بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حيّاكم الله أيها الأكارم في المجلس الرابع من دورة مدارج العلم، الدورة العلمية المكثفة في موسمها الثالث لعام 1445 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وما زال مسيرنا العلمي قائماً بحمد الله سبحانه وتعالى، ونسأل الله عز وجل أن يديم علينا هذا النعيم المعجل.
نجتمع في مجلس علم، ونتعلم شيئاً من أمور ديننا في الفقه والعقيدة والتفسير والحديث، فإن الإنسان لا يعرف قدر الشيء إلا إذا فقده. عندما يفقد العلم ويعم الجهل، وتصبح تبحث عن مجلس تتدارس فيه مع إخوانك شيئاً من مسائل الشريعة فلا تجد معلماً يعلمك ولا درساً تتدارس فيه، عندئذ يبكي الإنسان على أنه فرط في يوم من الأيام في حضور مجالس العلم بعد أن كانت قائمة، وبعد أن كانت أعلامها منشورة.
فاستغلوا أيها الشباب وأيتها الأخوات هذا النعيم المقيم في بلدنا الطيب المبارك، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا هذه النعمة، نعمة أننا نستطيع أن نجتمع لنتدارس مسائل الشريعة بهدوء واتزان. فكم من بلد من بلدان المسلمين قد حُرموا من هذه النعمة لما فيها من الصراعات والفتن والإشكالات. والله سبحانه وتعالى أنعم عليكم بهذه النعمة، نعمة أمن وأمان تستطيعون أن تحضروا وتذهبوا وتتعلموا، فهذه نعمة عظيمة قدّروا قدرها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يأتي بالأمن والإيمان لجميع بلاد المسلمين، وأن يديم البركة والخير على إخواننا في غزة، وعلى إخواننا في السودان، وعلى إخواننا في الشام، وعلى إخواننا في اليمن، وأن يعيد لتلك الديار بهجتها بأمن وإسلام، وأن يعيد إليهم خيرهم وبلادهم وبركته، وأن يطرد عنهم عدوهم ومن يمسهم بسوء، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.
موعدنا اليوم مع كتاب جديد، موعدنا مع مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه. هذه المقدمة كتبها سريعاً ابن تيمية من فؤاده، لكنها عظيمة والله في قدرها وفي قواعدها، وجمّة في فوائدها. ولكنني أعترف أنها متقدمة قليلاً؛ فالاخوة الذين لم يسمعوا أي شيء سابق في قواعد التفسير أو في علوم الشريعة يحتاجون أن يركزوا معي أكثر وأكثر في بسط بعض القواعد وشرحها حتى يفهموا هذه الرسالة. ولو فهمت 30 أو 40 أو 50% منها جيد في المرحلة الأولى، لكن أزعم أنها مفيدة وتضمنت من قواعد العلوم ليس فقط في علم التفسير، بل حتى من قواعد اللغة والفكر وطرق التفكير، تضمنت أشياء نافعة قل أن تجدها بهذا التحرير وهذا التدقيق عند غير شيخ الإسلام ابن تيمية.
فهو الرجل الهمام والعالم النحرير أبو العباس، من بسط المنقول والمعقول واستطاع أن يجمع بين علم العقلي والنقل فهماً وتحريراً ونظراً. ونحب هذا الرجل ونعظمه إجلالاً لشرع الله سبحانه وتعالى، ولو كرهه من كرهه ولو أبغضه من أبغضه ولو قالوا فيه ما قالوا، فنحن نعرف حجمه وقدره وسعة علمه، بل حتى خصومه شهدوا له بذلك، كما يقولون: والحق ما شهدت به الأعداء. حتى خصوم شيخ الإسلام ممن كانوا يجادلون ويناظرون قالوا: هذا رجل لم يرى مثل نفسه، يعني حتى هو لو حاول يبحث عن رجل يشبهه لن يجد لسعة علمه وقوة عقله، وما حباه الله عز وجل من الجمع بين منهج الاتباع وبين منهج العقل والتحرير الجيد للمسائل. فاستفيدوا من كنوزه ومن كتبه ومن مصنفاته التي لا ينبغي أن تخلو منها مكتبة طالب علم يبحث عن التحرير والعقل والنقل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر علينا فهم هذا الكتاب وهذا السفر المبارك.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. دائماً إذا أقفلت عليك مسألة قل لا حول ولا قوة إلا بالله، فنحن عاجزون بأنفسنا أقوياء بربنا. ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية هو من يعلمنا ذلك، كان إذا أغلقت عليه مسألة يذهب إلى مسجد خال، ويعفر وجهه بالتراب ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، ويضع جبينه على التراب ويعفره لله سبحانه وتعالى، فإنما تستمطر الفوائد والفهوم من رب العالمين، وإلا فأنت عاجز. إذا أغلق الله عقلك عن فهم المسألة، لو أتاك أفضل المشايخ في الأرض، لو أتاك ابن تيمية نفسه ليفهم المسألة لن تفهمها، وإذا فتح الله على قلبك وأنار بصيرتك فإنك ستجد الفهم سلساً بإذن الله.
بشرط اجتناب الذنوب والمعاصي، فإن الذنوب والمعاصي من أكثر الأمور التي تحرم الفهم. فلا تذهب إلى البيت تفعل معاصي وذنوباً وتأتي اليوم تطلب الفهم، استغفر وتب في بداية هذا المجلس، أحدث لله توبة واستغفاراً عن ذنوب لربما فعلتها البارحة أو مساءً، لأن الذنوب إخواني أكثر ما يحجب الفهم عن قلب وعقل طالب العلم. فنسأل الله أن يغفر ذنوبنا وأن يرحمنا ويرحم ضعفنا ويستر عيوبنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بسم الله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً. هذه ديباجة الكتاب، بدأ بالحمد لله وبالصلاة والسلام على رسول الله، هذه ديباجة يُسن البداءة بها، أن تبدأ بالبسملة ثم بالحمد لله ثم بالصلاة والسلام على نبيه الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه.
قال رحمه الله: أما بعد، فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية. إذاً هو الآن يبين طبيعة هذه الرسالة، بعض إخوانه أو بعض طلبته سألوه أن يكتب لهم مقدمة، لذلك سميت المقدمة في أصول التفسير. طلبوا منه أن يكتب لهم مقدمة تتضمن ماذا؟ قواعد كلية. إذاً المفروض يا طالب العلم بعد أن تفرغ من قراءة هذه المقدمة تكون حصلت هذه القواعد الكلية. تمام، بعض التفاصيل قد تغمض عليك لكن خلاص، أنا الآن مستحضر أنني سأخرج من هذه المقدمة بقواعد كلية تفيدني في علم التفسير لأن هذا هو المقصود والمطلوب.
قال رحمه الله تعالى على فهم القرآن ومعرفة. جميل، إذاً هذه القواعد الكلية ما وظيفتها؟ قواعد كلية في علم الفقه لا، في علم اللغة لا، هي قواعد كلية تعين على فهم القرآن وما ذكر فيه من التفاسير. قال: تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله. الرواية الصحيحة -أنا أقرأ طبعاً من كتاب آخر هو أكثر تحريراً من نسختكم- والتمييز في منقول ذلك ومعقوله. الآن هي فيها خلاف، أنت لا تشطب على هذه الكلمة، في بعض المخطوطات وجد ماذا: والتمييز في منقول ذلك ومعقوله، وبعض المخطوطات ولعلها أدق: والتمييز في منقول ذلك ومقوله، وهي حقيقة متقاربتان لكن هذا هو الإثبات. هو يريد أن يعلمك في هذا الكتاب كيف تميز في المنقول في علم التفسير.
الآن أنت تفتح كتب التفاسير، اليس كذلك؟ فتجد أقوالاً متعددة عن السلف بعضها صحيح وبعضها ضعيف. وتجد أيضاً كثيراً من التفاسير الاجتهادية التي ليست منقولة عن السلف، وإنما استنباط من بعض المتأخرين من العلماء، وبعض هذه الاستنباطات صحيح يشهد له الدليل، وبعض هذه الاستنباطات خاطئ لا يشهد له الدليل. فهنا شيخ الإسلام في هذه المقدمة سيعلمنا القواعد العامة في تمييز التفاسير الصحيحة المنقولة عن السلف وغير الصحيحة المنقولة عنهم، وتمييز الصحيح من التفاسير الاجتهادية.
لأنه سأعود خطوة إلى الوراء، التفسير إخواني له منهجان عموماً، اكتبوا هذه القاعدة: التفسير له منهجان، هناك تفسير بالماثور وهناك تفسير بالرأي والمعقول. التفسير طرق التفسير عند العلماء على طريقتين، هناك تفسير بالماثور يعتمد على ما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين، هذا يسمى تفسيراً بالماثور يعني اعتماداً على النقل. النوع الثاني من التفاسير، تفسير بالمعقول يعني بالاجتهاد والرأي والاستنباط. وكلا نوعي التفسير، سواء التفسير بالمنقول أو التفسير بالمعقول قد يتضمن الصحيح وقد يتضمن الخطأ. فشيخ الإسلام يخبرك في بداية هذه المقدمة أنني أريد أن أعطيك قواعد كلية أولاً تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، هي الفائدة الأولى. ثانياً: هذه القواعد تساعدك في التمييز بين المنقولات ما هو الصحيح وما هو غير الصحيح، وفي المعقولات يعني التفسير الذي بالرأي والذي سماه "المقول".
لذلك قال: والتمييز في منقول ذلك ومقوله. شو يعني ومقوله؟ اكتب المراد بمقوله يعني التفسير الذي بالرأي، وقول العالم باجتهاده وليس مبنياً على النقل. ممتاز، فأيضاً هذا النوع من التفسير المبني على قول العالم باجتهاده هو منه ما هو صحيح ومنه ما ليس بصحيح. فهمنا؟ إذاً دائماً المقدمات إخواني مهمة، لذلك أنا أطيل فيها لأنه هي مدخل الكتاب، نحن ماذا سنتعلم؟ قواعد كلية. ماذا يريد منها؟ تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره، ثانياً: تتعلم من خلالها كيف تميز الغث من السمين، سواء في التفسير المأثور أو في التفسير المبني على الاجتهاد والرأي.
قال رحمه الله تعالى: والتمييز في منقول ذلك ومقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل، فإن... ويريد أن ينبهك أيضاً على الدليل الفاصل بين الأقاويل، كيف تعرف الدليل الذي يفصل بين الأقاويل الصحيحة وغير الصحيحة؟ قال: فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين وبالباطل الواضح والحق المبين. إذاً ما الذي دفعه لكتابة هذه القواعد الكلية؟ شيء لاحظه في كتب التفسير التي نقرأ فيها، ما هو؟ أن كتب التفسير إخواني مشحونة بأقوال صحيحة وأقوال غير صحيحة، أليس كذلك؟ قال: فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، الغث الباطل يعني الذي لا يُعبأ به، والسمين يعني المفيد الصحيح، وبالباطل الواضح وفي الحق المبين.
وبالتالي لما تقرأ أنت في التفاسير منذ القدم، سواء تفسير ابن جرير الطبري أو ما بعده، سواء تفاسير أهل الحديث ولا الأشاعرة ولا المعتزلة، كل هذه التفاسير أنت ممكن تفتح أي كتاب، لا تفكر أنه كل شيء مكتوب صحيح، خطأ أن تظن أن كل ما كُتب في كتب التفسير صحيح، خطأ. بعض طلاب العلم أو طالبات العلم تفتح كتاب التفسير، القول الذي أمامها تأخذه وتمشي عليه وتعتبره الصحيح، كلا. في كتب التفسير التي تقرؤونها هناك ما هو صحيح وهناك ما ليس بصحيح، هذه القواعد جاءت لتساعدنا كمساعدة أولى في التمييز بين الغث والسمين.
قال رحمه الله: والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم. هي قاعدة عامة، العلم الذي يُركن إليه ويسمى علماً هو إما نقل صح عن المعصوم، ومن هو المعصوم صلى الله عليه وسلم، بالكتاب أو بالسنة، أو قول باجتهاد لكن عليه دليل صحيح. هذه قاعدة عامة في العلوم، ما هو الشيء الذي يسمى علماً؟ طبعاً هنا ما يذهب عقلك إلى العلم بالمعنى المنطقي الذي أخذناه، العلم بالمعنى المنطقي الذي أخذناه في أصول الفقه: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. هنا يتكلم عن العلم بالمعنى الشرعي، العلم الشرعي الذي يستحق أن يسمى علماً وتهتم به وتحتفي به، ما هو؟ إما نقل عن معصوم صح عنه وهو النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قول اجتهادي قام عليه الدليل الصحيح. وما سوى ذلك ليس علماً شرعياً.
كل قول وكل مسألة ليست منقولة عن المعصوم أو جاءت باجتهاد لا يوجد عليه دليل صحيح، كان شيخ الإسلام يقول لك: لا تعدها علماً ولا تعبأ بها ولا تحتفِ بها. وهذه حقيقة توجيه للبوصلة بالاتجاه الصحيح، أنا كإنسان كطالب علم ما هي الأشياء التي تستحق أن أبذل جهدي فيها في حياتي العلمية؟ ابذل جهدك في معرفة ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وابذل جهدك في معرفة الآراء العلمية التي تقوم على أدلة، وأما الكلام العشوائي الفوضوي الذي يذهب ويأتي بدون تمحيص وأدلة لا تشتغل به.
إذاً قاعدة عامة: العلم الشرعي الذي يُعبأ به إما نقل مصدق -مصدق يعني صححه- عن معصوم، أو قول يعني اجتهادي عليه دليل صحيح. هذا يستحق الاحترام ويستحق أن يسمى علماً وما سوى ذلك لا يُلتفت إليه. لذلك قال: وما سوى هذا فإما زيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود. إذاً ما سوى هذين الأمرين ماذا يعتبر؟ إما قول أو شيء مزيف ثبتت بالأدلة بطلانه، أو قول متوقف فيه لم تقم الأدلة لا على إثباته ولا على بطلانه فيُتوقف فيه.
شوف هذه قاعدة مهمة جداً في حياتك، إذاً في حياتك العلمية ما تعتمد عليه إما ما صح في الكتاب والسنة، طبعاً الكتاب كله صحيح وما في الكتاب وما صح في السنة، أو قول اجتهادي قام عليه الدليل. وما سوى ذلك ماذا نقول؟ هو إما قول أو شيء مزيف ثبت بالدليل بطلانه، أو شيء متوقف فيه ما دام لم تدل أدلة على صحته فنحن لا نعرف هل هو بهرج أو منقود، البهرج هو المزيف، المنقود هو الحقيقي. قال متوقف فيه لا يعلم هل هو مزيف أو حقيقة، لسه في إطار البحث لم نصل إلى إثباته.
رحمه الله، وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن. الآن سيبدأ يدخل في الموضوع، ما أهم موضوع وأهم كتاب يحتاج أن تستفرغ فيه عمرك يا طالب العلم؟ القرآن كتاب الله عز وجل، أعظم كتاب يستحق أن تعطيه الجهد والتعب لأنه كلام الله، وهنا ترتبط العقيدة بالتفسير. كلام الله بصوت وحرف؛ ما دام ربنا تكلم به إذاً هو كلام في غاية الأهمية، ويجب أن تعطيه كل الاهتمام والعناية.
قال رحمه الله: وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء. لا تزيغ به الأهواء، أي لا تضل الأهواء إذا تمسكت به. الهوى -إخواني- هو ما تميل إليه من حق أو باطل، ثم غلب إطلاقه على ما تميل إليه من الباطل. الهوى في الأصل كل ما تميل إليه من حق أو باطل اسمه هوى، لكن في العادة تُستعمل كلمة الهوى فيما تميل إليه من الباطل. لكن هنا استعمل كلمة الأهواء بالمعنى الأصلي العام، ما يميل إليه الإنسان. فيقول: إذا أنت تمسكت بالقرآن، فإن هواك لن يزيغ، فسيكون دائماً ميل إلى معاني القرآن وإلى الأمور النافعة، وأما من لم يتمسك بالقرآن فإن أهواءه ستزيغ وتضيع في شعب الحياة.
قال رحمه الله: ولا تلتبس به الألسن. ما معنى لا تلتبس به الألسن؟ نقول: إنه محفوظ عن التبديل، فلا يمكن تجد اثنين اليوم يختلفوا؛ والله هي آية في القرآن ولا لا؟ في حدا اليوم بيختلف مع صاحبه هي آية في القرآن ولا لا، أو هذه كيف تقرأ؟ لا، أنا بقرأها هيك، لا أنت كيف بتقرأها؟ خلص، القراءات ثابتة وطرق الأداء ثابتة، فلا تلتبس الألسن في طريقة أدائه. طبعاً هنا كل هذه الفقرة هي حديث مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، نقلها الترمذي وغيره من حديث الحارث الأعور، وهو حديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أقل أحواله أنه يصح موقوفاً إلى علي بن أبي طالب. طبعاً هنا هو لم ينسبه إليه، لكنه هو نص حديث علي بن أبي طالب أنه قال: إن الصراط المستقيم لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن. هو كلام علي بن أبي طالب ذكره ابن تيمية لجماله ولثقله، وإن كان لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الأئمة استحسنه لأنه وصف دقيق للقرآن.
قال: ولا يخلق عن كثرة الترديد. ولا يخلق أي لا يبلى عن كثرة الترديد. الكتاب الوحيد الذي لا تمل مع كثرة قراءته ما هو؟ القرآن. أي كتاب يا أخي بتقرأه مرتين ثلاث أربعة، ثم تصاب بالملل. الكتاب الوحيد في رمضان وفي غير رمضان، ما شاء الله ربما ختمت 5000، 6000 ختمة في حياتك، فعلاً لا يبلى على كثرة الرد، يعني لا تشعر بالملل، لا تشعر بالفتور من كثرة قراءته، بل تشتاق إليه إذا كان قلبك صافياً.
قال: ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء. فالقرآن كل ما قرأته أعطاك معنى جديداً ولفته جميلة، لا تنتهي عجائب القرآن؛ كلام رب وهو كلام معجز. ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم. ومن ترك القرآن وذهب يطلب الهداية من عند غير القرآن أضله الله. قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه: 123]. أراد ابن تيمية أن يأتي بالآيات التي تدل على مركزية القرآن في حياة الإنسان. الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾، فمن اتبع القرآن والقرآن هو هدى الله فهذا لا يمكن أن يضل كما قلنا بأهوائهم، ولا يمكن أن يصيبه الشقاء. ولكن من يصيب بالشقاء؟ قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124]. أما من أعرض عن القرآن ولم يرفع به رأساً، فهذا هو الذي يضل، وهذا الذي تكون حياته ضنكاً. قال سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 125-126].
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: 15-16]. إذاً قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. ما وظيفة هذا الكتاب المبين؟ أولاً: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، القرآن هو الذي يهديك إلى الجنة ويقودك إليها. قال سبحانه: ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾. الوظيفة الثانية للقرآن: أن يخرجك من ظلمات الكفر والشرك والأهواء والبدع إلى نور السنة والطاعة. قال سبحانه: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، ويهديك إلى الصراط المستقيم في الأقوال والأفعال والاعتقادات. وقال تعالى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1]. إذاً كتاب أنزلناه إليك، لماذا؟ لتخرج؛ هذا تعليل. إذاً وظيفة القرآن أن يخرج الناس من كل الظلمات. لماذا جمع الظلمات وأفرد النور؟ لماذا قال من الظلمات إلى النور؟ لأن الهداية طريقها واحد، وأما طرق الجهل والكفر والشك والبدع فطرق متعددة، فالقرآن يريحك من كل هذا العناء؛ يخرجك من كل طرق الظلمات والشتات والبدع إلى النور المستقيم الموصل إلى الله سبحانه، لذلك هو صراط والصراط واحد.
قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]. أيضاً في هذه الآية الله عز وجل يعلي من شأن القرآن فيقول: ﴿وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ﴾. القرآن كتاب هداية، من فهم معانيه اهتدى. واليوم عندنا مشكلة أن كثيراً من الشباب المقبلين على الخير يشتغل بحفظ القرآن لكنه لا يشتغل بفهم القرآن، وهذه كارثة؛ بل هذه من البدع أصلاً كما ذكر الطرطوشي في الحوادث والبدع، من البدع اشتغال الإنسان بحفظ القرآن وعدم اشتغاله بفهمه. هذا لا يُعرف عن السلف رضوان الله تعالى عليهم، ولذلك أصبح شيئاً طبيعياً، ترى إنساناً حافظاً للقرآن وعنده منكرات، أو أخت مشتغلة بحفظ القرآن وعندها كثير من المنكرات في حياتها العامة، ليه؟ لأن القرآن ما عاد يؤثر في حياة كثير من الشباب والنساء، لأنهم أخذوه حفظاً ولكن لم يأخذوه هداية ونوراً، وهذه مشكلة. قال سبحانه: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾.
قال رحمه الله: وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد. يعني كل ما كتبه في 100 صفحة هذه فقط من ذهنه، يعني لم يحتج إلى كتاب ولا مراجعة سفر ولا شيء، هو جالس بين العصر والمغرب عم يكتب وخرج بهذه المقدمة. وهذه عقلية العالم، أما الإنسان الذي لا يحسن الكتابة أو الشرح إلا تكون جنبه الكتب فهذا نوع من الضعف العلمي. والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
قال رحمه الله: يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه. هذه أول قاعدة كلية يجب أن نفهمها، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون انتقل إلى ربه إلا وقد بين معاني القرآن كاملة للصحابة. طبعاً المراد المعاني التي تحتاج إلى بيان؛ المعاني التي تحتاج إلى بيان. إذاً نحن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن، بينها إما بأقواله، شرحها لهم بالأقوال، أو بينها بأفعاله. طيب رح تقول لي وين هذا التفسير اللي اسمه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن؟ بعضه نعم مأثور عنه في الأحاديث الصحيحة؛ لذلك في البخاري وفي مسلم تجدون دائماً كتاب اسمه باب التفسير، يقولون شيئاً من التفاسير الثابتة بالسند الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب وأين باقي تفسيره؟ مش إحنا بنحكي النبي عليه الصلاة والسلام فسر القرآن للصحابة كاملاً، أين باقي تفسيره؟ ما نقله الصحابة؛ لما تجد في كتب التفسير قال ابن مسعود كذا، ابن مسعود يذكر كلاماً لا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن في كثير من الأحيان يكون هو سمعه أو رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا الفعل وعرف أنه تفسير الآية؛ فتفسير ابن عباس، تفسير ابن مسعود، تفسير عمر، تفسير زيد بن ثابت، هذا يكون منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يصرح بذلك.
فإذاً يجب أن تفهم ولا تشك، وإياك أن يأتيك من يلبس عليك ويقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام شرح بعض التفسير وترك بعضه، بل هو صلى الله عليه وسلم من كمال البلاغ -مش هو قال: اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد- من كمال البلاغ ومن تصديقنا أنه تركنا على المحجة البيضاء، أن نؤمن أنه فسر كل الكلمات والآيات التي تحتاج إلى تفسير، ولم يترك الصحابة في عماية فيها. قال: فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا. الله عز وجل لما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، لتبين، تبين ماذا؟ كما أنه يبين ألفاظ القرآن، هو يبين معاني القرآن، فقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا، يعني يتناول بيانه للمعاني كما يتناول بيانه للألفاظ؛ كما علم الصحابة ألفاظ القرآن، علمهم معاني هذه الألفاظ. فهذه قاعدة مهمة يا إخواني، وأنت قد لا ترى أهمية لها، لكن من يدخل في النقاشات الفلسفية خاصة مع من ينسب إلى فلاسفة الإسلام مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم، يجد إشكالاً عندهم في هذه القضية، ويزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر المعاني بياناً كاملاً، أو ترك المعاني هناك من يفهمها من أهل الخاصة وهناك من يفهمها من أهل العامة، وأن للقرآن باطن وظاهر، ودخلوا في أمور أوصلتهم إلى الكفر والعياذ بالله.
فهذا المعنى لعدم درايتك بالإشكال المعرفي قد تراه أنت واضحاً، لكنه مهم جداً في النقاش الفلسفي مع الفلاسفة الذين انتسبوا إلى الإسلام. لا يمكن أن يكون هناك معنى آية لم يبينها النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت غامضة. الاستنباطات الجميلة واللفتات هذا مجال رحب، لكن المعاني الأساسية للآيات لابد وأن تكون واضحة لكل جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن جهل من الصحابة شيئاً سأل غيره فيجد عنده جواباً؛ يعني ليس المراد أنه كل صحابي سمع التفسير، وكون ابن عباس سمع شيئاً وعمر سمع شيئاً فالمهم أن جملة تفسير النبي عليه الصلاة والسلام مبثوثة بين الصحابة.
