دخولتسجيل الدخول

تجليات الأنماط الاجتماعية على الخلاف بين المسلمين السلفية المعاصرة نموذجا

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم الناس الخير، محمد، وبعد:

دائمًا كان الأستاذ مصطفى العراقي، أستاذ كلية دار العلوم رحمه الله وأستاذ النحو، يقول دائمًا في البحث النحوي واللغوي والبلاغي: دائمًا ما يأتي عالم مثل الزمخشري رحمه الله بأن يسأل سؤالًا قد يكون ممتازًا جدًا ولا يرضي الناس الإجابة. أهم شيء هو ما كان يقوله الدكتور مصطفى؛ المنتج الأهم الذي عمله على الإطلاق هو السؤال.

ضرب مثالًا باستشكال الزمخشري في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74]. قال في العربية: لماذا عدل القرآن عن «أقسى» وهو فصيح، وقال «أشد قسوة»؟ مدام التفاضل، نحن نقول «أشد أقسى» أو «أشد قسوة» في الحاجات التي لا نستطيع أن نأتي لفظها مباشرة، فقال ثم أجاب إجابة لم يرتضها الأستاذ ولم يرتضها الكثير من البلاغيين بعد، لكن كلهم دائمًا يأتون بعد ذلك لتحسينه. السؤال في حد ذاته شيء مدهش جدًا؛ لماذا عدل عن هذا إلى هذا؟ فذلك فتح بابًا كبيرًا جدًا من البحث البلاغي والنحوي والدلالي والتفسيري، وحاجات كثيرة جدًا متعلقة بأسلوب القرآن الكريم في مخاطبة الناس على سنن العرب في كلامهم.

كذلك الكتب؛ أحيانًا بعض الناس يتصور أنه ما دام أحد وضع كلامًا مكتوبًا ما بين دفتين، فإن المفروض أن هذا الكتاب يكون نهائيًا ويجيب على كل الأسئلة ومتكاملًا وكل شيء، بالرغم من أن عندنا كم الأماكن التي لا يمكن أن يكون قد حصل فيها في التاريخ الإسلامي أن كُتب عليها مدار بعض الأبحاث في بعض الفنون، كل الناس تأتي وتشتغل على الكتاب. أول شيء يقولون: كتاب عظيم جدًا بس ليس كاملًا. الكتاب كامل، كتاب عظيم جدًا ومفيد بس لم يلحق بتميمه، مثل مستدرك الحاكم؛ كل الناس يأتون ويقولون: عمل جليل، والحاكم على جلال قدره، ولكن ما يوفق.

في ناس تقول كذلك في الأصول؛ في الرسالة للشافعي يقولون: الصورة ليست الصورة النهائية. وفي ناس كثيرين يقولون كذلك على كتاب سيبويه؛ إنه توفي ولم يكتمل البناء العلمي أو الفكري الخاص بسيبويه كما أراد، لأن سيبويه صغر ولم يكمل الكتاب. فاستحسنوا أن هذا المشكل بقي لمحاولة البناء والأخذ والرد.

هناك كتاب أيضًا، يستحسن جدًا لأخونا الشيخ أحمد سالم وأخونا الشيخ عمرو، أنهم لم يرموا طوبة صغيرة في الماء، بل جاءوا بطن من الطوب ورموه في الماء، فسيحدث طبعًا موجات كبيرة جدًا من الأخذ والرد. أحيانًا من خصوم السلفية؛ في ناس كثيرون جدًا حاليًا مرجعهم الأساسي الكتاب هذا، يقول لك: أهو سلفي هذا أم ليس سلفيًا؟ وهو يقول كذا وكذا. وأحيانًا في السلفية نفسها، من باب أن الصوت الذي يأتي من الداخل يكون مزعجًا جدًا؛ أنا أقول على نفسي من الخارج إذا شتمني فمشي، لكن إذا جاء واحد من داخل المنزل وقال لك: لا هذا ليس حلو، فصوت الناقد من الداخل دائمًا في أي مذهب أو أي توجه فكري أو سياسي أو ديني أو عقلي يكون مؤلبًا جدًا.

أحيانًا يكون النقد من خارج الكتاب يعجبهم لأنه يستخدمه كوثيقة، بينما التيار الذي ينتمي إليه الكتاب يكون جزء منه غاضبًا جدًا لأن واحدًا من داخل التيار تجرأ على أن يواجه المجموع بأن عندنا واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، وتجرأ أن يكون جزءًا من التيار العام. وفي ناس يكونون متأملين، واقفين على الحياة يشاهدون، ويرون أن هذه محاولة لسد أفكار هو فعلاً لم يكن يراها بهذا السد، فقام الرجل وتجرأ وربط بين أشياء قد تبدو غير مرتبطة؛ جلب التاريخ القديم للحنابلة مثلاً وربطه بتاريخ العصور المفضلة الثلاثة، ثم ربطه بتاريخ الصراع بين الأشعري والماتريدي، وبعد ذلك ربطه بشكل ابن تيمية، ومن بعد ابن تيمية، ثم التمثلات أو التحققات السلفية على اختلافها، مثل الوهابية النجدية والدولة السعودية الثالثة، ثم السلفيات المعاصرة على انتشارها في العالم الإسلامي. فهذا هو الذي يحمد للكتاب بجملة، بدون أي موافقة أو مخالفة لأي مجموعة من التفاصيل داخل الكتاب.

ثانيًا، أحيانًا بعض الكتب التي تشابه الكتاب في موضوعها، وهو البحث في تاريخ الأفكار، نجد أحيانًا نوعين من الأفكار في التاريخ. نحن نبحث في تاريخ الأفكار لكي نرى الأفكار المفاجئة؛ أي أنا أدرس التاريخ فأجد فكرة مفاجئة أو غريبة. والعكس أحيانًا يكون صحيحًا، وهو تاريخ التكرار، أو تكرار ظهور الأفكار؛ يعني أنا مغمض عيني أقول لك: لازم ستظهر الفكرة التي أقولها، وأكتبها نصًا، وبعد سنين أجد فرقة كاملة تقول بها في أنحاء العالم، سواء كانت مذهبًا سياسيًا أو دينيًا أو عقديًا في الإسلام وغيره، ويقول لك البعض: ما هذا؟ كيف فعلها؟

هذه فكرة مهمة جدًا في تاريخ الأفكار، وهي أن هذه أحيانًا تكون أنماطًا إنسانية متكررة، وهذا غير متعلق بالسلف ولا بالشيعة ولا بالحنفية ولا بالملكية، ولا حتى بالإسلام كله ولا بالنصرانية ولا باليهودية ولا بالديانات السماوية؛ هذا نمط إنساني. لكي يفهم الناس الفكرة، أحيانًا يكون هذا النمط إنسانيًا فارًا؛ أي أن هذه الطريقة في التفكير ستظهر حتمًا ولابد، فما دام الإنسان إنسانًا ستظهر هذه الفكرة. مثاله الحديث المشهور؛ عمدة الأولين والفقهاء عندنا في قبول الخلاف في الفقه مع اتحاد المصدر أو المورد، الذين يأخذون من الحديث، مثل حديث صلاة العصر.

