أنا محمد عبد الرحيم، خريج كلية الهندسة عام 2005، تخصص إلكترونيات، وليسانس كلية دار العلوم، وحالياً باحث في مجال هندسة اللغة. أظن أن معظم الحضور هنا بسبب العنوان؛ لأن العنوان به لبس كافٍ لجلب شعور ما هي هندسة اللغة. أولاً، أريد أن أشكر الحضور جميعاً على الرغبة في المعرفة، وأشكر فريق المنصورة لاستضافة عضو من فريق معرفة القاهرة، لإلقاء محاضرة في المنصورة. إن شاء الله المحاضرة سوف تكون تعريفاً، والهدف النهائي هو التعريف بمجال هندسة اللغة، لكن سوف ندخل من مدخل معرفي أو فكري للوصول إلى الهدف النهائي.
دائماً جميع الأمم تمر بمنحنيات زمنية، إما أن تكون في أعلى المنحنى الحضاري، وأحياناً تسقط تماماً من المنحنى الحضاري، وأحياناً تختفي. هناك أمم اختفت، تم إبادة أمم بالكامل، وهناك أمم واجهت تحدياً في المنحنى الزمني الذي كانت تعيش فيه وفشلت، ولكن بقيت أمم إما مستعمرة، أو أمم عالم ثالث أو رابع أو خامس، على حسب التقسيم المشهور. دائماً التحدي الحضاري لكل أمة أحياناً لا يكون متشابهاً. بمعنى الأمة الإسلامية عند اجتياح المغول لبغداد كان هذا التحدي تحدياً حضارياً، ولكن تحدي عسكري فقط. لماذا؟ المغول عندما اجتاحوا العالم الإسلامي وأبادوا تقريباً ثلث العالم الإسلامي، وقتلوا الخليفة، وأبادوا حاضرة الدنيا وقت ذلك وهي بغداد؛ عندما استمروا سنوات معدودة داخل المجال الاستراتيجي للعالم الإسلامي، أسلموا وتعرضوا وحكموا العالم الإسلامي، فكانوا هم الأمة الغالبة على المستوى العسكري، ولكنهم هُزموا حضارياً على المستوى الحقيقي؛ دخلوا في حضارة المغلوب عسكرياً.
المغول عندما اجتاحوا الصين، المغول من الأمم التي اجتاحت وقت ذلك؛ المغول ليسوا صينيين بالأصالة، اجتاحوا الصين وهي كانت إمبراطورية طوال عمر الصين، فهي إمبراطورية ضخمة. عندما أتوها، الحضارة الصينية ابتلعتهم، فحكموا الصين بأعراض الصين، وبفلسفة الصين، وبلغة الصين. فهناك هذه الأمم أحياناً يكون التحدي عسكرياً، وهذا في رأيي الشخصي أسهل. الاتحاد، الحملات الصليبية كانت مشابهة لذلك الاتحاد، تحدي عسكري عندما اصطدموا بالعالم الإسلامي؛ كان في هذا الوقت الفجوة الحضارية بين الصليبيين وبين العالم الإسلامي فجوة رهيبة جداً، وكان الآن العالم الإسلامي في سقف الدنيا، ولكن لأسباب أن هذا الوقت لم يكن وقت صناعي، يعني أسلحة الإبادة الشاملة، فلم يكن الفرق ملحوظاً بهذه الدرجة الآن، ولكن كان هناك فرق كبير.
عندما اصطدموا أحياناً ربحوا على المستوى العسكري، وفشلوا على المستوى الحضاري، يعني لم يصدروا لنا أي شيء، ولم يمثلوا تحدياً حضارياً على المستوى الفكري أو الثقافي أو الديني حتى، بالعكس، كثير من ملوك أوروبا وأمرائها أسلموا أو تأثروا بالإسلام. بعد ذلك اجتاحت أوروبا مشاكل بسبب الاصطدام الذي ربحوا فيه عسكرياً أحياناً؛ مثلاً مشهور جداً هناك ملك في أوروبا سُمي بالـ"أيكونكلاست" (محطم التماثيل)، عندما اصطدمت أوروبا بالعالم الإسلامي وجد العالم الإسلامي عالماً تجريدياً، لا يجسد الإله في صور تماثيل أو كذا، ولا يمثل أي شيء في صور، فقام بثورة سُميت بعد ذلك بـ"أيقونات" (تحطم الأيقونات أو التماثيل)؛ فهو تأثر بالعالم المغلوب ثقافياً.
نحن الآن في تحدي حضاري من نوع جديد، ولأول مرة العالم الإسلامي يصطدم بمن يصدر أو يدري أصلاً أن يقول للعالم الإسلامي إنني سوف أصدر لك ثقافة وحضارة ودين، بل منهج حياة. من أوائل التصديرات اللغة، دائماً المستعمر أو الغالب أول ما يصدر فيما يصدره اللغة؛ لأن اللغة هي الشخصية، وهي الهوية، وهي الدين أحياناً. كثير جداً من مستعمرات إسبانيا وقت كانت هي الدولة الأولى في العالم في أمريكا اللاتينية، أول خطوة كانت تقوم بها إسبانيا، كانت لا تنشر المسيحية؛ هي كان لها فضل على أمريكا اللاتينية في تحويلهم من وثنيين لديانة سماوية، ولكن أول ما بدأت بتعليم الإسبانية، وبعد تعليم الإسبانية نشر الإنجيل مطبوعاً باللغة الإسبانية. فكيف تنشر ديانة في قوم لا يفهمونها أصلاً؟ فهذه هي المدخل، المدخل هو التحدي اللغوي، التحدي اللغوي جزء من التحدي الثقافي الفكري، هو التحدي الحضاري بوجه عام. الآن لأسباب تتعلق بشكل العالم الحالي، أصبح تحدي لغوي هذا تحدي مصيري، بمعنى قد تزول أمة من على الوجود بسبب زوال اللغة.
