دخولتسجيل الدخول

هندسة النهضة عند مالك بن دينار

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله الرحمن الرحيم. نبدأ الموسم الأول لفريق دوائر المعرفة. الموسم الماضي كان مشروع دوائر المعرفة في موسم تمهيدي، وإن شاء الله هذا الموسم هو الموسم الأول للفريق. فريق دوائر المعرفة كما يعرف نفسه على الصفحة التي تم إنشاؤها على موقع فيسبوك منذ أسبوع، أعتقد أنه فريق يهتم ببناء هذا الجيل بناءً معرفيًا وثقافيًا على أرضية علمية، تفكر قبل أن تقرر وتفهم قبل أن تتحرك. يتحرك هذا الفريق في إطار بعض الأهداف التي وضعناها، أولها أن هذا حقيقة هو هدف بحد ذاته، تشبيك العلاقات بين المثقفين وبين الشباب الذي يريد أن يطرح رؤية معينة أو الشباب الذي يريد أن يكون رؤية معينة في فترة ما، لأن أحداث الوطن تحتاج إلى تكوين رؤى كاملة كي نعمل، لا مجرد قصاصات من هنا وهناك.

هذه إحدى الأهداف أو أحد الأهداف الرئيسية، وهناك أهداف أخرى تتعلق بتكوين وجهة النظر والمناظرة والمحاورة وطريقة العرض والإلقاء وكتابة الأبحاث، لأن هناك مشروعين آخرين بإذن الله: مشروع أبحاث المعرفة ومشروع مكتبة المعرفة. هناك مشاريع أخرى، وبفضل الله تم افتتاح فرع في المنصورة للفريق، وإن شاء الله ستكون أولى محاضراته في تاريخ 14 الشهر القادم. ومعنا هنا عضوان يمثلان فريق المنصورة، وبإذن الله قريباً ستكون هناك فروع في ثلاث أو أربع محافظات خلال الشهر القادم، سنخبركم بها تباعًا لكي نحل جزءًا من إشكالية الوقت وإشكالية أهمية المحاضرات، وأن هناك مكاناً واحداً يعطي هذه المحاضرات؛ فبإذن الله سنستطيع أن نحل هذه المشكلة.

حقيقة هناك خاطرة واحدة قبل أن نبدأ، هي خاطرة من المفترض أن تشكل عقل كل هذا الجيل. لو أتى إنسان إلينا في بداية الموسم الماضي كنا نقول إننا نريد أن نكمل الدرب الذي بدأه أساتذتنا من على هذا المقعد: الدكتور المسيري، والمستشار طارق البشري، والدكتور محمد سليم العوا، وكنا نقول إننا أصغر من هذا بكثير، ولكننا سنحاول أن نكون امتداداً لهذا الدرب أو ظلاً لهذا الدرب. لكن لو دخل علينا شخص من خارج الجمعية وقال: "أنا أخبركم أن الموسم الأول لكم سيكون البلد فيها حرية، وحسني مبارك سيكون مشى، وأمن الدولة سيكون انحل، وفي دستور جديد اتحط"، طبعاً كنا سنتهم بالجنون. وحتى الآن مثلاً ممكن واحد يقول لك: "سوريا عمرها ما هتتحرك". فالقضية الأولى التي يجب أن نتمسك بها هي أن كل شيء ممكن، وأننا ليس فقط كنا ظل أو امتداداً لطريق معين، لكننا الآن نستطيع أن نقول إننا اختطنا طريقاً جديداً، وأن علينا مسؤولية كاملة لكي نخطط لهذا الطريق. لا أحد سوف يخطط لنا؛ كل المفكرين على الساحة، مع احترامنا جميعاً لهم، تربوا في ظروف وفي بيئة معينة، من الصعب أن يخرجوا منها، ونحن نضع هذا في اعتبارنا، لكن بإذن الله نحن من سيضع خريطة النهضة.

أذكر بالموقف قبل أن أعطي الكلمة لأيمن؛ كنت ليلة 25 قاعداً مع الباشمهندس أيمن في شقته وفي مكتبته، وكنا نتناقش ونقول: يا ترى إيه اللي هيحصل بكرة؟ لو ما حصلش تغيير؟ فأيمن رد عليّ وقال لي: هذا سؤال سهل، لو ما حصلش تغيير احنا ده طبيعي، إحنا كل مرة بنفشل أو كل مرة بيكون حاجة صغيرة وخلاص وبتمشي، لكن السؤال الأخطر: إيه اللي هنعمله لو حصل تغيير؟ سنبدأ بالنهضة. قالها لي جملة: "سنبدأ بالنهضة". وأعتقد أن النهاردة هو جاي عشان يحقق هذه الجملة. إن هذه الجملة قبل ما نبدأ أي حاجة في 25 كنا حاسين بها، وأنا يوم ما الرئيس استقال فرحت ساعة واحدة بس، وبعد الساعة اتغميت، إيه يا عم الحاج؟ خلاص أنت فجأة لقيت كل هذا الثقل يقع في حجرك، خلاص ده شيل أنت شيل واتحرك. فإحنا إن شاء الله مقبلين على مهام فظيعة. المهندس أيمن عبد الرحيم طبعاً المحاضر الأول، احنا بنبارك به دائماً في كل موسم، هو طبعاً مهندس خريج ميكاترونيات ودار علوم، وهو هيعرف نفسه بشكل واسع. وطبعاً المحاضرة عن مالك بن نبي، مش هتكلم بوصف عام في حضرة أيمن.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم الناس الخير محمد بن عبد الله خاتم أنبياء الله ورسله. وبعد، فمرحبا بكم في جمعية مصر للثقافة والحوار، مرحبا بكم في الموسم المعرفي الثاني، هو الأول بحكم أنه كان قبله موسم تمهيدي، والأول بالفعل بعد الثورة. مرحبا بمن شرفنا لأول مرة ومرحبا بأصدقائنا القدامى. محدثكم أيمن محمد عبد الرحيم، مهندس ميكاترونيات بكالوريوس هندسة ميكانيكية عام 2005، ليسانس كلية دار العلوم 2010، وحالياً طالب الدراسات العليا بمجال هندسة اللغة.

المحاضرة اليوم عن علم من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر وهو الأستاذ مالك بن نبي، وهو مفكر جزائري. قبل أن أتكلم عن الأستاذ مالك بن نبي، سوف أدخل إلى مدخل سريع عن مصطلح الفكر الإسلامي. كلمة فكر إسلامي تعتبر مصطلحاً حديثاً نوعاً ما، التعريف الذي أريد أن أضعه للفكر الإسلامي هو صناعة المسلمين العقلية؛ كل ما ينتجه أي شخص مسلم عبر الأصول في كل الفنون، سواء كان عقيدة أو لغة أو أي فن من الفنون. قبل ذلك لم يكن يطلق على هذه الصناعة الفكر الإسلامي، كان الأصول يسمى أصول العقيدة، وتسمى عقيدة. بدأت هذه التسمية تصك بعد الغزوة الاستعمارية الكبرى للعالم الإسلامي، عندما طرق نابليون أبواب العالم الإسلامي من مركزه وهي مصر، تم تدشين هذا المصطلح.

لماذا نشأ هذا المصطلح؟ قبل مجيء نابليون كان العالم الإسلامي لا يدرك أنه تخلف، لم يكن يدرك ذلك، هو كان قد تخلف بالفعل على كل الأصعدة ولكن لم يكن في مخيلته أنه تخلف. المماليك عندما أخبروهم أن الفرنجة سوف يأتون إلى مصر، كانت الإجابة أنهم دائماً ما حاربوا الفرنجة، ولم يصمد الفرنجة أبداً منذ ألف عام أمام العالم الإسلامي في أي نقطة؛ في الأندلس، في وسط أوروبا، في أي مكان لم يصمدوا. فكان هذا التخيل السابق، كان العالم الإسلامي لا يدرك أنه مريض. بعد ما جئنا، انتهى القول: "نحن مرضى". فنشأ هذا التساؤل الضخم؛ قبل ذلك كان هل نحن تخلفنا؟ الإجابة أتت بنعم، نحن تخلفنا عن العالم. فنشأت محاولة كبيرة جداً من أفراد في كل بقاع العالم الإسلامي تحاول الإجابة عن السؤالين الآتيين، كل الجهود التي سوف أذكرها تنصب في هذين السؤالين: هل نحن تخلفنا؟ الإجابة نعم. لماذا تخلفنا؟ ولماذا تقدم الآخر؟ ولا أقول الغرب، لأن بتقدم الغرب لحقت به أمم بشكل سريع جداً؛ نعم كانت البداية في الغرب، ولكن الدول الاستعمارية الأولى، إسبانيا، البرتغال، هولندا، فرنسا، بريطانيا، روسيا، حاولت واليابان لحقت بهمة. الروس ليسوا محسوبين بشكل قطعي على الأوروبيين هم جنس سلافي، ولكن كانت معظم الأمم هناك محاولات ونجحت.

فكان الفكر الإسلامي يسأل ويحاول الإجابة عن السؤال: لماذا تخلفنا وفي نفس الوقت تقدم الآخر؟ هذا سار في شمالين: الأول: هز العالم الإسلامي للإجابة عن السؤال، وكانت الإجابة عند جمال الدين الأفغاني "الاستبداد السياسي". نحن مستبدون، فهو بدأ يتحرك بشكل جريء، يذهب إلى الخليفة يقول له يجب أن تفعل كذا وكذا، ويأتي إلى مصر فيطرد. أي دولة ذهب إليها جمال الدين الأفغاني لم يتحمله الإطار السياسي، في الخلافة الخليفة سامع منه وهو إقصاء، عندما أتى إلى مصر صار مهدداً وأخرج بعد ذلك، فكانت الإجابة عند جمال الدين الأفغاني هي الاستبداد السياسي.