وهذا شيء مهم جدًا أيضًا متعلق بالفهم، وهو يقول: نحن لو كانت النصوص صحيحة وواضحة ولجأنا إليها لحدث توحد وزالت الفرقة. ولكننا هنا في حالة الوجود مع صاحب الشريعة؛ أي نحن مع النبي ﷺ، وما في إشكالات لغوية، والمعاصرون عارفين مقاصده وكل شيء، والواحد ينزل، حتى لو صدر اجتهاد للنبي ﷺ -وهذا عند الأصوليين متقبل، النبي ﷺ يقول شيئًا والوحي ينزل يصحح له- فكل هذا موجود، ومع ذلك اختلفوا في فهم نفس النص من النبي ﷺ.

مباشرة فهم إخوانا، ما حدش يصلي العصر إلا بن قريس، في ناس فاهمة قالوا لا إحنا بس نصلي بسرعة ونكمل، وفي ناس قالوا لا وصلوا غير بعد خروج الوقت. هذا النمط ده نمط إنساني، يعني أنا مغمض عيني كده أقول لك إن لابد في كل بقعة في الأرض هيطلع واحد يفهم الفهم ده، والفهم صاحب الفهم قبله وأجرهم، ولم يصحح واحد من الثاني.

يعني أنت طول عمرك هتلاقي واحد يفهم الفهم ده، وطول عمرك هتلاقي واحد بيفهم الفهم ده؛ واحد يقول لك لا أكيد فهم فيهم، مستحيل، لأنه ده نمط إنساني، نمط إنساني. فأنا أبحث للأفكار، يبقى أنا كده متوقع طبيعي من غير ما أدور كتير إن النمط ده هيظهر. خلاص، بس دراستي بقى إن أنا أشوف إيه أسباب ظهوره، إيه أسباب ليه الناس فعلاً بتختار ده؟ بقى محل البحث في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي وحاجات كثيرة جداً، لأن أحياناً بقى الاختيار كده.

والنمط في المقابل، الأنماط اللي هي الأنماط الاجتماعية، يعني إيه مش نمط واحد ولا اثنين، يعني أنا ألاقي واحد بيفكر بطريقة دي خلاص، لا ألاقي مجموعة بتقول بنفس المقالات في اليهودية والنصرانية والبوذية، مع تأكد تماماً من عدم اللقاء، ما حدش سمع حاجة من حد. الأنماط اللي حكى عنها الله عز وجل في القرآن هم نفس الأنماط اللي جاء بها النبي، نفس الإجابة، وبيجوا، يعني ما فيش حد اتبقى والإجابة ما توارتش، دي نفس الكلام واللي بعد، حتى في الآخر القرآن اختصر قال إيه: ﴿تَشَابُهُ الْقُلُوبِ﴾.

يعني هذا النمط الاجتماعي في الفهم سيظهر ولا بد، بس المرة دي نمط اجتماعي. فأنا أبحث للأفكار، فأتوقع أن في مجموعة من الناس هتكرر نفس المقولات، حتى ولو لم تلتقِ بشكل واضح، أو تأخذ بسند متصل عن بعضها، هم هيقولوا نفس الكلام.

مثاله النمط اللي النبي ﷺ لو حد جمع الأحاديث المتعلقة بالأنماط الاجتماعية يطلع له حاجة شبه اللي هنقولها عن الخوارج. النمط الخارجي ده نمط فردي الأول ثم يكتل دائرة اجتماعية بيتحرك فيها، زي مين؟ الخارجي اللي جه للنبي ﷺ، النبي نفسه ﷺ هو موجود وقال له إيه: «أعدل فهذه قسمة لم يرد بها الله»، فبيقول لي مين النبي ﷺ؟ فدي طريقة. فالنبي أول حاجة قالها إن هذا الرجل ليس الأول ولا الأخير من نوعه، هيطلع زيه بالضبط، هيطلع، فده نمط هيتكرر، النبي قال كده، ده هيظهر خلاص.

وده الأهم، إن النمط ده مش متعلق فقط بفهم النصوص أو فهم الشريعة، ده هو فاهم الشريعة وحط معيار نظري، ده يبقى ليه إحنا عايزين نحلل طريقة الرجل؟ ذو الخويصرة عمل إيه؟ هو حط معيار للإسلام في دماغه وشال منه النبي، وبعد كده عاير سلوك النبي بالمعيار وقال لا ده مش مظبوط، فراح للنبي قال له على فكرة مش ده الإسلام، هيقول لك لا الراجل ده مختل هو ده خلاص.

طب إيه اللي ممكن يظهر بعد كده؟ المجموعة اللي تقول نفس الكلام، عشان كده إحنا بنقول الخروج. على عكس يعني اللي بعد كده في الدرس الكلامي أو الفقه أو حتى في السلفية المعاصرة، الخروج ده نمط نفسي متعلق بالفهم، فهم الإسلام، ونمط سلوكي. حديث عبد الله بن مسعود، شاف مجموعة قال لهم اللي أنتم بتعملوه ده بدعة في الدين، صاحب الرواية بيقول: «فرأيت عامتهم يقاتلون أو ينادون بالسيف يوم النهروان»، كلهم اللي كانوا بيسبحوا بالحصى في العدد، بس ده ما قصدش يعني، الراجل شاف حاجة، النمط السلوكي ده متعلق بالسرعة بتاعة "أعد يا محمد".

طب نمط فقهي؟ السيدة عائشة لقطت واحدة كده تسألها، قالت لها اللي أنتِ بتقوليه ده شبه النمط الثاني فقه، يعني مش تكفير ولا خروج على حاكم، ولا قالت لها في الغسل النساء أنا عامله طفيلة، فأنا السيدة عائشة قالت لها إحنا يعني ما كناش كذا، فالت لها إيه؟ قالت لها ليه؟ فالسيدة عائشة قالت لها "أحيه" أنتِ يعني إيه تفكير ده؟ خارجي فقهي، فأنا عندي خروج فقهي، وخروج سلوكي، وخروج في فهم معيار الإسلام ككل، كده.