هل يعقل أن تموت لغة كاملة؟ هل أحد تصور كم لغة في العالم؟ هذا سؤال، نريد أرقاماً، احتمالات. هل أحد عارف بشكل دقيق؟ عموماً، هل يتصور أحد أن اللغات في العالم أكثر من 1000 لغة؟ 2000 لغة؟ أكثر من 3000 لغة؟ هم اللغويون يوصلون عدد اللغات في العالم إلى 7000 لغة. هناك لغات بادت أصلاً؛ هناك في منطقة اسمها أمازونيا المدارية، هناك رجل وامرأة يتكلمون لغة اسمها لغة "التيت"، هم فقط آخر من يتكلمون بهذه اللغة؛ فعندما يموتون سوف تزول لغة "التيت" من العالم. هذه لغة، اللغة العبرية كانت تعد من اللغات الميتة لمدة 1000 سنة، العالم اللغوي يحكم على لغة ما بأنها لغة ميتة إذا صارت في بطون الكتب؛ اللغة اللاتينية الآن تدرس، لكن في بطون الكتب، وأحياناً يُتلى بها بعض الصلوات في مناطق ما، ولكن هي لغة ميتة.
في وقت ما، ظن العالم الغربي أن اللغة العربية سوف تموت في أبان الحملة الاستعمارية؛ فكان ينظر ويرصد العالم الإسلامي بنظرة من ينظر إلى الجثة قبل التحنيط، يقول: رجاءً حافظوا على أكبر كم من هذا الأثر؛ لأنه سوف يزول بلغتي، بديني، بحضارتي. لأن كان التحدي، العالم الاستعماري بريطانيا وفرنسا ومقابلهم البرتغال وإسبانيا وهولندا، جميع الدول الأعظم بدأت العصر الكولونيالي الاستعماري في أوروبا، لا توجد بقعة إسلامية لم تخضع للاستعمار حاشا الحجاز، وكان خاضعاً لبريطانيا بشكل إداري، هذه الحقيقة. فكان يظن بالعربية أنها سوف تلحق بهذه اللغات. دائماً المسلمون بحسن نية يقولون: لا لن تموت، القرآن باقي، والنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وهكذا. المشكلة أن هناك دائماً إشكالية بين القدر قبل وقوعه وبعد وقوعه؛ يعني كان لا يتصور أحد أن مثلاً الحجر الأسود يزول، هو ظل 25 سنة خارج الكعبة، كان عندما يؤلف في متون الفقه في وقت ذلك كان يكتب هكذا: ثم يقبل الحجر، لو كان الحجر مش موجود، الحجر الأسود هو شيء مقدس زال في وقت القرامطة. الشاهد أنه لا يوجد، الأشياء تحمى، الديانات والمقدسات واللغات والهوية تحمى بأهلها. هذه حقيقة، أن تأتي أهله ويرتقوا، إلا أن هذه لغة سماوية وأن الله عز وجل سوف يحميها، هذا مذهب الجاهليون: بيت رب يحميه؛ يعني اللغة لها رب يحميها. نعم، والمسلمون والعرب أحياناً حتى العرب غير المسلمون هم مسلمون بالحضارة؛ كثير جداً من المهتمين باللغة العربية في لبنان وكذا هم غير مسلمين، ولكن هم مسيحيون عرب، فيقومون بحماية لغتهم.
الخوف الآن مما يسميه العالم بالدونية اللغوية، هناك "البقاء للأقوى"، اللغة لغة الأقوى، وليس في اللغة "القوية"، لغة الأقوى تجتاح اللغة الأضعف. بمعنى أطفال ما روم وقت الحضارة الإسلامية، كانت الحضارة الإسلامية هي الأولى في العالم، كانوا عندما يتفسحون على بعضهم البعض، يقول إذا أراد أن يقول بالإيجاب: "نعم" بالعربية، زي "أوكي" و"ميرسي" وهذا الكلام. لماذا؟ هذا حدث أبان الغزو الألماني لفرنسا، كان الألمان يعيرون الفرنسيين يقولون: هذه لغة ضفادع، يجب أن تتعلموا الألمانية لغة البشر، والفرنسيون الذين استعمرونا كرروا معنا نفس الفعل؛ كانوا يقولون: لا يمكن أن نكتب الأدب بالفرنسية التي ملأوا بها أدباً. دائماً في أبان الهزيمة الثقافية والهزيمة النفسية، يظن الضعيف أنه ضعيف بفطرته، والقوي يريد أن يوصل رسالة بأنه قوي بهيئته. هكذا خلق الله وهكذا خلقك الله ضعيفاً، خلاص. فهذه هي القضية، أن كل اللغات معرضة للموت، وإذا ماتت اللغة مات أهلها. لماذا؟ الهوية تعرف باللغة؛ لو واحد ياباني ولد في الحجاز وتكلم العربية منذ نشأته لن يصير يابانية، هو الياباني بماذا؟ إما بلغته أولاً، وبحدوده الجغرافية ثانياً، وبديانته، إن كان ثم ديانة في اليابان هي أقرب للفلسفة من الديانة، الديانة بالمعنى الذي نعرفه، ديانة الشنتو. فهي هذا هو التحدي، أن اللغة يمكن أن تزول.
طيب ما المشكلة؟ أحياناً هناك إجابة؛ لنتكلم الإنجليزية. في وقت من الأوقات عضو من أعضاء مجمع اللغة العربية في مصر، أن الاحتلال الإنجليزي عرض مشروع المجمع بكتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية بالإنجليزية كما فعل، هي اللغة "الفرانكو" التي يكتبونها الشباب، مصطفى كمال أتاتورك فعل ذلك أبان إعلان الجمهورية التركية على أنقاض الخلافة، سميها في تركيا حول الحروف. هناك 50 لغة في العالم كانت تكتب بالخط العربي، 50 لغة غير العربية، بالطبع الفارسية ما زالت، والأوردية ما زالت، وكانت كل لغات أفريقيا، أفريقيا كلها مسلمة، كانت كل حروفها، السواحلية والهوسا وكل هذه اللغات كانت تكتب بالخط العربي. منها التركية كانت تكتب بالخط العربي، ومعظم لغات الممالك في كازاخستان التي يسمونها دول الخانات كانت تكتب بالرسم العربي، لغتها المحلية وهكذا؛ كل الدول التي أسلمت أحياناً احتفظت بلغتها وكانت تكتب بالرسم العربي. عرض هذا العرض، كمال أتاتورك فعل هذا، تركيا الآن يسمونها في تركيا الخط العثماني، الخط العثماني، التركية التي تكتب بالرسم العربي، أما الآن فهي التركية، التركية الكمالية تكتب باللاتينية؛ وبعد ذلك انقطعت المسيرة التاريخية، يعني الأتراك حالياً لا يقرؤون، لا يستطيعون قراءة أي شيء بالخط العثماني، فانقطع حبلهم، وكأنك ولدت منذ 50 عاماً وأنت حضارة استمرت 1400 عام. فهناك خطرات شديدة جداً، سوف نتكلم عنها، خطورة موت لغة ما.