قال رحمه الله تعالى: وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن. يعرف أبو عبد الرحمن السلمي الذي تلقى القرآن عن الصحابة كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. إذاً ما دليل ابن تيمية؟ اكتبوا هذا دليل ابن تيمية على القاعدة السابقة؛ قاعدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين كل ألفاظ القرآن، بين كل المعاني التي تحتاج إلى بيان. ما دليلك يا ابن تيمية؟ هذا الحديث، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن، أبو عبد الرحمن السلمي سمع القرآن من عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، ماذا قالوا له؟ كنا نتعلم مع النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات فلا نتجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. طيب مين اللي بده يعلمهم ما فيها من العلم والعمل؟ النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم (يعني معاني القرآن) والعمل بالقرآن. هذا منهج السلف في تعليم القرآن، هذه رسالة لإخواننا في مراكز التحفيظ، هذا منهج السلف، ما أنا ليس هدفي إخواني فقط أكثر حفظة قرآن في المجتمع ولا يعرفون شيئاً من معاني القرآن ولا يعملون به، هذا ليس هدفاً عالياً. تريد أن تعلمهم القرآن يا جماعة مراكز التحفيظ؟ هذا منهج السلف، علمهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وفي نفس الوقت معاني القرآن، وفي نفس الوقت العمل بالقرآن؛ ألفاظ ومعاني وعمل. لذلك ايش قال؟ هذه احفظوها: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. بعض الناس يقول لك لا خلي المرحلة الأولى أتعلم الألفاظ بعدين بتعلم.
هذا المنهج فتعلمنا القرآن والعلم والعمل كله مع بعضه، لذلك أنا لست مستعجلًا، ما يهمني أن تفهم القرآن وتعمل به، حفظته بارك الله فيك ثواب عظيم، ما حفظته أهم شيء تكون فاهم، أليس كذلك؟ فهذا إخواني احرصوا عليه؛ فإن هذا المعنى للأسف يكاد يندر اليوم حتى عند كثير من الإسلاميين المحبين للقرآن، لكنهم يخطئون منهج النبوة في تعليم القرآن.
ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة؛ كانوا يبقون مدة الصحابة، مع أنه أقوى مني في الحفظ، لكن تجد أحدهم يجلس في السورة الواحدة ثماني سنوات وسبع سنوات سورة واحدة، لماذا؟ لأن هو غير مستعجل أن يحفظ، يقول لك: ماشي الحفظ بيجي، لكن الذي يحتاج إلى جهد ما هو تعلم معاني القرآن والعمل والتطبيق.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ في أعيننا. إيش يقول أنس؟ كان الرجل إذا قرأ أي حفظ هاتين السورتين جلّ في أعيننا. بس هذول السورتين؟ اليوم في كثير حفظوا كل القرآن ولا يجل في عينك، صحيح؟ ترى من يحفظ كامل القرآن ولا يجل في عينك، لماذا؟ في زمن الصحابة كان الذي يقرأ البقرة وآل عمران يجلّ ويصبح عظيمًا، بس هذول السورتين، لماذا؟ أحسنت، هو ما كان فقط يحفظهم حفظًا، هو إذا كنت أنت أيام الصحابة حفظت البقرة وآل عمران، هذا يعني أنك تستطيع تفسيرهما وتعمل بهما، فمعناه هذا يعني التوب بالتوب، زي ما نحكي؛ يعني عم بيعمل بسورة البقرة وآل عمران وفاهم كل معانيها، لذلك كان يجل في أعيننا.
ولذلك الصحابة في غزوة حنين لما حصل ما حصل من الفرار، بماذا كان ينادي بعضهم بعضًا؟ يا أصحاب سورة البقرة، وين رايحين وين فارين من المعركة؟ إن سورة البقرة بالنسبة لهم لا تعني فقط ألفاظًا تقرأ، تعني عملًا تعلمناه، كانت تعني لهم عملًا اشتغلنا عليه سنوات، فالآن جاء وقت التطبيق جميل، فلذلك هذا هنا تعظيم لمفهوم العمل بالقرآن وتأكيد، وهو طبعًا الهدف من كل هذه الأدلة ما هو التأكيد على القاعدة العامة أن النبي صلى الله عليه وسلم شرح معاني القرآن وفصلها للصحابة.
أقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل ثماني سنين، ذكره مالك بن أنس، ذكر أن ابن عمر جلس يحفظ البقرة ثماني سنوات، وبعضهم قال جلس أربع سنوات، ومهما قلنا هي مدة طويلة على كثير منكم، وليس كذلك، أنت بتقول أربع سنوات بس لسورة البقرة! أنا بختم القرآن كلها، لكن ابن عمر ما كان يبحث إخواني أن يقال حافظ، وإنما كان يهتم أن يكون عاملًا، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: 24]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: 68]، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، لذلك الصحابة عرفوا مقصد القرآن؛ لأن الله أخبر بمقصدي بإنزال القرآن عليكم أن تتدبروا، الحفظ وسيلة للتدبر مهم، لكن ما هو أهم من الفهم التدبر.
وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وعقل الكلام متضمن لفهمه، إيش يعني تعقلون؟ يعني تفهمون هذه الكلمات، إذا المطلوب هو أن نفهم القرآن، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه فالقرآن أولى بذلك، والقاعدة العامة أنه أي كلام يتكلم به أي متكلم ما المراد منه؟ أن يفهمك معانيه وليس مجرد حفظ الألفاظ، وهذا واضح لكنه للأسف نحن لا نعمل بذلك، فتجد أحدنا همه فقط أن يحفظ القرآن ويردد الألفاظ، لكن إذا سألته ما معنى الله الصمد؟ طب أنت عشر سنوات بتقرأ قل هو الله أحد الله الصمد، طب ماذا تفعل فيها؟ ما معنى الله الصمد؟ تجد كثيرًا من طلاب العلم حتى والله لا يعرف معناها، فتقول يا خسارة على الأعمار التي ذهبت، أنت كيف تحفظ؟ هل أنت تظن أن الله يريدك فقط أن تكرر هذه الألفاظ وأنت لا تفهم معانيها؟ بالتأكيد ليس هذا المراد، فإذا ما دام المراد الأعظم هو المعاني فلا بد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد بينها بيانًا شافيًا لأصحابه.
وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يطلبوا شرحه، يعني معقول الصحابة كانوا يقرؤون القرآن وما يطلبون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يشرحه لهم؟ يعني أنت الآن في الجامعة بتكون ماسك كتاب حسب تخصصك، معقول أنت ماسك الكتاب رايح جاي ولا تطلب من الأستاذ أنه يشرح لك هذا الكتاب؟ ولا أنت ليش حامل الكتاب؟ ليش منزل المادة؟ مش مشان تشوف أستاذ يشرحها لك، هذا المطلوب من تنزيل المواد، فإذا لا يمكن في العادة المنطقية أن يكون الصحابة كلهم كانوا يقرؤون القرآن ولم يخطر في بالهم أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المعاني المشكلة، هذا الوضع الطبيعي لأي إنسان، حتى أنت الآن كطالب علم تكون في المجلس، أنا بتكلم كلمة لم تفهمها بتدونها حتى تسألني، هكذا الإنسان الطبيعي يتصرف، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟ يعني إذا كان كتابًا طبيعيًا أنت بتبحث عن من يشرحه لك، طب كتاب أنا بقول لك هذا الكتاب بيوديك على الجنة، معقول ما تسأل عن معانيه؟ أنا أقول لك إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، معقول الصحابة بعد أن عرفوا أنه كتاب هداية لم يخطر في أذهانهم أن يستفصلوا المعاني من النبي صلى الله عليه وسلم؟ مش معقول، خاصة من عرف حرص الصحابة على الخير وعلى ما يصلحهم، يستبعد ذلك تمام الاستبعاد، إذا هذا دليل منطقي من العادة أنه لا يمكن أن يكون الصحابة لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن معاني القرآن.
ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًا، ولهذا هي النتيجة التي بده يوصلها الآن، ما دام الصحابة أخذوا تفسير القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان النزاع بينهم في تفسير القرآن قليلًا جدًا جدًا، فالصحابي أخذ القرآن، والخلاف اليسير ممكن أن أحدهم غاب عن مجلس من مجالس النبي صلى الله عليه وسلم فاجتهد، لكن ما دام الصحابة بالتأكيد تلقوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم إذا مساحة اختلافهم في تفسير آيات القرآن ستكون ضئيلة جدًا جدًا، لا تتجاوز 2%.
وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، التابعون الاختلاف بينهم أكثر من الاختلاف بين الصحابة في التفسير، لكن يبقى الاختلاف بين التابعين أقل من الاختلاف الذي نشأ في القرن الخامس والسادس الهجري، لماذا؟ لأن التابعين أخذوا من الصحابة وهذا أكيد سيقلل فجوة الخلاف بين التابعين، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر، هي قاعدة هيك عامة وحطها على جنب جميلة، وكلما كان العصر أشرف -أشرف يعني الناس فيه أحرص على الخير ومقبلون على ما ينفعهم- كلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان أكثر، ولذلك لماذا الأمة كلما مشت ازداد الاختلاف فيها؟ لأننا نبتعد عن الشرف أكثر وأكثر، وهذا كما هو عام في العصور كذلك عام في الأماكن، الأماكن التي يكون فيها العلم عامر وعقول نيرة يكون بينهم تألف واجتماع، والجماعات والطوائف والنقاط التي يكون فيها العلم قليل ويكثر الجهل يكون فيها الاختلاف أكبر، لذلك بيئة السوشيال ميديا هي بيئة الخلاف فيها كبير لأنها أسوأ البيئات، فتجد حتى للأسف من المشايخ المتشبثين بها الخلاف بينهم كثير لأنها بيئة رديئة، لكن بيئة مجالس العلم الصحيحة النقية التي يحضرها الإنسان بقلب سليم فيها تقارب في وجهات النظر، قدرة على حل الإشكالات، تواصل هادئ، ما في استفزازات، فهذا كلام صحيح عموماً؛ العصر أو المكان كلما كان أشرف كان الاجتماع والائتلاف فيه على العلم والخير أكثر وأكثر.
ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة كما قال معم، وهو الآن يعطيك معلومة أن كثيرًا من التابعين أصلاً تلقوا جميع التفسير عن الصحابة، كل القرآن أخذوه، من أعظم التابعين في ذلك مجاهد بن جبر الذي هو تلميذ ابن عباس، قال كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس وأوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، يعني مجاهد مسك ابن عباس وخلاه يشرح له كل آية في القرآن كلمة كلمة، تصور! ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، لأن مجاهد أعظم مفسر من التابعين، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، لذلك في صحيح البخاري في كتاب التفسير اعتمد البخاري كثيرًا على تفسير مجاهد بن جبر، كذلك الإمام الشافعي في كتبه الأم وغيرها كثيرًا ما يعتمد في استنباطات الفقه على تفاسير مجاهد بن جبر، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر طرقًا عن مجاهد أكثر من غيره، وهذا يدل أن الإمام أحمد له كتاب في التفسير لكنه مفقود، لذلك لأنه قال: وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، هل هناك كتاب اسمه كتاب التفسير لأحمد بين أيدينا؟ غير موجود، لكن قال العلماء كان هناك كتاب له، نسأل الله أن يحصله ولا هو غير موجود إلى الآن لم نكتشفه، وكان الزجاج وهو أحد أئمة اللغة كثيرًا ما ينقل من تفسير أحمد، هذا من الأدلة على أن هناك تفسيرًا اسمه تفسير الإمام أحمد، الزجاج أحد أئمة اللغة كان ينقل من هذا التفسير.
والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال، يعني التابعون أخذوا التفسير عن الصحابة في جلّه، نعم أحيانًا يتكلمون بالاستنباط، أحيانًا يتكلمون بشيء من الاجتهاد، لكن أكثر كلامهم مأخوذ عن الصحابة، كما أنهم في السنن والأحكام أكثر فقه التابعين مأخوذ عن الصحابة، وفي بعضه لهم اجتهادات فيه، فكما في الأحكام أكثر كلامهم مأخوذ عن الصحابة كذلك في القرآن أكثر تفاسيرهم منقول عن الصحابة، هو يريد أن يوصلك لفكرة أنه لا تشعر أولًا بالتشتت من كثرة الأقوال في تفسير الآية، بعض الطلبة إذا دخل في بعض التفاسير يقول لك: أوف! الآية الواحدة فيها 10 أقوال! يا أخي لهالدرجة أمتنا مختلفة في التفسير؟ لا، هو يريد أن يوصلك لقناعة أن التفاسير الصحيحة واحدة، وأن الاختلاف في التفسير الذي تظنه أنت اختلافاً أنت مش فاهمه بالضبط، والآن موضوع هذا الكتاب يفهمك طبيعة اختلاف الصحابة في التفسير أنه ليس اختلاف تضاد وإنما هو نوع آخر من أنواع الاختلاف.
قال: الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، ما زال يعطينا القواعد الجميلة، إذا الآن سيتكلم عن السلف عموماً، الصحابة والتابعون وتابعوهم في القرون الثلاثة المفضلة، الخلاف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام الفقهية أكثر من خلافهم في التفسير، ليه؟ لأننا نحن نوقن أنهم أخذوا التفسير مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، تابعون من الصحابة وتابعوهم عن الصحابة، لسه لم يأتِ أهل الكلام ويوتروا الأجواء ويصير في كتب تفسير أشعرية وكتب تفسير معتزلة والدنيا تدخل ببعضها، لسه لنا في القرون الثلاثة الأولى فمصدر التفسير واحد، وبالتالي حجم الاختلافات محدود جداً.
وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، الآن هذه قاعدة اكتبها، شوف لذلك قلت لكم هذه المقدمة مهمة حقيقة، ما يصح عنهم -أي عن السلف- من الخلاف في التفسير هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، هذه قاعدة مهمة جداً نفهمها، أنت بتفتح تفسير ابن جرير الطبري، بتفتح تفسير ابن كثير، خاصة هذه التفاسير التي تهتم بنقل كلام السلف، فتجد: قال ابن عباس، قال عمر، قال عبد الله بن مسعود، قال زيد، بتقول: لماذا الصحابة مختلفون؟ فهنا ماذا يقول لك ابن تيمية؟ أكثر ما تتوهمه أنت اختلاف هو ليس اختلافاً حقيقياً هو اختلاف تنوع، شو يعني اختلاف تنوع؟ سيأتي معنا، وليس اختلاف تضاد، مش أنه ابن عباس مختلف مع ابن مسعود في تفسير الآية، أو ابن عباس مختلف مع عمر في تفسير الآية، هذا قليل جداً جداً، وإنما هذا اختلاف في العبارة وطريقة التعبير عن الآية وليس اختلافاً.
حقيقة أن عمر فاهم الآية بطريقة، والثاني فاهم الآية بطريقة أخرى، ليس هذا هو طبيعة الخلاف؛ إن اختلاف التضاد يعني أنا أعتقد كلامي صح وكلامك غلط، واختلاف التنوع كلامي صح وكلامك صح. حتى أسهل عليك تفهم، في اختلاف التنوع يكون كلام ابن عباس صح وكلام عمر صح، في اختلاف التضاد لا، لازم واحد صح والثاني غلط. أكثر اختلافات الصحابة من أي نوع؟ اختلاف تنوع، يعني كلهم صح. طيب كيف الآن سيعلمك؟ لذلك قال وغالب ما يصح عنهم -أي عن السلف من الصحابة والتابعين- من الخلاف يرجع إلى اختلاف التنوع لا إلى اختلاف التضاد.
قال: وذلك صنفان -يعني اختلاف التنوع على نوعين- إخواني إذا فهمت هذه المقدمة أزعم ستنحل عندك كثير من الإشكالات المتعلقة بالتفسير، كثير منها، وستبدأ تقرأ في كتب التفسير بوضوح أكبر. قال اختلاف التنوع، وهذا اسم الإشارة يعود على اختلاف التنوع، واختلاف التنوع نوعان، دعونا نفهمهم. قال أولاً: أحدهما أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء المتكافئة.
النوع الأول من اختلاف التنوع ما هو؟ أن يعبر كل واحد منهم -عندي ابن عباس، عندي ابن مسعود الله يرضى عنه- ابن عباس عبر عن معنى هذه الآية بطريقة، بيجي ابن مسعود نفس الآية بعبر عنها بطريقة أخرى، هم متفقون على النتيجة النهائية لكن اختلفت طريقتهم في ماذا؟ في التعبير. فهو أعطى ابن عباس بعض الصفات في هذا الشيء، بتلاقي ابن مسعود أعطى صفات أخرى، بس كلاهما يدندن حول نفس المعنى النهائي، هذا يسمى ماذا؟ اختلاف عبارة.
لذلك قال: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، عبارة ابن عباس في تفسير هذه الآية والله مختلفة عن عبارة ابن مسعود لكن النتيجة النهائية واحدة. النتيجة النهائية واحدة، لذلك قال: أن يعبر كل واحد منهم -أنا إخواني أعيد الجملة لأنه مما علمنا مشايخنا، الجملة كلما تكررت فهمت، بعض الطلاب يخلص يقرأها مرة ما فهمها بيقول لك يلا على بعديها، لا، وّن العبارة حتى ترسخ وتفهم، كررها ست سبع مرات، حتى أول مرة فهمتها 50% بعيدها 60% ويزداد الفهم- قال أحدهما -يعني النوع الأول من اختلاف التنوع- أن يعبر كل واحد عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى -أي في هذا الشيء المسمى الذي تتكلم عنه الآية- تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى.
المسمى خليني أنا أقربه لك، سمِّه النتيجة النهائية بس من باب التقريب، أو سمِّه المقصود الأخير من الآية؛ كلاهما متفق عليه. ممتاز، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، أحدهم يقول: الصراط المستقيم هو القرآن، وبيجي آخر يقول لك: الصراط المستقيم هو الإسلام، وبيجي آخر يقول لك: الصراط المستقيم هو السنة والجماعة. حقيقة، ما تقول لي يا شيخ والله في خمس أقوال في الآية! في الحقيقة هو ما في خلاف، ما في خمس أقوال، قول واحد، لكن كل واحد عبر عن الصراط المستقيم بتعبير يختلف عن تعبير الآخر، وكلهم متفقون على النتيجة النهائية؛ فالصراط المستقيم أكيد هو القرآن واتباعه، واتباع القرآن هو الإسلام، والإسلام هو السنة والجماعة، فهذا عبر بالسنة والجماعة، وهذا عبر بالإسلام، وذاك عبر باتباع القرآن، لكن المحصلة النهائية واحدة.
طيب، إذاً أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بالآية بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى، المسمى الذي هو المعنى الأساس للآية، غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى. فالصراط المستقيم واحد، لكن هذا عبر عنه بالإسلام، ذلك عبر عنه باتباع القرآن، الآخر عبر عنه بالسنة والجماعة وهكذا. بمنزلة ماذا؟ قال: بمنزلة -هو بيقرب لك الصورة أكثر وأكثر عشان تفهمها- قال: بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة. هناك ما يسمى الأسماء المتكافئة، هي منزلة بين منزلتين، بين المترادفة والمتباينة.
إيش يعني الأسماء المتكافئة؟ اكتب تحتها: هي تدل على نفس الذات، لكن كل اسم يدل على صفة في هذه الذات يختلف عن الصفة التي يثبتها الاسم الآخر. أعيد، الأسماء المتكافئة هي أسماء تتكلم عن نفس الذات، عن نفس الشيء، لكن كل اسم يعطي صفة في هذا الشيء يختلف عن الصفة التي يعطيها الاسم الآخر. أعطيك مثال بتفهم بسهولة، مين يعطيني شو في أسماء للسيف في اللغة العربية؟ المهند، الصارم، البتار، العضب. طيب سؤال، هذه كلياتها أنتم سميتوها السيف، البتار، المهند، هي تتكلم عن ايش؟ كلها تتكلم عن السيف، لكن كل اسم عم يعطي صفة في السيف بيختلف عن الصفة اللي يعطيها الاسم الآخر. يعني لما تقول هذا عضب، ايش يعني؟ يعني هو سيف قاطع، لما أقول هذا مهند، إذا هو سيف جاء من الهند، إذا هما كلاهما بتكلم عن نفس الآلة، لكن هذا أعطى صفة وذاك أعطى صفة أخرى.
طيب، أعطيك مثال أسهل وأسهل، شخص اسمه محمد وكنيته أبو بكر، لو قلت محمد إذا بتكلم أنا عن هذه الذات، لو قلت أبو بكر بتكلم عن ذات ثانية ولا هو نفسه؟ طيب شو الفرق بين محمد وأبو بكر؟ أبو بكر تدل على علم، محمد تدل على علمه، وأبو بكر تدل على أنه ابن اسمه بكر، بس في النهاية مين هو؟ نفس الشخص. تمام، هذه اسمها أسماء متكافئة، هي تتكلم عن ذات واحدة، لكن كل اسم عم يعطي صفة في هذه الذات بيختلف عن الصفة اللي عم يعطيها الاسم الآخر. وكل أسماء الله الحسنى أسماء متكافئة، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، لماذا هي أسماء متكافئة؟ يلا مبنيّاً على شرحته، لأنها كلها تتكلم عن نفس الذات، لكن كل اسم عم يعطي صفة في هذه الذات بيختلف عن الصفة التي يعطيها الاسم الآخر. يعني الرحمن والعليم كلاهما بيتكلم عن ذات واحدة، لكن الرحمن بيتكلم عن أي صفة في هذه الذات؟ الرحمة، والعليم بيتكلم عن أي صفة في هذه الذات؟ العلم. وضحت القضية فيما شأن أسماء متكافئة.
طيب، قال رحمه الله: كما قيل في اسم السيف الصارم والمهند، اه هي أعطاك المثال، كما يقال في السيف صارم مهند، كلاهما يتكلم عن السيف، لكن الصارم يتكلم عن صفة فيه وهي القطع، والمهند يتكلم عن السيف باعتبار صفة أخرى أنه مصنوع في الهند وهكذا. نعم، قال وذلك، رح يبسط هذا الكلام ويعيشك ابن تيمية من أسلوبي خلص، إذا مسك شغلة معينة سيطرد ويعيشك حتى يفهمك إياها قبل ما تخرج. فقال: ومن ذلك مثلاً، قال وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، الحاشر والماحي والعاقب، كلها أسماء متكافئة، ليه؟ تدل على نفس الذات، لكن كل اسم يعطي صفة يختلف عن الاسم الآخر. نعم، قال وأسماء القرآن، فإن أسماء كذلك أسماء القرآن، القرآن، الكتاب، الوحي، إيش كمان عندنا؟ الفرقان، أسماء متكافئة، كلها تتكلم عن نفس الكلام لكن كل اسم عم يعطي صفة بيختلف عن الاسم الآخر. نعم، قال رحمه الله: فإن أسماء الله كلها تدل، كلها تدل على مسمى واحد، على مسمى واحد -يعني اكتب على ذات واحدة- وهي ذاته سبحانه.
نعم، قال فليس دعاؤهم باسم من أسمائه الحسنى مضاداً لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110]. نعم، لأن كل الأسماء -يعني إذا أنت قلت يا رحمن غير أنت بتدعو شخص آخر، إذا قلت يا رحيم بتدعو نفس الذات، إذا قلت يا قدوس معناته أنا بدعو إله آخر غير ربنا؟ لا، القدوس والرحيم والرحمن والملك هي نفس الذات، ولكن كل اسم يدل على صفة تختلف عن الصفة التي يدل عليها الاسم الآخر. نعم، قال رحمه الله: وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم. نعم، كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل إخواني على ماذا؟ ابتداء على أمرين، كل اسم من أسماء الله هذه قواعد ببلاش من ابن تيمية، لأنه مش قواعد تفسير، حتى الآن قواعد عقيدة، كل اسم من أسماء الله يدل على أمرين: على ذات الله، وعلى صفة في هذه الذات. فالرحمن يدل على ماذا؟ على شغلتين، على الذات زائد الصفة. القدوس يدل على شغلتين، الذات والصفة، صفة القداسة، ايش عندها أيضاً مثلاً؟ العليم يدل على ماذا؟ شغلتين، ذات متصفة بالعلم، السميع، ذات متصفة بالسمع. فإذاً كل اسم من أسماء الله يدل كما قال على الذات وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، فاسم الرحيم ما الصفة التي يتضمنها؟ الرحمة، العليم، القدير، إيش عندها؟ السميع، السمع، وهكذا.