وبعد كده خروج اللي هو إيه؟ خروج سياسي أو اجتماعي، اللي هو هذا الفهم هو الوحيد الصحيح والباقي يجب إزالتهم من هذه الدائرة الاجتماعية، ده شفناه في وقت سيدنا علي، تميز فيهم كل الخصال، وبالإضافة كمان لتحقق المسلح أو السياسة. خلاص النمط ده نمط هيظهر على طول، لا، في نص كذا نص عن النبي ﷺ النمط ده متكرر، النمط اجتماعي والمجموعة دي هتظهر.

فأنا برصد فكرة هنا بقى التطبيق، سواء أنا عايز أطبق على السلفيين أو المذاهب الفقهية أو العقدية أو المذاهب السلوكية، سواء صوفي عقدي فقهي، كذا أنا متصور إن دي هوية اجتماعية. الهوية الاجتماعية دي هوية متخيلة، يعني أنا كسلفي كـ"سلف" شايف إن السلفية دي هوية اجتماعية يمكن أن تتحقق بشكل ما في التاريخ، فأنا بعمل إيه؟ بروح في كل حتة وأدور على الحتة اللي أنا عايز أدور عليها، أعمل دائرة وأقول إيه هذا هو المفهوم اللي أنا بدور عليه، وبعد كده هو ده المفهوم.

وهذا المفهوم طبقاً للحديث اللي الشيخ أحمد أسسه عليه الفكرة دي، إن هو قالوا إن ده فعلاً هو ده اللي دايماً نظر السلفي لامحه على طول، وإن لا بد الفرقة دي موجودة، فمادام موجودة ندور عليها، ومادام ندور عليها ممكن ادعاء تمثلها خلاص. وهو لا يظن إن المجموعة اللي أنت بتنتمي ليها ممكن تختفي من التاريخ، أقول له لا مستحيل، ليه؟ لأنه غير مدرك إن هذه الأنماط قد تختفي في الكلية أحياناً من بقعة معينة وبعد كده تظهر في حتة تانية، مش من العلاقات الاجتماعية، لا هي هتظهر لوحدها عشان هي نمط نفسي اجتماعي، مش عشان هم متصلين ببعض، ولا أنت هتسلم الراية لواحد فهو هينقذ العالم زي ما أنت كنت عايز تنقذ العالم، فيش كده، هم هيظهروا لوحدهم، أنت ما تقلقش، أنت موت وأنت مطمن هم هيظهروا لوحدهم.

إزاي؟ يعني أنا مثلاً لو كنت موجود في القرن الثالث مثلاً، أو تقريباً في الدولة العباسية الثانية، لما أنا أشوف الخريطة ناحية كل حاجة شرق بغداد وفجأة تظهر إمارات فارسية.

الفارسية التي ظهرت في الدول المنفصلة كثيرًا، وفي المشرق كثيرًا عندنا نموذج هنا، وعندنا نموذج هنا؛ النموذج الشرقي عندنا فيه الثوريون والداودية، هؤلاء كانوا دولًا مثل الدولة الطاهرية، الدولة السامانية، الدولة الصفارية. يلتزمون بمذهب معين، نحن لم نسمع عنه إطلاقًا الآن.

الثوريون هؤلاء مَن هم؟ ليسوا مجرد تراكيب، بل هم الذين كانوا على مذهب سفيان الثوري، وهم أهل الحديث الكبار، أهل الحديث. طب هذا المذهب أين هو حاليًا؟ ليس موجودًا، لا أحد يعتنق مذهب سفيان الثوري الآن. هو من أهل الحديث، بل هو سلفي بالتعريف السلفي، لكن هذا المذهب اندفع، والمذهب كليًا غير موجود الآن.

سيبك من هذا، الظاهرية والداودية؛ كانت هناك دول كاملة داودية، قبل أن تستقر المذاهب السنية الأربعة. المذهب اختفى كليًا، لا يوجد أحد يتبعه، حتى ظهر بعد ذلك في المغرب مذهب الأوزاعي، وكانوا يعتنقون هذا المذهب الفقهي، وكان له مقولات عقدية وكلامية.

الإمام الأوزاعي من أهل الحديث بالمعيار السلفي، هو سلفي، وكان له مذهب منتشر في أرض الأندلس؛ بل إن الأندلس في أول أمرها كانت على مذهب الأوزاع، ثم انسر المذهب بالكلية في الأندلس، حتى صار في الأندلس مذهب مالك عند خروج المسلمين. فمن الممكن زوال هذه الفكرة، ونحن هنا نتكلم عن هوية اجتماعية؛ المذهب بأفكاره ومقولاته كلها اختفت من هذه الرقعة، بل يمكن أن يكون اختفى بتغير راجع.

قد يقول لك أحدهم: كيف اختفى وهو لا ينفرد بشيء عن المسلمين؟ أكيد متفق مع غيره، فظهر بتجلٍ ثاني؛ المالكية ليست دينًا جديدًا، والأحناف ليست دينًا جديدًا، والحنابلة ليست دينًا جديدًا، لكن الشاهد أن هذه الهوية اختفت تمامًا. فأنا عندما آتي لأطرح فكرة وأقول إن هذا المذهب أو هذه الطريقة في تناول المقولات أو التعامل مع النصوص يمكن أن تندفع أو تختفي، حتى على الأقل من رقعة اجتماعية، فأنا لا أبالغ، وعندي شواهد تاريخية داخل الأمة.

بالنسبة للهوية الاجتماعية، لكي أكون أكثر تجديدًا في التطبيق على السلفية، أريد أن أراها كهوية اجتماعية. الهويات الاجتماعية، سواء كانت مذهبًا كلاميًا أو عقليًا أو سلوكيًا، هو يعتبر نفسه هوية اجتماعية، بغض النظر عن رؤيتك له، هو يرى نفسه كذلك. في علم النفس الاجتماعي، يعتبرها "جماعة نحن" وجماعة "الآخر"، أي (In-group) و(Out-group)؛ نحن الجماعة، والآخرون هم الآخرون.

هذه الطريقة في الفهم، في مسارها التاريخي، أحيانًا تكون حسنة الحظ ظاهريًا، وسيئئة الحظ جدًا لنفسها؛ وهي أن تتحقق سياسيًا. الخوارج، هذا الرجل الخارجي عندما ظهر في التاريخ كان أنقى من الحليب؛ أي أنه لا يرتكب المعاصي، فكلما وقع في شيء اغتسل ورجع، كان رجلًا نقيًا جدًا.

