء إلهيته، بل هو الدليل على إلهيته.

غيابه عنكم، أنكم لا ترونه، ليس دليلاً على انتفاء إلهيته، بل هو الدليل على إلهيته؛ لأنكم لو كنتم تحيطون به كما ترون أصنامكم لكان متحيزاً بالنسبة لديكم بشكل ومكان محدود، فهذا دليل على قصوره وليس على كماله، فلا بد أن يكون غائباً عنكم ولا تستطيعون الإحاطة به حتى يكون فعلاً إلهاً.

هم أرادوا أن يجعلوا الغيب شيئاً يحتاج أن، وجود إله متجسد حتى نستطيع أن نشارك مع الإله الغائب، بالعكس، غيبته عنكم وأنكم لا تدركونه، بمعنى لا تحيطون به، هو دليل على أنه الإله الحق، وإلا أي إحاطة بهذا الإله؟ معناه إله متحيز. متحيز؟ أنا أخاف من الكلمة هذه أني بستعملها الأشاعرة، لكن أنا هنا أقصد بالتحيز أنه داخل شيء مخلوق.

لكن الأشاعرة لما يحاجوننا يقولون: طب أنتم يا أهل السنة لما قلتم إن الله فوق السماوات، ألم تجعلوه متحيزاً؟ لا، لأنني ما جعلت الله في داخل شيء مخلوق يضمه، أنا أقول إن الله فوق السماوات، انتهى، فوق السماوات هذا عالم لا أرفع، أنا ولا أنتم تعرفون، ولا أحد يعرفه، هذا الشيء لا نهاية بالنسبة لنا، لكنه عالم منفصل عن، يعني شيء بائن عن الخلق ها، شيء بائن عن الخلق، فلله ذات بائنة عن خلقه حتى بعض أهل السنة من.

عبر بقضية الحد لله سبحانه؛ وقصد بالحد ماذا؟ لم يقصد كما يرمي الأشاعرة أننا أن الله متحيز بخطوط، بحوله، تهويل الأمور لا، المراد بالحد أن هناك فرق بين الخالق والمخلوق. هذا معنى كلمة الحد، لا راحت ولا اجت. ما معنى أن لله حد؟ واثبات الحد، وصنفت بعض المصنفات ليس كما يهول أهل البدع عليكم، إثبات الحد معناه أن هناك ذات مستقلة عن المخلوق، فهناك خالق ذات خالقة مفصولة عن الذات المخلوقة. هذا الانفصال نسميه حد، بس سميه انفصالا، سميه بيانا، سميه حدا، ما عنديش مشكلة، تمام العبارة؟ مش لأنه العبارة تهول وتضخم كأن الإنسان يقول لك: يا أبوي هذول حصروا الله! يا أخي أنت كبر عقلك من دماغك، أنت فاهم ماذا نقول؟ أن الله منفصل عن مخلوقه، وإلا لو قلنا عدم الحد مشكل؛ أنتم بدكم أيها المبتدعة معناه أنتم تقولون بالاتحاد على عقيدة ابن عربي! إذا قلتم ما بصير نقول حد لأنه ايش معنى الحد عندنا؟ أن ذات الله منفصلة عن ذات المخلوقين، هذا الحد.

إذا أنتم ما بدكم تقروا بهذا إذا أنتم على طريقة ابن عربي، من ترون أن الله مع العالم كل شيء واحد متحد، أو أن الله حل في العالم، أو العالم حل في الله، وهذه من أكثر العقائد عقيدة الاتحاد أو الحلول، فلا بد أن نقول إن ذاته منفصلة عن العالم وهذا هو الحد بس، دون أن نقول إن هناك بمعنى شيء نستطيع أن نحيزه وأن نعرف بدايته ونهايته، لا لا لا، يعبر أهل السلف بهذه الطريقة أبدا في موضوع الحد.

طيب، إذا غيبة الإاله كونه غيب لا يرى، ولا تدركه، تحيط، يحاط به -عفوا- هذا دليل على الإلهية وليس دليلا على نفيها، وفي المقابل هو يدرك الأبصار، يعني هو يدرككم ويحيط بكم كاملا وأنتم لا تحيطون بشيء منه سبحانه. ثم قال: وهو اللطيف الخبير، كأنه يقول: مع أنكم لا تدركونني بمعنى لا تحيطون بي، فأنا غائب عن إحاطتكم بي، لكن لا تظنوا أن هذا يبعد لطفي عنكم وخبرتي ببواطنكم.