طيب ما هي اللغة أصلاً التي نتكلم عنها؟ أخصر تعريف هو، هناك تعريفات كثيرة جداً غربية وعربية لتعريف اللغة نفسها، كلمة اللغة، اللغة هي أخصر تعريف هو تعريف ابن جني من علماء العربية الكبار القدامى، العربية: اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. هذا تعريف اللغة بشكل إنساني، كل لغة هي هذا التعريف. طيب إذا أردت أن تدرس لغة بشكل آلي أو بشكل دراسة نظرية، تدرس كل اللغة، تدرس على خمس مستويات: أولاً مستوى الصوت، للأصوات؛ فإذا أردت تتعلم الإنجليزية يقول لك اذهب فتعلمها، وهو علم التجويد في العربية، كيف ينطق الحرف ومخرجه وصفاته وكذا، هذا الناحية الصوتية لأي لغة. المستوى الثاني، مستوى الصرف، البنية الصرفية، الكلمة نفسها، الأفعال، الأسماء، اسم الموصول، اسم الإشارة، البنية نفسها بغض النظر عن الإعراب؛ بدون وضعها في جمل، الكلمات مفردة تدرس البنية الصرفية. وبعد ذلك المعجم، معاجم القواميس في كل اللغات أيضاً، أتكلم عن اللغة بعينها الآن. ثم بعد ذلك مستوى النحو، تراكيب وضع هذه المفردات في تراكيب. وبعد ذلك مستوى الدلالة، معنى الكلام؛ لأن أحياناً قد تضع جملة من كلمات وليس لها معنى، أو لا معنى للبشر كبشر، لأننا مقدمون على فهم الآلة للكلام لا يفهمونه. أشهر لغوي أمريكي ما زال على قيد الحياة "نعوم تشومسكي"، أشهر من تكلم فيه، هو صاحب النظرية التي ما زالت حتى الآن هي مركز الدراسات اللغوية الغربية والشرقية وكل شيء؛ كان يصيغ جملة بصدد نظريته، كان يقول: "الأفكار الخضراء تنام غاضبة"، هي جملة على المستوى النحوي صحيحة، الأفكار مبتدأ، الخضراء صفة، تنام غاضبة جملة فعلية خبر المبتدأ، لكن هذا ليس له معنى في عرف البشر. فهذه مستويات اللغة المختلفة.
طيب ما هي الإشكالية؟ دائماً الحاجة أم الاختراع؛ يعني لماذا فكر الناس في شيء يسمى هندسة اللغة؟ ما هي هندسة اللغة أصلاً التي نشأت عن طريق مشاكل؟ كلمة هندسة أصلاً ليست عربية، كلمة هندسة أصلاً كلمة "اندازه" بالفارسية معناها المقادير، وهندسة بالزاي في الفارسية معناها علم المقادير، عندما عربها العرب لا يوجد في العربية أبداً دال بعدها زاي، العرب لا تحتمل هذا الصوت، د وزاي، فقلبت الزاي سيناً أقرب حرف لها، فصارت هندسة، تمام. فهذه كلمة هندسة مفرده، أما اللغة المفردة فكما عرفناها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. هندسة اللغة ليست كما يتبادر للذهن أنها هندسة، كلمة هندسة هذه يعني خدعة؛ هي اسمها "لانغويج إنجينيرينج" هندسة اللغة، لكن كلمة هندسة يعملون بها ماذا؟ علم علوم اللغة من العلوم الإنسانية، علم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس وعلم اللغة علم إنساني، وأما الهندسة والطب والصيدلة وهذه العلوم علوم حسابية دقيقة، يسمونها العلوم الصحيحة الدقيقة، لماذا صحيحة دقيقة؟ لا يمكن أن تقرأ كتاب طب هنا في مصر تأتي تطبقه في أمريكا، كلها، هذا مذهب وفلسفة، لا، هو طب، لا تغير قانون الجاذبية هنا. أما العلوم الإنسانية تخضع للحس البشري والرؤى والأفكار؛ فكلمة هندسة إذا دخلت على أي علم من العلوم يقصدون بها جعل هذا العلم مقيساً معيارياً، ويستخدمون فيه بعض الأدوات الرياضية والإحصائية، وفي حالات من هذه الحاسوبية لضبط هذا العلم، تحويله إلى علم دقيق صحيح المصطلح. فهذا التعريف؛ طيب لماذا أُسست هندسة اللغة؟ لماذا أتى هذا الشق من العلوم؟ دائماً الحاجة أم الاختراع.
في وقت ما كان العالم كله بصدد تحدي الجذب المعرفي، إذ لم تكن المطباعة قد اخترعت بعد، فكان نسخ الكتب مأساة. الحضارة التي نجحت بشكل قوي جداً في هذا هي الحضارة الصينية والعربية؛ فالصين اخترعت الورق، والعرب كتبوا على الأوراق، فهم الأمة الوحيدة التي تستطيع أن تفاخر بتراثها المكتوب وبالعمل النسخي المنظم المؤسسي. لكل الأمم تاريخ مشابه، لكن الأمة العربية مذهلة في هذا، فإذا ذهبت إلى أي بقعة من بقاع الأرض الآن فلا بد أن تجد مخطوطاً عربياً يعود إلى 1400 سنة. وللأسف، فإن أشهر المكتبات التي بها مخطوطات هي مكتبات خارج العالم الإسلامي والعربي؛ فمكتبة برلين وفي هولندا بها مخطوطات حتى الآن، والمسلمون لم يروها ولم يفكروا أصلاً في تحويلها. لماذا نحن نحاول -ونحن جيل واحد- أن نعيد إنتاج ما أنتجته الحضارة الإسلامية في 1400 عام؟ تحويل هذه المخطوطات لكتب حتى نقرأها هو تحدي حضارة.