طيب، قال رحمه الله: كالعلم يدل على الذات والعلم، كاسم الله العليم يدل على أمرين، الذات والعلم. نعم، قال والقدير يدل على الذات والقدرة على ذات الله وأنها موصوفة بالقدرة. نعم، قال والرحيم يدل على الذات والرحمة. نعم، على ذات متصفة بالرحمة. نعم، قال ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر -هنا هو يعني محترماً طبعاً لابن حزم الظاهري ما صرح باسمه لكن هو يقصده- هنا قال: ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي أنه من الظاهرية وهو يقصد ابن حزم الظاهري، ابن حزم عنده أخطاء في العقيدة في مثل هذه المسائل، فيقول الأسماء لا تدل على الصفات، أسماء الله الحسنى يقول لا تدل على الصفات، وهذا كلام باطل خطأ، كيف أسماء الله لا تدل على صفات فيه؟ فهو الآن ابن تيمية يعني هيك استطراد سريع بده يبين خطأ كلام ابن حزم فيقول: قال ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر، فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة، كأنك بتشبه القرامطة الباطنية، صح أنت ظاهري بس بتشبه الباطني، طبعاً الباطنية زي ابن سينا وغير هؤلاء من من كفرهم العلماء، ابن سينا هو أصلاً قال عن نفسه إنه من الباطنية، تمام.
فهو يقول له أنت يا ابن حزم وإن كنت تدعي أنك من أهل الظاهر، لكنك بقولك هذا تشبه أهل الباطن من القرامطة الباطنية الذين كفرهم العلماء. نعم، قال الذين يقولون لا يقال هو حي ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين، فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسماً هو علم محض كالمضادات، لكن يعاملونها كأعلام جامدة، يقولون هي فقط أعلام لا تدل على صفات في ذات الله سبحانه وتعالى، لا تدل على صفات في ذات الله. فالقرآن، زيد يدل على صفة؟ لا، اسم علم. قال الرحمن زي زيد وعبيد، كيف زيد و هذه الأسماء التي ليست مشتقة التي لا تدل على معاني، زيد وإبراهيم وإسماعيل، وكيف هذه أعلام محضة لا تدل على معاني، كذلك أسماء الله الحسنى، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، لا تدل على صفات في ذات الله. وهذا كلام باطل فاسد، فإن أسماء الله كما هي أعلام عليه هي تدل على صفات تقوم فيه، فأخطأ ابن حزم في هذا غفر الله له. فهو يقول إن الباطنية ماذا يقولون؟ إن أسماء الله هي علم محض، إيش يعني علم محض؟ يعني لا تدل على صفة في ذات الله، مثلها مثل الضمائر، تعرف الضمائر، هو، وهي، وهما، هل تدل على صفات؟ لا، هي تدل على ذوات، وهم جعلوا أسماء الله الحسنى مثل الضمائر ومثل الأعلام المحضة، لا تدل على صفات في ذات الله، وهذا من شر أقوال أهل البدع. نعم، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات. نعم، فهو يريد، يعني هو يريد يقول: يعني يا ابن حزم الظاهري، ترى أنت شابهت الباطنية، الباطنية ما عندهم مشكلة في إثبات الأسماء، هم مشكلتهم في ماذا؟ أن تقول إن الأسماء تدل على صفات، وأنت نفس الشيء يا ابن حزم، ليش هذا الخطأ الكبير الذي وقعت فيه؟
قال رحمه الله: فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر، موافقاً لغلاة الباطنية في ذلك. يعني كأنه يقول: أنت متناقض، أنت أصلاً من غلاة الظاهر، مش أنت ابن حزم الظاهري، ومع ذلك عم بتوافق غلاة الباطن. نعم، قال وليس هذا موضع بسط ذلك، خلص إذاً هي نسوها الفقرة، خلينا نرجع لموضوعنا، يعني هي هذه بس هيك فلتة سريعة من ابن تيمية، مش موضوعنا، نرجع لموضوعنا. نعم، قال وإنما المقصود، شايف دائماً قال وإنما المقصود معناته حط ريوس يرجعك ابن تيمية للمقصود. طيب، قال رحمه الله: وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضاً على الصفة التي أه، شوف هنا رح يضيف شغلة ثالثة انتبه، قال وإنما المقصود، هذه قاعدة اكتب جنبها قاعدة في أسماء الله الحسنى، قال رحمه الله تعالى: وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضاً على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم.
آه، نقول نحن قبل شوي قلنا أسماء الله الحسنى تدل على الذات وعلى الصفة، الآن أضاف ابن تيمية الإضافة الثالثة: وكل اسم من أسماء الله يدل على صفة مأخوذة من اسم آخر بطريق اللزوم، أو يدل على صفة أخرى بطريق اللزوم. حتى أخفف عليك العبارة: كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على الذات وعلى الصفة التي يدل عليها هذا الاسم، ودل على صفة أخرى بطريق اللزوم. أعطيك مثال بتنحل كل الإشكال، اسم الله العليم يدل أولاً على ايش؟
يدل الاسم على الذات بدلالة التضمن، ويدل على صفة العلم في الله، ويدل على صفات أخرى بطريق اللزوم. كيف؟ لما نقول العليم؛ هل العليم لا بد أن يكون حيًا؟ إذا نقول: اسم الله العليم يدل على الذات ويدل على صفة العلم ويدل باللزوم العقلي على صفة الحياة؛ لأنه الذي فيه علم لا بد أن يكون فيه حياة، أليس كذلك؟ وقس على ذلك مثلاً القدير، اسم الله القدير يدل على الذات ويدل على صفة القدرة، وهذه دلالة التضمن، وفي دلالة عقلية التزامية أن القدير، هكذا أنت تحكي بعقلك، لا بد أن يكون عنده إرادة، صح مثلاً؟ ولا بد أن يكون، القوي قريبة من القدير، أنا أعطيك شيئاً أجلى؛ لا بد أن يكون عنده إرادة. فإذا نقول اسم الله القدير يدل على صفة الإرادة في الله سبحانه ويدل أيضاً على صفة الحياة.
فالاسم الواحد يدل على الذات وعلى الصفة التي يدل عليها هذا الاسم، ويدل على صفات أخرى، ليس ضرورياً واحدة، ممكن ستة سبعة، بطريق اللزوم، وهكذا تتوسع دلالة اللفظة الواحدة. إذاً كل اسم من أسماء الله أصبح كم دلالة له؟ ثلاث؛ يدل على ذاته، وعلى الصفة التي دل عليها هذا الاسم بالتحديد، وعلى مجموعة من الصفات الأخرى تستنبط عن طريق العقل واللزوم العقلي، فهمنا؟
قال: وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، مثل أنت من الأسماء الحسنى، قال: كذلك أسماء النبي عليه الصلاة والسلام من الأسماء المتكافئة التي تدل على نفس الذات، ولكن كل اسم يعطي صفة أخرى. نعم قال: مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب، فكلها تدل على نفس الذات تماماً، لكن محمد يدل على أنه محمود، وأحمد يدل على أنه أكثر الناس حمداً لله، والماحي يدل على صفة أن الله محا به الكفر، والحاشر أن الناس تحشر على عقبه صلى الله عليه وسلم، والعاقب أنه آخر الأنبياء، بمعنى خاتم الأنبياء. فكلها تدل على نفس الذات، ذاته صلى الله عليه وسلم، لكن كل اسم عم يعطي صفة تختلف عن الصفة التي يعطيها الاسم الآخر.
نعم، قال رحمه الله: وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب وأمثال ذلك، كلها تدل على كلام الله، لكن كل اسم عم يعطي صفة بتختلف عن الصفة الأخرى، مثل أسماء الله الحسنى تماماً.
نعم، قال: فإن كان مقصود السائل تعيين المسمى، عبر عنه بأي اسم كان إذا عرف مسمى هذا الاسم. يقول: يعني إذا جاء شخص سائل يريد أن يسأل عن الذات، إذا جاء شخص يريد ما بده يسألك عن صفات هذه الذات، بده يسألك عن الذات فقط، فبإمكانك أن تعبر عن الذات بأي اسم من أسمائها. فلو سألك من هو الله؟ بتقول له: هو الرحمن، هو الرحيم، عادي أي اسم؛ لأنه كل اسم من أسماء الله يدل على ذاته. طيب لو شخص أراد يسألك عن القرآن باعتبار ما هو القرآن؟ بأي اسم عبرت عن القرآن أنت بتكون تكلمت عن القرآن. فإذاً إذا كان مقصود السائل السؤال عن الذات بغض النظر عن صفاتها، فأنت تستطيع تستعمل أي اسم من أسماء الله الحسنى للدلالة عليه، أو شخص يريد يسأل عن ذات النبي عليه الصلاة والسلام بغض النظر عن صفاته، فبإمكانك تستعمل أي اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول هو الحاشر، وبإمكانك تقول هو العاقب، وبإمكانك تقول هو مثلاً أحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم. إذاً فإذا كان مقصود السائل تعيين المسمى -اكتب تحت المسمى الذات- إذا كان السائل هو فقط جاي يسألنا عن الذات مش عن أي صفة من صفاته بس جاي يتعرف شو هي هذه الذات، عبرنا عنه بأي اسم من أسماء هذه الذات، وهذا كما هو في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم وفي الله.
نعم، أي شيء آخر؟ نعم، قال: إذا عرف مسمى هذا الاسم، وقد يكون الاسم علماً إذا كان مقصود السائل تعيين الذات، عبرنا عن هذه الذات بأي اسم من أسمائها، بشرط طبعاً أنه يكون السائل يعرف أن هذا الاسم يدل على هذه الذات، وإلا لو قلت له، جاء شخص يسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام قلت: هو العاقب، إذا هو مش عارف شو معنى العاقب ما رح يعرف أنك تتكلم عن ذات النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك بالتأكيد أي اسم بدك تستعمله من أسماء الله أو من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ومن أسماء القرآن لتدل به على الذات، لازم السامع يكون يعرف دلالة هذا الاسم على هذه الذات. لذلك نحن مثلاً لما نشرح الشعر العربي لما تقول: هو العضب المهند ليس ينبو، الآن ليش كثير منكم لما يقول هو العضب، هو مش فاهم أنه هو بيتكلم عن السيف؟ لأنه ما بيعرف أن العضب اسم من أسماء السيف، لكن إذا أنت عرفت أن العضب اسم من أسماء السيف خلص ستعرف أن العضب يدل على هذه الذات.
طيب قال: وقد يكون الاسم علماً وقد يكون صفة، نعم، كمن يسأل عن قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ [طه: 124] ما ذكره؟ فيقال له: هو القرآن مثلاً، أو هو ما أنزله من الكتب، فإن الذكر مصدر، طبعاً ما معنى وقد يكون الاسم علماً وقد يكون صفة؟ الآن المهند والعضب هذه ليست أعلاماً بالمعنى النحوي، ها تسمى صفات للسيف تمام، لكن أحياناً بعض الأشياء لا، هي لها أعلام وهي صفات في نفس الوقت. يعني أسماء الله الحسنى هي أعلام وصفات، مثلاً أنت شو علمك؟ أنت محمد، هذا بكر، هذا خالد، ها ايش بنسميها أعلام، وكونك شجاع وكريم وبخيل، ها ايش اسمها صفات، صحيح. فزيد وخالد وبكر أعلام، وشجاع وكذا هي صفات. فيقول أحياناً تتعدد الأسماء للشيء، بعض هذه الأسماء قد يكون أعلاماً وصفات في نفس الوقت، وبعضها قد يكون مجرد صفة وليس علماً. فمثلاً السيف لما نقول من أسمائه العضب والمهند هذه فقط أسماء تدل على صفات، لكنها لم ترتقِ لتكون علماً تماماً، وأما أسماء الله الحسنى مثلاً أو أحمد ومحمد والحاشر هذه قالوا هي أسماء وأعلام، البعض ممكن يقول لك: لا الحاشر مش علم من أعلامه صلى الله عليه وسلم وإنما صفة من صفاته، أضبط. يعني كون الشيء علم أو صفة هذا ينظر فيه هل وضع ليكون علماً عليه أو فقط ليكون وصفاً له.
نعم، قال رحمه الله: كمن يسأل عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ ما ذكره؟ فيقال: يعني لو جاء شخص فقال في هذه الآية ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ قال: ما المراد بذكري هنا؟ فنقول: فيقال له هو القرآن مثلاً، أو ممكن تقول له ذكره هو الفرقان. هو الآن رجع لفرضية السؤال؛ إذا جاء شخص يسأل عن الذات، فبإمكان أن أجيبه بأي اسم من أسماء هذه الذات بشرط أن يكون عالماً بدلالة هذا الاسم على هذه الذات التي يسأل عنها. فمثلاً لو جاء شخص يسأل عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ فقال لي: ما المقصود بذكر؟ فماذا أجيب؟ القرآن، طيب لو جاء شخص آخر أنت أجبته شو قلت له؟ الفرقان، هل بنقول والله في خلاف بين إبراهيم وبين الشيخ في تفسير الذكر؟ لا، أنا أعطيت اسم وهو أعطى اسم آخر، صح؟ وهذا اللي بيصير بين الصحابة؛ اختلاف التفسير أنه بيجي صحابي بيفسر ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ فيقول هو الفرقان، بيجي صحابي آخر ايش يقول؟ هو القرآن، هم مختلفين ولا مش مختلفين؟ مش مختلفين؛ فهذا عبر عنه أنه القرآن، وذاك عبر عنه بأنه الفرقان، ممكن شخص آخر يعبر عنه بأنه الكتاب، ممكن شخص آخر يعبر عنه بأنه الهدى، بس كل واحد عبر عن الذكر باسم من أسماء القرآن يختلف عن الاسم الذي استعمله الصحابي الآخر، وهذا اختلاف تنوع.
نعم، قال: فيقال له هو القرآن مثلاً، أو هو ما أنزله من الكتب، فإن الذكر مصدر، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول. يعني هو شوي دخلك في مسألة لغوية تتعلق بتفسير هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾، الآن الذكر يا إخواني ما هو؟ مصدر، صحيح؟ الذكر مصدر، المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل، فيقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾، أضاف الذكر إليه سبحانه؛ فإذا قلنا ياء المتكلم هي فاعل من حيث المعنى، فالمراد ذكري: يعني ما أنا ذكرته، الذي ذكره الله شو هو؟ قرآن. ويجوز أن تكون الياء هنا مفعول به من حيث المعنى، والمعنى: من أعرض عن ذكري أي من أعرض عن أن يذكرني، فهذا طبعاً رح يعطي تفسير آخر للآية. هذا استطراد من ابن تيمية يخبرك كيف أن الآية أصلاً سيختلف تفسيرها باختلاف ماذا فهمك للضمير، هل الضمير في ذكري فاعل ولا مفعول به؟ الضمير، الضمير ياء المتكلم ﴿ذِكْرِي﴾ هل هو فاعل من حيث المعنى طبعاً أو مفعول به؟ إذا قلنا، لا، هو في خلاف أصلاً تحسم، إذا قلنا فاعل إذاً ذكري يعني كلامي، الله هو الذي ذكر، ويكون ذكره كلامه. إذا قلت ذكري، الياء مفعول به، سيكون المعنى من أعرض عن أن يذكرني، أنت تذكر الله، فمن الذاكر باختصار؟ هل الذاكر الله ولا أنت؟ هذا على حسب فهمك للضمير، إذا قلت الضمير فاعل إذاً الذاكر هو الله ويكون ذكره كلامه، إذا قلت الضمير مفعول به إذاً الذاكر هو أنت، ويكون ذكرك لله بأن تسبحه: سبحان الله، والحمد لله، هذا ذكري لله.
قال: فإذا قيل ذكر الله بالمعنى الثاني، كان بالمعنى الثاني، يعني ايش؟ أن الياء مفعول به والمعنى أنك أنت تذكر الله، هنا ما بنفع تفسر الآية ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ يعني عن القرآن صح؟ ها إذا قلت: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ المراد بذكري أن يذكر العبد ربه، لن يصلح هنا أن تفسر الذكر بأيش بالقرآن، لأن تفسير الذكر في الآية بالقرآن مبني على ماذا؟ على أن الذاكر هو الله، فيكون ذكري: يعني قرآني كلامي، فهذا كله يا إخواني مهم جداً تضبط مثل هذه المعاني.
نعم، قال: فإذا قيل ذكر الله بالمعنى الثاني كان ما يذكر به، ما يذكر به يعني ما يذكر به العبد ربه، نعم، قال: مثل قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا قيل بالمعنى الأول، وأما إذا قيل الذكر بالمعنى الأول، يعني أن الله هو الذي ذكر، فذكر الله هو كلامه، نعم، وهذا هو الذي أصلاً يعني بنى عليه القاعدة، قال: كان ما يذكره هو، وهو كلامه، ما يذكره هو يعني ما يذكره الله بنفسه، طيب ما الذي يذكره الله بنفسه؟ هو كلام الله، نعم، قال: وهو كلامه، وهذا هو المراد. فابن تيمية يرجح في هذه الآية أي معنى؟ قال: وهذا هو المراد، أن المراد: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ يعني عن كلامي. نحن أحياناً بنستعملها بتشوف واحد ما بيذكر ربنا شو بتقول له؟ يا أخي ربنا بقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾، بس هون أنت مش ماشي مع ابن تيمية؛ أنه إذا أنت قلت لشخص لا يذكر الله: ربنا بقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾، أنت هون حملت الذكر على أي معنى؟ على المعنى الثاني، أنه أنت ما بتذكر ربنا، وهو معنى صحيح، لكن هل هو المراد بالآية ولا لا؟ فكرة أخرى. فابن تيمية يقول: المراد بالآية ليس أن يذكر العبد ربه، لا، المراد: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ يعني عن كلامي وهو القرآن، وإن كان المعنى الأول، يعني هو يقود إلى المعنى الثاني بشكل من الأشكال.
اقرأ، قال رحمه الله: وهو المراد في قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾، لأنه قال قبل ذلك، شو الدليل على أن المراد هو الأول وليس الثاني؟ قال: لأنه قال قبل ذلك: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه: 123]، نعم، وهداه هو ما أنزله من الذكر، أكيد وهداه هو أكيد القرآن، ما أنزله من الذكر، نعم، وقال بعد ذلك: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: 125-126]، فقوله: ﴿آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾، وقوله قبل ذلك ﴿هُدَايَ﴾، يدل على أن المراد بالذكر في هذه الآية القرآن هو كلام الله.
نعم، قال رحمه الله: والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل، أو هو ذكر العبد له، فسواء قيل ذكري كتابي، ذكري كتابي أو كـ، المقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل أو ذكر العبد له. الآن نقطة، يعني المقصود أن هذه الآية فيها احتمالين، بس نحن كل كلامنا على أي احتمال؟ الاحتمال الأول، إذا كان المقصود بالذكر فيها هو كلامه، فجاء شخص فقال لك: ما ذكر الله؟ فتقول له: ذكر الله هو كتابه، أو ذكر الله هو كلامه، أو تقول: ذكر الله هو هداه، أنت قلت هداه، أنا قلت كتابه، هذا قال قرآنه، في اختلاف بيننا؟ لا، صح؟ أنا استعملت اسم وهو يدل على صفة في هذا الكلام، أنت استعملت اسم آخر يدل على صفة أخرى، لكن الذات النهائية التي نتكلم عنها واحدة، وهي كلام الله. نعم، قيل ذكري كتابي أو كلامي أو هداي أو نحو ذلك كان المسمى واحداً. وإن كان مقصود السائل معرفة، الآن الحالة الثانية: إذاً الحالة الأولى إذا جاء الشخص ليسألني عن الذات بغض النظر عن صفاتها. الحالة الثانية، قال: وإن كان مقصود السائل أيوه معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به، فلا بد من قدر زائد على تعيين.
الحالة الثانية أن هو لم يأتِ ليسأل عن الذات ويعرفها، لكن هو جاء يسألك عما يدل عليه هذا الاسم من صفة هذه الذات، فهنا أنت ستحتاج أن تشرح ما هي الصفة. فلو جاءك شخص فقال لك: ما القدوس؟ وهو يعرف أنه اسم من أسماء الله؛ إذاً هل هو جاء يسأل عن الذات ولا عن الصفة؟ عن الصفة. يعني يقول لك شو يعني قدوس؟ رح تقول له: هو الله. بقول لك: يخي ما أنا عارف أنه الله، أنا جاي أسألك شو معنى قدوس. تمام؟ فإذاً الشخص الذي يسأل إما يسأل عن الذات فبإمكانك أن تعطيه أي اسم من أسمائها، وإما أن يسأل عن الصفة التي يدل عليها هذا الاسم بالتحديد، بعد معرفته أن هذا الاسم لهذه الذات يريد أن يعرف ما هي الصفة؛ ما معنى هذه الصفة التي يدل عليها هذا الاسم في الذات.
قال رحمه الله: «إذا عرف هذا»، فالسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه. الآن كل هذا الكلام هو لماذا يأتي به ابن تيمية؟ شوف ابن تيمية رحمه الله عليه من جميل كتبه أنك بتستمتع؛ تجد بياخذك فوائد لغوية، عقدية، فكرية، بعدين بيرجع لمقصوده: ما المراد من كل هذه الأفكار؟ قال: «إذا عرف هذا»، ها هو هنا رجع لمقصود هذه المقدمة، قال: «فالسلف لما يفسرون القرآن»، ها كانه بده يراجعك، يقول لك ارجع ارجع لأصل الفكرة، مش قلنا اختلاف التنوع نوعان؟ نرجع لأول كلام: اختلاف التنوع نوعان، أحدهما أن يعبر كل واحد عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه. الآن رجع بعد هذه الجولة، وبعد أن فهمك شو يعني الأسماء المتكافئة وشو يعني أنا أعبر بعبارة وأنت تعبر بعبارة أخرى، أنا عبارتي تدل على صفة في هذه الذات، وعبارته تدل على صفة أخرى مع أن الذات واحدة، الآن بده يلخص الكلام.
فقال: «فالسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر». كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب، والقدوس هو الغفور والرحيم، أي أن المسمى واحد؛ لأن هذه الصفة هي هذه الصفة. يعني فلو أن شخصاً قال لك: القدوس هو الغفور الرحيم، هذا شرح لأيش؟ للذات. أحسنت، لأنه أكيد معنى القدوس مش معنى الرحيم، فإذا جاء شخص فقال لك: القدوس هو الغفور الرحيم، يعني الذات واحدة، وإن كان معنى القدوس كقداسة يختلف عن معنى الرحمة.
قال رحمه الله: «ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس». قال: مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم هو القرآن أي اتباعه. أنت بتقول في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، لو فتحت أي تفسير من تفاسير السلف ستجد خمس أقوال، ست أقوال في تفسير الصراط المستقيم. هل هذا تضاد؟ محتاج ترجح بين هذه الأقوال؟ لا، كلها عبارات مختلفة والذات واحدة، الكل يتكلم عن نفس الذات، لكن كل صحابي تكلم عن صفة في هذا الصراط، أشار إليها؛ ابن عباس، الصحابي الآخر أشار إلى صفة أخرى في الصراط المستقيم، ابن مسعود أشار إلى صفة ثالثة في الصراط المستقيم، وشخص صحابي آخر يشير إلى صفة رابعة في الصراط المستقيم، وهكذا.
فقال بعضهم هو القرآن أي اتباعه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: «هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم»، ونفس الحديث الذي أشرت له قبل قليل وقلت لكم أن هذا الحديث ضعيف مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكنه يصح موقوفاً على علي بن أبي طالب كما ذكر ابن كثير وغيره من المحققين. وقال بعضهم هو الإسلام، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: «ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو من فوق الصراط، وداع يدعو على رأس الصراط». قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن، يعني الوازع الديني اللي عندك. قال: فهذا في هذا الحديث النبي عليه الصلاة والسلام فسر الصراط المستقيم، ايش قال؟ هو الإسلام. قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، بينما في الحديث السابق حديث علي لما كان يتكلم عن القرآن قال: «وهو الصراط المستقيم».
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم مرة عبر عن القرآن بأنه الصراط المستقيم، ومرة عبر عن الإسلام بأنه الصراط المستقيم. قال: فهذان القولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن. فإذاً حقيقة الصراط المستقيم هو القرآن، اتباعه يعني اتباع القرآن، والصراط المستقيم هو الإسلام، أليس كذلك؟ ليه؟ قال لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، بس شو الفرق بين التعبير الأول والتعبير الثاني؟ مين يحكي لي؟ يعني لما قلنا الصراط المستقيم هو اتباع القرآن، جاء صحابي آخر قال الصراط المستقيم هو الإسلام، شو الفرق بين هذا التعبير وهذا التعبير؟
لا، كلمة الإسلام تدل على صفة في هذا الصراط وهو ضرورة الاستسلام والخضوع، واتباع القرآن يدل على صفة أخرى في الصراط، ما هي؟ أن هذا الصراط مبناه أنه في وحي بدك تتبعه. فكلاهما متفق، كيف الرحمن الرحيم؟ الرحمن دل على صفة الرحمة في ذات الله، والعليم دل على صفة العلم. كذلك هنا، الإسلام دل على صفة الخضوع في هذا الطريق، واتباع القرآن دل على صفة أن هذا الطريق طريق وحي مش طريق هوى، وكلاهما في النهاية يتكلم عن نفس الصراط المستقيم وعن نفس الطريق.