تلميذه محمد عبده على نفس الدرب، محمد عبده رجل أزهري عالم تربوي اتجه إلى وجهة أخرى، قال: "هناك خلل في التربية ومناهج التعليم والمؤسسة الإسلامية الرئيسية وهي الأزهر". كانت هذه إجابة محمد عبده. أتى على الدرب محمد رشيد رضا وحاول تجويد المشروع الذي بدأه محمد عبده، اهتم بالتعليم والتراث. أحمد رشيد رضا يعتبر أبو السلفية في التاريخ المعاصر، السلفية بالمعنى الرجوع بالإسلام إلى أصوله الصحيحة، حاول أن يفعل ذلك محمد رشيد رضا. أتى بعد ذلك العلامة الفارقة في التاريخ الإسلامي وهي أول محاولة تبدو فيها التكامل والشمول، تجربة الإمام البنا رحمه الله، حاول أيضاً الإجابة على هذا السؤال، ثم بعده أتى سيد قطب ليجود تجربته، يحسن فيها بمحاولة تصحيح بعض المفاهيم التي تمس العقيدة والتصور الإسلامي.

من أقصى الغرب الإسلامي أتى مالك بن نبي ليقول أشياء أخرى. كل الاتجاه السابق كان يتكلم في كما يقول مالك بن نبي، وهو يجل كل من ذكرناهم وغيرهم، الشيخ عبد الحميد بن باديس في الجزائر، محمد إقبال في الباكستان، وكان كل المحاولات التي قبل مالك بن نبي، المودودي، أبو الحسن الندوي، كل هذه الجهود هو يحترمها، ولكن يقول: "كل هؤلاء تكلموا عن عرض المرض". مالك بن نبي يقول هناك إنسان مريض وهو العالم الإسلامي، كل الذين وصفوا أعراض المرض فقط ولم يقولوا ما المرض. فهو دائماً مالك بن نبي يشبه، يقول: العالم الإسلامي عندما أفاق من نومه فجأة جرى نحو صيدلية وقال أنا مريض أعطيني أدوية، ما بك؟ يقول أنا سخن، أنا كذا، بدون أن يقوم بتشخيص، أحد أطباء الحضارة وهو مالك بن نبي منهم، ما المرض؟ ما علاج؟ ماذا؟ الحرارة دي تنتج عن أسباب كثيرة جداً، ما المرض؟ فمالك بن نبي يقول كل هؤلاء تكلموا في أعراض المرض.

طيب عندما نسأل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله في رأيه أنت الشخصي، ما المرض؟ هذا ما سوف نحاول الإجابة توصيفه. أنا لن ألخص فكر مالك بن نبي كله في هذه المحاضرة، ولكن سوف ألقي الضوء على كثير جداً من أركان الفكرة الرئيسية عند مالك بن نبي. مالك بن نبي ولد عام 1905 في الجزائر، ولد تحت الاستعمار الفرنسي للجزائر، فهو أصلاً نشأ في عالم مريض وتم غزوه، ثم تلقى كل تعليمه قبل الجامعي في الجزائر تحت الاحتلال، وأخذ من روافد الثقافة الإسلامية الأصيلة ثم التعليم المدرسي هناك في الجزائر، ثم درس الهندسة، رحل إلى فرنسا ودرس الهندسة الكهربية والميكانيكية هناك، ثم قابل أحد أصدقائي تعرف عليه هناك اسمه عمار، هذا بدأ يدفع بمالك بن نبي في اتجاه دراسة العلوم الاجتماعية، فبدأ اهتمام مالك بن نبي بدراسة العلوم الاجتماعية لمحاولة الإجابة على السؤالين الرئيسيين في الفكر الإسلامي. ثم انتقل بعد ذلك عمل في كثير جداً من الدول العربية وقام بالمحاضرة في مصر والشام وكثير من دول العالم، ثم شهد بعينيه ثمرة جهده؛ فهو ولد والجزائر مستعمرة، ثم ذهب إلى فرنسا الدولة المستعمرة، ثم عاد إلى الجزائر بعد التحرر وهو حي، فهذه من أكبر مزايا فكر مالك بن نبي، هو مفكر ولد في الاستعمار وناقش قضيته وعاش لأجلها وانحلت القضية وهو على قيد الحياة.

ثم العجيب في تجربة مالك بن نبي، وهي دائماً نقول ماذا يحدث لو؟ ماذا يحدث لو عاش حسن البنا؟ ماذا كان سيفعل سيد قطب لو تولى وزارة في ثورة يوليو؟ ماذا كان يحدث؟ هو فعلاً عرض عليه الوزارة ولكن لم يحدث، فإحنا لا نستطيع سؤال ماذا يحدث لو؟ مالك بن نبي قدم لنا خدمة، فهو أجاب على هذا السؤال عملياً: ماذا يحدث لو؟ هو عين في منصب يشبه وزير التعليم العالي في الجزائر بعد الثورة، وفشل فشلاً ذريعا في منصبه واستقال. ففشل في كلمة فشل هذه أقصدها أنه وهو مفكر من أكبر مفكرين الإسلام ووضع في السلطة وبعد الثورة وفشل ولم ينجز ما أراد، فهذه هي المثيرة في الأمر. يعني الآن يظن بعض الناس أننا لو أتينا بأكثر الناس ثقافة وعلماً وأعطيناه كل المراكز القيادية في مصر فستنحل القضية. مالك بن نبي يقول هذا وهم، فهذا ما سوف نراه.

مالك بن نبي يقول المشكلة الأساسية هي الحضارة، كل ما كتب مالك بن نبي كان تحت هذا العنوان "مشكلات الحضارة". ما هي مشكلات الحضارة؟ يقول المسلمون لديهم الأمة الإسلامية، هو يعالج مشكلة العالم الإسلامي. يقول نحن لدينا مشكلة حضارية، نحن نريد، هو يشبه كل الحضارات بصخرة كبيرة في منحنى، وقعت هذه الصخرة فهي تنزل أولاً بسرعه بطيئة ثم تأخذ سرعة قصوى. ما المطلوب؟ أولاً جعل الصخرة تهبط بسرعة منتظمة، ليست بعجلة منتظمة، يعني سرعة تبقى قليلة، وبعد كده إيقاف الصخرة، وبعد كده محاولة دفع الصخرة مرة أخرى للصعود. فهذا المنحنى سميه مالك بن نبي منحنى الدورة الحضارية أو الإقلاع الحضاري. كيف يمكن أن تصف أمة بأنها في أي منحنى حضاري؟ مالك بن نبي يقول أمة قبل الحضارة، أمة بعد الحضارة، أمة أثناء الحضارة، أمة أثناء الإقلاع الحضاري. فمالك بن نبي كل كلامه في هذه المشكلة، يقول إن هي مشكلة الدورة الحضارية. في تعريفه هو يقول إن كل أمة تمر أحياناً ببعض هذه؛ يعني الأمة العربية قبل الإسلام أمة خارج الحضارة، يسميها كذا خارج الحضارة لم تدخل أصلاً في طول حضاري، بعد الإسلام في مرحلة إقلاع حضاري، فترة بعد ذلك أمة بعد المنحنى.

العصر الذهبي الذي يسمونه في الكتب عند مالك بن نبي ليس هو العصر الذهبي للإسلام. العصر الذهبي في رأيه هو أول فترة؛ فترة النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة. بعد ذلك تأتي تجليات الحضارة، وبعد ذلك أمة بعد الحضارة، يعني الأندلس بالرقي المعماري وكذا والعلوم كان يسميها أمة بعد الحضارة. ثم بعد ذلك أمة خرجت من الحضارة، وهو ما يطلق عليه مالك بن نبي ما بعد عصر الموحدين. مالك بن نبي يصف العالم الإسلامي ويقسم تاريخ العالم الإسلامي؛ ما قبل عصر الموحدين كل هذه الصفات التي قلناها، وبعد هذه الفترة أمة خرجت من الحضارة. دائماً يقول المسلم: مسلم ما بعد الموحدين، يعني هذا إنسان خارج من الحضارة.

سؤال مالك بن نبي دائماً قبل أن تسأله كيف نبدأ في الإقلاع الحضاري، هذا السؤال الأول: يقول في ظني من سيقوم بالإقلاع الحضاري؟ الفرد أم الدولة أم المجتمع؟ هذا هو سؤال مالك بن نبي. يقول عندما يعرف -لو تعريف خاص للمجتمعات- يقول كل المجتمعات، يعني بتقسيمه الثنائية، إما مجتمع طبيعي أو مجتمع تاريخي. المجتمع الطبيعي ليس له شأن بما نقول. المجتمع الطبيعي هو يصفه بأنه مثل مجتمع النمل، مجتمع النمل هذا مجتمع طبيعي يقوم بمهام وله هيكل وله ملكة وكل شيء، ولكن بعد مائة سنة من أي حضارة للنمل لم نجد أن زوجة رئيس النمل عملت مهرجان القراءة للجميع. يعني هذه الحضارة دائماً في صورة واحدة، فهذا المجتمع، المجتمع الطبيعي -مجتمع النمل هذا- ومجتمعات القبائل البدائية في أفريقيا في نظر مالك بن نبي مجتمع طبيعي لا يتغير. يعني بعد مائة سنة، بعد ثلاثمائة سنة، بعد ألف سنة لا يتغير، فهو ليس محلاً للدراسة. المجتمع التاريخي هو الذي يتغير في الوسائل وفي الأشكال وفي العادات وفي الثقافة وكذا، هذا هو المجتمع التاريخي.

هذا أولاً، ومالك بن نبي من أفضل ما قدمه للفكر الإسلامي أدوات إذا أعملتها أي أحد يستطيع أن ينظر إلى أي مجتمع أو أي حضارة ويحللها بشكل ناجح. فيقول أي مجتمع يتكون من عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء. فنحن هنا في مصر نحن الأشخاص، والأشياء كل ما أمامك من وسائل، وعلم الأفكار ما تحمله في رأسك. يقول مالك بن نبي هذه هي في رأيه المكونات الرئيسة المرئية في أي مجتمع. فهو يريد أولاً أن -أنا لا أريد أن أعطيكم النتيجة النهائية التي توصل إليها- ولكن يقول أي عالم من هذه العوالم أهم؟ فيضرب المثال الشهير جداً له؛ يقول لو أخذنا شعب ألمانيا وشعب الأمازون البدائي الهمجي، وأبدلنا؛ فأتينا بالشعب الألماني -الشعب فقط- وأتينا به إلى الأمازون، وأخذنا شعب الأمازون وذهبنا به إلى ألمانيا، ماذا يحدث؟ ماذا سيكون شكل ألمانيا بعد مائة عام؟ الإجابة دائماً الناس تقول إن ألمانيا سوف تظل على بكرة أبيها، وشعب الألمان لو ذهب للأمازون فما المتوقع أن يحدث في الأمازون؟ نهضة عملاقة. فيقول نحن تركنا عالم الأشياء هناك، ولا بد أن الأشخاص والأفكار متلازمتان سوف تتحرك معاً، ولكن يقول إن كلمة سرها هنا؛ يعني الأمازوني حصل على كل التقنيات الألمانية ولكن لم يفعلوا بها شيئاً. فيقول لأن المشكلة في عالم أفكار أهل الأمازون. أما الألمان إذا ذهبوا هناك -فيقول أحد أصدقائي الظرفاء- يقول: إذا ذهب الألمان إلى الأمازون بعد مائة عام سوف تكتب على سيارة المرسيدس إنها "أمازون"، هو ده التغير الحضاري، ولكن كل العالم الأمازوني سوف يتغير لوجود الألمان بعالم أفكارهم. فيقول العالم الأساسي في هذه العوالم، وهو الرئيس والمتحكم، هو علم الأفكار.