المشكلة أن كل تحدي حضارة -كما قلت في بدء المحاضرة- تواجه فيه الأمة تحدياً على مستواها، فالذين كتبوا هذه الكتب واجهوا تحدي اختراع الورق وسقيه وكتابته ونشر مهنة النسخ. كانت الأندلس أشهر مهنة فيها هي النسخ، والخط النسخي كان أشهر خط لأنه خط جميل؛ فمعظم المخطوطات التي وصلت إلينا من الأندلس هي بخط نساء، فقد كان هذا عمل النساء في الأندلس، وكن يعملن بعمل النساخ. كان النسخ من أدق المهن على الإطلاق، وكان مربحاً جداً؛ فالحق أن الكتاب ممكن أن يباع بمئات الآلاف، لو كانت نسخة صحيحة مكتوبة بشكل دقيق. الآن أنا أقرأ كتاباً فيه أخطاء مطبعية، ولا يوجد ما يسمى "سكت أول" (Select All) أو "سبيل تشيك" (Spell Check)؛ فكان هذا العمل يحتاج إلى مهارة النساخ. هذا كان الموجود، والآن التحدي الحضاري لديك أولاً إنتاج تريد أن تعيده إلى الحياة تبعثه حياً، ثم تحدي مع الأمم الأخرى.
سوف نتعرض للتحدي على المستوى الحالي، فمشكلة المخطوطات -مثلاً هذه العلوم الكثيرة جداً المكتوبة- لا يمكن إهدارها؛ فلا نقول: "خلاص كتبوها". لا، هي مهمة، فحتى الآن هناك علوم كثيرة جداً تشكل هوية الأمة، كالعلوم الدينية وعلوم اللغة، وكثير حتى من العلوم الهندسية. الألمان من أشهر الناس المهتمين بتحقيق المخطوطات العلمية العربية، حتى إنهم يكونون في المخطوطات ما يفيد.
الآن انتقلنا من الجدب المعرفي إلى فيضان معرفي. لو بحثت في الإنترنت عن هندسة اللغة -بالإنجليزية للأسف سنأتي لهذه المشكلة- ستجد ملايين الصفحات. هذه المعرفة متاحة، والمتاح الآن هو معلومات فقط؛ هناك فرق بين المعلومات والمعرفة. لديك مليون كتاب في مكتبة، هل سيسعدك ذلك؟ لا، أنت تريد أداة على مستوى التحدي؛ كيف نقرأ المليون كتاب ونستخرج منهم معرفة كي ننزل بها على أرض الواقع ونطبقها؟ فرضا أعطوا رجلاً 100 ألف كتاب في الهندسة، كيف يبحث داخل هذه الكتب؟ هذا هو التحدي الآن؛ أنك بصدد فيضان معلوماتي. ثانياً: أنك لا تستطيع أن تغلق على نفسك؛ فالآن معظم الناس في العالم يجيدون اللغة الإنجليزية. اللغة العربية كعدد الناطقين بها كلغة أم أكثر من الإنجليزية، ولكن المشكلة أن اللغة الإنجليزية تصعد لتكون اللغة الأولى في العالم بالناطقين بها كلغة ثانية؛ لأنها أصبحت هي لغة الأقوى.
المشكلة في هذا أننا نظهر "الاستسلام اللغوي". كم من الحاضرين حاولوا الحصول على كورس لغة إنجليزية؟ أظن نسبة كبيرة جداً. وكم حاول الحصول على كورس لغة عربية؟ ليست الفكرة أصلاً كورس لغة عربية، لماذا؟ لأنها ليست لغة حضارة الآن؛ فمن باب "أبوك ستغيره"؟ هي هكذا. لكن المشكلة أنها ليست لغة حضارة. نسبة المحتوى العربي على الشبكة من جملة ما موجود في شبكة المعلومات الدولية ضعيفة، ونحن من اللغات الست المعتمدة في الأمم المتحدة. الأمم المتحدة بها 7000 لغة، الميتة والحية والتي سوف تموت، كل هذه اللغات، ست فقط معترف بها من المجتمع الدولي، ومنها العربية؛ العربية والإسبانية والإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية، ونسبة المحتوى العربي 1%، نسبة مخزية. العالم العربي كله يترجم خمس ما تترجمه اليونان في السنة. اليونان أصلاً كانت خاضعة للدولة العثمانية في وقت ما هي وقبرص وصربيا، ومعظم أوروبا ثلثا أوروبا كان تحت العالم الإسلامي العربي.
التراجع الرهيب في اللغة ليس تراجعاً في اللغة ذاتها، ولكن تراجع في أهل اللغة. أنا دائماً أقول: حظ اللغة العربية البائس أنها وقعت في "قرعة" العرب. لماذا؟ على المستوى اللغوي، في وقت معين كانت هناك نظريات سائدة في كل العلوم أن هناك من هو أفضل من الآخر على مستوى الجنس والتركيب الجيني؛ الألمان عندما افتتحوا العالم قالوا: "نحن أفضل من البشر والباقون هكذا"، كل هذا ثبت قطعياً بالطب والعلم البيولوجي نفسه أن كل الناس متساوون تماماً. ونحن لدينا قناعة دينية بهذا؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى». المدار أخلاقي أصلاً، ليس هناك تفاضل على المستوى الجيني.
على المستوى اللغوي، دارسو اللغة المحايدون يقولون: إن اللغات تتفاضل من حيث البنية. بمعنى إذا أخبرتك أن هناك نظام تشغيل ويندوز 7 أكثر تعقيداً بكثير جداً من ويندوز 3.11 أول إصدار، ولكن لا يمكن لأحد أن يقول إن الويندوز بما أنه أبسط فهو أفضل؛ أكيد ويندوز 7 أفضل. هكذا حال العربية مع باقي اللغات، اللغة العربية لغة ثرية جداً، وهي تصنف من الأربع الكبار الأكثر تعقيداً في العالم: اللغة العربية والصينية واليابانية والكورية، نحن الأربعة الكبار. ولا يقلل هذا معنى أحد في التصفيات، لأن اللغات لا تتغير. أحياناً يظن الناس أن التعقيد مذمة، لا، بنسبة "ويندوز 7"؛ التعقيد يدل على الثراء، أنه يحتمل أكثر.
بمعنى أنت كرجل عربي يكفيك أن تعلم (ك ت ب) لتقرأ كتباً لتولد مثلاً 20 أو 30 كلمة، وكلهم فيهم معنى الكتاب. أما إذا أردت أن تقول ذلك بالإنجليزية، فتقول "رايت" (Write) وتكتب ومكتبة "لايبراري" (Library) وتقول "بوك" (Book) كتاب، ولا يوجد أي رابط دلالي بينها. أما العربية فتقول: كتاب ومكتب واستكتر واكتب ومكاتبة وكاتب، كل ذلك أي أحد يعلم (ك ت ب) يعلم أن كل هؤلاء يدورون حول معنى الكتاب بشكل ما. هذا نوع من الثراء، ولكن هذا الثراء إذا وقع في قرعة رجل فقير -نحن فقراء- بصدد التحدي الحضاري.
هندسة اللغة هي الحل، حل أساسي في التحدي الحضاري الآن؛ لأنها على مستوى الحدث. بمعنى الآن رجل فقد نعمة البصر يريد أن يقرأ كتاباً، في وقت ما كان في الحضارة الإسلامية أوقاف لفاقدي البصر وعابري الطريق. الآن هذا ليس متاحاً بسبب الكثرة الكاسرة، الأعداد مهولة، العالم 6 مليارات. هندسة اللغة تريد أن توجد برنامجاً يقرأ الكتاب ويحول النص، وهو مسموح وموجود بلغات غير العربية، وبالعربية الضعيفة. هذه الكلمة "الضعيفة" لن أكررها ثاني، لأن هذا هو الأساس؛ كل المنتجات هذه ضعيفة في اللغة العربية، وقوية في باقي اللغات. أنا أعطي محاضرة الآن، أريد أن أسمع ما قلته، قد أكون أخطأت، ذكرت أشياء بطريقة خطأ، ولكن لا أريد أن آتي بكاتب مصري أو غيره ولا أريد أن أسمع التسجيل مرة أخرى، أريد برنامجاً يحول المسموع إلى مكتوب. موجود، اللغة الإنجليزية ممتاز، في أي بي إم (IBM) وفويس (Voice) مثلاً جيد جداً، كل اللغات ما عدا العربية.
هناك تحدي آخر، أنا أريد أن أبحث عن الإنترنت بما يسمونه "عميل ذكي" (Smart Agent) أو باحث ذكي أو "كراولر" (Crawler) وهو العنكبوت. محركات البحث مثل جوجل بحث نصي، يبحث عن كلمة؛ تكتب مثلاً "قلب" يأتي بالمواضيع الرومانسية والمواضيع الطبية، لا يفرق؛ ذاك تخصيص. أما البحث الذي تريده هندسة اللغة بحث ذاتي بعض الشيء، يريد أن يبحث بالمضمون. إذا كتبت "القاهرة" يأتي بأي صفحة مكتوب فيها "عاصمة جمهورية مصر العربية"، وإن لم توجد الكلمة؛ بحث أفضل كي يستطيع أن يتعامل مع الفيضان. أنا أريد أن أبحث عن موضوع وسط 100 ألف كتاب لأصنع بحثاً، والعلم ما أُنتج في آخر 50 سنة يساوي ما أُنتج منذ بدء الخليقة في كل العلوم، لماذا؟ نظرية المتواليات في أعداد الأبحاث العلمية والانتشار وعدد البشر والتقنيات. يجب أن يكون هناك حل نصي، لأن كل مرد العلوم للأسف في النصوص اللغوية. فالمشكلة أن الكرة الآن في ملعب اللغويين النظريين والحاسب؛ الكرة في ملعبهم، نريد حلولاً.
هل هذا العلم جديد؟ هل لم يكن هناك شق معني بهذا قبل ذلك؟ الحاسب الآلي ظهر في عام 1946، ولكن لم يكن حاسباً آلياً، كان شيئاً كبيراً جداً وضخماً وبطيئاً. الأمريكيون راودتهم فكرة الاستعانة به في بدء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي عام 1949. رجل اسمه "أندرو بوث" ورجل آخر معه متخصص في فك الشفرات السرية اسمه "وارن ويفر"، قالا: لماذا لا نستخدم القوة الغاشمة للحاسب؟ الأمريكيون معنيون بترجمة الوثائق السوفيتية، أين يوجد الكادر البشري الذي يستطيع ترجمة كل هذه الوثائق بشكل مستمر؟ لا يوجد. التحدي أصبح أكبر من طاقة البشر، حتى لو الدولة العظمى استنفرت كل الجهود؛ فصفحات الإنترنت أعدادها تتضاعف بشكل مذهل. فلازم حل على مستوى الكثرة.
هذان الرجلان قالا: نستطيع أن نجرب، وجربا وفشلا؛ لأن كانت التجربة صعبة جداً. كانوا يريدون تشفير كل حرف مثل إشارات مورس، لم يصلوا حتى لمستوى الترجمة الحرفية الرديئة. الآن كثير منكم تعرض للترجمة الحرفية الصادمة؛ مثلاً من أفضل الترجمات التي قرأتها على سبيل المزاح، حدثت بالفعل ترجمة حرفية لبرنامج "ويندوز مايكروسوفت"، ماذا سوف يترجمونها؟ شبابيك مايكروسوفت. اقتراح الترجمة الحرفية: "نظام شبابيك مايكرو سوفت الصغير". هم لم يصلوا إلى هذا المستوى الهزلي حتى وقت هذا. العالم لحق بأمريكا، أمريكا بدأت 49، اهتمت بالموضوع عام 1955، روسيا دخلت السباق عام 56، واليابان خلفهم. عام 1959 لجنة فيلسوف اسمه "هيل" طلب منه تقييم هذه التجربة، فقال بكل جد وبحث بشكل جدي: هذا الموضوع سخف وإضاعة أموال للدولة، وتم إيقافه عام 66. لماذا؟ الكمبيوتر لم ينفذ؛ الدولة قالت وقتها: لماذا كل هذا الشقاء والعناء، لدينا كوادر بشرية تكفي والحمد لله. وتم قفل البحوث في هذا المجال، الترجمة الآلية وهي طبعاً التطبيق الأهم، الحصول على وثائق مترجمة فورية بس دقة بشرية وليس على وزن "نظام شبابيك الصغير"، لا نريد هكذا.
بمجيء عام 1976 كان الحاسب الآلي قد حدث له طفرة ملموسة، واللغويون دخلوا في التحدي بشكل سري، الآن نعرفه بشكل علني. نعود لـ"نوم تشومسكي" الذي ذكرته، هو أمريكي يهودي، ولكن هو من أشهر الباحثين اللغويين بدعم مباشر من وزارة الدفاع الأمريكية؛ طلب منه إحداث نظرية لغوية لتمثيل النظرية اللغوية في أي لغة، وبالإنجليزية أساساً وبالروسية، لمعادلات كي يمكن إدخالها الحاسب الآلي بحيث نحصل على نتيجة مرضية. فقام بإنشاء نظرية "النحو التوليدي التحويلي" الذي ملأ به الدنيا حتى الآن، إما معارض أو موافق أو في الوسط، لكنه مدار ومركز الدراسات اللغوية في أمريكا، ونظريات النحو الدولية؛ لهذا كان بدعم وزارة الدفاع في محاولة للوصول لتنظير يخدم الحاسب الآلي.
عودة على هندسة اللغة: بهذا المفهوم ليست هندسة، هي قسم من أقسام اللغويات؛ المفروض يكون هنا في مصر مثلاً في كلية التربية أو كلية الآداب أو كلية دار العلوم أو الأزهر، وفي الخارج يدرسونها في هذا النطاق. طالب هندسة اللغة أو اللغويات الحاسوبية يدرس ماذا؟ يدرس نحواً ووصفاً وبلاغة، ويدرس علوم حاسب، ذكاء اصطناعياً وبرمجيات ورياضيات متقدمة وإحصاء. هناك شق علمي مشابه لهندسة اللغة، كثير من الناس يخلطون بينهما، وهو شق "الإن إل بي" (NLP)، ليس البرمجة اللغوية العصبية، بل "معالجة اللغات الطبيعية" (Natural Language Processing)، هذا شق داخل ذلك.
علم الذكاء الاصطناعي في علوم الحاسب يعني أنه علم حاسوبي، ولكنه يستخدم بعض النظريات اللغوية في الوصول لمنتجات برمجيات لغوية. هذا الشق فشل فشلاً ذريعاً؛ لماذا؟ لأن الحاسوبي مهما بلغ فهمهم لعلوم الضبط والعلوم الحاسوبية وكذا، لكن ليس لديهم إلمام بعلوم اللغة. فبدأ الاتجاه لما تم اتهامهم بذلك وأقفل لهم المشروع، فقالوا: خلاص، أعطوا الكرة لغويين، إذا انتهى اللغويون من وضع تخيل شامل للنظرية اللغوية التي حاول أن يفعلها شومسكي وأعطونا نظرية واضحة، المعالج سوف نصنع لكم ما تريدون. فبدأ الاهتمام بإنشاء هذا العلم.
العلوم اللغوية في المركز، يعني تأتي بخلفية تربوية، آداب، دار علوم، أزهر، دراسة لغة أربع سنوات أو أكثر تخصص، ثم تضيف عليها علوم الحاسب، البرمجيات، والرياضيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي وهو نقطة ألم. الذكاء الاصطناعي علم يهدف إلى محاكاة الذهن البشري في أي مجال ما. هناك تطبيقات كثيرة جداً، أشهر تطبيق هو الشطرنج؛ هزيمة بطل العالم كاسباروف سنة 86 بواسطة "ديب بلو" من شركة "آي بي إم" كانت نقطة حاسمة في تاريخ الذكاء الاصطناعي، لأن كان يُظن بأن لعبة مثل الشطرنج هي من أخص الألعاب البشرية الذهنية، وهزم من حينها وحتى الآن، أي أن عالمًا يتعادل مع الحاسب هو أفضل نتيجة، لكن كسبوا، خلاص هم الذكاء الاصطناعي قطعوا شوطاً مقنعاً جداً في كل العلوم.
هناك النظم الخبيرة؛ طبيب موجود في مصر، وفي القاهرة، وفي الأقاليم لا يوجد من يطبب الناس، فنريد نظاماً خبيراً مغذىً بكل البيانات وبذكاء اصطناعي، إذا سأله المريض يجيبه. هذه التجارب في وقت ما كانت خيالاً، الآن لدى خبراء الذكاء الاصطناعي الجرأة أن يقولوا: قريباً سوف ترون ما سُرنا به هذه الثقة.
على المستوى اللغوي، اللغات ما عدا العربية نجحت بشكل كبير جداً. كندا 76، الذي قلنا العام الذي بدأت فيه تستعيد الدراسات في مجال الترجمة الآلية، كندا هي بيئة ثنائية اللغة، يتكلمون الفرنسية والإنجليزية في نفس الوقت، هناك مقاطعات كذا وكذا والقانون يقر اللغتين، صنعت برنامجاً يدمج نشرات الطقس فينشرها ويحول من الفرنسية للإنجليزية والإنجليزية للفرنسية بكفاءة عالية جداً تقترب من الكفاءة البشرية. سبب نجاح التجربة هو قلة المعجم اللغوي؛ يعني كل الكلمات التي سوف تُطرح في نشرة الأخبار على مدار عشرين عاماً معظمها بسيط جداً وفقير، وعلاقته الدلالية والنحوية والتركيبية لا توجد فيها معانٍ ضخمة.
أما التحدي الحقيقي في الترجمة الآلية، يعني مثلاً نحن كبشر لو قلت: «أحمدُ الله» هذه جملة، وقلت: «أحمدُ عليٍّ» ماذا يفهم أي بشر من هذه الكلمتين؟ «أحمدُ الله» وأحمد هنا فعل، و«أحمد عليّ» وأحمد هنا اسم، خلاص. أما الكمبيوتر، «أحمد» هذه البنية تحتمل ألف فعل، يزيد، يزيد يعني يزيد، ويزيد يعني اسم، وهكذا. المشكلة أن الذي نمارسه بشكل أريحي تماماً، الطفل هذا ماكينة معقدة جداً، أربع سنوات وجود ما تعجز عنه دقة الحواسيب في العالم. يستطيع أن يتعلم اللغة الصينية، لو رجل بالغ عقله يريد أن يتعلم اللغة الصينية في عام يتقنها، الطفل الصيني يتقنها. المشكلة هي أن الطبيعة الفطرية التي خلقنا الله عليها أن العقل البشري أضخم بكثير جداً من أي تصور مشابه للحاسب. المطلوب من الذكاء الاصطناعي ليست صنع بشر، بل محاكاة الذهن البشري في شيء ما، في اللغة مثلاً.
ما هو العقل الاصطناعي من هندسة اللغة؟ أولاً الترجمة الآلية، هذا هو الآن العالم كله. على المستوى الدلالي، كما قلنا مستوى صرف ونحو ودلالة، هم يريدون الدلالة، كل المستويات تم الوصول لنتائج جيدة جداً في جميع المستويات فيما عدا العربية، ولكن المستوى الدلالي حتى الآن ينتظر العرب. وأنا أقول ذلك وأنا بشكل فيه ثقة لأن أنا درست علوم الحاسب ودرست علوم اللغة، فأنا في المنطقة البينية. سبب هذه الثقة نظام ويندوز 7 ونظام ويندوز 11، أن العربية مشكلتها بهذا التعقيد، يجب أن تأتي من أهل لغة أشد تعقيداً من اللغة الإنجليزية. اللغة الإنجليزية تصنف من أفقر اللغات الهندوأوروبية، يعني اللغات الهندوأوروبية بسيطة؛ بالنسبة للغة الفارسية الهندوأوروبية، والفرنسية الهندوأوروبية، اللغة الإنجليزية الهندوأوروبية هي من أفقر اللغات الهندوأوروبية، لا يوجد تشكيل ولا يوجد إعراب ولا يوجد اشتقاق، يعني الموضوع بسيط جداً.
المعجم العربي يكفي 16,000 جذر لتوليد ملايين الكلمات. 16 ألف جذر فقط، الجذر هو «ضرب»، «كتب»، هذا كل جذر تستطيع أن تولد منه ممكن جذر يولد 200 شكل، 200 صورة، وكلها تدور حول نفس المعنى، فهو الثراء وفي نفس الوقت التسهيل، يعني هو غنى وثراء دلالي بشكل عالي جداً.
طيب، ماذا سوف نجنيه من هندسة اللغة؟ حل التحدي الحضاري القادم، أولاً تقليل الفجوة الحضارية بيننا وبينهم. كيف؟ أي أمة نهضت في التاريخ، أي أمة وليس نحن فقط وإن كنا نحن لسنا خارج المثال، بدأت بالترجمة دائماً. العصر الذهبي الإسلامي عصر الترجمة، ترجم كل تراث الإنسان اليوناني والفارسي والأممي والهندي. البيروني وضع علم الجبر، الخوارزمي تكلم، الخوارزمي حتى الآن هي أصلاً منظومة خوارزمية، اسمه وعلمه. المسلمون كانوا يتقنون سبع لغات، أتقنوا الهندية خصيصاً لكي يبحثوا في علوم الهند القديمة، كانوا متفقين جداً في الفلك والرياضيات. مثل الفراعنة، علمهم بدأ وانتقل إلى اليونان، الأصل فرعون، لكن الحضارة الهندية ما زالت قائمة وقت الازدهار الإسلامي.
نريد ترجمة، ترجمة في كادر بشري مستحيل خلاص؛ أمريكا الآن تنشر في أي فرع من العلوم 100,000 ورقة علمية تنشر يومياً، في كل 100,000 فأين الكادر البشري؟ أنت تريد أن تترجم وتصعد في المنحنى الحضاري لكي توازي المفترض خصمك الحضاري ثم تتفوق عليه، بهذا البطء لا يمكن، لكن الحل الحقيقي هو أداة تستطيع أن تقلص الفجوة بشكل مفترض حتى نلحق ونحن واقفون على أرض الواقع وليس حالمين. الحل: ترجمة البحث العلمي، الاستفادة بالتراث الإنساني والعلمي الموجود على الإنترنت الآن.
أولاً، الأخطر: حماية الهوية. لماذا؟ لأن الإنترنت على فكرة يعتبر ابتكاراً حديثاً جداً، عمره قصير جداً، ولكن أحدث تغييراً كبيراً. المشكلة الآن أن هذه النسخة من الإنترنت الموجودة التي نستخدمها، الويب النصي، تبحث فيه بالكلمة كما قلت، أي باحث جوجل لا يستطيع فحص أكثر من مثلاً 5 ملايين صفحة، أي رقم ضع رقماً، لكن هو رقم محدد. وبعد فحص هذه الكلمات، هو بشكل مختصر أي محرك بحث لديه شيء يسمى "الكولر" أو العنكبوت بالعربية.
الباحث هذا يذهب في أي صفحة أنشئت بشكل جديد، وتم الاشتراك مع جوجل أنك لو بحثت في الصفحات في جوجل، فهي غير مدمجة أصلاً في فهرس جوجل. جوجل هذا ليس البلورة السحرية، ولكن يأتي الكرولر ويقوم بفرس الصفحة أو الموقع بأكمله.
المشكلة أن هذا البحث بحث نص الكلمة فقط، لا ينتج أي معرفة ولا يبحث لك عن معرفة. أنت ما زلت بشراً لك عينان، و24 ساعة في اليوم لم تزد من طاقتك المعرفية. الويب 3 هو القائم الآن، وقد تم تجربته في نطاقات محددة، وهو ما يسمونه الويب الدلالي. تبحث عنه، يعني تقول له: أريد بحثاً عن هندسة اللغة، فيذهب إلى هندسة اللغة، يحضر الكتاب ويترجمه ويأخذ الفقرات المطلوبة ويختصرها؛ هذا هو المطلوب.
هذا يبدو من الكلام الذي أقوله أنه خيال علمي أيضاً، أنا بحثت في هذا الموضوع، وأبحث في الجانب الدلالي في الترجمة الآلية. لقد صكوا مصطلحاً اسمه "هندسة الأنطولوجيا". دارسون للفلسفة، فالمباحث الفلسفية الرئيسية هي: الأنطولوجيا، الإبستمولوجيا، والأكسيولوجيا.
الأنطولوجيا هي علم الوجود. عندما أقول لك أي أحد يعرف لاعب ألعاب فيديو، مثلاً لعبة فيها سيارة؛ إذا ذهبت إلى السيارة ولم تكن مبرمجة أن تفعل شيئاً معيناً، فلن تفعله. مثلاً لن تمشي في الهواء، لماذا؟ لأن هناك تعريفاً داخلنا يعرف أن السيارة هيكل له أربع إطارات، يفتح من الجوانب، وله زجاج، وهكذا. نحن كبشر العالم كله بالنسبة لنا هو "أنطولوجيا"، وهو التعريف المختصر المدمج في كل شيء.
لماذا يضحك البشر في النكات عندما يمزحون؟ لأننا نصنع خللاً في الأنطولوجيا. النكتة الشهيرة أو السؤال الشهير: كيف تضع فيلين في ثقب إبرة دون أن يلمسا بعضهما؟ البشر يعتبرون هذه مناقضة، إذا أدخلت هذا إلى كمبيوتر يتعامل مع نصوص، سيبحث عن حل منطقي أنطولوجي، لكنه لا يوجد؛ لأنه لا يوجد تعريف في الإبرة، فالإبرة شيء بسيط. هذا هو سبب اختلافنا؛ البناء المنطقي المفاهيمي الذي لدينا عن الأشياء. الحاسب الآلي كلمة، علي، أحمد، كرسي، فيل، إبرة، لا يوجد تخيلات.
هذا الشق في الويب الدلالي هدفه الرئيس صناعة الأنطولوجيات لكل شيء، بحيث يبحث "الوكيل الذكي" (Intelligent Agent). بدأت داخل الأشياء، وعندما تأتي كلمة، فإن لغة البرمجة هذه تصنع تعريفات خلف كل كلمة، فالوكيل الذكي هذا يبحث ويفهم كأنه بشر، ويأتي لك بالمعلومة كأنك أنت الذي بحثت عنها.
ما الخطورة في هذا؟ سوف يعرفون الإسلام والقرآن والرسول والملائكة، وهم من سوف يضعون معجم مفاهيم العالم ولمن يأتي بعده. هذه خدعة موجودة منذ وجود القواميس الثنائية وفراسة اللغة، دائماً التعريف مثلاً: الإسلام دين كذا، هذا الفيلم تم عمله كثيراً من قبل. كل القواميس، وبخاصة القواميس الإلكترونية، لإسرائيل باع فيها ما شاء الله في هذا الموضوع في تشويه المفاهيم.
ولكن الأمر ما زال في نطاق محدود في الجانب الورقي، أما الحاسب الآلي فالمشكلة أكبر. مثلاً أي أحد يستخدم فيسبوك ورفع فيديو واحداً، إحصائياً بنسبة كبيرة جداً بعد خمس دقائق، احتمالية أن يصل لـ 12 مليون شخص هي احتمالية واردة. الأنطولوجيات بدون مبالغة تتركها لأعدائك، لأعداء العقيدة والحضارة والهوية في كل شيء ليصنعوا تعريفك. تذهب له وتقول: عرفني من أنا؟ فيقول: أنت متطرف وإرهابي وجاهل وأمي، كل شيء. هذا التعريف لم يكن بهذا الشكل، لكنه موجود.
ميزة هذا التنافس أولاً أننا لسنا مطالبين بأن نخترع العجلة، لقد اخترعوها، ولا الطائرة. التحدي على مستوى البرمجيات والعلوم، التي يسمونها "العتاد البرمجي" (Software)، هو تحدٍ سهل. الهند، دولة بالنسبة لأمريكا تعتبر عالماً ثالثاً وإن كانت دولة قوية ولديها حاملات طائرات ودولة مصنعة قوية، ولكن الهند هي الدولة الأولى في عالم البرمجيات. ميزة هذا التنافس أنه يمكن تحدي خصم قوي والوصول إلى نتائج مرضية بشكل ميسور.
الأمر الثاني هو التراث؛ بهذه الضخامة كما قلنا آنفاً، لا يمكن أن نتعامل معه وندخل به حالة الصرع. أنا على ثقة لو دخلنا بتراث الأمة بعد تصفيته وتنقيته واستخلاص الصورة المشرقة لنا كحضارة، سوف نكون كفؤاً لأي حضارة. مثل الصين؛ الصين الآن تستنهض حضارة 4000 سنة. ينظر الأمريكان إليهم أنهم صبيان، عمر أمريكا 200 سنة، والصين 200 سنة، دول بالنسبة لهم لا شيء، ليست أمة بالنسبة للحضارة.
الصين تستحضر التراث الصيني، واللغة الصينية ليست حروفاً بل رموزاً. عندما قامت ثورة التحديث وأرادوا أن يكتبوا الصينية باللاتينية، كان هذا عرقلة للنظام الحضاري. النظام الحضاري مستشرٍ في كل الأمم، لكنه هُزم في وقت ما أمام اليابان، واستعمرت اليابان الصين في وقت ما، لكن اليابان بجانب الصين كانت قوة استعمارية ضخمة جداً. الصين أبعد حضارة وأعمق حضارة وأكثر جذور التاريخ، وعندما أرادوا أن يبسطوا لغتها الدقيقة، التي توصف بأنها لغة الجرايم بـ 4000 رمز، سنكمل بعد قليل.
المهندس أيمن عبد الرحيم