قال: فهذان القولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر. كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث، حتى لفظ الصراط ترى تسمية الطريق إلى الله الصراط هذا يشعر بوصف ثالث. يقول ابن تيمية في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: الصراط هو الطريق المحدود المعتدل الذي يصل بسالك إلى مطلوبه بسرعة. فوصف الطريق إلى الله بأنه الصراط لماذا؟ لأن الطريق إلى الله طريق محدود معتدل يصل بسالك إلى الله بسرعة. فأصلاً تسمية الصراط هذا وصف ثالث، فتسمية قرآن وصف، تسمية صراط وصف، تسمية إسلام وصف ثالث تمام؟
قال رحمه الله: وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة، هذا قول رابع، بعض الناس قال الصراط المستقيم ما تفسيره؟ السنة والجماعة. بعضهم قال الصراط المستقيم أبو بكر وعمر، تخيل! إذا فتحت تفسير البغوي في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، قال بعض المفسرين: هو أبو بكر وعمر. كيف يعني هو الصراط المستقيم أبو بكر وعمر؟ كيف؟ يلا اللي فهم كلامي راح مباشرة يسقط؛ إذاً كيف الصراط المستقيم أبو بكر وعمر؟ أنه منهج أبي بكر وعمر هو الصراط المستقيم، فهو يعطيك صفة في الصراط المستقيم أنه هو نفسه منهج أبي بكر وعمر، يعطيك صفة أخرى فيه أنه هو منهج أبي بكر وعمر.
وقول من قال هو طريق العبودية، وقول من قال هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك. فهؤلاء كلهم، هذا كل إخواني سيحل لك كثير من الإشكالات إذا أنت فهمت هذا الكلام، بصير تنظر في كتب التفسير بعين أخرى، أنه خلاص هذه الأقوال كلها متقاربة وتتكلم عن ذات واحدة، لكن كل صحابي أو كل قول أعطى صفة في هذه الذات زيادة، ولا يوجد بينها تضاد. قال: فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. تجد بعض الطلاب لجهلهم ايش يقول لك؟ لا لا الصواب أنه القرآن مش الإسلام، صير يرجح! يا أخي أنت ليش بترجح؟ هذا خطأ، لا يجوز الترجيح، فيه مشكلة، بعض حتى الأساتذة في الجامعة بده يعود الطالب الترجيح، يلا رجح لي بين هذه الأقوال! إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم، كيف يرجح الطالب بين أقوال هي ليست متعارضة؟ الترجيح يكون بين المتضادات، أما تقول لي والله يرجح والسنة والجماعة ولا أبو بكر وعمر، ومين قال لك أنها أصلاً مختلفة حتى أحتاج أن أرجح بينها؟ كلها صحيحة، هذا الفهم العميق اللي بدنا إياك تستوعبه في تفاسير السلف لما تقرأ فيها.
قال رحمه الله تعالى: الصنف الثاني، طيب الآن سننتقل إلى النوع الثاني من اختلاف التنوع، قال: «أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل». آه ممتاز، الحالة الثانية: أن تكون الآية القرآنية عامة، فالصحابي يذكر، طبعاً العام أنتم درستوه معنا في أصول الفقه صح؟ تكون اللفظة عامة، يأتي صحابي فيذكر فرداً من أفراد العموم، ثم يأتي صحابي آخر فيذكر فرداً آخر من أفراد هذا العموم. فمثلاً ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]، بعض التفاسير يقول حصب جهنم يتكلم هنا عن الأصنام، تفسير آخر يتكلم هنا عن الشمس والقمر، تفسير ثالث يتكلم هنا عن مثلاً ما تعبدون من دون الله، شو في أشياء عُبدت من دون الله؟ البقر والشجر. الآن ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾، ما! ايش أخذنا في الأصول؟ من ألفاظ العموم. فيأتي صحابي يخطر في باله ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فيقول مثال ذلك الشجر، بيجي صحابي آخر لما كان بيفسر خطر بباله يذكر الأصنام، صحابي آخر بيذكر مثلاً البقر. فهل هذا اختلاف تضاد بينهم؟ لا، هذا الصحابي ذكر مثالاً وذاك الصحابي الآخر ذكر مثالاً آخر.
مثلاً ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]، الذين اسم موصول من ألفاظ العموم. علي بن أبي طالب ماذا قال في تفسير الآية؟ هم الخوارج. فيجي شخص يقول لك: آه إذاً هذه الآية بتتكلم عن الخوارج بس، لأقول له أنت ما فهمت كلام علي، علي رضي الله عنه لأنه كثر الخوارج في زمنه فطبق الآية العامة على فرد من أفرادها، لكن الكفار أولى من الخوارج أن يدخلوا في هذه الآية، صحيح؟ فالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا كل إنسان ينطبق عليه هذا المثال، ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، خوارج، معتزلة، كفار، ملاحده، كلهم يدخلون. فلما تجد علي بن أبي طالب يقول الخوارج، هذا إخواني تفسير بالمثال، هكذا يسموه تفسير بالمثال، وهذا كثير في تفاسير السلف، والذي لا يعرف هذا يخطئ ويصبح يحاول أن يرجح وهو لا يحتاج إلى ترجيح، هذا الصحابي ذكر نوعاً والصحابي الآخر ذكر نوعاً آخر.
قال رحمه الله تعالى: «على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل»، إذاً هو على سبيل التمثيل فقط، أذكر فرداً من أفراد العموم، وتنبيه المستمع على ماذا؟ النوع؛ لأنك إذا ذكرت الفرد تنبهت إلى الأصل والنوع. قال: «لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه»، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فأري رغيفاً، وقيل له هذا. فأشار إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده. فأنا لما أشرت قلت هذا، هل أنا أقصد الحصر في هذا الرغيف؟ ولا هذا فيه تنبيه على النوع؟
الإشارة قد أشير إلى عين وأريد بذلك التنبيه على الأصل والنوع. هذا معنى كلام النوع هنا عند ابن تيمية؛ أنك قد تشير إلى فرد ولا تقصده بعينه، وإنما تقصد بالإشارة إلى الفرد النوع بجملته أو الجنس بجملته.
مثال ذلك ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32]. انظر الآن يطبق مثالًا على هذه الآية، ظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنهك للمحرمات؛ الظالم لنفسه من هو؟ المضيع للواجبات والذي يفعل المعاصي والمنكرات. قال: والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، إنسان يعمل الواجبات ويترك المحرمات بس ما عنده نوافل، هذا مقتصد. والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، والسابقون السابقون أولئك المقربون. إذاً المقتصدون هم أصحاب اليمين، وأما السابقون فهذا تعريفهم: أولئك المقربون.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. يعني الذي يصلي أول وقت العصر بنسميه سابقًا، الذي يصلي بعد ساعة من العصر مقتصدًا، الذي يصلي عند الاصفرار وغربت الشمس ظالمًا لنفسه. هذا طبعًا مثال؛ لا تقول والله تفسير الآية خاص بهذه الحالة، وإلا أنت حجرت واسعًا. الآية تدل على كل ظالم وكل مقتصد وكل سابق، فهذا التفسير هو تفسير بمثال ونموذج.
قال رحمه الله: ويقول الآخر السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع الذي يؤدي الزكاة المفروضة. في آخر سورة البقرة ذكر الله عز وجل التصدق بسبع سنابل، وذكر الربا، وذكر البيع ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. فبعض المفسرين قالوا: الناس في الأموال إما محسن وإما عادل وإما ظالم. فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة لأنه يفعل حرامًا، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا بس ما بيتصدق. هذه كلها تفاسير تطبيق لآية الظالم والمقتصد والسابق، تطبيق على صلاة العصر، تطبيق على الجهاد، وهكذا.
قال رحمه الله: فكل قول فيه ذكر نوع دخل في الآية؛ ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطلق. انظر، لماذا بعض الصحابة بدلاً من أن يشرح الآية شرحًا كاملاً يذكر مثالاً؟ لهذه الفائدة التي ذكرها، أحيانًا ذكر المثال أسهل عليك من أن أشرح لك الآية، أذكر مثالاً فتفهم تمامًا. لذلك هذه قاعدة عامة، تعريف الشيء بالمثال أسهل من تعريفه بالحد والشرح والتعريف المطابق، فبعض الصحابة بدلاً من أن يشرح الآية شرحًا على طريقة الحدود والتعاريف اكتفى بذكر مثال. المثال ينبه على الأصل والفكره العامة للموضوع، فيسهل على الطالب فهم الآية.
قال رحمه الله: والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له هذا هو الخبز. العقل السليم يذهب من الجزء إلى الكل، ويفهم من المثال الفكرة العامة ولا يحصر الآية في المثال. فاللي بيسمع كلام علي رضي الله عنه في الخوارج ما بيقول والله الآية نزلت في الخوارج بس، هو بيفهم من هذا الجزء كلية الآية وفكرتها العامة ولا يحصر الأمر في الخوارج فقط. وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما أن مما يدخل في التفسير بالمثال أن كثيرًا من الصحابة لما يأتي يفسر آية يقول: هذه الآية نزلت في كذا. والله هذه الآية نزلت في أنس بن النضر، هذه الآية نزلت في صهيب الرومي مثلاً.
في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23] بعض الصحابة قال نزلت في أنس بن النضر، وبعضهم يقول نزلت في صهيب الرومي لما باع كل تجارته في سبيل الله أو تبرع بها قبل أن يهاجر. طيب كيف تكون نزلت في صهيب ونزلت في أنس بن النضر مع أن كل واحد في قصة ومشهد مختلف؟ الآن سيبين لك ابن تيمية ما معنى التفسير بالمثال ضمن هذه المقولة، لأن هذه مقولة مهمة جدًا نحررها.
قال رحمه الله: وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصًا كسبب النزول المذكور في التفسير. كقولهم إن آية الظهار التي في سورة المجادلة نزلت في امرأة أوس بن الصامت خولة بنت ثعلبة لما جاءت تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1]. وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني لما وجد مع امرأته رجلاً، أو هلال بن أمية. وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] نزلت في بني قريظة والنضير. وإن قوله ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] نزلت في بدر. وإن قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: 106] نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بداء.
وقول أبي أيوب إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] نزلت فينا معشر الأنصار، لما أرادوا أن يتركوا الجهاد في نهاية الفتوحات الإسلامية وقالوا خلص فُتحت على المسلمين الأمصار، دعونا نعود إلى زراعتنا وتجارتنا، فأنزل الله عز وجل عليهم: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فالإلقاء باليد إلى التهلكة كان ترك الجهاد.
ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، إن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق. لا يوجد مسلم يقول إن ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ خاصة فقط بأنس بن النضر لا تشمل غيره، لا، فهو لما قال نزلت في فلان هو لا يقصد الحصر، بل هذا من التفسير بالمثال إذا لم يكن هو سبب النزول الرسمي. إنها تصدق على صهيب الرومي، تصدق على أنس بن النضر، تصدق على فلان، كأنه يضرب مثالًا على من صدقت عليهم هذه الآية. ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95] نزلت في أبي جهل، يعني تصدق على أبي جهل، وتصدق أيضًا على أمية بن خلف، وهكذا.
قال رحمه الله: والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا، فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين. وإنما غاية ما يقال إن هناك قاعدة في علم أصول الفقه وهي اللفظ العام إذا ورد على سبب خاص، هل يبقى هذا اللفظ العام على عمومه ويشمل نظائره أم إنه يكون خاصًا بالسبب الذي من أجله قيل؟
ليس المراد هل يختص بعينه، المراد هل يختص بنوعه. أفهمك إياه بشكل أكثر من خلال مثال نرجع على قصة أبي أيوب الأنصاري، أبو أيوب شو قال؟ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ نزلت فينا معشر الأنصار لما أردنا بعد الفتوحات الإسلامية أن نترك الجهاد ونعود إلى مزروعاتنا، فأنزل الله ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. إذاً لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة لفظ عام نزل بسبب قضية خاصة وهي ترك الجهاد والعودة إلى الدنيا.
ما معنى هل تختص بنوع هذه القصة؟ هل تختص بمن يترك الجهاد ويعود إلى أمواله، ولا يمكن أن تحمل الآية على كل من يلقي بنفسه إلى التهلكة ولو في موضوع آخر غير الجهاد؟ أنتم في حياتكم العامية متى بتستعملوا هذه الآية؟ بتشوفوا واحد متهور بالقيادة شو بتقول له؟ يا أخي لا تلق بيدك إلى التهلكة. لاحظ أنت استعملتها في موضوع آخر ما له علاقة لا بالجهاد ولا بغيره، استعملت الآية العامة في نوع آخر ليس هو النوع الذي نزلت فيه الآية. الآية نزلت في نوع ترك الجهاد وأنت استعملتها في الإفراط في السرعة، فهنا عممت اللفظ في مواضيع أخرى. إذاً ليس الخلاف في مسألة هل العام الوارد على سبب هل يختص بسببه، ليس المراد هل يختص بعين السبب، وإنما الخلاف هل يختص بنوع السبب. هذا كلام كبير. قال رحمه الله: فلم يقل أحد.
من علماء المسلمين أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص. لا يوجد أي أصولي يقول إن العام الوارد على سبب يختص بعين السبب. هل في أحد يقول إن آية المجادلة خاصة بخولة بنت ثعلبة؟ لا. هل في واحد من العلماء تاريخياً يقول إن ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] خاصة بأبي أيوب؟ لا، ما في أحد.
طيب، إذا هم مختلفون، هل تختص بنوع السبب أو يجوز استعمالها في أنواع أخرى؟ زي ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هل هي خاصة بكل من يترك الجهاد بس، أم يجوز حملها على سياقات أخرى؟ نعم، قال: وإنما غاية ما يقال أنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه. شايف؟ غاية ما يقال. اللي يقولون إن العام يختص بالسبب يقصدون يختص بنوعه، واللي يقولون لا العام لا يختص بالسبب ماذا يعني؟ لا يختص بنوعه، بل يجوز أن أستعمل ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في أنواع أخرى، يمكن أن أوسع دلالة الآية فيها. هذا كلام جداً مهم لطلاب العلم.
قال: ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. قال ذلك: فتعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. إيش يعني إذا أنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ؟ شو يعني ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ؟ هو يقول أقصى ما يقال على رأي من يرى أن العام يختص بسببه، وإنما غاية ما يقال الذين يحصرون العام بسببه يقولون أنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه من حيث القياس، ولا يكون العموم من جهة العموم اللفظي، وإنما يكون العموم من جهة القياس الذهني بس. يعني لن تهمك كثيراً، بس هي فيما يتعلق هذا العموم من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى؛ هذا المراد.
ثم قال رحمه الله: والآية التي لها سبب معين إن كانت أمراً أو نهياً فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته باتفاق. الآية إذا نزلت على سبب معين سواء كانت أمراً أو نهياً فهي متناولة لذلك الشخص اللي كان سبب نزولها ولغيره ممن يشبهه في النوع هذا باتفاق الجميع.
قال: وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته. وإذا كانت مش أمر أو نهي، كانت الآية زي ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب: 23]، هذا خبر، هي مش أمر ولا نهي وهي مدح، فهي هل هي خاصة بأنس بن النضر؟ لا، هي يدخل فيها أنس وكل من كان على طريقة أنس من الباذلين أنفسهم في سبيل الله. ويمكن أن يقال إنه مش سبب النزول، البعض جعلها قبل أنس نازلة، فالإشكالية أن أنس أصلاً ممكن يكون هو نموذج ومثال؛ فهو يريد أن يخبرك أن كل هذه القصة لما يقول الصحابي نزلت في كذا، يمكن ما يكون هو سبب النزول الرسمي، ممكن يكون الصحابي قصده ذكر مثال من أمثلة هذه الآية، فيعود هذا التفسير إلى النوع الثاني من أنواع اختلاف التنوع وهو التفسير العام بذكر فرد من أفراده.
قال رحمه الله: ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية. هذه قاعدة عامة، استطراد أن ليش لازم طالب العلم يهتم بأسباب النزول؟ إذا أنت عرفت سبب النزول هذا سيعينك على فهم الآية وكيفية توظيفها بالشكل الصحيح؛ لأن آية ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ متى فسرها أبو أيوب؟ لما كان في غزوة في القادسية، أحد الرجال، الله أعلم صحابي، اقتحم جنود الروم حتى وصل إلى عقرهم، فقالوا: ألقى بنفسه إلى التهلكة. فأبو أيوب قال لهم: أخطأتم، الآية لم تنزل في من يفدي المسلمين ويصل إلى الكفار ويقتلهم، وإنما نزلت بالعكس في من يترك القتال. فإذاً أبو أيوب لمعرفته سبب نزول الآية عرف كيف أخطأوا في فهمها وإسقاطها في غير المكان الذي نزلت فيه. هم اللي قالوا هذا الشاب ألقى بنفسه إلى التهلكة فهموا أن الإلقاء بالتهلكة هو أن تغامر بقتال المشركين، فأراد أن يبين لا، إنه هي أصلاً نزلت بالعكس في من ترك قتالهم وعاد إلى الدنيا. إذاً معرفة سبب النزول بالـتأكيد يعين على فهم الآية ويمنع إسقاطها في غير مكانها الصحيح.
قال رحمه الله: فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. العلم بالسبب، العلم بالمسبب، المسبب هنا هو الآية، إذا عرفت سبب نزول الآية عرفت معناها. قال: ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف، رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها. وإن أراد أن يبين قيمة معرفة سبب الشيء من خلال ذكر مثال فقهي، ما هذا المثال؟ إذا أنا والله بيني وبين الشيخ محمد خصومة، فذهبت إلى بيت الشيخ ضياء، فالشيخ ضياء قال لي: تفضل شيخ، هي الشيخ محمد عندي. قلت: والله لا أدخل بيتك.
الآن ممكن أكون أنا ناوي لا أدخل بيتك مادام محمد موجوداً فيه. هسه إذا في نية، خلص النية بتحل إشكال هذا اليمين، أنه مش مرادي أني عمري ما بدخل بيتك، نيتي أني ما بدخل بيتك مادام محمد فيه. طيب إذا أنا حرّفت هذا اليمين وما عنديش نية، ضياء قال لي: هي الشيخ محمد عندي تفضل، هو مش عارف أنه بيننا خصومة، قلت له: يا محمد عندك والله ما بدخل بيتك. اجوا سألوني شو كان نيتك؟ هذا الكلام قلت: والله من شدة الزعل ما كانش في نية أصلاً، ما كان في عندي نية أنه الآن محمد موجود أو لا. هنا إذا لم توجد نية، ينتقل الفقهاء إلى الخطوة الثانية؛ إيش يقولوا؟ ما سبب حلفك لهذا اليمين؟ ما هي؟ بدك تركز عليها، ما سبب حلفك لهذا اليمين؟ بقول: آه اللي خلاني أحلف إنه محمد عنده. قالوا: إذاً خلص هذا تقوم مقام النية، فإذاً أنت تقصد لا تدخل بيته مادام محمد فيه. إذاً السبب فعلاً يساعد على تفسير اليمين، إذاً السبب يساعد على تفسير الآية؛ كما أن سبب اليمين ساعد على تفسير يميني ومعرفة ماذا قصدت فيه، كذلك سبب النزول يساعد على تفسير الآية ومعرفة ماذا يقصد بها. أراد أن ينظر هذه بهذه، فهمت كيف؟ وهذه عقدية ابن تيمية الواسعة أنه بيقول لك هي بتشبه هي، كما أن سبب اليمين، السبب الذي هيج اليمين يساعد على تفسير اليمين بالشكل الصحيح، كذلك سبب نزول الآية يساعد على تفسير الآية بالشكل الصحيح.
قال رحمه الله تعالى: وقولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن هذا، هذا ما شرح لي كلامك. إذا قال الصحابي نزلت هذه الآية في كذا، مثلاً ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾، قالوا نزلت في أنس بن النضر، هل معنى هذا الكلام أنه هي لما مات أنس بن النضر نزلت؟ قال لك: لا، في أحد احتمالين، الاحتمال الأول فعلاً أنه لما مات استشهد نزلت، وفي احتمال آخر لهذه الجملة: أن يكون المراد أن أنس بن النضر هو نموذج من النماذج داخل في هذه الآية، نموذج من النماذج الذين تنطبق عليهم هذه الآية. وهذا يا إخواني يفيدكم كثيراً في علم التفسير؛ أنه لما تسمع أو تقرأ في تفسير ابن جرير أو ابن كثير أو غيرها هذه الآية نزلت في كذا، ما تستعجل وتروح تعلم الناس أن سبب نزولها موت فلان أو كذا ونزلت عقب ذلك؛ لأنه ممكن يقول لك الطالب: كيف عرفت؟ تقول له: لأنه قال ابن كثير نزلت في كذا، يقول لك: لا طب استنَّ شوي، عبارة نزلت في كذا لا تعني جزماً أن مراده أنه هو سبب النزول بالتحديد، هذه العبارة قد تطلق ويراد بها ماذا أنه فرد من أفرادها أو نموذج من نماذجها.
قال: كما تقول عن هذه الآية كذا. قال: وقد تنازع العلماء في قول الصاحب نزلت هذه الآية في كذا هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذين وقد تنازع العلماء، هذه مسألة خلافية في علم التفسير، في قول الصحابي إذا قال الصحابي نزلت هذه الآية في كذا هل هذا حديث مسند يعامل معاملة الحديث المتصل أم ماذا؟ قال: هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ ما معنى هذا الكلام؟ إذا قال الصحابي نزلت هذه الآية في كذا، هل هي بمنزلة حديث متصل؟ بمنزلة تصريحه بأن هو سبب نزول الآية.
الآن إذا قال الصحابي هذه الآية سبب نزولها فلان الفلاني ونزلت بعد حادثته، هنا نحن نقطع أنه قصد أنه نزلت فيه بالتحديد، لكن إذا قال عبارة عامة، قال نزلت في كذا، ما صرح أنه نزلت بعده مباشرة أو في هذه الواقعة، استعمل عبارة نزلت في كذا، هل عبارة نزلت في كذا مشابهة لعبارة فلان هو سبب نزول الآية ونزلت بعد قصته؟ لا، هذه عبارة وهذه عبارة أخرى، وهذا من التدقيق في كتب التفسير، أن تعرف الفرق بين عبارة نزلت هذه الآية في فلان الفلاني، وبين عبارة سبب نزول هذه الآية فلان الفلاني. هذا شيء وهذا شيء.
طيب، فيقول هل تجري مجرى المسند يعني هل تعتبر حديثاً كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله بشكل مفصل، أو تعتبر مجرد تفسير واقتراح من الصحابي أن هذه الآية تصدق في أنس، هذه الآية تصدق في خالد، هذه الآية تصدق في عمر؟ البخاري إيش قال؟ قال: فالبخاري يدخله في المسند. آه البخاري وجهة نظره أنه إذا قال الصحابي نزلت هذه الآية في كذا، خلص ويخبر عن سبب نزول ولا يوجد احتمال آخر. لكن هناك من يخالف البخاري في هذا، فقال وغيره من الأئمة لا يدخله في المسند، يعني لا يعتبره تفسيراً حديثاً أنه يخبر أن الآية نزلت فعلاً في هذا الصحابي، بل هو يقترح اقتراحاً أن هذا نموذج من النماذج. لذلك قال وأكثر المساند على هذا الاصطلاح، يعني أكثر كتب الحديث على هذا الاصطلاح، يعني ليس على اصطلاح البخاري، أكثر علماء الحديث يعتبر قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا تفسير، وليس إخباراً عن سبب النزول.
قال: وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سبباً نزلت عقبه. آه بخلاف زي ما حكينا إذا قال حدثت واقعة وعقب هذه الواقعة نزلت هذه الآية، هون هو خلص الصحابي أعطاك بالتفصيل أن هذه الواقعة أو هذا الصحابي سبب النزول، أما مجرد أن يقول نزلت الآية في كذا ويسكت، هذا ليس جزماً بأنها سبب نزول، وأكثر المسانيد وأهل الحديث يعتبرون هذا مجرد تفسير واجتهاد وليس إسناداً لحديث. قال: فإن كلهم يدخل مثل هذا في المسند.