ولكن هناك عالم وهمي؛ هذا هو كلمة السر في المشكلة. ما هي كلمة السر عند مالك بن نبي؟ يقول: شبكة العلاقات الاجتماعية. يعني هناك أشخاص، نحن هنا في مصر أشخاص، ولدينا أفكار، لدينا الإسلام كدين هو عالم الأفكار، لا يتصور البعض أنه هو الاعتقاد أو الدين فقط لا؛ الدين وأشياء أخرى سوف نبينها أثناء الكلام. فيقول هذا الشعب ظل ثلاثين عاماً، أكثر من الثلاثين المريرة، تحت وطأة حاكم؛ كيف لم يكتشف أن مجرد خروج مائتي ألف أو مليون واحد في الشارع يسقط نظاماً؟ لأن عالم أفكاره لم يكن بها هذه الفكرة، هو يقول ذلك. وأيضاً وهذه الأهم: شبكة العلاقات الاجتماعية؛ فكيف لو أن كل منكم يحمل في رأسه هذه الفكرة، ولكن لا نستطيع العمل كجماعة، يعني لا نستطيع أن ننزل أو نفعل شيئاً معاً بشكل جماعي؟ فهذه شبكة العلاقات الاجتماعية. شبكة العلاقات الاجتماعية عند مالك بن نبي هي الكلمة السحرية. يقول المجتمع بدون شبكة علاقات اجتماعية؛ كل فرد لا أسمي الفرد داخلي شخص، أسميه فرداً، يقول هذا التعريف البيولوجي؛ يعني أنا فرد وكل منا أفراد ما لم نستطع أن نتفق على هدف ما ونعمله بشكل جماعي وينجح على أرض الواقع فنحن أفراد بالمعنى البيولوجي ولكن لسنا أشخاصاً بالمعنى الاجتماعي. هو فرّق بين كلمة فرد وشخص؛ الشخص هو الذي يستطيع أن ينسجم داخل نسيج اجتماعي كامل، يفعل عملاً له زمن محدد وهدف محدد بشكل ناجح، إن لم تكن هذه الشبكة فلا مجتمع. فهذه كلمة السر.

يعني دائماً مالك بن نبي يقول إنه مهندس، فدائماً يصوغ كل أفكاره في شكل معادلات رياضية. يقول: ناتج حضاري يساوي إنسان + وقت + تراب. التراب يرمز به إلى كل شيء، يعني خامات الأرض، البناء، كل شيء ملموس أو محسوس؛ هذا التراب، والوقت؛ الوقت اللازم لفعل أي شيء ما، والإنسان هو الشخص. يقول ناتج حضاري؛ إذا أردت أن تقيم حضارة فأتِ بهذه الثلاث عناصر واجمعهم جمعاً جبرياً ينتج ناتج حضاري. فسؤاله المطروح دائماً كل من يقرأ لمالك؛ فيقول كل المجتمعات يوجد فيها هذه الثلاث عناصر ولا تنتج حضارة. فهو بن نبي يقول: أنا أتكلم كيميائياً، لازم؛ إذا أضفت الهيدروجين والأكسجين في أي وسط لن ينتج ماء، لازم هناك عامل خارجي يتم ويركب على عناصر الحضارة. فهو يقول العنصر لديه هو الدين، الفكرة الدينية أو ما يشابه الدين. يعني هو يزعم أنه لم تكن حضارة على وجه الأرض -حضارة بالمعنى الذي قاله، اللي هي شروط معنوية ومادية توفر لكل شخص في المجتمع شروط نهضته وتطوره، هذه حضارة لدى مالك بن نبي، أي شيء غير ذلك فليس حضارة- يعني المجتمع إذا سألت واحداً ما عملك قال طبيب، هل لديك المعدات التي تريدها في تقدم الطب؟ قال لا، إذا هذا المجتمع ليس متحضراً. لو سألت شخصاً يعمل في أي عمل، لم يوفر له المجتمع ألف باء حياته وتطوره فليس ناتجاً حضارياً عند مالك بن نبي.

مالك بن نبي يقول هذه العناصر الثلاثة لو أضفنا إليها سهم المعادلات الشهير: الحرارة أو الفكرة الدينية، نشأت. فالعالم الإسلامي، العالم العربي كان هناك في الجاهلية إنسان ووقت وتراب، ولكن لم تضف إليه الفكرة الدينية. فمالك بن نبي يقول الإسلام -وضح هذا في كلام مختصرة شديدة- سمى كل شيء ما قبل الإسلام جاهلية. طب أين الإنتاج؟ الإنتاج الشعري الرائع؛ يعني نحن نقول أفضل ما قيل بالعربية في الشعر والأدب وكذا في الجاهلية، ولكن الإسلام أطلق على كل هذه العصور جاهلية، ما قبل الإسلام جاهلية. فمالك بن نبي يقول لماذا؟ هو يترجم بلغته الحضارية؛ يقول إنه كانت هناك وثن معين، الفكرة الدينية تأتي تقضي على جميع الأوثان وتترك فكرة مطلقة وهي الله عز وجل، لكي تتركب بها العناصر، ثم يمضي أصحاب الحضارة ليصنعوا حضارة بالفعل، وهكذا فعل المسلمون.

مالك بن نبي قبل فكرة الإقلاع الحضاري، الدورات الحضارية هذه خالف فيها معظم فلاسفة الغرب الذين تكلموا في فلسفة بناء الحضارات. يعني هناك الماركسية مثلاً يقولون إن هناك يجب أن تكون طبقة برجوازية تستعبد طبقة عمالية، ثم هذه الطبقة العمالية تثور على الطبقة فتصنع جنة البروليتاريا في الأرض. فإذا قلت له هذا مجتمع زراعي وليس لم تصل أدوات الإنتاج فيه إلى مرحلة الإنتاج الصناعي، يقول نحن نأتي بأناس يصنعون مصانع عشان تقوم عليهم عمال ليقوموا بثورة؛ هكذا هو يظن. الفكرة الماركسية تنظر إلى وسائل الإنتاج فقط. أرنولد توينبي يقول إن الحضارات هناك أي أمة تتعرض لتحدٍ، لو استقامت تعرضت للتحدي واستجابت تقوم بنهضة، إن لم تستجب تمحى من على وجه الأرض. فبن نبي يقول هذا لم يحدث في حال الأمة الإسلامية؛ وسائل الإنتاج لم تتغير في الأمة العربية في الجاهلية لتصنع الأمة الإسلامية الرائعة، والتحدي الذي جوبهت به الأمة الإسلامية في زعم أرنولد توينبي لم يكن موجوداً؛ يعني العرب ما زالوا في الجزيرة العربية منذ أن خلقهم الله ولم يتعرضوا لتحدٍ، ولكن نشؤوا. فمالك بن نبي يقول أنا نظرتي نموذجي التحليلي أو التفسيري ناجح، لأنه فسر هذه الحالة التي استعصت على فلاسفة الغرب؛ لأنهم لا يتصورون أهمية الدين. ويقول كذلك أوروبا لم تنهض إلا على الفكرة المسيحية التي جمعت هذه الأفكار وصاغتها ثم انطلقت. ثم آتي إلى الشيوعية لأن دائماً يعترض عليه، فيقولون الشيوعية ليست ديناً؛ فيقول هي في نظري الشخصي داخل السياق المسيحي، هي أزمة مسيحية حصلت أزمة واختفت سريعاً، يعني لم تنشئ حضارة استمرت وكذا، هي أتت بكل ما يخالف فكرة الإنسان وكرامة الإنسان وكذا؛ فهي ليست -هو في رأيه الشخصي- ليست حضارة، وإن كانت حضارة عند من يرى أنها حضارة. فهو يقول إن الأيديولوجيا الشيوعية تعتبر هنا محل الدين، يعني دين أو ما يشبه الدين؛ في رأيه في هذه الحالة ما يشبه الدين في تكوينه الفكرة الرئيسية.

الملك يقول المجتمع خلاص، نحن ننظر نريد الخطوات الآتية، كيف نصنع كذا؟ هذه المقولة الشهيرة "كيف"، هناك أكلة معينة، كيف؟ يقول تأتي بالفرد، الفرد اللي هو بالمعنى البيولوجي، تحوله إلى شخص، يعني تضع لديه المفاهيم والأفكار اللازمة ليستطيع بعد ذلك أن يعمل عملاً جماعياً منظماً داخل أي بيئة هو فيه، ثم تصنع منه شبكة علاقات اجتماعية؛ إذا قام مجتمع، إذا قامت حضارة. بشكل مختصر شديد جداً.