شوف التذييل الجميل، يعني هو أن الإنسان يتوهم: هذا غائب، بعيد عني، لا نستطيع أن نحيط به، فحتى لا تتوهم أن عدم الإحاطة إذا هو في جهة أخرى لا يعرف أحوالي وأخباري وأموري، قال: وهو اللطيف؛ فلطفه وخيره وإحسانه يصل، وخبير بشؤونكم حتى همسات قلوبكم خبير بها، فعدم إحاطتكم لا يعني أنكم بعيدون عن عنايته ولطفه وخبرته.

بعد كل ذلك قد جاءكم بصائر من ربكم، يعني بعد كل هذه الآيات في سورة الأنعام وكل هذه المشاهد ولم تنتهي بعد يقول: قد جاءكم بصائر، ويقصد بالبصائر هي الآيات، وجعل الآيات بصائر لأنها سبيل إلى التبصر، يعني جعل، أطلق النتيجة على السبب صحيح، أطلق النتيجة على السبب يعني الآيات سبب لحصول التبصر، فجعل نفس الآيات بصائر، صح؟ فهذا من إطلاق اسم النتيجة على السبب الموصل إليها: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أمور إذا واحد فهمها ونظر في الحياة والوجود والكون سيبصر، سيعرف الحقيقة والتوحيد، فمن أبصر فلنفسه، اللي حابب يبصر ويشغل دماغه ويستدل بالمخلوق على الخالق فهذا لصالحه، أنت من سيكسبها، ومن عمي ومن أصر على العناد وأن يتعامى عن هذه الدلائل العظيمة ويصر أنه يريد معجزة كحال كفار قريش، لا مصرين، لماذا لا تنزل علينا آية؟ وقالوا: لولا نزل عليه آية من ربه، مصرين من أول سورة على نزول الآيات، فمن عمي عن كل هذه الدلائل فعليها هو الخسران: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بَحَفِيظٍ﴾.

وما أنا عليكم بحفيظ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: إيش؟ أنا لست حفيظا، الحفيظ هو الحارس المسؤول عن حفظ الناس، وبده يسلمهم في النهاية إلى الإله، فيقول: وأنا لست مسؤولا عن حراستكم ولا عن تسليمكم للإله، أنا رسول أبلغكم رسائل ربي، فمن أبصر فلنفسه في النهاية، ومن عمي فعليها، فنحن رسل دعاة إلى الله نعلم الناس الخير، لكننا لسنا مسؤولين عن الناس، أنا مش مسؤول عنك، أنت حبيت تهتدي أنعم وأكرم، مصر على كفرك أنت من ستدفع الثمن.

ثم قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾. هذا أسلوب تكرر معنا، أسلوب وكذلك، قلنا: ما معنى وكذلك قلنا؟ هذا مثل من الأمثال المعتادة عند العرب للدلالة على ماذا؟ على الاتقان في الشيء وعلى التمام فيه، أي ومثل، وكذلك يعني اسم الإشارة هنا يشير إلى ما بعده، يعني مثل هذا التصريف العجيب الكامل التام يتم تصريف الآيات، وتصريف الشيء هو تقليبه من صورة إلى صورة، فسبحانه يقول لما ذكر فالق الحب والنوى والنجوم وفالق الإصباح ومنفس ومن النبات، ويقول: هذا أنا صرفت، نوعت، شكلت لكم في الآيات والدلائل حتى ايش تؤمنوا ولتقوم الحجة عليكم.

لاحظ، وكذلك أي مثل هذا التصريف العجيب الكبير، مثل هذا التصريف نصرف الآيات وليقولوا درست، اه هي الواو قلنا تدل على أن هناك معطوف محذوف، وكذلك نور إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين، قلنا: وليكون هذا التعليل معطوف على تعليل محذوف ينبغي أن يدرك في السياق، فهنا نفس الشيء، وكذلك نصرف الآيات وننوعها ونشكلها، ما هو الأول شيء؟ هناك شيء محذوف عاده، لماذا تصرف الآيات ولماذا تقام الدلائل؟ لتقوم الحجة على البشر صح؟ فالتقدير إذا: وكذلك نصرف الآيات لتقوم الحجة عليكم، هذا مقدر في السياق، هذا محذوف مقدر في السياق.