قال رحمه الله تعالى: وإذا عرف هذا فقول أحدهم نزلت في كذا لا ينافي قول الآخر نزلت في كذا. آه، إذا عرفنا اصطلاح العلماء، شوف هذه فائدة الخبرة يا إخواني، ابن تيمية يعطيك خبرة علمية في القراءة، وبيعطيك هذه المصطلح، إذا استعمل انتبه لا يعني 100% سبب النزول، وإنما قد يكون مجرد تفسير واقتراح. إذا عرف هذا فماذا سنستنبط؟ فقول أحدهم يعني قول أحد المفسرين لا ينافي قول الآخر نزلت في كذا، فلا تجي أنت تعترض والله في خلاف هل نزلت في فلان ولا فلان؟ بقول لك ما في خلاف، وإنما هذا اقترح أنها تصدق على فلان وذاك اقترح أنها تصدق على صحابي آخر، وقد تكون فعلاً تصدق على كلا الصحابيين.
قال: إذا كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه في التفسير بالمثال، فكما ذكر فهو يعتبر مثل التفسير نوع من أنواع التفسير بالمثال. فـ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب: 23] تصدق على صهيب الرومي، وتصدق على أنس بن النضر، وتصدق على عمر بن الخطاب، وتصدق على خالد بن الوليد، فلو قلت نزلت في عمر صح، لو قلت نزلت في خالد صح، نزلت في أنس صح، وكله تفسير بالمثال.
قال رحمه الله: وإذا ذكر أحدهم لها سبباً نزلت لأجله وذكر الآخر سبباً، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب، أو تكون نزلت مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب. تمام، الآن يا إخواني هو أعد العبارة، قال: وإذا ذكر أحدهم لها سبباً نزلت لأجله وذكر صحابي آخر سبباً تفصيلياً نزلت لأجله، فقد يمكن صدقهما، كيف؟ بأن تكون الآية نزلت عقب مجموعة من القصص؛ يعني هذا الصحابي شاهد قصة، بعد يومين نزلت الآية، وصحابي آخر شاهد قصة في نفس اليومين، بعديها نزلت هذه الآية، الصحابي هذا إيش يقول لك؟ نزلت عقب كذا، والصحابي الآخر يقول نزلت عقب كذا، وكلاهما صحيح لأنه الآية نزلت بعد هذين اليومين اللي وقعت فيهما القصص.
فيهم هي الحادثة، وهي الحادثة؛ فتكون الآية نزلت عقب كل تلك القصص؛ يعني بعدهما، بس صحابي شاهد قصة فرواها، وصحابي آخر شاهد قصة أخرى فرواها، وقال الآية نزلت عقبها. أو احتمال آخر، ما هو؟ أن تكون الآية نزلت مرتين، وهذه غريبة شوي ولكن يذكرها العلماء، تكون الآية ربنا أنزلها مرتين، أنزلها بعد القصة الأولى ويكون أنزلها ربنا مع جبريل مرة ثانية نفس الآية عقب قصة أخرى؛ فيكون صحابي شاهد القصة الأولى وصحابي شاهد القصة الأخرى، فهذا يقول لك نزلت عقب هذه الواقعة وكلامه صح، وصحابي آخر يقول لك نزلت بعد تلك الواقعة ويكون كلامه صح. تمام، إذا بس بدك تفرق أنه هنا بنتكلم عن أي حالة إذا صرح بسبب النزول؛ لأنه الآن إخواني حتى نفهم الكلام، هنا يتكلم عن عبارتين: عبارة نزلت الآية في كذا بدون ما يقول أنها سبب نزول، بس هيك يقول نزلت في كذا، خلص توجيهها مر معنا أنه هي تصدق على كل هؤلاء الصحابة، أما إذا قال سبب نزولها كذا، هنا صرح بالسبب.
ففي هذه الحالة خلص ما لك إلا هذين التخريجين اللي ذكرهم ابن تيمية: إما أن نقول أن الآية نزلت عقب كل تلك القصص، أو تكون الآية نزلت مرتين، مرة عند القصة الأولى ثم أنزلها الله مع جبريل مرة أخرى عند القصة الثانية. نعم، قال رحمه الله تعالى: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما هما في تنوع التفسير. الآن خلص من ذكر الاختلاف في التنوع، إذا التفسير بين الصحابة والتابعين أكثر اختلافه اختلاف إيش يا إخوان؟ هذه القاعدة بدي إياك تخرج منها في الدرس، أكثر اختلاف الصحابة والتابعين اختلاف تنوع. طيب، القاعدة الثانية شو يعني اختلاف التنوع أو كم نوع اختلاف التنوع؟ نوعين احفظهم، يعني إذا أنت ضعت في كثير ما تضيعش هذول الفكرتين، أكثر اختلاف الصحابة والتابعين اختلاف تنوع، واختلاف التنوع له صورتان؛ شو الصورة الأولى؟ اختلاف عبارة، وأنا أصف نفس الشيء الذي يصفه الآخر بس أنا أعطيت صفة وهو أعطى صفة أخرى. الحالة الثانية التفسير بالمثال، خلص اكتب التفسير بالمثال، تكون لفظة عامة، صحابي ذكر مثالاً لها وصحابي آخر يذكر مثالاً آخر. فلذلك إذا رجعت اليوم لتفسير ابن جرير أو تفسير ابن كثير، شوف هذه الظاهرة ستجدها واضحة أن أكثر الاختلاف هو من هذين الأمرين، وهذا اختلاف هل يحتاج إلى ترجيح؟ في حياتك ترجح هذا، لأنه ما في تضاد، فلا تقل لي بدي أرجح، هذا اختلاف تنوع لا تضاد فيه، فلا يجوز الترجيح فيه. نعم، قال: وهذا ممكن أنك تفضل إحدى العبارات على الأخرى، برجع لك كتفضيل، لكن أن تقول واحدة صح وواحدة خطأ، معناتها أنت مش فاهم. نعم قال رحمه الله: هذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اقرأ شيخ سليمان اقرأ. قال رحمه الله تعالى: ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين. قال: ومن التنازع الموجود عنهم، يعني من التنازع الخلاف المنقول عن السلف، ما يكون محتملاً للأمرين؛ إيش الأمرين؟ يعني محتمل أن يكون اختلاف تنوع ومحتمل أن يكون اختلاف تضاد. بعض التفاسير المنقولة عن السلف محتملة، محتملة أن تصنف اختلاف تنوع وبالتالي لا يرجح لأن كلها صحيحة، ومحتمل أن يكون اختلاف تضاد وبالتالي تحتاج إلى ترجيح. مثال ذلك، يعني متى يأتي هذا الاحتمال؟ مثال ذلك قال: أما لكونه مشتركاً في اللغة، قال: أما لكون اللفظة القرآنية لفظة مشتركة في اللغة، شو يعني مشتركة؟ يعني لها أكثر من معنى في اللغة، هي نفسها اللفظة لها أكثر من معنى؛ مثلاً كلمة العين في اللغة العربية لها معاني عديدة، فالعين تطلق على ماذا؟ على الجارحة، وتطلق العين على الجاسوس، وتطلق العين على عين الماء، ولها أيضاً على الذهب؛ الذهب يسمى عيناً، لها معاني كثيرة. فإذا جاء لفظ في القرآن مشترك، مثلاً القُرء، القُرء في اللغة العربية يطلق على الحيض وعلى الطهر، ممتاز، فإذا جاء لفظ مشترك في اللغة ممكن بعض الصحابة فسرها بأحد المعاني وبعض الصحابة فسرها بمعنى آخر، فهل هذا يعتبر اختلاف تنوع ولا اختلاف تضاد؟
قال: هذا محتمل. كيف؟ قال: أما لكونه مشتركاً في اللغة كلفظ قسورة الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد، قسورة أين وردت؟ في أي سورة؟ سورة المدثر ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 51]، الآن هناك خلاف بين السلف، البعض يقول القسورة هو الصياد الرامي، والبعض يقول القسورة هو الأسد. طيب لماذا هذا الخلاف؟ لأنه كلمة قسورة كلمة مشتركة في اللغة زي كلمة العين، ففي كتب المعاجم لو فتحت كتب المعاجم تجد قسورة تطلق على الصياد وتطلق على الأسد، فبعض المفسرين من الصحابة شو قال؟ قال فرت من قسورة يعني فرت من صياد، وبعض المفسرين قال فرت من قسورة يعني فرت من أسد. طب هذا اختلاف يا شيخ تنوع ولا اختلاف تضاد لازم نرجح؟ قال: ولفظ عسعس. أنتم مصرين على الترجيح، هي سوسة علمتكم إياها الجامعات، اهدوا اهدوا شوي يا شيخ، قال: ولفظ عسعس الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، كذلك لفظة عسعس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]، عسعس بعض المفسرين قال إذا أقبل، وبعض المفسرين قال إذا أدبر. طب لماذا هذا الخلاف؟ لأنه كلمة عسعس كلمة مشتركة، يعني في اللغة العربية تطلق على الإقبال وتطلق على الإدبار.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وأما لكونه متواطئاً في الأصل، لكن المراد به... السبب الأول إما أن يكون اللفظ مشتركاً أو أن يكون ماذا متواطئاً، متواطئ يعني يصدق على أكثر من شيء في نفس الوقت، مثال ذلك قال: لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين كالضمائر. كالضمائر، الآن الضمير يصدق على أكثر من شخص ما في مشكلة، يعني يحتمل هذا وهذا، لكن هو أكيد المراد في هذا السياق القرآني أحد مصاديقه، مثال ذلك قال: في قوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: 8-9]، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ أين فاعل دنا؟ ضمير مستتر تقديره هو، ثم دنا هو، هو تعود على من في قولين؟ البعض قال تعود على الله، والبعض قال ماذا أو عفواً البعض قال تعود على جبريل، والبعض قال تعود على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 8-10]، تمام، وأظن كأنه أحدهم قال الله يعني احتاج أراجع هذه الجزئية، المهم فالضمير ثم دنا هو، الضمير هو، إذا قلنا يعود على جبريل هذا احتمال، وإذا قلنا يعود على النبي صلى الله عليه وسلم هذا احتمال آخر.
الآن هو هذا الضمير هو يصلح أن يكون يعود إلى جبريل ويصلح أن يكون يعود إلى النبي عليه الصلاه والسلام، بس إذا أرجعته لجبريل سيعطيني معنى للآية، وإذا أرجعته للنبي عليه الصلاه والسلام سيعطي معنى آخر، هذا يسمى لفظ متواطئ؛ يعني هو مش مشترك له أكثر من معنى، هو له معنى لكن هذا المعنى يصلح لي ولك ولـ... ولكل واحد فينا، فالضمائر نموذج على الألفاظ المتواطئة، أسماء الإشارة نموذج على ألفاظ متواطئة؛ لأنه هذا يصلح أن أشير به إليك وإلى السماء وإلى وهكذا. فالألفاظ المتواطئة أيضاً بتعمل مشكلة في التفسير؛ لأنه ممكن صحابي يرجع الضمير إلى شيء، صحابي آخر يرجع الضمير في الآية إلى شيء آخر، صحابي يرجع اسم الإشارة إلى شيء، صحابي آخر يرجع اسم الإشارة إلى شيء آخر، الأسماء الموصولة نفس المشكلة ممكن صحابي يفسر الاسم الموصول بشيء، صحابي آخر يفسرها بشيء آخر، هذا بيعمل خلاف، هذا بيعمل خلاف، لكن هل هو اختلاف تنوع ولا اختلاف تضاد؟ قال لا.
قال رحمه الله: وكلفظ ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 1-3]، وما أشبه ذلك، مثلاً لفظة الشفع والوتر، الشفع والوتر تصدق على أي شفع ووتر، فهي لفظة متواطئة، فالبعض يفسرها بماذا بركعتي الشفع وبماذا وبالوتر الذي يأتي بعده، والبعض يفسرها، يعني يفسر بعضهم بأنها اليوم السابع والثامن الشفع والوتر، هو يوم عرفة. طب لماذا هذا الخلاف؟ أنه كلمة شفع ووتر تصدق على أي شفع ووتر في هذا الوجود، سواء من الأمور الحسية أو من الأمور المعنوية، فهي لفظة متواطئة، يعني باختصار الألفاظ المتواطئة كل لفظ له مصدقات عديدة، يصدق على هذا ويصدق على هذا ويصدق على هذا، فكلمة وتر تصدق على الله وتصدق على الركعة التي نصليها وتصدق على غيره، تمام؟ لأنها تدل على الوحدة، والوحدة توجد في أشياء كثيرة في هذا الوجود، فهذا بسبب خلاف بين المفسرين.
نعم، قال رحمه الله: فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك. فالآن هنا سنحرر، إذا إذا جاءت لفظة مشتركة أو لفظة متواطئة وبعض الصحابة شيء وبعضهم فسرها بشيء آخر، هل هذا يعتبر اختلاف تنوع ولا اختلاف تضاد؟ لسه إحنا ما أجبنا صح، هل هذا يعتبر إيش؟ يقول قال: فمثل هذا في بعض الأمثلة يجوز أن يراد به كل المعاني التي فسرت وكلها تكون صحيحة فيكون اختلاف تنوع، وقد لا يجوز ذلك بل يكون واحد صحيح والثاني خطأ فيكون اختلاف تضاد. كيف ذلك؟ قال شوف هذه المثال قال: فالأول... فاول الحالة الأولى أن تكون كل المعاني صحيحة، مثل إيش؟ قال: إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، يعني قال الأول أن نقول كل المعاني الصحيحة، ما احتمالاته العقلية مثلاً؟ طبعاً هذا احتمال العقلي لا أعرف له مثالاً، بس هو افترض ابن تيمية أن تكون مثلاً عندي لفظة مشتركة زي قسورة، فرضا فرضا، فتكون الآية نزلت مرتين، مرة نزلت أريد بالقسورة الصياد، بعدين مش قلنا ممكن الآية تنزل مرة ثانية؟ نزلت مرة أخرى ولكن أريد بالقسورة فيها إيش الأسد، هسه هذا افتراض من ابن تيمية بس بسميه افتراض عقلي لكن صعب أن أجد له مثال. تمام، فيقول الاحتمال الأول حتى تكون كل التفاسير صحيحة في الألفاظ المشتركة، نقول أن الآية نزلت مرتين، مرة ربنا أنزل كلمة قسورة وأراد بها الصياد، بعدين أنزل الآية مرة أخرى وأراد بها إيش الأسد، وبالتالي الصحابي اللي فسر قسورة بالصياد كان صح، والصحابي اللي فسر قسورة بالأسد كان ايش صح ليه؟ لأنه ذاك فسرها على النزول الأول وذاك فسرها على النزول الثاني، بس هذا هل له مثال صحيح واضح؟ صعب.
قال: قال رحمه الله: وأما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به... آه الحالة الثانية أو الطريقة الأخرى وهذه أصوب، أن يكون اللفظ المشترك الآن في قاعدة أصولية، اللفظ المشترك هل يجوز أن يراد به كل معانيه في نفس الوقت؟ تمام؟ اللفظ المشترك زي لفظة العين مثلاً، أنا قلت لك رأيت عيناً، الآن إحنا قلنا شو معاني العين؟ جاسوس، العين الباصرة، عين الماء، إذا قلت لك رأيت عيناً هل يصلح أن أكون قصدت رأيت عيناً بمعنى جاسوس وعين ماء وذهب في نفس الوقت؟ خلص لازم يرجحوا. إخوان أنا بس بطرح المثال حتى هل يجوز؟ جمهور الأصوليين بيقولوا يجوز، أنتم بتحكوا لا، جمهور الأصوليين يقول يجوز بشرط أن تكون المعاني المتعددة ليست متضادة، يعني هل هناك تضاد بين الجاسوس وعين الماء؟ هذا شيء وهذا شيء، مش بينهم تضاد، لكن مثلاً القُرء، القُرء يطلق على الحيض وعلى الطهر، في بينهم تضاد؟ آه نعم، فمثلاً ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، ما بصير واحد يقول لي كلمة قروء مشتركة وأنا بدي أحملها على كل معانيها، ليه؟
لأنه بصير تضارب، بصير المطلقة يا راح تعتد بالحيضات يا راح تعتد بالأطهار، مش رح تعتد بالاثنين معاً، فإذا هنا المشترك لأن معانيه متضادة، لا يجوز أن يحمل على كل معانيه، نفس الشيء ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]، قلنا عسعس تطلق بمعنى أقبل بمعنى أدبر، هذه إيش متضادة متقابلة، ما بصير تقول لي والليل إذا عسعس بمعنى أقبل وأدبر؛ لأنه تضاد، لكن زي ما حكينا لفظة العين، هل يجوز أن تحمل رأيت عيناً لو فرضا جاء في القرآن كلمة العين، أن تحمل على كل معانيها؟ قالوا نعم؛ لأن معانيها ماذا غير متضادة، بل يمكن أن يجمع بين معانيها، فهذا معنى قوله، قال: وأما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به... اقرأ قال: وأما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به، إذ قد جوز أكثر الفقهاء، قد جوز... شو قال؟ آه إذ قد أيوه قد جوز أكثر الفقهاء؛ المالكية والشافعية والحنابلة وكثير من أهل الكلام إيش جوزوا؟ جوزوا حمل اللفظ المشترك على كل معانيه دفعة واحدة، بس اكتب بشرط ما هو؟ ألا تكون المعاني متعارضة.
أعطيك مثال، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، كلمة يصلون، ما معناها؟ آه في مشكلة هون، لأن الصلاة من الله لها معنى والصلاة من الملائكة معنى آخر، فالصلاة لفظ مشترك، يطلق الصلاة بمعنى الثناء، فالصلاة من الله الله ثناؤه، وتطلق الصلاة بمعنى الاستغفار، فالصلاة من الملائكة هي الاستغفار، فقولنا أو فقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾، ما المراد بالصلاة؟ نحملها على كل معانيها، الثناء والاستغفار، هذا مثال على حمل اللفظ المشترك على كل معانيه، نحمل الصلاة على معنى الثناء وعلى معنى الاستغفار؛ لأن الصلاة من الله ثناء ومن الملائكة استغفار. إذاً كلمة يصلون حملتها على كل معانيها المشتركة، فهمتوا هذا المثال؟ هي نفس الكلمة أعطيتها معنيين الثناء والاستغفار، حملتها على كلا المعنيين من باب حمل المشترك على كل معانيه غير المتعارضة، هذا شرط أن تكون المعاني، أما القروء لو شخص قال بدي يفسرها في الحيض والطهر بقبل لا؛ لأنه يا حيض يا طهر؛ لأن المرأة لا يمكن تجمع بين الحيض والطهر.
والطهر في عدتها، هذا مثلاً في اللفظ المشترك، قال رحمه الله تعالى، أما مثلاً هذا الذي أريده، أما المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، لو صحابي فسر القرء بالطهر، وصحابي آخر فسر القرء بالحيض، هل نقول اختلاف تنوع؟ لا، خلص هذا اختلاف تضاد، واحد من الصحابة أصاب وواحد أخطأ، وبدي أصير أنا أرجح، هون بتشتغلوا أنتم بتحبوا الترجيح وبتصير ترجح تمام على كيفكم، لا مش على كيفكم، طبعاً على النصوص، لكن إذا قلنا يجوز حمل المشترك على معانيه وكل المعاني صحيحة، هنا ما في داعي للترجيح، خلص بحمله على كل معانيه ويكون اختلاف تنوع، فهذا معنى قول ابن تيمية، فمثل هذا يجوز أن يحمل على كل معانيه فيكون اختلاف تنوع، ويجوز أن يكون اختلاف تضاد بحسب الحالة والظرف أو المثال الذي نحن فيه.
مثال آخر، قال رحمه الله: واما لكون لفظ متواطئاً فيكون عاماً إذا لم يكن لتخصيصه موجب، يعني نفس الشيء اللفظ المتواطئ يجوز أن يحمل على ماذا، على مثلاً والشفع والوتر، والوتر هل يجوز أن يحمل على الشفع والوتر من نصلي، ويحمل على الشفع والوتر اللي هو يوم عرفة واللي قبليه، وأن يحمل على أمثلة كثيرة من الشفع والوتر، فلو صحابي قال الشفع والوتر هو عرفة هو الوتر والشفع ما قبله يومين، صحابي آخر قال الشفع لا هي ركعتي الشفع والوتر هي الركعة التي بصليها، هل نعتبر هذا اختلاف تضاد؟ لا تنوع، الأصل أنه اختلاف تنوع أن كلمة الشفع والوتر تصدق على هذا وعلى هذا وعلى هذا فيجوز حملها.
لكن «ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين»، الضمير إذا واحد قال يعود على النبي عليه الصلاة والسلام، وواحد قال يعود على جبريل، هل هذا اختلاف تنوع ولا تضاد؟ تضاد، ليه؟ مستحيل يعني يا هذا يا هذا، الذي دنا فتدلى يا جبريل واما النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا لا يمكن نقول والله خلص الضمير بنحمله على الجميع، ما بيزبط أنه اللي دنا فتدلى واحد لكن مين هو مختلفين فيه، فهنا يأتي الترجيح، وأما الشفع والوتر لأنها يمكن أن تصدق على أكثر من شيء ولا يوجد شيء يدعو إلى التعارض فيمكن أن نحملها على كل مصدقاتها، فهذه الحالة التي ابن تيمية قال الأمر فيها محتمل أن يكون اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد.
باختصار الحالة اكتب عندك حتى نختصر الأمر، الحالة التي يحتمل أن يكون اختلاف السلف فيها اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد، إذا جاءت لفظة مشتركة أو إذا جاءت لفظة متواطئة، بس هذا ينبني على أنك تفهم شو يعني اللفظ المشترك، اللفظ المشترك لفظة لها عدة معاني حقيقية في اللغة العربية، اللفظة المتواطئ لفظة لها عدة مصدقات في الخارج، فإذا جاءت لفظة مشتركة أو لفظة متواطئة والصحابة اختلفوا في تفسير اللفظة المشتركة أو اختلفوا في تفسير المتواطئ، فأحياناً يكون اختلافهم اختلاف تنوع وأحياناً يكون اختلافهم اختلاف تضاد.
ما هو الضابط؟ مين يحكي لي بناء على فهمي لكلامي؟ أحسنت، إذا صلح حمل اللفظ المشترك على كل معانيه بدون تعارض يكون اختلاف تنوع، وإذا لم يصلح حمله على كل معانيه إلا بتضاد يكون اختلاف تضاد، ونفس الشيء في المتواطئ إذا صلح حمله على كل معانيه زي الشفع والوتر اختلاف تنوع، إذا لم يصلح إلا هذا أو هذا ما في مجال اختلاف تضاد، فهمك لهذه الأمور سيعينك على فهم الخلاف بين المفسرين وتصبح واعياً في التعامل مع أقوال المفسرين.
نعم، قال رحمه الله: فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني، ايش يعني؟ يلا هذه هي بدي أشوف مين الرابط شو الصنف الثاني وأيش الأول، أحسنت، فهذا النوع إذا صح فيه القولان يعني اللفظ المشترك إذا صح حمله على كل معانيه، أو اللفظ المتواطئ إذا صح حمله على كل معانيه، وصحابي ذكر معنى وصحابي آخر ذكر معنى آخر، هذا يكون من قبيل التفسير بأيش؟ بالمثال، رجعنا لقضية التفسير بذكر مثال من الأمثلة، يعني في لفظة مشتركة صحابي ذكر معنى فيها وصحابي آخر ذكر معنى آخر، وقلنا يجوز حمل المشترك على كل معانيه، إذا الخلاف بين الصحابة هنا أي نوع من أنواع اختلاف التنوع؟ اختلاف التنوع بذكر المثال، نفس الشيء إذا لفظة متواطئة الشفع الوتر واحد قال هي الصلاة واحد قال يوم عرفة يكون هذا من قبيل اختلاف التنوع أي نوع من ذكر المثال، فمعنى قوله فهذا النوع إذا صح فيه القولان أو الأقوال كلها، أي صح حمل اللفظة على كل ما قيل فيها من أقوال سواء مشترك أو متواطئ، فإنه يعتبر من الصنف الثاني وهو من اختلاف التنوع بذكر مثال من الأمثلة.
قال رحمه الله تعالى: ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافاً أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، الآن سيذكر صورة من اختلاف التنوع باعتبار الحالة الأولى، الحالة الأولى من اختلاف التنوع شو هي؟ أنه كل صحابي يعبر بعبارة أخرى، الآن سيذكر مثال يندرج تحت هذه الصورة الأولى، قال ومن الأقوال الموجودة عنهم أي عن السلف في التفاسير، ويجعلها بعض الناس اختلافاً أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل، واما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن.