طيب، عند مالك بن نبي هذه الخلطة تبدو سهلة جداً؛ يعني فنفع العمل الجماعي مع بعض. فهو يقول يضبط هذه الفكرة، يعني فكرة العوالم هذه ضبطها بفكرة أخرى اسمها فكرة التوجيه. يعني هو يقول المشكلة دائماً في عالم الأفكار. طيب تأتي لمالك بن نبي تقول ليس لدينا أفكار، يعني العالم الإسلامي الآن وأثناء الاستعمار وأثناء الاستعمار الحالي والسابق هل لم يكن لديه أفكار؟ يقول نعم كان هناك أفكار، ولكن هناك شرطان أساسيان في الفكرة لمالك بن نبي؛ هذه يقول: فكرة التوجيه وفكرة التوازن. فكرة التوجيه وفكرة التوازن؛ هذه العوالم -عالم الأفكار وعالم الأشياء وعالم الأشخاص- لو حدث في أي مرحلة تاريخية أن طغت أحد العوالم على العوالم الأخرى، وخاصة على عالم الأفكار، حصل الخلل. بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الأمة كلها تدور في فلك الفكرة، الفكرة هنا الإسلام. بعد النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة، أصبح الأشياء والأفكار تدور في فلك الشخص، يعني الخلافة الراشدة، لا نقول الدولة العمرية والدولة الأبو بكرية، ولكن تقول الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية والدولة السعودية والدولة، يعني بأسماء هذه؛ يبدو من الاسم أن هناك حصل خلل في توازن العوالم في مرأى مالك. عندما تدور الأشياء في فلك شخص، هذا طغيان، طغيان وهو أصلاً هذا هو المصطلح القرآني الطاغوت، الطاغوت الذي يتجاوز حده، أن يكون في مكان معين إذا تجاوز فهو طاغٍ. هذا الطغيان هذا بين العوالم.

وهناك أحياناً أمم أو مجتمعات تطغى عليها الأشياء؛ يعني هنا دائماً في العالم الإسلامي ما بعد الاستعمار دائماً عندما مثلاً محاولة أي نهضات، فيقول فنأتي بالأسلحة، بالأسلحة، يعني هذه اللي يسموها عقل البندقية، ولكن أحياناً نمتلك الأسلحة ونخسر أيضاً هذه الفكرة والأشخاص يدورون في فلك الأشياء. تصورت أنك لو امتلكت جهاز حاسب آلي فسوف تقوم بنهضة، طب الآن نحن نستورد كل الأشياء ولا تقوم نهضة ولا تقوم حضارة. هو من في المركز؟ هو هذه هي الفكرة الأساسية؛ التوازن بين العوالم. إن لم تتوازن هذه العوالم وتصبح الفكرة، الفكرة مهما كانت -الفكرة لو كانت الفكرة الدينية حتى لو كان الدين غير صحيح- سوف تضمن استمرار الحضارة إلى وقت ما. ولكن إذا دارت الفكرة وأي شيء حول شخص، خلاص انتهت.

فمالك دائماً يضع أمراض الأفكار؛ أنا أسمي أمراض الأفكار عالم الأفكار عند الأمم والمجتمع. يقول هناك مجتمعات مصابة بمرض الفكرة: "الرجل السماوي"، الرجل السماوي، نموت، نعيش نموت، ونموت ويحيى فلان. هذه فكرة الرجل الوثن ظهرت في كل المجتمعات، وعندما تظهر هذه الفكرة فاعلم أن الأمة مقبلة على زوال. وهناك أمم تلتف حول الأشياء، نحن في عام 67 قبل النكسة كان تسليح الجيش المصري من سلاح أكثر من إسرائيل على الأقل بعشر مرات، بمليارات الأسلحة، ولم تغنِ عنا الأسلحة، فكان هناك أصلاً وهم في البندقية، ووهم في الشخص، يعني توثين لشيء وشخص على سبيل فكرة؛ فلم، يعني هذا الطغيان أدى إلى، مالك بن نبي يقول أحياناً في سبيل المجتمعات للنهضة هناك كلمة تختفي في ذهن بعض الناس من أمراض الأفكار أيضاً؛ يقول دائماً يظن الناس أن الاستعمار هو الذي كان يكبل العالم الإسلامي، فمالك بن نبي يقول هذه الفكرة فيها مغالطة شديدة جداً ودي من أمراض الأفكار لديه؛ يقول مصر مثلاً -أنا أضرب مثلاً بفكرة مالك بن نبي على مصر، هو لم يضربه ولكن أنا أضرب بهذا المثال- مصر أيام الاستعمار الإنجليزي نحن ثاني دولة دخلتها السكة الحديدية، لدينا طيران، لدينا مؤسسات.

مصر كانت دولة قوية جداً وصاحبة اقتصاد قوي جداً، وكانت تحت الاستعمار الإنجليزي، فكانت هناك القضية في هذا الوقت هي التحرير. فلما تحررت مصر هل تقدمنا أم تخلفنا؟ بالشكل العام نحن تخلفنا، لم نكن مثلاً أقوى من بريطانيا في أي وقت من الأوقات منذ برئنا من الاستعمار. مالك بن نبي يقول إن هناك مصطلح الاستعمار، وهذا مفهوم لدى كل الناس، ولكن هناك كلمة خفية وهي القابلية للاستعمار. يقول هناك شعوب لم تستعمر قط وهي شعوب مستعمرة؛ عندما تترك شعباً بدون عدوان، نحن نقول أمريكا واليهود والصهيونية، طيب لو كفوا سوف تنهض؟ السؤال أنت لديك قابلية للاستعمار، لم تنشئ شبكة علاقات، لم تحرر أفكارك، لم تنق معتقداتك وسلوكك من شوائب كثيرة جداً، فأنت ما زلت مستعمراً. الاستعمار لا يأتي إلا على شعب يقبل الاستخذاء.

اليابان مثلاً وألمانيا، فكرة مالك بن نبي يؤيد فكرته بهذه، يقول اليابان وألمانيا شعوب استعمرت ولم تكن مستعمرة. ألمانيا واليابان عندما استعمرتها أمريكا بعد عام 1945 بعد أن ضربت بقنبلتين ذريتين، وتم استعمارها من أقوى قوة في الأرض، أمريكا من أغشم القوى العسكرية التي ظهرت في التاريخ، أمريكا التي وضعت الدستور الياباني حتى الآن والدستور لم يتغير، أمريكا حتى الآن لديها قواعد في اليابان. ولكن اليابان بالمعنى الحضاري عند مالك بن نبي لم تغير معتقداتها، اليابان ما زالت تدين بديانة الشنتو، يعني الأمريكيين لم يستطيعوا حتى نشر المسيحية لدى اليابان، اليابان الغالبية العظمى يدينون بديانة الشنتو أو كذا، ولم تغير ملبسها ولم تغير أفكارها ولم تغير لغتها، وهي من أعقد اللغات التي خلقها الله، وما زالت متقدمة في كل النواحي.

ألمانيا احتلتها أربع دول بعد هزيمة الحرب العالمية الثانية: الاتحاد السوفيتي، وهو من أغشم قوتين ظهرتا في التاريخ المعاصر، وأمريكا وجزء من فرنسا وبريطانيا. ثم ماذا حدث في الألمان؟ بعد 10 أعوام فقط استطاعوا أن يعودوا ليصنعوا كل ما يستطيع المجتمع الألماني صناعته قبل أيام هتلر، وبشكل جيد جداً خلال 10 أعوام فقط. فمالك بن نبي عندما يطبق على هذه المجتمعات يقول: هو أصلاً المجتمع غير قابل للاستعمار، لديه مناعة. الألمان لديهم فكرة شبه دينية للجنس الآري، هذه شبه دينية تحل محل الاعتقاد، فهو لن يغير لغته ولا تراثه أبداً، والياباني كذلك. فهذا مستعصٍ على الاستعمار. أما في هناك شعوب، نحن متحررون الآن من قوى أجنبية، لا يوجد استعمار، ولكن نحن مستعمرون من قبل أمريكا، الفكرة أننا ندور في فلك الأفكار الأمريكية. فما زال حتى الآن الناس تنظر إلى أنها حضارة أعلى منها، فهذا لم ينهار أبداً. في نظر مالك بن نبي، الشعوب التي لديها قابلية للاستعمار قبل أن تنهض يجب أن تعالج هذا الداء الوبيل، أن تتحرر من القابلية للاستعمار، تطهر عالم الأفكار، عالم السلوك، وعالم الأخلاق.

سؤال سريع، لأنك تبني عليه وأنا لست عارفاً: فكرة الدين عند مالك بن نبي أبستمولوجياً يقصد بها المرجعية أو الفكرة المطلقة، ولا فكرة الدين بتعريف السوسيولوجي؟ إجابة مختصرة هو في الأغلب يقصد الدين، ولكن إن لم يوجد دين فشبه دين. ولكن في حالته هو يقول: الحضارة الإسلامية قامت على الدين، الحضارة الأوروبية قامت على المسيحية. أنت قلت الآن باستثناء بسيط أنه شبه دين، حتى هو مالك بن نبي يقول هذا في السياق الأوروبي المسيحي، يعني حتى لو دورت على الجذور هو شيء مستقيم من عقائد قديمة، فهذا باختصار.

فشروط النهضة لدى مالك بن نبي يقول الآن نحن العالم الإسلامي، أولاً يجب أن ننشئ شبكة العلاقات الاجتماعية. شبكة العلاقات الاجتماعية قائمة على ماذا؟ على شخص وليس فرد، هذا الشخص له مواصفات. مالك بن نبي يسميه الشخص المكيف، يعني كلمة مكيف تثير لكن هي تعني أنه تم وضعه في شروط، فأصبح مكيّفاً أو مجهزاً أو معداً ليتعامل. مثلاً أعطي مثالاً دائماً يقوله مالك بن نبي: شبكة العلاقات الاجتماعية هذه هي تجعلك تستطيع أن تفعل عملاً تطوعياً جماعياً بدون مقابل لنهضة الأمة في وقت المقاومة أو الإقلاع. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كان الحل لديها ماذا؟ أضافوا إلى كل شخص في ألمانيا ساعتين عمل إضافية بدون أجر يومياً. خلال 10 أعوام ما الحصيلة؟ ساعتين في عدد الشعب كل يوم لمدة 10 سنوات، شعب يستطيع أن يفعل شيئاً جماعياً.