من المضحك أن الخوارج، الذين نعتبرهم شيئًا عظيمًا في نقائهم، قد تحققوا كدولة. الثوريون والداودية كانوا يتحققون في المشرق كدول، بينما قامت دولة الخوارج في شمال أفريقيا. ورغم أن المعمار المذهبي للخوارج يقول إنه يمكن أن يتحقق الاجتماع السياسي بدون أمير، لأننا جميعًا أطهار ولا أحد سيخطئ، إلا أنهم بمجرد أن تحققوا كدولة، ورثوا الحكم كما فعلوا تمامًا مع عامة المسلمين الذين كانوا ينتقدونهم ويكفرونهم.

يقول لك: يمكن أن نتراجع في أي شيء في سبيل قيام الهوية الاجتماعية هذه، لأنها اجتماع أهل الحق الذين صلوا على الأرض، ولو اختفت لا يرضى أحد. فيقومون بذلك على حساب المعمار الداخلي للمذهب حتى يتأكد. لذلك دائمًا في التحققات السلفية، إذا أردت أن تلبسها في حالة معينة، فسيختفي المذهب ثم يكتمل ثانيًا، لأن المذهب أصلاً مثالي زاد عن اللزوم ولا يمكن تحققه في التاريخ، فلما يتحقق في الجانب السياسي...

وهنا نأتي إلى فكرة: هل الأفكار الراديكالية، مثل الوهابية في التاريخ المعاصر، أو السلفيين في نظر غير السلفيين كأناس راديكاليين ومتزمتين ولهم رؤى معيارية شديدة لا يمكن تطبيقها، هل يمكن لمذهب مثل المذهب الخارجي أن يتحقق في التاريخ عادي؟

نعم، لقد قلنا إن للخوارج دولة، وللموحدين دولة. معظم الحاضرين يسمع عن دولة الموحدين؛ إذا نظرت إلى مقولاتها تجد تشيعًا واعتزالًا وخارجية وادعاء للمهدية. محمد بن تومرت لم يكن مجرد رجل اجتماعي أو أمير، بل ادعى أنه المهدي شخصيًا. ومع كل هذه المشاكل التي نعتبرها لا تتفق مع الإسلام بل تناقض قواطع الإسلام، قامت الدولة واستمرت قرابة 70 أو 80 سنة، بل تمددت على رقعة جغرافية هائلة تقارب حاليًا شكل أكثر من 20 دولة في أفريقيا والأندلس.

فالخوارج لهم دولة، والموحدون لهم دولة، والدعوة الوهابية، الناس دائمًا عندما يضربون بها المثل يعتبرونها حالة خاصة، لكن كم دولة بمقولات الوهابية في التاريخ المعاصر تحققت كدولة؟ نحن نقول طبعًا إن هناك فرقًا يجب أن أوضحه من الآن في المعاصرة.

أنا دائماً أضع خطاً مهماً جداً ما قبل الاستعمار، يعني ما قبل التحديد وما بعد التحديث. صولات السلفية قبل التحديث، يعني ماذا يعني قبل ما يأتي الاستعمار المباشر؟ الديار الإسلامية في حالة تحقق سلفي أو أي مذهب آخر. وبعد ما يأتي الاستعمار أو حدوث عملية تحديث داخلية، مثل محمد عبده في العالم الإسلامي.

فأي سلفية في مصر أو تونس أو الدولة العثمانية أو إيران -لو كانت سلفية شيعية، أي أصولية جوه المذهب نفسه- أو العراق، هؤلاء لهم وضع خاص؛ لأن هؤلاء حصل فيهم تحديث، وبعد ذلك جاء الاستعمار. بعد الاستعمار سيكون لنا تعامل خاص مع التمثلات بالذات، حتى السلفية عندنا؛ دعوة الوهابية والناس كلها حطت عينها عليها في الجزيرة العربية.

عندنا مقولات تأثرت بها الفرق الصوفية في أفريقيا، وعلى رأسها إمبراطورية الفلاني، وهو عثمان بن فودي. سيدي عثمان بن فودي الفلاني لديه نفس مقولات السلفية، بل نفس تكفير الخصوم، بل نفس قتل الخصوم على الكفر. هؤلاء دولة كاملة، إمبراطورية بحكم مساحة أكبر بكثير جداً من المساحة التي تمددت فيها الدعوة الوهابية؛ هو حكم تقريباً نيجيريا وشمال بنين وفاسو، وقضى على الإمبراطورية المجاورة له فأخذ مالي وجزءاً من تشاد.

يستخدم نفس المقولات لدرجة أن كثيراً من مؤرخي الأفكار يلحظون النسبة بشكل واضح جداً في تشابه المقولات، بل تظهر أحياناً في ناس ينفون النسبة، يقول لك: لا، هو لم تسرِ الأفكار، ظهرت وحدها. أنا أصدق أنه من المحتمل ألا يكون قد التقى بهم، ولا راح الحج، ولا تأثر بالوهابية في مواسم الحج، وظهرت نفس الأفكار في غرب أفريقيا التي لا يوجد فيها أي تماس جغرافي أو سكاني أو مذهبي معهم، وهم في الغالب تاريخياً أشاعرة، وهم في الغالب تاريخياً إما مالكية وإما حنبلية، فكيف تظهر نفس الأفكار بنفس التصديقات في الواقع؟

بمعنى: نفس التحقق السياسي، بنفس تكفير الخصوم، بنفس الدعاة، بنفس النصوص. لو عرضت المقولات هكذا تقول: هم الوهابية، لا، هذه نيجيريا الوهابية، ذهبوا إلى نيجيريا في أيام معينة بنفس المقولات مع عدم الاتفاق. هذا يمكن أن نقول عنه انتشار أفقي، أو يمكن أن نقول عنه انتشار رأسي؛ أي المقولة ظهرت هنا وظهرت هناك من غير أن يقابلوا بعضهم.

المقولة ظهرت في نفس السياق، فالحنابلة غلات، الشيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً يستخدم هذه الكلمة، يقول غلات المجسمة أو يقول غلات الحنابلة، وكل مذهب فيه غلو. طب في مقولة زمان، هي هي بعد 400 سنة أجد المقولة هي نفسها، لكن قائلها مختلف. القاعدة التي قرأناها في الأول هي: هل هذا نمط إنساني فردي أو نمط إنساني جماعي؟

نحن نتحدث عن التحقق السياسي. مثال خارج لكي نفهم أكثر، وهو التحقق السياسي للمذهب الشيعي. الشيعة عندهم مثل الذي عندنا بالضبط، عندهم فرق كلامية، أحياناً يسمونهم أصوليين، وأحياناً يتبنون نصوصاً، مثل أهل الحديث عندنا أو الظاهرية. وموجود عندهم فرق كثيرة جداً بخصوص النزاع الداخلي حول من هو ممثل المذهب، كل هذا موجود عندهم.