في المقابل يخبر سبحانه: وليقولوا درست، كفار قريش ماذا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هذه الأمور والايات التي تتكلم عنها أنت درستها مع قوم آخرين وعلمتها، ولذلك جاء في قراءة أخرى: وليقولوا دارست، أي في تدارس بينك وبين الناس، وهذا ورد في سورة النحل: لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، أنت تعلمت من الروم وفارس؟ أنت من وين جبت هي المعلومات عن الشمس والقمر والنجوم والنباتات؟ تمام، وليقولوا درست.

سؤال: هل اللام هنا تصلح للتعليل؟ يعني هل الله صرف ونوع هذه الآيات وعله ذلك ليقول الكفار إنك درست يا محمد عليه الصلاة والسلام؟ ها، هل الله يريد أن يقول لنا: إنني صرفت لكم الآيات ليه؟ حتى يقول لك درست؟ رح تقول: ما بيزبط، يعني هذا التعليل صح، لا تصلح أن تكون تعليلا، وإنما هذه اللام لام العاقبة والصيرورة، فلتقوم الحجة هي لام التعليل، وليقولوا درست هذه زي: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ هل فعلا هم التقطوا موسى ليكون لهم عدوا وحزنا؟ لا، هم التقطوه ليكون فرحا وسرورا، لكن آل الأمر ليكون، فنفس الشيء هنا، نحن نصرف هذه الآيات تصريفا عجيبا، ولكن آل الأمر بكم أن تقولوا درست، بدل من أنك تناقش في الآية وتستدل بها على الله رحت اشتغلت لي في جانب زاوية: أنت كيف عرفت هي؟ ألم يا أخي أنت شو بدك كيف ما عرفتها أنت؟ إذا بعض الناس هيك أهل الباطل بدل من أنه ينظر للزاوية الصحيحة وفكر: والله هذا دليل عقلي صحيح يدل على وجود الله، صار يفكر في جانب آخر: يا أخي أنت ايش علاقتك فيه؟

طبعا هو كلام كذب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، لكن هو يريك سبحانه أن هذه الأدلة كما أنها سبب في سعادة أقوام، هي سبب في شقاء أقوام، وهذه بتذكرنا بالضبط بالآية في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ يَا أخي مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، في ناس يكون القرآن شقاء عليهم، القرآن نفسه كما أنه سبب في سعادة أناس، والسبب في شقاء أناس، فلهذا ختمت الآية: يضل به كثيرا بالقران، بالقران يضل به كثيرا، تاتي أمثلة ودلائل، بصير بدل ما صاحب العقلية الفاسدة دائما بهاوش، ما بركز في موضوع الدليل، يصل به بصير يركز في الجوانب ال.. من وين جبت المعلومة هي؟ لا، أكيد أنت درست، طيب اعطينا هي أنت، أخي شو علاقتك بالقصة هي والسالفة هي؟ الدليل يدل على المدلول، لا تظلك تناقش في الحواشي والهوامش، ناقش في مضمون الدليل.

سبحانه يخبرنا مهما كانت الآيات واضحة سيبقى هناك أناس يؤول أمرهم وعاقبتهم إلى أن يقولوا درست، في المقابل: ولنبينه لقوم يعلمون، وفي أناس سيبان لهم صحة ما في القرآن لأنهم قوم يعلمون، يعلمون وسائل المعرفة، يعلمون كيف يستدلون بالدليل على المدلول، فالله عز وجل كانه يعطيك ثلاث أسباب لتصريف الآيات وتنويعها: أولا السبب المحذوف والذي قدرناه وهو إقامة الحجج، السبب الثاني هو ليس سببا بمعنى التعليل وإنما هو كما قالوا عاقبة وصيرورة أن سيكون عاقبة هذه الأدلة أن يكذب بها أقوام ويقول درست، في المقابل نعم ولنبينه لقوم يعلمون، سياتي قوم من أهل المعرفة يوظفون هذه الآيات ليستدلوا بها على وجود الله ووحدانيته، ففعلا لأنهم يعلمون كيف الاستدلال وصلوا إلى النتيجة.

نقتصر على هذا المقدار وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.