يقول أحياناً الصحابة يختلفون فيعبر هذا بمعنى ويعبر هذا بعبارة مختلفة عن الآخر، هنا هذه ماذا تفرق عن الصورة الأولى من صور اختلاف التنوع؟ هذه صورة من صور اختلاف التنوع من الصنف الأول، ماذا تفرق؟ بس هذه الصورة ذكر في الصنف الأول، أحيلنا في الصنف الأول أن يعبر الصحابي بعبارة تختلف عن تعبير الصحابي الآخر، ويقصد كل شخص منهم أن يذكر صفة في الذات تختلف عن الصفة التي يذكرها الطرف الآخر، هنا في هذه الحالة هو اختلاف عبارة، لكن لا يقصد كل شخص أن يذكر صفة في الذات تختلف عن الصفة التي ذكرها الشخص الآخر، مثلاً «اهدنا الصراط المستقيم» مش نحن قلنا الصحابة اختلفوا في العبارة، بعضهم شو قال الإسلام وبعضهم شو قال، اختلافهم هنا في العبارة ما مقصده أنه كل شخص يريد أن يذكر صفة لم يذكرها الآخر، هذا المثال يذكره هنا، لا هنا فقط اختلاف عبارة بدون قصد أن أذكر صفة أنت لم تذكرها، لا هو مجرد اختلاف أسلوب فقط، ولا يوجد أي مقصد زائد أني أذكر صفة أنت ما ذكرتها، وفقط اختلاف أسلوب وطريقة تعبير، فهذه يمكن أن ندخلها مع الصورة الأولى أو نعتبرها صورة مستقلة من صور اختلاف التنوع.
قال رحمه الله تعالى: فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع، يعني أنت أي لفظة في القرآن بدك تشرحها صعب أنك تقول أنك عبرت عنها بمرادفها، إلا أن تكون اللفظة اللي أنت عبرت فيها فيها شوية اختلاف عن اللفظة القرآنية بس قريبة منها، أي واحد بده يفسر آية قرآنية هو لا يأتي في تفسيره بالمرادف، وإنما يأتي بما يقارب معنى الآية وليس بما يرادفها، وهذا يجعل بما أن الصحابة بشر وكل صحابي عنده معجم مفردات خاص فيه، ابن عباس راح يشرح الآية بطريقة وابن مسعود بشرحها بطريقة أخرى أو بألفاظ أخرى، كلاهما يقصد نفس الشيء بس ابن مسعود عبر بطريقة وابن عباس عبر بألفاظ أخرى، وقلت الفرق بين هذه الحالة والحالة التي درسناها قبل شوي ما هو، أنه قبل شوي كان اختلاف ابن عباس وابن مسعود لأن ابن مسعود يريد أن يضيف صفة لم يذكرها ابن عباس من خلال شرحه، وأما هنا لا يوجد إضافة صفة لم يذكرها الآخر، هو فقط اختلاف المعجم اللغوي بين الصحابة، فهذا شرح بطريقة وهذا شرح بطريقة أخرى، مثال ذلك مثلاً قال رحمه الله: بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن، المراد التقريب لمعاني الألفاظ.
قال: فإذا قال القائل يوم تمور السماء موراً أن المور هو الحركة كان تقريباً، «يوم تمور السماء موراً»، قال شخص هو الحركة، الآن هل الحركة والمور مترادفة؟ لا، بس يعني هذا تقريب لمعنى المور، وإلا المور حقيقة هو نوع من أنواع التحرك، قال كان تقريباً إذ المور حركة خفيفة سريعة، وكذلك إذا قال الوحي الإعلام، بس من باب التقريب، يوم تمور السماء موراً لو صحابي قال المور هو الحركة، صحابي ثاني ماذا قال المور هو الاضطراب، هل هذان الصحابيان مختلفان؟ لا، يعني هو اختلاف تعبير بس لأنه الحركة هي اضطراب والاضطراب هو الحركة، أو صحابي ثالث قال يوم تمور يعني تنتقل، عبر عن المور بأنه انتقال، هذا لا يسمى إخواني اختلاف تضاد، هذا شكل من أشكال اختلاف التنوع، أنت عبرت بالاضطراب أنا عبرت بالحركة هذا عبر بالانتقال، يعني مش نفس متقارب، ها شوف عبارة ابن تيمية هي متقاربة، بس هنا ركز، هنا أنا لم أقصد أن أضيف صفة أنت لا تريد أن تضيفها أو نسيت أن تضيفها لا، أنا بس بدي أقرب معناها، فأنا لما بدي أقرب معنى آية أنا ممكن أقربها بطريقة، يعني أنت نفسك أنت وزوجتك عندكم طفل بدكم تفسروا له «والمرسلات»، بجوز أنت تعبر بطريقة وزوجتك تعبر بطريقة أخرى، كلاكما يقصد نفس المعنى بس سبحان الله أنت لك أسلوبك وهي لها أسلوبها، هذا ما يريد أن يقول، وكلاكما متقاربان وإن كانت الألفاظ ليست واحدة.
قال رحمه الله: وكذلك إذا قال الوحي الإعلام، أو قيل أوحينا إليك أنزلنا إليك، يعني مثلاً الوحي البعض يقول هو الإعلام، هل تفسير الوحي بالإعلام تفسير بالمرادف؟ لا لأن الوحي نوع دقيق من الإعلام، بس هذا تفسير بالمقارب، قال أو قيل وقضينا إلى بني إسرائيل أي أعلمنا، وقضينا إلى بني إسرائيل البعض الصحابة ايش قالوا قضينا بمعنى أعلمنا، هل القضاء والإعلام بنفس المعنى؟ هل قضينا، قضينا هل هي بالضبط في اللغة بمعنى أعلمنا؟ ولا قريبة، بس في هذا السياق هي مجرد قريبة، قال فهذا كله تقريب، ها شوف شو قال هذه، ضعوا تحتها خط، فهذا كله لما تقول قضينا بمعنى أعلمنا، أوحينا بمعنى أعلمنا، تمور بمعنى تتحرك، هذا كله تقريب للمعنى إلى الأذهان وليس تحقيقاً بالضبط الدقيق لها، قال فإن الوحي، لماذا قال فإن الوحي هو ليس الإعلام بالمعنى العام وإنما هو إعلام، إعلام سريع خفي، هذا هو الوحي إذا أردت تكون أكثر دقة، والقضاء أخص من الإعلام، وقضينا مش بمعنى أعلمنا، فإن القضاء فيه ماذا، إنزال القضاء يدل على معنى الإنزال للشيء، عشان هيك اسمه قاضي، ليه شو الفرق بين القاضي والمفتي؟ القاضي مش بعطيك بس حكم، القاضي بينزله عليك يعني بينفذه عليك، أما المفتي بس بعطيك حكم وبروح، لذلك قال فالقضاء أخص من الإعلام، فإن فيه ماذا إنزال إليهم، بعطيك الحكم وبنزله، قال فإن فيه إنزال إليهم وإيحاء إليهم، والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديته.
قال رحمه الله: ومن هنا غلط من جعل بعض، هو يريد أن يقول هنا بس استطرد ابن تيمية في قضية لغوية، أنه قضيت إلى بني فلان، قضيت إلى بني إسرائيل أو قضينا إلى بني هنا قضى بمعنى ايش قال هو، ها القضاء أخص من الإعلام فإن فيه إنزال، الآن الفعل قضى في الحالة الطبيعية لا يتعدى بحرف الجر إلى، هذه مسألة لغوية، الفعل قضى لا يتعدى بحرف الجر إلى ما بقول قضيت إلى فلان، ولا ايش بقول؟ قضيت على فلان مش هيك تقول أنت، تقول قضيت إلى فلان ولا قضيت على، طيب كيف قال في الآية قضينا إلى، قال ضمن الفعل قضى معنى فعل آخر هو أنزل، أنزل بتضبط تقول أنزلت إليك، كما القرآن أنزلنا إليك، فيقول هنا الفعل قضى تضمن معنى فعل آخر هو أنزل، فلما الفعل قضى ضمن معنى فعل آخر هو أنزل جاز أن يعد الفعل قضى بحرف الجر إلى، وإلا هو في الأصل لا يجوز أن يعد بـ إلى، هذه مسألة شهيرة في اللغة بمسألة التضمين، مسألة التضمين أنه فعل لا يتعدى بهذا الحرف ومع ذلك تراه في الكلام عداه المتكلم به، فأقول أكيد هو ضمن هذا الفعل معنى فعل آخر يصلح أن يعدى بهذا الحرف، مثلاً «ولأصلبنكم».
في جذوع النخل، أنت بتصلب الشخص في جذع النخل. ولا عليها؛ إذاً هنا: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، هي ضمنت معنى فعل آخر يصلح أن يتعدى بحرف الجر فيه، فلا بد أن تقدر فعلاً آخر يصلح أن يعدى بمعنى حرف الجر فيه. ابن تيمية حسم القضية، فقال: ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض. كما يقولون في قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾ أي مع نعاجه، ومن ﴿أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي مع الله ونحو ذلك.
إخواني هما نظريتان في اللغة العربية؛ المدرسة البصرية تعرفون أن النحاة مدرستان أساسيتان: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة. مدرسة البصرة هي التي تؤمن بالتضمين، وأنه الفعل يضمن معنى فعل، وبالتالي يجوز أن يعدى بهذا الحرف. الكوفيون لا يؤمنون بالتضمين، الكوفيون يؤمنون بمسألة تناوب حروف الجر؛ يقول لك لا، الفعل قَضَى خليه بمعنى قَضَى، وحرف الجر هو الذي تلعب فيه، حرف جر مناسب للموجود في الجملة.
حتى أفهمك هذه المسألة باختصار، خلينا نيجي على الآية التي بين أيدينا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. البصريون شو بقولوا؟ كيف تعاملوا؟ يقولوا قضينا مضمن معنى فعل: أوحينا، حتى يضبط حرف الجر إلى. الكوفيون شو بحكوا؟ لا، ما بصير أقول الفعل ضمن معنى فعل آخر، لا نؤمن بهذه النظرية. ولا ايش اللي صار في الجملة؟ بقول حرف الجر إلى هو بمعنى على، فـراحوا هم لعبوا بحرف الجر، بقولوا إلى بمعنى على.
البصريون يحكوا: لا، حرف الجر ما بصير نلعب فيه، نلعب في الفعل فنقول الفعل ضمن معنى فعل آخر. فهما نظريتان في اللغة؛ هل نقول الفعل يضمن معنى فعل آخر، ولا نقول حرف الجر هو بمعنى حرف جر آخر؟ ولاصلبنكم في جذوع النخل، هل نقول الفعل أصلبنكم ضمن معنى فعل آخر يصلح أن يعدى بـ (في)، أو نقول لا، لاصلبنكم زي ما هي، لم تضمن معنى فعل آخر بس (في) في الآية بمعنى (على)؟ فالبصريون شو وجهة نظرهم؟ التضمين، الكوفيون شو وجهة نظرهم؟ العب بحرف الجر.
ابن تيمية شو وجهة نظره؟ ابن تيمية بغلط الكوفيين، وتخطئة الكوفيين أنا شوي بشوفها زيادة، قال: ومن هنا غلط؛ هس كلمة غلط هذا اجتهاد ابن تيمية، هو غير ملزم لغيره، يعني ما بدي اياك تاخذها أنها حاسمة؛ اجتهاد ابن تيمية أن رأي الكوفيين خطأ، بس هذا غير ملزم لغيره لأنها مسألة لغوية، كل واحد يجتهد بناء على العلم.
نعم، قال رحمه الله: والتحقيق ما قاله نحاة البصرة، إذاً ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض، كما يقول الذين هم الكوفيون. ايش يعني الحروف تقوم مقام بعض؟ يعني زي ما حكينا إلى بمعنى على، وفي بمعنى على، خلي الحروف هي التي تتبادل والفعل لا تضمن في معنى فعل آخر، اكتب هذا رأي الكوفيين.
طيب مين يعطيني مثاله في الآيات التي ذكرها؟ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أين المثال؟ الفعل هنا سؤال، يعني هو مصدر، قال: أقول سألت نعجتك إلى نعاجي تمام، يقول العرب هل تقول سأل؟ هل يتعدى بإلى؟ سألتك هذا الشيء، بقول لك سألتك ضَمَّ نعجتك إلى نعاج، بدون حرف الجر إلى، فمن أين جاء حرف الجر إلى؟ قال هنا لازم تضمن السؤال معنى فعل آخر يصلح أن يعدى بإلى، ما بعرف إذا ابن تيمية ذكر شيئاً، نعم قال: وسؤال النعجة، شوف شو قال، قال والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه.
فابن تيمية شو بقول لك؟ بقول لك هنا السؤال لازم يضمن فعل آخر أو مصدر آخر يعدى بإلى، مثل الجمع والضم، فيقول تقدير الآية: لقد ظلمك بضم نعجتك إلى، الضم يتعدى بإلى، نعم يضبط في اللغة العربية يضبط، فيقول السؤال هنا بمعنى الضم. الكوفيون شو بيعملوا؟ يقول لك لا السؤال خليه بمعنى السؤال، تلعب فيه وين بتروح؟ تلعب حرف الجر، حاول أن تقول إما حرف جر زائد أو تشوف لك حالة معينة حتى تحل هذه المشكلة.
قال وكذلك: ﴿مَن أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، الكوفيون ماذا يقولون؟ نلعب في حرف الجر، يعني من أنصاري مع الله، الكوفيون البصريون لا، بده يشوف لك معنى فعل يتناسب. قال الحواريين ﴿مَن أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يعني من يقودني إلى الله، النصره تتضمن معنى القيادة أو من يسير، السير إلى الله بتضبط، فالنصرة تضمن بمعنى السير أو تضمن بمعنى القيادة، بدك تدبر لك معنى يتعدى بحرف الجر إلى.
نعم قال رحمه الله: وكذلك قوله ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، ضمن معنى يزيغك ويصدونك، الفعل يفتن لا أقول فتنتك عن الذي كذا، بل هنا فتن ضمنت معنى يزيغ ويصدون لأن الفعل يفتن في الأصل لا يتعدى بـ (عن). طيب قال وكذلك قوله ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، نصرناه أنا أقول نصرتك من كذا ولا نصرتك على كذا؟ أقول لك نصرتك على فلان، بس الآية ايش جاءت؟ نصرناه من القوم، ما قال على القوم، غريبة صح؟ أنت دائما تقراها، هل قال ربنا نصرناه على القوم ولا نصرناه من القوم؟ من القوم.
طب هون شو رح يصير؟ الكوفيون رح يلعبوا بحرف الجر (من)، البصريون على التضمين، وابن تيمية مع البصريين، فقال: ضمن معنى نجيناه وخلصناه، قال نصرناه يضمن معنى الفعل نجيناه، فالتقدير نجيناه من القوم، وهذا بيوسع آفاق اللغة العربية بشكل فظيع.
نعم قال وكذلك قوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، يشرب بها أنت تقول شربت بهذا الشيء ولا شربت من هذا الشيء؟ فالكوفيون ايش يقولوا؟ الباء بمعنى من، البصريون يقول لك لا تلعبش بحرف الجر، العب بالفعل، فالفعل يشرب ضمن معنى الفعل ايش؟ يروى، فتقول عيناً يروى بها، نعم يروى يتعدى بالباء، وهذه اللغة العربية: عيناً يروى بها. وإذاً ابن تيمية يناصر البصريين في التضمين. نعم قال: ضمن يروى بها، ونظائره كثيرة. ومن قال لا ريب لا شك، فهذا تقريب.
خلص طبعاً هنا خلصنا الآن هون تضع نقطة، عاد ابن تيمية لأصل الفكرة، شو أصل الفكرة؟ أنتم ضيعتم معها، نحن شغلنا في التضمين وحرف الجر ونسينا أصل الفكرة، أصل الفكرة أن من اختلاف التنوع؛ اختلاف العبارة بدون قصد أن يضيف أحدهم صفة لم يضف الآخر، فقط اختلاف عبارة، فيأتي بعبارة تقريبية. سيعطيك مثال، قال المثال الأول كان ايش: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾، والآن سيذكر أمثلة أخرى.
نعم قال رحمه الله: ومن قال لا ريب لا شك، فهذا تقريب، مثلاً ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، لأن كثير من المفسرين شو بقول لك لا ريب بمعنى ايش؟ هل الريب والشك بنفس المعنى عند التحقيق؟ لا، في فرق بس هذا يسمى تفسير تقريبي، يسمى تفسير تقريبي. فبعض الصحابة قد يفسر الريب بالشك، بعضهم قد يفسر الريب بالاضطراب، وكله تفسير تنوع، ما بقول والله هذا أخطأ وهذا أصوب، لا، ما دام المراد التقريب فالكل صواب بإذن الله.
نعم قال فهذا تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، نعم فالريب أدق من الشك، الريب فيه اضطراب في النفس وحركة، قال كما قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وفي الحديث أنه مر بظبي حاق فقال: «لا يريبه أحد»، بمعنى ايش؟ لا يذعره، مش معنى لا يشكه، ما معنى لا يريبه؟ يعني لا يطربه، ما يحركه أحد، خلص خلوه نايم، خلوه في حاله، بباله يعني ما حدا يضطرب، هذا يدل أن الريب ليس بمعنى الشك تماماً.
فقال: «لا يريبه أحد»، فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة فالريب ضده، ولفظ الشك؛ فكما أن اليقين يدل على سكون وطمأنينة كذلك الريب يدل على اضطراب وحركة، لأنه الريب ضد اليقين، اليقين دائما ايش بيعمل؟ راحة سكون، الريب شو بيعمل؟ اضطراب توتر. نعم قال ولفظ الشك وإن قيل إنه يستلزم هذا المعنى، يعني يستلزم الاضطراب، لكنه ايش؟ لكن لفظه لا يدل عليه، يعني الشك بدلالة المطابقة لا يدل على الاضطراب، ولكنه يلزم لزوماً ذهنياً منه، وأما الريب فكأنه يدل بدلالته الحقيقية المطابقة على الاضطراب، فتفسير الشك بالريب كأنه تفسير باللازم أو شيء من ذلك.
نعم قال رحمه الله: وكذلك إذا قيل ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾، هذا القرآن، الآن شوف شوف هذا الكلام، ذلك الكتاب رجع على الأول الآية ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ تجد في التفسير أنهم يقولون: ذلك الكتاب أي هذا القرآن، طب ذلك وهذا بنفس المعنى في اللغة؟ ولا ايش الفرق بينهم؟ ذلك إشارة للبعيد، وهذا طب كيف الصحابي يفسر ذلك الكتاب فيقول بمعنى هذا القرآن؟ لاحظوا ماذا قال؟ قال فهذا تقريب، قال هذا مجرد تقريب للمعنى، لأن المشار إليه وإن كان واحداً وهو القرآن، فأشار بجهة الحضور غير الإشارة بجهة البعد، وغير الإشارة بجهة الحضور، يعني الإشارة إلى القريب ليست في معنى الإشارة إلى البعيد، بل أصلاً ربنا عز وجل تقصد أن يقول ذلك بدل هذا، لأن ذلك تدل على البعد المعنوي، وأنه كتاب شريف رفيع لا يسهل الوصول إليه إلا لأصحاب النفوس الشريفة، فتفسير ذلك الكتاب بهذا القرآن تفسير تقريب وليس تفسيراً على وجه التحقيق.
نعم قال رحمه الله تعالى: ولفظ الكتاب يتضمن من كونه مكتوباً مضموناً ما لا يتضمنه لفظ القرآن، وكذلك ها ذلك الكتاب هذا القرآن، تفسير الكتاب بالقرآن هو تفسير بالمرادف ولا بالمقاربة؟ وجود القراءة فهي وإن كانت تدل على نفس الذات، لكن تلك كلمة كتاب تدل على هذه الذات وهي مكتوبة، والقرآن تدل على تلك الذات وهي مقروءة، فلا يوجد الترادف في اللغة العربية نادر جداً، بل البعض أصلاً ينفي وجود أي كلمتين في بينهم اختلاف، عرفت ولا لم تعرف، لكن إحنا من باب نسهل على أنفسنا نشرح الأشياء بألفاظ متقاربة للتسهيل، وإلا فلا يوجد ترادف حقيقي.
نعم قال رحمه الله: ولفظ الكتاب يتضمن من كونه مكتوباً مضموناً ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءاً مظهراً بادياً، فالكتاب يدل على المكتوب، والقرآن لأنها مصدر للفعل قرأ تدل على المقروء. نعم قال فهذه الفروق موجودة في القرآن، فإذا قال أحدهم أن تبسل أي تحبس، وقال الآخر ترتهن، ونحو ذلك، ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ بعض المفسرين قال تبسل بمعنى تحبس، بعض المفسرين قال تبسل بمعنى ترتهن، تكون مثل الرهن. قال لم يكن من اختلاف التضاد، هذا ليس اختلاف تضاد لأن الحبس والرهن متقاربة، لأن العين المرهونة هي محبوسة بشكل من الأشكال، فقولك أن تبسل يعني أن تحبس أو أن تبسل أن ترهن، هذا ليس اختلاف تضاد، تقول والله بدي أرجح فلان على فلان، متقاربان وإن كان الحبس والرهن بينهم اختلافات دقيقة طبعاً في اللغة لكن كله بيمشي حاله، يعني كله متقارب.
نعم قال لم يكن من اختلاف التضاد، وإن كان المحبوس قد يكون مرتهناً وقد لا يكون، فالشيء المحبوس قد يكون رهناً وأحياناً قد يكون الشيء محبوس وهو مش رهن، إذاً أكيد في فرق بين المحبوس والمرتهن، لكن هنا المراد التقريب وليس التدقيق. إذ هذا تقريب للمعنى كما تقدم، فهذا كله تقريب، فإذاً خلاصة ما يريد أن يقوله قال: وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جداً، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين. هذه قاعدة، اكتب هذه قاعدة، يحسن بطالب العلم أن يجمع عبارات الصحابة والتابعين في تفسير الآية الواحدة، ليه؟ لأنه إذا جمعت عبارتهم المتعددة ينكشف لك المعنى المقصود بالآية أكثر وأكثر.
قال جمع عبارات السلف في مثل هذا، يعني في تفسير الآية الواحدة، أفضل من أنك بس تعرف قول واحد، ليش؟ بعض الناس بقول لك خلص أنا بعرف قول واحد وبستريح من الخلاف، لا، بالعكس، أن تعرف ايش قال في الآية ابن عباس وابن مسعود وعمر، هذا بيساعدك أكثر وأكثر على تجلية معنى الآية، عمر رضي الله عنه عبر عنها بطريقة، ابن عباس بطريقة ثانية، ابن مسعود بطريقة ثالثة، مجموع عباراتهم المتقاربة يشكل صورة أوضح للآية في ذهنك. إذاً جمع عبارات السلف في مثل هذا النوع اللي هو تكون تفسير ليس اختلاف تضاد، فيه اختلاف تنوع لاختلاف العبارة فقط، فإن مجموع عبارتهم سيكون أدل على المقصود من الآية وأوضح في فهم الآية في ذهنك من الاقتصار فقط على تفسير ابن عباس أو تفسير ابن مسعود أو يعني أحدهم.
نعم قال رحمه الله: ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق، اكتب اختلاف تضاد، فكون نقول إن أغلب خلافات الصحابة والتابعين هي خلافات تنوع لا ينفي وجود بعض خلافات التضاد، بس كم حجمها؟ 2%، 3%، تمام؟ فهذا معنى قوله ومع هذا، يعني ومع كل ما.
قدمناه لا بد من وجود اختلاف محقق عن اختلاف تضاد، لكن في كمية يسيرة. قال: كما يوجد مثل ذلك في الأحكام؛ أليس الصحابة اختلفوا في الأحكام الفقهية اختلاف تضاد؟ إذا لا مشكلة أن يكون هناك اختلاف في التفسير اختلاف تضاد.
لكن اقرأ، قال رحمه الله: ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف معلوم. ثمة كلمة في خلاف بين المشايخ في تحريرها في نسخ المقدمة، والأظهر والله أعلم كما ذكر مجموعة من المشايخ المعاصرين أنها تقرأ هكذا: ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الأحكام، مش من الاختلاف، هي موجودة في المخطوط "من الاختلاف" لكن أظنها سبق قلم، وهي عاملة مشكلة، وكثير من المشايخ يقولون المراد "من الأحكام". هو يريد أن يعلق على العبارة السابقة، وماذا قال؟ ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق بينهم كما يوجد مثل ذلك في الأحكام. ثم قال: ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الأحكام معلوم، بل متواتر عند العامة والخاصة؛ كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها ومواقيتها، وفرائض الزكاة ونصبها، وتعيين شهر رمضان، والطواف والوقوف، ورمي الجمرات، والمواقيت، وغير ذلك.
قال: ثم إن اختلاف الصحابة في الجد والإخوة، وفي المسألة المشتركة، ونحو ذلك، لا يوجب ريباً في جمهور مسائل الفرائض، بل فيما يحتاج إليه عامة الناس؛ وهو عمود النسب من الآباء والأبناء، والكلالة من الإخوة والأخوات، ومن سواهم كالأزواج.
ماذا يريد ابن تيمية أن يقول؟ اقرأ هذه العبارة مع العبارة السابقة؛ أريدك أن تستنتج، لا أريد أن أبقى متحدثاً، أريد الطالب يفكر. يقول: ومع هذا فلا بد من اختلاف تضاد بينهم، أي بين الصحابة، في تفسير القرآن كما يوجد اختلاف بينهم أيضاً في الأحكام. ثم قال: ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الأحكام معلوم تواتراً كأعداد الصلوات ومقاديرها، ثم اختلاف الصحابة في الجد والإخوة في الفرائض وفي المسألة المشتركة، لا يوجب ريباً ولا إشكالاً في جمهور مسائل الفرائض مما يحتاج إليه عامة الناس. ماذا يريد أن يقول؟ تفضل.
أحسنت، اختلاف التضاد موجود في المسائل اليسيرة التي لا يحتاج إليها عامة الناس، وأما المسائل التي يحتاج إليها عامة الناس فهي معلومة متفق عليها، كما أن ذلك في الأحكام كذلك ذلك في التفسير. الصحابة بالنسبة للمسائل الضرورية في التفسير متفقون ولا مختلفون؟ متفقون، لا اختلاف تضاد فيها، وإنما اختلاف التضاد في التفسير في الأمور اليسيرة الفرعية جداً التي لا يحتاج إليها عامة المسلمين. فهمتم إخواني؟
لذلك أعد العبارة، قال: ثم إن اختلاف الصحابة في الجد والإخوة وفي المشاركة، يعني مسألة الاختلاف في الجد والإخوة، هل الجد إذا كان موجوداً يشارك الإخوة في الميراث ولا يحجبهم؟ مسألة دقيقة هذه قليلة الوقوع، لأنه عادة كون جدك ميتاً لما تأتي ورثتك، فقالوا هي قليلة الوقوع، فاختلاف الصحابة فيها لا يعكر على عامة الناس لماذا؟ لأنها قليلة الوقوع. كذلك اختلافهم في المسألة المشتركة في المواريث قليلة الوقوع، وأما المسائل الأساسية في المواريث فيها اختلاف؟ لا، فإذاً في الأحكام الفقهية لا يوجد في العادة اختلاف في المسائل المتكررة، أعداد الصلوات زي ما قال لك أعداد الصلوات مختلفين فيها؟ طيب كم ركعة الصلوات، في حدا مختلف؟ في مذهب يحكي المغرب يا إخوان أربعة ومذهب يحكي المغرب ثلاثة والناس متواترة نصلي أربعة المغرب ولا ثلاث؟ المسائل العامة الضرورية الحمد لله فيها اتفاق، وإنما الخلاف بين الفقهاء والصحابة في المسائل الفرعية.
كذلك في التفسير، الصحابة متفقون على أساسيات التفسير وعلى المعاني العامة، والخلاف بينهم في بعض الآيات الدقيقة التي يكون الخلاف فيها لو تركه عامة الناس لم يشكل عليهم. اختلاف التضاد بين الصحابة في التفسير هو مش عامل دربكة في التفسير كما يظن البعض، بعض الناس خاصة الحداثيين والعلمانيين يقولون: يا جماعة الخير أنتم مشايخ بتقولوا عن تفسير القرآن، أي والله شايفين مئة ألف تفسير عندكم، شو بتجاوبون؟ وهذه أريدك أن تعرف تجاوبها إذا جاءك علماني أو حداثي قال: بنفتح كتب التفسير بلاقي عندكم ثلاث مئة قول في الآية الواحدة، فماذا يجيب طالب العلم عن هذه الشبهة؟
نقول: أنت مش فاهم تقرأ التفسير، نحن اليوم أخذنا مقدمة التفسير وعرفنا أن كل هذه الأقوال التي مختلفين فيها السلف هو اختلاف تنوع، وأن اختلاف التضاد بين الصحابة في التفسير في قدر يسير جداً لا يحتاجه أكثر عوام المسلمين ولا يهمهم ولا يشغلهم، فنحن ما عندنا مشكلة. أنت الذي لا تحسن قراءة تفسير الطبري ولا تحسن قراءة تفسير ابن كثير، وتظن أن هذه الأقوال التي يذكرونها يضرب بعضها بعضاً، والحقيقة كلا، فهي اختلاف تنوع واختلاف التضاد محدود جداً، فهمنا؟
كما أن الأحكام الفقهية نفس الشيء؛ الأحكام الأساسية كأعداد الصلوات ومقاديرها ومواقيتها وفرائض الزكاة التي ذكرها ابن تيمية هذه ما فيها خلافات، وإنما الاختلاف في العادة في المسائل الفرعية التي قد لا يحتاجها كثير من الناس. قال رحمه الله: ثم إن اختلاف الصحابة في الجد والإخوة وفي المشتركة ونحو ذلك. قال: فإن الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات، المواريث، ربنا أنزل في المواريث كم آية؟ ثلاث آيات في القرآن. ذكر في الأولى في سورة النساء الآية الأولى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] هذه تذكر ميراث الأصول والفروع. الآية الثانية: آية ميراث الزوج والزوجة والأخوة لأم. والآية الثالثة: آية الكلالة التي في آخر السورة وهي تتكلم عن ميراث الأخوة الأشقاء والأخوة لأب.
قال رحمه الله: فإن الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات مفصلة، ذكر في الأولى الأصول والفروع، وذكر في الثانية الحاشية التي ترث بالفرض كالزوجين وولد الأم، قال: وفي الثالثة الحاشية الوارثة بالتعصيب وهم الأخوة لأبوين أو لأب. واجتماع ماذا يريد أن يقول؟ أن الله الأحكام التي يحتاجها عامة الناس في المواريث ذكرها في القرآن، والأحكام في المواريث التي لا يحتاجها عامة الناس ولا تتكرر كثيراً تركت للسنة أو تركت للاجتهاد، فالأحكام الأساسية التي تحتاجونها في المواريث خلص محسومة في القرآن في ثلاثة آيات.
قال: واجتماع الجد والإخوة نادر. وأما اجتماع الجد والإخوة في مسألة الميراث نادر؛ يعني أن أموت ويكون جدي عايش وإخواني عايشين حياتهم طويلة، يعني أن جدك عايش ما شاء الله وأنت لأنه الجد أصلاً يحجب بالأب، يعني أنت ميت وأبوك ميت وجدك هو اللي عايش، وشو اللي مخلي لي هسا؟ الفكرة أنه هذه مسألة قليلة الحصول، فنجي نبحث أن الجد والإخوة إذا اشتركوا ماذا سيكون ميراث كل واحد؟ قال: نادر، يعني كم بدها تصير في الأردن كلها، واحد في الأردن ضبطت معه هذا الجد السعيد هذا. قال رحمه الله: ولهذا لم يقع في الإسلام إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا هذه مسألة اجتماع الجد مع الإخوة لم تقع طول حياة النبي عليه الصلاة والسلام مع كثرة الموتى من الصحابة ما صارت المسألة، صارت في زمن الصحابة، يعني تخيل قرن جيل ثاني أو المرحلة الثانية بعد حياة النبي عليه الصلاة والسلام صارت مسألة اجتماع جد مع إخوة، فهي قليلة، فاختلاف فيها لا يعكر صفو مسائل المواريث.
قال رحمه الله: والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل. سيختم ونختم بهذه القاعدة اليوم، طيب اختلاف التضاد سواء في التفسير أو في الأحكام، اختلاف التضاد بين الصحابة والسلف في التفسير أو الأحكام، ما أسبابه كقاعدة عامة؟ قال: قد يكون لخفاء الدليل؛ خفي الدليل على أحد الصحابيين وظهر للآخر. أو قال: أو الذهول عنه؛ كلاهما يعرف القصة بس واحد نسيها والصحابي الآخر تذكرها، ممكن ولا مش ممكن؟ ممكن. قال: وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون ليس لخفاء الدليل ولا للذهول عنه بل عدم سماعه أصلاً، في صحابي سمع من النبي عليه الصلاة والسلام تفسير الآية، صحابي آخر ما كان حاضر، فهذا قال باجتهاده فأخطأ وذاك قال بما سمعه من النقل فأصاب، هذا ممكن.
قال: وقد يكون للغلط في فهم النص أيضاً، هذا احتمال رابع أن يكون غلط في فهم النص وهذا متوقع. قال: وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، قد يكون يعتقد أحد الصحابة أن هذه الآية تعارضها آية أخرى أرجح منها، والصحابي المخالف يقوله: لا ما في تعارض، بل يمكن الجمع. قال رحمه الله: فالمقصود هنا التعريف بمجمل الأمر دون تفصيله. وإذا هو يريد أن يقول لك الآن أنا مش موضوعي أذكر لك شو أسباب الخلاف، هذا صنف فيه كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، ذكر أسباب الخلاف بين أهل العلم، هذه فقط إشارة سريعة.
هنا نكون انتهينا من ذكر اختلاف التنوع، وفهمنا القواعد العامة، أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القرآن كاملاً، طب إذا فسر القرآن كاملاً سيأتي إشكال، طيب إذاً لماذا اختلف الصحابة؟ فسيجيب أن اختلاف الصحابة يسير جداً اختلاف التضاد، وإنما اختلاف الصحابة اختلاف تنوع. ما أنواع اختلاف التنوع؟ طبعاً ذكر كأنواع أساسية اختلاف عبارة، فكل شخص يضيف وصفاً لم يضف الآخر، أو ذكر مثال، ثم ذكر مما يدخل في ذكر المثال: ماذا نزلت في كذا، ومما يدخل في اختلاف العبارة أن يكون اختلاف تقريبي في شرح الآية، ثم ذكر لا بد وأن يكون هناك اختلاف تضاد لكنه محدود، ولا يكون إلا في التفاسير اليسيرة الفرعية التي لا يحتاجها عامة الناس. إذا فهمت لي هذه القواعد معك اليوم، تروح الدار الله يكرمك، وتجيني بكرة درست كل هذا الكلام، قرأته وفهمته، وتعيد على السماع الثلاث ساعات التي أعطيتك إياها الآن حتى نستطيع نبني عليها ما يتعلق باختلاف التضاد وما يتبع بعد ذلك، لأنه الكتاب صح هو مش طويل كثير لكنه دسم، يعني أنا عارف الكتاب هو مش طويل يعتبر بس عبارة ابن تيمية عبارة دسمة قوية، قواعد عقلية لغوية، فبدك تسمع وتطبق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله في المجلس الثاني أيها الكرام، وعدنا اليوم إن شاء الله مع ختام هذه المنظومة المباركة "سلم الوصول لكل من يرقى إلى الأصول" للعلامة ابن مطير الحكمي عليه رحمه الله، وقد شرحنا البارحة وأنهينا بحمد الله مصادر التشريع الأربعة، تكلمنا عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم سيختم الآن بالاستصحاب. طبعاً كما قلت ابن مطير منظومته مختصرة، فلم يتطرق إلى مصادر التشريع المختلف فيها، دائماً عادة العلماء في تعليم طلاب الأصول أنه المرحلة الأولى تتعلم فقط ما يتعلق بمصادر التشريع المتفق عليها، أما مصادر التشريع المختلف فيها مثل الاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع، وقس عليها بعض تفاصيل الاستدلال، هذا كله تدرسه إن شاء الله في كتاب متوسط أو أكثر من ذلك، فهنا سيختم بالاستصحاب.
فقال عليه رحمه الله: والاستصحاب في الأصول كحجة عند انتفاء الدليل.
لاحظوا ماذا قال؟ قالوا: أي الأصوليون. "والاستصحاب في الأصول" أي الاستصحاب في علم الأصول هو إيش كحجة، لاحظوا ماذا قال: "كحجة"، يعني كلمة كحجة تشعرك ماذا؟ أنه لا يرقى لأن يكون مصدراً تشريعياً مستقلاً كما قلنا في البداية. وإن كان إذا أردت أن أقرأ كلام صاحب النظم قال الكاف زائدة، لكن أنا لم يعجبني شرحه بل أبقيتها على ما هي عليه، أنه يريد أن يقول إن الكاف أنا أريد أن أقول بديش أقول هو؛ لأنه هو جعلها زائدة، أقول إبقاؤها على ما هي عليه أفضل؛ لأن الاستصحاب ليس حجة مستقلة، ليس مصدراً تشريعياً مستقلاً.
ما هو الاستصحاب؟ أنا ذكرته لكم سابقاً وأعيده مرة أخرى، الاستصحاب هو استدامة إثبات ما كان ثابتاً بأحد مصادر التشريع أو نفي ما كان منفياً. هذا ما يسمى بالاستصحاب؛ استدامة إثبات ما كان ثابتاً بمصدر من مصادر التشريع، يعني حكم ثبت بالقرآن أو بالسنة أو بغير ذلك، استدامة إثباته حتى يأتي المغير، ما يسمى استصحاب. استدامة إثبات ما كان ثابتاً ونفي ما كان منفياً، يعني أنا الآن متوضئ، مشيت على كل أحكام وأركان الوضوء الواردة في الكتاب والسنة، الأصل استدامة أنني متوضئ حتى يأتي ما يتيقن معه أنني أحدثت، فإذا وأنا كنت أصلي شككت هل انتقض وضوئي أو لا؟ فماذا أقول؟ أستصحب الطهارة التي ثبتت بيقين حتى يأتي.
لا يغيرها بيقين. فإذاً الاستصحاب هو استدامة حكم ثبت، استدامة إثبات ما كان ثابتاً، واستدامة نفي ما كان منفياً. يعني الأصل مثلاً يقولون براءة الذمة حتى يأتي ما يدل على شغلها، فأنت أمام القضاء إذا استدعاك القاضي وقد رفعت عليك دعوى بمبلغ مالي، هل القاضي يقول يلا مباشرة عليك تدفع المال ولا إيش يقول؟ الأصل أن المتهم بريء. نستصحب هذا النفي، الأصل عدم وجود شيء في ذمتك، نستصحب هذا حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك.
فهذا معنى أن الاستصحاب هو استدامة إثبات ما كان ثابتاً، فاستدامة الوضوء حتى يأتي ما يدل على انتقاضه، واستدامة نفي ما كان منفياً، استصحب براءة الذمة نفي وجود مبلغ في ذمتي حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك. لذلك قال والاستصحاب في الأصول، هل الاستصحاب حجة مستقلة؟ لا، هو كحجة، لماذا؟ لأنه هو ليس مصدراً للتشريع، هو استدامة لما ثبت بمصدر من مصادر التشريع، فرق ولا لا فرق بين أن أقول إن الاستصحاب هو نفسه مصدر، وبين أن أقول الاستصحاب هو استدامة ما ثبت بالقرآن؟ إذاً من هو المصدر التشريعي؟ القرآن، والاستصحاب هو استدامة ما ثبت به. استصحاب ما ثبت بالسنة، ما هو المصدر التشريعي؟ السنة، والاستصحاب استدامة ما ثبت بها حتى يأتي ما يغير، وهكذا. لذلك هو ليس حجة مستقلة، هو استدامة ما ثبتت حجيته حتى يأتي ما يغير ذلك.
لذلك قال هو كحجة عند انتفاء الدليل المغير. لاحظ ايش قال كحجة عند انتفاء الدليل، شو يعني كحجة عند انتفاء الدليل المغير؟ فأنا أستصحب ما كان ثابتاً وأستصحب نفي ما كان منفياً، ما دام لم يأتِ دليل يدل على التغيير، ما دام انتفى الدليل الذي يدل على التغيير. لذلك قال كحجة عند انتفاء، أي انتفاء، (ط) حذف الهمزة للضرورة الشعرية تمام، كحجة عند انتفاء الدليل، اكتب الدليل المغير، أي دليل يقصد هنا عند وجود الدليل الذي يقتضي التغيير عن الحالة الأصلية.
قال رحمه الله: والأصل للتحليل في المنافع عكس المضار بعد بعث الشارع. مما يتفرع على مسألة الاستصحاب مسألة: ما هو الأصل الثابت في المنافع؟ الأصل في الأمور التي تنفع الإنسان الحل، والأصل في الأمور التي تضر الإنسان الحرمة. فأي شيء ثبت نفعه للإنسان من معاوضة أو معاونة أو طعام أو شراب، فأقول الأصل الذي أستصحبه ما هو؟ الحل، حتى يأتي ما يدل على التحريم، والعكس بالعكس، الأصل في كل شيء ثبت ضره ضرراً غالباً ما هو؟ الحرمة، حتى يأتي ما يدل على ماذا؟
طيب من أين أتيت بهذا الاستصحاب؟ من يخبرني؟ أحسنت، نقول النصوص الشرعية هي التي أثبتت الحكم هذا، أن الأصل في المنافع الحل، النصوص الشرعية في الكتاب والسنة هي التي أثبتت هذا الأصل، أن الأصل في المنافع الحل، وأن الأصل في المضار التحريم. فإذاً استصحب هذا الأصل الذي ثبت بالنص حتى يأتي ما يقتضي خلافه، فكل ما فيه منفعة أستصحب أنه مباح حتى يأتي ما يقتضي التحريم ويغير، والأصل ما ثبت ضرره أنه حرام حتى يأتي ما يدل على التحليل لوجه من الوجوه وشكل من الأشكال.
لذلك قال والأصل للتحليل في المنافع، يعني الأصل في المنافع التحليل، عكس المضار، فالأصل فيها إيش؟ وكيف ثبتت هذه الأصول؟ بالنصوص، لذلك قال بعد بعث الشارع، يعني النصوص التي جاءت بعد بعثة النبي ﷺ هي التي دلتنا على هذه الأصول، لأن قبل البعثة هل توجد أحكام شرعية؟ لا، فالأحكام الشرعية إنما ثبتت ببعثة النبي ﷺ، ولا نقول كما تقول المعتزلة بالتحسين والتقبيح العقلي الذي بنوا عليه جواز ثبوت الأحكام الشرعية قبل البعثة، هذا نحن لا نقول به، أهل السنة والجماعة نعم.
قال رحمه الله، هكذا انتهى من مصادر التشريع والملحق بها. الآن سيختم هنا فيما يتعلق بقضية إذا تعارضت النصوص أو الأدلة كيف نتعامل معها، مسألة ما، هذا يسمى مبحث التعارض والترجيح. في علم أصول الفقه دائماً يختمون بالتعارض والترجيح، وهذا من قبيل كيف تستفيد من القواعد، احنا قلنا ما تعريف أصول الفقه؟ أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة، حتى أعرف كيفية الاستفادة لازم أتعلم ماذا أفعل في حالة التعارض، كيف أحل الإشكالات، كيف أحل الإشكال عند تعارض الأدلة، عند تعارض النصوص، تعارض الإجماعات، تعارض الأقيسة وما شابه ذلك، لكن هنا طبعاً سيتكلم بشكل مختصر بما يليق بهذه المنظومة.
نعم قال رحمه الله: وإن ترى الأمرين قد تعارضا وأمكن الجمع فلا تناقضا. وإن ترى الأمرين يعني النصين أو الدليلين قد تعارضا، ما الخطوة الأولى عند تعارض الأدلة؟ إذا تعارض دليلان أحدهما يدل على شيء والآخر يدل على شيء آخر، ما هي الخطوات عند الأصوليين؟ أولاً نحاول الجمع بينهما بأي طريقة من الطرق، فمثلاً نحاول إذا كان عاماً وخاصاً نحمل العام على الخاص، وإذا كان نص مطلق ونص مقيد يتعارضان نحمل المطلق على المقيد، أو كان نصان كلاهما عامان نحمل هذا العام على صورة، وذلك العام على صورة أخرى، المهم إذا تعارض نصان أو دليلان أول خطوة نحاول أن نجمع بينهما، لذلك قال وإن ترى الأمرين قد تعارضا وأمكن الجمع فلا تناقضا، خلاص إذا تعارض دليلان وأمكن الجمع بينهما إذاً لا تناقض، نستطيع أن نجمع كل النصوص بدون أن نضرب بعضها ببعض.
أو لا فقف، وإن علمت الآخر فناسخ فكن به مذاكرة. أو لا، إذا لم تستطع الجمع، خلص نصان لا يمكن الجمع بينهما، تمام؟ مثلاً ميمونة أن النبي ﷺ تزوج وهو حلال، وابن عباس يقول تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم، هذا لا يمكن الجمع بينهما، يا تزوج وهو حلال من الإحرام يا تزوج وهو محرم، في واحد أصاب وفي واحد أخطأ، لا يمكن الجمع، مش ممكن يكون يتزوج وهو حلال ومحرم، هذا جمع بين المتعارضين يعني المتضادات كما يقولون.
فإذاً إذا أمكن الجمع لا تناقض، لكن إذا لم يمكن الجمع قال إيش؟ قال أو لا فقف، يعني إذا لم يمكن الجمع فقف، لكن حقيقة الوقوف ليس هو المرتبة الثانية، اضطره إلى ذلك النظم، وإلا الحالة الثانية هي محاولة معرفة هل هناك ناسخ أو لا يوجد، لأنه ممكن نصين يتعارضان، حاولت أجمع، حاولت أجمع ما استطعت، فش مجال، متضادان تماماً، فهنا ننظر هل أحدهما جاء متأخراً فينسخ المتقدم؟ إذا عرفت أن أحدهما متأخر زمنياً أقول المتأخر ناسخ للمتقدم، ومر معنا تعريف النسخ البارحة، أليس كذلك؟ طيب إذا قال وإن علمت الآخر، أي الآخر من هذين النصين، فهذا الآخر يكون هو الناسخ للمتقدم الأول. نعم قال فكن به مذاكرة، يعني هذه فقط لتتميم البيت، يعني ذاكر هذا ولا تنسه.
وإن يخص واحد والثاني يعم فخصص بلا تواني. هذا حقيقة يعني أنا أرى أنه هذا من الإشكال، أن هو جعلها كأنها صورة مستقلة وهي صورة من صور الجمع، يقول إذا كان أحد النصين عاماً والآخر خاصاً فاحمل العام على الخصوص، زي ما أخذنا البارحة في الأمثلة، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ مع جواز نكاح الكتابية، بنحمل النص العام على الخاص، ما نقول في تعارض، لأن العام يعمل به في غير صورة الخصوص، مش هيك بيقولوا؟ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ هذا أين نطبقه؟ في غير الكتابيات، وأما الخاص فيعمل به في صورة الخصوص. فقوله وإن يخص واحد والثاني يعم، يعني إذا كان أحد النصين عاماً والآخر خاصاً، فالعام نعمل به في غير صورة الخصوص. حقيقة هل هذه صورة منفصلة ولا هذه صورة من صور الجمع؟ هذه حقيقة صورة من صور الجمع، فلا حاجة لأن يذكرها كأنها صورة مستقلة، هي صورة من صور الجمع، أن تحمل العام على الخاص، فتعمل بالعام في غير صورة الخصوص، والخاص تعمل به في مكانه، لذلك قال وإن يخص واحد أي أحد الأدلة كان خاصاً والثاني يعم، فماذا قال؟ فخصص هو يعني فخصص العام بلا تواني، يعني بدون أي تردد، احمل العام على الخاص.
وحيث في كليهما كلاهما فخصص هما واعمل بمقتضاهما. هذا لغز، وحيث في كليهما كلاهما، يعني عام نص عام ونص... أحسنت، إذا كان كل واحد منهما، عندي نصان كل واحد فيه عموم من جهة وخصوص من جهة أخرى، عندي نصان تعارضا، كل واحد فيه عموم من جهة وخصوص من جهة أخرى. اكتبوا عندكم هذا المثال: قال صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». الآن نقول اكتب تحت هذا النص هذا خاص بالماء إذا كان قلتين فصاعداً، القلتين يعني 191 لتر. إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، هذا الحديث خاص بالماء إذا كان قلتين فصاعداً، لم يحمل الخبث هذا عام، اكتب تحتها عام، عام من أي جهة؟ عام سواء تغيرت أحد أوصافه بالنجاسة أو لم تتغير، فإذاً هو خاص من جهة كمية المياه، عام من جهة أنه لا يحمل الخبث، سواء، هذا معنى العموم هنا، هذا عموم معنوي سواء تغيرت أحد أوصافه الثلاث الطعم أو اللون أو الرائحة أو لم تتغير.