عند التحقق السياسي، ومنذ بدء الصفويين، أحد علماء الشيعة -والمفروض أنه عالم سني جداً- يقول: نحن نريد حاكماً معصوماً، لا نريد حاكماً خالصاً ونحن كلنا معصومون. الشيعة يقولون: الحكام كلهم معصومون. فكانت هناك فرصة للتحقق السياسي الصفوي على أيدي كبار علماء الشيعة، مثل الكليني الذي كتب الحديث.

في مقابل التحقق السياسي، قد يتنازل العالم عن جزء في المذهب أو يدخله في المذهب؛ ففي مقابل أن أعطيك خلفية أو ظهيراً دينياً، أنت في نفس الوقت تعطني المسارات السياسية التي سأقدر من خلالها أن أنشر مذهبي. هذه صورة عامة يجب أن نستوعب فكرة أن النمط قد يكون فردياً، والنمط الجماعي قد يكون قابلاً للانتشار.

الإشكالية الوحيدة هي خطر ما بعد ذلك، أي أن كل التمثلات التي تُنسب لأي مذهب -ومنها السلفية- قبل التحديث وقبل الاستعمار شيء، وبعد الاستعمار شيء آخر. هذه المسألة تهمنا لأننا كلنا داخلون في التقسيم؛ إما داخلون فيها كأفراد، أو نحن متأثرون بما سيحصل للأفراد.

الأولى: أي تمثل، سواء كان مستقيماً أو غير مستقيم، ونسبته للأفراد قد تكون قليلة، لكن عندما يأتي ليتحقق سياسياً في الواقع، فإنه لا يتجاوز فقط إقناع مجموعة كبيرة من الناس الذين يعيشون فيه، ثم يبدأ في التغيير الفعلي. هذا يمكن أن نراه في دولة المرابطين، ويمكن أن نراه في دولة الموحدين، ويمكن أن نراه في المذاهب التي نشأت بها الدول المنفصلة من بعد العصر العباسي الثاني.

كل هذا موجود، ونفس محاولات الغلاة نجدها عند المالكية، وعند الشافعية، وعند الحنابلة، وعند الأحناف. كل مذهب استخدم العدة المذهبية في التحققات السياسية لتكفير خصومه أو قتلهم؛ من أول المعتزلة وفعلهم مع أهل السنة، ثم ظهور الحنابلة مع الأشاعرة، ثم ظهور الأشاعرة مع الحنابلة. لو قيس على ذلك، فتاريخنا مليء جداً بذلك.

لكن المفاجأة هنا كانت في أنه لا يحتاج إلا أن يصنع معماراً متماسكاً نظرياً ثم ينطلق به للواقع مباشرة؛ لأن الواقع هذا هو من صنعه وهو جزء منه، ولم يتغير فيه أي شيء منذ فترة. هذا أمر مهم جداً، فهو ليس محتاجاً لأدوات إضافية؛ أنا رجل من المرابطين، ولكن إذا جاء وقدر أن يستثير الحماسة الدينية للناس ويصحح توجههم، أستطيع أن أجمع مجموعة وأجعلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم أنطلق في المجتمع وأسيطر على مساحة من الأرض توازي تقريباً ربع قارة بمجهود بسيط جداً نظرياً.

التنقيح المهم والثقيل بعد التحديث هو أن الحركات الإسلامية كلها، بلا استثناء، تتحرك في وسط تم تغيير معماره أو هندسته الاجتماعية بالكلية. فأي منتج نظري، مهما كان شيكاً وحلوًا عقلياً أو سلوكياً أو فقهياً، وأنت تأتي لتطبقه على الواقع، فإن هذا الواقع قد تم تغييره بالكلية.

فالمدينة التي أنت تنتمي إليها، كائنًا من كان، مدونة حنبلية، مدونة ملكية، مدونة أشعرية، مدونة معتزلية، مدونة شيعية؛ أول ما تأتي لتأخذها تنزل بها على الواقع، مش راضية ترجع إليه، لأن الناس لا تستجيب لهذه النصوص كما استجاباتها الأولى.

اثنين: معدلات العلمنة بقت عالية جدًا، كل الروابط الاجتماعية بتاعة الشبكات التقليدية بتاعة المجتمعات الإسلامية تم تدميرها بالكلية، بل إحلالها بروابط قد تشابه تمامًا مجتمعات الكافر الأصلية؛ فالكافر الأصلي تمام تغيير النظام السياسي والاجتماعي، والعبث أصلاً بتلقي الناس للنصوص، ده أنت محتاج أصلاً تترجم اللي أنت هتقوله.

فعشان كده التمثلات، وبالأخص طبعًا التمثلات السلفية ما بعد التحديث، كانت بتعين المشكلة هي نفسها مش مدركة المشكلة اللي واقعة فيها ليه، لأن هي بتتحرك في واقع تم تغيير معالم الجغرافية بالكلية. كأن واحد كان حابسينه سنتين وطلعوه في مدينة تم تغييرها بالكلية، فهو ما يعرفش المواصلات، ولا يعرف أسماء الشوارع، ولا أسماء المواصلات، ولا يروح فين؛ كل حاجة اتغيرت بالضبط.

ده موقف الحركات الإسلامية بعامة، وعلى رأسهم التمثلات السلفية بخاصة. المثال الفج ده في إيه؟ لما آجي أنا أقارن مثلاً الدعوة الوهابية؛ الناس وقعنا وقلنا إن التمثل الوهابي ده ممكن يكون ظاهر قبل كده في نيجيريا وغيره في أفريقيا بالذات، وفي شوية مخف في الهند خلاص، بس قبل التحديث. قبل التحديث إيه الحركة الوهابية؟ آه، كفرت الناس، واتهمتهم بأي خلاف، في ناس عملت كده كتير قبل كده بمذاهب أخرى، مش بس انتسابه للسلفية أو الحنبلية. لكنه بيتحرك فجًّا؛ إن المجتمع إيه؟ ده الراجل طلع خد سيوف حارب الناس وسد الأمر، شاف الأمور وظبط الدولة، قامت الدولة خلاص.

لما تيجي تعمل ده في أي حتة تانية بعد التحديث، إخوانا طب ما هم جرب ونفع، يعني هي مش راضية تنفع معانا ليه؟ إحنا مش حطينا المذهب وكفرنا الناس، لا، مش قادر تعمل كده بأعنف برضه ما تقدرش تعمل كده، طب مقولات أكثر طهرًا برضه ما تقدرش تعمل كده. ليه؟ لأن بدأ الهوة ما بين المدونة في رصد الواقع، رصد الواقع وتنزيل المدونة اللي أنت متكرس بيه على الواقع ده؛ أنت بتكلم عن واقع تاني خالص خالص، فلا ناس بتستجيب بالشكل اللي أنت متصوره، ولا أنت عارف قواعد اللعبة شكلها إيه، لا سياسية ولا اجتماعية ولا اقتصادية وغيره.

النموذج بتاعه إيه؟ إن لما آجي أنا أتحرك في المجتمعات الحديثة مفاجئ، وأنا سلفي سلفي، طيب أنا بقول نفس الكلام اللي قالوه السلفيين قبلي ونفع مهم قبل كده، نفعت يعني في دول. عشان كده دايما الاستمداد اللي بتعمله الحركات الإسلامية بيعم السلفات خاصة، إن التاريخ بيبقى استمداد مؤذي جدًا للتيار، يعني يقول لك إيه؟ دي حصلت في التاريخ نعملها. ما هو مش ده تاريخ؛ أنت بتسحب من واقع اتغير بالكلية، أنت عايز تنزل إيه عليه؟ فتيجي تجيب مقولات عقدية تنزلها -مش فقهية- مش نافعة؛ اختيارات سلوكية، اجتماعية، الآداب العامة، الواقع السياسي، الاجتماعي، العسكري؛ كل ده مختلف كمان.

فدي بقى اللي خلت الواقع السلفي المعاصر، اللي هو ما بعد الحداثة أو تمثلات السلفية اللي ظهرت في ديار تحديثها، يعني السلفية مثلا في الهند كانت مقولاتها أخف وأوضح شوية، ومعدل لبسهم في الحيطة أقل شوية من السلفية اللي ظهرت في الديار العربية اللي تم تحديثها منذ محمد علي، وتونس، والعراق، كانت إيه؟ معدل التفاوت الرهيب ما بين الواقع اللي موجود في الكتب -اللي هو عايز يسحبه وينزل بيه على الواقع- هو كبير جدًا. الهند لا، يمكن ما تمش تحديثها، الهند استعمرت على طول، إحنا لا، إحنا قعدنا 100 سنة تحديث بعد كده 70 سنة استعمار، فخلاص كل حاجة اتغيرت، الناس كلها، المدونة أنت بتتكلم بها، وأنت قاعد 100 سنة في المجتمع ومش هتنزلك مع حد، أنت لوحدك ليه؟ أنت في الملعب بقالك سنين مش مدرك قواعدها شكل.

طيب مثال يعني مثال مقارن ما بين السلفية بأنواع ممكن إننا ننسبها ليها بشكل أو بآخر في الوقت اللي هو التحديث بيكتمل أو ما بيكتمل، عشان الفكرة دي أهم من التطبيق على السلفية المعاصر. لما أنا أشوف مثلاً جمال الدين الأفغاني، أفغاني هو بيتحرك من تقريبًا إيران وأفغانستان، يعني المساحة دي، والمساحة دي كانت متبقية الحلول السياسية اللي إحنا بنتكلم عليها دلوقتي وهو بيتحرك، ألاقيه بيتحرك بوضع مختلف. ليه؟ هو فاهم تاريخ المنطقة كويس جدًا، الوضع السياسي ماتغيرش قوي، التحديث ما حصلش بنسبة كبيرة جدًا. فلاقي جمال الدين الأفغاني عامل زي القدام، بيتكلم، بيكلم الرؤوس، بيكلم الشاه، مش عجبه راح واحد يقتله، وراجع كلم مثلاً الخليفة العثماني، هو خليفة عثماني، قتل حاجة كده، اللي هو الراجل بيكلم ليه؟ لأن الواقع اللي بيتحرك فيه واقع...

اللي بيحس بالفرق وبيتراجع بيعمل حاجة انسحابية أو بيعمل حاجة غلط وهو معزوف. أحيانًا واحد زي محمد عبده، محمد عبده بيتحرك في واقع هو ابن الحداثة، يعني محمد عبده اتولد في مصر بتاع ولاد محمد علي، فجاي هو الراجل ليه نزوع سلفي؟ حقيقة نزوع سلفي في إنه: ترك البدع، العقائد الخرافية اللي الناس بتمارسها، محاولة الرجوع للأصول، محاولة تجاوز التراكم التراثي اللي بيعزل أو بيقطع الطريق، دون الرجوع للوحي مباشرة. محمد عايز يعمل عمل كان عايز يعمل كده فعلاً، وهو بيعمل كده ليه؟ المنتج بتاعه طلع في حاجات مرفوضة جدًا جوه حتى التيار السلفي، وفي نفس الوقت هو الواقع السياسي بتاعه أكثر سوءًا من جمال الدين الأفغاني؛ لأنه كان بيتحرك في مساحة تم تغيير معالمها الاجتماعية والسياسية تمامًا.

لما أشوف واحد زي مالك بن نبي، مالك بن نبي كان معجب جدًا بالحركة، معجب جدًا بالتراث السلفي بالعموم، ودي حاجة ظاهرة غريبة. ليه؟ هو التراث بالنسبة له بيمثل إيه؟ النقاء الديني عن التخاريف وبتاع، ومالك بن نبي كان رافض جدًا سلوك الصوفية، هو كان مسميها صوفية الفدّة يعني في الجزائر وكده، وصوفية انسحابية والاستعمار موجود مش قادر تقاوم، فمعجب جدًا بالحركة الوهابية ونقاء السلفية في العموم خلاص. فالراجل أنا أقدر يعني رؤيته فيها رافد سلفي، خلاص الراجل تحققت السياسة، أول ما جه يشتغل في السياسة بقى وزير، وزير على طول يعني بعد الاستعمار، وزير ما عملش حاجة ومشي. ليه؟ هو حاسس إن الخريطة الاجتماعية فيها حاجة، فيها حاجة كبيرة غلط. ده اللي نقدر نقول نقدر نقول إن هو بيميز بعض الحركات الإسلامية إن هي استوعبت، مش عشان المدونة بتاعتها العلمية كانت كويسة، معدل الحركة بتاعها كان عالي جدًا في عمل تغيير اجتماعي مضاد، يعني هو...

ما استنا، ما جاش عايز ينزل حاجة على الواقع الاجتماعي، هو اتحرك في الواقع الاجتماعي؛ فحاجة ليها غيرها بدأ يشيلها ويركب حاجة ثانية، هو تحرك أكثر منه ونظم، وهذا يتمثل بشكل واضح جداً في جماعة الإخوان المسلمين في التأسيس. يبقى أنه بيتحرك كثيراً جداً، وكلامه على أنه جماعة سلفية، هو لا يرفض أبداً الرافض السلفي، لكن الفارق الوحيد بينه وبين تمثلات أخرى أنه كان يتغير، يتحرك في واقع تم تغييره، لكن حركته أكثر من تنظيم، فهو يتحرك؛ الحاجة اللي بيلاقيها مش في مكانها بيحاول يغيرها، لأن المحاولات دي بتبقى فيها قوة ثانية ممكن توقف العملية تماماً.

فأنا لو عايز آخذ السردية السلفية وأشوف التمثلات دي، سأبحث فيها بحثاً أفقياً في عصر واحد، لا، بل بحثاً تاريخياً؛ أنا عايز أقول إن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين دول حاجة معيارية عندي في معظم أهل السنة بالعموم والسلفيين بالإخص. خلاص، فأنا أقدر أقول إن في سلفية ما قبل المذاهب، المذاهب لسه ما استتبت، ففي نزوع سلفي عام، وأقدر أقول إن في سلفية المذاهب نفسها؛ يعني أقول الشافعي سلف، مالك سلف، هم أئمة السلف نفسهم، وإن كانوا مش لازم يكونوا داخلين بالأساس في الناس اللي بيحتاج بأقوالهم مباشرة، لكن هم تمثل سلفي وهم تأسست المذاهب بعد ذلك.

أقدر أقول سلفية ما بعد المذاهب أو المصاحبة لتكوين المذاهب، اللي هي سلفية المذاهب كلها، بمعنى أو بآخر يختلفوا مع السلفية المتشكلة في أهل الحديث في مساحة كبيرة جداً. مش لأن أهل الحديث دول كانوا مقسمين، ممكن ألاقيهم داخلين في مذهب أو إمام مذهب، زي الشافعي؛ أحمد بن حنبل عن الشافعي واحد من أهل الحديث وهو إمام أو مؤسس مذهب وتلميذ مؤسس مذهب. وبعد كده ألاقي شيخ الإسلام ابن تيمية كعلامة فارقة، وبعد كده ألاقي التمثلات قبل التحديث، الوهابية وغيرها، زي المثال اللي أنا ضربته بتاع عثمان المكودي. ومن أراد الاستقصاء قبل التحديث في الدين، سيجد نفس القالات الوهابية في أفريقيا وفي الهند كثيرة جداً وقبل التحديث.

أنا يهمني جداً أنه كان لسه متحرك في واقع يسعى لتغييره، عشان كده قدر أحياناً يعمل دول على حساب المذهب، وده واضح جداً في الحالة الوهابية النجدية؛ يعني المذهب أه بيعمل دولة بس على حساب المذهب نفسه، ممكن المذهب يتضرر جداً، فكان السياسي ممكن يمس بالبقعة الاجتماعية دي. وبعد كده السلفية الحديثية أو التمثلات السلفية في البيئات التي تم تحديثها.

خلينا نضرب شوية أمثلة بالسلفية المعاصرة، اللي هو الوضع الحالي. السلفية المعاصرة تروح صدم بها الشيخ أحمد، الفكرة لوحدها تخض، وهي فكرة تصور "أفول السلفيين"؛ يعني مش كلكم هتختفوا ولا كلكم هتروحوا، هو بس إنكم كنتوا في مساحة ضخمة جداً، هذه المساحة سوف يتم تقلصها بشكل قد يكون كبيراً جداً أحياناً لأسباب كثيرة. هذا من ناحية علم الاجتماع، من غير ما يسمعه هو، بيقول: "أنا أقفله، أنت واللي يتشدد أنا مقفلش"، فده أصلاً حالة رد فعل اجتماعي، عشان كده هو الراجل بيقول أنا قلت نفس الكلام في سياق دفاعي، لما قال نفس الكلام في سياق نقدي "نقفله". ليه؟ لأن أنت أحياناً بتهدد وجودي الاجتماعي، فأنت بتقول لي أنت هتمشي، اتفضل أنت هتمشي.

الراجل وهو بيتكلم على فكرة الأفول، إيه هي؟ دي مرتبطة بالتقسيمة اللي إحنا قلناها، إنها سلفية ما بعد الحداثة. في التمثل الاجتماعي، أنت ليه أسباب تتعلق بظروف اقتصادية قد لا تكون واعداً بها، وظروف سياسية داخلية أنت غير واعي بها، وظروف سياسية دولية أنت غير واعي بها، اجتمعت كل هذه الظروف في لحظة خليتك تتمدد في مساحة مهولة جداً. هذه المساحة تعتبر قبولاً اجتماعياً، أنت مقبول اجتماعياً بنقابك، أنت مقبول حالياً، طبعاً ده هيتغير، فكرة المطاردة الاجتماعية راجعين لها.

الشيخ أحمد ضرب مثالاً واضحاً جداً بفكرة الحنابلة؛ أهل الحديث بعامة كانوا بيعرضوا على السيف في وقت المعتزلة، جه وقت أهل الحديث والحنابلة بيعرضوا كل الفرق على إخواننا، فكان فيه ناس بتقتل بسبب مقولة، واحد واتنين وثلاثة وأربعة، حن في المسائل، في ناس ماتت كتير كده. فده علو شديد جداً، واحد يقول لك إيه ده حصل لهم إيه بعد كده؟ حالة أفول، واحد مات وهو هربان، مات هربان في بيت ماحدش يعرفه، ولا يجتمع مع حد.

فكل هوية اجتماعية بيجي عليها وقت تتمدد، بيجي عليها وقت وبيتم تعقبها. عشان كده إحنا بنقول لما عناصر الاعتدال بتزيد في الهوية الاجتماعية دي، فإنت بتبقى متناهٍ في الأمة لدرجة عدم حصره، مش ممكن تتقفش، ده عمرك بيبقى مرتبط حقيقة بعمر الإسلام. عشان كده دائماً إحنا بنقول أئمة الهدى، ليه؟ لأن الإمام أحمد اللي خدها عن سيدنا عمر بخطابه في بعض أحواله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ فَتْرَةٍ مِنَ الْفَتْرِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ»، بقايا من أهل العلم دول تبع الرسل، فمش هيختفوا.

كل ما عناصر السلفية اللي هي (جماعة...) تزيد عندك، كل ما إمكانية فصلك أو اختفائك من المجتمع تزيد جداً لدرجة إنه ممكن اختفاؤك يكون فردياً، يعني واحد واحد. مشكلة كبيرة جداً في التاريخ المعاصر نسمع يقول لك جماعة اتلمت عشرين ألف واحد، اتلموا في ليلة حصل في...

الجماعة، ألف واحد لما واجهوا في ليلة حصل إيه؟ المهم، إزاي ده؟ واضح أن معدلات التمايز بينها وبين المجتمع شكلاً ومضموناً، ومقولات، وشبكة العلاقات الاجتماعية، لدرجة أن هو التقاطها من المجتمع نفر ويطلع بره خالص. الجماعة الاجتماعية بل يتم إزالتها خلاص.

الذي يمكن أن يحققه هذا هو أنك ما زلت تشوه صورتك للجغرافيا الاجتماعية التي تتحرك فيها. على التشوه الأول، أنت مش عارف أن الخريطة الاجتماعية تغيرت بشكل كبير جداً، وهو تحديث مجتمعات الإسلام. والذي يدل على ذلك أن كل مقولاتك تدل على أنك تسبح من المدونة الفقهية التي أنت شايفها معصومة، أو السحب منها يعطيك عصمة في الإخوة، فتنزلها على جغرافيا اجتماعية تم تغييرها بالكلية.

بتعمل ده مع الحاكم، وبتعمل ده مع ديار الإسلام، وبتعمل ده مع الخصوم، وبتعمل ده مع الفرق والملل الأخرى. فأنت ما زلت واضحاً من عباراتك، أنا مش محتاج أسألك عن فهمك للجغرافيا الاجتماعية؛ أنت لوحدك كلامك يدل على أنك مش فاهم مدى التغيرات الاجتماعية العميقة في المجتمع الذي تتحرك فيه.

ثانياً، الأدوات التي من المفترض أن ترفع بها عن نفسك الجهالة المجتمعية أو الجغرافيا المجتمعية هذه، أنت لغاية دلوقتي ما دمت مش عارف، فأنت جاهل، فيبقى الجهل هذا أنك مش عايز ترفعه، فأنت ما عندكش أدوات. فالأدوات هذه بتزيد.

إضافة إلى أن الشروط التي كانت توافرت لحالتك، التمدد الأفقي بتاعك، هذه بتتغير دولياً ومحلياً. دولياً ومحلياً، يعني إحنا دائماً كنا بنقول الكلام هذا، مكرر ومكتوب وأظن حالياً مشاع؛ أن أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية كان لها دور كبير جداً، وبريطانيا قبل خروجها من مصر وبعض ديار الإسلام، كانت بتدفع لعلماء الإسلام وتكتب عشان يوقفوا المد الشيوعي. الأمر الذي جعل الأستاذ رحمه الله في مصر عام 47 يكتب مقال "الإسلام الأمريكي"، أن هو أدرك أن في صياغة معينة تصاغ، أن الإسلام مقبول بس بنسخة معينة أو بتعديل معين.

علاقة بريطانيا بالوهابية يعني ما فيش مشاكل، ما فيش علاقة. أمريكا بعد ذلك بالحركات السلفية المقاتلة، وعلاقة أمريكا بالسعودية كمخزن توليد للمقولات السلفية، بل دعم مالي ضخم جداً لكل الحركات السلفية في العالم. فالظرف هذا هو يختفي.

فأنت الذي كنت متصور أن هو تحقق بسبب طهارة المقولات أو صحة النسب أو قوتها، أو أنك مقنع أو أنك حطمت كل خصومك وهم ينتحروا، ده مش صحيح. ده أنت الذي ستنتحر، وخصومك هم لا. ليه؟ لأن الروافد التي كانت تجعلك تتمدد راحت، والروافد التي كانت تمنع عنك الأفول أو الاستئصال بتزيد بتزيد خلاص.

ففرضية الأفول هذه فردية، هي ليست نبوءة إلزامية. يعني يقول لك إيه؟ رايحين في داهية؟ إن شاء الله لا، هو مش كده، يعني هي ليست حتمية في الحقيقة، ما فيش في الإسلام كده، ما فيش في الدين كده. ممكن حد يكون على المستوى الاجتماعي، مقولات الأنماط الاجتماعية، يجي النمط يقول لك النمط الاجتماعي هذا محكوم عليه أن هو يزول؟ لا، ما فيش كده.

حتى القرآن نفسه أقر هذه الحقيقة، على ندرة، يعني كل الأنبياء بيجي لهم الرسل بيكذبوا، ربنا بيعذبهم، ده ثابت في القرآن، فليس هناك نبي قالوا لهم إلا سيدنا يونس؛ سيدنا يونس كلمهم، كانوا هيكفروا، بعد كده آمنوا، ربنا تاب عليهم. فهو ليس نمط حتمية إنسانية أن كل مجموعة اجتماعية هيحصل لها كذا، فيفشل أو ينزل عليها عذاب عام لو كانت أمة مكذبة لنبي، لا؛ ممكن يتوب الله، عجل الله يتوب عليه. يعني دي ليست حتمية، على ندرة في القرآن وهو نموذج سيدنا يونس، لكن ده يثبت الأصل، أن النمط الإنساني حر.

يمكن النمط الإنساني حر، لكن هذا ماذا يريد؟ وأنا أظن أن هذا هو فكرة السؤال الممتاز بتاع أستاذنا الدكتور معراقي الذي قلته في الأول؛ أن السؤال هو الجهد الأكبر للكتاب، أن هو يصير -يا سيدي ما تخدش الإجابة التي قدمها- أنقذها بالكلية، بس السؤال الذي هو قدمه لك خطير جداً. هو مش بيقول لك أنت خفضوا مخصصاتك المالية، ولا هيقلوا أعدادك، ولا هيخلوك هز بلحيتك أصغر سناً، أنت ستختفي، ستختفي بالكلية وتستأصل خلاص.

فيبقى السؤال، بغض النظر عن الإجابة التي قدمها الكتاب، أن الظاهرة التي هو يحاول تقديمها؛ إخواننا أنتم على خطر حقيقي، بل نحن كلنا على خطر حقيقي لو لم ننتبه لرافد الضعف الذي مستمر يصب في بنيتكم، ورافد القوة الذي قُطع أو أنت فصلته قسراً، ورافد القوة أنت مش عايز تحصلها، الذي ممكن يقويك أو يخليك تعمل منعطفاً تاريخياً ينقذك أو ينجيك، أو حتى ينجي هويتك الاجتماعية التي أنت حابب أن تتمسك بها، أو أنت شايف أن هي يجب أن تستمر لأنك جزء من الفرقة الناجية التي -يعني إيه؟- بشر بها النبي ﷺ. جعلنا الله إياكم من هذه المجموعة.

طيب، أنا كده أقدر أقول إن معظم ما كنت عايز أقوله حوالين الكتاب متعلق بالفكرة العامة، الأنماط ومحاولة ضرب أمثلة بها بالسلف والسلفية المعاصرة تقريباً، وصلتها. يتبقى بقى إيه؟ الأسئلة أو الانتقادات أو الاعتراضات.. أي شيء على الكتاب.

انتهت. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، بارك الله لكم وشكر الله.