يضرب مثالاً باليهود؛ يهود الجزائر، أتى شخص في أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر اسمه الجنرال بيتان في فرنسا، وهو رجل كان معادياً لليهود، فأصدر قرارات بتقليص أو تثبيت نسبة اليهود في التعليم، ولا يتجاوزوا حدوداً معينة في التعليم. فطبعاً سار عليهم الأمر بما أنهم أفراد من الشعب الجزائري، فالجزائر كانت مستعمرة، الاستعمار الفرنسي عندما خرج من الجزائر كانت نسبة الأمية 93% في الشعب الجزائري، ونسبة الأمية في اليهود تكاد تكون معدومة. لماذا؟ اليهود في تعريف مالك بن نبي مجتمع يستطيع أن يفعل هناك. ماذا فعل اليهود؟ عملوا حصر، لم يصنعوا مؤتمراً واحداً ولم يصنعوا مظاهرة مليونية واحدة في وقتها، ولكن ماذا فعلوا؟ أتوا بكل اليهود، ما تخصصك؟ مهندس، صيدلي، دكتور، بالشكل الجبري وبدون مقابل مادي، أنت يجب أن تعلم عشرة القراءة والكتابة، أنت مدرس إعدادي، بحيث صنعوا مجتمعاً كاملاً حضارياً. حتى زال هذا بيتان، عندما رحل الجنرال بيتان عن القيادة في فرنسا اليهود لم يتغيروا، بل بالعكس زادت نسبة التعليم فيهم وأصبحوا هم من أجود الطبقات المتعلمة في الجزائر. لماذا؟ لأنه يستطيع أن يفعل عملاً جمعياً.

أضرب مثالاً على الحالة المصرية دائماً هنا في مصر؛ نقول من أكبر المشاكل البطالة والزواج، أي دائرة انتخابية في القاهرة هنا الكبرى ممكن 20 ألف أو 25 ألف أو 30 ألف، فنتصور معاً أن كل شخص في المنطقة دي، هذه المنطقة 30 ألف، كل يوم هو يخرج من بيته يدفع جنيهاً لعمل عام، تبرع بجنيه فقط، فلو فرضت منطقة 30 ألف جنيه يومياً، جنيه فقط، أي أحد الجنيه هذا لا قيمة له بالنسبة لي، 30 ألف يومياً لمدة شهر تحصل في الآخر ما يقرب من المليون جنيه شهرياً للمنطقة. فمليون جنيه لا تستطيع حل مشاكل 30 ألف؟ لمده مثلاً سنة، يعني كل شهر مليون جنيه لـ 30 ألف شخص، قطعا تستطيع. ولكن مالك بن نبي يقول إن هذه تحليله: هذه الناس أفراد وليست أشخاصاً، يعني لا يستطيعون أن يفعلوا معاً عملاً جماعياً منظماً، هذا أولاً. وإن استطاعوا، الإجابة أحياناً هناك جمعيات وكذا، طيب لماذا الجماعات لا؟ التوجيه، يعني مصر أحياناً تستطيع أن تفعل عملاً جماعياً في شيء بشكل منظم ومبهر وكذا في شكل مسلسلات رمضان، مسلسلات رمضان هذا عمل جماعي ممتاز بالتعريف، عمل جماعي أشخاص ولديهم كفاءات عالية جداً، يعني اللي درس في معهد السينما أو التصوير أو كذا، يعني مسلسلات رمضان تكلفتها 750 مليون جنيه، 750 مليون جنيه أتت بعائد 200 مليون، يعني هي خسرت أصلاً. فـ 750 مليون هذه لا تفعل شيئاً لمصر، ولكن هذه أزمة التوجيه. مالك بن نبي يقول هناك أحياناً مجتمع يفعل عملاً جماعياً يؤدي به إلى الهلاك، يجب توجيه الثقافة والعمل ورأس المال.

مالك بن نبي يقول هذا الشخص المكيف المعد للعمل في شبكات علاقات اجتماعية قوية يجب أن يكون لديه ثقافة تكوين. يقول الثقافة هذه لا تساوي عند كثير من الناس العلم، لا. الثقافة هذه يقول المكونات الرأسية في ظنه هو يجب أن يكون عند هذا الشخص أخلاق، بعد أخلاقي، ولا بد بدون أخلاق لا شيء. ثم يكون بعد البعد الأخلاقي منطق عملي، يعني هذا المنطق العملي باللغة المعاصرة؛ مالك بن نبي توفي عام 73 فهناك عدة مصطلحات ما نسميه الآن التنمية البشرية، يعني كيف تدير وقتك، كيف تصنع هدفاً وتصل إليه في وقت محدد بشكل ناجح، هذا منطق عملي، منطق الأشياء. يعني منطق العمل، ألا يكون الرجل خلوقاً جداً وليس عنده منطق عملي سوف يفشل، فكثير جداً من حسن النية وحسن الخلق وحسن الديانة يفشلون، لماذا؟ بدون منطق عملي لا شيء. هناك أخلاق، منطق عملي، صناعة.

مالك بن نبي يقول لا بد للمجتمع أن يستطيع أن ينتج أشياء، يقول المجتمع الذي يستورد مليون سيارة لا يملك أي شيء، والمجتمع الذي يستطيع أن يخترع عجلة مجتمع يمتلك مركبات الحضارة. يعني أنا أستطيع كالخليج مثلاً، اللي هو حتى في الذاكرة المصرية هنا في المسرحية يقول: ظهر مفكر أشتريه، يعني حتى لو ظهر، حتى لو أتيت بالمفكرين، أنا لا أقول بالأشياء فقط، يعني السعودية بأموالها أو الخليج كله، وأنا هذا ليس على سبيل الذم حتى لا يفهم الناس أنني أذم، هو توصيف للأمراض، إذا أتى بجامعة منشآت وأجهزة وجاب أحسن عقول، هذه العقول إن لم توجّه أصلاً لك، يعني هو يشعر بمشكلتك أنت.

مالك بن نبي يضرب مثالاً على ما يسميها المعادلة البيولوجية والمعادلة الاجتماعية؛ لو أتيت بأفضل فريق في أمريكا يصنع أي شيء وأردت أن تصنع شيئاً هنا في مصر، أنا أتوقع أنه سوف يفشل، لماذا سوف يفشل؟ مالك بن نبي يقول أشهر فيلسوف أو أشهر متخصص في العلوم الاقتصادية في التاريخ الألماني البروفيسور شاخت، شاخت هذا نقل الاقتصاد الألماني من عام 33 لعام 36 في الفترة النازية الهتلرية قفزة مذهلة بكل المقاييس، حتى على مستوى تاريخ العالم كله كان ينظر لألمانيا. ألمانيا على فكرة إخواننا دولة صغيرة، يعني هي ثلث مساحة مصر، وهي الآن توازي مصر في تعداد السكان، ووقتها كانت ألمانيا 40 مليوناً في وقت هتلر، بعد الحرب خسر 20 مليوناً، هو قتل 20 مليون ألماني و30 مليوناً من الشعوب الأخرى، في خلال ثلاث سنوات فقط استطاعت ألمانيا أن تفعل كل شيء، معظم الاختراعات الحديثة في الغالب مردها إلى الفترة هذه، الفترة الحرجة في تاريخ البشرية.

يعني الشرط هذا إندونيسيا بعد ذلك أتت به، قالت بس أتينا بشاخت، ظهر فكر في ألمانيا اشتروه، جابوه ووضعوه في إندونيسيا، إذا قارنت بإندونيسيا بألمانيا، ألمانيا على مستوى الموارد إندونيسيا بالنسبة لها جنة الله في الأرض، إندونيسيا لديها كل شيء، يعني دولة ساحلية، نعم، لديها موارد، نعم، لديها طاقة بشرية مهولة من أكبر الدول في العالم تعداداً للسكان، ولديها دين، كل شيء خلاص، أتى شاخت وضع منهجاً صارماً كما وضعه لألمانيا مع دولة متفوقة في الموارد، وفشل فشلاً ذريعاً. لماذا؟ هو راهن على الفرد الاجتماعي الألماني ونسي أنه الآن بصدد معادلة فيها الفرد الإندونيسي البيولوجي، هو الشخص الفرد الإندونيسي لم يدخل أصلاً في مرحلة الإقلاع الحضاري، لا يستطيع أن يفعل عملاً جماعياً منظماً. وأنا أضرب مثالاً بالمترو في مصر، فرنسا عندما صنعت لنا المترو هذا يعني شيء لطيف جداً ودربت الكوادر البشرية المصرية على الإدارة، يعني لم تتركنا بدون كتالوج، ولكن بعد ذلك المترو الآن من عوالم عجائب الدنيا الثمانية، ما السبب؟ أن المصريين يفشلون أن يقوموا بشبكة علاقات اجتماعية ناجحة في هذا العمل، يعني كل عمل عبارة عن شبكة علاقات اجتماعية، وإذا تم تشبيك كل الشبكات الجزئية نحصل على المجتمع.

مالك بن نبي بعد أن يضع هذه المصطلحات والتوصيفات ليسهل على الناس تحليل الآخرين ومجتمعاتهم، يراه على العالم الإسلامي أيضاً لأنه مسلم، فيقول إن العالم كله، لقدر الله، متعلق بنا العالم الإسلامي، العالم حتى يصل إلى شكل ألمانيا مثلاً وأمريكا، تجاهل كل الحضارات العسكرية القوية التي ظهرت في التاريخ؛ مصر امتلكت كل شيء وأبادت الأخضر واليابس، يعني الاتحاد السوفيتي حتى ينهض قتل من السوفيت ما يزيد عن 40 مليون إنسان في الثورة الثقافية. الثورة الثقافية أنا لا أعلم لو كانت ثورة عسكرية ماذا سوف كان يفعل؟ قتل 70 مليوناً في الثورة الثقافية، ربنا ستر أنها ليست ثورة عسكرية. كيف يمكن لشخص سوي يريد أن ينهض؟ هذا في عرف الإسلام، هم الصينيون يبكون ويقولون إذا قتل 70 مليوناً ونهضنا، الحمد لله، ولكن المشكلة الرئيسة في نظر المسلم أن الإسلام يضع مقياساً لكل شيء وهو المقياس، في نظر المسلم هو المقياس المطلق الوحيد.

يعني عندما يقول الله عز وجل عن هذه الأمم، يعني أمة عاد بالمعنى الشكلي للأشياء وحتى المنتج المعماري، كانت يعني شيئاً قوياً، ولكن هي في الجاهليات، يعني القران صنّف وفصل كل الحضارات هذه، الحضارة لو أدت الدور المنوط بها أو الذي أمرها الله به فهي حضارة جيدة أو مؤمنة، وغير ذلك فهي لا شيء. فمالك بن نبي يقول نحن يعني رحمة بالعالم يجب أن ننهض حتى يكف العالم عن إبادة الإنسان. هناك أثر يقول الزمخشري: «الإنسان بنيان الله، لعن الله من هدمه». ما الذي تستطيع؟ يعني مثلاً أضرب مثالاً هنا مثالاً حديثاً وإن كان يضايق كثيراً من المصريين، بنفس المرض هذا ظهر في فترة جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر بالمعنى الحضاري امتلك كثيراً جداً من الأدوات وقام بمصانع وتعليم، ولكن ما قيمة، كما يقول الأستاذ أحمد عبد الفتاح، ما قيمة أن نستبدل كرامة الإنسان بمصنع أسمنت؟ لا قيمة، يعني هو الإنسان يجب أن الحضارة هي، مالك بن نبي يقول، هي ميزة الحضارة الإسلامية.

هي تنهض بالإنسان وليس على الإنسان، أن تقتل نصف الشعب لتنهض فهذه ليست حضارة. فالشاهد عند مالك بن نبي يقول: الآن العالم مجهز تماماً لكي يقوم المسلمون بالدور الحضاري اللازم. ما الرسالة التي يجب أن يقوم بها المسلم في رأي مالك بن نبي؟ المسلم لديه رسالة من ثلاث نقاط فقط؛ أولاً: أن يعرف من هو. كما قال ربعي بن عامر عندما قابل رستم، هو ليس لديه من الأشياء شيء؛ العالم العربي عندما ذهب في أول لقاء مع كسرى قال: لو خرجتم من الجوع، نحن نرسل من يحكمكم ويعطيكم ملابس وأموالاً وخلاص، عفى الله عما سلف. فكانت الإجابة واضحة جداً وقتها، ربعي بن عامر كان يعلم من هو المسلم، والغريب أن هذا الحديث حتى الآن أظن لو أحد اشتغل على هذا الحديث يخرج منه مجلدات في الشرح؛ لأنه لخص، تخيل إنسان مسلم طلب منه أن يلخص الإسلام في جملة، الإسلام كله في جملة، فهو السؤال والإجابة: من أنتم؟

فقال له ربعي بن عامر بشكل واضح وصريح جداً: هو يعلم من هو ويعلم الآخر. مالك بن نبي يقول: يجب أن تعلم من أنت، ومن الآخر، وتقدم نفسك للآخر بشكل مرضي. فمن أنت؟ أنا المسلم، وأنت الآخر، وأنا سوف أقتلك؛ هذه ليست رسالة الإسلام. ربعي بن عامر قال لما أتيتم؟ قال: «ابتعثنا الله»؛ هذه هي من أنا. «ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام». رسالة واضحة جداً، هو يعلم من هو، ولمن يذهب، ويعرض عليه الرسالة بشكل واضح جداً. العالم استجاب وقتها، والعالم سوف يستجيب الآن، وسوف يظل يستجيب لأن هذه الرسالة الخاتمة؛ لا توجد رسائل أخرى، هو خاتم الأنبياء والمرسلين. وهذه الأمة التي على الأرض، المسلمون من هم؟ أمة، الإجابة التي أجابوا، هم مطلوب منهم بشكل رئيس أن يوصلوا الرسالة إلى الآخرين، وإلا كما يقول أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ العالم خسر الكثير جداً بانحطاط المسلمين، قتلت الملايين.

حسن البنا رحمه الله سأله أحد الإخوان المسلمين وقت حياته، قال له: الناس الذين يعيشون في الغابات، ولم يصل إليهم أي ديانة، هل سيعذبهم الله؟ وكان يسأله سؤالاً فقهياً عقدياً، هل هم من أهل الفترات؟ هل وصلت لهم ديانة؟ حسن البنا أجاب عليه إجابة حضارية وإجابة عقدية في نفس الوقت، قال له: أنا أخشى أن يعذبنا الله من أجلهم. لماذا؟ ابتعثنا الله كما قال ربعي بن عامر، ربعي بن عامر لم يقل بعث الله لنا نبياً لنخبركم بكذا، لا، ابتعثنا الله. ما دام أنت تحمل الرسالة، فالعالم الإسلامي منوط الآن أن يعرف نفسه أولاً، وينقي كل ما يسميها مالك بن نبي من أمراض الأفكار التي يجب أن يتخلص منها العالم الإسلامي أولاً حتى يعرف نفسه بكفاءة. كيف يعلم من هو؟ يتخلص من الأفكار الميتة، الأفكار الميتة أن يأتي أحد من الناس بفكرة ويقول إن هذه هي الإسلام وليست هي الإسلام. فماذا يفعل؟ هو يجتلب فكرة ميتة، مالك بن نبي يقول: أحياناً المسلمون يأتون بأفكار ويقولون نحن نريد أن ننهض بهذا ولا ينهضون.

المورسكيون، الذين هم بقايا المسلمين في الأندلس عندما أبادهم الإسبان على بكرة أبيهم، لم يتبقَ مسلم واحد في الأندلس يجهر بإسلامه، في التاريخ قال إنهم أبادوا أكثر من ثمانية ملايين اختفوا من على التاريخ، كانوا مسلمين والله عز وجل سلط عليهم غير المسلمين وأبيدوا. لماذا هذه الإبادة؟ المورسكيون عندما وصل إلينا الأدب المورسكي كانوا يكتبون أنهم مسلمون ومشاعرهم وغضبهم على الإسبان وقتها، ولكن يكتبونها في السر، ويعلنون على الملأ أنهم مسيحيون؛ لأنه كان حكم التفتيش تقتل المخالف للنصارى في العقيدة، لو هو كاثوليكي والثاني غير كاثوليكي يقتل. فمالك بن نبي قال: المسلمون قتلوا كل من يخالفهم في الاعتقاد. فكانت هذه من أجود ما قرأت على وصف المسلمين، وكأنه وصل لفكرة مالك بن نبي عن الفكرة المميتة، قال: أنا لا أشك في الله، لم يقل إن الله عز وجل لم ينقذنا فليس لا يوجد الله، أنا لا أشك في الله ولا أشك في الإسلام، ولكن يبدو أن الذي نحن عليه ليس من الإسلام. هو وصل إلى الإجابة الحقيقية، لم يتهم الله عز وجل حاشاه ولا الإسلام، ولكن الإجابة نحن.

مالك بن نبي باللغة المعاصرة قال: هم لماذا أُبيدوا؟ لأنهم لم يستطيعوا، وهم أكثر من الإسبان عدداً، علمياً؛ الذي يرى معمار الأندلسيين المسلمين حتى الآن مبهر، أنا أظن حتى الآن هندسياً ما تم فعله المسلمون في الأندلس معجزة، ولكن أُبيدوا وهم معهم سلاح وعلوم ومعمار، ولكن لم يستطيعوا أن يصلوا إلى شبكة علاقات تستطيع أن تدفع عنهم الاستقصاء. ما الحل الآن في عدم استيراد الأفكار الميتة؟ يجب أن يعلم كل مسلم دين الله، الدين الحقيقي؛ يعني يجب الآن بعد الثورات، ثورة فكرية على الأفكار الميتة. كل واحد يظن أي اتجاه، وأنا أقول أي اتجاه سواء كان سلفياً أو إخوانياً أو تبليغياً أو جهادياً، أي اتجاه يجب أن يقف وقفة ويعود ليعلم هل ما هو عليه فكرة حقيقية أم فكرة ميتة؟ ثم نتوقف عن الأفكار المميتة؛ مالك بن نبي يقول دائماً: العالم الإسلامي من فترة طويلة محترف استيراد للأفكار المميتة، التي هي فكرة شخطت نفعت في ألمانيا، آه أشتريها، ما ينفعش، يجب أن تنتج حلولك منك أنت.

مشاكل مصر الزراعية لن تحل بفكر الأمريكان وإن كانت أفكار الأمريكان ناجحة في أمريكا، ولن تحل مشاكل مصر الاقتصادية بأفكار ألمانيا؛ لأن مشاكل ألمانيا غير مشاكل مصر. وهكذا، يجب أن تحل المشاكل المصرية، وكذلك المشاكل السعودية، وكذلك المشاكل التونسية، كل مجتمع يجب أن يحل مشاكله مما ينتجه، يتوقف عن استيراد الأفكار الميتة على مستوى الإجرائي وفي نفس الوقت على مستوى العقائد والأفكار. حتى الآن ما زالت موجة إرسال الأفكار المميتة مستمرة وبنجاح منقطع النظير، كل عصر نستورد فكرة إما من الشرق إما من الغرب ونجربها وتفشل، ويقول: يبدو أن الخطأ فينا، الفكرة شغالة ولكن الخطأ أن الفكرة ليست لك. الفكرة ليست لك، إلى الآن تنهض، لماذا تريد أن تطبق الاشتراكية؟ يقول لا، الاشتراكية التي ظهرت في الاتحاد السوفيتي تناسب الاتحاد السوفيتي ولكن نحن لا نطبق الاشتراكية. طيب تريدون أن تطبقوا الرأسمالية؟ يقولون الفكرة الرأسمالية نشأت في الغرب ونحن لسنا الغرب.

ماذا يقول الاقتصاد الصيني؟ هو خليط علمياً، هو خليط بين اشتراكية ورأسمالية، وهو ليس اشتراكياً وليس رأسمالياً، ويحمل أفكاراً من هنا وأفكاراً من هنا، حاجة خليطة. وهكذا، تريدون أن تستوردوا أفكار الغرب، نحن حضارة، الصين، وهم لا يعتقدون في إله أصلاً، حتى العقيدة، الوثني لا يظن إلهاً خالقاً، تخيل الإله بشكل آخر تماماً عن الديانات، عن الإسلام واليهودية. الشاهد أن هذه الأفكار، هذا المجتمع أولاً يكف عن الأفكار الميتة، يكف عن الأفكار المميتة، يكف عن الأفكار المخذولة، ما هي الأفكار المخذولة؟ هي فكرة صحيحة في حد ذاتها. مالك بن نبي يقول: العالم الإسلامي بعد أن خرج الاستعمار، كثير جداً من الدول تبنت الإسلام؛ الجزائر كان هناك جمعية العلماء التي هي حصيلة عمل عبد الحميد بن باديس، وكثير جداً منهم كانت تتبنى إسلاماً، وإسلاماً لو ترك ليعمل كان أنتج حلاً، ولكن الذين ركبوا الموجة هناك أتوا بفكرة مخذولة، قالوا نحن القوميون العرب وسوف نفعل وكذا وكذا، وتنكروا لفكرتهم حتى لم يطبقوا فكرتهم هم.

فهذه فكرة مخذولة، خذلها صاحبها، أنت تقول أنا سوف أفعل كذا ولا تفعل كذا، الحزب الوطني دائماً الأفكار كانت مكتوبة على الورق أفكار ممتازة ولكن هي فكرة مخذولة، يقول أنا سوف أصنع مثلاً مليون وحدة سكنية، ثم المليون دي تتفاجأ أنها مليون وحدة سكنية في السجن، فكرة خذلت الفكرة. هذه فكرة مخذولة. فأنا أود أن أكون في آخر الكلام أن جميع الحضور عندهم فكرة ولو بسيطة جداً عن تخيل مالك بن نبي لكلمة مجتمع، لكلمة حضارة، لكلمة إقلاع حضاري، لتكون شكل العوالم المكونة للمجتمعات لديه. هل مالك بن نبي نبي؟ لا، هو بن نبي، هو مالك بن نبي، اسمه هكذا، هو ليس نبياً، أي مفكر ليس معصوماً. هل انتقد فكر مالك بن نبي؟ نعم، انتقده كثير من الناس، فإما انتقد رجل، مثلاً أنا دائماً عندما أي أحد ينتقد أحداً يضع نفسه في المقياس، فعندما أنظر لأحمد أقول أحمد طويل، طب طويل بالنسبة لمن؟ في فلان قصير، قصير بالنسبة إليه، وهكذا.

الذين نظروا إلى فكر مالك بن نبي، فإما رجل سلفي وكذا، فعينه لم تقع فقط إلا على الأفكار التي ظن أن مالك بن نبي خالف فيها قضايا شرعية، وهذا يحدث، فكرة مالك بن نبي، ولكن الأطر العامة أطر جيدة، ولكن المخالفات الجزئية هذه لا ينجو منها أحد. وهناك أشخاص تكلموا عن مالك بن نبي قالوا مالك بن نبي لا يؤسس للفكرة، إذا قلت لك أن الإسلام يقول: «تشهد أن لا إله إلا الله»، فماذا أفعل أنا؟ قديم بالفضل لهذه الفكرة لأخونا عبد الرحمن أبو ذكرى، قال هم لديهم خلط شديد جداً بين تيار المفكرين الذي تبنوا تكوين الإسلام، المسلم، الإنسان المسلم، ومنتج، بل توظيف الإنسان المسلم. هذه كلمة قلت له أنها كلمة عبقرية تحل إشكالية كبيرة جداً في تاريخ الفكرة.

عجبت مثلاً للأستاذ سيد قطب، هناك من أظن أخونا محمد الهامي كتب ورقة قبل ذلك للمقارنة بين مالك بن نبي وسيد قطب، هناك من كتب فعلاً ورقة عن مالك بن نبي وأراد أن يقارن بينه وبين شخصية الغنوشي في تونس، يريد أن يقارن بين أمور، هذا يقول شيئاً وهذا لا يقول هذا، هم متكاملون. سيد قطب يقول ما الذي يحتويه علم الأفكار للمسلم، وركز على نقطة أساسية، التصور الإسلامي من أين يستقى وأطر الرئيس فقط وفقط. أما مالك بن نبي فلم يتكلم عن هذه، هو اعتبر أن كل الشغل الذي قام به سيد قطب، والشهيد، ومحمد عبده، وجمال الأفغاني، ومحمد إقبال، وأبو الحسن الندوي، كل من تكلم في تكوين عالم أفكار المسلمين، هذا يُبنى عليه، ثم ماذا؟ فكان ماذا؟ لو حفظت القرآن وعلمت الحديث وحسنت الخلق وأنتجت سلوكاً جيداً، ماذا نصنع بهذا المسلم؟ مالك بن نبي كل كلامه على توظيف هذا المسلم، إدخاله ما بعد التكوين، فهو يتكلم عن مرحلة وهذا يتكلم عن مرحلة أخرى، هذا يكون عقلية مسلم وهذا يوظف عقلية مسلم، فأنا أشكر على التفريق. هذا التفريق حقيقة، لو هذه العبارة تلخص كلام كثير، أظن أنها ممكن بعد ذلك في كلام موسع، الناس تعلم قيمة هذا الاختصار، أن هذا توظيف وهذا تكوين.

وإلا، مثلاً الإمام حسن البنا رحمه الله، أحياناً يقولون كذا أين الفقه وأين؟ هو رجل كان يتكلم، هو مارس التوظيف، لم يتكلم عن التوظيف هو مارسه، فأولاً يجب أن تسأل الشخص ما الذي تريده حتى تحاكمه إلى ما أراد. هذه الفكرة معظم كتب مالك بن نبي كما قلت كتبت تحت عنوان مشكلات الحضارة، كلها في حالياً موجودة في دار الفكر، وتصل إلى ١٧ مؤلفاً، ولكن هي ليست مؤلفات بالمعنى، هناك في رأيي الشخصي هي خمس مؤلفات أو ست مؤلفات رئيسة. ميلاد مجتمع، كتاب رئيس؛ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، كتاب رئيس؛ مشكلة الثقافة، كتاب رئيس؛ هناك كتاب شروط النهضة، هذا عمود فقري لأفكاره؛ ميلاد مجتمع اختصر فيه كل أفكاره، شروط النهضة تكلم عن شروط النهضة، مشكلة الثقافة كما هو يقول يجب أن تكون ثقافة الإنسان المسلم ما هي الثقافة، وهكذا. هناك كتاب مذكرات شاهد على القرن، كتب فيه مذكراته. الكلمة التي استوقفتني في هذا الكتاب يقول عندما، الكلمة التي قلتها في أول المحاضرة، أنه المفكر في السلطة ماذا يحدث؟ لو حدث مالك بن نبي وزيراً للتعليم، تخيل واحداً بهذه العقلية وزيراً للتعليم العادي، ماذا يفعل؟ استقال.

لماذا استقال؟ أولاً، تعرض للفكرة المخذولة، علم أن هؤلاء القوميين هناك خذلوا الفكرة، هذا أولاً. الثاني، أن مالك بن نبي يقول، وأزعم أصدقاؤه يقولون له لا، اصمد وكذا، يمكن أن تصل إلى سدة الحكم، فيقول أنا أزعم لنفسي مالك بن نبي في مذكراته هذا كلامه أن لو أعطوني السلطة في العالم الإسلامي لن أنجح، العالم لن ينجح. لماذا لن ينجح؟ هو يقول: لأن الفكرة أنك لو أنت أعظم شخص في العالم وأتيت بدون شبكة ماذا سوف تصنع؟ الشبكة، هو يقول: إن لم يتم بناء المجتمع من البنية التحتية، أو ما يسمونها المؤسسات الوسيطة، فلن يكون هناك مجتمع حتى تنجح.

الفكرة الرئيسية التي أريد أن يخرج بها الجميع هي كلمة شبكة العلاقات الاجتماعية، التي يجب أن تنشأ وهي الفرض الأول في فكرة المجتمع. النبي المؤسسات الوسيطة هي الجمعيات، فما هي الجمعيات؟ جمعيات العمل الثقافي هذه شبكة علاقات اجتماعية، وجمعيات العمل الاجتماعي، وجماعات العمل التعليمي؛ كل هذه. مالك بن نبي يفرق بين مصطلحين: الثروة ورأس المال. يقول كل مجتمع لديه ثروة، ولكن ليس كل مجتمع لديه رأس مال. لو سألتك كم من المال معك فقلت معي مليون جنيه، في أي صورة؟ مبنى أو آلة؛ عند مالك بن نبي هذه ثروة، أما رأس المال الذي يتم تدويره فتنتفخ به الأمة؛ يعني أنا أصنع مشروعاً علمياً، ثم أنت مدرس في الجامعة، أعطي لك لكي تنفق على الأبحاث، ثم تعطي أنت هذا العمل خيري، إذا تم هذا فهو رأس مال.

سأعطي مثالاً حاداً جداً لتوضيح خطورة هذه الفكرة، لأن شبكة العلاقات الاجتماعية هذه لو الناس أدركتها بشكل قوي، ستعرف خطورتها. سألت قبل ذلك المستشار طارق البشري قلت له: هناك أمثلة غريبة جداً في التاريخ الإسلامي. قام محمد علي بمحاولة نهضة سريعة جداً عام 1807، واليابان بدأت مشروع عصر المايجي عام 1950 بعد أن مارس الأمريكيون عليهم القهر. نحن بدأنا قبلهم بنصف قرن، واليابان وقتها أرسلت من يتعلم التجربة المصرية. مشروع محمد علي كان مذهلاً، ومشروع داود باشا في العراق كان مذهلاً وموازياً له، ومشروع الخليفة محمود الثاني في إسطنبول كان مذهلاً أيضاً، ومشروع جمال عبد الناصر في مصر كان مذهلاً أيضاً، وكلهم بلا استثناء سقطوا سقوطاً مروعاً ومفاجئاً لأصحاب المشاريع.

كلمة السر هي شبكة العلاقات الاجتماعية. كل هؤلاء وقعوا في الفخ؛ يقول الأستاذ طارق البشري: عندما أتى نابليون كان الفارق الحضاري بينه وبين المصريين كبيراً جداً، ولكن لا يمكن أن تستعمر مجتمعاً، هو مجتمع. كم من الجيش سوف تأتي به لتسيطر على أمة؟ الأمريكيون في العراق 400 ألف والشعب العراقي 20 مليون، كيف يمكن أن يسيطروا عليه؟ الاستعمار السابق في مصر كان 2 أو 3 مليون استعمروا 80 مليوناً؛ لا يمكن على المستوى العسكري لو 80 مليوناً يتخانقون مع 3 مليون سيكسبون. لماذا وقع كل هؤلاء في هذا الفخ؟ بوعي أو بدون وعي، والنية والمقصد سليم. ماذا فعل نابليون عندما أتى؟ أزال مركز القرار السياسي وهم المماليك، ثم ماذا وجد؟ وجد مجتمع الأزهر بشيوخه وطلبته والحركات الصوفية؛ كل هؤلاء مجتمع كامل، فلم يستطع أن يطيق المصريين عامين ورحل.

بعد تجربة محمد علي عام 1798، بدأ محمد علي تجربته عام 1807 وانتهى منها عام 1840 بالوثيقة المذلة التي أجبر على تدمير الأسطول المصري، تمت تدمير مشروع محمد علي على بكرة أبيه. ثم ماذا؟ الاستعمار الإنجليزي أتى عام 1882، يعني مجتمعاً بني له أسطول وهناك قلم ترجمة وكلية هندسة وكلية طب لمدة 40 سنة، وعندما أتى الإنجليز لم يصمد المصريون كما صمدوا أمام نابليون، واستعمروا 70 سنة. كلمة السر أن محمد علي -وهذا الكلام ينسحب على كل من ذكرته، داود باشا ومحمود الثاني وعبد الناصر- أنهم لكي يبنوا دولة قوية، وقعوا في فخ عند مالك بن نبي، لا دولة قوية بل مجتمعاً قوياً. الدولة القوية تستطيع عدة دول أن تتكاثر عليها وتكسر الإرادة السياسية، لكن لا يمكن أن تكسر المجتمع. فكلهم أرادوا أن يصنعوا دولة قوية، فماذا فعلوا؟ كسروا المجتمع، كسروا كل الروابط.

محمد علي، أول ما مسك السلطة، لم السلاح من كل المصريين الذين حاربوا به الفرنسيين قبل ذلك، وقتل العلماء كالجبرتي، وشنق أشخاصاً في بيوتهم، وقضى على كل بيوت الأشراف في مصر، ثم كسر المماليك وهي كانت نوعاً من الجماعات الوسيطة العسكرية، ثم انطلق في بناء الدولة القوية، وفعل كل ما يستطيع أي حد في مكانه أن يفعله، ثم ماذا؟ تحالفت عليه بريطانيا وفرنسا والباب العالي وكسروا الدولة. فلما كسروا الدولة لم يوجد مجتمع. جمال عبد الناصر ماذا فعل؟ أنشأ دولة قوية جداً؛ عمل مصانع وأجلب سلاحاً وطائرات وكل شيء، وقضى على المجتمع، حل الأحزاب ولم ينشئها، حل الإخوان المسلمين وأباد كل هذه الجماعات الوسيطة التي كانت تمثل المجتمع. فلما قضى على هؤلاء، ثم قضي على مشروعه السياسي، ماذا تبقى؟ لا شيء، لا مجتمع، وهكذا.

فنحن الآن بعد رحيل الاستعمار، نحن حتى الآن مستعمرون، ما الاستعمار؟ نحن لدينا قابلية للاستعمار. الاستعمار الآن، لو أردنا أن نفعل مظاهرة مليونية تخرج الناس، هذه شبكة علاقات سياسية، ولكن ليست الوحيدة. إن لم يستطع الناس أن يفعلوا شبكات علاقات خيرية واجتماعية وثقافية، كالتي نحاول أن نفعلها، وسياسية تحرك الناس لغرض معين، فلا مجتمع. إن استطعت أن تفعل ذلك فقد خلصت.

أخيراً، المحتوى الذي ذكرته في المحاضرة، أنا أعددت دورة كاملة عبارة عن ثماني محاضرات لمن أراد أن نفصل فيها هذه الأفكار بشكل تفصيلي. أنا أسميها "دورة أدوات قادة النهضة"؛ ما الذي يجب أن يكون في عالم أفكار هذا القائد من أدوات، وما المنطق العملي الذي يستطيع أن يدير به هذا الشكل، وما الهدف المرجو من هذا؟ من أراد أن يفعل ذلك هناك استمارات سوف تمر على الناس، ما رأيكم في المحاضرات؟ هل لديك محاضرة تستطيع أن تلقيها؟ من رغب في هذه الدورة يقول: أنا الفكرة تعجبني، بحيث نعد العدد. في النهاية أشكر الشباب أصحاب هذه الفكرة، لن أذكر أسماء كل الأشخاص الذين كانوا أصحاب هذه الفكرة الرئيسة؛ هم وضعوا فكرة "شبكة علاقات ثقافية"، قالوا لماذا نتكلم في كل المواضيع في أي مكان؟ نصنع مكاناً نلقي فيه محاضرات، ناس تجتمع، يحصل تلقيح وتثقيف، فلهم شكري.

الأخ أحمد عادل، أنا لا أعلم هو هنا الآن أم لا، أول من اشترك معي في عمل شبكة علاقات ثقافية، قال لي: مالك بن نبي أنت ملم به؟ قلت: نعم. قال: لماذا لا تحاضر فيه؟ قلت: أنا أقرأ لنفسي. قال: لا تعال، هناك عدة نماذج في جامعة القاهرة تفعل أعمالاً طلابية، تحاضر في هذا الموضوع، أعطِ دورة عبارة عن ثلاث محاضرات في فكرة كانت أيضاً على الموضوع، قال: تستطيع أن تعمل بدون مقابل؟ قلت: نعم، هو الأساس أصلاً، الأعمال لن تنهض إلا على الأعمال التي يعمل فيها الشخص ولو بدون أجر، مش دائماً، لو في فلوس أو بدون أجر يبقى خلاص.

والأخ عبد الرحمن أبو ذكري؛ لأن هذه الفكرة، فكرة الفرق بين التوظيف والتكوين، هذه فكرة بالنسبة لي، أنا لا أعلم مدى صداها عند الناس ولكن فكرة جوهرية تحل إشكالية كبيرة جداً في التعامل مع أفكار المفكرين الإسلاميين بشكل عام، وحتى المفكرين المعاصرين؛ يعني هناك شخص يقول لك فلان لا، هذا بتاع سياسة، هو نعم يعمل في التوظيف، وهناك من يتكلم عن السياسة يتكلم عن التوظيف، والرجل هذا سلف وبتاع علم، نعم هو يتكلم في التكوين، لا تقارن بين هذا وهذا، وأنت تتكلم في خلاص، شكر الله لكم، فأرجو أن أكون وضحت الفكرة ونبدأ أسئلة نكمل بها الموضوع.

شكراً للبشمهندس عاصم الدواري، الحقيقة أول تعقيب لي، أنا المفروض الناس الذين يمسكون المنصة يعملون ملخصاً وحاجات كهذه للمحاضرة. أنا شايف أنه في آخر خمس دقائق بعد ما جئت وجلست، هو قال ملخصاً رائعاً جداً. لكن أنا سأعقب تعقيباً أعتقد أنه الأهم، وممكن واحد يقول ياه الكلام ده جامد، والمحاضرة الجاية ممكن تكون عاملة إزاي؟ طب أنا ممكن أكون على قد المستوى أنني آجي أحضر هنا عشان أحاضر ثانياً؟

أنا سأقول فكرة مالك بن نبي جاءت كيف أمامي؛ كنا في اجتماع مرة، الكلام هذا من سنة أو أكثر، والاجتماع بدأ وكان الأستاذ مسعد ماهر شخصية رائعة، كان قاعداً وقال: نحن سنبدأ في شوية كتب ونقرأ ونقول رأينا فيها، وأول كتاب طرحه كتاب "ميلاد مجتمع" لمالك بن نبي، وكان أيمن وأنا وكل الذين قاعدين تقريباً أول مرة نرى كتاباً لمالك بن نبي؛ مالك بن نبي نعرف عنه آه مفكر إسلامي معروف، رجل من الجزائر وكذا يعني، رجل كويس. هذا أعتقد كان أول مقابلة بين مالك بن نبي وبين أيمن، طيب أيمن الآن شايفينه رجل متخصص في مالك بن نبي، ما الذي حصل؟ بدأ الرجل بلم الكتب الموجودة كلها وقرأها كلها ودرسها كلها ومحاضرات فيها. فقضية دوائر المعرفة أنني حالياً يسهل جداً أن أشتغل عليها مدة شهرين أو ثلاثة أو أربعة وأكون فيها رؤية كاملة وأفيد بها الناس؛ لأن المعرفة ليست حكراً على المتخصصين ولا حكراً على الأكاديميين، لكن أعتقد أن هذا دورنا في "دوائر المعرفة"، المشروع التابع للمعرفة، أن يكون هناك تداول للمعرف، كتدابير وتعمل مش عارف إيه، لا تكن خبيراً في أي شيء خالص بس بينفع يعني، طيب نحن حالياً سنستقبل أسئلة في المحاضرة، إن شاء الله نحاول نتهد عشان يبقى ثقافة، نحن الجمعية هنا هذا هو الشعار.

طيب حضرتك طبعاً كل واحد يقوم يعرف بنفسه، يحاول أن يرفع صوته عشان الناس تسمعه، يعرف بنفسه وتفضل محمد شعبان.

أولاً أشكر الأستاذ أيمن على هذه المحاضرة القيمة، أنا عندي فقط ثلاثة أسئلة: لماذا الأستاذ مالك بن نبي جعل خارج الحضارة بعد الموحدين؟ لماذا جعل الموحدين في حين المماليك جاءوا في زمن الموحدين وزمن سقوط الموحدين في منتصف القرن السابع وقاموا بالمفهوم الحضاري؟ سقط الموحدون في منتصف القرن السابع وجاء المماليك في منتصف القرن السابع وسقطوا في منتصف القرن العاشر، ده سؤال.

السؤال الثاني: الشخص المكيف؛ هذا الشخص المكيف هو شخص يتحدث عن الفرد ويتحدث عن المجتمع، فلو كان يتحدث عن فرد، ستصبح هذه الفكرة شبيهة بفكرة البطل في فلسفة التاريخ، وهي فكرة منقوضة من أكثر من مفكر، البطل الذي يقيم المجتمع. الفكرة الثالثة أو السؤال الثالث: شبكة العلاقات الاجتماعية في ظل الدول القابلة للاستعمار والتي توضع من الخارج، كيف تقوم في ظل هذه الجهود؟

سأجيب إجابات سريعة، الحاجة التي فيها...، دائم الإنسان، الإنسان فكره يأتي عندما ضرب من الموحدين من منطقته.