الآن لو أنا أعطيتك هذا الحديث وحده، شو راح تفهم منه؟ أنه كل ماء 191 فصاعداً إذا سقطت فيه النجاسة لم يتغير أو تغيرت أوصافه فهو ليس بنجس. طيب ماذا يعارض هذا الحديث؟ يعارض اكتب الحديث الآخر: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه». نكتب تحت هذا الحديث، هذا الحديث عام في كمية المياه، هل حدد بـ191 أو أقل أو أكثر؟ الماء صيغة من صيغ العموم صح؟ «الماء لا ينجسه شيء» فهو عام من جهة كمية المياه، خاص من أي جهة؟ أنه قال «إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه»، فخصص عدم النجاسة بأي حالة؟ بحالة عدم تغير الأوصاف الثلاث. لأنه قال لا ينجسه إلا إذا تغير، فهذا يدل على أن الماء متى لا ينجس؟ بناءً على هذا الحديث في حالة عدم التغير، ومفهوم المخالفة أنه إذا تغير ينجس، إذاً هذا عام في المياه، خاص بماذا بغير المتغير.
فصار عندي إذاً مشكلتين بين النصين صح؟ لأن النص الأول شو فهمت منه أنت؟ أي ماء 191 فصاعداً لا ينجس أبداً، تغير أو لم يتغير. النص الثاني شو فهمنا منه؟ أن الماء بغض النظر عن كميته إذا تغير بيصير نجساً وإذا ما تغير ما بينجس. وين التعارض؟ مين يعرف لي وين منطقة التعارض؟ حدد لي إياها بين الحديثين. منطقة التعارض الماء الأكثر من قلتين في حالة التغير، هي منطقة تعارض بين الحديثين. الماء الأكثر من قلتين في حالة التغير، النص الأول يدل على ماذا؟ أنه لا ينجس أبداً، النص الثاني يدل على أنه ينجس. فهنا ماذا نفعل؟ كل حديث فيه عموم من جهة وخصوص من جهة، فقالوا نخص عموم كل حديث بخصوص الحديث الآخر. اكتب عندك: نخص عموم كل حديث بخصوص الحديث الآخر. كيف؟ الآن الحديث الأول «إذا بلغ الماء قلتين»، عام من أي جهة؟ «لم يحمل الخبث»، عام من جهة التغير وعدم التغير، خاص من أي جهة؟ كمية المياه. الحديث الثاني «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه»، عام من أي جهة؟ كمية المياه، خاص بأيش؟ بالمتغير فقط. خصص لي عموم كل حديث بخصوص الحديث الآخر، ماذا سينتج عندي من أحكام؟ سينتج عندي، إذا بلغ الماء قلتين من جهة المياه خاص، والحديث الثاني من جهة المياه عام، نخصص العموم الثاني بخصوص الأول، سيصبح نقول الماء لا ينجسه شيء، هذا خاص بما كان قلتين فصاعداً، نقول الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه، نخصص الماء وإن كانت لفظة عامة سنخصصها بخصوص الحديث الثاني أنها تتحدث عن الماء.
أما الماء الذي أقل من قلتين؛ فماذا عند الحنابلة وأكثر العلماء؟ ينجس بالملاقاة، خاص بالمتغير فقط؛ فبدأت أخصص عموم الأول بخصوص الثاني، فأقول: لم يحمل الخبث؛ هي عامة، سأخصص بالثانية فأقول: لم يحمل الخبث إذا لم يتغير. هكذا سيصير خصوصها؛ بدي أقدر هذا الخصوص، طيب إذا تغير؛ لا خلص يحمل الخبث.
طيب كيف عرفت؟ ما أقول لك لم يحمل الخبث، خصوص الحديث الثاني هذا اسمه عموم، كل حديث تم تخصيصه بخصوص الحديث الآخر. أنت حتى تفهم هذه الأمور؛ جيب الحديث الأول، جيب الحديث الثاني، حط العام هون والخاص هون، وانقل الخاص هناك للعام الجهة الثانية؛ اعمل بينهم نقل، فسيحصل عملية التخصيص أمامك.
فنقول خلاصة الحديثين حتى نجمع بينهم بدون ما نضارب: أن إذا كان الماء دون القلتين، قالوا ينجس بمجرد الملاقاة؛ يعني مجرد ما تقع فيه نجاسة ينجس. إذا كان الماء قلتين فصاعداً -وهي منطقة التعارض زي ما حكينا- هل ينجس ولا لا ينجس؟ إذا وقعت فيه النجاسة ينجس بشرط التغير.
كيف أنتج الفقهاء هذه الأحكام بالجمع بين هذين الحديثين؟ حملوا عموم كل حديث على خصوص الحديث الآخر؛ فنتجت هذه التفاصيل أن ما دون القلتين ينجس بمجرد الملاقاة، وما كان قلتين فصاعداً لا ينجس إلا إذا تغير. طبعاً كيف عرفنا؟ أنت رح تقول لي: يا شيخ كيف عرفنا أن الأقل من قلتين ينجس بمجرد الملاقاة؟ من وين استنبطها؟ بده واحد فهمان شوية.
مفهوم المخالفة من النصين؛ أنه قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، شو مفهوم المخالفة؟ إذا كان أقل من قلتين حمل الخبث. مباشرة هكذا صار حمل الخبث مباشرة سواء تغير أو لم يتغير. فإذا مفهوم المخالفة كذلك؛ يعني الماء لا ينجس شيئاً إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه، هي خصصناه بما فوق القلتين، فما كان أقل من قلتين لا يشترط فيه التغير أصلاً، فينجس بمجرد الملاقاة.
هذا كلامنا عام وسريع فقط من باب تسهيل الفكرة، بس أنت لازم ترتبها عندك حتى تفهمها أكثر وأكثر، لذلك قال: وحيث في كليهما -أي في كلا النصين- كلاهما وجد؛ كلمة وجد بدي أضيفها حتى تفهم، وحيث في كلا النصين كلاهما وجد. شو هم كلاهما؟ العموم والخصوص؛ فكل نص كان عاماً من جهة وخاصاً من جهة أخرى. فهنا ماذا تخصصه؟ فخصص عموم كل نص بخصوص النص الآخر؛ عموم كل نص يخص بماذا؟ بخصوص النص الآخر، واعمل بمقتضاهما؛ يعني اجمع بينهم، وهذه طريقة من طرق الجمع أصلاً.
نعم، قال رحمه الله: وقدم الظاهر في الدليل، وموجب العلم على التأويل والظن. وقف، الآن إذاً أول خطوة -إخواني- من خطوات التعامل بين النصوص المتعارضة ما هو؟ الجمع. صح، الخطوة الثانية هي النسخ؛ إذا لم نستطع نجمع فنعرف، إذا عرفنا المتقدم من المتأخر فالمتأخر يكون ناسخاً. طب ما استطعنا نعرف المتقدم من المتأخر؟ الترجيح، وهنا بدأ في الترجيح.
فقال: الوقف؛ حقيقة هو آخر شيء -إخواني- الوقف، هذا إذا لم تجد مرجحاً توقف، عشان كذا أنا قلت هو ذكر ابتداء لكن رح يشوش عليك، فأنت اذكر انتهاء، هي المراحل أربعة: أحاول أجمع، فإن لم أستطع أحاول أعرف الناسخ من المنسوخ، فإن لم أعرف التاريخ أحاول أن أرجح، لم أجد مرجحاً أتوقف وأذهب أبحث عن الحكم في مكان آخر.
لذلك قال هنا في بيان طرق الترجيح، قال: وقدم الظاهر في الدليل وموجب العلم على التأويل والظن. طبعاً هنا في لف ونشر مرتب، الظاهر يقدم على المؤول، ويفيد العلم يقدم على الذي يفيد الظن، فقوله: والظاهر على التأويل، والموجب للعلم على الظن، فبدك تنتبه للبيت كيف قراءته: وقدم الظاهر في الدليل وموجب العلم على التأويل والظن. فكلمة الظن متعلقة بالعلم، وكلمة التأويل متعلقة بالظاهر.
فإذا كان عندي نصان متعارضان، أحدهما فيه فهمان متعارضان؛ واحد يريد أن يحمل النص على الظاهر، والمذهب الثاني بده يحمل النص على معنى مؤول، أيهما يكون أرجح؟ الذي يريد أن يحمل اللفظ على ظاهره قوله راجح على الذي يريد أن يحمل اللفظ على المعنى المؤول. أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل؛ الجمهور حمل المرأة على عمومها فلا يجوز نكاح أي امرأة بدون ولي، الحنفية حملوا المرأة هنا على الأمة، نقول: حمل المرأة على الأمة هذا مؤول، هذا ليس ظاهراً، والظاهر أن المرأة على عمومها، فأي المذاهب يقدم؟ مذهب الجمهور، فلا يجوز أن تنكح المرأة بدون ولي سواء كانت أمة أو غير أمة.
وكذلك موجب العلم على الظن؛ عندي نص قطعي ونص ظني، أيهما يقدم؟ إذا تعارضا يقدم القطعي تمام، ما فهمه جزم يقدم على ما فهمه ظن، بس بشرط لا يمكن الجمع ولم أعرف الناسخ، ركز، هذا متى تذهب إليه؟ إذا لم يمكن الجمع، بين القطعي والظني إذا أمكن الجمع خلص ما في ترجيح. فهمنا؟ نفس الشيء الظاهر والمؤول، إذا أمكن الجمع ما في ترجيح. الترجيح متى يكون؟ إذا لم يمكن الجمع ولم يعرف الناسخ، خلاص ما عندي إلا أرجح. ما وجدت مرجح شو بتعمل؟ تتوقف.
قال رحمه الله: والسنة والكتاب على القياس، فافهم الخطاب. من قضايا الترجيح أيضاً أن السنة والكتاب يقدم على القياس، وهذا قد نقول أنه من تقديم القطع على الظن أو الأعلى رتبة على الأقل رتبة؛ لأن القرآن والسنة لا يعارض بالقياس. أما القياس فالجلي قدم على الخفي، فاشكر المعلم. القياس الجلي هو قياس العلة، والقياس الخفي هو قياس الدلالة والشبه، سميه كمان. إحنا أمس درسنا قياس العلة وقياس الدلالة وقياس الشبه؛ إذا أنا عندي قياس وأنت عندك قياس، أنا قياسي قياس علة وأنت قياسك قياس دلالة، وكل واحد أنتج حكماً معارضاً للآخر، أيهما الذي يرجح؟ قياس العلة يرجح على قياس الدلالة، أنا عندي قياس دلالة وأنت عندك قياس شبه، أيهما يرجح؟ قياس الدلالة؛ لأنه أقوى من قياس الشبه، فهذا ترجيح في الأقيسة.
قال رحمه الله: والشرط في مجتهد؛ هكذا نكون انتهينا -إخواني- من -طبعاً انتهاء مختصراً جداً ومقتضباً- من موضوع التعارض والترجيح، طبعاً قضية أنك لا تجد مرجحاً هذا صعب جداً، وليس للمرجح انحسار، كما قال السيوطي: وقوة الظن هي المثار، وليس للمرجح انحسار. فالمرجحات لا حصر لها، وبالتالي صعب جداً جداً تجد توقفاً؛ لأنه لا بد تجد مرجحاً من هذه المرجحات يقوي النص على الآخر أو هذا الدليل على الآخر، قضية أنك ما تجد مرجحاً هذا نادر جداً.
الآن سنأتي إلى الحالة الأخيرة أو القسم الأخير من علم أصول الفقه، قلنا: ما تعريف علم أصول الفقه؟ نرجع مرة ثانية: أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة. خلص درسنا شو هي الأدلة الإجمالية باختصار، درسنا كيفية الاستفادة باختصار. الآن بده يعرفك آخر جزئية، وهي حال المستفيد، من هو؟ المجتهد، ما هي شروط الاجتهاد؟ مش قلنا الأصولي من عمله أنه يعطيك مواصفات المجتهد الذي يحق له أن يستعمل مصادر التشريع؟ لأنه أكيد مش أنت اللي راح تستعمل مصادر التشريع لإنتاج الأحكام، أنت مقلد. لما تصير إن شاء الله مجتهداً، بتروح لي على البخاري ومسلم، تروح تفتح كتب التفسير، بتصير تستنبط لنا أحكاماً وتعمل لي مذهباً خامساً وسادساً، لكن حالياً الله يكرمك حاول تبقى على المذاهب الأربعة؛ لأنه بالتأكيد المواصفات التي سيذكرها الآن للمجتهد الذي يحق له أن يذهب إلى مصادر التشريع وينتج الأحكام منها، قد هي ليست متوفرة فيك في هذه المرحلة.
قال: والشرط في مجتهد أن يكون صاحب أصل وفرع وخلافاً غالباً. الشرط في المجتهد أن يكون مصاحباً -أي أن يكون معه- أصل -أي ضابط لأصول الفقه-، وفرع -أي ضابط للفروع الفقهية على الأقل في مذهبه-، وخلافاً -أي يعرف الخلاف بين المذاهب الفقهية-. حتى إذا هذه طبعاً شروط -إخواني- حتى تصبح مجتهداً مطلقاً تستطيع أن تخرج عن المذهب وتفتي وترجح بين المذاهب، أنتم إن شاء الله اليوم أول ما تدخلوا على الجامعة بتبلشوا ترجحوا صح بين المذاهب؟ أه، هذه آفة دخلت على كثير من العقول، ولهذا لا يصح أن الطالب المبتدئ، الفرق طبعاً بين المعلم الذي يعلم الطلاب، وبين المعلم الذي يأتيك في امتحان آخر الفصل يقول لك: اختلف الشافعية والحنفية رجح بينهما، تمام؟ يعني أحياناً تخشى أن يكون في هذا جرأة على دين الله سبحانه؛ لأنه هذا الطالب بتقول له: رجح، يا أخي هو ما يعرف أصول اللغة العربية، الآجرومية يخطئ فيها، تقول لي رجح؟ إيش رجح بين الشافعي وأحمد؟ وهذا الطالب مسكين ما يعرف خمساً مما يعرفه الشافعي وأحمد، فهذه حقيقة جرأة، يجب أن يعرف الطالب قدر الأئمة، وما معنى كلمة الترجيح وأنها كلمة عظيمة في دين الله، كلمة عظيمة جداً جداً. العلماء لأنهم كانوا يدركون عظمتها كانوا يهابون أن يدعوا لأنفسهم الترجيح، أما نحن لما أصبحت هذه الكلمة ممجوجة والكل يرجح ما عادت لها قيمة ووزن في قلوبنا، لكنها كلمة عظيمة فلا تتجرأ عليها.
إذا أول شيء أن يكون عارفاً كما قلنا بأصول الفقه، ثانياً عارفاً بفروع مذهبه، ثالثاً أن يكون عارفاً بالخلاف، وقال: وخلافاً غالباً ومذهباً، يعني عليك أن تعرف الخلاف بين المذاهب، والخلاف في داخل مذهبك، وفي خلاف حتى داخل دائرة المذهب، فعليك أن تعرف الخلاف الذي يكون بين المذاهب، والخلاف الذي يكون داخل دائرة المذهب الواحد إذا أردت أن تدعي أنك مجتهد مطلق.
وما هو المعتبر للحكم من آياتنا والخبر؛ إذاً الشرط الرابع، إذاً الشرط الأول دارياً بأصول الفقه، دارياً بفروع مذهبه، عارفاً بالخلاف العام بين المذاهب والخلاف الخاص داخل المذهب، الشرط الرابع أن يكون على دراية واطلاع دقيق بآيات الأحكام وأحاديث الأحكام. بصير واحد يجتهد وهو لا يعرف آيات الأحكام وأحاديث الأحكام؟ هم يقولون لا يشترط حفظها لكن يشترط أن تكون عارفاً بمواطنها على الأقل، أن تكون عارفاً بمواطنها، وإلا فالحفظ. لذلك قال: وما هو المعتبر للحكم -يعني من آياتنا والخبر-. الآيات القرآن، الخبر الحديث والآثار، فيجب أن يكون متضلعاً.
حالة الرواة أيضاً، حتى تصبح مجتهداً، هذا الشرط إيش وصلنا؟ قلنا إذاً أن يعرف الأصول والفروع والخلاف العام والخاص، وأن يعرف آيات الأحكام وأحاديث الأحكام -بدي أعتبرهم خمسة-، وأن يعرف اللغة -بدي أعتبر النحو مع اللغة- تمام، وأن يعرف حالة الرواة أيضاً؛ يعني أن تكون لديك قدرة على معرفة الصحيح من الضعيف من الأحاديث، وهذا يحتاج أنك تكون عندك خبرة بماذا؟ بالجرح والتعديل، ومن هو الموثق من الرواة ومن هو المجروح، حتى لا تبني فقهاً على حديث متروك، فلا بد أن تعرف الجرح والتعديل لرواة الحديث.
وهذه اليوم -إخواني- يصعب أن تجد شخصاً جمع كل هذه التفاصيل كما يريدونها، لكن على الأقل أنك تعرف هذه الأمور تجعلك تهاب، تجعلك تهاب ولا تتجرأ على الترجيح والمناظرة مع الكبار، وتعرف قدرك وتسعى في تحصيل هذه الأدوات ما أمكنك العمر، فهذه إذاً ما تسمى شروط المجتهد، هذا معيار الأصولي، يقول لك: هي الشروط توفرت فيك تفضل استعمل مصادر التشريع، ما توفرت فيك، الله يرضى عليك التزم مذهبك، ويخلف عليك، وافهمه وتعلمه وعلمه للناس، لكن لا تتجرأ.
إحنا مشكلتنا بتلينا ببعض أصحاب العقول الضعيفة ممن يظن نفسه أنه عادي بيفتح البخاري ومسلم ويقول لك: أنا بستنبط، أو بيفتح عمدة الأحكام وبيقول لك: أنا بستنبط. يا أخي ماذا تستنبط؟ يعني ما أنت تخطئ في أصول اللغة العربية، يعني من أنت في مقام الشافعي وأحمد ومالك وسفيان والأوزاعي والليث؟ يعني هذه عدم دراية -إخواني- بقيمة العلم، الذي يقول لك: استنبط من عمدة الأحكام ولا من بلوغ المرام هذا لا يعرف حرمة العلم أصلاً، لو عرف حرمة العلم قال هكذا، وهو يعلمك وأنت ما زلت شاباً صغيراً. أنت -إخواني- بعض المسائل هنا في هذه المنظومة تكد عقلك حتى تفهمها، لسه فهم المسائل الأساسية، فما بالك بالأمور العظيمة والدقيقة في المقاصد والمصالح وما شابه ذلك؟ هذه أبواب أنا لا أقول يستحيل الوصول إليها، لكنها تحتاج إلى طول زمان، يعني بعد 30 - 40 سنة، والله اجتهد إذا طبعاً كلها 40 سنة في طلب العلم والانشغال وحصلت. لكن طالب ما زال سنة ثالثة رابعة في كلية الشريعة، عم يرجح بين الأئمة وكلام الكبار، هذا كما قلت لعدم دراية بحرمة العلم والله أعلم.
نعم، قال رحمه الله: والاجتهاد بذلك في تحصيل ما طلبته لتكتفي. عرف الاجتهاد، ما هو الاجتهاد أصلاً؟ الاجتهاد قال هو بذل الطاقة في تحصيل ما تطلبه من المسائل والنوازل. عندي مسألة نازلة أو مسألة بدي أعرف حكم الله فيها ولو لم تكن نازلة، الاجتهاد هو بذل الفقيه الطاقة في تحصيل ما يطلبه تمام، والاجتهاد بذل الطاقة في تحصيل ما طلبته لتكتفي، وكل من يعني لتصل إلى المطلوب، بذل الطاقة في تحصيل ما تطلبه لتكتفي تمام، أو نقول حتى تصل إلى أعلى درجات الجهد، ممكن نقول لتكتفي ما معناها؟ يعني حتى تصل إلى أعلى درجات الجهد في بذل الطاقة، الذي يسميه البعض استفراغ الوسع، مش بذل أدنى طاقة، لا بد تبذل أعلى درجات الطاقة حتى تصل إلى حكم الله سبحانه وتعالى.
نعم، وكل من على اجتهاد صبر إن لم يقصر فعليه أجر؛ لأنه الفروع الفقهية كمل كمل لأنه المصيب والتقليد قبول قول ما له شهود. طيب في الفروع الفقهية يا إخواني إذا...
اجتهد مجتهدان أحدهما أصاب والآخر أخطأ، فالمجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد ما دام مجتهداً. لكن هل كلاهما مصيب؟ لا، هذا هو الصواب؛ أن المصيب واحد، لأن هذه مسألة خلافية، فإذا اجتهد مجتهدان وكل واحد وصل إلى حكم مختلف عن الآخر، بعض الناس يقول كلاهما مصيب، وهذا غريب حقيقة أن نقول كلاهما مصيب. المسألة إما حلال أو حرام، واحد أداه اجتهاده إلى أنها محرمة، والآخر أداه اجتهاده إلى أنها حلال، كيف نقول كلاهما مصيب كحكم؟ هذا قول ضعيف جداً، والصواب أن أحدهما مصيب قطعاً والآخر مخطئ، وإن كنا قد لا نجزم بذلك الآن، لكن عند الله أحدهما مصيب والآخر مخطئ، والمصيب له أجران والمخطئ له ثواب واحد.
نعم، لأنه إن قيل: «إذا اجتهد كل من على اجتهاد، فله أجر إن لم يقصر»، انظر شو عبارة دقيقة، من الذي يأخذ أجراً إذا أخطأ؟ المجتهد الذي لم يقصر، أما إذا أنت اجتهدت لكنك قصرت، فما لك أجر بل عليك وزر. فكل من اجتهد وتحمل ولم يقصر، لكن سبحان الله لم يوفق إلى الصواب في فروع الفقه، فعليه أجر، أي يأخذ أجراً واحداً؛ لا أنه المصيب، لكنه لا يعتبر مصيباً، نقول كلامك خطأ لكن الله سيعطيك ثواباً وأجراً على اجتهادك.
هذا فيما يتعلق بالاجتهاد، وأما التقليد، فالتقليد هو قبول قول من له شهود؛ التقليد هو أن تقبل قول الإمام أو العالم بدون أن تعرف دليله، فالشهود هنا بمعنى الأدلة. التقليد هو أن تقبل قول شيخك أو قول إمام مذهبك وأنت لا تعرف دليله، فهذا اسمه تقليد؛ لأنني اتبعت مذهب الإمام أحمد بدون أن أعرف ما أدلة أحمد على هذه المسائل، فهذا ليس اجتهاداً، هذا بالتأكيد يسمى تقليداً.
قال رحمه الله: ولم نجوزه لذوي الاجتهاد، ولا يجوز التقليد لمن توفرت فيه شروط الاجتهاد؛ نحن أخذنا قبل قليل شروط المجتهد، فمن توفرت فيه معايير المجتهد لا يجوز أن يقلد. لكن من الذي تتوفر فيه هذه الشروط؟ ندر من تتوفر فيه شروط المجتهد في هذه الأزمنة، هم ندر حقيقة، وإلا فأكثر الناس هم أتباع لأئمة مذاهبهم. فقوله: ولم نجوزه للاجتهاد، يعني لا تتحمس كثيراً أنت وتقول إذاً أنا لا يجوز أن أقلد لأنني مجتهد؛ هو يقصد شخصاً توفرت فيه معايير الاجتهاد التي ذكرناها، فهذا لا يجوز له أن يقلد، وأما أنت فتقلد.
وربنا أعلم بالسداد، أي بالصواب. تمت، وهذا آخر المرامي، تمت أي تم انتهت هذه القصيدة المختصرة. طبعاً كل ما ذكرته إخواني هو رؤوس أقلام فقط في أصول الفقه، كل ما تم ذكره هو رؤوس أقلام سريعة خاطفة في علم أصول الفقه، لأننا في مدارج نهتم بالكليات، وأما التفاصيل وأن تصبح أصولياً، فهذا يحتاج إلى دروس مفصلة وأمثلة تطبيقية عديدة.
قال: تمت، وهذا آخر المرام، وهذا آخر المقصود في هذا السياق، والحمد لله على أن أعاننا على تمام هذه المنظومة، مصلياً على الهدى خير البشر. مصلياً على الهدى، يقصد بالهدى النبي صلى الله عليه وسلم، مصلياً على الهدى خير البشر، وآله الغر مصابيح الدرر. الغر هو الشيء البارز الظاهر، ومن هنا كان الفرس الأغر مميزاً لأن الغرة تكون في وجهه، فوصف آل النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم غر لأنهم أعلام، وهم مصابيح أي الدرر، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. هذا نهاية تعليقنا على هذه المنظومة.
أنا كنت أريد أن أدخل في السيرة، بس لا أعرف كيف الهمة، عادي مشايخ؟ لا، أنا سأخلص من باب الاختصار، اليوم إن شاء الله سأقف على الساعة التاسعة، وأول مرة ألتزم بالموعد، لكن غداً إن شاء الله نأخذ قسطاً أعلى. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل