السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في مجلس جديد من مجالس الوحيين. تأكد من جودة الصوت ابتداءً. نعم. اللهم يسر وأعن. لا حول ولا قوة إلا بالله. لو تأكدون أن الجو صوت جيد. نعم.
طيب، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس الوحيين من معين الكتاب والسنة. ننهل من هذا المورد العذب، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيينا على معاني الكتاب والسنة، وأن يميتنا على معاني الكتاب والسنة، وأن يعيننا على نشر معاني الكتاب والسنة للأجيال القادمة من هذه الأمة، إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.
أسأل الله عز وجل أن يتقبل هذا الاجتماع، وأن يجعله اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. ما زلنا نعيش أيها الكرام في أفياء هذه السورة المباركة سورة الأنعام التي تؤسس لأصول الاعتقاد، والتي تبين مسلك التعامل مع الكافرين في زمن الاستضعاف، وتعرفنا على أنفس هؤلاء الكافرين ومناهجهم، وكما قال ربنا في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]، فسورة الأنعام سورة عظيمة حقيقة في مبناها ومعناها، وفي المواقف والتسلسل الذي تركز فيه وترسخ فيه المعاني التي ينبغي أن ينتبه لها ويتيقظ لها المؤمنون في أزمنة الاستضعاف وعند بناء الدعوات.
نحن لا نتكلم في سورة الأنعام عن أزمنة التمكين عموماً، نحن نتكلم عن الصحابة الكرام عندما كانوا يعيشون في مكة ويواجهون أهل الباطل؛ كيف ركزت هذه السورة أولاً على ضرورة وضوح المفاهيم وعدم المساومة على المعاني الشرعية والعقائد الكلية، ثم بينت كذلك أن مسلك الدعوة يجب أن لا يشوه تحت ضغوط الكافرين، خاصة الضغوط التي كانوا يطالبون فيها دوماً باقتراح الآيات وإنزالها، وأننا لن نؤمن حتى نرى مشاهدات حسية خارقة للعادة.
وأما الاستدلال بهذا الكون العظيم الفسيح المشاهد، والاستدلال بالحاجة والافتقار البشري على وجود الخالق سبحانه وتعالى، فلعنادهم وعتوهم ووضوح هذه الآيات رفضوا أن يستدلوا بها على وحدانية الله عز وجل وعلى استحقاقه للعبادة وحده لا شريك له. وصلنا عند مفترق طرقنا كما يقولون؛ أن الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر لنا مجموعة من الآيات الكونية العظمى التي تكفي العاقل ليسترشد بها على الوحدانية بدءاً من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95]، إلى مشهد النجوم والشمس والقمر، إلى مشهد مستقر ومستودع، إلى مشهد النبات التفصيلي.
بعد ذلك الله سبحانه وتعالى ذكر للمشركين: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 104]، هذه الآيات هي كلها بصائر ودلائل واضحات بينات. يا من تقترحون الآيات وتريدون المعجزات وتريدون خوارق العادات، ألا تكفيكم مثل هذه الآيات لتستدلوا على رب البريات سبحانه وتعالى؟ ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بَحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: 104]، وهذه كانت ركيزة للنبي عليه الصلاة والسلام أنه لست مسؤولاً عن محاسبتهم ولا عن حفظ أحوالهم وما يفعلونه وما يختارونه، أنت مبلغ، إن عليك إلا البلاغ.
مع كل هذا الوضوح، مع كل هذه الدلائل البينة البصائر -ربنا سماها بصائر يعني بمجرد أن تشاهد هذا الكون الفسيح بعلاماته أنت تنال البصيرة ولا تحتاج إلى شيء أكثر من ذلك- ومع ذلك، ومع أن الله يصرف الآيات المتعددة المتنوعة، تجد الكفار يناقشون في مربع وليقولوا درست. نحن نناقش في جزئية وهم لأهوائهم ونفوسهم المريضة يناقشون في جزئية وليقولوا درست؛ إنه هذه العلوم من أين أخذتها؟ كيف عرفت قضية فمستقر ومستودع؟ كيف عرفت يا محمد صلى الله عليه وسلم قضية النبات ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99]، أكيد هذه أنت درست وفي قراءة دارست فيها أقواماً وأناساً علموك.
بدل من أن يستدلوا بهذا العجب العجاب على رب البريات، يعني أنتم ما علاقتكم؟ يعني هو دائماً في السؤال العقلي والحجاج العقلي أنتم ما علاقتكم في هذا الحجاج بقضية من أين أتى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار؟ صحيح؟ يعني أنا أقول له الآن بغض النظر عن هذا الموضوع؛ أليس في فالق الحب والنوى ما يدل على الوحدانية؟ أليس في مشهد النبات ما يدل على الوحدانية؟ أنت تركت هذا المشهد الذي نريد أن نستدل به على قضية وأخذت تناقشني في مربع: أنت درستها، من أين أتيت بهذه المعلومة؟ يا أخي، إيش علاقتك من أين أخذت هذه المعلومة؟ استدل بها على الله، استدل بها على الله سبحانه وتعالى.
طبعاً قضية تفنيد هذه الدعوة وأن محمد صلى الله عليه وسلم كان يسمع من بعض الروم أو من بعض أهل الكتاب، هذه كانت واضحة جلية، ما كان هم أنفسهم قريش ما كانوا يقتنعون بها، ولكن يرمونها هكذا في ساحة الفوضى لعلها تلقى آذاناً صاغية، وهم كانوا يدركون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً عليه الصلاة والسلام، بمعنى لا يقرأ ولا يكتب، فمن أين درسها وفي أي كتاب قرأها ومع من ذاكرها؟ المهم، ثم وصلنا إلى هنا آية 106.
ما دام هذا هو سبيل المجرمين؛ وهو الابتعاد عن مواطن الحجاج والاستدلال والذهاب نحو مساحات أخرى ليست هي مكان العبرة وليست مكان الفكرة، والمماطلة والمجادلة والتحايل على الأدلة، فالمطلوب من الدعاة في أزمنة الاستضعاف: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [الأنعام: 106]. لا تتنازل ولا تتزحزح، ولا تقع تحت ضغط الباطل. اتبع ما أوحي إليك من ربك، لأنه إيش؟ ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 106]، هو الإله المعبود الحق، لا شك ولا مرية في هذه النقطة.
ما دام هو الإله الحق سبحانه وتعالى وهو المعبود الحق وكل ما سواه باطل من المعبودات، أنا كداعية وكإنسان أسير إلى الله سبحانه وتعالى، المطلوب مني أن أتمسك وأن أسير رغم قلة السالكين وكثرة الهالكين، ولا أتزحزح عن وضوح هذه الفكرة وجلائها. فلا آتي لمناطق أهل الباطل التي يحاولون استجراري إليها وأجلس معهم وأترك اتباع الوحي الإلهي، أو أحاول أن أبحث عن وسائل أخرى سوى الوحي الإلهي لهدايتهم؛ لا يكون منطلق الدعوة إلا من الوحي الإلهي، وهذه قضية ستظهر معنا جلياً في سياق اليوم بإذن الله.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 106]، لاحظ. اتبع ما أوحي إليك من ربك، ثم كأنها: لا إله إلا هو، تأتي جملة معترضة، وأعرض عن المشركين، فأنت هناك منهجان أمامك؛ منهج المشركين المنحرفين الفاسدين المموهين، وعندك الوحي الإلهي، هنا مطلوب مفاصة. اتبع ما أوحي إليك في المقابل، وأعرض عن المشركين. طبعاً أعرض، أعرض عن لعبهم ولهوهم، أعرض عن اقتراحاتهم، أعرض عن اضطراباتهم والمساحات التي يحاولون دوماً استجرارك إليها، وهذه دعوة للثبات، ووجهت ابتداءً للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم لكل من يحمل لواء هذه الدعوة، لأتباع الأنبياء، ونسأل الله أن نكون منهم. أتباع الأنبياء عليهم أن يتمسكوا بالوحي.
ولاحظ هنا أعادهم إلى مائدة الوحي؛ إنه هذه نقطة التمسك، مش بالعقول ولا بالأهواء، ولا حتى تثقوا بما نسميه اليوم أفكاركم ومنتجاتكم، لا. عليك أن تتمسك بالوحي، فلا ضمان ولا أمان إلا لمن تمسك به. حتى لو كنت داعية وتحاول أن تسير على طريق الأنبياء، إذا بحثت عن منهج آخر وعن طريقة أخرى في الدعوة إلى الله ستضل؛ المنهج هو الوحي، وتدندن حول معانيه، وتقرب معانيه للناس، وتساعد الناس على فهم كليات الكتاب والسنة.
ومن باب التثبيت أكثر وأكثر للنبي صلى الله عليه وسلم، وإخبار بحقيقة عظمى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107]. أعود فأقول: هذا ليس فقط خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، بل لكل داعية يتأسف على كثرة الهالكين، ويتقطع على وجود الكافرين وعدم إيمانهم بدعوته، كل هؤلاء الدعاة الذين هم في قمة الشفقة والحزن على عدم استجابة الناس لدعواتهم؛ الله عز وجل يخبرنا أن هناك مشيئة كونية سابقة أن ينقسم الناس إلى مؤمن وكافر، وأنه خلق أناساً للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق أناساً بمشيئته للنار وبعمل أهل النار يعملون.
فيخبر الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يحمل نفسه فوق طاقتها، وأن ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِم إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، ولو شاء الله ما أشركوا، وما جعلناك عليهم حفيظاً، فوجود الكافرين هذا من مشيئة الله سبحانه وتعالى، وأنه سيبقى هناك من يعاند هذه الدعوة، وأن الناس لن تجتمع على قلب رجل واحد، سيبقى منهم مؤمن وكافر، وأن الله أقسم أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلا خلاص بعد أن تبلغ الدعوات بالشكل الصحيح والمنهج الرباني، لا تكترث بوجود هؤلاء، وواجههم، وسيأتي يوم نأمرك فيه بقتالهم في قابل الأيام.
لذلك قال سبحانه: ولو شاء الله ما أشركوا. ذكر المشيئة هنا لازم تفهم سياقه؛ يعني كل شيء بقضاء وقدر، فلماذا يخبرنا الله بالمشيئة هنا؟ حتى أنت تثبت أنه الرضا بقضاء الله؛ قدر الله أن هناك قسم من الناس، بل أكثر الناس لن يقبلوا هذه الدعوة، فشعورك أنه هذه القضية وإيمانك أن هذه القضية قضية قدرية فرغ منها، هذا ما يعطيك نوع من خلاص يعني أني بدي أرضى بالأمر الواقع وأرضى بما قسمه الله عز وجل وبما أراده، أن أعرف أن هناك أناس سيبقون يعاندون مهما بلغت الآيات والدلائل في الجلاء والوضوح.
لذلك هو هنا يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام وكل أتباع الأنبياء: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، نفس الفكرة السابقة يكررها عليه. قال في آية 104: وما أنا عليكم بحفيظ. هذه كان مطلوب النبي عليه الصلاة والسلام يقولها لهم، والآن يخاطب الله بها نبيه، صحيح؟ وما أنا عليكم بحفيظ، النبي عليه الصلاة والسلام يخاطبهم. لكن هنا وما جعلناك عليهم حفيظاً، هذا خطاب من الله لنبيه، أنت لست مسؤولاً عن حفظ أعمالهم ولا عن محاسبتهم ولا عن نتائج قراراتهم، أنت مسؤول أن تبلغهم. وما جعلناك عليهم حفيظاً.
﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، قال طاهر بن عاشور: ولست في نفس الوقت يعني كما أنك لست من جهتنا لم نضعك حفيظاً عليهم، كذلك لست من جهتهم وكيلاً عنهم. فهمتم شو الفرق بين الجملتين؟ وما جعلناك عليهم حفيظاً، نحن لم نضعك لتكون حفيظاً تسجل أعمالهم وترصد تصرفاتهم وتكون مسؤولاً عنهم، نحن وضعناك لتدعوهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وفي نفس الوقت، وما أنت بوكيل عليهم، ايش يعني؟ أنت مش موكل عنهم، يعني هم أيضاً لم يوكلوك في قضية وفي أمر لتخاطبنا وترجع إلينا حتى تكون في قمة الحزن والتأسف على حالهم وعلى ما يفعلونه. فلا أنت بحفيظ من قبلنا وما أنت بوكيل عنهم، كيف بقولك أنا وكيل عنك، صح؟ أنت لست وكيلًا عنهم، هم لم يجعلوك وكيلًا عنهم، بالتالي تكون في قمة هذا التأسف الذي وصلت إليه.
وهذا يعطيك كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قلبه مليئاً بالرحمة ومليئاً بالشفقة. وما الذي كان يحزنه عليه الصلاة والسلام؟ هم ما كانوا يعطونه لا مالاً ولا دنيا، كان يحزن ويتقطع أسفاً أن هؤلاء لا يريدون الإيمان وأنا آخذ بحجزهم بعيداً عن النار، ومع ذلك يصرون على مسالك الضلال وعلى مسالك العبث والاستهزاء ويخوضون في آيات الله ويقترحون علي الآيات. النبي عليه الصلاة والسلام كان نفسه يهدي كل الكون ونفسه كل الناس تدخل في هذا الدين، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. والآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: 128]. هكذا كان عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
فكان عليه الصلاة والسلام يأتيه من الحزن والشفقة على الناس، فهنا كأن النص الإلهي هنا والآية القرآنية تتفقد لتخفف عنه؛ خلاص يعني في النهاية ولو شاء الله ما أشركوا، ارضى يا محمد -طبعاً هو راضي عليه الصلاة والسلام، لكن هي تثبيت له أن هذه مشيئة الله- الحمد لله، أنت تبذل ما طلب منك، وإن عليك إلا البلاغ، وأنت لست لم نضعك لتكون حفيظاً عليهم، وفي نفس الوقت هم لم يضعوك لتكون وكيلًا تطلب منا أن ننزل أرزاقهم وأعمارهم، هذه أمور الله عز وجل ينفذها لهم، أنت لم توضع وكيلًا لتخاطب عنهم الله لتخاطب بالنيابة عنهم ربك عز وجل بالرزق والأجل وما شابه ذلك من الأمور التي يتطلبونها. فأثبت، لا تتغير، لا تتزحزح، لا تحمل نفسك في المشاعر كثيراً.
عليه الصلاة والسلام ورحمة الله وبركاته. كل هذه المعاني يجب أن تكون حاضرة ونحن نققرأ هذا النص. ثم قال سبحانه وتعالى مبينًا قضية أصيلة في الدعوة ومنهجًا ينبغي أن يسلكه الدعاة إلى الله خاصة في أزمنة الاستضعاف، وكما قلنا من مقاصد سورة الأنعام في مواطن كثيرة أن تبين كيف يسلك المؤمنون في الدعوة إلى الله خاصة في مثل هذه الأزمة، فقال عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبَّ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
هذه الآية اختلف المفسرون فيها في توجيه النهي عن سب آلهتهم. البعض يقول أن الله عز وجل نهانا أن نسب آلهتهم للعلة التي ذكرت في الآية، حتى لا يؤدي بهم ذلك إلى أن يسبوا هم الله من باب التعصب والحمية لآلهتهم؛ يعني أنت لا تروح وتسب اللات والعزى، هذه اللات والعزى الملعونة، هذه اللات والعزى الكذا، تشتتم آلهتهم أمامهم، لئلا يحملهم الحمية والعصبية أن يسبوا الإله، ربكم سبحانه وتعالى، إلهنا عز وجل. هم يؤمنون به؟ نعم هم يؤمنون به. غريب، كيف يمكن لإنسان أن تحمله العصبية والعنجهية أن يشتم إلهًا يعبده؟
فقط من باب غيظ مجادله؛ أنت تخيل أن كفار قريش هم يؤمنون بوجود الله، وأن الله هو الخالق الرازق، لكن يشركون معه أصنامًا. هذه كانت مشكلتهم. تخيل أن هؤلاء في مقام الجدل يمكن أن يترك ما يؤمن به ويشتمه فقط من أجل ماذا؟ أن يشفي غيظه وغليله منك. وهذا حال كثير من الناس ترى في المناقشات والمجادلات أنه من باب شفي غيظه وغليله ممكن يتخلى عن مبادئ يؤمن بها.
يقول لك أو لا أو لا هذه الشغلة لا أؤمن بها، ويصبح يكفر بها ويستهزئ بها، مع أنه هو في الأصل مؤمن بها. فالله سبحانه وتعالى يخبرنا عن حال عجيبة لهؤلاء القوم، كيف أنهم كانت لما تشتتم آلهتهم من باب الثأر يشتمون الإله الذي يقرونه ويعبدونه ويشركون معه سواه. وهذه غريب كيف أن الإنسان يمكن في مقامات الجدل أن يصل به الاستفزاز لمرحلة أن يكفر حتى بمبادئه.
أن يكفر حتى بمبادئه ويشتمها ويستغني عنها. حتى لما ذكرنا في الآية السابقة آية واحد وتسعين: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. مش قلنا أنه من سبب نزولها أن رجل من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل جاء في التوراة ذم السمان، الرجل السمين؟ فهذا الرجل من أحبار اليهود شو قال؟ ما أنزل الله على بشر من شيء. وهو من أحبار اليهود ويقرأ التوراة كل يوم، بس في مقام الجدل كفر بالتوراة. تخيل في مقام الجدل كفر بالتوراة.
طب سيدي الشيخ الحبر اليهودي، ألست أنت من تقرأ التوراة يوميًا على قومك الحبر؟ كيف كفرت بها الآن وقلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟ هذا يأخذك إلى ماذا؟ إلى مساحة معينة أنه في مقام الجدل بعض الناس يفقد مبادئه، يفقد أخلاقياته، يفقد سلوكياته، بل قد يشتم حتى الأشياء التي يؤمن بها. فانتبه. وهذه دعوة إلى أنه في مقام الجدل وليس في مقام السيف، أنت الآن في زمن الاستضعاف، أنتم لستم في مقام السيف، أنتم في مقام الجدل. لما تدعو إلى الله و﴿جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. لا تجادل بطريقة استفزازية تحمل اللي أمامك على أن يشتم الإله الحق سبحانه ويقول بأشياء نحن لا نرتضيها.
ولذلك حصل نقاش هنا بين المفسرين في تفاسيرهم: هل هو يعني سب آلهتهم مأذون به ومطلوبك عفوا خليني أقول، هل سب آلهتهم مطلوب ومحمود إذا لم يفض إلى أن يسبوا إلهنا؟ أم يكون فقط في درجة المباح؟ أعيد السؤال مرة أخرى، يعني الله عز وجل يقول: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، صحيح؟ فلو واحد قال لك يا شيخ الآية بتقول أنه لا تسبوهم أو آلهتهم حتى ما يكون في ردة فعل فيسبوا الله. طب لو أنا عارف أنه ما راح يسبوا الله، هل مطلوب أن أسب إلهه؟ عرفتم السؤال؟ هل هو مطلوب أو هو فقط يبقى ضمن مساحة المباح؟ اللي هو مش مطلوب، مش مقصد يعني.
الطاهر بن عاشور يقول أن سب آلهتهم في الوضع الطبيعي ليس وسيلة دعوية، وليس أداة ناجحة، بالتالي ليس هو مطلوب أصالة، يعني هو سب هؤلاء، سب هذه الأصنام، يبقى ضمن دائرة المباح إذا لم يجر إلى مفسدة، وإذا جر إلى مفسدة يدخل في جانب المكروه أو الحرام. تخيل. يقول الطاهر بن عاشور مرة أخرى ماذا؟ سب آلهتهم، وبعض الناس بتلاقيه فاتح التلفزيون ونازل يسب ويشتم وكذا ومتفاعل، فبنيجي بنقوله في النهاية، جزاك الله خير يعني، أنا ما عندي مشكلة إنك سببت العلمانية أو الليبرالية، هذه الأفكار الهدامة، لكن هو سؤال، هل هذا الشتم مطلوب؟ لما تقول لي مطلوب، معناتها بحقق مصلحة شرعية، هيك معنى مطلوب.
فيقول الطاهر، الله عز وجل يخبرنا أن سب الآلهة لا يحقق مصلحة شرعية، لن ينتج نتيجة نافعة. هذا بس أنت بتفشش عن غيظك وعن حالك، لكن للإسلام وكمردود دعوي سب آلهة المشركين لا يتجاوز أن يكون مباحًا فقط، لا سنة ولا واجب ولا يحقق لي مصلحة شرعية، فش الدغل كما يقولون. ولكن إذا أصبح هذا السب سيؤدي إلى أن يسبهم ربنا عز وجل، فهنا لا يصبح. في مساحات معينة قد يكون مكروه، في مساحات معينة يصل للتحريم القاطع.
ولذلك بعض الناس يظن أن الآية تقول ماذا؟ إنه لا تسبوا الذين يدعون من دون الله حتى لا يسب الله عدواً. فإذا كانوا لن يسبوا الله عدواً، إذاً روحوا سبوا. لا. إيوه، والذي نختاره والله أعلم، أن الآية تقول لك، هو كل عملية السب وأنت تناقش رجلاً نصرانياً أو يهودياً أو ملحد، عندما تشتم رموز من أمامك أنت ما فعلت شيء إيجابي يعني، ولم تحقق مصلحة للدعوة لما أمامه تشتم رموزه، لأن هذا إنما سيزيد إصراراً على باطله وحقداً عليه وحميةً له، ما في مصلحة. فإذا كان لن يفعل مفسدة هو تجاه دينك، فلا يعدو أن يكون هذا الشتم ضمن دائرة المباح فقط، لا تظن أنك فعلت شيء عظيم أو خدمت الإسلام.
ولكن إذا أصبح سبك لمبادئه، سب الشتم، إذاً أنت ناقشه، جادله، أقم عليه الحجج والبراهين، فهمه خطأه، لكن إذا أنت لا تستفزه إذا كان استفزازه سيؤدي بمصيبة وشتم لله سبحانه وتعالى أو لرسوله أو لمبادئ الإسلام العظيم. واضح هذه الفكرة؟ فإذاً هذه الآية تعطينا أن السب والشتم ليس أسلوباً دعوياً ولا فائدة منه ترجى، وأنه إنما يكون في دائرة المباح ما لم يفضي إلى مفسدة، فإذا أفضى إلى مفسدة أن يسبوا آلهتنا، إلهنا سبحانه وتعالى ورسولنا ويستهزئوا بمبادئنا، فهذا لا نريده، ما عاد السب مطلوب، وإنما اشتغل على ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وإقامة البراهين وما شابه ذلك.
لأن نلاحظ أن كيف الإنسان يفجر في الخصومة ويفجر في الجدال حتى يسب مبادئه التي هو يؤمن بها، لذلك قال فيسب الله عدواً، أي اعتداءً، تمام، بغير علم. إيش يعني بغير علم هنا؟ تمام، بغير علم والجهل، لكن هل هم جهال؟ يعني ما هو الجهل هنا؟ هل هم يجهلون وجود الإله؟ أها، جهل بمقام الرب. أحسنتم، يجهلون عظمة الإله، و﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، فلجهلهم، يعني هم يؤمنون بوجود الله، لكنهم يجهلون قدره، ولو عرفوا الله وقدره حق قدره لما فعلوا ذلك، بل لما أشركوا أصلاً.
صحيح؟ إذاً هو جهل بماذا؟ بقدر الله عز وجل. عدواً بغير، ثانياً أيضاً من الجهل الذي سيحصل هنا، جهل بماذا؟ بعاقبة الكلام التي يقولونها، أنت تقول لفلان تعال وش بتحكي، تعال لما تشتم الله يوم القيامة، سيزداد العذاب عليك أكثر فأكثر. فهم أيضاً بغير علم، إنه هذا الشتم ماذا ستكون عاقبته يوم القيامة؟ يعني أنت مشرك لك عذاب، لكن إذا كنت مشرك وتشتم الله عز وجل، هناك أضعاف أضعاف من العذاب تنتظرك، فإذاً هو جهل بقدر الله العظيم.
وللأسف اليوم تجد بعض الناس ممن يظن أنه ينتسب إلى الإسلام يشتم الله في الطرقات والشوارع وما شابه، غريب حال الناس، يظن نفسه أنه سيبقى له في الإسلام حظاً ونصيب، مسكين، فيسب الله عدواً بغير علم، فهذا اعتداء وتجاوز ناتج عن جهل بقدر الله العظيم، الإنسان لو تعبد الله طول عمره ما أدى حق الله، فما بالك إنسان يؤذي الله ويشتم الله ويقع والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية. فلذلك نحن لا نفعل، تجعل من أمامنا يشتم الله، صحيح؟ لا تخليه يقول هذا الكلام.
بعضهم يقول لك يا شيخ ما هو كافر، لا حتى لو كان كافر، أنا لا أرضى أن أسمع شتيمة ربي، ولا أرضى حتى لو كان كافراً أمامي، أن أجعله يتسول في هذا الباب. فأنت تغلق هذه المساحة، لأن أمر الإله عظيم. ومن تعظيمي لله عز وجل، ألا أستفز شخصاً كافراً، فأجعله يفعل هذا الشيء، فيستهزئ بالله أو برسوله أو بكتابه، طيب.
يقول سبحانه بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾. لاحظ هنا قضية التزيين. كذلك زينا، طبعاً أسلوب كذلك مر معنا في السورة كثيراً، وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات، تمام، أيضاً هي مرت معنا، وطبعاً أحسنت، وكذلك نصرف الآيات، فهنا الله عز وجل يريد أن يريك، هذا الأمر المدهش، وهو كيف أن الإنسان يشتم مبادئه حميةً للباطل وتعصباً له، فيقول، شايفين الكفار كيف يشتمون مبادئهم في حالة العصبية. يقولك كذلك زينا، كيف أن الله زين لهم هذه الأعمال، وأنه يصبح يعتقد أنه في مقام الجدل لما يشتم الإله الذي هو يؤمن به، إنه هذا مفخرة له، أو أن هذا يجلب له سعداً وحظاً. قال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾.
فهو يريد أن، كأن هذه تشعر أنها تعليق على الجملة السابقة. هو لما أخبرك أن هؤلاء يشتمون الإله لما أنتم تشتموا آلهتهم، كأنه يريد أن يخبرك أن الله سبحانه وتعالى يزيدهم في طغيانهم يعمهون، وأنه سبحانه زين لهم هذه التصرفات القبيحة فأصبحوا يرتضونها، أنه يشتموا الإله رد فعل على أننا شتمنا آلهتهم. فيقول كذلك زينا، وهذا مثل كما قال دائماً الطاهر بن عاشور، مثل يدلك على شيء عجيب، يعني مثل هذا التزيين الغريب الملفت يحصل لكل أمة من الأمم. وهذا متى يحصل يا إخواني؟ التزيين بحيث تصبح ترى ما تفعله من الباطل شيئاً جميلاً، ما هو التزيين؟ أن تجعل الشيء جميلاً في أعين الناس، مش هذا هو التزيين، مش بقولك زينت، يعني خليته جميل.
هذا التصرف، وهو أنهم يعتدوا على مبادئهم ويكفروا بها، من الذي قدر عليهم هذا التصرف وشاء وجود هذا التصرف منهم؟ الله. فهو يخبرك يقول، كذلك زينا، فالله هو الذي زين وشاء وجود هذه الحال، وسنعرف أنه متى يحصل هذا التزيين، ومتى يصبح أهل الباطل يرون أن مثل هذه الاعتداءات حتى على مبادئهم، شتم الله واستهزاءً به، حميةً وعصبية، متى تكون بالنسبة لهم، كيف يتصورونها مفخرة وشيء جميل، وأننا انتصرنا وأننا استطعنا أن، يعني نكافح محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه، شوف كيف هم يقتنعون بما يفعلون ويرونه شيئاً جميلاً، يقول كذلك زينا، فالله عز وجل يزين لهم باطلهم وتصرفاتهم، فيرونها حسنةً جميلةً مبررةً، مع أنهم في الواقع كفروا بمبادئهم واعتدوا على الإله الحق الذي هم من جملة من يؤمن به ابتداءً. فهو يعجبك من حال الناس كيف يمكن أن تصل بها الحالة في نصرة باطلها والرضا به والدفاع عنه.
وكذلك زينا لكل أمة عملهم في نصرة الباطل والدفاع عنه، ثم إلى ربهم مرجعهم، هؤلاء الكفار الذين ينتقمون منكم فيسبون الإله، الله عز وجل يهددهم أنكم ستنتقلون إلى الله وترجعون إليه، وينبئهم بما، فينبئهم بما كانوا يعملون، ويقول لهم في اليوم الفلاني، أنت شتمتني، مع أنك في الأصل تؤمن أنني الخالق الرازق الفاعل، ولكنك شتمتني كردة فعل على مسلم دعاك إلى الإيمان، وربما شتم مبادئك، فأنت شتمتني كردة فعل، لن يسامحهم الله سبحانه وتعالى على هذا الصنيع القبيح. طيب.
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها. رجعنا لنفس المربع، أنه بعد استعراض الآيات، إن الله فالق الحب والنوى و و و، كل هذه الآيات مش داخلة دماغ المشركين، ما ما بدهم يستدلوا بها على الإله، ما زلنا نعيش مع بداية السورة، صحيح. وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه، هم ما زالوا مصرين، إصرار عجيب، إصرار المعاند، اللاعب العابث، إصرار المتهكم، إصرار المستهزئ. كل هذه الآيات التي عرضتها علينا يا محمد صلى الله عليه وسلم إن الله فالق الحب والنوى وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ومستقر ومستودع وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به لا لا كل هذه الآيات نحن لا نقنع بها دلالة على التوحيد. إيش المطلوب؟ خلص يا جماعة.
نقسم جهد أيماننا، لاحظ الجهد يعني ببالغ الجهد. أقسموا أقساماً مغلظة بلغت في الجهد مجهداً كبيراً، نققسم بس بس بدنا آية واحدة خارقة، بس جيبوا لنا آية واحدة خارقة وإحنا راح نؤمن برسالتك. وأقسموا بالله جهد أيمانهم ماذا؟ ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾. إحنا كل ما عرضتوه علينا سابقاً هذه أمور مش خارقة للعادة، بدنا معجزة حسية حتى نؤمن بك، تفجر لنا من الأرض ينبوعاً والآيات التي اخترعوها. فهم أقسموا الأيمان المغلظة لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها وخلاص راح تكون هذه فاصلة بيننا وبينكم.
هنا قد نقول كأن بعض المؤمنين أصبح يميل ربما شعوراً داخلياً، إنه يا رب ما دام القوم أقسموا جهد أيمانهم إنه إذا جاءت آية حاسمة راح يؤمنوا، يا رب نزلها، راح يكون عندك شعور داخلي إنه بعض المؤمنين بل قد يكون النبي عليه الصلاة والسلام كان يرغب بنزول مثل هذه الآيات حرصاً على إسلام قومه وشفقة عليهم. فهنا ما زالت السورة تكرر قضية هؤلاء قوم يعبثون، ومن لم يكفه الآيات الكونية والآيات القرآنية فلا أشبعهم الله، هذا لا تتماهى معه ومع طلباته ومقترحاته.
فهنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم إجابة واضحة: قل إنما الآيات عند الله هو الذي ينزلها وقت ما يشاء وليس بناءً على طلباتكم، وهذه قريبة من الإجابة الأولى لما قال وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه في بداية السورة قل إن الله قادر على أن ينزل آية، لا تظنوا أن تأخر الآيات أو عدم تلبية طلبكم ناتج عن عجز، لكن الله عز وجل لا يقترح عليه. فقد أعطاكم من الآيات الكافية والدلائل الواضحة ما يجعل الموضوع أصبح معكم موضوع عناد، والله لا يعاند عز وجل، الله عز وجل لا يعاند.
قل إنما الآيات عند الله ينزلها كما يشاء وبالقدر الذي يشاء وليس بناءً على طلبات الناس وعلى سوق مفتوح كل واحد يقترح، لأنه هكذا لا تقوم دعوة. هذا الشخص.
الذي لم يقنع بالآيات الكونية ليستدل بها على الله، أنا مش بحاجته؛ لأنه هذا شخصية مريضة. كل هذا الكون الفسيح ما كان دليلاً حتى أعطيك معجزة خارقة للعادة هيك ساعتها تقتنع إنه في إله حق وتوحده. معناته أنت نفس مشوهة عقلية مريضة، نحن لا نحتاجك معذرة. أعطيناك قَدراً كافياً من المعجزات، خلص هذا الكتاب بحد ذاته أعظم معجزة يمكن أن يفكر فيها. أولم يكفهم أن أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم، بكفي. لكن كما قلت، القوم كانوا مصرين. ثم ماذا يختم ربنا عز وجل هذه الآية: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 109]. الخطاب هنا لمين يا جماعة؟
على هذه القراءة: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ نعم، الظاهر أن الخطاب للمؤمنين كما قلنا، كأن طائفة من المؤمنين كانت ميالة إنه يا رب تنزل آية، حتى القوم هي أقسموا جهد أيمانهم. فالله يقول لهم: وما يدريكم، إيش يعني ما يشعركم؟ يعني وما يدريكم أن هذه الآية إذا جاءت لن يؤمنوا. هذا التركيب حقيقة الطاهر بن عاشور بحثه بحثاً جميلاً في التحرير والتنوير؛ لأنه قال في العادة إيه هذا التركيب لما أقول وما يدريك، الأصل أنك تعلقها على ما يظن المخاطب حصوله. فالأصل أن تكون بدون لا النافية، صحيح؟ يعني إيش بقول لك؟ وما يدريك إنه راح يؤمن، مش بقول لك وما يدريك إنه ما راح يؤمن، صح؟ يعني هم المشركين قالوا: نقسم بالله إذا جاءت آية حسية راح نؤمن فيها.
فالله عز وجل بيقول للمؤمنين اللي كانوا متشوقين ومتشوفين تنزل آية: أنت الآن لو كنت تتكلم باللسان ال يعني بالطريقة ال خارج النص القرآني راح أقول لك إيش؟ إيش اللي بيدريك إنه راح يؤمن؟ فراح تكون بصيغة الإثبات، ما راح أقول لك إيش اللي بيدريك إنه ما راح يؤمن، أنت ما بتحكي إيش اللي بيدريك إنه ما راح يؤمن، أنت راح تسأل تقول له إيش اللي بيدريك إنه راح يؤمن. الآية جاءت على عكس المتوقع، صح؟ جاءت على عكس المتوقع؛ المتوقع: وما يدريكم أنهم سيؤمنون إذا جاءت. لكن الآية إيش قالت بالمفهوم؟ وما يدريكم أنهم لن يؤمنوا إذا جاءت. هنا الطاهر بن عاشور تكلم كلاماً طويلاً إنه القرآن عدل عن وما يدري إلى وما يشعركم، تمام؟ وكأنه قال: وكأن هذا العدول عن وما يدريكم إلى وما يشعركم هو الذي سهل العدول عن الطريقة المألوفة أن تقول وما يدريك أنه يؤمن، إلى الاحتمال الأرجح الذي كان ينبغي أن يكون حاضراً عندكم، وهو ألا يؤمنوا، صحيح؟
احتمال أن يؤمنوا هو الاحتمال المرجوح، والاحتمال ألا يؤمنوا هو الاحتمال إيش؟ الأرجح. فكأنه يقول للصحابة الذين كانوا متشوقين عدل عن الأسلوب العربي المعتاد إلى طبعاً طريقة أخرى جائزة لكنها ليست مألوفة ليلفت الانتباه، قال: ليلفت الانتباه أن هذا ال ال الاحتمال هو الذي كان ينبغي أن يكون حاضراً عندكم، هو احتمالية إيش؟ عدم الإيمان، وليس احتمالية الإيمان. الصحابة كانوا متوقعين أنهم راح يؤمنوا، فالله يقول لهم: الاحتمال الذي كان ينبغي أن يكون أرجح عندكم أنهم لن يؤمنوا. ليه؟ ليش هذا الاحتمال كان ينبغي يكون أرجح عندك؟ لأنه أنت لما تشوف شخص تعرض عليه كل الآيات الواضحة البينة، ونصرف له الآيات ويناقش بمربعات أخرى وبيستهزئ وبيقفز ويتجاهلها، أنا بيصير عندي الأصل والرجحان إنه هذا الرجل ليس من أهل التصديق، وليس من أهل النقاش العلمي، وليس موضوعياً، وبالتالي ينبغي أن يكون الاحتمال الأبرز إنه هذا لن يؤمن، حتى ولو جاءته أعظم الآيات جلاءً ووضوحاً لأنه عابث.
فلذلك هذا فقط نقاش لغوي أن الآية عدلت عن الطريقة اللغوية ال الشائعة، الشائعة نقول وهي إنه إيش راح يدريك إنه راح يؤمن، إلى طريقة أخرى، والهدف من هذا العدول ما هو؟ لفت الانتباه، هيك تقول. الهدف من هذا العدول لفت الانتباه إلى ما هو جدير وأحرى بك أن تعتقده؛ الأصل أنكم تعتقده أن هؤلاء قوم لعب، قوم عابثون، فال حتى لو أقسموا بالأيمان المغلظة وجاءتهم الآية الخارقة، عليكم أن تعرفوا أن هؤلاء لن يؤمنوا. ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 109-110]. هنا حقيقة يا شيخ عاصم الآية تتكلم عن قضية عظيمة في السنن الإلهية.
وهي أن الله سبحانه وتعالى يعرض عليك الحق ويسير لك سبل الهدى ابتداءً، فإذا أصررت على العناد وتجاهل هذه الآيات وعلامات الهدى ومنارات الطريق، الله سبحانه وتعالى يطمس بصيرتك ويجعلك تصبح ترى الحق باطلاً، والباطل حقاً. قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾. هنا الكاف أنا أميل أنها للتعليل؛ لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة. الله سبحانه وتعالى إيش بقول لك؟ إذا أنت جاءك الحق وعرض عليك ولم تؤمن به لما عرض عليك أول مرة ابتداءً، تكون من عقوبة الله لهؤلاء ما هو؟ أنهم يزخرف لهم باطلهم، مش قال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: 108]؟ يصبح يزين لهم باطلهم فيرون باطلهم حقاً والعياذ بالله. ونسأل الله السلامة والعافية أن الإنسان يصل لهذه المرحلة، وهذه المرحلة ليست خاصة بالكافرين بل حتى بأهل البدع والأهواء، أنه يصبح يعرض له القرآن والسنة والأدلة الواضحة، ويظهر له صدق دعوة السلف فيعرض عنها، ويصبح يحاول يجد مخارج لشهوته أو بدعته أو لهواه، فتكون من عقوبة الله له أن الله خلاص المرات القادمة يصرف وجهك عن الحق، فلا تصبح ترى الحق حقاً ولا الباطل باطلاً.
وهذا مصداق قوله تعالى في مناطق كثيرة، مثلاً في سورة الليل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10]. يعني سنوجهه للطريق الغلط، وكل هذا بقدر الله، فـ يعني نحن الإله يتكلم عن نفسه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، وسيرى العُسرى طريقاً له مناسباً مع أنها تقوده إلى النار. طيب ليش يا رب يسر للعسرى؟ لأنه أنا أعطيتك فرصة، إذا أعطيتك الفرص وبقيت تجاهد وتعاند وتعبث، الإله قلت لك لا يعاند. وهذه إخواني انتبهوا لها، كل شخص في حياته، هذه مش فقط عند اليهود والنصارى، أنت في حياته إذا ربنا ورجاك الحق في يوم من الأيام في مسألة وغمضت عينك لهوى، قد لا يريك الحق مرة أخرى، على الأقل في مثل في هذه المسألة على الأقل في هذه.
طيب الصوت رجع مشايخنا؟ فهذه حقيقة إحدى المبادئ الكبرى التي لابد كل إنسان يفهمها في حياته؛ لأن سورة الأنعام توجهك لها، يقول سبحانه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ﴾. فالاحتمال الأرجح ما هو؟ أنهم لن يؤمنوا. وما الذي سيحصل؟ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة. هذا إذا قلنا إن الكاف هنا لايش كما قلنا للتعليل؛ فيقول: وسأقلب أفئدتهم لما تأتي هذه الآية الخارقة التي طلبوه لو فرضاً أنزلت هذه الآية الخارقة، أقلب أفئدتهم وأبصارهم فيرونها ولا يؤمنون. ها، ونقلب أفئدتهم أين نقلبها؟ انهم الآن اقسموا، الآن بدي تفهم السياق، هو اقسموا بالله جهد أيمانهم لأن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فالله يقول للصهاينة: وما يشعركم أنها إذا جاءت لن يؤمنوا، بل سيحصل معهم أننا نقلب أفئدتهم وأبصارهم فلا يرون هذه الآية قاطعة أو دليلاً على الوحدانية، فيعودون إلى كفرهم مرة أخرى.
طيب كيف مرة أخرى عادوا إلى كفرهم؟ لأن الله سبحانه قلب أفئدتهم وأبصارهم وحرمهم من مادة التوفيق، فما عادوا يستدلون حتى بالخوارق على الله. تخيل إنسان بين يديه معجزات معجزات، ويصبح حتى هذه المعجزات لا يستدل بها على الله! إيش اللي بيخلي الإنسان يصل هذه المرحلة؟ أن الله عز وجل طمس بصيرته وقلب فؤاده وبصره فما عاد يعرف الاستدلال وما عاد يرى الأمور كما هي. وهذه عقوبة مخيفة والله أن الإنسان يحرم التوفيق في النظر في دلائل الوجود، ويحرم من الهدى والرشاد في فهم آيات الله سبحانه وتعالى وبيناته، نسأل الله العافية. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ كما لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة فحرمتهم إذن في المرات القادمة من الإبصار والفهم والتعقل. بعض المفسرين قال: كما الكاف للتشبيه، ويكون بالتالي المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما أنهم في أول مرة لما جاءهم القرآن والمعجزة الأولى لم يؤمنوا، كذلك في المرات القادمة لا يؤمنون، فيكون المراد: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عند كل معجزة كما قلبناها في أول مرة وعند أول معجزة نزلت وهي القرآن الكريم، فيحصل أنه ما تفكروا أنه عند المعجزة الثانية والثالثة اه خلاص الجماعة راح يسلموا، كما أنهم في الأولى ما سلموا، كذلك سيصبحوا في الثانية والثالثة يمارسون نفس الممارسة لماذا؟ لان الله زين لهم اعمالهم.
وهذا التزيين وهذا تقليب الأفئدة والأبصار بحيث يصبح الإنسان لا يرى الهدى والنور هدى ونور، هذه عقوبة قاسية ينزلها الله على من رفض وجحد الآيات الإلهية، فالإنسان ينتبه في هذا المربع. طبعاً من بعد الأخذ أن هناك قراءة أخرى في وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، القراءة الثانية: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون. قالوا: لا هذه القراءة الخطاب فيها للمشركين وليس للمؤمنين، أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن يقول للمشركين اللي أقسموا جهد أيمانهم ليؤمنن بها، إنه إيش اللي بيدريكم أنها إذا جاءت لن يؤمنوا؟ أنها إذا جاءت لن يؤمنوا. فيكون على القراءة الثانية الخطاب لهم. طبعاً في هناك قراءة ثالثة: وما يشعركم أنها إذا جاءت، وعلى قراءة أنها الوقوف الانسب على ايش وما يشعركم بتقول وما يشعركم تقف، أنها إذا جاءت لا يؤمنون تكون جملة اخبارية كاملة مستقلة. هذه الايات إذا جاءت لا يؤمنون بل يحصل معهم كما يحصل عادة، ونقلب أفئدتهم، نفس المسلسل يمارسونه في كل مرة تتقلب اعينهم وابصارهم فلا يرون الحق حقا.
ولاحظ حتى تاكيد هذا المعنى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. شوف الختام: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتخبطون فهم في أمر مريج. ونذرهم، شوف الكلمة ونذرهم، شوف ال ما فيها من الفزع. الإنسان لا يتحمل أن يتركه الله طرفة عين، وهذا قمة الخذلان أن الله يذرك ويتركك تسبح في اهوائك وعقلك وشهواتك وملذاتك تتخبط في الاراء والافكار. وانظروا الى عقائد النصارى، وانظروا الى عقائد اليهود، وانظروا اليوم الى الملاحدة وطريقة فهمهم للكون، كل واحد بيعطيك نظرية وكل واحد بيخبط في الثاني، وكل واحد يقترح طريقة لنشأة الكون وكل واحد بيتفلسف. ونذرهم، هذا معنى ونذرهم التخلي التام، يتخلى الله عنك وهذا تخلي ايش؟ تخلي عن توفيقك، تخلي في جانب ايش التوفيق، خلاص يحرمك من مادة التوفيق كما قلنا لأنك في البداية عرض عليك الحق أنت ما رضيت، بالتالي خذ هذه العقوبة، أحرمك من التوفيق وأذرك واجعلك تتخبط مع هوى نفسك وعقلك وأفكارك والآراء الوضعية. ونذرهم في طغيانهم مع نفوسهم الطاغية يعمهون، والعمى هو التخبط في هذا السياق.
وأصل العمى قالوا هي الأرض التي لا منارة فيها، يقولون: أرض عمهاء، إيش يعني؟ صحراء لا منارة فيها، اللي ماشي فيها بتخ بيروح يمين شمال مش عارف وين يروح، فمن هنا أُخذت العمى وهو التخبط يميناً وشمالاً في الآراء والأفكار والتصورات، فلا يطمئن قلبك ولا تحصل سكينة الإيمان والتوحيد. الإيمان بالنسبة لنا إخواني سكينة، أنت الحمد لله تعرف من هو ربك وما إلهك وما أسماؤك وما صفاتك، وإيش المطلوب منك في الحياة، وين رايح بعد الحياة، فاهم موضوع القضاء والقدر، أنت مستريح أنت مش في عمى، أنت مطمئن بطمأنينة الإيمان. من تركه الله وحرمه مادة التوفيق يعيش في العمى، التخبط، الاضطراب، عدم فهم كثير من الأسئلة الفطرية التي يحتاج الإنسان حتى تستقر نفسه أن يجيب عنها. ثم تكمل الآيات السياق في هؤلاء يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111].
هؤلاء ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة فرأوهم بأعينهم وكلمهم الموتى، طلعوا الموتى من القبور أمامهم، طلعنا آباءهم وكلموهم وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً. وكلمة قبلاً اختلفوا فيها على معانٍ؛ فالبعض قال: قبلاً هي جمع قبيل وهو الكفيل، والبعض قال: قبلاً بمعنى قبلك بمعنى من قبلك أي مواجهاً لك، قبلاً يعني بمعنى كلمة قبلك تقول هذا الشيء قبلي، إيش يعني؟ أي مواجهاً لي. وقيل قبلاً جمع قبل وهو الصنف والأنواع. فالله عز وجل يقول: هؤلاء الذين أقسموا جهد أيمانهم إنه إذا جاءت آية ليؤمنن بها، لو نزلنا الملائكة فرأوهم بأعينهم، لو أننا أخرجنا الموتى فكلموهم بألسنتهم، لو حشرنا عليهم كل شيء من النبات والحيوانات وكل هذه الأصناف كل شيء قبلاً، قال المفسرون: يعني جمعنا لهم كل النباتات والحيوانات مقابلة لهم وجه مقابل وجه تمام، كل هذا الشيء مقابلي يعني وجه مقابل وجهي أو كل شيء قبلاً بمعنى كفلاء لهم كفلاء لهم بأن ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حق.
لو كل هؤلاء النباتات والحيوانات والجبال والأراضي والسماوات جاءت تمشي أمام المشركين لتقول لهم: صدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه يقول الحق، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. فالقضية في النهاية مرتبطة بمشيئة الله، ولاحظ هنا التركيز على قضية المشيئة الإلهية، قبل قليل آية 107 إيش ربنا قال؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: 107]. نرجع للآية 111: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111]. في هناك تركيز على قضية المشيئة الإلهية، حتى أهل الدعوة والذين يشتغلون في الحقل الدعوي يفهموا أنه في النهاية أنت لا تملك شيئاً سحرياً لتجعل كل الناس يؤمنوا. أنت اثبت على دعوتك هذا المطلوب منك فقط لا غير، ولا تتزحزح عن مبادئك؛ لأنه هي القضية المخيفة ما هي إخواني في هذا السياق؟ أنه الإنسان لما يرى قلة من يتبعه يغير الدعوة، يغير مضمون الوحي، يصير يقول لهم: يا جماعة طيب الناس مش راضية تؤمن بمضمون الوحي شو رأيك نحاول نعطيهم اقتراحات أخرى في الدين.
يعني الحجاب مثلا، نعطيهم فكرة أخرى في الحجاب يا أختي! بدل ما تلبس الحجاب هيك، مثلا في عندك مساحة تلبس الحجاب بطريقة أخرى كأسنمة البخت.
مثلا قضايا المال الربا خلينا نعطيهم معاملات مالية تكون مثلا فيها مرونة أكثر لو فيها شوية ربا، ما هو حتى الناس تؤمن بنا وبصير الداعية الأشطر على السوشيال ميديا اللي إيه، اللي بتخلى أكثر وأكثر عن مضمون الوحي تلبية لرغبات الناس. وبقولك يا شيخ ما هو المشايخ الله يكرمهم اللي بيحكوا بالكتاب والسنة بالله قديش متابعاتك أبو الفوارس؟ يعني قديش متابع؟ أنت بتابعك مئة، مئتان شخص على كم واحد يعني؟ يا شيخ يعني احنا بدنا نظلنا نحكي بالكتاب والسنة يتابعني ثمانمئة، ألف ما بتمشيش الأمور، لكن أنا لو غيرت شوي في نمط الكتاب، يعني لو غيرت مضمون الوحي شوي -هو ما بيحكيش مضمون الوحي بس هو الذي يحصل فعليا أنه غيرت مضمون الوحي- صرت أعطيهم اقتراحات جديدة للناس، أنه الحجاب الشرعي هو في مساحة يا أختي الكريمة، ويعني أنا عارف آه والله بيصير يا أخي الجمهور النسائي اللي مثلا بده دين مرن بيحب يسمعني أنه والله هذا الشيخ يعني عنده حرية عنده هيك مساحة بعطيها، كذلك الشباب اللي حابين يعني الشيخ يعطيهم مساحات في كثير من المعاملات المالية أو هيك يشوف معهم مباريات كرة القدم الفاسدة أو كذا يا أخي هي الشيخ الصح وهي شيخ الناس! هذا اللي بنخافه في الدعاة، لذلك تشعر الآيات شو بتقولك: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: 107]. بعدين هون: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111]. بالتالي التركيز على المشيئة الإلهية وظيفته في هذا السياق أنه أنت كداعية أنت حافظلي على المضمون. جزاك الله خيراً حافظلي على مضمون الرسالة، قضية من سيؤمن ومن لن يؤمن ثباتهم على مواقفهم الكفار هذا للإله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107]. ركز يا داعية على أن تثبت على مبادئك الدعوية وعلى جلائها، لأن الله أراد أن تنمو هذه الدعوة بطريقة واضحة نقية.
أنت بتدعو لمن؟ تدعو إلى الله، صح؟ الإله الذي أنت تدعو إليه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 108]. فنحن ندعو الناس إلى الله، الإله الذي أنت تدعو إليه هو الذي يطلب منك أنك لا تغير مضمون الدعوة. تخيل! هو الذي يقول لك: أنت ادعو إليه، إذا لم يستجب لك قطاع كثير من الناس أنا لا أطالبك أن يستجيبوا لي: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، لن يؤمنوا: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. خلص أنت ترتاح، لا تحمل نفسك تبعة هؤلاء فتروح تفكر بطريقة أنه أنا المضمون اللي معي مش عم بيأدي مفعوله خليني أذهب لمادة غير الوحي!
عجيبة حتى، سامحني، حتى التوسع في الخطاب الدعوي -وأنا دائما هذه بكررها- أنه خلينا نروح نجيب مثلا من كتب الفلاسفة الغربيين، نصبح نتكلم بألسنتهم هيك بيرتفع إيش؟ نظرة الناس لنا أنه المشايخ اللي بيحكوا بالكتاب والسنة سوقهم مش ماشي، لكن اللي بيحkوا بفلسفة كانت ونيتشه وهذولا وبصيروا يتفلسفوا كثير في هذه القضايا وبيهبدوا كثير فيها ب- بيرتفع، يرتقي في أعين الغرب، يرتقي في أعين الطبقة المثقفة بيسموها طبعا اللي بيحبوا يسمعوا هذه الثقافة، والله فلان بيعرف فلسفة! يا أخي أنت يعني أنت عرف ما لا يحتاج إلى معرفته. هو جيد لطالب العلم أن يكون مطلعا على أقوال أهل الباطل من باب عرفت الشر لأتقيه ولأحذر الناس منه، لكن أنه تصبح أنت تشعر بننوع من النشوة كداعية أنه أنا بتكلم بألسنة هؤلاء كأنه نوع من اللي بيسموه أنا من الطرف الثقافي أنه أنا مثقف ليه لأني أنا بعرف كلام هؤلاء الفاسدين بس هم بيسموهم الفلاسفة!
احذر، احذر أن ت- أن تتشبع من هذه الأمور، لأنه بقدر تشبعك فيها بقدر ما تبدأ تنحرف وتقَل مادتك من الكتاب والسنة. وهذا حصل لكثير من علماء المسلمين الأقدمين لما أصبح يريد أن يتشبع من علم اليونان وبدأ أنظر في أرسطوطاليس وكلامهم يعني خلص مادة الوحي الإلهي أنا فهمتها بشكل عام بس أنا حابب أنظر في ثقافة اليونان والفرس. كثير ممن دخل في هذا الطريق ضاع، وصفى خارج طريق أهل السنة والجماعة، وصرنا نجيبه جيب نلحقه لحوق يا ابن الحلال لا تعال ترى خلينا نركز على مادة الوحي ترى سيبك من الجوهر والحدث والجوهر الفرد وال- والقصص هذه خلينا ثابتين على- لا بقولك احنا لازم نتوسع ونتثقف. هذه الدعوات كارثية ومخيفة، ولذلك القرآن دائما بيثبتنا كدعاة وكأتباع الأنبياء، لا تقلق أنت فعلت ما عليك.
هؤلاء الذين يقترحون المعجزات لو نزلت الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء من النبات والحيوان والجماد والكل جاءهم قُبُلًا قُبُلًا -يعني إما كفلاء لهم بصحة الدعوة أو مقابلين لهم وجها لوجه يخبرونهم عن هذه الدعوة ويكلمونهم أننا نعبد الإله الحق- لو حصلت كل كل كل هذه الأمور الباهرة في ناس لن تؤمن، ليه؟ لأن الله ما شاء لها أن تؤمن. فأنت لا تضغط في مربع لن يجني، يعني ألا تظن إذا غيرت خطابك الدعوي اللي ربنا شاء أنهم لن يؤمنوا راح يؤمنوا؟ إذا أنت غيرت خطابك الدعوي تلبية للسوق، هل تظن أن الناس الذين شاء الله لن يؤمنوا راح يؤمنوا؟ لا، لأنه في مشيئة إلهية في النهاية أن فلان وفلان وهذا الصنف من البشر لن يؤمن وسيبقى معاديا لهذا الدين لأن طباعهم النفسية وأخلاقهم لا تسمح لهم بالإيمان. ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، إذا ربنا شاء ممكن تمام، أو إذا ربنا شاء يؤمنوا سيؤمنوا إذا لم يشأ أن يؤمنوا لن يؤمنوا. قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: 111].
الآن هي: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾، بعض المفسرين حملها ترى على المسلمين والبعض حملها على الكافرين. إذا حملت: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ يكون المعنى إيش؟ أن كثيرا من المؤمنين يجهلون هذه الفكرة، وهي فكرة ماذا؟ فكرة أن أهل الباطل ولو اقترحوا إنزال الآيات وأقسموا جهد أيمانهم لن يحصل منهم الإيمان، فمطالبتهم ربهم عز وجل يا رب أنزل الآية حتى يؤمنوا هي ناتجة عن عدم فهمهم أنه هؤلاء مش موضوعهم موضوع عدم اكتمال الأدلة وعدم وضوحها، الأدلة مكتملة مئة بالمئة، لكن هي مشكلة نفوس مريضة غير سوية فلم يشأ الله لها أن تؤمن وزين الله لها سوء أعمالها، فلو ما جاءت آية بعد آية سنقلب أفئدتهم وأبصارهم سيبقى الأمر على هذا المنوال.
طيب، القول الثاني يا رب حياكم الله. القول الثاني: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ قيل هذا كلام لمن؟ لعوام أهل الباطل، أن أكثركم تعرف بعض العوام ممكن يكون فعلا هو شاد حيله أنه نقسم جهد إيماننا لئن جاءتنا آية لنؤمنن بها -لا لا- هو أنت حتى لو جاءتك آية ثانية أنت تجهل أنك لن تؤمن أيها الكافر وستمارس نفس الممارسة اللي مارستها سابقا، لأنه أنت عندك آيات أصلا موجودة يعني عفوا زائد عما تحتاجه، كما يقولون فيها كمية كبيرة ربما دليل واحد يكفي للوصول للحق كما قال العلماء، أنت عندك بدل الدليل ألف ومش عم تؤمن! فلا تقل لي والله أقسم جهد إيماني أن إذا جاءت آية لنؤمنن بها لن تؤمن، ولكنك تجهل طبيعة نفسك الباطلة الفاسدة التي مهما رأت من الحق تبقى تعاند وتنتقل إلى مربعات أخرى محاولة منها لصرف الحق.
إذاً، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ إما أن تحمل أن أكثر المسلمين يجهلون طبائع أهل الكتاب -عفوا- طبائع الكفار في نفوسهم، أو أن أكثر الكفار يجهلون أنفسهم ولا يعرفون أن مهما أقسمتم ما دامت الآيات المتاحة بين أيديكم ما علمتكم أو ما أخذتكم إلى التوحيد فستمارسون نفس الممارسة، لأن الله سيعاقبكم بتلك العقوبة. لماذا سيمارسون نفس الممارسة؟ لأن الله خلاص سيعاقبهم بتلك العقوبة، وهي عقوبة ايش قلنا؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، انتهت أنكم خذلتم وحرمتم من مادة التوفيق.
طيب، فهنا في هذا السياق كانت الآية تقول لنا هذه الآيات أنه خلاص يجب أن نتقبل أنه سيبقى هناك أعداء للرسل صحيح: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، علينا أن نتقبل وجود ماذا؟ أنه أي دعوة إلى الله سبحانه لابد وأن يكون لها أعداء يواجهونها، ستأتي الآية الآن -أنا دائما ارتباط الآيات مهم- أنه الله عز وجل يخبر أنه خلاص أنتم ادعوا واستمروا وسيبقى هناك أناس زينا لهم أعمالهم، سيبقى هناك أناس نقلب أفئدتهم وأبصارهم، سيبقى هناك أناس لن يؤمنوا إلا أن يشأ الله، فلا تتعبوا أنفسكم أكثر من اللازم.
إذاً، يا رب نفهم من هذه السياقات السابقة أن كل دعوة إلى الله سيكون لها أعداء وخصوم يواجهونها. نعم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: 112] هي هكذا، وكذالك جعلنا لكل نبي عدوا، أي دعوة من الأنبياء ومن أتباع الأنبياء سيواجهها أعداء، وهذا قدر سابق لن تغيره أنت، وبالتالي أي دعوة أو تخيل وتوهم أننا يمكن أن نجمع الناس كلهم على دعوة لن تقع، لأن الله شاء أن تكون الدعوات يقابلها العداوات.
وكذلك، ولاحظ أسلوب إيش؟ وكذلك مرة أخرى، وكذلك جعلنا، يعني هذا جعل عليك أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى أراده وقدره ليكون مستمرا دائما على مدى وجود الدعوات والأنبياء: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾، وهذا لاحظ جعل إلهي جعلنا، لاحظ أنه إيش؟ أن الله جعل، أن الله شاء، أن الله اختار، حتى أنت لا تقول والله هؤلاء الأعداء لماذا يخرجون دوما؟ لا لا هو هناك مشيئة إلهية لوجود أعداء للدعوات، لماذا؟ لأن الله يريد أن يتواجه الحق مع الباطل، والله يريد -أحسنت- سنة التدافع يريد أن أن يوجد هناك من يدافع عن المقدسات وعن العقائد، ويريد شهداء، ويريد أن يكون هناك من يطلب الجنة ويدفع لها ثمنها، وهناك من يكتب وهكذا، ستتحقق معاني أسماء الله الحسنى وصفاته وسيحقق معنى الوجود الذي أراد الله أن يوجد عليه على هذه الأرض: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36] مش هيك؟ لما ربنا أنزل آدم إلى الأرض تمام قلنا: اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو، هي معركة، وبالتالي شاء الله وجود مؤمن وكافر ووجود اصطفافات ووجود تحزبات ووجود كفار ومسلمين ومعارك وجماعات ويتخذ منكم شهداء وليمحص الله الذين ويلحق الكافرين وغيرها من الحكم.
بالتالي أنت بدك تتعامل -آه شوف القرآن كيف برايحك- بعطيك الأجوبة حتى أنت تكون لما تحلق في سماء في الأفق والواقع تكون أنت منطقي أنه خلاص أنا فهمت، هكذا يعطيك القرآن، الله يقول لك ذلك يعني أنت مش عم تاخذ فكرة من داعية لا لا، أنت بتاخذ الأمور جاهزة من الله، أنت في دعوتك راح يكون لك أعداء انتهى، فلا برجع لا تحمل نفسك فوق طاقتك ولا تبذل في مكان وتبذل في مكان لا يستحق البذر مع أناس أصبحوا خلاص وضعوا العناد أمام أو نصب أعينهم، هؤلاء خلاص يواجهون ما في مجال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾.
هذا العدو ممن؟ ما جنسه؟ قال: عدوا شياطين، وهذا بدل عدوا، هذا العدو من ماذا؟ شياطين. شياطين من ماذا؟ شياطين من الإنس وشياطين من الجن. إذاً هؤلاء الأعداء الذين يقفون في وجه الأنبياء وأتباع الأنبياء هم شياطين من الإنس وشياطين من الجن، وهذا التفسير الأشهر.
هناك تفسير آخر يقول: شياطين يوسوسون للإنس ويوسوسون للجن، بعض العلماء يقول الشيطان لا يكون إلا من الجن هكذا بعض العلماء يقول، بالتالي كيف فهم الآية؟ يقول لك شياطين الإنس والجن هذه الإضافة ما المقصود بها؟ ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ﴾ شياطين من الجن لكن شياطين الجن بعضهم وظيفته يوسوس للإنس وبعضهم وظيفته يوسوس للجن، لأنه الجن مكلفين زينا وزيهم ففي هناك شياطين بيوسوسوا للجن المؤمن صح وللجن الكافر بيقووا للجن المؤمن أنت اكفر وللجن الكافر خليك على كفرك وفي شياطين جن مخصصين لنا.
لكن أنا مع التفسير الأول حقيقة، وأنه لفظة الشيطان يجوز اطلاقها على الإنسي ويجوز اطلاقها على الجني، وهذا الذي يتناسب معنا نحن في واقعنا العملي، أننا عندنا شياطين من الإنس بعض شياطين الإنس أشطف من شياطين الجن، ولا يا شيخ هناك شياطين إنس وشياطين جن؟ ولاحظ التعبير القراني: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112] يتبادلون الخبرات، ويتبادلون المواهب، ويتبادلون الوسائل والأدوات يوحي بعضهم إلى بعض. ولذلك ذكر السدي وغيره من المفسرين أن الشياطين تجتمع فيما بينها، تعرفوا مش الشيطان مثلا لما إبليس مش كان عرشه على- آه وأنه يدعو ويقول لفلان أنت شو سويت اليوم؟ بيقول له أنا اليوم خليت فلان ما يصلي الفجر، أنت شو سويت اليوم؟ والله أنا اليوم خليت فلان يعق أمه، وأنت شو سويت؟ أنا خليت فلان يفرق بين- فرقت بينه وبين زوجته، بيقول له: أنت أنت تعال اقعد جنبي! إذا واضح أن الشياطين لها ملتقى، هذا الملتقى لتبادل الخبرات، ويسمع كل شخص من الآخر أنت شو سويت شو الإنجاز اللي حققته؟ فبيسمعوا من بعض بيصيروا يعرفوا أنه إبليس شو بده منا؟ آه إبليس بده منا هذا هذا احسن واحد اللي فرق بين الرجل وزوجته إذا بدنا نشتغل على هذا المربع.
فلاحظ هذه الاجتماعات يوحي بعضهم إلى بعض صح؟ وحتى شياطين الإنس بيجتمعوا صح ولا لا؟ مكر الليل يجلسون في مؤسساتهم واماكنهم وكذا في أوروبا وغيرها من الدول يمكرون بأهل الإسلام الخطط ليل ونهار كيف نغير المناهج في هذه الدولة؟ كيف نخلي هذه الدولة يكثر فيها الفساد؟ هذه الدولة فيها شيوخ كثير خلينا نتفاهم معهم بطريقة هذه شياطين الإنس، وكذلك يعني كما أن شياطين الجن تلتقي شياطين الإنس برضه تلتقي وهناك التقاء أيضا بين شياطين الإنس والجن، يقولون إن الكهان وغير هؤلاء هم شياطين كانوا يسمعون من الجن اقتراحات وأمور يفعلونها، بل حتى يقول يعني كان أحد بعض شياطين الجن يستفيد من شياطين الإنس مش
لما اجتمعوا في دار الندوة لينظروا كيف يتعاملون مع النبي صلى الله عليه وسلم، جاء إبليس على صورة شيخ نجدي، فجلس معهم وأصبح يسمع الاقتراحات. فأبو جهل اقترح اقتراحاً: أن نأخذ رجلاً من كل قبيلة فنضرب النبي صلى الله عليه وسلم ضربة رجل واحد.
يعني شوف، الشيطان استفاد من أبي جهل، ولذلك شياطين الجن قد تستفيد من شياطين الإنس طرقاً في إغواء المسلمين أكثر مما يستفيدون من إبليس نفسه. هذه اجتماعاتهم هناك، التقاءات وتعزيز بينهم، ويعملون لإفساد الناس وإفساد العقائد ولمحاولة الصد عن دعوة الأنبياء. هذه سنة الله يخبرك عنها لتفهم أنها سنة.
طيب، خلينا شوي نتمق في الآية، قال سبحانه: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ [الأنعام: 112]. الزخرف هو الشيء المزين تماماً. قالوا: الزخرف هو الشيء اللي عليه ايش؟ تجميل.
زخرف القول هذه، قالوا: من إضافة صفة إلى موصوف، يعني بدلو لو بدي أعيد تركيبها: القول المزخرف. زخرف القول يعني ايش؟ يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف. إذا هم على ايش بيشتغلوا أكثر شيء الشياطين؟ على المصطلحات والمفاهيم.
على المصطلحات والمفاهيم أن يغيروا المصطلحات والمفاهيم عند الناس. على القول، ما قال العمل. قال: يزخرفون القول، لأنه أنت في النهاية إذا أنا زخرفت لك الباطل فوضعت عليه شوية كريمات وشوية كذا وطلعت لك إياه في وجه من الحق، أنت كانسان بسيط غير متمسك بالكتاب والسنة بتضيع معه.
وهذه قضية عظيمة بينتها سورة الأنعام، أن رحمك الله، وهذه طبعا السورة كلها مبنية على هذه القضية، أن العمل الأساسي لشياطين الإنس وشياطين الجن العبث بالمفاهيم في المجتمعات المسلمة وتغيير الأقوال. والله الحرية، المرأة، ايش عندنا كمان أشياء اليوم؟ الشريعة، حقوق الإنسان.
كل هذه الأمور بيشتغلوا فيها الشياطين كيف نغيرها؟ زخرف القول. كيف نعطيك الحرية بمفهومها العلماني الليبرالي الأمريكي؟ كيف نفهمك مفهوم المرأة بالطريقة التي يريدها شياطين الإنس والجن؟ حريتك بإبداء جسدك، حريتك أنك تخرجي بدون ملابس عارية وما أحد يعلق عليك، حريتك أنك ترفعي صوتك على زوجك وتكوني صاحبة القوامة مثلك، حريتك.
وطبعا تجد مؤسسات وجمعيات وكتب وبذل الليل والنهار لزخرف القول، كيف نزين الباطل فنظهره بصورة جميلة يكون مقبولاً للناس. لأنه دعوة الأنبياء دعوة فطرية يا إخواني، وكلام الأنبياء كلام فطري يدخل للقلب بدون استئذان. فالباطل يشعر أنه يجب أن يبذل مجهوداً كبيراً ليشوه عقائد الأنبياء والمفاهيم التي يأتي بها الأنبياء والحق الذي يدعو إليه الأنبياء من خلال إحاطته بمجموعة من الشهوات والشبهات حتى يقبل.
وإلا لو كان الباطل ليس محاطاً بالتجميلات من الشهوات والشبهات، ما أحد رح يقبله؛ لأنه يخالف الفطرة، يخالف العقائد، يخالف السوية النفسية التي جبل عليها الناس. خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، مش هيك النبي عليه الصلاة والسلام يقول؟
فالإنسان فطرته سوية، يدخل الحق إلى قلبه بدون استئذان. لكن الذي يفعله شياطين الإنس والجن أنهم بيجلسوا مع بعض، يوحي بعضهم إلى بعض: كيف نغير المفاهيم في المجتمعات؟ كيف نغير المناهج الدراسية عندهم؟ كيف أنا أخلي الطفل هذا، هذا الجيل من هون لـ 20 سنة، أنا بدي هذا الجيل يأخذ مفاهيم جديدة وأفكار جديدة؟
فبيشتغلوا شياطين الإنس والجن على الإعلام وعلى المناهج وعلى وعلى وسائل التواصل، كل مكان. الصورة، الرسمة، الإعلان، كل شيء هو عبارة عن زخرف القول. شو الهدف؟ غروراً. يريدون أن يغروك. ايش يعني؟ يخدعوك. وشو الغرور؟ إخضاعك.
الهدف من هذا، من صناعة هذا المنتج الذي هو زخرف القول، ما هو؟ أنه نخدع البشر، نخدع الأنام ونحرفهم عن الحق الذي دعت إليه الأنبياء. فأصبح اليوم وصلنا لمرحلة أنه نناقش الناس حتى في الشذوذ الجنسي وفي العلاقات النسائية المحرمة، يعني في الأمور اللي ما أحد يتوقع أن يناقش فيها ثم يناقش فيها.
الإلحاد، شايفين الإلحاد يا إخواني؟ الإلحاد في تاريخ البشرية كان مقولة شاذة، لا يؤمن بها قوم نوح ولا قوم ثمود ولا قوم عاد. تخيل هذه الأمة الكافرة ما كانت تؤمن بالإلحاد، كانت ترفضه بس كانت مشركة، تخيل. اليوم صرنا نتكلم عن الإلحاد كأنه له منتجعاته وأفكاره ومؤسساته كظاهرة من الظواهر المجتمعية اللي بدنا نتعامل معها.
إيش اللي وصل البشرية لهذا المنحدر؟ اللي وصل البشرية لهذا المنحدر شياطين الإنس والجن الذين تبادلوا الخبرات، الصهيونية العالمية الحركات الماسونية وغيرها التي تتبادل الخبرات في صناعة زخرف القول وأنتجوا؛ لأنهم اشتغلوا.
وهذا جلد الفاجر والعياذ بالله. فربنا بيقول لك أنهم شو هدفهم في اجتماعاتهم ووكرهم؟ هؤلاء قوم سخروا حياتهم لمواجهة دعوة الأنبياء. وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً. شوف القرآن بيعطيك التفصيل الجميل، يعني هو ما بيتركك بس أنه عدواً، بيعطيك العدو شو أول شيء رح يشتغل عليه هذا العدو، بدك تنتبهوا.
وهذه جمالية القرآن أنه بيعطيك البلاء الذي ربنا سخره علينا والدواء الذي تتعامل معه فيه. وايش بيعمل يعني؟ هو مين الذي أذن بوجود العدو؟ الله. مو بيقول لك جعلنا؟ فربنا بيعطيك أنه أنا في بلاء جهزته لكم أيها البشر لأختبركم به، وهذا البلاء صورته كذا وكذا، وبيعطيك كيف يفكرون، بعدين رح يجي يقول لك شو الدواء كيف تتعامل معه.
لماذا نحن نحتاج القرآن؟ لأن القرآن فيه توصيف للداء والدواء. بيعطيك هدول أهل الباطل أذنت أن يوجدوا ويكونوا خصوماً للأنبياء، ورح يشتغلوا مع بعضهم، ها بيعطيك التفاصيل، رح يشتغلوا أن يغيروا المفاهيم ويغيروا المصطلحات. أنت كقارئ للقرآن هيني أعطيتك ونبهتك: إياك أن تغتر بالزينة بزخرف القول، مش يبهرجوا عليك أشياء خلاف الكتاب والسنة، ينضحك عليك بكرة أشوفك مع حركة نسوية، أو أشوف أختي الكريمة طالعة عارية، ولا أشوفك تدافع عن الليبرالية والعلمانية، ولا أشوفك مع العولمة والرأسمالية.
ها، أنا بينت لك من أول أنه هناك مؤامرات واجتماعات يوحي بعضهم إلى بعض. شوف التعبير العالي جداً: جلسات بعد جلسات بعد جلسات في الأروقة والأماكن الضيقة والواسعة، الهدف منها صناعة الباطل وزخرفته وإضلال البشرية ليخدعوكم غروراً.
ونرجع ربنا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: 112]. لكنني أذنت أن يفعل. ولو شاء الله، شفت دائماً الارتباط بالمشيئة، أنه حتى الشر، مش هي مشكلة الشر في العقيدة، الله أذن بوجوده لأن الله يريد أن يبتلي، مو هيك الحياة الدنيا: ليبلوكم؟ ما تقول طيب يا رب يعني ولو شاء الله ما فعلوا، طيب ليش يا رب أذنت أن يفعل؟
ما هو إذاً أقول لك كيف بدي أختبرك، صح؟ كيف بده يكون في مؤمن وكافر، وفي جنة ونار، ودرجات الجنة متفاوتة؟ بقدر ما أنك تقرأ القرآن ستفهم أكثر وأكثر كيف تتعامل مع هذا، وبقدر ما تبتعد عن القرآن ستغرق في أوحال هذا العالم القذر الذي ملئ بزخرف القول.
إذاً ولو شاء الله ما فعلوا، لا تظن أنهم يفعلون شيئاً في أوكارهم ولست أذن ولم أذن به. يعني ما تظن أنهم والله لما يجتمعوا الله عز وجل غير مطلع على اجتماعاتهم، أذن لهم أن يجتمعوا إذناً كونياً ومطلع على ما يحيكونه للإسلام والمسلمين، وأنت بدي أشوف شريك يا مؤمن كيف ستتصرف. ولو شاء الله ما فعلوا.
طيب ما المطلوب مني؟ فذرهم وما يفترون. وهذه في قمة الطمأنينة، ايش معناها؟ لا تقلق من كل الاجتماعات في الأروقة السرية وفي الأروقة الداخلية. فذرهم وما يفترون، فليفتروا ما يشاءوا. ماذا يفترون هم؟ زخرف القول. مش هم لما يجتمعوا في الأروقة بيكون اجتماعهم شو الهدف منه؟ كيف نغير المناهج، كيف كذا. فبتلاقي شباب الدعوة ايش؟ خايفين.
شوف الأروقة برحتهم، كيف بيفكروا هؤلاء؟ يا أخي شو ناويين يعملوا للإسلام؟ الله يستر السنوات. فذرهم وما يفترون، والله لينتصرن هذا الدين لو افتروا واختلقوا وصنعوا وأنتجوا من زخرف القول وشوهوا المفاهيم يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم الضعيفة. تخيل واحد يطفئ نور رب العالمين وهو بيهفف فمه، مسكين.
فهذه عبارة طمأنينة أن المستقبل لهذا الدين. فذرهم، اتركهم، سيبك منه. أنت اشتغل، أنت اشتغل كشاب دعوي في حقول الدعوة، علم الناس الكتاب والسنة والعقيدة والسيرة، وعلمهم الأخلاق والقيم، وحرك كل ما يفعلونه. ولو أن، طبعاً هذا الكلام للصُّحابة في زمن الاستضعاف، مثل أزمنتنا اللي فيها أهل الباطل هم أصحاب السطوة والقوة، فأنت بتكون خايف وهايب.
أنت مش في زمن التمكين عم تحكي أن المسلمين هم أصحاب الدولة ومع ذلك الله يخبرنا: فذرهم وما يفترون. ولا تهابنا من تآمرهم ومن زخرف القول ومما يوحي بعضهم إلى بعض في الأروقة المغلقة، فالله مطلع عالم بأحوالهم وأسرارهم. أنت اشتغل على نفسك، ابن الإيمان في داخلك، اصنع التوحيد في قلبك في قلب زوجتك في قلب أبنائك وبناتك، احمي الجيل، حاول أن تضع بذرة. أما الباطل هذا، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]. لا تقلق.
طيب، ثم قال: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: 112]. هذه معطوفة على ماذا؟ على غروراً في القول الذي نختاره في أقوال، لكن أنا نختار أنها معطوفة على ايش؟ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول. الآن نعود فنقول زخرف القول، التشويش في المفاهيم الدينية.
ما الهدف منه؟ أولاً التغرير، هيك بنقول، واحد التغرير، وهو خداع الدهماء من الناس. اثنين، الهدف منه ايش؟ أن تميل، ولتصغى يعني ولتميل، أن تميل إلى هذا الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة.
شوف كلمة الذين لا يؤمنون بالآخرة تتضمن فيها ايش؟ العلاج، يعني هي أعطاك مؤشر للعلاج، أنه من الذي سينخدع بزخرف القول؟ مين الذي سيصغى؟ ايش معنى تصغى؟ يعني تميل. من الذي سيميل إليه ويتاثر فيه ويبلش يمشي مع الليبرالية والعلمانية والعولمة والنسوية وكذا؟ من ضعف إيمانه بالآخرة.
وبالتالي كلما قوي إيمانك بالدار الآخرة ستكون هذه الأمور بالنسبة لك سهل توقيها، وكلما ضعف إيمانك بالدار الآخرة ستكون فريسة سهلة لتشويه المفاهيم ولتتقبل الشهوات والملذات لما تأتي إليك بصورة ماذا؟ منمقة ومجملة، بصورة والله اختلاط هدفه يعني تبادل الخبرات بين الرجال والنساء، والله هذه المؤتمرات أو هذه هدفها تقوية المرأة.
مين المرأة اللي بتتاثر بهذه الدعوات؟ من ضعف إيمانه بالآخرة. وكأن القرآن يقول لنا: علينا أن نعزز في بيئاتنا الاجتماعية والأسرية مفهوم الإيمان بالدار الآخرة، أن نبقى نتحدث فيما بيننا عن هذا الموضوع، لتكون الدار الآخرة شعاراً لدروسكم لدوراتكم لمدارسكم لحديثكم. خلي الدار الآخرة دائماً على ذهنك حاضرة؛ لأنه هذا رح يعمل لك وقاية تحميك من هذه الـ من زخرف القول.
إذا الدار الآخرة أنت ضعيف الاستحضار لها، بس أنت بتفكر منهارك لليلك شغل، بزنس، زواج، حياة، ألعاب كرة قدم، أنا ساعتها شيء سهل جداً أنك تغرق بيديك ورجليك في زخرف القول وتميل إليه.
ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وكأن هذه اللام لام العاقبة وليست لام التعليل. يعني هو ولتصغى، لا يمكن أن تكون لام التعليل إذا قلنا يوحي بعضهم إلى بعض حتى يخدعوا، وليوم لا تصلح أن تكون لام التعليل، تمام؟ يعني هم يتعاونون فيما بينهم على صناعة المفاهيم الفاسدة ليخدعوا، ولتميل بقلبك إليهم، لاحظ ولتصغى إليه، مش للأجساد، القلوب قبل الأجساد، أنه يصبح قلبك يميل لهذا النوع من الخطابات الفاسدة ومن التشوهات الفكرية، تميل إلى هذه الجماعات والطوائف وإلى هذا النوع من الإعلام.
ثم لاحظ، هي الآن خطوات تراتبية: خدعوك، بعدين استقطبوك، شو الخطوة بعديها؟ وليرضوه، رضيت في الباطل. الخطوة الأخيرة: أصبحت جندياً له، وليقترفوا ما هم مقترفون، تصبح أنت تمارس نفس ممارستهم، وأصبحت جندياً لدى هذه الجمعيات والمؤسسات. شوف هي تراتبية في الآية: خدعوك، بعدين ولتصغى استقطبك. بعد ما استقطبك قال لك: يا أخي اسمع مني شو رأيك يعني، يا أخي أنا بس بدي أياك تسمع. بعد ما أنت رضيت أنك تسمع منهم، خدعوك بالسمع، ملت إليهم، بس لما ملت، أنت لسه كأنك أول شيء بتترنح، نوع من الميلان، لكن مع الوقت ومع كثرة سماع زخرف القول سترضاه: وليرضوه، ستقتنع به وتقبله.
لساتك ما صرتش جندي مدافع عنه، لكن في النهاية وليقترفوا ما هم مقترفون، راح تصير تعمل زيُّهم، وستصبح جندياً من جنودهم تدافع عن هذا الباطل. هذا معنى وليقترفوا، يعني ليفعل، تصبح تفعل ما هم يفعلونه مع الناس. تصبح أداة لأهل الباطل وبوقاً من أبواقهم، يفعلون بك وتوجه، وتصبح أنت شيطان من شياطين الإنس والجن، يعني كأنك ارتقيت من رتبة إنسان في حاله بباله لرتبة شيطان وتصبح معهم: وليقترفوا ما هم مقترفون.
شوف جمالية الآية في تصويرك، تصويرها عفواً، مراحل الانحراف: الاغترار، الميل، الرضا، التجنيد. هذه هي. هذا ما يحصل مع كل شخص. بيكون شخص بتقول له: يا أخي لا تسمع لأهل الباطل، لا تحضر في محافلهم، لا تفتح على مقاطع اليوتيوب العبثية. وتصبح تقول لي: لا، فضول المعرفة يا شيخ، فضول المعرفة راح يذبحك، فضول المعرفة راح يقتلك، بيصبح بيصير يسمع يسمع، أول شيء بينخدع وبصير يتشكك في اللي عنده، بعدين بيصير يميل، بتصير الفتاة أو الشاب يميل لهذا النوع من الدعوات، بعدين بيرضاه، خلص بيصير عقيدة ومبدأ له، بعدين يصبح يفعل مثلهم.
ولذلك دائماً لما نقول عن خطورة السفر إلى بلاد الغرب، السفر لبلاد الغرب بعض الناس بتفكر أنه إيش؟ أنه أنتم يا مشايخ بتفكروا يعني لو رحنا بلاد أوروبا وأمريكا أنا راح أضل أصلِّي، يعني أنا راح أترك الصلاة؟ أنا مش خايف من أنك تترك الصلاة ابتداء، أنا خايف من هذه الخطوات اللي راح تصير، أنه أنت لما تروح على بلاد الكفار، طبعا في بلاد المسلمين فيها هذا الجزء من زخرف القول، بس هناك أنت هي كلها زخرف قول، يعني هون في بلاد المسلمين نحكي خمسين خمسين، هناك كلها زخرف قول تقريبا، يعني هناك أنت ستسمع كثير في حياة الناس وواقعهم ترى هذه البهرجة في حياتهم والمادية النتنة اللي هما غارقين فيها، أنت سنة سنتين راح تصغى إليها، يعني تصير تميل لهذا النوع من.
الحياة لأنه ألفته. أنت عايش فيه، أنت ظرف عايش فيه. لو بتصلي في المسجد خمس صلوات، أنت بتطلع في النهاية للشارع والميدان، وتعمل في سوق العمل، ستصغى إليهم. ستميل، وبعد ما تميل لحياتهم سترضاها، وبعد ما ترضاها راح تيجي على الأردن تدافع عنها، وليقترفوا ما هم مقترفون راح يجي يقولك: يا أخي شوف هدول المسلمين في الأردن ولا في... يا أخي شوف الزبالة في الشوارع عندهم مش مرتبة، شوف الطرقات فيها مطبات، شوف يا أخي في أوروبا وأمريكا الشوارع واسعة، هاي واي كبير واسع، ناطحات سحاب عالية، ناس راقية، تدخل على المؤسسة، على البنك، بتلاقي المعاملة بخمس دقائق، هنا بتروح على بنك إسلامي ولا بنك كذا بتوقف لك خمس ساعات.
بيصير يعطيك إيش المشاكل اللي أنت بتشكي منها؟ شو المشاكل اللي هي مغلبتاك؟ دنيا. طبعا أنا مش عم أبرر، بس أنا يعني هو لازم نحن نعدل أمورنا شوي، بس الفكرة أنه يصبح هو الدنيا: اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا. هذا حالهم، أصبحت الدنيا أكبر همه، مشكلته الطرقات والسعة والأحوال الجامعية وكذا، والموظف الحكومي فلاني مرتشي، يعني بيصير هو عنده مشاكل معينة كلها تتعلق بأمور الدنيا. أصبح يفضل الحياة في بلاد الكفار ونمط الحياة على حياة، عفوا، أهل الإسلام عموما على ما عندنا من النقص، ونحن ما بنبرر النقص، لكن بدي إياك تفهم أنه هذا سيحصل معك خطوة بعد خطوة؛ سترضى بحياتهم، ثم ستصبح جنديا لها وليقترفوا ما هم مقترفون.
شوف الختام السيء، أنت ستصبح، وسماه إيش؟ اقتراف، والاقتراف عادة يكون في الشيء اللي فيه خطيئة. ما قال: وليعمل ما هم يعملون، قال: وليقترفوا؛ لأن الاقتراف يكون في القبائح، وستفعل القبائح كما يفعلونها، وتصبح ترى الاختلاط عادي، وهذه الحياة والممارسات الجنسية الفوضوية عادية، وتصبح ترى كل المفاهيم المادية شيء عادي مقابل المفاهيم الدينية. هذه خطوات خطيرة ولذلك ابتدأت الآية التي بعدها: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: 114]. لأنه شو نتيجة أنك تنخدع وتصغى وترضى؟ نتيجة هذا أنك رضيت بحاكمية لغير الشريعة، ورضيت بحاكمية لغير الوحي، صحيح؛ لأن هذا الذي سيحصل معك لما تصغي لزخرف القول بدلا من أنك تبقى متشبثا بالوحي الإلهي، بالكتاب والسنة، الذي سيحصل معك أنك سترفض حاكمية ووجود الشريعة الإلهية في حياتك، وترضى بماذا بزخرف القول ليحكم حياتك ويوجه بوصلتك.
فستصبح إنسان مشوه، فمن هنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكل أتباع الأنبياء أن يصدحوا بقولهم: أفغير الله أبتغي حكما؟ بدكم إياني أتوجه إلى حكم يحكم في أمور حياتي واختياراتي سوى الشريعة الإلهية؟ لا يمكن أقبل بزخرف القول أن يحل محل الوحي. لا يمكن أقبل هذا أنا كمؤمن وإنسان أسير على خطى الأنبياء؛ أتباع الأنبياء لا يقبلون أن يحكم في حياتهم زخرف القول. أفغير الله أبتغي حكما؟ إذا من يحكم العلمانية والليبرالية والشيوعية والاشتراكية؟ من يرضى بهذه الأمور في حياته والنسوية، هو فعليا ابتغى غير الله حكما. أفغير الله أبتغي حكما؟ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا، يعني عفوا أنت شاعر أن الوحي الإلهي في نقص؟ الله أنزل كتابا مفصلا بقواعد سياسة الوجود، مش كتابا مجملا.
يعني هو مع الكتاب والسنة يكمل بعضهم بعضا، تفصيل كيف يتم الوجود وتقام الحياة على أكمل حياة وحدها. أنت، وهذا يعطيك شعور بالاستغناء: أنا مستغني بالكتاب والسنة، أنا مش شاعر بنقص معرفي حتى ألهث وراء الفكر الغربي والفكر الأوروبي والفكر الهندي والفكر السوفياتي، وأصبح شغفي أني أقرأ في فلاسفة الشرق والغرب. أنا ما عندي نقص، أنا ما عندي جوع معرفي، أنا مشبع بالكتاب والسنة. وهذا استغناء واعتزاز بما عندك. أنت شاعر بالقصور ساعتها راح تروح، لكن المكتفي المعتز بالكتاب والسنة، وهذا الاعتزاز طريقه إخواني هو أن تفهم الكتاب والسنة. يعني الاعتزاز كل الاعتزاز لن يأتي إلا بقدر ما تتعلم من الكتاب والسنة أكثر، ستعرف قيمة ما عندنا نحن كمسلمين.
لذلك قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114]. هذه الجملة الهدف منها صناعة الاعتزاز. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: 114]. وهذا كلام كان بتشوفوه في رسالة للمشركين، مكة المشركين مكة كانوا يفكروا أنه أهل الكتاب شيء عالي جدا في المعرفة لأنهم ما كانوش عندهم كتاب، فكانوا يرون اليهود شيء عالي، فكان الخطاب يوجه لكفار قريش: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أن هذا القرآن يعلمون أنه بكل ما فيه من المحكم منزل من ربك بالحق. يعني حتى أهل الكتاب يعرفون قيمة ما عندنا. أنتم رايحين عندهم ليه؟ يا أخي يقولك أهل الكتاب اللي أنتم يا كفار قريش رايحين جايين من عندهم... هم كفار قريش رايحين جايين عند اليهود: هل محمد عليه الصلاة والسلام صادق؟ أعطونا هيك دلائل وعلامات نعرف فيها صدقه؟
كانوا مشتغلين مع اليهود واثقين فيهم، فربنا بيقولهم يعني ريحوا حالكم، ترى أهل الكتاب نفسهم اللي أنتم بتروحوا لهم ومفكرينهم نموذج معرفي يستحق أن يشار إليه بالبنان ويسأل، هم نفسهم يشهدوا أن هذا الكتاب من عند الله وأنه حق في كل ما أخبر به من قصص السابقين وأحوال الماضين ومن دعوته. فأنتم بالتالي يا مسلمين: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: 114]. يا مسلم، لا تشك بما عندك، ولا تتزحزح، لا تخضع أمام سطوة الباطل وزخرف القول هذا المخيف. ولذلك سورة الأنعام والله عظيمة إخواني، عظيمة لأنها بتثبت المؤمن في زمن الاستضعاف أمام ضغط الباطل. الباطل في زمن الاستضعاف أكبر خطر منه هو زخرف القول، مش أكبر خطر إنه يعمل حرب عليك. تمام؟ كل حرب غزة اللي صارت هي في النهاية ما غيرت المفاهيم والعقائد، بل بالعكس صنعت عزاز المؤمنين.
أنا مع إنه فيها دماء وتضحيات، المواجهة العسكرية ما بتخوف، ما بتخوف على الأديان، اللي بخوف على الأديان زخرف القول، صحيح؟ هذا اللي بخوف. أنا ما بخاف إنه قتلوا مسلمون في سبيل الله مع اليهود، هذه شهادة، والأصل إنها ما تفتني يعني، مسلمون واجهوا أهل الباطل. لكن أنا بخاف على زخرف القول، ففي زمن الاستضعاف المخيف ليس أن يقضي عليك الكافر، المخيف هو إنه يخدعك الكافر ويقدر يلعب في دماغك ويغير مفاهيمك، فتصغى إليه وترضى وتقترف ما هو يقترف، هذا المخيف. ولذلك كل القصور في الأنعام هي تركز في اعتقادي إذا بدي أجي على صلبها، تركز على ضرورة الحفاظ على الخطاب الدعوي واضح ونقي، وألا نسمح لزخرف القول أن يدخل في خطابات الدعاة.
ألا نسمح لزخرف القول إنه إخواني، أنتم بتعرفوا شو المشكلة اليوم؟ إنه زخرف القول مش أصبح فقط من الباطل يأتي، بل بعض الدعاة الذين يدعون إلى الإسلام أصبح يعتمد زخرف القول في خطاباته. أنت عارف شو الجناية اللي بتعملها قاعد؟ أما هي المصيبة! أنت بدك تكبر قاعدتك الجماهيرية، ربنا ما بده إياك تكبر قاعدتك الجماهيرية على حساب نقاء الدعوة. ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: 107]. هي مفاهيم إحنا بنقرأها سريعا لكنها مهمة، أنت مش مسؤول، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بَوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107]. لا تلبس لباس إنه أنا مسؤول عن... أنت مش مسؤول، أنت مطلوب منك أن تدعو، بعد كده حافظ على دعوتك، ولا تستقي زخرف القول وتظن إنه هكذا أنت بالعكس. زخرف القول اللي عم تضمنه في خطاباتك الدعوية عم يزيد المشهد تعقيدا علينا.
أنت بتقولي والله يا شيخ كبرت القاعدة الجماهيرية، بتابعني على اليوتيوب. يا أخي شو بدي في اللي بتابعك على اليوتيوب؟ هذا على أرض الواقع عبارة عن فقاعة ماء يعني تنفجر، ما مش رح تخدمني في الميادين الدعوية، هذا أنا ما بحملهوش يعني كاسماء، هذا ما هذا في المعارك بهرب، هذا في الدعوة ما بصمد. إياك إنك تراهن على تكبير القاعدة الدعوية على حساب نقاء المفاهيم وأنك تسرق تحت طائلة زخرف القول. ولذلك قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115]. وهنا كلمة ربك في خلاف: هل هي الكلمة الشرعية وهي القرآن؟ أم الكلمات الكونية وهي القضاء والقدر؟ هناك قولان للمفسرين، وأميل إلى أن الكلام عن الكلمات الشرعية وهي الوحي، وتم وحي ربك صدقا في الخبر، وعدلا في الأمر والنهي. القرآن بيتكون من إيش؟ من أخبار وأوامر ونواهي. فهذا اعتزاز، والله عز وجل يريد منا أن نعتز بما عندنا.
القرآن تام، تمت كلام الله، صدقا فيما أخبر به، وعدلا فيما أمر به، ﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: 115]. شو يعني لا مبدل لكلماته؟ إذا قلنا أن الكلمات هي القرآن، فالله يقول لا يجوز لأحد أن يمس كلمات الله ويشوهها، فهنا نعم أسلوب نفي، ولكنها تشعر فيها معنى النهي: لا مبدل لكلماته، الأحكام والأخبار تبقى كما هي، ولا يجوز لأي أحد أن يعبث بها وأن يبدلها، تمت تامة. الدين فيه نقص إخواني؟ حتى تعبئ السطر؟ في فراغات في الوحي الإلهي مطلوب من حضراتكم تعبئوها يا أيها الدعاة؟ القرآن تام: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]. تام في أخباره، تام في أحكامه. أنتم أسقطوا هذه الأحكام وقيسوا عليها، الأمور ماشية صح. لا مبدل لكلمات... لا يسمح بأي تبديل لأي قاعدة قرآني ولا لأي حكم إلهي، لا يجوز هذا التبديل ولا يسمح به.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الأنعام: 115]. عم بسمع ماذا تقولون؟ ﴿الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115] بما تفعلون. ومن تعدى على الكتاب والسنة فشوه معانيها وسعى لتبديلها، فالله سميع بما يفعل، عليم بما يفعل. وهذا نوع من الوعيد والتهديد. نقف عند هذا القدر، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل