غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حيّاكم الله أيها الأكارم في المجلس الثامن من الدورة العلمية المكثفة مدارج العلم في موسمها الثالث لعام 1445 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقد قاربت رحلتنا من نهايتها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا من المثابرين على حضور مجالس العلم وعلى إحياء هذه السنة، وعلى أن لا ننقطع ولا ننشغل بهذه الدنيا الفانية وبحطامها، وأن يجعل هذه المجالس نوراً لنا في قبورنا وحين نلقاه، وأن يجعلها شفيعاً لنا يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ونسأل الله أن تبقى هذه المجالس حيّة في بلادنا عامرة بالخير وبالفائدة، ولا تزيده سعة في علمه. هذه المجالس ليست فقط مجالس علم، بل هي أيضاً مجالس تربية وسلوك وأخلاق؛ فأنتم في هذا الزحام تتعلمون كيف تتعاملون مع بعضكم البعض، وكيف تديرون علاقتكم مع إخوانكم، كيف يتعامل الإنسان مع شيخه ومع زميله ومع قرينه ومع إخوانه، وكيف تتعامل الأخوات بين بعضهن البعض. هذه أمور إنما تُتعلم في مجالس العلم، وحق للإنسان أن يتعب ويذهب ويأتي وينصب من أجل هذه النعمة، ومن أجل هذه البركة التي لا يتصور الإنسان كيف يمكن أن يعيش حياته بدون حضور مجالس العلم.
تخيل حياتك أيها المسكين وأنت فقط منذ أن ولدت إلى أن تموت وأنت لا تحضر مجالس العلم، وإنما فقط مجالسك أمام السوشيال ميديا وفي المأكل والمشارب والمطاعم؛ محروم من لا يحضر مجالس العلم، ومغبون من فاته هذا الخير وهذه العظمة وهذه البركة. الحياة فيها بركات، وهذه البركات إنما تأتي من الله، والله سبحانه وتعالى ينزل البركات على مجالس العلم وعلى حلق المذاكرة؛ وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده.
هذه البركات لم تذكر في حديث إلا في مجالس العلم، فمن أين تأتي بها في مجالس السوشيال ميديا أو أمام شاشات التلفاز أو في المطاعم والمشارب والمأكل أو الجلسات الشبابية التي كثيراً ما تكون مشحونة بما لا ينفع الإنسان؟ فحاول أن يكون لك ورد بعد هذه الدورة، ورد في حضور مجالس التعلم، وإياك أن تنقطع وأن تنشغل عنها فتكون من المحرومين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتني وإياكم على هذا الدرب حتى نلقاه.
سنبدأ بالتعليق على السنن الصغرى للعلامة البيهقي رحمه الله تعالى عليه. كتاب مراصد المطالع سيكون بعد المغرب إن كان في العمر بقية، لكن لأن كتاب البيهقي حقيقة هو أعمق وأعلى يحتاج إلى وقت كبير، فسنستمر في قراءة السنن الصغرى للعلامة البيهقي، وهو كتاب جميل حقيقة ونافع، ومن أنفع الكتب الصغرى التي ينبغي أن تعلموها وأن تقرئوها في حلقات ومجالسكم؛ لأنه اهتم بمختلف أبواب الشريعة.
أساس هذا الكتاب أحاديث الأخلاق والسلوكيات: علاقة الإنسان بربه، علاقة الإنسان مع نفسه، علاقة الإنسان بكل أطياف المجتمع، الأب، الأم، الزوجة، الأبناء، العائلة، المشايخ، الإخوة، كل أنواع العلاقات الاجتماعية. ذكر أحاديث تجعلك تفتخر بهذا الدين العظيم وما فيه من القيم والسلوكيات التي ننتمي إليها. لا أريد أن أطيل، نستغل المجلس بالقراءة، نشرع مستعينين بالله.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا. قال المصنف رحمه الله تعالى في الباب الخامس في غض البصر وكف الأذى وحفظ اللسان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عبد الرحمن بن شريح عن محمد بن سمير، قال الشيخ أحمد: كذا قال ابن وهب بالسين غير معجمة، وقال غيره بالشين معجمة، عن أبي علي الجنبي عن أبي ريحانة، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فذكر الحديث، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله». قال: ونسيت الثالثة. قال ابن شريح وهو عبد الرحمن بن شريح: وسمعته بعد أنه قال حرمت النار، وسمعته بعد أي في مجلس آخر سمعته يقول: «حرمت النار على عين غضت عن محارم الله أو عين فقئت».
بالتالي ستكون هي الثالثة. إذاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت النار» أولاً على عين دمعت من خشية الله. وهذا يدل كما نقول مراراً وتكراراً أن هذه الدمعة التي تخرج منك في لحظة صدق كبيرة عند الله وعظيمة عند الله ولا ينساها الله عز وجل لك؛ لأنها دمعة صدق. هناك إنسان يبكي على فوات معشوقه ومحبوبه، وفتيات يبكين على فوات المعشوقين، هناك إنسان يبكي على خسارة فريق في كرة قدم، هناك إنسان عينه تدمع لتوافقه الدنيا، وهناك إنسان عينه تدمع من خشية الله؛ هذه الدمعة الصادقة لا ينساها الله عز وجل لعبده فيحميهم من نار جهنم.
العين الثانية قال: «وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله». كيف يكون السهر في سبيل الله؟ قد يكون في الرباط على ثغور المسلمين، قد يكون في طلب العلم؛ إنسان بات الليل وهو يذاكر كتاباً علمياً أو يحقق أو ينظر أو يحفظ، هذه عين سهرت في سبيل الله. أيضاً إنسان في مشفى أو في مشروع خيري بات على فقير أو مسكين أو يتيم مشرف على حالة صحية له، هذه عين سهرت في سبيل الله. فالسهر في سبيل الله له أنواع وأشكال، وهذه العين التي نصبت وتعبت في سبيل الله في هذه الليلة، الله عز وجل يحميها ويحمي صاحبها من نار جهنم.
قال: ونسيت الثالثة. هناك عين ثالثة كان نسيها، لكن ماذا يقول ابن شريح؟ ثم سمعت شيخي بعد ذلك يقول، كأنه تذكر ما هي العين الثالثة، فقال: فسمعته يقول: «حرمت النار» وهذا موطن الشاهد في الحديث أصلاً لأنه الكلام في غض البصر: «حرمت النار على عين غضت عن محارم الله». ذاك الشاب الذي رآها تثيره فمن أجل الله ما أحد يوفه ولا يراه أحد، هو مسك جواله ولا يراه إلا الله فأغلق هذه الصورة المحرمة أو أغلق هذا المشهد المحرم، وهو يسير في الجامعة أو في الطرقات وبرز أمامه شيء مما لا يرضي الله وما أحد معه من أصدقائه حتى يستحي منهم، لا يراه إلا الله سبحانه، فغض طرفه من أجل الله سبحانه وتعالى؛ هذه الإغماضات لا ينساها الله لعبده لأن باعثها هو ماذا؟ الخوف من الله والخشية من الله. هذا الشعور الإيماني الله عز وجل يكبره فيك فبإذن الله يقيك بسببه من نار جهنم. قال: أو عين فقئت في سبيل الله، هذا يدل على شك من الراوي؛ يعني هو ماذا قال في العين الثالثة؟ هل هي عين غضت عن محارم الله أو عين فقئت؟ فقئت يعني دخل فيها رصاصة أو سهم وهو يقاتل في سبيل الله ذهبت في الجهاد في سبيل الله، فشك الراوي هل العين الثالثة هي العين التي غضت عن محارم الله أو العين التي فقئت في سبيل الله؟ وكله باب من أبواب الخير. قال رحمه الله: الحديث حسن بطرقه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». هو أتى بهذا الحديث أنه يتوافق مع ترجمة الباب الخامس في غض البصر وكف الأذى، فالمسلم بحق هو الذي يسلم إخوانه المسلمون من لسانه؛ فلا يغتاب ولا يسبهم ولا يشتمهم ولا ينتقص منهم، ويده فلا يضربهم ولا يؤذيهم ولا يعتدي على أموالهم ولا على حقوقهم. فحتى تكون مسلماً حقاً ينبغي أن تكف لسانك عن إخوانك المسلمين الأحياء والأموات، وحتى عن العلماء والكبار والصغار؛ كف لسانك ولا تتكلم إلا لما له حاجة، وكف يدك فلا تعتدي على أموال المسلمين ولا على أعراضهم ولا على بيوتهم ولا على حقوقهم؛ فهذا دلالة الإسلام. رواه مسلم عن الحلواني وعبد بن حميد عن أبي عاصم، وأخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر.
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران المعدل ببغداد، قال أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الصفار، قال حدثنا زكريا بن يحيى بن أسد، حا، وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد قال أخبرنا إسماعيل بن محمد، حدثنا سعدان بن نصر، قال حدثنا سفيان بن عيينة، اللي هم زكريا بن يحيى في الإسناد الأول وسعدان بن نصر لأنهما طريقان يلتقيان في سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».
هنا النبي عليه الصلاه والسلام يبين أن الإيمان بالله سبحانه وتعالى الإيمان الحقيقي الكامل والإيمان بالدار الآخرة يدفع الإنسان إلى مثل هذه الأخلاق. فالأخلاق في الإسلام مرتبطة بالإيمان ليست منظومة منفصلة؛ الأخلاق في الإسلام مرتبطة بمفهوم الإيمان، والإيمان هو الذي يبعث عليها. فإكرام الضيف هو ثمرة إيمانك بالله وبدار الآخرة وما فيها من الثواب، الإحسان إلى الجار هو ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر، والثالث وهو موطن الشاهد من الحديث طبعاً أنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً مع إخوانه -تنصحهم، تأمرهم بالمعروف، تنهاهم عن المنكر، تذكرهم بالله- أو ليصمت؛ وهذا من كف الأذى؛ لأنه نحن في باب كف الأذى، ومن كف الأذى أنه إخوانك إما أن يسمعوا منك كلمة طيبة أو تصمت على الأقل ولا تؤذيهم؛ فإن الصمت وعدم الإيذاء أيضاً إن شاء الله تثاب عليه صمتك، تثاب عليه إذا نويت به ألا تؤذي إخوانك بغيبة أو نميمة أو استهزاء أو استخفاف أو همز أو لمز. قال رحمه الله: في رواية زكريا أو ليسكت، يعني في روايات هناك رواية ليصمت وفي رواية ليسكت والمؤدى واحد. رواه مسلم عن زهير بن حرب وابن نمير عن سفيان بن عيينة، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث المقبري عن أبي شريح.
الباب السادس في ترك ما يشغل عن ذكر الله تعالى. الباب السادس: أن المؤمن ينبغي أن يترك كل ما يشغله عن ذكر الله، يحاول أن يخفف من الملهيات التي تشغله عن ذكر ربه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو قال حدثنا سعيد بن مسعود، مرو هذا اسم مدينة، قال حدثنا النضر بن شميل، قال أخبرنا شعبة بن الحجاج، قال سمعت عبد الملك بن عمير قال سمعت أبا سلمة يقول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أصدق بيت قاله الشعراء: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». هذا بيت للبيد بن ربيعة رضي الله عنه وهو أحد الشعراء وهو أسلم وأصبح وله معلقة مشهورة، لكن له هذا البيت الجميل ماذا يقول فيه لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله يعني ما عدا الله باطل. يعني كل شيء سوى الله باطل، باختصار هذا معنى البيت، كل شيء سوى الله باطل.
ما معنى هذا الكلام وما موطن الشاهد فيه؟ هنا أن كل شيء يتعلق به الإنسان لا يقود إلى الله سبحانه وتعالى فهو باطل، وكونه باطل لا يعني أنه حرام، لكنه ليس حقاً، قد يكون حراماً، قد يكون مكروهاً، قد يكون خلاف الأولى، لكن هي القاعدة العامة كل شيء في دنياك لا يعلقك بالله ولا يوصلك إلى الله فهو من الباطل الذي لا ينبغي أن تنشغل به، سواء كان محرماً أو مكروهاً أو خلاف ذلك ليس موضوعنا الآن، فهذا يدل على أن طبيعة الحياة الدنيا الحقيقية هو أن تنشغل بالله وبكل ما يذكرك بالله سبحانه وتعالى، وما سوى ذلك من مطاعمك ومشربك الزائدة عن الحاجة وتفكيرك وهواك الزائد كل هذا باطل لا قيمة له ولو لم يكن حراماً. رواه في الصحيح عن أبي موسى عن غندر عن شعبة. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال أخبرنا أبو سعيد، وهذا موطن الشاهد في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام مدح.
هذه الكلمة تدل على ترجمة الباب، وهو أن الإنسان ينبغي عليه أن يترك ما يشغله عن ذكر الله؛ فكل ما لا يوصلك إلى الله ولا يشغلك بذكر الله فهو من الباطل. هذا ربط الحديث بترجمة الباب.
حدثنا سعد بن نصر قال حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ خميصة، والخميصة ثوب يلبسه العرب ويكون له أعلام، أي عليه زخرفة وتزيين. قالت: كان لرسول الله ﷺ خميصة لها أعلام، فأعطاها أبا جهم، وأخذ منه أنبجانية. تبادل النبي ﷺ مع أبي جهم الخميصة بالأنبجانية، والأنبجانية كِساء سادة لا يوجد عليه أي زينة أو زخرفة. فالنبي ﷺ كان يلبس هذه الخميصة المزينة، فقال لأبي جهم: «خذ هذه الخميصة وأعطني كساءك الخالي من الزخرفة».
فقالوا: يا رسول الله، إن الخميصة خير من الأنبجانية، تعطيه خميصة وهو ثوب غالٍ وتأخذ منه الأنبجانية، ثوب أسود سادة أو أبيض سادة؟ فقال ﷺ: «إني كنت أنظر إلى علمها في الصلاة». انظر هذا التعليل الجميل الراقي، إني كنت أنظر إلى علمها في الصلاة؛ يعني وأنا أصلي شغلتني الزينة التي عليها والزخارف التي تكون في أسفلها. يقول كما جاء في رواية أخرى: «فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي». وأنت تصلي أحياناً على سجادة، إذا كانت السجادة ذات زخارف، تصبح تشغلك عن الصلاة.
والنبي ﷺ علل هذا التعليل، وحقيقة استنباط البيهقي أو إتيان البيهقي بهذا الحديث هنا جميل في ربطه بالباب. ما ربط هذا الحديث بترجمة الباب؟ الصلاة من ذكر الله، فلما ألهته عن الصلاة، فالأمر واضح. الفكرة إذا كان النبي ﷺ يستغني عن أقل شيء يمكن أن يشغله عن ذكر الله، فما بالك بكثير من الملهيات التي في حياتنا وتشغلنا عن ذكر الله؟ إذا كان النبي ﷺ تخلى عن ثوب فيه شيء من الزخرفة لأنه أشغله أثناء الصلاة، فما بالك بجوالك وزخرفة الحياة التي حولك والملهيات التي أنت تصلي وهي محيطة بك؟
النبي ﷺ من خلال هذا التعليل «إني كنت أنظر إلى علمها في الصلاة» ينبهنا إلى ضرورة طرد الأشياء المشغلة عن ذكر الله، وهذا تعليل مهم وهذه فائدة الحديث الأساسية. إذا كان زينة صغيرة طردها، فما بالك أنت في حياتك؛ يمكن تعبد الله في أماكن مليئة بالملهيات والمشغلات، أو حياتك أصلاً كلها مشغلات وملاهٍ تبعدك عن ذكر الله وعن الصلاة.
قال رحمه الله: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام، وأخرجه من حديث الزهري عن عروة، وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري: «فإنها ألهتني في صلاتي». الهاء في الصلاة أسلوب من أساليب التعليل، فإذا استنبطنا العلة أنها ألهتني، فالمطلوب طرد كل ما يلهي الإنسان عن ذكر الله عموماً.
قال رحمه الله: ورواه علقمه بن أبي علقمه عن أمه عن عائشة وقال فيه: «فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد أن يفتنني». فإني نظرت إلى زينتها في الصلاة فكاد أن يفتنني، جعل ذهاب الخشوع في الصلاة فتنة. ما أكثر ما نفتن نحن في صلواتنا! تجد الإنسان يصلي والتلفاز مفتوح أمامه، تجده يصلي وإخوانه يتكلمون بجانبه، تجده يصلي في أماكن وأحوال لا يجد فيها الخشوع. النبي ﷺ كان يطرد أدنى شيء يشغل في الصلاة، فانتبه لهذا المعنى العظيم الشريف.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، قال أخبرنا محمد بن الحسين القطان، قال حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
«من حسن إسلام المرء» أي من دلالة حسن إسلامك أو الحسن هو الإتقان؛ من دلالة أن إسلامك متقن أن تكون إنساناً تترك ما لا يعنيك. ما علاقة هذا الحديث بترجمة الباب؟ أن انشغال الإنسان بما لا يعنيه يشغله عن ذكر الله الذي يعنيه. انشغال الإنسان بما لا يعنيه وفضول النظر وفضول الكلام يلهيك عما يعنيك. ما الذي يعنيني في الحياة؟ ذكر الله وعبادة الله، لذلك خُلقت. فهذا من حسن استنباط البيهقي أيضاً أن يقول لك هذا الحديث يدل على أن كل ما لا يعينك على ذكر الله ولا يزيدك قرباً من الله فهو يشغلك عن الله، يجب أن تتركه. والنبي ﷺ قال من حسن إسلام المرء ودلالة إتقانه في عبادته أن يترك كل الأشياء التي لا تعنيه لأنها لا تقربه من مولاه.
قال رحمه الله: قال وحدثنا أحمد، قال حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك، قال وحدثنا يحيى بن يحيى والقعنبي وابن أبي أويس عن مالك عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ بنحوه، هذا هو الصحيح مرسلاً. وهذا الحديث مرسل؛ لأن علي بن الحسين ليس صحابياً بل هو تابعي، فلما يقول عن علي بن الحسين قال رسول الله ﷺ، فهذا الحديث مرسل. والتابعي إذا قال قال رسول الله ﷺ يسمى مرسلاً، والمرسل يقبل في مثل هذه الأمور وفضائل الأعمال.
قال رحمه الله: وقد أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروزباري، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الفقيه الطوسي، وأبو القاسم علي بن الحسن الطوماني، وأبو بكر محمد بن محمد بن رجاء الأديب، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد، حدثنا أبي، حدثنا الأوزاعي، قال حدثنا قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». أراد أن يأتي بنفس الحديث السابق بسند متصل، وهذا السند الثاني هو نفس الحديث السابق، ولكن أتى به ليخبرك أن هذا الحديث ثبت عن النبي ﷺ متصلاً من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ فهذه فائدة تكرار الحديث.
الباب السابع في الاستقامة. الاستقامة هي الثبات على الدين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]. المراد بالاستقامة الثبات على دين الله سبحانه، أسأل الله أن يثبتنا جميعاً.
قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا علي بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا إسحاق، وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري ابن بنت يحيى بن منصور القاضي، قال أخبرنا جدي يحيى بن منصور، قال حدثنا أحمد بن سلمه، حدثنا إسحاق، حدثنا جرير عن هشام عن أبيه عن سفيان بن عبد الله أنه قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم».
سفيان بن عبد الله يحرص على الخير فيقول: قل لي يا رسول الله في الإسلام، أي في معنى الإسلام أو في هذا الطريق الذي هو إسلام في سيري إلى الله، قل لي قولاً جملة تنفعني لا أحتاج بعدها إلى شيء، قل لي جملة جامعة مانعة، إذا فهمتها وتمسكت بها لا أحتاج أن أسأل أحداً بعدك عن شيء في هذا الطريق. فقال أمرين: «قل آمنت بالله ثم استقم»؛ يعني اثبت إلى أن تلقى الله. الثبات هو حقيقة هذا الدين.
قال رحمه الله: رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن المؤمل، حدثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، قال حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش عن سالم عن أبي بن الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».
قال ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا»؛ ما معنى لن تحصوا؟ أي لن تستطيعوا استكمال كل خصائل الخير. مهما كنت إنساناً مجتهداً في طاعة الله، لن تستطيع أن تستكمل كل خصال الخير التي أمر الله بها، فماذا نفعل؟ أمرنا أن نركز على الأهم فالأهم، فقال: «واعلموا أن أفضل أعمالكم» أي أفضل الخصال التي ينبغي أن تتمسكوا بها الصلاة، فرضاً ونفلاً.
ثم قال: «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». لماذا؟ لأن الإنسان الذي يحافظ على وضوئه هو إنسان يترقب الصلوات، فكأنه يقول: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن دلالة أنه دائماً مستعد للصلاة، ودائماً مستعد للأعمال التي تحتاج إلى وضوء مثل مسك المصحف وما شابه ذلك. فهذه إشارة إيمان، الإنسان الذي هو دائماً متوضئ، لا يدخل دورة المياه فيخرج إلا وهو على وضوء، هو إنسان يعد نفسه دوماً لطاعة الله سبحانه وتعالى. هذه النية، وهي أنك دائماً تريد أن تكون مستعداً للطاعة، دلالة إيمان في قلبك، وأنني يا رب أريد أن أكون دائماً على وضوء استعداداً لمواسم الصلاة واستعداداً لأعمال الخير، هذا الشعور وهذا التفكير دلالة أن عندك إيماناً بالله وتصديقاً وحباً لرب العزة سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: ورواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ هكذا قال، وأخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن خشيش المقرئ بالكوفة، حدثنا أبو فر بن دحيم إملاءً، قال أخبرنا أبو عمر أحمد بن حازم بن أبي غرزة، قال أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا شيبان عن ليث فذكره.
هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ أمر بالاستقامة والثبات، ولكن هل من الثبات أنني سأستطيع أن آتي بكل خصال الخير؟ لا، فخذ من خصال الخير ما يعينك على الثبات، وأبرز هذه الخصال التي تعينك على الثبات الصلاة، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]. أبرز خصلة من خصال الخير تعينك على الاستقامة محافظتك على صلواتك، ومن المحافظة على الصلاة المحافظة على الوضوء، لأن المتوضئ دائماً مستعد لمقابلة ربه سبحانه، لا يؤخر الصلاة بحجة أنه غير متوضئ أو أنه في العمل وليس معه وضوء، لا، هو دائماً محتفٍ بطهارته.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا عبد الرحمن المقرئ، قال حدثنا كهمس بن الحسن، قال سمعت عبد الله بن بريدة يحدث عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن أبيه في حديث الإيمان، قال الرجل: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ ما الإسلام؟ قال الرجل الذي هو جبريل في حديث الإيمان الطويل، يا محمد ما الإسلام؟ قال: صدقت، قال: ما الإيمان؟ قال: صدقت. فالرجل هنا جبريل، لكن هو اختصر شيئاً من الحديث.
فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال الرجل: صدقت. ثم قال: يا محمد، أخبرني عن الإيمان، ما الإيمان؟ فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره». فقال: صدقت. ثم قال: أخبرني عن الإحسان، ما الإحسان؟ فقال الإحسان -هذا هو موطن الشاهد، الإحسان هو الذي ورد فيه مفهوم المراقبة لله-: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وذكر باقي الحديث. أخرج مسلم الحديث.
عن كهمس، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث يسمى حديث مراتب الدين، وأن الدين ثلاث مراتب؛ أقلها الإسلام، ثم الإيمان، وأعلاها الإحسان. فالإنسان إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، أول ما يسلم يدخل في المرتبة الأولى، فإذا واظب على الطاعات الظاهرة والباطنة دخل في مرتبة الإيمان، فإن ازداد مراقبة لله سبحانه وتعالى وعبد الله كأنه يراه، وصل إلى مرتبة ماذا؟ الإحسان.
فجبريل أتى فقال: يا محمد صلى الله عليه وسلم، أخبرني عن الإسلام؛ ما الإسلام؟ فأعطى أن الإسلام ابتداءً هو أن تحافظ على الأعمال الظاهرة، بعد الشهادة تحافظ على الصلاة، الزكاة، الصيام، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً؛ نحن نسميها أركان الإسلام الخمس، فقال: صدقت. طبعاً جاء في الرواية: فعجبنا له يسأله ويصدقه. لكن هذا لأنه جبريل عليه السلام. ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإيمان؛ ما تعريف الإيمان؟ فذكر له الأعمال الباطنة، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره؛ هذه تسمى أركان الإيمان الست، قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؛ متى يصل العبد إلى درجة الإحسان؟ الإحسان دائماً هو الإتقان. متى أكون في أعلى درجات الإتقان للدين؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه». والمراد هنا ليست رؤية العين، وإنما المراد رؤية القلب. فكيف أعبد الله كأنني أراه؟ يعني كأنني أستحضر وجوده في كل خطوة من خطوات حياتي؛ إذا أردت أشرب ماءً استحضرت وجود الله، إذا ذهبت إلى الدرس استحضرت وجود الله، إذا جلست بعد الصلاة استحضرت وجود الله، إذا رأيت منكراً أمامي استحضرت وجود الله. فأن تعبد الله كأنك تراه، يصبح وجود الله يخيم على كل حياتك وعلى كل تفاصيلها، فيحول بينك وبين معصيتك لله؛ وهذه أعلى درجات الإحسان.
فإن لم تستطع أن تصل إليها فلا أقل من الدرجة الأدنى، وهي: «فإن لم تكن تراه»، يعني إن لم تكن تستطيع أن تستحضر الله في كل الحالات، فعلى الأقل استحضر أنه هو يراك في كل مكان تكون فيه. فالإحسان مرتبتان؛ أعلاهما أن تعبد الله وأنت تستشعر وجوده في كل خطوة من خطواتك، فإن ضعفت عن استشعار وجوده فعلى الأقل استشعر أنه هو يراك في كل مكان تكون فيه. فالإحسان مرتبتان، أعلاهما أن تكون أنت لديك القدرة أن تشاهد الله بقلبك، فإن لم تستطع أن تشاهده بقلبك فاعلم أنه هو يشاهدك، وهذه الأدنى، وأدنى منها لا يوجد.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عثمان بن كثير بن دينار، عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم اللخمي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان». قال الشيخ أحمد: يعني أن الله معه بعلمه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت: «إن من أفضل إيمان المرء»، يعني من دلالة قوة الإيمان أو من أفضل خصال الإيمان، أن تستحضر هذا المعنى؛ ما هو هذا المعنى؟ أن يعلم الإنسان أن الله معه حيث كان في أي مكان تكون. لكن هذه المعية معية ماذا؟ معية علم وإحاطة. قال الشيخ أحمد (اللي هو البيهقي): يعني أن الله معه بماذا؟ بعلمه. لماذا البيهقي علق هذا التعليق هنا؟ هو خوفاً من فهم الجهمية للحديث. نحن هنا نتفق معه في الرد على الجهمية الذين يقولون إن الله موجود في كل مكان، ونحن لا نؤمن بذلك، وإنما الله فوق سبع سماوات على عرشه. فالجهمية ماذا يقولون؟ أن الله موجود في كل مكان، وهذا كما قلنا قول خطير لأنه معناه أن الله موجود في دورات المياه وفي الأماكن القذرة حاشاه سبحانه وتعالى. فالجهمية بماذا يستدلون من الأدلة المشتبهة؟ بهذا الحديث: «أن الله معه حيث كان». فماذا يحملون المعية هنا؟ أن معه بذاته، وهذا معناه أن ذات الله موجودة في كل شيء في الكون، وهذا خطأ. فكلام البيهقي هنا كلام صحيح؛ أن المعية هنا معية علم وإحاطة بحال عبده، وليست المراد أنها معية ذات؛ لأن هذا يؤدي إلى قول الجهمية إن الله موجود في كل مكان، وهذا قول فاسد.
فالمهم، ما دلالة هذا الحديث على ترجمة الباب؟ المراقبة؛ من المراقبة أن يعلم الإنسان أن الله معه حيث كان، هكذا أنت تكون مراقباً لله سبحانه وتعالى، لأنك تشعر برقابته وأنه يعلم ظاهرك وباطنك وخطراتك وأفكارك ووساوسك وكل شيء مما يجري. هذا الشعور هو الذي يورثك الاستقامة والثبات على دين الله والابتعاد عن الذنوب والمعاصي.
قال رحمه الله: الباب التاسع في الحياء من الله عز وجل. من عرف أن الله معه في كل مكان لا بد وأن يستحي، فكان هذا الباب هو ثمرة الباب الماضي. من عرف أن الله يراقبه ماذا أورثه ذلك؟ حياءً من الله. أن يراك الله على معصية، أن يراك على علاقة محرمة، أن يراك وأنت تنظر في الجوال إلى ما لا يرضيه، أن يراك وأنت لا تعبأ بوجودك في هذه الحياة، أن يراك إنساناً تافهاً لا تملك أي رؤية أو خدمة لأمتك؛ استحِ من الله سبحانه وتعالى أن يراك في غير ما يرضيه.
قال رحمه الله: أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داوود العلوي، قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشرقي، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي عليه الصلاه والسلام: مر برجل وهو يعظ أخاه في الحياء، يعني ماسك أخاه على جنب وعم يقول: يا فلان، أخي دعك من الحياء هذا، واجه المجتمع وانطلق في الحياة، وما بدي أشوف شخصيتك ضعيفة، وخليك إنسان قوي، واقطع شرش الحياء في حياتك وانطلق. فهذا الصحابي كان يعظ أخاه في الحياء، يعني يعظه في ترك الحياء. فالنبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال للواعظ؟ قال: «دعه، فإن الحياء من الإيمان».
لماذا تنصح أن يترك الحياء وتريد أن يترك هذه الخصلة؟ بعض الناس ربنا رازقه صفة الحياء أكثر من غيره. طبعاً فرق إخواني بين الحياء وبين الخجل الذي يمنع الإنسان من ممارسة أنشطة الحياة بشكل جيد؛ الخجل مذموم، الخجل الذي ليس حياءً، الخجل الذي يمنع الإنسان من ممارسة أنشطة الحياة هذا خطأ. لكن الحياء الذي يجعلك لا تتكلم إلا عند الحاجة، ولا تذهب إلا إذا دُعيت، وتتصرف دائماً بنوع من الهدوء والتؤدة، هذا حياء له أصول لقلبه. لا تقل له: لا، خَلِّ شخصيتك قوية واندفع. أخي، خَلِّ حياءه، حياؤه نافع، أهم شيء أنه ما يصل لمرحلة الخجل الذي يعيق عن ممارسة الأنشطة الطبيعية في الحياة، بحيث يُعتدى على حقه ولا يدافع عنه، ويُشتم ولا يستطيع أن يفعل شيئاً. هذا الخجل مرفوض، وأما الحياء المعقول الذي لا يمنع ممارسة الأنشطة هذا مطلوب، وهو كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإن الحياء من الإيمان»، يعني شعبة وخصلة من خصال الإيمان.
قال رحمه الله: رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك، قال وأخرجه مسلم من حديث ابن عيينة ومعمر عن الزهري، إذا هو حديث متفق عليه.
قال: وأخرج مسلم حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحياء كله خير»، و«الحياء لا يأتي إلا بخير». الحياء كله خير بجميع صوره وأشكاله، ولا يأتي للإنسان إلا بالخير في دينه ودنياه. لا تظن أن الحياء خصلة سلبية، حتى لو كان عندك حياء زائد بشرط ألا يعيقك عن ممارسة حياتك.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير بن جناح القاضي بالكوفة، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء»، قالوا: يا رسول الله، إنا نستحي من الله والحمد لله. النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم: «استحيوا من الله حق الحياء»، فالصحابة اندهشوا: يا رسول الله، نحن نستحي من الله والحمد لله، يعني لا يوجد عندنا نقص في حيائنا من الله. فقال: «ليس ذاك»، يعني ليس الموضوع هو ما تتصورون.
طيب ما هو الحياء الذي يريده النبي صلى الله عليه وسلم هنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «ليس ذاك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى». نعم، هذا هو الحياء المقصود هنا؛ أن تحفظ خطراتك، ألا تكثر خطرات رديئة. إخوان، كثير من الشباب، حتى نحن جميعاً نعاني قد نكون من هذه المشاكل، مشكلة الخطرات السيئة. بعض الشباب لو سألته: إيش أفكارك؟ ما هي الخطرات التي تجول في ذهنك؟ بعضه لا يعرف إلا الشهوات؛ يفكر كيف كذا يتم مع فتاة، يفكر كيف يبني علاقة محرمة، يفكر كيف ينظر حتى لو لم يفعل، لكن ما وعى هذا الرأس، ما هو خطرات رديئة. يجلس هكذا على فراشه منسدح، ينظر؛ وين خيالك يا فلان؟ في مسألة شرعية علمية بتحققها، ولا خيالك في شيء رأيته في الجامعة اليوم؟ أنت رايح جاي وهذا الرأس وما وعى. فالله عز وجل، من الحياء من الله أن تستحي أن ينظر الله إلى عقلك فيرى خطرات لا ترضيه.
قال: «وليحفظ البطن وما حوى». نعم، وليحفظ البطن ألا يدخله حرام أو ما فيه شبهة من المطعومات والمشروبات؛ وهذا من الحياء من الله. قال: «وليذكر الموت والبلى». ومن الحياء من الله أن تتذكر الموت والبلى. قال: «ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا». نعم، الذي يبحث عن الآخرة ترك الفضلات من الدنيا، ترك زينة الدنيا، يعني فضول الحياة الدنيا، فضول المطاعم، فضول المشارب، فضول الحديث. اللي يبحث عن جنة عرضها السماوات والأرض ما عنده وقت؛ هو مشغول بالمشاريع النافعة، العلم، الصلاة، الذكر، الإقبال على الله، البرمجة لهذه الأمة، والتفكير في برامج نافعة؛ ما عنده وقت لفضول الحياة لزينة الحياة الدنيا. يأخذ من الدنيا ما يكفيه، وإلا فهو عينه منصبة على الآخرة.
فهذا من الحياء من الله؛ أن يراك الله إنساناً تافهاً لا قيمة لك، ألا تستحي من الله؟ تقول لي يعني إيش علاقة هذا بالحياء؟ ألا تستحي من الله أنك تعيش من أجل الدنيا؟ إنسان يستحي أن يراه الله تافهاً، لا يحمل مشروعاً، لا يحمل فكرة، لا يحمل طموحاً، لا يحمل شيئاً يقدمه لهذا الوجود. فهذا من الحياء من الله. يعني ليس شرط الحياء من الله فقط أنك تترك المعاصي، لا، هو بعض الشباب هيك فكرته، خلص، وهذا كأنه ما جاء في ذهن الصحابة أنه: يا رسول الله نحن نستحي من الله ما بنعمل المعاصي. قال لهم لا، الحياء من الله شيء أبعد من ذلك، بل حتى ترك فضول الحياة الدنيا من الحياء من الله. أنك تترك السوشيال ميديا وما تجلس عليها إلا دقائق، هذا من الحياء من الله؛ لأنه الذي يجلس ثمان تسع ساعات على السوشيال ميديا إنسان تافه بالتأكيد. فلا تستحي من الله أن يراك ذاك الإنسان التافه اللي ما عندك شيء تفعله؛ لا كتاب تقرؤه، ولا درس تحضره، ولا شيء تحفظه، ولا برامج نافعة، أليست هذه تفاهة في الحياة؟ هذه تحتاج إلى حياء، أنه ربنا ينظر إلي وأنا إنسان تافه لا أقدم شيئاً ولا أخدم أمتي ولا أقدم ما يصلحهم. صح أنت بتقول يا شيخ: أنا ما بأتابع حرام، هي التفاهة بحد ذاتها تحتاج إلى حياء.
قال صلى الله عليه وسلم: «فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء». نعم، فهذه خصال عليك أن تضيفها لقاموس الحياء.
قال: وروي في ذلك عن هشام عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وفيه تأكيد لهذا المسند. الحديث إذا روي مرسلاً وفيه تأكيد لهذا المسند. والبعض يقول: هو حديث صحيح عن عبد الله بن مسعود موقوفاً ولا يصح مرفوعاً، يعني فيه خلاف، البعض حسنه مرفوعاً.
البعض قال: يصح من حديث ابن مسعود موقوفًا.
هكذا نعم، قال رحمه الله: الباب العاشر في الخوف والرجاء. قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن قريش الوراق، حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمر -يعني ابن أبي عمر-، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أعمال القلوب أيضًا التي ينبغي الحرص عليها، بعدما أخذنا الحياء، الآن سنأخذ عملين آخرين، وهما الخوف والرجاء، من أبرز أعمال القلوب التي ينبغي أن تعمر قلب الإنسان.
فقال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار».
نعم، إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة، فأمسك منها تسعًا وتسعين رحمة ادخرها للدار الآخرة، وأنزل رحمة واحدة على هذه الأرض. قال: وأرسل في خلقه أي أنزل على هذه الأرض رحمة واحدة، وهي التي نتراحم بها؛ فالأم ترحم ابنها، والأب يرحم ابنه، والأخ يرحم أخاه، والشيخ يرحم طلابه، وهكذا، والدواب يرحم بعضها بعضًا.
قال: فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته التي هي تسع وتسعون رحمة، لم ييأس من الرحمة يوم القيامة؛ يعني الكافر يرجو يوم القيامة أن يدخل الجنة لما يرى من سعة رحمة الله. وفي المقابل لو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار؛ فإن عذاب الله أيضًا كبير وشديد ومرعب. وهذا هو الخوف والرجاء؛ أن الكافر يوم القيامة سيكون عنده رجاء أن يدخل الجنة لما يرى من سعة رحمة الله، والمؤمن يوم القيامة سيكون عنده خوف من أن يدخل النار لما يرى من شدة عذاب الله سبحانه وتعالى وما أعده.
فهذا شعور الخوف والرجاء؛ لو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته، يعني لو يعلم الكافر في الدنيا ما ادخره الله من الرحمات ليوم القيامة لكان رجاؤه عاليًا، ولو يعلم المؤمن في الدنيا حجم عذاب الله في الدار الآخرة لعاش هذه الدنيا خائفًا. وبالتالي عليك أيها الإنسان أن تعيش بين هذين الشعورين: شعور الرجاء لأنك تعلم أن ربك عنده رحمات يوم القيامة، وشعور الخوف لأنك تعلم أيضًا أن عذاب الله شديد، وأن الرحمة لن يعطاها إلا من يستحقها، أليس كذلك؟ إن رحمة الله قريب من المحسنين، ورحمة الله لا تعطى لأي أحد، وإنما تعطى لمن يستحقها، فمن كان يعلم أن الله عنده رحمة وعنده عذاب، عاش حياته بين الخوف والرجاء. نعم، قال رحمه الله: رواه البخاري عن قتيبة بن سعيد، قال: وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة.
قال: حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داوود العلوي، قال: حدثنا أبو حامد بن الشرقي -مما أمله علينا من حفظه- قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن منصور، سليمان، الأعمش، قال: عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -عبد الله بن مسعود نعم- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك».
شراك النعل هو الحبل الذي يكون على النعل؛ الشراك هو الحبل. كانوا قديمًا أحذيتهم هكذا -وصفنا حذاء النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكرتموه- ويكون هناك حبل يربط، يعني خيطه القبال، فهذا الشراك وهو الحبل الذي يربط القبالة، هو قريب منك جدًا، أليس كذلك؟ قريب من جسدك. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله»؛ يعني من رباط حذائك، والنار مثل ذلك؛ يعني والنار أقرب إلى أحدكم من رباط حذائك. ماذا يفهم من هذا الحديث؟ أنك تحافظ على الخوف والرجاء؛ احتمالية دخولك الجنة كبيرة وقريبة منك، واحتمالية دخولك النار أيضًا كبيرة، ومن كان يعلم أن احتمالية دخول الجنة قريبة واحتمالية دخول النار قريبة، كيف سيعيش حياته؟ راجيًا دخول الجنة، خائفًا دخول النار.
لأن يقول: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله»؛ يعني الجنة قريبة، تقدر تدخلها، بس برضو في شيء ثاني قريب هي النار، برضو النار قريبة، وسهل إنك تدخلها، وأعمالك في الدنيا هي التي ستحدد إلى أين ستذهب؛ فكما أن الجنة سهلت طريقها لكنها حفت بالمكاره، كذلك النار حفت بالشهوات، فكله قريب، وأنت أدرى بأعمالك وإلى أين تذهب برجليك، وهذا الشعور بالتالي هو الشعور الذي ترجم له شعور الخوف والرجاء؛ من عرف أن الجنة قريبة ويمكن الوصول إليها كان عنده رجاء أن يصل إليها، ولكن من عرف أيضًا أن النار قريبة وهي أقرب أيضًا إليه من شراك نعله، كان هناك خوف من أن يدخلها. قال رحمه الله: رواه البخاري في الصحيح عن أبي حذيفة عن سفيان.
قال: وروى سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما يدخل الجنة من يرجوها، وإنما يجنب النار من يخافها، وإنما يرحم الله من يرحم». إذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنما يدخل الجنة من يرجوها»، إذًا دائمًا خلِّ عندك رجاء وحسن ظن بالله أن الله عز وجل يدخلك الجنة. قال: «وإنما يجنب النار من يخافها»، إذًا ما المطلوب؟ لا بد يكون عندي دائمًا خوف من النار، خوفك من النار أن تدخلها هذا بيخلي ربنا يساعدك إنك تجتنبها، بخلاف الذي إذا ذكرت النار لا يعبأ بذكرها، ومش خايف وما عنده شعور وجل منها، هذا لا يستحق المساعدة، أليس كذلك؟
فإذا إنما يدخل الجنة من يرجوها؛ يعني من يحسن ظنه بالله أن الله يدخله الجنة، ويعمل طبعًا بهذا الرجاء، فالله عز وجل يعينه على دخول الجنة، ومن أيضًا يخشى النار ويحاول أن يجتنبها الله يعينه على الخلاص منها، وأما اللي مش متفاعل مع هذه الأمور وعايش حياته بس شهوات وملذات وأكل وطعام وشراب، وكل موضوع الجنة والنار ليس من الملفات المهمة عنده في الحياة، هذا لا يستحق المساعدة، لذلك قال: «وإنما يرحم الله أيضًا من يرحم»؛ يعني من يرحم الناس يرحمه الله، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله. نعم، قال رحمه الله: حدثناه الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، حدثنا أبو عمرو بن مطر، قال: حدثنا القاسم بن زكريا المطرز، حدثنا سويد بن سعيد، فذكره.
قال رحمه الله: روى جعفر بن سليمان الضباعي، عن ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يعوده، فوجده في الموت -يعني وجده يحتضر- فقال صلى الله عليه وسلم: «كيف تجدك؟» فقال: أجدني أخاف وأرجو. وفي رواية سيار قال: كيف تجدك؟ يعني كيف تجد قلبك وأنت تحتضر؟ كيف معنوياتك؟ وهو في ساعات السكرات -نسأل الله الثبات- نعم، فقال رضي الله عنه: أجدني أخاف وأرجو، الصحابي ماذا قال؟ أجدني بين خوف ورجاء، أجدني بين خوف ورجاء.
قال: وفي رواية سيار قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، على الرواية الأخرى، أرجو السيار هي روايته ستأتي معنا أو السند الذي فيه الرواية سيأتي، أنه البيهقي في هذا الكتاب يفعل كثيرًا مما ذكره الذهبي في الموقظة؛ أنه يذكر المتن ثم بعد ذلك يذكر السند بعده، كثيرًا ما يفعل ذلك، أنه يذكر أولًا المتن ثم أسانيد في المتن يذكرها بعد ذلك. طيب، فقال صلى الله عليه وسلم -الرواية الأخرى قال-: «أرجو الله وأخاف ذنبي»، يعني وهذه حال المؤمن في السكرات، أنه يكون راجيًا مؤمنًا من ربه خيرًا ويخاف أيضًا من ذنوبه، ولكن يقول عند الموت ينبغي أن يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف، لأنه قد تيأس من رحمة الله في تلك الساعة فينقلب أمرك.
نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب مؤمن» -زاد سيار في مثل هذا الموطن- «إلا أعطاه الله الذي يرجو، وآمنه من الذي يخاف». شوف حال حديث ما أجمله، لا يجتمعان -يعني الخوف والرجاء في قلب مؤمن- وعلى الرواية الأخرى في مثل هذا الموطن، اللي هي في سكرات الموت، لا يجتمع شعور الخوف والرجاء في سكرات الموت في قلب مؤمن، إلا أعطاه الله الذي يرجو وهو المغفرة والجنة، وآمنه من الذي يخاف وهو العقاب والنار.
نعم، قال رحمه الله: يدل أن الإنسان يجب أن ينتبه لهذه المعاني القلبية، ويؤطر ويوطن نفسه عليها، لعل الله أن يختم له بها، لعل الله أن يختم له بها. نعم، قال رحمه الله: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا -لاحظ هو الآن يأتي بالسند بعد أن انتهى من الحديث- نعم، قال: حدثنا محمد بن إسحاق البغوي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، ح وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حامد المقرئ، وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الخضر بن أبان الهاشمي، حدثنا زيار بن حاتم، قال: حدثنا جعفر بن سليمان فذكروه بمعنى واحد. هكذا رواه جعفر، روي عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا بمعناه، والحديث حسن، هذا الحديث حسن.
نعم، قال رحمه الله: الباب الحادي عشر، قال: في قصر الأمل والمبادرة بالعمل قبل بلوغ الأجل. نعم، الباب الحادي عشر في أن المؤمن ينبغي أن يكون عنده طول أمل ولا قصر أمل؟ قصر أمل، يعني لا يبقى يظن أنه سيعيش مئات السنوات، بل يبقى يعلم أنه قد تأتيه المنية في أي لحظة. وهذا الشعور شعورك أن الموت يمكن يأتيك في أي لحظة يجعلك دائمًا تجهز أوراقك ولا تسوف، لا تسوف في التوبة من المعاصي، ولا تسوف في الأعمال والمشاريع، لأنك مترقب أن تموت في أي لحظة، لذلك الله عز وجل ذم بني إسرائيل، قال: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16].
الشعور بأنني سأعيش، وأنني سأصل إلى المئة، هذا يجعلك قاسي القلب، أما شعورك أن الموت يمكن يأتيك في أي لحظة، هذا يجعل قلبك يقظًا منتبهًا حيًا، فلذلك المؤمن، قال في قصر الأمل، وقصر الأمل هو الذي يدعو إلى كما قال المبادرة بالعمل قبل بلوغ الأجل. نعم، قال رحمه الله: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الله البسطامي الأديب، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرنا الحسن -وهو ابن سفيان- قال: حدثنا المقدمي -وهو محمد بن أبي بكر- حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، وقال -بمنكبي يعني بكتفي- نعم، وقال صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب، أو كعابر سبيل».
كن في الدنيا كالغريب أو كعابر السبيل، الإنسان الذي يكون في بلد غريب عنها، هل هو يريد أن يعيش فيها ويمكث ولا ممر طريق؟ ممر طريق. هكذا الدنيا، إياك أن تطيل الأمل فيها وكأنك ستعيش وتخلد، لا، كن كممر الطريق، وممر الطريق أمله قصير، الذي يدخل على بلدة كممر طريق، كيف يكون أمله قصير، أنا بس ساعة ساعتين مغادر يا جماعة، فلا يوجد عنده طول أمل بالمكوث، هذا موطن الشاهد، كن في الدنيا كإنسان غريب دخل بلدة يريد أن يخرج منها سريعًا، وهذا سيكون أمله قصير، أو كعابر سبيل دخل إلى قرية وهو في أي لحظة يريد أن يغادر.
نعم، وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. شوف قصر الأمل عند ابن عمر، ابن عمر يقول لك إذا أصبحت لا تتوقع أنك ستعيش للمساء، وإذا نمت الليلة في فراشك وطن نفسك أنك قد لا تستيقظ، هذا هو أعلى صور قصر الأمل، لا أتوقع أنني سأعيش. طبعًا هذا الشعور ينبغي أن يعتدل فيه، حتى لا يكون سببًا في عدم القيام بالمشاريع والبرامج النافعة، هذا الشعور معناه أني أوطن نفسي أن الموت يمكن يأتي في أي لحظة، لكن هل يعني أني ما أخطط للمستقبل كمشاريع نافعة وبرامج للأمة؟ لا، هذا شيء وهذا شيء آخر.
المراد بطول الأمل: طول الأمل المفسد للقلب، المورث للغفلة، وأما التخطيط للمستقبل هذا لا ينافي قصر الأمل، فلا أخطط مع معرفتي أن الموت يمكن يأتيني في أي لحظة، فهذا تخطيط من أجل إصلاح حالي وحال أمتي، وذاك من باب أن يبقى قلبي يقظًا، فلا أعتبر أنني سأعيش طويلًا 100%، بل أنا دائمًا أجهز نفسي لاحتمال الموت في أي لحظة. نعم، قال رحمه الله: رواه البخاري عن علي بن المديني، عن الطفاوي.
قال: حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داوود العلوي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان».
الحرص والأمل، وفي رواية ويشب معه اثنتان، الإنسان يكبر، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: يهرم يكبر الإنسان لكن فيه خصلتان ما تكبر معه تبقى شباباً فيه، ما هي؟ الحرص على الدنيا وطول الأمل. لاحظوا كثير من الناس الكبار في السن من أحبابكم الذين ترونهم، تجد لما يكبر أكثر وأكثر للأسف كثير منهم يزداد حرصه على المال ويزداد تمسكه به، ويزداد توقع أنه لا يزال، لا يزال، عمره ثمانون سنة والحج حجة ترى، يقول لك لا يا شيخ، والله بعرف حجة تعيش مئة وعشرين سنة، فيظل يأمل نفسه، أنه يا حاج أنت ثمانون ترى أكثر الناس على الثمانين تودع، فيبقى يحاول قياس نفسه على أناس إلى المئة وعشرين، وكذا، طبعاً أنت لا تحبط له معنوياته كثيراً، يعني ليس جيداً هذا الشعور، لكن ذكره بالله ونبهه أنه ماشي في ناس تعيش وربنا يعطيك طول العمر بالخير، لكن فقط جهز لي أوراقك. أكثر الناس عند الكبر تغفل عن هذين المعنيين فيزداد حرصهم على المال والدنيا ويزداد طول أملهم، مع أن الأصل كلما كبرت وتقدمت في السن زادت احتمالية الموت أكثر وأكثر، أليس كذلك؟ فأعمار الأمة ما بين الستين والسبعين، لكن أكثر الناس لا ينتبهون فيزدادون حرصاً على الدنيا وأملاً فيها.
قال: «يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان»، وفي رواية: «ويشب منه اثنتان»، هاتان الخصلتان تظلان شباباً؛ خصلة الحرص على الدنيا والأمل فيها. أما المؤمن اليقظ لا ينتبه لهذا فلا يكون حريصاً على الدنيا ولا آملاً فيها. قال رحمه الله أخرجهم من حديث شعبة، وهذا أخرجه مخرج الذم لعادته، نعم فهذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ليس مدحاً لهذه الحالة وإنما هذا ذم منه لهذا النوع من البشر الذين إذا كبرت سنهم بقي الحرص على المال والأمل عالياً عندهم. وينبغي، نعم قال رحمه الله: وينبغي أن يكون كما أمر به ابن عمر وكما الأصل في المؤمن، أن يكون كما أمر ابن عمر؛ كيف أمر ابن عمر؟ «كن في الدنيا كأنك غريب»، تمام، وكما أوصى ابن عمر، هكذا المؤمن إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، فهذه الحالة التي ينبغي أن يكون عليها، وليس حالة الحرص والأمل أي طول الأمل، نعم قال رحمه الله بالله التوفيق.
قال رحمه الله: الباب الثاني عشر في الاجتهاد في طاعة الله عز وجل. قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني عبد الله بن سعد الحافظ، حدثنا محمد بن إسحاق الثقافي قال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، أخبر شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قال: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال يتقرب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه».
هذا هو موطن الشاهد في الحديث؛ الاجتهاد في طاعة الله، مش هكذا ترجمة الباب؟ ترجمة الباب في الاجتهاد في طاعة الله، «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، مجتهد مواظب على الخير بكافة أشكاله حتى أحبه، فمن اجتهد في طاعة الله أحبه الله، وماذا تريد أعظم من هذه المكافأة؟ نعم قال: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني عبدي لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته». نعم قال: رواه البخاري عن محمد بن عثمان بن كرامة، سنناقش بعض الألفاظ مع البيهقي، نعم قال: ورواه أيضاً عبد الواحد أبو حمزة مولى عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه يزيد فيه وينقص، قال: وقول ينقص يعني هذا سند آخر كما قلنا، يعني ليس مثل اللفظ السابق بمعنى.
طيب، الآن سيناقش البيهقي ما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي؛ ما معنى كنت سمعه الذي يسمع به، ما معنى كنت رجله التي يبطش بها، ما معنى هذا الكلام؟ وهذا يحتاج إلى فهم على قواعد العرب. قال قال رحمه الله: وقوله كنت سمعه الذي يسمع به معناه حفظ جوارحه عليه عن مواقعة ما يكره، هذا الفهم الأول، معناه حفظ جوارحه عليه عن مواقعة ما يكره، يعني كنت سمعه، كنت بصره، كنت يده، كنت رجله، أي أحفظ هذه الجوارح أن يفعل بها الحرام، هذا فهم لبعض العلماء أن الله يحفظ جوارحه أن يفعل بها ما يكرهه سبحانه، وهي المعاصي والمنكرات.
طيب، لكن هناك فهم أجمل، قال قال رحمه الله: وقد يكون معناه والله أعلم كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع، وبصره في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي، هذا ذكره البيهقي معنى كنت سمعه، كنت بصره، كنت يده، كنت رجله، أي أكون سريعاً في قضاء حوائجه، أسرع من سمعه في الاستماع، وأسرع من بصره في البصر، ومن يده في اللمس، فهي دلالة سرعة قضاء الحوائج، هذا ما ذكره البيهقي، نعم قال رحمه الله، طبعاً هناك أيضاً معنى وهو التوفيق، هناك معنى آخر كنت سمعه، كنت بصره، يعني أنا أوفق لكل ما هو خير، وهو قريب من المعنى الأول، يعني أنني أوفق، كنت سمعه وبصره أي أوفق إلى كل ما هو خير وأصرفه عن كل ما هو شر. هذا قريب من المعنى الأول لكن المعنى الأول يحتاج إلى توسيع أكبر شوي في دلالته، فالمعنى أن الله سمعك وبصرك، ما معنى أن الله سمعي وبصري ويدي؟ أنه يوفقني ويدفعني إلى كل ما فيه خير لي، ويصونني ويحميني عن كل ما فيه شر علي.
نعم قال رحمه الله وقوله: «ما ترددت عن شيء أنا فاعله»، يريد، نعم هذه قضية فيها إشكال، صفة التردد، هل نقول إن من صفات الله التردد بناءً على الحديث: «وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن»، يكره الموت وأكره مساءته. نعم، هذا المؤمن الله يحبه، هذا الولي من أولياء الله الله يحبه، لحظة الموت لحظة شديدة عليه، أليس كذلك؟ فهذا المؤمن يكره الموت والله لا يريد مساءته لكن لا مفر من الموت، هذه هي المشكلة، أنت لا تحب الموت والله لا يريد أن يفعل شيئاً يسوءك لأنك من أحبابه لكن الموت لا بد منه، فهنا لما قال: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن»، يعني عن قبض روح المؤمن، هل هذا يثبت صفة التردد لله؟ ماذا سيقول هنا البيهقي؟
نعم قال رحمه الله: يريد به والله أعلم ترديد ملائكته إليه، أو بإشرافه في عمره. هنا شوف بدأ البيهقي بنوع من التأويلات حقيقة بعيدة جداً، قال وما ترددت في شيء قال ترديد ملائكته إليه، يعني أن الملائكة تتردد عليك، الحقيقة تردد الملائكة يعني ليس له أي سياق في الحديث، يعني حتى لو بدك تحاول تفهم الحديث عليه بعيد جداً، وما ترددت يعني ما رددت ملائكتي، هذا تأويل بعيد عن السياق وعن مراده، وسيجعل المعنى غريباً، وحتى أشعر أنه لا معنى لهذا الحديث أصبح بهذه الطريقة. طيب قال رحمه الله: أو بإشرافه في عمره على المهالك، نعم فيدعو الله فينجيه حتى يبلغ الكتاب أجله ويميته، وقد أشار أبو سليمان الخطابي وغيره إلى معنى ما ذكرناه، قال التردد قال بإشرافه في عمره على المهالك فيدعو الله. التردد كيف فسره البيهقي؟ أنه هذا الإنسان يكون في حادث سير، كان راح يصيبه مرض شديد مر به، فكل مرة يدعو الله أن ينجيه حتى يبلغ الكتاب أجله، يعني العمر الذي قدره الله له، فيموت عندئذ، وهذا أيضاً معنى بعيد، يعني كل هذه التأويلات أن التردد هنا أنه كل ما جاءك الموت يبعد عنك، تقول عنده سبع أرواح، مش أقول لك ما شاء الله كان في حادث سير ونجا منه، وكان في مرض وطلع منه، وكان في كذا، وهذا وأتت وقعت سقفه ووقعت جنبه طوبة ونزلت، كل ما فيه شيء من أسباب الموت يخطئه ولا ينزل عليه، فهذا يقول لك هذا التردد، هذا معنى التردد أنه كلما جاءته أسباب الموت يا أخي تخطئه ولا تصيبه، وهذا المعنى أشار إليه أبو سليمان الخطابي صاحب المعالم، ولكن أيضاً ليس قوياً.
شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنه لا إشكال في إثبات صفة التردد في هذا السياق، يرى أن من الخطأ النفي في صفة التردد، قال: ليه؟ قال التردد على نوعين؛ تردد سببه الجهل بالعواقب، أنا أتردد في شيء لأني أنا مش عارف ايش عواقب هذا الشيء، فبصير أتخذ هذه الخطوة ولا ما أتخذها؟ ليش أنت بتتردد تقول أتخذ هذه الخطوة ولا لا؟ لأنك لا تعرف كيف ستؤول العواقب، قال هذا لا يستحيل على الله، لكن هناك تردد من جهة تزاحم الأمور؛ تزاحم المصالح والمفاسد، وليس لجهلك بالعواقب، ايش يعني؟ قال هذا التردد لا إشكال فيه لأنه كمال، فتقول الله عز وجل في هذا الموقف قبض روح العبد المؤمن، هناك مصلحة لا بد منها وهي ماذا؟ موت هذا العبد المؤمن حتى يذهب إلى الجنة، صح؟ في المقابل في مفسدة زاحمتها، ما هي؟ أنه العبد المؤمن هذا لا يحب طعم الموت، في أحد فيكم يحب طعم الموت؟ موت يعني اسمه موت، تمام؟ فهذه مفسدة، والله لا يريد مساءة هذا العبد المؤمن، لا يريد، فلما تزاحمت مصلحة ذهابه إلى الجنة مع مفسدة قبض روحه، تزاحمت، عبر الله عز وجل عن هذه الحالة بأنه كان حاله تردد، ترددت في هذا، لكن كما يقول شيخ الإسلام لا يجوز إثبات صفة التردد مطلقة، يعني لا يجوز اكتب هذا الكلام حتى لا تخطئ، لا يجوز أن تقول هناك صفة مطلقة اسمها صفة التردد، لا، نقول في كل الكتاب والسنة لم يثبت التردد إلا في هذه الجزئية فقط، فنثبت الصفة مقيدة بهذه الحالة، نثبت صفة تردّد الله في قبض روح عبده المؤمن بس، لا يجوز إثبات صفة التردد مطلقاً، تقول من صفات الله التردد، هذا خطأ، وإنما هذا النص الوحيد الذي جاء فيه إثبات هذه الصفة مقيدة بهذا القيد، لذلك ايش قال أصلاً؟
هو ايش الحديث؟ «وما ترددت عن شيء»، هو أصلاً نفى سبحانه التردد عن نفسه، وما ترددت عن شيء إلا صورة واحدة، ما هي؟ التردد في قبض روح المؤمن.
طيب هل هذا التردد صفة نقص؟ لا، لماذا كما قلنا؟ لأنه ليس التردد بمعنى الجهل بعواقب هذا التصرف، لا، التردد هنا معناه تزاحم المصلحة مع المفسدة؛ مفسدة قبض الروح وأن المؤمن يسوءه خروج الروح مع مصلحة أنه لا بد يموت حتى يذهب إلى الجنة، فعبر الله عندما تزاحمت المصلحة مع المفسدة، عبر الله عن شعوره بالرحمة والرأفة بذلك المؤمن، فهو تردد منبعه ماذا؟ رأفة ورحمة ومحبة، تردد منبعه ليس الجهل، ليس الشك، ليس الخوف حاشاه سبحانه، وإنما تردد منبعه رحمته بحبيبه سبحانه، إني ما بدي أسيء أيها الولي، ما بدي إياك تشعر بطعم الموت، بس المشكلة ايش؟ لازم تموت، لأنه كيف ستنتقل إلى الجنة؟ إنك ميت وإنهم، فلما تزاحم هذا والله يريد أن يخبرنا كيف يحب حبيبه، أخبرك عن هذه المحبة التي يحب بها أولياءه، أنها سببت تردداً قام في ذاته في قبض روح عبده المؤمن، هذا التردد هو كمال شفقة ورحمة، فهو كمال في ذات الله، فهمتم إخواني؟ هو كمال في ذات الله، لأن منبعه الرحمة والمحبة لهذا العبد، وليس منبعه حاشاه الجهل أو ما يعري الإنسان من نقص وضعف وما شابه ذلك.
نعم قال رحمه الله: وقوله «يكره الموت وأكره مساءته»، يريد لما يلقى من عيان الموت وصعوبته، نعم الإنسان لماذا يكره الموت؟ سكرات الموت متعبة، فلذلك العبد المؤمن يكره الموت، والله يكره مساءته، يعني يكره ما يضرك لأنه يحبك أيها الولي، وهذه كلها خاصة بمن؟ بأوليائه، أما العبد الكافر فالله لا يعبأ بقبض روحه، وتنتزع روحه انتزاعاً والعياذ بالله، نعم قال رحمه الله: يريد لما يلقى من عيان الموت وصعوبته وكربه، ليس أنه يكره له الموت لأن الموت مورده إلى رحمته ومغفرته، نعم، فالله لا يكره له الموت لذاته، وإنما يكره أن يشعره بسكراته التي لا بد منها، وأما الموت فهو خير للمؤمن لأن الموت نعم قال: وهذا في مورده إلى رحمته، يعني الموت هو البوابة، المورد يعني البوابة إلى رحمة الله، إلى جنته، فالموت كموت ما في مشكلة، لكن المشكلة في سكراته، نعم. قال هذا فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا جعفر بن محمد قال: قال الجنيد في معنى قوله «يكره الموت وأكره مساءته»، فذكره. نعم قال رحمه الله: الباب الثالث عشر في إخلاص العمل لله عز وجل وترك الرياء. قال أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي قال: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن...
إبراهيم أخبره أنه سمع عقبة بن وقاص يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
هذا حديث مشهور معلوم تعرفونه، وشرح كثيراً، وهو حديث ابتدأ به البخاري في صحيحه، وأوصى الأئمة كما قال عبد الرحمن بن مهدي أن يُبتدأ بهذا الحديث في بداية كل كتاب؛ تصويب النية لله سبحانه وتعالى. إنما الأعمال بماذا؟ بالنية، عملك مرتهن بنيتك، وإنما لامرئ أي الثواب الذي ستحصده أو العقاب على حسب النية التي ستأتي بها. نية حسنة تحصل ثواباً، وإنما لامرئ ما نوى، اللي نيته حسنة يحصل عليها واللي نيته سيئة يحصل بناءً عليها.
ثم ذكر نموذجاً: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قلباً وإرادة، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً ونتيجة. ومن كانت هجرته ونيته في الهجرة إلى دنيا يريد أن يصيبها أو امرأة يريد أن يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه. لم يقل إلى دنيا، قال: إلى ما هاجر إليه، لم يذكره استخفافاً به واستحقاراً؛ إلى ما هاجر إليه دنيا. فهكذا الإنسان أيها الكرام دائماً بكل أعماله يحاول أن ينوي النيات الشريفة حتى يحصل عند الله النتائج العالية.
قال رحمه الله: رواه مسلم عن ابن نمير عن يزيد بن هارون، قال: وأخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك وغيره عن يحيى بن سعيد الأنصاري. قال أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن علي بن ميمون الرقي، قال وأبو أسامة عبد الله بن أسامة الكلبي، قال حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال حدثني أبي، عن إسماعيل بن سميع، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به».
من سَمَّع، يعني من كان هدفه من عمله السمعة، سَمَّع الله به. اختلف شراح الحديث في معنى سَمَّع الله به، ومن أقوى ما يقال: إن سَمَّع الله به أي أظهر الله للناس وكشف للناس أن هذا رجل مُسَمِّع وليس بصادق. ومن راءى راءى الله به، يعني من كان هدفه من عمله المراءاة، راءى الله به، يعني كشف الله للناس رياءه وسوءته؛ ممكن في الدنيا، وبالتأكيد في الآخرة. فهذا معنى من سَمَّع سَمَّع الله به؛ أنت هدفك التسميع أن الناس تثني عليك، الله سيكشف مقاصدك في الدنيا وفي الآخرة، ومن هدفه مراءاة الناس راءى الله به، يعني كشف الله رياءه للناس وأظهر سوءته في فلتات لسانه، في تصرفاته في الدنيا وفي الآخرة.
فالإنسان إخواني يحرص على أن يكون عمله صادقاً، المخلص يظهر الصدق في كلماته وتصرفاته، والمرائي والله أنك تعرفه من أسلوبه في الكلام، المنافق المرائي المسمع تعرفه من أسلوبه، ومن بحرج، خاصة هذا السوشيال ميديا، ما أكثر هؤلاء المسمع والمراءون! يُعرفون بفلت اللسان، ويُعرفون بطريقة التصرف والآليات التي يتبعونها، يكشفهم الله ويفضحهم ويهتك أستارهم. فاحرص على الصدق فإنه ينبوع الحياة الطيبة.
قال رحمه الله: رواه مسلم عن عمر بن حفص، وأخرج من حديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: وروي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من سَمَّع الناس بعمله سَمَّع الله به، سامع خلقه، وصغَّره وحقَّره». إذاً من سَمَّع الناس بعمله سَمَّع الله به، يعني هتك الله ستره كما قلنا، سَمَّع به سامع خلقه، يعني كل من يسمع من الخلق سيُفضح أمر هذا الرجل أمامهم، وصغَّره في أعين الناس وحقَّره في أعين الناس. هذه فضيحة، أنت تريد مراءاة، أنت ما هدفك من العمل أنه يعرفك الناس أنك منيح وجيد؟ الله سيقلب هذا الأمر عليك ويصغرك ويحقرك في أعين الناس ولو بعد حين. فاحرص على الإخلاص؛ جزاء وفاقاً كما تدين تدان. أنت بدك الناس تعرفك بالخير جعل الله الناس تستحقر، أما إذا هدفك أن يعرفك الله بالخير وليس الناس كتب الله لك القبول.
قال رحمه الله فيما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو الذي أشرك».
هذا الحديث القدسي يقول الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء، أغنى الشركاء الآن العبد يشرك بالله سواه، صحيح كثير من الناس في نياتهم يريدون الله ويريدون ما سوى الله، فيقول الله: أنا أغنى الشركاء، يعني أنا أغنى من جُعل له شريك عن الشرك. أي واحد يريد أن يجعل لي شريكاً فأنا بريء من هذا الشرك، أنا لا أقبله، لا أقبل أحداً يشاركني. يا أيها العبد أما أن تعمل لي وأما أن أرفض كل عملك، أما أن تعمل لي ولغيري لا أقبل هذا، لا أقبل هذا. أنا أغنى الشركاء عن الشرك، لا أقبل أن أُشارك، فمن عمل لي عملاً، من عمل لي عملاً لكنه أشرك في نيته ما سوى الله ممن يريد الله ويريد الثناء الحسن، قال: فأنا منه بريء. هذا العمل لا أريده وهو للذي أشرك. أنت بدك إياي وبدك الناس لا ما راح أقبله، هذا كله للناس ويوم القيامة سأحاسب على ذلك، فإنا منه بريء وهو، يعني وعمله الذي عمله لن آخذ منه شيئاً لي، سأعطي للذي أشركه للناس، خلاص تحصل أجرك من الناس في الدنيا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: 20]، بس لا تيجي يوم القيامة تقول يا رب أنا طلبت العلم، يا رب أنا كنت أحضر مجالس العلم، يا رب أنا صليت، ما تيجي تقول ليه؟ لأن الله رآك مشركاً تريده وتريد الناس، فتبرأ من كل هذا العمل ولا يكافئك عليه، فأعطاك ثوابه في الدنيا ثم سيفضح بعد ذلك لأنه قال: «من سَمَّع سَمَّع الله به».
قال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال أخبرنا أبو الحسن بن بنت إبراهيم بن هانئ، قال حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا ابن علية، حدثنا روح بن القاسم عن العلاء فذكره. قال ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية.
قال رحمه الله: الباب الرابع عشر في محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم والحب في الله، وشُح المرء بدين الله الذي أكرمه به. قال: شحيحاً بدينك، كن بخيلاً بدينك، ما معنى كن شحيحاً بدينك؟ قال وشُح المرء بدين الله، كن ضنيناً شحيحاً بالدين، إياك أن تفرط بدينك، هذا معنى شُح الإنسان بدينه؛ يعني أن لا يفرط بدينه ويبيعه بعرض من الدنيا بخس والعياذ بالله.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروزباري، قال أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، قال حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، قال حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجد أحدكم حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى يكون أن يُقذف في النار أحب إليه».
هذه الخصال عليك أن تحافظ عليها إذا أردت أن تستلذ بالإيمان، يعني لن تجد لذة الإيمان ولا طعمه ولا حلاوته حتى تحصل هذه الخصال الثلاث. ما هي؟ أول خصلة: «حتى يحب المرء»، أولاً أن تحب إخوانك لله سبحانه وتعالى، لا تحبهم لمصلحة دنيوية ولا لمنفعة ترجوها منهم، وإنما ابتغاء وجه الله عز وجل، هنا تشعر بطعم الإيمان؛ أنه أنا ما بحبك لمصلحة، علاقتي معك مش مصالح، علاقتي معك علاقة في الله سبحانه وتعالى؛ لأنك مؤمن، لأنك محافظ على الصلاة، لأنك من أهل الخير.
طيب، الخصلة الثانية قال صلى الله عليه وسلم: «وحتى يكون أن يُقذف في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه». الخصلة الثانية: أن يكون أن يُقذف في نار الدنيا أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، يعني مستعد أنك تستغني عن كل الدنيا، والله لو طحنتموني وقطعت أوصالي وعذبتموني لست مستعداً أن أتراجع عن ديني، هل هذا الشعور عندك؟ وحتى يكون، أي شعوراً داخلياً، قذفه في النار أهون عليه من أن يبيع دينه. اليوم إخواني بعض الناس يبيع دينه من أجل وظيفة، مش قذف في النار، بعض الناس يبيع دينه من أجل وظيفة، بعض الناس مستعد يسافر إلى بلاد الكفار مع أنه يعرض دينه للمهالك فقط من أجل راتب؛ زيادة راتبه في الأردن 400 بده يصير راتبه 2000، عادي، يعرض دينه للفتن وما عنده مشكلة في السفر إلى بلاد الكفار والعيش بين ظهرانيهم، المهم أنه يزيد المال. هذا هو الشعور الذي حاول النبي عليه الصلاة والسلام أن يزرعه فيك؛ أن دينك أغلى ما تملك، هل هذا الشعور حي في حياتك؟ هل أنت مستعد تستغني عن زيادة راتب وزيادة شهوة وكثير من المناصب من أني أكفر؟ بعض الناس مش مقذوف في النار، بعض الناس بس أنه يقل راتبه بالنسبة له مشكلة، ومستعد يستغني عن دينه من أجل زيادة راتب أو يعرض دينه للفتن. النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك لا تفرط في دينك ولو كنت ستُلقى في النار، تيجي أنت تقول لي الدنيا بتخليني أفرط في كثير من أحكام الشريعة والعياذ بالله.
قال صلى الله عليه وسلم: «وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». الخصلة الثالثة: أن يكون أغلى شيء في حياتك هو الله ثم رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذه الثلاث إذا وطّن عليها الإنسان قلبه وربّى نفسه عليها بدأ يشعر بحلاوة الإيمان التي شعر فيها الصحابة وبذلوا من أجلها الأرواح والمهج. أما كلما كانت ضعيفة هذه المشاعر في قلبك كلما كنت ضعيفاً في إيمانك وفي لذة الإيمان التي تطعمها.
قال رحمه الله بهذا الإسناد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». يعني لا يكتمل إيمان الإنسان حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليك من ولدك ووالدك ومن الناس أجمعين، بل حتى من نفسك التي بين جنبيك.
قال رحمه الله: رواهما البخاري في الصحيح عن آدم، قال رواهما مسلم عن أبي موسى وبن دار عن غندر عن شعبة. قال أخبرنا أبو طاهر بن الفقيه، قال حدثنا حاجب بن أحمد، حدثنا أبو عبد الرحمن المروزي، حدثنا ابن مبارك، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم بن عمر، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل». منهم السبعة هؤلاء؛ أولاً إمام عادل يحكم بين الناس بالعدل. ثانياً قال: «وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل»، شاب نشأ في المساجد ودور التحفيظ والعلم وطاعة. قال: «ورجل ذكر الله تعالى في خلاء ففاضت عيناه»، وقلنا هذه الدمعات عظيمة عند الله سبحانه وتعالى فيظلك الله في ظله بسبب دمعة. قال: «ورجل كان قلبه معلقاً في المسجد»، رجل يعشق المساجد فدائماً همه متى تأتي الصلاة ليذهب إلى المسجد، حب وعشق بينه وبين هذه الأماكن الطيبة الطاهرة. قال: «ورجلان تحابا في الله عز وجل». وهذا موطن الشاهد من الحديث؛ أنه قال في ترجمة الباب باب في محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم والحب في الله، إذاً ورجلان تحابا في الله، فقط علاقتهم مع الله مش علاقة مصالح دنيوية وخدمة مالية له، المصالح الدنيوية تذهب وتزول، وإنما تبقى الأخوة القوية التي كان مبناها إخواني حلقات العلم والدراسة والحفظ والحياة الطيبة مع الله سبحانه وتعالى.
ورجلان تحابا في الله، بعد ذلك قال: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال: إني أخاف الله تعالى»، نتقي الشهوات، دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ منصب يحميه من الفضيحة لأنه هي مسؤولة، بالتالي ممكن يفعل معها الفاحشة وتحميه بحكم منصبها، وذات جمال مغرية، لأنه في ذات منصب بس مش ذات جمال ما لك مصلحة، لكن ذات منصب وجمال وتثبت أمام هذه الفتن فهذا يستحق أن يظله الله في ظله. قال: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم شماله ما صنعت يمينه»، وهذا دلالة الإخلاص لله؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، يعني يريد بعض الأعضاء لا تعرف ماذا فعلت الأعضاء الأخرى، هذه قمة الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم بـ مرو، قال أخبرنا أبو الموجه، قال أخبرنا عبدان، وقال أخبرنا عبد الله بن مبارك، أخبرنا عبيد الله بن عمر فذكر بإسناده مثله سواء. قال رواه البخاري عن محمد بن سلام عن عبد الله، وأخرجه من حديث يحيى القطان عن عبيد الله في حديثه: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا».
وعليه وتفرقا عليه. نعم، هذه الزيادة اهتم بها لأنها موطن الشاهد في الحديث، ورجلان تحابا في الله: إذا اجتمعا، اجتمعا من أجل الله، وإذا افترقا، افترقا أيضاً عليه، على محبة الله سبحانه وتعالى. نعم، قال رحمه الله: وقد يكون المراد إذا اجتمعا في الدنيا اجتمعا عليه، وإذا تفرقا، يعني مات أو مات أحدهما وغادر فانتهت علاقتهم أيضاً في الدنيا على محبة الله.
قال رحمه الله: الباب الخامس عشر في المواظبة على ذكر الله عز وجل وتلاوة كتابه. نعم، وهذه من خصال المؤمن، إن خصال أهل الإيمان المواظبة على ذكر الله، ومن ذكر الله قراءة القرآن. نعم، قال أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل ببغداد، قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمر الرزاز، قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني».
أنا عند ظن عبدي بي، ما معنى هذا الكلام؟ إذا ظننت بالله خيراً، الله عز وجل يكون عند حسن ظنك، وإذا ظننت به شراً، الله عز وجل يعطيك كما ظننت به. فظن بالله خيراً حتى تجد الله كما ظننت، أنا عند ظن عبدي بي. إذا ظننت بالله خيراً سيعطيك الله كما ظننت، وسيكون الله كما ظننت. ظننت أن الله يشفيك بيشفيك، ظننت أن الله يغنيك بيغنيك، ظننت أن الله يوفقك في حياتك بيوفقك، ظننت أن الله يزوجك يزوجك. وأما إذا كنت متشائماً في نظرتك إلى الإله، أنه ربنا ما بده يعطيني، ربنا ما بده يزوجني، ربنا ما بده يشفيني؛ إذا هذا ظنك بالله تستحق أنك تظلك على هذه الحالة، فظن بالله خيراً.
قال: «وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه»، هذا هو موطن الشاهد، ذكر الله من ذكر الله في نفسه. قال: «فإن ذكرني في نفسه، ذكرتُه في نفسي». المراد في نفسه يعني وهو وحيد وحده، ليس في مجمع من الناس، فإن ذكرني في نفسه يعني وهو وحده. قال: «وإن ذكرني في ملأ، ذكرتُه في ملأ خير منهم». إذاً من ذكر الله وحده في نفسه يعني وحده، ذكرتُه في نفسه، أيش تريد أعظم من ذلك؟ إذا أنت قلت سبحان الله، الله عز وجل يذكرك في نفسه، إذا أنت قلت الحمد لله، الله عز وجل يذكرك أنه عبدي تذكرني، فيذكرك الله في نفسه. طيب وإذا قال: «وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم»؛ إذا ذكرتني في مجلس علم فإنا أذكره في ملأ خير منهم، الله يذكرك أمام الملائكة وهم ملأ خير منكم، أليس كذلك؟ شوف فائدة أن تعلم الناس الخير وأن تكون طالب علم وجد ينفع الناس، كلما ذكرت الله في مجلس العلم الله يذكرك أمام الملائكة، فهذا من عظيم الذكر.
قال: «وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». وهذا دلالة سرعة إقبال الله على عبده، وليس فيه إثبات لصفة الهرولة. وإن تقرب إلي شبراً أنا أقرب منه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً قربت إليه باعاً. قلنا ما هو الباع؟ ما بين الكفين، أحسنت إذا فردت. وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، يعني من أقبل على الله ببطء أقبل الله عليه بسرعة. من أتاني ماشياً يعني هو يقبل على الله بس هو بطيء في الطاعة لسه همته ضعيفة، الله يأتيك مسرعاً ليأخذك. والمراد هنا سرعة إقبال الله لعبده، وهذا يشابه الحديث الذي أخذناه البارحة: «إن الله عز وجل أشد فرحاً بتوبة عبده من إنسان أضاع راحلته».
يحب الله لك الخير ويريد لك الخير، بس أنت اتخذ الخطوات الإجرائية الأولى. «من أتاني ماشياً»، هذا على الأقل بدأ صح، ماشي ضعيف بس بدأ يا أخي، بدأ عام بيطلب العلم على ضعف بس بدأ، بصلي قيام الليل على ضعف بس بدأ. الذي يعطي البدايات الله عز وجل يوصل للنهايات، بس اللي ما يشعل الشعلة الأولى هذا الذي يتركه الله. نعم، قال رحمه الله: رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب عن أبي معاوية. وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش. وهذا مثل ضربه لسرعة إجابة الله لعبده. البيهقي هنا حساس جداً لأحاديث الصفات، فأي حديث فيه صفة مباشرة لازم يعطي تعليقه حتى، بس هو أحياناً يصيب وأحياناً يخطئ، إذا أخطأ لأنه سار على طريقة الأشاعرة. فنحن كما تلاحظون إخواني، ما عندنا مشكلة في التأويل، بس أي تأويل؟ التأويل الذي تقتضيه السياق واللغة، وإحنا ما عندنا شبهات فلسفية نؤول عليها، أنا النص والله واضح. فعلاً «من أتاني ماشياً أتيته هرولة»، العرب تعبر بهذا عن موضوع سرعة الإقبال، خلص خلصنا، ما عندي مشكلة في التأويل الصحيح. أنا مشكلتي أنك تأول النص ما يقبل التأويل؛ ليش بتؤول؟ لأنه فلسفتك تقبل، تريد التأويل.
قال رحمه الله: وهذا مثل ضربه لسرعة إجابة الله لعبده وقبوله لعبادته. قال: وفيما أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة، قال: وفيما أملى علينا الإمام أبو سهل محمد بن سليمان، هذا الفقيه الحنفي الصعلوكي المتكلم، قال في معنى هذا الحديث: يقرب العبد بالإحسان، ويقرب الحق بالامتنان. هذا كلام طبعاً فيه جانب من التصوف شوية، قال يقرب العبد بالإحسان فيقرب الله إليه بالامتنان. يريد أنه الذي أدناه، ويقرب العبد، لأنه في النهاية من الذي يدنيك؟ لست أنت من دنوت، الله هو الذي يدنيك، هو الذي يقربك بفضله ومنه وكرمه. قال: ويقرب العبد إليه بالتوبة والإنابة، ويقرب الباري إليه بالرحمة والمغفرة، ويقرب العبد إليه بالسؤال، ويقرب إليه بالنوال، أنت تسأل والله يقترب فيعطيك يناولك ما تريد. قال: ويقرب العبد إليه بالسر ويقرب إليه بالبشر، العبد يقترب إلى الله بالسر والله يقترب إليه بالبشر، أي بما فيه بشارة لك وخير لك، طبعاً هذا كلام نسميه كلام سلوكي إنشائي.
قال: وقيل في معناه: إذا تقرب إلي العبد بما تعبدت، قربت إليه ما وعدته وهو الجنة والخير والطاعة، من تقرب إلي بما تعبدت به اقتربت إليه بما وعدته عليه. وهذا يشبه أي حديث؟ «ما حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وما حق العباد على الله؟ أنه إذا فعلوا ذلك يغفر لهم خطيئتهم».
قال رحمه الله: أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد، قال أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن عمر بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بسر، قال: جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله». شوف هذا السؤال يا رسول الله مين أحسن الناس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أحسن الناس من طال عمره وحسن عمله، لذلك إخواني طول العمر ترى خير لك بشرط أن يكون طول العمر بالطاعة، لذلك لما تدعي لواحد لا تقله الله يطول عمرك وتسكت، غلط هذه كثير متداولة في مجتمعنا خاصة في الرسميات، ايش بقول لك الله يطول عمرك، هذا دعاء ناقص. دائماً "أطال الله عمرك في طاعة"، هكذا الدعاء الصحيح، أطال الله عمرك في ماذا؟ في طاعة، لأنه إذا قلت له الله يطول عمرك طب ممكن يكون في معصية، تكون مصيبة عليه. الدعاء الصحيح إذا أردت أن تدعو لإنسان بطول العمر: أطال الله عمرك في طاعة، أو أطال الله عمرك وأحسن عملك، هذا دعاء صحيح، أما أطال الله عمرك وتسكت ممكن تكون مصيبة عليه طول العمر.
وقال الآخر: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، إن أحكام الإسلام كثيرة، وهؤلاء كانوا أعراباً يعني مساكين، الأعراب كانوا بيئة مسكينة بدوية بعيدة جداً جداً عن الأمور، فكان قضية أنه يفهم الأحكام الشرعية وتفاصيلها وأنصبة الزكاة، يا رسول الله هذه كثيرة علي، أنا بدي كمشة صغيرة أفهمها وأحفظها وأسير عليها، فقال: فأخبرني بأمر أتشبث به، أعطيني خصلة من خصال الإسلام أتشبث بها ما أتركها، طبعاً بعد أداء الفرائض، المراد بعد أداء الفرائض. قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال لسانك رطباً بذكر الله عز وجل». شوف الجواب الجميل، لا يزال لسانك رطباً بذكر الله، خلص أدِ الفرائض وأحرص على هذه الخصلة، هذا الذي يناسب هذا الأعرابي، هذه طاقته، النبي عليه الصلاة والسلام يعرف اختلاف الطاقات، في إنسان بوجهه لطلب العلم، إنسان بوجهه للجهاد في سبيل الله، إنسان بوجهه لمشروع، وفي إنسان ما عنده قدرة، تعطيه مشروع أكبر منه بدمره، لا أنت خلص إنسان، هذه قدراتك، أعمر لسانك بذكر الله إن شاء الله تصل إلى الله. وهذا يدل على فضيلة الذكر.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا أبو العباس، الرطوبة لما يقول لا يزال لسانك رطباً، الرطوبة دلالة الدوام، لأنه متى يبس إذا تركت، فالمراد لا يزال لسانك رطباً يعني اذكر بشكل مستمر حتى يبقى ريقك مرطب لسانك، لأنه إذا سكت الإنسان فترة يبس وتذهب الرطوبة، هذا من التعابير الجميلة لدوام الذكر.
قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهدوا القرآن». فتعاهدوا القرآن أي راجعوا محفوظكم من القرآن، تعاهدوا بالمراجعة والاستحضار، والتعاهد يكون للحفظ وكذلك يكون للمعاني، فراجع القرآن حفظاً ومعنى. قال: «فهو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها». الإبل في عقلها، الإبل المربوطة، الإبل إخواني إذا أفلتت تتفلت وبتحاول تجر حتى تفك الحبل، وهي كثيراً ما تتفلت فعلاً، فهكذا القرآن إذا حفظته هو سريع التفلت إذا لم تتعاهده بماذا؟ بالمراجعة، فهذا حث من النبي صلى الله عليه وسلم لأهل القرآن أن يداوموا على مراجعته، فهو أشد تفلتاً من إبل قد ربطت وهي تحاول أن تتفلت بشكل مستمر. قال رحمه الله: رواه البخاري ومسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة.
قال: الباب السادس عشر في الشكر على السراء والصبر على الضراء، وهذا حال المؤمن، أنه يشكر الله على النعمة ويصبر عند المصيبة. نعم، قال رحمه الله: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان النيسابوري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، قال حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمر المؤمن كله له خير». عجباً لأمر المؤمن، وهذا العجب عجب يعني كأنه يقول ما أحسن حال المؤمن، المؤمن بالله إخواني مستريح مطمئن، عجباً لحاله كيف حياته دائماً طيبة. لماذا حياة المؤمن بالله دائماً طيبة في السراء وفي الضراء؟ لماذا؟ قال: «إن أمر المؤمن كله له خير». إن أمره يعني القضاء والقدر المقدّر عليه، كل قضاء الله لك خير، من حيث ايش؟ قال: «إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له». إذا أصابتك نعمة فشكرت كان خيراً له. قال: «وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له». وإن أصابتك ضراء بلاء، فقدت ابناً، فقدت أباً، فقدت زوجة، فقدت مالاً، صحتك تعبت، فصبرت وقلت الحمد لله وقدر الله، فكان خيراً له. فعجباً لحال المؤمن دائماً هو في خير ورضا وطمأنينة، لأنه يفهم القضاء والقدر بالشكل الصحيح، بخلاف الملحدين والبعيدين عن دين الله عز وجل، كيف تكون مجرد بلاء صغير في الحياة مستعد ينتحر بسببه، ينهي حياته، لأنه ما عنده شيء يطمئن قلبه وفؤاده.
قال رحمه الله: رواه مسلم في الصحيح عن هدبة وشيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة. قال أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن بالويه المزكي وأبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، قال حدثنا، قال أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى، حدثنا الفضل بن محمد البيهقي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة أنه قال، وهذا رجل مجهول، نعم، قال: سمعت أم الدرداء تقول، سمعت أبا الدرداء يقول، سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، ما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها، يقول: إن الله عز وجل قال؛ يعني هذه المرة الوحيدة التي سمعت أبا الدرداء يكنّي النبي صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم، أم الدرداء تقول هذه أول مرة وآخر مرة سمعته يكنّي النبي صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم، وإلا أبو الدرداء إما يقول رسول الله أو النبي عليه الصلاة والسلام.
يقول: إن الله عز وجل قال: «يا عيسى ابن مريم، إني باعث بعدك أمة، إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم».
ولا حلم ولا علم، قال: يا رب كيف يكون هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي. كأنه يقول: ليسوا هم أصلاً أصحاب حلم وعلم، فلذلك يتخذون هذه القرارات، هم ضعاف. لا، الحلم هو الصبر، ليس معرفة عندهم، وإنما الله هو الذي يمن علينا فينزل علينا من حلمه فنصبر، وهو الذي ينزل علينا من علمه فنتعلم كيف نشكر.
قال رحمه الله: الباب السابع عشر في الرضا بالقضاء. قال: روينا في حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أن الإنسان لا يتصنع أن صبره من ذاته، وأن علمه من ذاته، لا، اعلم أن صبرك عند المصيبة ما مصدره؟ الله نزل عليك الصبر لأنك بذلت الأسباب، وأن كل ما عندك من العلم ليس لذكائه وإنما هو من الله. يتذكر دائماً المؤمن هذه المعاني.
قال رحمه الله: روينا في حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ، هذا قريب من الباب السابق في قضية رضا الإنسان بقضاء الله. قال: إنه قال في دعائه: «أسألك الرضا بعد القضاء». أسألك أن نرضى بعد القضاء مهما كان قضاك.
قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو النضر الفقيه، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا المعلم بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: وأخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكي، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً».
من الذي يشعر بحلاوة الإيمان؟ أخذنا قبل قليل أحاديث في حلاوة الإيمان، وهذا أيضاً حديث آخر. كيف يذوق الإنسان حلاوة الإيمان؟ أن يرضى بالله رباً، ما معنى أرضى بالله رباً؟ أن أرضى به مدبراً لأموري، ما الذي سيفعله بي كله خير، رضيت بك يا رب؛ فإذا افتقرت رضيت، وإذا اغتنيت رضيت، وإذا فتح لي باب معين رضيت، وإذا حرمني من أشياء رضيت، لأنني رضيت بك رباً. بعض الناس يقول رضيت بالله رباً بس هو مش صادق؛ لأنه إذا ربنا منعه من بعض الأمور يعترض على الله، هل هذا رضي بالله رباً؟ لا، من رضي بالله رباً رضي بكل أقداره، هذا هو المراد.
وبالإسلام ديناً، فبالتالي متمسك بكل أحكام الإسلام؛ بعض الناس يقول لك أنا مسلم، طيب تعال الإسلام يوجب عليك الحجاب، لا بس هذه سامحني صعب شوي، طيب الإسلام يوجب عليك الحج، لا ما هو؛ ما هو رضيت بالإسلام ديناً، تأخذ الإسلام كله ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، مش تنتقي من الإسلام ما يوافق هواك وإلا لن تشعر بطعم الإيمان أبداً. الذي ينتقي من الإسلام ما يشاء هذا لن يشعر بطعم الإيمان، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فرضي به نبياً، إذا رضيت بالمرجعية هي النبي ﷺ في كل أمور حياتك.
قال رحمه الله: رواه مسلم في الصحيح عن ابن أبي عمر وبشر بن الحكم عن عبد العزيز الدراوردي. قال: وروى سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن خيثمة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ترضين أحداً»، صحيح أن هذا الحديث موقوف على ابن مسعود وليس مرفوعاً، والله أعلم. هكذا أصلاً أخرجه البيهقي في شعب الإيمان موقوفاً على من كلام ابن مسعود.
قال: «لا ترضين أحداً بسخط الله». لا ترضِ أحداً مقابل أن تسخط رب العالمين عليك، لا ترضِ الناس مقابل أنه يسخط الله عز وجل. بعض الناس يذهب إلى أعراس مختلطة، ليش يا فلان فعلت؟ والله يا شيخ مستحي، خايف يزعلوا مني أولاد عمي أو عمتي أو خالتي، لكن أنت لا ترى أنك أرضيت الناس بسخط الله؟ يعني زعل الناس أعظم في قلبك من غضب رب العالمين عليك.
قال: «ولا تحمدن أحداً على فضل الله». المراد إذا تفضل الله عز وجل عليك بشيء، فتذكر حتى لو كان الناس سبباً فيه، تذكر أن هؤلاء ليسوا هم المصدر وإنما هم أسباب، باختصار لا تعلق قلبك بالناس، حتى لو أن أخاً من إخوانك كان سبباً في وصول الخير إليك أنا بشكره، بس لازم دائماً استحضر ماذا؟ أن الله جعله سبباً وليس هو المصدر، حتى لا يبقى قلبي متعلقاً بالناس وإنما يتعلق قلبي برب الناس، ونظرتي للناس فيما يوصلون إلي من خير أنهم أسباب وليسوا أصولاً. فهمتم؟ حتى لا يفهم من الحديث أنه ما أشكر الناس، لا، إذا واحد كما قال النبي ﷺ: «من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له». إحنا بنشكر الناس على الخير الذي يقدمونه لنا، بس لازم تكون نظرتنا أنهم أسباب فقط، وإلا الله هو المعطي، فلا أعلق قلبي بفلان وفلان؛ لأنه بعض الناس إذا شخص أعطاه مرتين ثلاث بصير قلبه متعلقاً فيه وخايف أنه يزعله، ليش؟ خايف يبطل يعطيني، لا لا عادي، ممكن فلان يذهب وربنا يجيب غيره، لأنه شعورك أن هذا فلان لازم أدير بالي عليه ما بدي أزعله حتى ما يوقف العطاء فتجده حتى لو عصى لو فعل ما فعل لا ينكر عليه، ليه؟ خايف يزعله، خايف أنه يقطع عنه الراتب الذي كان يعطيه. لا أحذر، اعلم أن العطاء ابتداءً من الله وإنما الناس أسباب.
قال: «ولا تذمن أحداً على ما لم يرد الله». لا تذم أحداً، أنه ليش فلان منعت عني هذا الشيء وحرمتني؟ لا، هذا شيء لم يرد الله أن يصل إليك، كما سيأتي في الرواية الأخرى: ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله. خلص، في شغلة ربنا كاتبها لك راح تأخذها، وشغلة ربنا مش رايدها لك مش كاتبها لك ما راح تأخذها، فلا تذم فلاناً وإخوانك أنه أنت منعتني من أحصل هذا الخير وتبدأ تذم به، هذا شيء لم يكتبه الله لك، فرض به. قال: «فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص، ولا يرده عنك كره كاره». رزق الله لا يسوقه إليك حريص، ولا يرده كره كاره، إذا كتب الله شيئاً لتحصلنه، اللي هو حديث ابن عباس: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك».
قال: «وإن الله تعالى بقسطه وعدله جعل الروح والراحة والفرج في الرضا واليقين». الروح راحة القلب وانفراج النفس، أين موجودة؟ في الرضا بالله واليقين بقضاء الله، هيك بتستريح في الدنيا. الروح والراحة والفرج في رضاك عن الله ويقينك بأمر الله. وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وجعل الهم والنكد في الدنيا مرتبط بماذا؟ بشكك بالله عز وجل وسخطك على أقدار الله، ارض بتسعد، واشك واسخط بتضلك شقي في حياتك.
قال: رحمه الله أخبرنا الحاكم وأبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، قال حدثنا جعفر بن شعيب بن الشاشي، حدثنا أبو حامد، حدثنا أبو قرة عن سفيان بن سعيد، فذكره هكذا روي بهذا الإسناد. وخالفه خالد بن يزيد العمري فرواه عن الثوري وغيره عن الأعمش عن خيثمة عن عبد الله عن النبي ﷺ.
قال: أخبرنا القاضي الإمام أبو عمر محمد بن الحسين بن محمد، قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي بها، قال حدثنا أحمد بن أيوب، حدثنا خالد بن يزيد العمري، قال حدثنا سفيان الثوري وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة، عن سليمان الأعمش، عن خيثمة، فذكره غير أنه قال: ولا تذمن على ما لم يؤتك الله. قال: الرواية الأولى على ما لم يرد الله، هذه الرواية على ما لم يؤتك الله، وكلاهما بنفس المعنى. ولم يذكر كلمة الراحة في ختام الحديث، اللي هي وجعل الروح والراحة والفرج، في الرواية الأخرى وجعل الروح والفرج بدون كلمة الراحة.
قال: هكذا رواه خالد العمري عنهم. قال: وإنما رواه الثقات عن سفيان بن عيينة عن أبي هارون المدني قال: قال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله. هذا الجميل في البيهقي أنه يذكر لك الصواب في الحديث، فأيش قال؟ وإنما روى الثقات هذا الحديث عن سفيان بن عيينة، قال: قال ابن مسعود: اليقين لا ترضي الناس بسخط الله. فالحديث الأصوب فيه أنه موقوف من كلام ابن مسعود، وهو مرسل حتى عن ابن مسعود، فذكره موقوفاً مرسلاً، فيه انقطاع. الإرسال هنا بالمعنى العام والله أعلم هو الانقطاع، وليس بالمعنى الذي عند المحدثين وهو أن يقول التابعي قال رسول الله ﷺ، هذا المرسل بمعنى الانقطاع.
قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا حسين بن صفوان، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا حسن بن الصباح، قال حدثنا سفيان فذكره.
قال رحمه الله: الباب الثامن عشر في الكسب من الحلال صيانة عن السؤال. الباب الثامن عشر ضرورة الإنسان أن يهتم بالكسب، أولاً لازم تشتغل في الحياة، ما تكون بطالاً في البيت، ثانياً يكون كسبك حلالاً وليس من الحرام. لماذا ينبغي أن أهتم بالكسب وأني أنا آتي برزقي؟ حتى أصون نفسي أن أمد يدي إلى الناس يعطوني، صيانة عن سؤال الناس أموالهم، ما يسمى اليوم بالشحاتين.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، قال أخبرنا أبو سعيد بن العربي، حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال حدثنا وكيع بن الجراح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي الجبل فيجيء بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيستغني بها خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». شوف ما أجمل الإسلام وهو يأمرك أن تكون إنساناً رفيع النفس، صاحب مروءة، وليس إنساناً تمد يدك إلى الناس تتسول على موائدهم، روح لو تأخذ حبلاً وتطلع على جبل تجيب حزمة حطب، تجيء على السوق تبيع حزمة الحطب، تأخذ مصاري لهذا اليوم وتروح تطعم ولدك أفضل لك من ماذا تمد يدك للناس، فلان يعطيك فلان يمنعك، عيب أن تكون إنساناً عالياً في المجتمع، كن إنساناً صاحب أثر وصاحب عمل وصاحب نشاط وصاحب همة، هكذا يريدك الإسلام وهكذا علمنا النبي ﷺ.
قال رحمه الله: رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن موسى عن وكيع، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ وفيه من الزيادة: «فيتصدق به ويستغني به عن الناس». في زيادة حديث أبي هريرة: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي الجبل فيجيء بحزمة من الحطب فيبيعها فيتصدق به». يعني أنك تبيع الحطب وتأخذ مالاً، جزء منه تتصدق به وجزء منه تستغني به عن الناس. وشوف هون النبي ﷺ كيف بخليك ترفع طموحك، أنه أنا مش طموحي فقط إني أحصل مال أطعم ولدي، لا، طموحي أنه أنا أكون الذي يعطي للمجتمع ويتصدق، كما جاء في الحديث الآخر: «اليد العليا خير من اليد السفلى». شوف الإسلام كيف بعلمك، خلي طموحك عالياً، مش فقط طموحي إني أجيب مال عشان أطعمي أولادي، لا لا، في طموح أعلى، أني أنا بدي أكسب مال حتى أستطيع أني أنا الذي أتصدق، مش يتصدق علي، أنا الذي أتصدق وأنفع الناس. خلي دائماً همتك عالية أن تكون أنت صاحب العطاء ولست أنت الذي تمد يدك لتأخذ العطاء.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الله الأديب، قال أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال أخبرنا أبو يحيى الروياني، حدثنا إبراهيم هو ابن موسى الفراء، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب، أن رسول الله ﷺ قال: «ما أكل أحد من بني آدم طعاماً خيراً له من أن يأكل من عمل يده». أفضل طعام تأكله هو الطعام الذي تكسبه بيدك، من عمل يدك، من عرق جبينك كما يقولون.
قال: إن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده. الأنبياء -اللهم صل وسلم وبارك عليهم- كانوا يأكلون من عمل أيديهم، أنت تظن نفسك أعلى من الأنبياء؟ الأنبياء كانوا يشتغلون بكسب وعمل، ويأتي برزقه ويأكل، هكذا الإنسان المؤمن وهكذا الإسلام يعلمنا النشاط.
قال رحمه الله: رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى. قال الباب التاسع عشر في الاكتفاء بما فيه أقل الكفاية، والقناعة بما آتاه الله تعالى. قال أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن الحسن المهرجاني وأبو زكريا بن.
أبي إسحاق قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا خشيش بن الصديق، حدثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه».
قد أفلح من أسلم، من كان مسلمًا وعاش حياته قنوعًا. قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، الكفاف يعني ما يسد رمقه؛ إنسان عنده ما يسد رمقه، ما عنده تحويشة، ما عنده في البنك رصيد، عنده ما يسد رمقه وعايش وراضٍ عن الله سبحانه وتعالى وقنوع، هذا أفلح بإذن الله. قال: «ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه»، رواه مسلم.
القناعة يا إخواني سر في سعادة الإنسان؛ القنوع مطمئن، لكن الإنسان كلما نظر إلى ما عند غيره نفسه لن تشبع، فيبقى يعترض على الله: لماذا أعطيتهم ومنعتني؟ أما القنوع الراضي الذي عنده أكل يومه ومبسوط ومرتاح وحاجاته الأساسية مكفية، فكر بالدار الآخرة، فكر بما هو أنفع وأعلى.
قال رحمه الله: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن يزيد المقري قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد، حدثنا إسماعيل بن محمد بن الصفار، قال حدثنا سليمان بن الأشعث، قال حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الخبائي، قال حدثنا عبد الله بن حمد المزني، عن أبيه، عن معاوية بن حيدة قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا؟ قال: ما سد جوعتك في يومك وليلتك، والثوب الذي يستر عورتك، فإن كان بيت فذاك، وإن كان حمار فبُخٍ بُخٍ.
فلق من خبز وجرعة من ماء، وأنت مسؤول عما فوق الإزار، وأنت مسؤول عما فوق الإزار؛ يعني الشيء الذي فوق الإزار، إذا لبست ثوبًا فوق الإزار والله هذا زيادة، كأنه هذا زيادة ستسأل عنه أمام الله ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. إذا لبست ما فوق الإزار ستسأل عنه يوم القيامة: من أين اكتسبته؟ وفيما فعلته؟ ولماذا أتيت به؟ وهذا دلالة على أن الإنسان لا يفكر كثيرًا في أمر دنياه، كسرة خبز ولقمة طعام والحياة طيبة.
بعض الناس يعطي الطعام والشراب مساحة كبيرة من وقته، وكل يوم يفكر بالطعام والشراب واللباس والماركات، خاصة في النساء هذه قضية الزينة واللباس والماركة وايش اشترت وايش ما اشترت، هذا حال أهل الدنيا. أما من يفكر بالآخرة ما عنده وقت، خلاص يا أخي الحياة ماشية؛ كسرة خبز ولقمة طعام وثوب يسترني وبيت وعندي سيارة بتوديني وبتجيبني، إيش أريد أكثر من ذلك؟ الطموح الزائد يجعل الإنسان يكسر أبوابًا مغلقة، يدخل في أعمال أو مشاريع محرمة، يكثر الشبهات ويبتعد عن الأعمال النافعة للأمة، فنسأل الله أن يرزقنا القناعة.
طبعًا سيأتي بعد قليل يقول لك: إذا رزقت مالًا كثيرًا ما في مشكلة، بس لا تخلي الدنيا هي كل تفكيرك وأسماء أمورك. قال رحمه الله: وروي هذا المتن من وجه آخر عن ثوبان مرفوعًا، ومن وجه آخر عن أبي الدرداء مرفوعًا، ومن وجه آخر عن بمامة مرفوعًا، وإذا انضمت هذه الأسانيد بعضها إلى بعض أخذت قوة.
شوف هنا البيهقي وهو يعلق على الحديث، إذا الحديث يعترف البيهقي أن قوته بماذا بضم أسانيده، فهو حسن لغيره، هو ضعيف من حيث السند الواحد، لكن إذا جمعنا هذا بهذا حصل قوة فأصبح حسنًا لغيره.
قال رحمه الله: وروى مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي شميله، عن سلمة بن عبيد الله بن محصن، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، وعنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». هذا الحديث المعروف، قال ﷺ: في كل صباح إذا أصبحت آمنًا في بيتك، «في سربه» يعني في بيته، معافى في جسده -نعمة العافية الحمد لله- وعندك أكل يومك وليلتك، فإنما عندك الدنيا كلها، لأنه غيرك من الأغنياء هو إيش يهمه؟ هذا الذي ساكن في فيلا ومعاه سيارة حديثة، أنت آمن وهو آمن، أنت معافى وهو معافى، وأنت ماكل وهو ماكل، فانت فعليًا حزت الدنيا كما هو حازها.
بجوز تقول يا شيخ جودة الطعام أو جودة البيت، في النهاية هم هال المترين أنت رح تعيش فيهم وهو رح يعيش فيهم، هو رح ينام وأنت رح تنام، فلا تضخم أمور الدنيا كثيرًا، نعمة الأمن، نعمة العافية، نعمة الطعام والشراب، إذا حصلتها أنت في خير، قل الحمد لله على رزقه.
قال رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي إملاءً، حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، حدثنا عباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا مروان بن معاوية فذكره، غير أنه قال: عن عبد الرحمن عن أبيه، وأبوه فيه زيادة فيما أعلم، لذلك لم يذكره هو في السند، يعني ذكر الأب زيادة لذلك هو في سنده لم يذكره، وإنما قال عن عبد الرحمن عن سلمة مباشرة.
قال: وروي هذا المتن عن ابن عمر مرفوعًا، غير أنه قال: فعلى الدنيا العفاء، في رواية ابن عمر: من أصبح آمنًا في سربه، ومعافى في جسده، وعنده قوت يومه، فعلى الدنيا العفاء، يعني على الدنيا السلام، الله يسهل عليها، خلاص أنا حصلت ما أريده، فباقي الدنيا لا أريده، فعلى الدنيا العفاء يعني الله يسهل عليها، لا أريدها.
قال رحمه الله: الباب العشرون في التوكل على الله تعالى، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار الأصبهاني إملاءً، قال حدثنا أبو يحيى أحمد بن عصام بن عبد المجيد الأصبهاني، حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا شعبة، قال سمعت حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب». قال: فقلت من هم؟ قال: «هم الذين لا يسترقون»؛ لا يسترقون يعني لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم توكلًا على الله، هم يرقون أنفسهم بأنفسهم، طبعًا هذا يدل على أن طلب الرقيا من الغير إخواني لا إشكال فيه، لكن السبعون ألفًا هذه صفاتهم، أو بصفة من صفاتهم أنهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، هم يرقون أنفسهم بأنفسهم من العين والحسد والسحر وما شابه ذلك، وليس كل الناس يقوى على هذه المرتبة.
ثانيًا قال: «ولا يتطيرون»؛ لا يتطيرون يعني ما عندهم الطيرة وهي التشاؤم، وتعرفون التشاؤم الذي يفعله بعض الناس، إذا رأى مثلًا وجه أحد أو شكل أحد قال اليوم نحس، وإذا لم يره قال اليوم خير، هذا التشاؤم من الشرك الأصغر، وهو من أفعال الجاهلين.
قال: «ولا يكتوون»؛ وهذه الزيادة في الأحاديث ليست مشهورة، فقط للفائدة، هذه الزيادة في هذا ليست مشهورة، لذلك سيقول: غير أنه لم يذكر قوله «ولا يكتوون».
والعيافة إلى الكهان أو لا يعتافون، تحمل الذين يذهبون إلى الكهان ليعرفوا ماذا سيخبر بعض الناس دائمًا هو خايف ما عنده توكل على الله، دائمًا خايف من المستقبل فيجر ذلك على القراءة في الأبراج أو النظر في علم النجوم أو سؤال الكهان، وهذا يسمى العيافة.
قال: «وعلى ربهم يتوكلون»؛ فالسبعون ألفًا هؤلاء الصفة المميزة فيهم ما هي؟ التوكل، أنه لا يسترقون توكلًا، يرقون أنفسهم، لا يتطيرون، لا يجعلون أي شيء يحكم أقدارهم، خلاص كل شيء بقدر الله، فعندهم قمة التوكل على الله. قال رحمه الله: رواه البخاري عن إسحاق عن روح، قال: ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن حصين فذكره، غير أنه لم يذكر قول «ولا يكتوون».
وزاد وقال عكاشة بن محصن، زاد في نهاية الحديث عكاشة بن محصن أحد الصحابة الكرام، إيش قال؟ أنا منهم يا رسول الله، قال: منهم. يسموا إخواني فن اقتناص الفرص، فقام رجل آخر فقال: أنا منهم، قال: قد سبقك بها عكاشة. شوف الشهادة بالجنة فرقت بينهم ثواني، ثواني فرقت بين عكاشة واللي بعده، عكاشة أول واحد قال أنا منهم، قال خلاص أنت منهم، الثاني اللي قاله النبي ﷺ: قد سبقك بها عكاشة. شوف ثواني معدودة سبقت فرصة كبيرة، مش بس فرصة كبيرة، جنة يا إخوان، جنة كاملة، كان سبب الفرق بينهم ثواني معدودة في المبادرة، أنت كم مرة حاولت تبادر للخير وتقاعست؟ صاحبك بادر وتقدم ثانية واحدة، دقيقة واحدة، تذكر أنها فرقت بين عكاشة واللي بعده، فكانت سببًا في شهادة الجنة لعكاشة، ولم يشهد لمن بعده بها، اقتنص الفرصة ولا تتأخر.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال أخبرنا أبو جعفر بن دحيم، قال حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة فذكره، فذكره يعني بمعناه معنى الحديث السابق.
قال الشيخ الإمام أحمد رحمه الله تعالى: التوكل طمأنينة القلب وسكونه إلى موعود الله تعالى، وذلك لا يمنع الكسب من الحلال، فيكتسب بظاهر العمل معتمدًا بقلبه على الله تعالى، لا على كسبه لعلمه بأن لا حول ولا قوة إلا بالله. أراد أن يخبر البيهقي بهذا النقل ماذا هو؟ إذا قلنا على ما هو معروف أنه قال الشيخ الإمام أحمد هو الأصل البيهقي لأنه هو اسمه أحمد، إلا إذا قصد أحمد آخر، لأنه حقيقة هذا الكتاب لم أجد له شروحًا حتى أجزم ببعض النقول فيه، لكن عمومًا الإمام أحمد هو البيهقي اسمه أحمد، لكن هل هو ينقل أن أحمد آخر؟ أقول ممكن، المهم أراد أن يأتي بهذا النقل يبين ماذا؟ أن التوكل لا يلافي الأخذ بالأسباب.
قال: التوكل طمأنينة القلب، وذلك لا يمنع من ماذا؟ من الكسب من الحلال، يعني هل التوكل على الله يعني تجلس في بيتك، تنام تنتظر أن يرزقك الله؟ تقول أنا متوكل؟ هذا تواكل. فأراد أن يخبر بهذه الفائدة أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب، أنك تأخذ دواءً، تذهب للعمل، تتعاطى الأسباب، النبي ﷺ هو سيد المتوكلين ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب.
قال رحمه الله: وكذا قال أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ عنه: التوكل التبرؤ من حولك وقوتك، وحول مثلك وقوة مثلك، توكلها أن تتبرأ من حولك وقوتك ومن حول مثلك، أي حول الناس وقوة الناس، ويكون قلبك متعلقًا بالله، فلا أنا متعلق بقوتي ولا بقوة من حولي، ولا متعلق بحولي ولا بقوتي ولا بحول الناس ولا بقوتهم، فهم أمثالي ضعاف، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15]، وإنما أتبرأ إلى حول الله وقوته وحده لا شريك له.
قال رحمه الله: الباب الحادي والعشرون في من توسع في اكتساب المال الحلال فوق الكفاية. شوف هذا عنوان الباب، شوف ترجمة الباب، لأنه الآن الأبواب الماضية ممكن تشعرك بأنه مطلوب مني أني ما أطلب مالًا كثيرًا، وأنه إذا جاني مال كثير لازم مباشرة أتخلص منه حتى أعيش الكفاف، لكن هنا إيش يقول لك البيهقي؟ قال: الباب الحادي والعشرون في من توسع في اكتساب المال الحلال فوق الكفاية، واحد بده يتوسع في اكتساب المال الحلال فوق الكفاية. يقول لك يا شيخ أنا والله تاجر وبحب يكون عندي مال كثير، في مشكلة في ذلك؟
قال: إن استفاد من وجه حلال، هذه الشروط، أولًا ما عندنا مشكلة بشرط أن كثرة المال تكون من طريق حلال، من صنع حلال. ثانياً قال: وأخرج منه حق الله تعالى، تؤدي حق الله من الزكاة والصدقة ومساعدة المحتاجين ومساعدة المنكوبين والأمة المسلمة ما تحتاج لمالك. قال: واستغنى هو وعياله بباقيه، افعل الذي بدك إياه، إذا اكتسبت من حلال وأديت حق الله، وحق الله ليس فقط الزكاة، هناك ما هو أعلى من ذلك، عندما يكون المسلمون في كرب في نكبة كما هو حال إخواننا في غزة الله يفرج عنهم وفي السودان، يصبح هناك حق في المال أيضًا غير الزكاة، هو الوقوف مع هذه القضية، هي قضية إسلام، فإذا كنت دائمًا تؤدي وتقف مع قضايا المسلمين بعد ذلك خلص تمتع بمالك، ما عندي مشكلة يكون عندك سيارة فارهة، ما عندي مشكلة يكون عندك بيت متقدم، ترى ما في مشكلة، لكن نحن بنخاطب الفقراء أو المتوسطين الذين شعروا بالإحباط أنه يا أخي رزق الحلال الطيب الكفاف الحمد لله، واحد ربنا فاتح عليه، لا نخاطبه بالطريقة التي تناسبه.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المصري.
حدثنا عبيد الله بن محمد العمري، ح وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أخشى عليكم ما يخرج لكم من بركات الأرض». فقيل: ما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا».
النبي عليه الصلاة والسلام جالس مع أصحابه فيقول: أكثر شيء أنا أخاف عليه منكم ما يخرج من بركات الأرض. فقالوا: يا رسول الله، ما بركات الأرض؟ قال: «هي زهرة الدنيا»، يعني أن تفتح عليكم الدنيا بأموالها وزخارفها. فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ رجل من الصحابة قال: يا رسول الله، هل يأتي الخير بالشر؟ يعني زهرة الدنيا المال، المال خير يا رسول الله، هل الخير يأتي بشر؟ لماذا تخاف علينا من زهرة الدنيا؟ ألا تحب أن ترى أصحابك يا رسول الله أغنياء؟
فقال: هل يأتي الخير بالشر؟ يقصد بالخير هنا زهرة الدنيا التي هي المال والسعة، هل يأتي الخير بشر؟ معقول هذا الخير شر سيكون؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه ينزل عليه، لم يجبه النبي عليه الصلاة والسلام، صمت انتظاراً للوحي. شوف، لو واحد فيكم كان مكان النبي عليه الصلاة والسلام ممكن مباشرة يفتي، سرعة فتوى وسرعة إبداء الآراء، إخواني النبي عليه الصلاة والسلام النبي الأعظم سيد ولد آدم كان يتوقف في بعض الأسئلة انتظاراً للوحي، شوف العظمة والجمال.
نعم، قال: ثم جعل يمسح العرق عن جبينه، فلما ذهب الوحي عنه صلى الله عليه وسلم كان يتصبب عرقاً لأن الوحي ثقيل، فقال: أين السائل؟ هل يأتي الخير بالشر؟ قال: مين اللي سأل هذا السؤال؟ نعم، قال الرجل: أنا ذا. قال: أنا ذا، أنا يا رسول الله سألت. نعم قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين صنع ذلك، لما قال: أنا ذا، حمدناه؛ لأنه عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعطيهم فائدة، فقلنا: منيح أن اعترف حتى نستفيد.
نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير» ثلاث مرات، «إن الخير لا يأتي إلا بالخير». ما المراد إخواني؟ هذا الحديث شوية يحتاج فهم، إن الخير الخالص، لازم نضيف هذا القيد، يعني حتى أن هذا هو المراد، لا يأتي إلا بالخير، الخير الخالص ما هو؟ هو معرفة الله والإسلام والإيمان. الخير الخالص فعلاً لا يأتي إلا بخير للإنسان، معرفة الله لا تأتيك إلا بخير، صح؟ الإسلام والإيمان هل يأتيانك بالشر؟ لا، الدين والإسلام والتمسك بالاستقامة فعلاً لا تأتي إلا بالخير، الخير الخالص لا يأتي إلا بالخير، فقالها ثلاث مرات.
لكن هناك أشياء كثيرة في الدنيا هي مش خير خالص، هي خير من جهة وفيها شر من جهات أخرى، فالشيء الذي فيه خير من جهة وشر من جهة، هذا عليك أن تحسن التعامل معه حتى تحصل خيره وتدفع شره، وإلا إذا لم تحسن التعامل معه سيصيبك شره. إذاً في فرق بين الشيء الذي هو خير خالص وبين الشيء الذي هو خير من جهة وشر من جهة. ما كان خيراً خالصاً هذا فعلاً لا يأتي للإنسان إلا بالخير، وأما ما كان خيراً من جهة وشر من جهة وهذا أغلب ما في الدنيا، أنه خيرها مش خالص فيها خير من جهة وشر من جهة، فعليك أن تحسن التعامل مع هذه الأشياء حتى تستفيد مما فيها من الخير وتدفع ما فيها من الشر.
يعني هذا الجوال فيه خير؟ والله فيه خير. وفيه شر؟ معبأ شرور. كيف أحسن التعامل معه؟ علي أن أتعلم كيف أتعامل معه بالشكل الصحيح حتى أحصل ما فيه من الخير وأبتعد عما فيه من الشر، وقل ذلك في سائر الأدوات والوسائل التي في الحياة.
الآن سيعطيهم مثالاً، قال صلى الله عليه وسلم: «ولكن هذا المال خضرة حلوة»، قال المال خضرة حلوة، يعني شيء محبوب للنفس، المال خضرة حلوة، كيف الشيء الأخضر الجميل الذي يكون مرغوباً لك هذا المال خضرة حلوة. قال: «إن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم». الربيع فصل الربيع، إيش يخرج فيه إخواني؟ العشب، صحيح؟ يقول: إن مما ينبت الربيع، تاتي الدابة تأكل منه، فإذا أكلت الدابة بشراهة ماذا يحصل؟ ينتفخ بطنها وتموت. إذا أكلت الدابة بشراهة ولم ينتبه الراعي ماذا يحصل في الدابة؟ ينتفخ بطنها وماذا يحصل؟ وهذا معنى حبطت، أي ماذا؟ تموت. قال: «أو يلم»، يلم يعني يقارب الموت. بعض الدواب تأكل بشراهة فينتفخ معدتها وتمرض، ويسبب ذلك لها ماذا؟ الحبط، قال هو انتفاخ بطن الدابة حتى تهلك.
قال: «إلا آكلة الخضرة»، إلا نوع واحد من الدواب كانت ذكية، نوع واحد من الدواب ايش كانت ذكية، آكلة الخضرة. دابة أكلت العشب الأخضر، قال: «أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس». هذه الدابة أكلت حتى إذا شبعت امتدت خاصرتاها، يعني شبعت، خلاص تركت الأكل، مش ظلت تأكل تأكل تأكل. شو عملت؟ شبعت، راحت على الشمس أخذت لها وجبة من الشمس وانتفعت بحرارتها، ثم ماذا؟ اشترت، اشترت يعني ذهبت وعادت، وقيل اشترت يعني هضمت الطعام الذي في داخلها، فإن الناقة تجتر الطعام، يعني مضغته كويس، خلت الطعام يستريح في المعدة، بعض الشباب مثلاً لما يأكل يدب دب دب في المعدة، لا لا مش مشكلة، وهذا بيتعب. صح ولا لا؟ معدته مع الوقت تقول له: أنا مش قادر أتحمل الطحن، يا أخي باكل شوي وأخلي المعدة تأخذ راحتها في الاجترار، الطحن، الهدوء، حتى يكون إخراجك يكون جيداً. فهذه الدابة استقبلت الشمس، اجترت، قال: ذهبت ومشت وتحركت حتى ينهضم الطعام جيداً. قال: «وثلطت وبالت»، يعني ألقت الغائط، يعني أخرجت المفاسد التي في معدتها، وبالت، ثم بعد أن ارتاح جسدها عادت مرة أخرى وأكلت بهدوء، هي الدابة ايش؟ متوازنة.
شو الفرق بين هذه الدابة والدابة الأولى؟ الدابة الأولى ظلت تأكل تأكل تأكل حتى سمنت بشكل زائد عن المعتاد فسقطت فماتت، أو على الأقل قاربت أن تموت، تعبت. أما الدابة الثانية متوازنة، عم تأكل باتزان وتعرف كيف تتعامل مع الفضلات. هذا المثل ايش هو المثل؟ مين فهم المثل؟ ايش علاقة المثل بقضية الأكل من المال؟
أحسنت، إذا بتضلك تأكل المال، تأكل تأكل، بتدور على المال مال مال، آخر شيء بطنك بتنتفخ وتهلك، زي الدابة اللي ظلت تأكل هي مش منتبهة لنفسها، شو صار فيها؟ مرة واحدة وقعت، وأنت يا من تبحث عن المال ولا تنتبه، إذا بدك تضلك تلهث وراء الدنيا وراء المال، مال بدي مصاري مصاري، بتلاقي حالك آخر شيء فجأة ولا أنت واقع في هموم ومصايب وأبعد عن دين الله، المهم المال هذا ما راح يخدمك إذا بتضلك تأكل بشراهة.
وأما النوع الثاني الإنسان المتزن، زي هذه الدابة المتزنة، يا أخي معه مال، أخذ منه عادي، أكل من طعام لذيذ وشرب، بس إنه يأكل بماذا؟ على قدر حاجته، ثم بيعمل رياضة بيمارس أنشطته الحياتية، بيهدأ شوي، بعد فترة بيرجع بيأخذ من هالمال ويأكل ويشرب، فهو متوازن، مش دائما مال وطعام وشراب وشهوات. يحسن باختصار إدارة ملف المال بتوازن، فهذا الثاني ما عنده مشكلة معه شرعاً، اللي بيأخذ مال بالحلال ومش بشراهة ويأخذ على قدر حاجته في الأكل في الطعام في زينة الدنيا، يعني حتى مش ضروري أكل، حتى السياحة حتى السفر، حتى معك مال ممكن أنت تسافر بس بإيش؟ بتوازن، مش كل يوم سفرة، كل يوم تيكيت، كل يوم أسافر هون هون سياحة سفر لا، هذه الحياة بتضيع أنت عم بتشتت نفسك. لكن في إنسان والله مثلاً معي مال في هالسنتين رحت لمشوار مثلاً سافرت إلى بلد جميل، يا أخي معقول روحت عن نفسك، وأما كثرة الأخذ من هذه الأمتعة الدنيوية، يضرك ويفسد عليك قلبك وإيمانك، فهذا نموذج دابتين وأنت ستكون أحدهما في تعاملك مع أموال الدنيا.
نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا المال خضرة حلوة»، النبي عليه الصلاة والسلام يشرح لك المثل، نعم، قال: «من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة»، نعم الذي بيأخذ المال بحق ويصرفه بحق، المال منيح، نعم المال الصالح للرجل الصالح، جيد المال بس بشرط أن تحسن التعامل معه. قال: «ومن أخذه بغير حق كان كالذي يأكل ولا يشبع»، مثل الدابة هذيك اللي بتأكل وما بتشبع، كالذي يأخذه بغير حق يعني بطريقة غير صحية، ويمكن يدخل في ذلك الأكل الحرام. نعم قال رواه البخاري عن ابن أبي أويس ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن مالك.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا دعلج بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، قال: حدثنا أحمد بن شبيب، حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن خالد بن أسلم، قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر، فقال أعرابي يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] فقال ابن عمر: من كنزهما فلم يؤدي زكاته فويل له. ما المراد بالكنز هنا؟ الكنز هو الادخار. والذين يكنزون يعني يدخرون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. قال أعرابي، وقرأ الأعرابي هذه الآية، ابن عمر أراد أن يشرحها له، ايش قال؟ من كنزهما، يعني من ادخرهما، من هو المذموم هنا؟ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشره بعذاب أليم، صح؟ مش هيك الآية؟ الله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34].
شو بعض الصحابة فهموا من الآية؟ أنه أي إنسان ادخر أموال وما بنفق مباشرة له عذاب أليم، فهل هذا إذاً نهي عن ادخار المال عموماً؟ فأيش قال ابن عمر؟ قال: إنما كان هذا قبل الزكاة، أراد ابن عمر أن يشرح الكنز، قال: من كنزهما، الكنز المذموم، الادخار المذموم هو أن تدخر المال فلا تؤدي زكاته، أما إذا ادخرت أموالاً في البنك بس أنا بأدي زكاتها السنوية هذا ليس مذموماً، أراد ابن عمر أن يشرح الآية بالشكل الصحيح. قال: من كنزهما فلم يؤدي زكاته، فهذا الذي فبشره بعذاب أليم، وأما من ادخر أموالاً نقدية لكنه يؤدي زكاتها، هل هذا مذموم؟ لا.
ثم قال: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة. نعم في بداية الأمر كان، نعم كان الصحابة نهوا عن كل أشكال الادخار حتى يساعد بعضهم بعضاً في بداية الهجرة، نزلت هذه الآية تأمر الصحابة ألا يدخروا أي شيء ممنوع، ليه؟ ليساعد بعضهم بعضاً، يعني مش معقول صحابي معه في البنك مصاري يكون معاه مثلاً ألفين ثلاثة آلاف وصحابي آخر معه يأكل، وهي كان الوضع في بداية الهجرة، فأمرهم ما حدا يدخر، عندك فضل مال زائد أعطي إخوانك، عندك فضل مال زائد أعطي إخوانك، هذا كان في بداية الهجرة. لكن بعد ذلك فرض الله الزكاة، فأصبح المفروض عليه ما هو الزكاة، وما زاد عن مقدار الزكاة لك أن تدخره. فهمتم الآية وكيف أنه صار في نسخ في هذا الموضوع.
نعم قال رضي الله عنه: فلما نزلت جعلها الله طهراً، فلما نزلت الزكاة خلاص جعل الله الزكاة هي الحد الأساس، نعم قال: ثم التفت إلي فقال: ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى. ابن عمر إيش بيقول؟ ما أبالي لو كان لي مثل جبل أحد ذهباً عندي إياهم في البنك ما عندي مشكلة، بشرط أني أزكيه وأؤدي حق الله فيه، أتصدق به، أبذل في وجوه الخير وأتمتع به في الحياة. الإسلام مش ضد أنك تكون ثري، الإسلام ليس ضد أن تكون ثرياً، لكنه ضد أن تكون جشعاً وأن تكون الدنيا أكبر همك، هذا الإسلام ضده، وضد أنك تأخذ مالاً بكسب حرام، وضد أنك تأخذ مالاً ولا تؤدي حق الله فيه، هذه هي المشاكل.
نعم قال رحمه الله رواه البخاري في الصحيح، وقال أحمد بن شبيب، قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا حسن بن علي بن عفان، حدثنا قبيصة بن عقبة عن سفيان، ح قال: وحدثنا أبو العباس، حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا
محمد بن أبي السري قال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن الحجاج بن فرافصة، عن مكحول، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: في رواية قبيصة أراه رفعه، وقال في رواية وكيع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب الدنيا حلالًا مفاخرًا متكاثرًا مرائيًا لقي الله وهو عليه غضبان». اللي بيطلب الدنيا المال والثروة من أجل أن يفاخر ويراءي لقي الله وهو عليه غضبان.
قال: «ومن طلب الدنيا حلالًا استعفافًا عن المسألة، وسعيًا على عياله، وتعطفًا على جاره لقي الله يوم القيامة». اللي بيطلب الدنيا بالحلال من أجل أنه يعف نفسه عن المسألة ويسعى لسد حاجة عياله، ويتعطف يعني يتصدق على جيرانه وإخوانه، فهذا لقي الله يوم القيامة. قال: «لقي الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر». الحديث فيه ضعف هو سيبين ذلك، قال: هكذا قال مكحول عن أبي هريرة ومكحول لم يسمع من أبي هريرة، إذًا في انقطاع في السند، تمام، لكن ضعفه محتمل كما يقولون. قال: وكأنه أخذه عن بعض أصحاب أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله عنه، إذا كان كذا فماشي الحال.
قال رحمه الله: الباب الثاني والعشرون في الأخذ من الحلال واجتناب المحارم والورع عن الشبهات. قال: أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير بن جناح المحاربي القاضي بالكوفة، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم بن علي بن أبي غرزة، قال: حدثنا يعلى بن عبيد والفضل بن دكين قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال: سمعت نعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -وأومأ النعمان بأصبعيه إلى أذنيه يعني سمعته بأذنيَّ- قال: «إن الحلال بين والحرام مبين».
هناك أشياء حلال واضحة، وهناك أشياء حرام واضحة، وهناك أشياء مشتبهات يعني ما زال فيها أخذ ورد؛ مثل بعض المسائل المعاصرة مثلا العملات الرقمية يا أخي مشتبهات، فيها مجال لسه للأخذ والرد وكثير من العلماء لا يجوزها وفي نقاشات كثيرة، بعض الشباب ما يهمه خلص دب اشتغل واربح وما شابه ذلك، لا أخي في أشياء حلال بين وفي أشياء حرام بين وفي أشياء ما زالت في حيز المشتبهات.
كيف يتصرف الإنسان مع المشتبهات؟ قال: «وبين ذلك مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس». لا يعلمها كثير من الناس وإنما يعرف حكمها العلماء الراسخون في هذا المجال. قال: «فمن اتقى المشتبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه». الأصل في المسلم أنه مسألة فيها شبهة لا يقدم عليها. قال: «فمن اتقى الشبهات حمى دينه وحمى عرضه»، حمى دينه لأنه من كسر حاجز الشبهات مع الوقت سيسهل عليه كسر حاجز الحرام، فالشبهات هي السياج حول المحرمات، إذا عودت نفسك الورع عن الشبهات ستورع عن المحرمات، بس إذا ألفت اقتحام الشبهات مع الوقت ستكسر حاجز الحرام وتقتحمه.
ففعلا اللي بيتقي الشبهات جعل بينه وبين الحرام الواضح سورًا، كذلك اللي بيتقي الشبهات يحمي عرضه، لأنه الناس بس تشوف واحد دأب على مسألة فيها شبهة بتبلش تتكلم فيه، شوف فلان والله دأب على هذه المسألة ولسه العلماء مش حاسمين وهو مفكر حاله فاهم، فبتبلش الناس تاخذ في عرضك وتنتقص من ديانتك، فأخي أنت سلم عرضك من كلام الناس فيك وسلم دينك من النقص.
قال: «ومن وقع في المشتبهات وقع في الحرام». المراد أنه من تعود وألف الشبهات بعد قليل سيألف كسر حاجز الحرام، هذه قاعدة عليك أنك تفهمها، اللي ما عنده وقوف أمام الشبهات وألف أنه أي شيء شبهة مش مشكلة بعمله لحتى يظهر حكم للعلماء، فيرجى هيك بعض الناس بيقول لك أنا بعملها حتى يظهر حكم، فرج من ألف كسر الشبهات سيقع في الحرام ولو بعد حين، لأنه ألف كسر الحواجز ولم يكن في مقام الإحسان مراقبة الله سبحانه.
قال: «كالراعي يرعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه». الحمى هذا مكان يحميه السلطان لأموال المسلمين، السلطان قديما كان يضع أرضا معينة يقول هذه الأرض لأموال الزكاة؛ جمال الزكاة، شياه الزكاة، ما حدا يقترب منها، بدنا نفترض راعيا من هؤلاء المواطنين الله يسامحه قاعد يرعى حول حمى السلطان كل شوي بيقترب له شبر، شو رح يصير مع الوقت؟ رح يسقط في حمى السلطان، وساعتها إذا اجا السلطان وعاقبك لا تقول لي ليش وقعت، أنت حضرتك عم ترعى جنب حمى السلطان، يا أخي عندك مئة مرعى آخر حلال ليش بتقرب من الشبهات؟ ليش بتقرب من حمى السلطان؟ يرعى في المناطق السليمة والآمنة، وهكذا مثل اللي عم يقترب من الشبهات هو عم يقترب من الحرام، بيضل في الشبهات حتى يسقط في الحرام الواضح البين.
قال: «ألا إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه». كل ملك في الأرض له حمى، وملك الملوك سبحانه له حمى في منطقة محمية وهي منطقة المحرمات، الشبهات هي السلك الموجود حول الحمى، لا تقترب من الشبهات حتى لا تقطع السلك، لأنك إذا قطعت السلك اقتحمت حمى الله وهي المحرمات البينة. قال رحمه الله: حديث عظيم بس أنا شرح سريع فقط إخواني، ولا الحديث عظيم في فوائده.
قال رحمه الله: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه إملاء، أخبرنا موسى بن الحسن بن عباد وعمرو بن تميم قال: حدثنا أبو نعيم وهو الفضل بن دكين فذكره بإسناده ومعناه وزاد، هذا نفس الحديث السابق بس فيه زيادة معروفة، قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». المضغة هي قطعة اللحم، ألا وإن في الجسد قطعة هذه القطعة بصلاحها صلاح الجسد وبفسادها فساد كل الجسد، ما هي القطعة؟ القلب. إذا قلبك صلح مع الله عز وجل كل أعضائك وجوارحك بتمشي على استقامة، وإذا قلبك فاسد سيظهر هذا الفساد على جوارحك وأعضائك، فلذلك إذا جاءك شخص لا يصلي ولا يصوم ولا يفعل شيء بس بيقول لك والله يا شيخ الإيمان في القلب، إيش بتقول له؟ أنت غير صادق، يعني أنت كاذب بالمعنى الواضح، ليه؟ لو كان قلبك نظيف لكان طلع هذا على جوارحك، بس لأنه قلبك مش نظيف عشان هيك أنت ما بتصلي وما بتصوم ولا تفعل ما يريد الله سبحانه. ما في شيء اسمه في الإسلام الإيمان في القلب أما في الظاهر لا صلاة ولا زكاة وذنوب، هذا غير مفهوم، الظاهر والباطن متلازمان، إذا صلح القلب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام صلحت الجوارح 100%، وإذا فسد القلب في فساد في عدم نظافة، وهذا هو سبب أن جوارحك ليست منقادة لله.
قال رحمه الله: رواه البخاري عن أبي نعيم وأخرجه مسلم من أوجه عن زكريا قال، وروي عن سعد بن أبي وقاص وغيره مرفوعًا: «فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع». فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، ما معنى هذا الكلام؟ أحسنت، يعني أن الفضل الزيادة أن أتزود في طلب العلم أحب إلي من أن أتزود في العبادة الشخصية، يعني أيهما أفضل؟ أتزود في قراءة كتاب فقه ولا أتزود ركعتين نافلة؟ أتزود في قراءة كتاب فقه أفضل من أن أتزود في صلاة ركعتين نافلة، ليه؟ لأنه زي ما حكينا أنت لما تتعلم علمك بينفع الناس نفع متعدي، أما ركعتين نافلة خير وطاعة بس أنت نفعت نفسك بس ما نفعت أمتك، والقاعدة العامة التي يقولها الفقهاء أن العبادة التي نفعها متعد للناس أعلى في النظر الإلهي من العبادة التي نفعها قاصر عليك.
فتزود يعني امشي في حاجة أخوي المؤمن ولا أروح أصلي ركعتين قيام الليل؟ لا، امشي في حاجة أخوي المؤمن أعلى من أني أصلي ركعتين قيام ليل، ليه؟ لأنه هي نفعها متعد وتلك نفعها قاصر، بس إخواني هذا بدنا نفهمه إيش يعني، هذا إنما يتصور في حالة التعارض التام، شو يعني التعارض التام؟ يعني الآن الآن يا بصلي ركعتين قيام الليل يا بروح أساعد أخوي الملهوف، لا، روح ساعده، بس مش كل حياتك فيها تعارض، فالأصل أنك قادر أنك تؤدي عبادات خاصة؛ قيام ليل وقراءة قرآن وذكر، وقادر أنك تؤدي عبادات متعدية. هذا إنما يتصور فقط في حالة التعارض، هي الساعة، هي الساعة واحد عم بيكلمني واقع في مصيبة وأخوي بيقول لي تعال نصلي قيام ليل، شو أعمل؟ لا بدي أساعد أخوي وأمشي في حاجته؛ نفع متعد. لكن هل طول عمرك هيك تعارض؟ لا، أكيد الحالات الحالة الطبيعية في العمر أني أستطيع أفعل عبادات قاصرة وأستطيع أفعل عبادات متعدية.
لكن هذا الكلام فقط الهدف منه ما هو تأكيد أن العبادة المتعدية أعظم في نظر الشارع من العبادة التي نفعها قاصر، لكن موطن الشاهد هو ختام الحديث: «وخير دينكم الورع» اللي هو اتقاء الشبهات، وخير دينكم يعني أفضل ما تتمسك به في الدين الورع، اتقاء الشبهات، نعم حديث صحيح.
قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبد الناس»، وعاد صححه طائفة من أهل العلم.
قال رحمه الله: الباب الثالث والعشرون في بر الوالدين. قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مغول قال: سمعت الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني قال: قال عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين». قال: قلت ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال فسكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني، يعني ولو قلت له ثم أي لزاد، لكنني وقفت عند هذه الخصال الثلاث، أفضل الأعمال الصلاة على وقتها.
الآن الأحاديث هذه إخواني جاءت مختلفة، فبعض الصحابة النبي عليه الصلاه والسلام يبدأ معهم بالصلاة ثم بالجهاد، وبعضهم يبدأ معهم بالصلاة ثم ببر الوالدين، هذه اختلاف أجوبة النبي عليه الصلاه والسلام قالوا بسبب اختلاف حال السائلين، ففي صحابي يسأل النبي عليه الصلاه والسلام يعرف من حاله أن بر والديه أحسن له الآن من جهاد التطوع، وليس المراد جهاد الدفاع، المراد هنا جهاد الطلب وهو أن أنت تذهب تقاتل العدو في داره، فهذا الصحابي لأنه عنده والد وأم تحتاجه فالأعلى في حقه ما هو؟ أن يبر والدته أعلى من أن يذهب لجهاد تطوع، فسبب اختلاف أجوبة النبي عليه الصلاه والسلام للصحابة سببه اختلاف أحوال الصحابة، فكان النبي عليه الصلاه والسلام يجيب كل شخص بما هو الأنسب له، يعني أنت أحسن شيء في حقك أن تصلي الصلاة في أول وقتها ما تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، ثاني شيء أنك تبر والدتك أو والديك، ثالث شيء أن تذهب لتجاهد في سبيل الله.
قال رحمه الله: رواه البخاري في الصحيح عن حسن بن الصباح عن محمد بن سابق، قال أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا عبد الله بن شبرمة عن أبي زرعة بن عمر بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحق مني بحسن الصحبة؟ من أحق الناس أن أصاحبه؟ من أولى شخص أحسن مصاحبته؟ هذا معنى من أحق مني بحسن الصحبة، من أكثر شخص في حياتي لازم أحسن مصاحبته؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك». وهذا يدل على فضل بر الوالدين، وتقديم حق الأم على الأب، لأن الأم أولًا هي تعبت فيك أكثر وهي صغيرا وحملا ووضعا، ثم هي الأضعف أو الحلقة الأضعف لما تكبر، يعني الأب ممكن يدبر حاله بس يكبر، لكن الأم كيف بدها تدبر حالها بس تكبر؟ أنت المسؤول عنها، فالأم هي الأكثر تعبًا بك صغيرا وهي الأكثر حاجة وهي كبيرة، فلذلك أمر بحسن صحبتها ثلاث مرات، والأب يأتي بعد ذلك في الأمر بحسن الصحبة.
قال رحمه الله: أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث ابن شبرمة، قال وفي حديث عطاء ابن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الوالد أوسط أبواب الجنة»، أوسط يعني خير، الوسط هنا بمعنى الخير، يعني كان هناك باب في الجنة ببر الوالد، ببر الوالد. والمراد الوالد عموما الأم والأب وليس المراد الأب فقط، هنا والله أعلم الوالد باب، يعني كأن نقول باب بر الوالدين هو خير أبواب الجنة، مش الجنة لها أبواب؟ ما خير أبوابها؟ الوسط هنا بمعنى الخير، خير أبوابها باب بر الوالدين، قال: فاحفظ ذلك الباب أو دعك، عاد أنت يا بتحافظ على هذا الباب بتدخل منه يوم القيامة يا بتقصر فيه فتُحرم من الدخول منه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن شيبان، حدثنا سفيان بن عيينة عن عطاء، فذكره.
الباب بعده بر الوالدين، ننتقل إلى باب صلة الأرحام عموماً. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختي، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي وأحمد بن إبراهيم بن ملح، قال حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه».
من أحب أن يوسع الله عليه في الرزق، وأن ينسئ -أي يؤخر- في أثره؛ هنا اختلفوا في معنى ما معنى أن يؤخر في أثره؟ بعضهم قال: أن يطيل في عمره حقيقةً، هذا معنى ينسئ في أثره طول العمر. وبعضهم قال: ينسأ له يؤخر له في أثره؛ يعني أن يبارك له في وقته وحياته وعمره، ولو كان عمره زي ما هو؛ يعني ستين سنة، ففي واحد بيعيش ستين سنة يا أخي والله عايش بركة، وفي واحد بيعيش ستين سنة ما شعر بها. فهذا معنى آخر أن ينسأ له في أثره يعني أن يبارك له في عمره، لكنني لا أرجحه.
المعنى الثالث: ينسأ له في أثره يعني أن يعطى الثناء الحسن بعد موته، ينسئ يؤخر له في أثره؛ يعني بعد موته، فيعطى الثناء الحسن بعد موته، فعليه أن يصل رحمه. والمعنى الأول والثالث هما أقرب المعنيين، أما طول العمر حقيقةً وهذا معقول، وأما أن يعطى الثناء الحسن ويبقى الناس بعد موته تذكره بالخير. هذا يدل أن صلة الرحم ثوابها عظيم عند الله سبحانه وتعالى؛ أعمامك، عماتك، أخوال، خالاتك، أولاد أخيك، أولاد أختك.
رواه البخاري عن يحيى بن بكير، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الليث. قال: وروي عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، وفيه من الزيادة: «ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله وليصل رحمه». هذا فيه زيادة خصلة ثالثة، وهي تدفع عنك سوء الخاتمة، صلة الرحم تقيك من ميتة السوء، تصرف عنك سوء الختام والعياذ بالله، فأيش تريد أعظم من هذه الخصال؟ هذا كله بصلة الأرحام.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، قال حدثنا أبو سعيد -هو بن العرابي- حدثنا حسن بن محمد الزعفراني، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، وأخبرنا أبو الحسن بن بشران البغدادي، حدثنا إسماعيل بن محمد بن الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وفي رواية ابن عيينة عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يدخل الجنة قاطع رحم».
هذا الحديث كيف يفهم إخواني؟ أما المعنى أنه يؤخر دخوله الجنة إلى آخر شيء، عدم صلة الأرحام ليست كفراً، هي معصية لكنها ليست كفراً، فكيف معنى لا يدخل الجنة قاطع؟ قال العلماء: يعني لا يدخل الجنة ابتداءً، وإنما يكون آخر من يدخل الجنة، وقيل إنه يعذب في النار ثم يدخل الجنة بعد ذلك، فليس المراد الحديث على ظاهره حتى نجمع بين الروايات والأحاديث الأخرى، فإن قطع الرحم ليس كفراً لكنه يحرمك من سرعة دخول الجنة؛ أما أنك تكون آخر من يدخل الجنة، أو المراد أنك تعذب في النار ثم تدخل الجنة بعد ذلك، وهذا أيضاً سيجعلك من آخر من يدخل الجنة. رواه مسلم عن ابن أبي عمر وغيره عن سفيان، ومحمد بن رافع وعبد بن حميد عن عبد الرزاق، وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الزهري.
أخبرنا الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، أخبرنا محمد بن عبد الجبار قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش»، يعني الله يعطي الرحم لساناً يوم القيامة تتحدث به. ماذا تقول هذه الرحم؟ قال: يقول يا رب قطعت، يا رب ظلمت، يا رب تشكو إلى الله، تقول الرحم يوم القيامة: يا رب قطعت، في ناس قطعوني، في ناس ظلموني، لم يقوموا بصلة الأرحام، يا رب أسيء إلي، فبماذا يجيبها الرب؟ فيجيبها ربها: «ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟». شوف سبحان الله! ألا ترضين أن أصل بالخير والعطاء والشفاعة من وصلك، وأن أقطع يوم القيامة من الشفاعة والخير من قطعك؟
لا يكن طالب العلم -بعض طلاب العلم- يقول أنا طالب علم فلا يتعبد الله إلا بطلب العلم، فيقصر في أرحامه وأقاربه وحقوقه وزوجته وأسرته، هذا ليس صحيحاً. طلب العلم لا يعني أنك تقصر في الواجبات الأخرى في بر الوالدين والإحسان إلى الزوجة وصلة الأرحام، طلب العلم الصادق هو أن تعطي كل شيء حقه؛ العلم له الحق، والأم والأب لهما الحق، الزوجة لها الحق، الأرحام لهم الحق وهكذا. هذا إسناد صحيح، وقد رواه معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أتم منه بمعناه، ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين.
الباب الخامس والعشرون في رحمة الأولاد وتقبيلهم والإحسان إليهم وإلى الأهلين. أخبرنا أبو طاهر الفقيه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال ذكر سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم. فقال رسول الله -الأعراب كان عندهم شيء من القسوة، فجاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فرآه يقبل أحد أولاد ابنته- فقال: أتقبلون صبيانكم؟ والله نحن ما نقبل. فماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟»، يعني ماذا أفعل لك إذا نزع الله من قلبك الرحمة؟ هذه مشكلة فيك. هذا يدل أن الإنسان إخواني يكون عنده رحمة وشفقة على أبنائه وعلى زوجته وعلى إخوانه المسلمين. رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن يوسف، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن هشام.
قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن إسحاق إملاءً قال: أخبرنا يوسف بن يعقوب، حدثنا سليمان بن حرب وعارم وأبو الربيع ومحمد بن عبيد ومسدد ومحمد بن أبي بكر قالوا: أخبرنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله»، أفضل دينار تنفقه هو دينار تطعم به زوجتك وأبناءك، هذا أفضل دينار تنفقه في سبيل الله. «دينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله»، ثم بعد ذلك الدينار الذي تنفقه في إعداد دابتك للجهاد عليها في سبيل الله. «دينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله»، دينار ينفقه الرجل على إخوانه من الفقراء أو المساكين أو طلبة العلم ويبتغي بذلك وجه الله؛ هذه الدنانير التي تنفعك عند الله.
قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، فأي رجل أعظم أجراً ينفق على عيال صغار يقوتهم الله تعالى، وبالتالي اكتساب المال لأجل تطعم زوجتك وأبناءك هذا جهاد في سبيل الله، وهذا أمر عظيم لا تستقل منه وتتثبت لله تعالى وينفعهم به. رواه مسلم في الصحيح عن أبي الربيع.
قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف الفراء بمكة، قال حدثنا عباس بن محمد بن النضر بن السري الرافعي إملاءً بمصر، قال حدثنا هلال بن العلاء، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان عن المزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دينار أعطيته في سبيل الله، ودينار أعطيته مسكيناً، ودينار أنفقته على أهلك؛ قال: الدينار الذي تنفقه على أهلك أعظمها أجراً». سبحان الله! يعني ثلاثة دنانير: واحد في سبيل الله، وواحد على المساكين، وواحد لإطعام زوجتك وعيالك، أيهما أعلى ثواباً؟ الذي أطعمت به زوجتك وعيالك؛ أنت مسؤول عن هؤلاء وهم الحلقة المقربة منك، أما تترك زوجتك وعيالك جوعى وتطعم البعيد؟ هذا ليس من الفقه، حتى ولو كان البعيد فقيراً أو مسكيناً، فأولى الناس أن تسد جوع أبنائك، ثم تسد الحلقة الأبعد عنك.
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال حدثنا تمتام، قال حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان فذكره بإسناده ومعناه وزاد: «ودينار أعطيته في رقبة»، يعني في عتق رقبة، في عتق عبد. أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب عن وكيع عن سفيان، واتفق على حديث أبي هريرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وابدأ بمن تعول»، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ابدأ بمن تعول، يعني من يجب عليك أن تنفق عليهم، وهم أبناؤك وزوجتك؛ هذه هي أول من يجب عليك أن تنفق عليهم.
وروينا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وهذا أمر بالإحسان إلى الأهل عموماً؛ فيساعد الإنسان زوجته ويساعد أمه ويساعد أباه في أمور المنزل وفي أمور الحياة العامة، ولا ينبغي أن يتعذر دوماً بطلب العلم؛ أنا طالب علم لا أشتري لها البندورة، أنا طالب علم لا أقوم بمساعدتها في شطف المنزل والأمور الحياتية؛ لا خلك مارن أكثر، شوف النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يكون في خدمة أهله، أنت بدك تكون أعلى في برستيجك الخاص؟
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال حدثنا عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير، قال حدثني أبي، حدثني ليث بن سعد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن يزيد بن عياض بن جعدة، قال إنه سمع ابن السباق يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لنسائه ولبناته». شوف الحديث ما أجمله! خيركم خيركم لنسائه، خاصة النساء لأنها حلقة ضعيفة؛ نسائه يعني زوجاته اللي فيكم متزوج مجموعة، ولبناته كذلك أنت كأب كن جيداً لبناتك دائماً. إخواني النساء والبنات فيهن رقة وفيهن حاجة عاطفية، الأب والأخ هو جيد، طبعاً كلمة خيركم لنسائه حتى أعمم هي تشمل ليس فقط زوجاتك، حتى أخواتك الشقيقات؛ كن جيداً معهن، الأنثى عندها عاطفة وعندها رقة وعندها حاجة عاطفية، وعندها حالات في العذر الشرعي نفسية فيها أمور كثيرة في حياتها تحتاج من يحن عليها ويأخذ بيدها، فخير الرجال من يكون خيراً للنساء لأخواته وزوجاته وبناته. هذا كلام للآباء للشباب للأزواج أن ينتبهوا على هذه الخصلة التي دعانا إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ففيها من الثواب العظيم. قال الشيخ: يزيد بن عياض هذا هو جد يزيد قال الشيخ -يعني البيهقي- هذا هو جد يزيد بن عياض بن يزيد الذي يروي عنه ابن وهب، ويقال يزيد بن جعدة.
الباب السادس والعشرون في الإحسان إلى المماليك. المماليك قديماً هم العبيد والإماء، اليوم نحن ممكن ندخل فيهم من الخدم الذين يكونون في المنازل، فهؤلاء يعاملون، هم صح ليسوا عبيد حاشاهم في النهاية أجراء، لكن لأنه في بيتك وأنت تطلب منه أشياء كثيرة، كيف يتم الإحسان إلى الخدم؟
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، وحدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال حدثنا ابن نمير عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: لقينا أبا ذر بالربذة عليه ثوب وعلى غلامه ثوب مثله. الربذة اسم منطقة بعيدة عن المدينة كان هو خلاص يعني انعزل فيها رضي الله عنه، فكان هو لابس ثوب وكان عنده عبد غلام يعني عبد، ألبسه نفس نوع ثوبه. فقال له رجل: يا أبا ذر لو أخذت هذا الثوب من غلامك فلبسته، فكانت حلة؛ الحلة لا بد تكون من ثوبين، الحلة عند العرب كم قطعة؟ ثوبين. فأبو ذر كان لابس ثوب ووضع ثوباً على عبده، فقال له رجل: يا أبا ذر لو أخذت الثوب الذي على عبدك ووضعته عليك، كنت أصبحت حلة، وهو أعطيتك ثوباً بسيطاً يعني مش لازم يلبس زيك، هو كان يلبس عبده مثل ما هو لابس بالضبط، هذا من خصاله الكريمة لأبي ذر.
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هم إخوانكم»، هم إخوانكم، حتى لو كان عبداً بالمعنى القديم، العبد المؤمن أخوك المسلم في النهاية. جعلهم الله تحت أيديكم. فهؤلاء الأجراء ربنا جعلهم تحت أيديكم، أنتم تستعملونهم، فاتقوا الله فيهم.
قال: فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكون أخوه المسلم تحت يده؛ صح أنت تأمر وتنهى، لكن أخلاقك تدعوك إلى ماذا؟ فليطعمه مما يأكل؛ نفس طعامي يأكل منه هو، مش أنا باكل طعام جديد وهو يأكل دائما طعام قديم، تمام.
قال: ويلبسه مما يلبس؛ نفس نوع الثياب التي ألبسها أنا ألبسها لأخي. نعم، قال: ولا يكلفه ما يغلبه، لا يكلفه أعمالاً شاقة. نعم، قال: فإن كلفه فليعن؛ وإذا كلفته عادي جداً تتواضع وتساعده، مش أنت يلا أنت خدم عندي في البيت بدك تروح تجيب وترفع، وإذا طلب الخادم من السيد المساعدة، خاصة هذا بصير ينظر إليه نظرة أنه أنا أساعدك؟ نعم، ساعده شو المشكلة، ساعد خادمك. نعم، قال: أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث الأعمش، قال: وهذا هو الأفضل أن يفعل، وإلا فلهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف».
يعني هنا يقول البيهقي: قضية فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس هذه من الفضائل؛ يعني هذه أعلى المراتب، ما قويت عليها أقل شيء أن تلبس وتطعم بالمعروف، أي بما هو معتاد على مثله أن يطعمه ويشربه ولا تقصر في حقه. الأكمل أنك تلبسه من نفس نوع ملابسك وتطعمه من نفس نوع طعامك، ما قدرت على هذا الأقل تطعمه بالمعروف وتلبسه بالمعروف. نعم، قال الشافعي رضي الله عنه: والمعروف عندنا المعروف بمثله في بلده الذي يكون فيه؛ يعني المعتاد في البلد.
نعم، قال رحمه الله: حدثنا أبو حن محمد بن الحسين العلوي، قال أخبرنا عبد الله بن إبراهيم بن بالويه المزكي، قال حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء الصانع بطعام قد أغنى عنكم». الصانع اللي هو الطباخ هنا، وهذا في العادة كان يكون عبداً أو أمة، الصانع الطباخ وهذا قديماً يكون عبداً، أو اليوم ممكن يكون خادماً. نعم، قال: قد أغنى عنكم حره ودخانه، فادعوه فليأكل معكم؛ يعني هو كفاك حره ودخانه، هو طبخ لك طعام وتحمل الحر والدخان من أجل أن يطعمك، والله هي اللحم المشوية أو المشاوي هو الذي تحمل الحر والدخان عنك، فلما يأتيك طباخك بطعام ما الأدب؟ أخي خليه يجلس معك وأطعمه، يعني هو شم الريحة وتعب معها وآخر شيء لا تطعمه منها لقمة؟ هذه سوء أخلاق.
نعم، قال: فادعوه فليأكل معك؛ هذه أعلى مراتب الكمال أن تجعله يجلس معك على نفس المائدة، حتى لو كان عبداً أو خادماً. وإلا والله أنت مش واصل لهي المرحلة أنك تتقبل يجلس معك على الأقل قال: وإلا فليناولوه في يده، على الشك في الرواية؛ يعني أعطه لقمة في يده، لقمتين، أقول له تفضل كل. هذه أخلاق الإسلام وأحكام الإسلام للعلاقات الاجتماعية مع الجميع.
نعم، قال ورواه محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء خادم أحدكم بطعامه فليجلس معه، فإن لم يفعل فليناوله أكلة أو أكلتين، أو قال: لقمة أو لقمتين، فإنه ولي حره وعلاجه»؛ يعني هذا الخادم الطباخ ولي حر الطعام ومعالجة الطعام؛ معالجة الطعام يعني طبخه، ولا حط البهارات ولف وقطع اللحمة وزبطها وعمل السلطة، آخر شيء يأتي ما تعطيه لقمة لقمتين؟ يعني هو يا حرام نفسه أصبحت تتشوف إلى الطعام لأنه هو الذي تعامل معه، فمن حسن الأخلاق أنك تكرمه ولو على الأقل ببعض اللقمات تسد نهمته، وهذا مع الوقت أصلاً يتركك هذا الخادم، يترك لأنه لا يرى فيك الأخلاق الحميدة.
نعم، قال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا سعيد بن عامر، قال حدثنا شعبة عن محمد بن زياد فذكره، قال: رواه البخاري في الصحيح عن حفص بن عمر غيره عن شعبة، وأخرجه مسلم من حديث موسى بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قال رحمه الله: الباب السابع عشر في الإحسان إلى الجيران، قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن سليمان الق... هو يأتي بأحاديث لكل العلاقات الاجتماعية، بلش في الأب والأم، بعدين الأرحام، بعدين المماليك، بعدين الآن للجيران. نعم، قال حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا يحيى بن سعيد قال ابن مكرم: قال حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا يحي بن سعيد، أخبر أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». ما زال جبريل كل ما ينزل علي ينصحني بالجيران، انتبه على جيرانك دير بالك عليهم، حتى ظننت أنه في يوم من الأيام رح ينزل ويقول لي الجار يرث منك لكثرة ما أوصاني بالجار، ظننت أن جبريل في يوم من الأيام رح ينزل ويقول لي الجار رح يرث منك؛ هذا دلالة أن الجار له مكانة عظيمة عند الله، الإنسان اللي بيسكن بجانبك له حرمة عند الله عز وجل. نعم، قال رحمه الله: أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث مالك عن يحيى بن سعيد.
قال رحمه الله: الباب الثامن عشر في إكرام الضيف، قال أخبرنا أبو علي... سيتكلم عن الضيف الذي يزورك في منزلك، نعم قال أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، قال أخبرنا أبي بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا قعبي، عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة».
الضيف يجب إذا نزل عندك أن تستضيفه يوم وليلة وجوباً عند الحنابلة، يجب أن تضيف يوماً وليلة، لكن هذا متى؟ إذا كان في المناطق النائية في البدو في القرى، أما إذا كان في الأمصار لا يجب أن تستضيفه. كم بيت قديماً كان الواحد بيسافر فكان قد يمر على بعض القرى، يعني إذا هجم عليه الليل فيضطر -ما في فنادق قديماً- يضطر يدق على بيت يقول والله أنا ضيف وجاي أنزل، يجب كان أن يضيفه يوماً وليلة، أكثر من هيك لا، يعني بصير إحسان. طيب هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة»، لأنه هو مسافر هون في الطريق ودخل عندك كضيف الواجب أن تستضيف يوماً وليلة، والضيافة ثم قال إيش؟ قال صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام»؛ الضيافة ثلاثة أيام، بس بعد اليوم والليلة بتصير إحسان، يعني تمام الضيافة شرعاً كم؟ فإذا أنت نيمته ببيتك ثلاثة أيام معناته أنت أكملت حق الضيافة.
طيب قال: «وما بعد فهو صدقة»؛ بعد الثلاثة أيام يعني خلص هذا نفل زائد، الله يكرمك ويجازيك عليه يعني لو نيمته عشرة عشرين برجع لك وإن شاء الله أنك تثاب عليه، ولكن التمام يعني زي واحد سبحان ربي العظيم هذا الحد الأدنى، سبحان ربي العظيم ثلاث مرات في الركوع هذا كمال التمام، إذا حكيتها عشر مرات عشرين مرة تثاب عليها.
طيب قال: «ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه»؛ هذا كلام للضيف، وأما الضيف فبدنا ننصحه نصيحة، لا يحل لك إذا الرجل بعد اليوم والليلة تثاقل منك لا يحل لك أن تجلس عنده جبراً عنه لأنه هيك أنت عم تحرجه، صحيح ولا لا؟ أنت كضيف معك حق يوم وليلة، بعديها إذا رأيت الرجل فاتح بيته أنعم وأكرم، إذا الرجل قال لك بعد اليوم والليلة والله صعب أنا عندي بنات وبجوز البيت صغير وضيق، لا يحل لك أيها الضيف أن تبقى ثقيلاً، أطراف الضيف الثقيل اللي لا أنا مش طالع، يا عم الله يرضى عليك! تمام خلاص يعني يوم وليلة أنا ما بقدر أكثر من هيك هذه طاقتي، خلص لا يحل لك أن تجلس عند صاحب البيت حتى لا تحرجه؛ بيجوز عنده بنات بيجوز البيت صغير، هو أدى الواجب الشرعي يوماً وليلة. نعم، قال رحمه الله: رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث عن المقبري.
قال رحمه الله: الباب التاسع عشر في تراحم الناس؛ تراحم الناس عموماً بين بعضهم البعض. نعم، قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني إملاءً، قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، حدثنا حسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم قال: قال جرير بن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». اللي ما بيرحم الناس ولا يرحم ضعفهم وحاجتهم الله لا يرحمه يوم القيامة، كما تدين تدان، تعامل مع الناس، ارحم ضعف الناس ومسكنتهم وحاجتهم، الله يرحم ضعفك ومسكنتك وحاجتك. نعم، قال رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان، وأخرج من حديث أبي ظبيان وزيد بن وهب عن جرير.
قال رحمه الله: الباب الثلاثون في رحمة الصغير وتوقير الكبير وخدمة المشايخ، قال أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البغدادي بها، قال أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، قال حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو عمر محمد بن عرعرة بن البرند، حدثنا شعبة عن يونس بن عبيد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: صاحبت جرير بن عبد الله فكان يخدمني. أنس بن مالك يقول: صاحبته جرير بن عبد الله البجلي فكان جرير يخدم أنس بن مالك، مع أن جرير أكبر منه سناً. قال: وكان أكبر مني وأسن، وقال: إني رأيت الأنصار يصنعون برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا أرى أحداً منهم إلا خدمته، هو هيك يرى جرير، جرير أسلم متأخراً في السنة العاشرة من الهجرة فكان يرى أنه الأنصار اللي خدموا النبي صلى الله عليه وسلم لهم حق عليه، فيقول: إني رأيت الأنصار يصنعون برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، يعني يخدمونه يقفون معه، فحق علي أني أخدمهم حتى لو كانوا أصغر مني سناً. نعم، قال رحمه الله: رواه البخاري عن محمد بن عرعرة، يعني يصلح شاهداً لخدمة المشايخ. نعم، قال ورواه مسلم عن بندار وغيره عن محمد بن عرعرة.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني، قال أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا يونس بن محمد، حدثنا مطر أعنق عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنس وقر الكبير وارحم الصغير ترافقني في الجنة». الحديث في ضعف، لكن عموماً معناه صحيح، وهو توقير الكبير احترام الكبير وتبجيله تقوم له من مجلسك، تحترمه في الخطاب، تعرف له شيبته، وفي نفس الوقت ترحم الصغير فتحسن إليه وتتجاوز عن خطاه، هذا بركة وخير وإن شاء الله أن يصح هذا الحديث وترافق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
قال رحمه الله: الباب الحادي والثلاثون في النصح لكل مسلم والدلالة على الخير، النصح لكل مسلم هذا خلق رفيع، الإنسان يكون صادقاً مع الناس جميعاً ويريد لهم الخير جميعاً. نعم، قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن أبي وأبو بكر أحمد بن الحسن وأبو عثمان بن عبدان النيسابوري قالوا: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا زكريا بن يحيى بن أسد، حدثنا سفيان ح وأخبرنا أبو عبد الله وأبو زكريا وأبو بكر وأبو نصر أحمد بن علي بن شبيب القاضي، قالوا حدثنا أبو العباس والأصم، قال أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة عن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله البجلي يقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم؛ يعني عاهد جرير النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصح كل مسلم ويكون صادقاً مع كل مسلم ويدل كل مسلم على ما هو خير، شوف النفسية الطيبة عند جرير بن عبد الله، بايع النبي صلى الله عليه وسلم على هذا، عاهده عليه.
نعم، قال رحمه الله: رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان بن عيينة، وأخرجه البخاري من وجهين آخرين أحدهما عن زياد بن علاقة، قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال حدثنا ابن نمير، حدثنا الأعمش عن أبي عمر الشيباني عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أبدع بي فاحملني، فقال: ما عندي ما أحملك عليه، ولكن ائت فلاناً، صلى الله عليه وسلم يقول: يعني أن ناقتي تلفت، فقال يا رسول الله أريد ناقة أخرى تحملني عليها يعني تعطيني ناقة، ما عندي مال أشتري ناقة، فقال: ما عندي ما أحملك عليه، النبي عليه الصلاة والسلام ما كان من الأثرياء، قال ما عندي ما أحملك عليه، ولكن اذهب لفلان، هذا رجل غني ممكن يعطيك من من نوقه ويساعدك. نعم، قال: فأتى...
رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». ذهب هذا الرجل فعلاً إلى ذاك الشخص -والحديث مختصر- وفعلاً ذاك الشخص أهداه ناقة، فأتى إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، فعلاً الرجل الذي دلني عليه أعطاني ناقة. فأراد النبي ﷺ أن يخبره، فقال: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». أراد أن يخبره أن النبي ﷺ حصل ثواب الإعطاء كما حصل الذي أعطاك ثواب الإعطاء، لماذا؟ لأني أنا دللتك عليه.
هذه قاعدة عامة، بيجيني شخص يطلب مني شيء مش عندي، ما بسكت، لا، بدله على شخص يساعده. أحياناً بيجي شخص يسألك عن مسألة، بتقول والله لا أعرف فيها، بس بتسكت، لا، بتقول له بس في فلان ممكن يساعدك فيها، فذهب إلى فلان فانتفع، أنت حصلت الأجر مثله مثل اللي علمه؛ لأنك دللت على الخير. فالقاعدة العامة أنه عود نفسك أنه يكون إيجابي مع الناس، لو ما عندك قدرة تساعد، على الأقل على الأقل دل الناس على من يساعدهم، فإنك إذا دللت على خير فلك مثل أجر فاعل الخير نفسه. نعم، قال رحمه الله: أخرجه مسلم من أوجه عن الأعمش.
قال رحمه الله: الباب الثاني والثلاثون في المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه. قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن الأسدي القاضي بهمذان، قال حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، ح وحدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
نعم، لا يكتمل إيمان الإنسان حتى يحب لإخوانه المسلمين من الخير ووفره المال وحسن الحياة ما يحب لنفسه، ويطهر قلبه من الحسد والضغينة والغش لإخوانه المسلمين، هكذا يعلمنا ديننا. نعم، قال رواه البخاري عن مسدد عن يحيى، ورواه مسلم عن أبي موسى وبن دار عن غندر كلاهما عن شعبة.
قال الباب الثالث في أن المؤمنين كجسد واحد. قال أخبرنا أبو الحسين: الأمة جسد واحد، في أي منطقة من مناطق الأمة هو ألم لنا جميعاً، وليس إنسان إخواننا في غزة أو السودان أو الشام يكون في ألم وأنت تعيش في حياتك وكأنه لا شيء، وكأنه ما في شيء يحصل في هذا العالم، هذا ليس أبداً من حال أهل الإيمان. نعم، قال رحمه الله: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال أخبرنا أبو جعفر الرزاز، قال حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، قال حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا زكريا عن الشعبي عن نعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
نعم، كيف الجسد إذا التهبت منطقة في الجسد يلتهب كامل الجسد، أليس كذلك؟ والجسد هكذا إخواني حال المؤمنين. ولذلك من كلام السريع ما يفعله كثير من إخواننا ونفعله جميعاً من مقاطعة البضائع؛ لو جاءك شخص وقال لك يا أخي لا يوجد نص في مقاطعة البضائع أو حرمة متاجرة الحربيين، أقول لك هي القضية أخي في جانب معين هي شعور، جانب منها ماذا؟ شعور أنك تقف مع إخوانك، أحياناً أنت مش قادر تصل إليهم، مش قادر أنك تنصرهم بجسدك، على الأقل مقاطعتك لبضائع الشركات التي تعلن دعمها المباشر للكيان الصهيوني هو نوع من الشعور بالجسد الواحد، بغض النظر ما هو الحكم التفصيلي، أنه بعض الناس مثبطة، بعض الناس بيقول لك يا أخي أنت قاطع ما تقاطع، هو لا يريد أن يقدم حتى شيء من الشعور الداخلي. يعني أنت في النهاية اشتريت ولا ما اشتريت، بيقول لك هي راح تفرق على خزينته؟ ترى الموضوع ما هو خزينة، الموضوع أنه أنا على الأقل من ناحية شعورية إنسانية كمسلم أشعر بشعور الأمة الواحدة، أني أنا تركت بضاعة فاضلة عن حاجتي من مطعم أو مشرب، المشكلة ايش هي؟ أغلبها بضائع تافهة يعني طعام، شراب، معجون أسنان، شوية كلام فارغ، تركتها شعور مع إخواني المسلمين الذين يسامون سوء العذاب على يد هذا الكيان الصهيوني وداعميه.
فهذه قضية الجسد الواحد إخواني فكرة يجب أن نحييها في شباب الأمة، وأنه ليست القضية هي فقط قضية تجي تبحث ما هو الحكم الفقهي للتجارة مع الحربي، لو أني لو أبحث في هذا المجال نعم ستختلف بعض التفاصيل حكم التجارة مع الحربيين، لكن هنا نحن لا نتكلم بهذه الزاوية فقط، وإنما نتكلم من زاوية المشاعر والإحساس، وإشعار الإنسان على الأقل معنوياً لإخواني في غزة أو في غيرها أننا نحن معكم ونشعر بنفس الألم، أني أنا استطعت أتخلى عن فضلات وتوافه الحياة قليلاً من أجل ما أدعم شركة هي تدعم، أنا عارف بجوز أنا أو فلان ما يؤثر على ميزانيتها، لكنه يا أخي موقف أسجله لله بس، موقف وإن كان لا، حقيقة في إحصائيات تثبت أنه في تأثير على الميزانية ولو بشكل من الأشكال، وفي شركات يمكن أن تغلق لو كنا كلنا جسد واحد، لكن أحياناً مشكلتنا أنه بنكسر مجاديف بعض، يطلع لك واحد لا اترك، واحد بيقول لك ما هي المقاطعة تحتاج إلى إذن من فلان وفلان ويبلش يفلسف لك الأمور بطريقة تافهة، حتى تعرف أنه مثل هذه الأمور أمور شرعية جسد، مشاعر، أحاسيس، إذا أنت فقدت هذه المشاعر والأحاسيس ماذا أفعل؟ إذا مات قلبك. نعم، قال رحمه الله: رواه البخاري عن أبي نعيم عن زكريا بن أبي زائدة، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن زكريا.
قال رحمه الله الباب الرابع في مراعاة حق أخيه المسلم. قال أخبرنا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا أبو إسحاق الشيباني عن أشعث بن أبي الشعثاء عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب قال: أمرنا بسبع ونهانا عن سبع، يعني النبي ﷺ أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي، وتشميت العاطس، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم.
ولاحظوا هذه السبعة كلها أخلاق اجتماعية، عيادة المريض خلق اجتماعي، أن أتبع جنازة أخوي المسلم بعد أن يموت خلق اجتماعي، إفشاء السلام على المسلمين خلق اجتماعي، إجابة الداعي، واحد دعاني لوليمة لعرسه وما في منكرات لا بد أروح، أخلاق اجتماعية، تشميت العاطس، أخوي عطس الحمد لله بقوله يرحمك الله، هذا معنى تشميت العاطس، خلق اجتماعي، طبعاً هي دين بس أنا أقصد أنها أمور تفاعلية مع المجتمع، نصرة أخوك المظلوم خلق اجتماعي، إبرار المقسم، أقسم علي، أقسم بالله لتدخل بيتي، غصب أدخل يا عمي، إذا عندك مشكلة أي إنسان يقسم عليك وما عندك إشكال في أن تجيبه، ما أقسم عليك على معصية وعندك مجال أن تجيب قسمه، هذا أيضاً من الأخلاق الاجتماعية.
طيب ونهانا عن سبع، ما هي؟ قال ونهانا عن الشرب في الفضة، فإنه من يشرب الشرب في الذهب والفضة محرم كما تعلم، أن يكون إناءك ذهبي أو فضي. نعم قال فإنه من يشرب فيها في الدنيا لا يشرب فيها في الآخرة. قال عن التختم بالذهب، نعم أنك تضع خاتم ذهب إذا كنت رجلاً. نعم قال عن ركوب المياثر، نعم هذه ثياب قيل من الحرير، نعم قالوا عن اللباس القسي، والمياثر كانوا يضعونها على الجمال ويركبون فوقها وتكون مصنوعة من ماذا؟ من شيء من الحرير، والبعض يقول كانت مصنوعة من جلود النمور، وجلود النمور. نعم قال وعن اللباس القسي، والقسي أيضاً من هذا نوع من أنواع الحرير، قال والحرير والديباج والاستبرق، كل هذه يعني ركوب المياثر ولباس القسية والحرير والديباج والاستبرق هذا كله محرم على الرجال، ننتبه، التختم بالذهب ولباس الحرير بأنواعه لأنه الديباج هو نوع من الحرير، استبرق نوع من الحرير، الغسل نوع من الحرير، المياثر فيما ذكر بعضهم على فيها خلاف نوع من الحرير، هي كل هذه الأشياء من الحرير محرم لبسها على الرجال. أما المرأة لها أن تلبس الحرير ولها أن تتختم بالذهب، وأما الشرب في آنية الذهب والفضة هذه هي الوحيدة المحرمة على الرجال والنساء. نعم، قال أخرجه في الصحيح من حديث الشيباني وغيره.
قال أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروذباري، قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محموية العسكري بالبصرة سنة 41 و300، قال حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، قال حدثنا آدم، وحدثنا شعبة، حدثنا سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ: «على كل مسلم صدقة». قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فيعمل بيده فينفع».
كل مسلم يجب في الحياة أن يكون له صدقة يجب في الحياة أن يكون له صدقة يبذلها للناس. طيب فإن لم يجد، ما عنده مال أبداً يتصدق به؟ قال: «فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق»، مثلاً أنت ما عندك ورثة، ما عندك أموال، روح اشتغل بيدك وجيب أموال انفع نفسك وعائلتك وتصدق، جيب المال وتصدق. قال: فإن لم يستطع أو لم يفعل، كان مثلاً مشلول أو عاجز عن العمل لسبب من الأسباب؟ قال: «فيعين ذا الحاجة الملهوف»، إذا ما استطعت أنه أنت تتصدق من مالك أعن إخوانك، أعن إخوانك الملهوفين، المفزوع، وقف بجانبهم، فإن هذه في حكم الصدقة. نعم قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: ما وقفتش طب جب إنسان ملهوف أو لم أجد؟ قال: «فليمسك عن الشر، فإنه له صدقة»، هذه أقل المراتب، على الأقل كف شرك عن الناس إذا أنت لهالدرجة مش قادر تفعل أي شيء من الخير تجاه الناس، على الأقل كف شرك عن الناس، فإن هذه صدقة على نفسك إن شاء الله. نعم، قال رحمه الله: رواه البخاري عن آدم، ورواه مسلم من وجه آخر عن شعبة.
قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: «من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عن كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستر الله عليه في الدنيا والآخرة». من ستر مسلماً رآه على معصية أو على ذنب ما فضحه أمام الناس وستر خطيئته، ربنا بيستر عليك خطاياك وذنوبك في الدنيا والآخرة. نعم قال: «ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». طبعاً ومن ستر مسلماً يمكن يدخل فيها أيضاً الستر المادي، إذا ستره كان عارياً فستره، فالستر قد يكون ستر الذنوب وقد يكون الستر المادي المحسوس إذا وجده بدون ملابس أو هكذا. نعم قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». شوف ما أجمل هذه! والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. لك سبحان الله، الناس اللي تجدهم اجتماعيين ويخدمون إخوانهم، تجد عندهم من البركة في الحياة والسعة في الرزق ما لم يعلم به إلا الله، وهذا وقفت عليه في كثير من الحالات. نعم، قال رحمه الله: وذكر باقي الحديث كما ذكرناه في أول هذا الكتاب، قال رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه.
قال رحمه الله وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: «كل معروف صدقة، كل معروف صدقة». كل خير بتقدمه للناس صدقة، تحمل على دابته، تساعده في أموره المنزلية، تعينه في قضاء والله مسألة حكومية جواز سفر أو شيء، أي معروف تقدمه للناس هو صدقة، لأنه بعض الناس حاصر الصدقة بالإنفاق المالي، لا، الإسلام يوسع مفهوم الصدقة، أي شيء تستطيع أن تنفع به الأمة والناس هو صدقة تتصدق بها على نفسك. نعم، قال رحمه الله: أخرجه مسلم في الصحيح من وجهين آخرين عن أبي مالك الأشجعي.
قال رحمه الله الباب الخامس والخمسون في الإصلاح بين الناس وترك ما يفسد بينهم من النميمة وغيرها. قال حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داوود العلوي، قال أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن بالوي، ح وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، قال حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله ﷺ: «كل سلامى من الناس عليه صدقة». السلامى هي المفاصل إخواني، السلامى ما هي؟ هي المفاصل الموجودة في الجسد تمام، فعندك أنت الآن مفاصل في اليد، مفاصل في هنا، مفاصل في الأقدام، نعم، فكل مفصل من الإنسان عليه صدقة يدفعها لله عز وجل. نعم قال: «كل يوم تطلع عليه الشمس تعدل بين اثنين صدقة». طيب كيف بدي أدفع صدقة؟ كم مفصل عندنا؟ إحنا 360 مفصل، عندك 360 مفصل، كل يوم علي 360 صدقة، طب أنا من وين بدي أجيب؟
هذه الأموال 360 صدقة، ليس شرطاً أن تكون مالاً؛ فقد تتصدق كما قلنا قبل قليل بأعمال اجتماعية. قال: «تعدل بين اثنين صدقة»، مثلاً خصومة بين رجل وآخر أصلحت بينهما، هذه صدقة. وتعين الرجل في دابته وتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة؛ تعين الرجل والله حملت بضاعة لأخيك في سيارته، هذه صدقة.
والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة. وموطن الشاهد من الحديث وتعدل بين الاثنين صدقة؛ لأن هذا داخل تحت ترجمة الباب في الإصلاح بين الناس، الباب 35 في الإصلاح بين الناس؛ فمن الإصلاح بين الناس ما ورد في الحديث وتعدل بين الاثنين صدقة؛ إصلاحك بين الناس بين المتخاصمين صدقة تتصدق بها.
قال رحمه الله: رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو عمرو بن السماك، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمر بن مرة، عن سالم هو ابن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة».
الإصلاح بين المسلمين أعلى من أنك تصلي صلاة نفل أو تتصدق صدقة نفل؛ لأن فيه إصلاح المجتمع، وأن تكون قلوب المؤمنين واحدة يجعلنا أمة مرهوبة، أما إذا كان المجتمع متقطع الأوصال والناس فيه متناحرين، فهي حالقة للدين؛ أي فساد الدين بتفرقنا وعدم اجتماع كلمتنا. نعم، إصلاح ذات البين أعلى من التنفل بالصيام والتنفل بالصلاة والتنفل بالصدقات.
قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا حسن بن علي بن عفان، حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجد شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء».
ذو الوجهين هنا النمام، الذي يكون جالساً مع مشايخ، حكوا كلمة غلط عن شيخ خارج المجلس، بيروح بينقل هذه الكلمة للشيخ الذي انحكي عنه، والله كنا بمجلس والله يسامحهم المشايخ شيخ غاب، وبعدين بكون قاعد مع المشايخ هؤلاء استغاب هذا الشيخ الآخر فينقل هذا الكلام. وهؤلاء كثير اليوم على السوشيال ميديا، اللي بقوا التعليقات، بتشوفوهم كل شوي: والله يا شيخ ما هي حلوة في حقك، ترى الشيخ الفلاني رد عليك، بعدين بروح على قناة الشيخ الفلاني: ترى مشايخ هؤلاء ردوا عليك الله يقويك، وقاعد يشعل نار وحرب ويقيمها حطباً، هذا ذو الوجهين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، اللي شغالين ينموا بين المشايخ والدعاة وبين المسلمين عموماً.
وهذا يكثر في النساء، أخواتنا ينتبهوا على هذه القضية، أنك تكثر نقل الحديث، والله جارتنا حكت عنك كذا، بتروح عند الجارة الثانية: والله فلانة حكت عنك، هذا يكثر في النساء أيضاً، فينتبه الإنسان. شر الناس يوم القيامة عند الله شر الناس الذي ينقل الكلام من المجالس، المجالس أمانات، حتى لو صار فيها خطأ، خلاص، اكتم ما الذي حدث، لا تكن إنسان ضعيف الشخصية، فقط هدفك أن تنقل وأن تشعل الحروب والخصومات.
قال رحمه الله: أخرجه البخاري في الصحيح عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، قال: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: كنا جلوساً عند حذيفة فمر رجل، فقالوا: هذا يرفع الحديث إلى عثمان رضي الله عنه؛ يرفع الحديث يعني شغال ينقل الذي يصير في المجتمع لعثمان، يعني نمام. أشاروا لشخص قالوا: هذا يرفع الحديث، المراد أنه نمام ينقل أنه يا عثمان بن عفان ترى هذا حكى عنك وهذا وهؤلاء ضدك، يعني عم بيغر قلب عثمان على غيره من الصحابة.
فقال حذيفة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات». قتات والنمام لا يدخل الجنة، طبعاً نفس حديث لا يدخل الجنة قاطع، ايش يعني؟ يعني يتأخر دخوله الجنة، ليس المراد أنه كافر، النمام مش كافر، لكنه يفعل كبيرة، فهذا يعذب في النار، فيدخل الجنة متأخراً والعياذ بالله، أو يؤخر الله دخول الجنة، فيكون من آخر من يدخلها.
قال رحمه الله: رواه البخاري في الصحيح عن أبي نعيم وأخرجه مسلم. بعض الناس بيقول لك طب يا أخي مش آخر شيء دخل الجنة؟ إخواني موقف يوم القيامة موقف رهيب، يعني أنت بالنسبة لك كل دقيقة يوم القيامة محسوبة، تخيل أنك جالس مش عارف ما الذي سيفصل بك، والناس عم بتروح الجنة وأنت جالس واقف، والناس عم بتروح الجنة، هل مستاهل أنت أن تنهد أعصابك لأنك كنت تنهد أعصاب المسلمين في الدنيا بالنميمة؟ خلي أعصابك تنهد يوم القيامة قبل ما يفصل فيك إلى الجنة أو إلى النار، خليك استنى. قال رحمه الله: وأخرجه مسلم من وجه آخر عن منصور بن المعتمر.
قال رحمه الله: الباب السادس والعشرون في التواصل والتحابب وما ينهى عنه من التقاطع والتحاسد والتدابر والاغتياب، قال أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي بالكوفة، قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
دخول الجنة مرتبط بالإيمان، وكمال الإيمان إنما يكون بالمحبة، والوسيلة التي تزرع بها المحبة، أقل شيء حتى تزرع المحبة بينك وبين إخوانك، إفشاء السلام في المجتمع.
قال: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، قال أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، قال حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال حدثنا القعنبي، قال فيما قرأ على مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي».
يعني أين الذين حبهم كان من أجل الله؟ أين المتحابون بجلالي؟ من كانت أخوتهم من أجل الله، ليس لمصلحة دنيوية ولا لمنفعة أو صحبة جامعة وتنقطع، أو صحبة عمل وتنقطع، لا، هو دائمة لأنها كانت قائمة على محبة الله سبحانه، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي، وهذا يتوافق مع الحديث السابق: «رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه».
قال رحمه الله: رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة عن مالك، قال: وقد روينا عن معاذ بن جبل، وقيل عن عبادة بن صامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: قال الله عز وجل: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتباذلين فيَّ، والمتزاورين فيَّ».
وجبت محبتي لمن يحبون بعضهم في الله، وجبت محبة الله للمتجلسين في الله، جلسوا فقط من أجل تذاكر العلم، من أجل قراءة قرآن، من أجل المشورة في أمر المسلمين، متجالسين في الله، مجلسهم مجلس ذكر وخير وتذكير. المتباذلين في الله، يبذل بعضهم للآخرين من أجل الله سبحانه وتعالى، هو يبذل لأخيه الخير بغض النظر أشكاله المالي والمعنوي، وهو يبذل له كل ما يستطيع من أنواع الخير. والمتزاورين في الله، عيادة مريض، زيارة عيد، مناسبات، وكان الهدف فقط هو من أجل الله سبحانه وتعالى، والله هذا أخ لي في العقيدة، أخ موحد لله سبحانه وتعالى، أن هذا الهدف فقط من زيارته.
قال رحمه الله: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، قال أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الصفار، قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال حدثنا عبد الرزاق بن همام، قال أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا»، وكونوا لا تدابروا أي لا تعطِ ظهرك لأخيك، وهذا كناية عن القطيعة، يعني لا تتقاطعوا. قال: «وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث».
لا يجوز للمسلم أن يقطع أخاه من أجل أمر دنيوي فوق ثلاثة أيام، بعد الثلاثة أيام لازم تنتهي القطيعة، أقل شيء انتهائها بماذا؟ بالسلام، أن يصبح في تبادل سلام بينكم. أما إذا كان الهجر من أجل أمر ديني لبدعة مغلظة، فهذا هجر شرعي ليس له علاقة بهذا الكلام.
قال أخبرنا أبو محمد المزني، وأبو علي حامد بن محمد الهروي، قال حدثنا علي بن محمد بن عيسى، قال حدثنا أبو اليمان، قال أخبرنا شعيب، عن الزهري أنه قال أخبرنا أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
فكلما كان يلتقي مع أخيه هذا يعرض عن وجهه وذاك يعرض عن وجهه، لا، هذه الحالة لازم تنتهي، ولازم يعود السلام بينكم، مش مطالبك أن يرجع صاحبك على العظم كما يقولون، لكن على الأقل أن تنتهي حالة التقاطع التام ويكون بينك وبينه السلام الذي هو شعار أهل الإيمان.
الحديث الأخير اليوم قال رحمه الله: رواه البخاري عن أبي اليمان، ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد عن عبد الرزاق. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، قال أخبرنا موسى بن الحسين بن عباد، قال أخبرنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله بن جريج، عن أبي برزة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه»، ولم يدخل الإيمان قلبه، يعني لم يرسخ الإيمان في قلبه، وليس المراد إذا كان أصل الإيمان لم يدخل في القلب هذا يكون كافراً.
فهذه الأحاديث إخواني يجب أن تُتعلم على المشايخ؛ لأنه إذا فُهمت خطأ ممكن أنت تعمل كارثة في فهمها، «يا معشر من آمن بلسانه»، اللي هو زي ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، يعني لم يرسخ الإيمان في قلوبكم بعد، عندكم أصل الإيمان في القلب لكن لم يرسخ. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المؤمن يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته».
الذي يتتبع عورات الناس، بده يطلع ماضيهم وأخطائهم، وايش عصى في يوم، وايش معاه في يوم، الذي يتتبع عورات الناس ليفضح الله عز وجل يفضحه في الدنيا، والذي يتبع الله عورته يفضحه حتى في بيته، تخيل يفضحه أمام في أمر حصل في بيتك، يشهر أمام الناس أو يفضحه أمام زوجتك وأولادك وبناتك وتكشف عورتك أمامهم، أو يمكن يقول يفضحه حتى ولو كان جالساً في بيته ولا يراه الناس يفتضح. يعني هناك عدة احتمالات لمعنى يفضحه في بيته، لكن المهم دلالة أنها شيء غريب أن يفضح الإنسان به، ومع ذلك يفضح بأقل الأشياء.
بالتالي إخواني، الله عز وجل إذا رأك تستر الناس، تستر عيوبهم، لا تتبع عوراتهم، ربنا بيساعدك وبيسترك، لأنه أنا وإياك نعصي، أنا وإياك عندنا أخطاء، أنا وإياك عندنا إشكالات، تأتينا لحظات الضعف، فحتى الله عز وجل يساعدك ويستر عليك ولا تفتضح، تعلم أن تستر على إخوانك المسلمين في أخلاقياتهم وسلوكهم. أخرجه أبو داود السجستاني عن عثمان بن أبي شيبة عن أسود بن عامر عن أبي بكر بن عياش، وغداً إن شاء الله نتم هذا الكتاب وما يتعلق أيضاً بما بعده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، حياكم الله في الجلسة الثانية لهذا اليوم.
طبعاً من باب التذكير، إحدى الأخوات الفضليات الاخت أم نواف الله يكرمها أتت اليوم لكم بشيء من الطعام، ورق الدوالي والسلطات، وهذا إنما كان إن شاء الله عن روح ابني الفاضل أخونا نواف، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته. طبعاً أخونا نواف الله يكرمه كان حاضراً معنا في دورة همم الماضية في الدورات السابقة، لكن وافته المنية في شهر رمضان الماضي، نسأل الله عز وجل أن يفسح له في قبره وأن يوسع له فيه، وأن يجعل ما بذله في طلب العلم إن شاء الله شفيعاً له يوم القيامة، وأن يجبر قلب أمنا أم نواف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن...
يجزيها الله عنا خير الجزاء، وتدعون لها بالصبر، وتدعون لابنها أخونا نواف بالرحمة.
إخواني، في كتاب لطيف وفكرة لطيفة كتبها جلال الدين السيوطي وأشار إليها من قبله، وهي فكرة ارتباط بداية السور القرآنية بخواتمها. هل هناك علاقة بين بداية السورة القرآنية وخاتمتها؟ العلماء تتبعوا سور القرآن فوجدوا أن طبيعة السور القرآنية تشهد بوجود الوحدة الموضوعية، وأن هناك نوعًا من الإشارات في بداية السورة وفي خاتمتها تكون فيها شيء من التشابه.
هذا الموضوع، وهو تناسب بداية السورة القرآنية مع خاتمتها، موضوع مهم لمن يعتني بتفسير القرآن؛ لأنه يساعده على معرفة الوحدة الموضوعية للسورة، أو ما هي الفكرة الأساسية التي تدندن حولها السورة، أو على الأقل معرفة الأفكار الأساسية التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تصل إليها ما دامت متشابهة بداية السورة مع نهايتها في فكرة معينة، وهناك ترابط؛ إذاً هناك فكرة أساسية يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تصل إليها.
وهذا يعتنى به أكثر وأكثر في السور الطويلة؛ لأنك لما تقرأ سورة البقرة، الذي لا يحسن تدبر القرآن يظن أن السورة مواضيعها متعددة، فلا يحسن معرفة الشبكة والربطة بين بداية السورة وخاتمتها، وكذلك سائر السور الطويلة. ربما السور القصيرة مثل الإخلاص والفلق والناس وحدتها واضحة، لكن لما تطول السورة يظن الإنسان عدم وجود الوحدة الموضوعية، وهذا خطأ، بل هناك فكرة عامة، ومما يساعد على معرفة هذه الفكرة العامة والوصول إليها التضلع بهذا العلم، وهو علم معرفة تناسب بداية السور القرآنية وخاتمتها.
ممن ألف في هذا، العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله عليه، ألف هذا الكتاب اللطيف المختصر، وهو كتاب في عشرين صفحة فقط، إشارة وومضات تفتح لك آفاقًا أوسع في التفكير بهذا العلم، وأنت إن شاء الله تتدبر القرآن يمكن أن تصل أنت إلى بعض الشبكات أو بعض الأفكار، لأنها في النهاية مسألة اجتهادية. ولكن ما ينبه عليه أنه أحيانًا يكون هناك شيء من التكلف في ربط أول السورة بآخرها، يعني في ربط واضح جميل، وفي ربط تشعر أن العالم تكلف فيه يقلع جبلًا حتى استطاع أن يأتي بهذا، فأنت عمومًا إذا أردت أن تشرع في هذا النوع من العلوم، علوم التناسب، فعليك أن تأتي بوجه معقول وليس بوجه متكلف.
طبعًا التناسبات، العلماء يهتمون أيضًا ببحث تناسب مطلع السورة مع ختام السورة السابقة. هناك في العادة نوعان من التناسب في علم التفسير: بحث مناسبة بداية السورة الجديدة مع ختام السورة السابقة، وهذا نوع يهتم به البقاعي وغيره في «نظم الدرر»، وكذلك الآلوسي في «روح المعاني». وهناك نوع آخر وهو ما نحن فيه، وهو نفس السورة؛ أعرف التناسب بين بدايتها وخاتمتها.
طبعًا لما نقول خاتمتها يا إخواني، أريد أن أنبه لقضية؛ هم لا يقصدون بالختام آخر آية بالضبط، يقصدون بالختام ممكن آخر صفحة، ممكن يقصد بالختام آخر صفحتين، بل في بعض السور ستجدون أن الختام آخر أربع صفحات، فالمراد بالختام ما قارب الختام وليس المراد آخر آية، والمراد بالبداية ما كان في الصفحات الأولى وليس المراد أول آية. حتى توسع دائرتك عندما تنظر في هذا الكتاب.
حتى لا أطيل عليكم ونستغل الوقت، إن شاء الله نبدأ نقرأ من بداية سورة البقرة إلى الناس إن كان لنا نصيب فيها. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولمسامعينا ونجِّ المستضعفين من المؤمنين.
قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أرشد قاصده إلى مقاصده... والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومعاضدة القرآن العظيم، مناسبة مطالع السور ومقاطعها». هذا علم من علوم القرآن، معرفة ما هي المناسبة بين بداية السورة وخاتمتها. قال: «كما أوضحته في الإتقان وكتاب أسرار التنزيل، وقد صرح بذلك المحققون كصاحب الكشاف وشيخه، ومن نبه على هذا العلم الزمخشري صاحب كتاب الكشاف، وشيخه محمود بن حمزة الكرماني صاحب البرهان في متشابه القرآن والغرائب والعجائب، والإمام فخر الدين الرازي صاحب مفاتيح الغيب، والأصبahi وغيرهم، وقد أردت بيان ذلك على ترتيب السور في هذه الكراسة مستخرجًا له بفكري».
هذا يدل على أن هذا العلم إنما هو استنباط واجتهاد وليس شيئًا منقولًا عن الصحابة أو عن السلف، وإنما هو استنباط واجتهاد، قال: «إلا ما صرحت بنقله عن غيري». وسميته «مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع»، والمقاطع هي آخر السورة والمطالع هي بداية السورة، فيقول: المرصد هو المكان الذي ترصد فيه الشيء، فكأنه سماه مراصد المطالع، والارتباط بين المقاطع والمطالع.
قال رحمه الله: «البقرة، بدأ بسورة البقرة، قال الأصبahi: وافق آخرها أولها من ذكر أوصاف المؤمنين ثم الإشارة إلى وصف الكافرين». بداية سورة البقرة في ذكر أوصاف المؤمنين: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 2-3]. ثم ذكر أوصاف الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6].
كيف ختم بذكر أوصاف المؤمنين والإشارة إلى أوصاف الكافرين في آخر الآيات؟ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 285]، فمن صفات المؤمنين كل: آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله. وكيف أشارت إلى أوصاف الكافرين؟ ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 246]، هذه رد على الكافرين؛ لأن أهل الكتاب ماذا قالوا؟ سمعنا وعصينا، فالنبي ﷺ لما نزلت هذه الآية قال للصحابة: «أتُريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب: سمعنا وعصينا؟»، فأنزل الله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285]. فهذه إشارة إلى أن من صفات الكافرين يقولون: «سمعنا وعصينا، غفرانك ربنا وإليك المصير»، ثم بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286]؛ فهذا يدل على أن من صفات الكافرين الأقدمين أن الله يزيد عليهم العذاب ويشق عليهم في الأحكام.
نوع مناسبة ذكرها الأصبهاني أنه كما بدأت سورة البقرة بذكر صفات المؤمنين وصفات الكافرين، ختمت بذكر صفات المؤمنين في الآيتين الأخيرتين، وهذا كلام صحيح؛ لأنها في الختام لم تذكر صفات الكافرين صراحة، وإنما إشارة وتلميحًا في قوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، تلميح أن من صفات الكافرين يقولون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
قال رحمه الله: سورة آل عمران افتتحت بذكر إنزال القرآن والتوراة والإنجيل من قبل، وختمت بذكر ذلك؛ فبداية آل عمران: ﴿نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابُ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 3]، وهذه بداية السورة في الآيتين الثانية والثالثة. وبماذا ختمت سورة آل عمران؟ في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 50]، ختمت أيضًا بالحديث عن الكتب السماوية؛ فالآية قبل الأخيرة في آل عمران تقول: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهو القرآن، ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ وهو التوراة والإنجيل، فافتتحت بذكر إنزال التوراة والإنجيل واختتمت بذكر الإيمان بإنزال القرآن والتوراة والإنجيل، هذا نوع مناسبة.
أيضًا، أحيانًا في السورة الواحدة عدة تناسبات؛ انظر أيضًا، قال: وافتتحت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9] في الصفحة الأولى، وفي الصفحة قبل الأخيرة الآية 194: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، فورد هذا المقطع في البداية وفي النهاية، وهذا شيء من التناسب.
قال رحمه الله: سورة النساء افتتحت بذكر بدء الخلق والولادة، وختمت بأحكام الوفاة؛ فسورة النساء افتتحت بذكر الخلق والولادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فافتتحت بذكر بداية النشأة الإنسانية، واختتمت بذكر أحكام الوفاة؛ لأن الآية الأخيرة تتكلم عن الميراث، والميراث يكون في الوفاة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، فهذه آخر آية في النساء، أحكام الوفاة، فكانت السورة بدأت بنشأة البشر، وآخرها يتكلم عن نهاية الإنسان والبشر وهي الوفاة.
قال رحمه الله: وافتتحت بآيات المواريث والكلالة وختمت بمثل ذلك، وهذه أجمل؛ لأن السورة فعلاً في الصفحة الثانية والثالثة تكلمت عن المواريث، والختام أيضًا آخر آية في المواريث، فهذا تناسب بين البداية والنهاية.
قال رحمه الله: سورة المائدة بدأت بتحريم الصيد في الإحرام وبالشهر الحرام والهدي والقلائد، بدأت بقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، بدأت في الآية الثانية منها، وبدأت أيضًا بتحريم الشهر الحرام والهدي والقلائد في الآية الثانية منها. وختمت بذلك؛ حقيقة هي لم تختم بذلك، لكن في الصفحة الرابعة من الآخر: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾، فذكر الله الشهر الحرام والهدي والقلائد في آخر السورة، وذكر هذا أيضًا في بداية السورة، مما يدل على أن سورة المائدة تتكلم عن تعظيم شعائر الله عمومًا.
قال رحمه الله: وفي أولها إحلال بهيمة الأنعام، في بدايتها: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا التناسب رقم اثنين. وفي آخر السورة في الصفحات الأخيرة منها، نعى الله على من حرم من الأنعام ما لم يحرمه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: 103]، فأحل الأنعام في بداية السورة، ثم نعى التأنيب لمن حرم من الأنعام ما لم يحرمه الله، وهذه كانت من عادات الجاهلية، يحرمون من الأنعام على أهوائهم وأمزجتهم.
المناسبة الثالثة في قوله: وفي أولها قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، في الصفحة الرابعة من البداية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 152]، وفي آخرها -والمراد بالآخر الصفحة السابعة قبل الأخير- ﴿لَّقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [النساء: 154]، لكن هذه الآية هي الآية رقم 154، يعني هي قبل الختام بثمان صفحات، فهذا ليس ختامًا، فالحالة الأولى أو الثانية أقرب من الحالة الثالثة التي ذكرها، والله أعلم.
قال رحمه الله: وفي أولها قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17]، في الصفحة الرابعة من الأول، ثم في آخرها: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]، وهي في الصفحة السادسة من قبل الأخير، وهذا يعني تناسبًا بعيدًا نوعًا ما؛ لأن الأصل أن تأتي التناسبات في الصفحات الأخيرة، صفحة أو صفحتين، لا أن تكون قبل الختام بست صفحات.
قال رحمه الله: سورة الأنعام في أولها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]، هذا صحيح؛ ففي أول آية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وفي آخرها في الآية 150 في الصفحة قبل الأخيرة: ﴿...وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، تكرار هذا التعبير في البداية والنهاية يدل على أن هذا هو موضوع السورة؛ وهو التحذير من الشرك بكل مظاهره وأشكاله.
قال رحمه الله: وفي أولها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6]، وهذا في الصفحة الأولى. وفي آخر آية في السورة: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾، فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ مكان القرون الماضية التي أهلكناها، هذا وجه التناسب. وقال لهم في البداية...
﴿أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ فِي قَرْنٍ ۖ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾، ثم أخبرهم في نهاية السورة أننا جعلناكم خلفًا مكان هذه القرون التي أهلكناها لننظر كيف تعملون، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.
قال رحمه الله: سورة الأعراف، في أولها قوله تعالى: ﴿وذكرى للمؤمنين﴾، في الآية الثانية: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، ثم قال: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. لماذا أنزل الله القرآن؟ لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فأخبر في بداية السورة أن القرآن ذكرى للمؤمنين، وفي الصفحة الأخيرة من سورة الأعراف ماذا قال؟ ﴿اذْكُرُوا﴾، ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾. فالسورة تتكلم أن المطلوب من الإنسان في الدنيا أن يتذكر؛ فبدأت بالتذكر ووسيلته القرآن، وختمت بالتذكر وأنه من صفات أهل الإيمان.
وفي أولها قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في الآية الثالثة من سورة الأعراف، وفي الصفحة الأخيرة منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾. شوف التناسب؛ ختمت: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾، وبدأت: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾، فهذا تناسب واضح بين البداية والختام.
وقال رحمه الله: وفي أولها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾، في أولها النهي عن اتخاذ أولياء من دون الله، وفي آخرها قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانِهِمْ يَمُدُّونَهُمُ الْغَيَّ ثُمَّ لَا يَقْصُرُونَ﴾؛ ذكر أن أولياء الكافرين يمدونهم في غيهم وعتوهم، وإخوانهم -يعني أولياء الكافرين- يمدون إخوانهم من الكفر في الغي، فالله عز وجل نهى المؤمنين عن اتخاذ الأولياء في البداية، وأخبرهم في نهاية السورة أن هؤلاء الأولياء يزجون إلى المعاصي والزيغ وإلى الكفر.
وقال: وفي أولها وصف إبليس بالاستكبار، في أول الصفحة الكلام عن استكبار إبليس عن السجود لله، وهذا من ألطف المناسبات، وفي خاتمتها آخر آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾؛ بدأت بذكر استكبار إبليس عن العبادة، وختمت بخضوع الملائكة في العبادة، وختمها بوصف الملائكة بأنهم لا يستكبرون.
وقال: وفي أولها قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، هذا حقيقة ليس في أوله، هذه الآية في منتصف السورة، فأنا لا أتفق معه في ذكر هذه الآية في التناسبات لأنها في منتصف السورة تقريبًا. وقال: وفي آخرها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾، ما الفرق بين الخفية والخيفة؟ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ يعني في خفاء، ما في داعٍ ترفع صوتك والصراخ، ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ هي من الخوف. فكلمة التضرع وردت في منتصف السورة وفي آخرها، لكن لم أجعلها من المناسبات لأنه كما قلت الآية في الصفحة السابعة أو الثامنة وليست في الصفحة الأولى.
وقال رحمه الله: سورة الأنفال افتتحت بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، افتتحت الأنفال فعلاً بذكر صفات المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، وختمت أيضًا بذكر صفات المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، فإذاً سورة الأنفال لذكر صفات أهل الإيمان.
وقال رحمه الله تعالى: سورة براءة، التي هي التوبة، افتتحت بقوله تعالى: ﴿وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، في بداية السورة ماذا قال للمشركين؟ ﴿وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، والآية الأخيرة في السورة: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾؛ نهاهم عن التولي وختم يا محمد ﷺ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، ذكر التولي في البداية وفي النهاية.
وقال رحمه الله: سورة يونس في أولها قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾، وفي آخرها: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ أَفَأَنتَ مُعْرِضٌ عَن ﺃَﻭَّلِ ٱلْأَﻭَّلِينَ * أَلْئِن مَّتَّ ﺃَوْ ﺣﺴﺒتَ فَإِنَّكُمْ إِﻟﻰ ﺍﻟﻬ️ ﻟﻪ ﻗﺎﻟﻮﺍ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﺗﻐﻠﻮﻥ * ﺃَﺃَﻧﺘَ ﺗُﺳﻤِﻌُ ﺍﻟﺼُّﻣَّ ﺃَﻭْ ﺗَﻬْدِي ﺍﻟﺼُّﻋْﺒَ ﴾، لا، في الآية الأخيرة: ﴿اتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ۗ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ أَفَأَنتَ مُعْرِضٌ﴾. بدأت بالوحي وختمت بذكر الوحي، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾، وبماذا ختم هذا الرجل؟ ماذا أمره الله وهو نبينا محمد ﷺ؟ ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ﴾.
وقال رحمه الله تعالى: سور هود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر كلها مفتتحة بذكر القرآن ومختتم به، دعونا نأتي بالسور حتى نستفيد. سورة هود بماذا بدأت؟ ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. إخواني، هذا الكلام يستفيد منه إخواننا الذين يحفظون القرآن، إن الذي لا يعرف بدايات القرآن وعلاقته بالقرآن ضعيفة، يقول لك: أنا لست قادرًا على معرفة الكثير أو الاستفادة، لا يصلح؛ فطالب العلم أن تكون علاقته بالقرآن قوية، حتى لو لم يكن حافظًا، على الأقل يكون ملمًا، أما أن تكون علاقتك بالقرآن ضعيفة وأنت تدرس أصول الفقه ومصطلح الحديث، فأين كتاب الله في قلبك؟ لا يصلح أن يكون طالب علم وهو أدنى معرفة بكتاب الله، يعرف في اللغة أكثر من القرآن، ويعرف في أصول الفقه أكثر من القرآن، هذه مشكلة كبيرة وتعيق حياة طلاب العلم اليوم.
بداية سورة هود: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، ثم ﴿فُصِّلَتْ﴾، وختم أيضًا بالقرآن: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ كِتَابًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * أَوْ يَزِيدَهُمْ هُدًى أَوْ تَزِيدُهُمْ رَحْمَةً﴾، ثم قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * أَوْ يَزِيدَهُمْ هُدًى أَوْ تَزِيدَهُمْ رَحْمَةً﴾، وختم بقوله: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْآيَاتِ الْمَوْعِظَةُ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
سورة يوسف كيف ابتدأت بالقرآن؟ ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، نحن نقص عليك، فالكلام عن القرآن، وبماذا ختمت؟ آخر آية: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾، فالكلام عن القرآن. سورة الرعد: ﴿الم * الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ﴾، وبماذا ختمت في الصفحة الأخيرة؟ ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾، ومن الأحزاب من ينكر بعضه، وقال في الآية التي بعدها: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾؛ فالكلام في بداية السورة عن القرآن والختام عن القرآن.
سورة إبراهيم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، وبماذا ختمت؟ ﴿هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ﴾، القرآن بلاغ للناس، هذه لطائف تنتبه لها. سورة الحج: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾، وبماذا ختمت؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، كلها تناسبات واضحة.
وقال رحمه الله تعالى: سورة النحل افتتحت بالنهي عن الاستعجال وختمت بالأمر بالصبر، شوف هذا.
بماذا افتتحت سورة النحل؟ أتى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وهو نهي عن الاستعجال. وبماذا ختمت؟ ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، والصبر عكس الاستعجال. بدأت بالنهي عن الاستعجال وختمت بالأمر بالصبر، والصبر عكس الاستعجال، فتناسب لطيف.
سورة الإسراء افتتحت بالتسبيح وختمت بالتحميد، وهو أمر جميل. بماذا افتتحت؟ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾، وبماذا ختمت؟ ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾. فابتَدأت بذكر وختمت بذكر، نعم.
سورة الكهف ومريم وطه كلها مفتتحة بذكر القرآن والذكر ومختتمة به، وهذا كثير أن السور تفتتح بالقرآن وتختم بالقرآن. سورة الكهف ما بدايتها؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وبماذا ختمت؟ ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾. فكلام الله هو القرآن، ويقول الله في النهاية: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾، فهذا ربط بين القرآن وبين كلام الله.
سورة مريم ذكرت رحمة ربك، أي هذه السورة ذكرت رحمة ربك بعبده زكريا. وبماذا ختمت؟ ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾. فالكلام عن الذكر وهو القرآن: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾.
سورة طه جميلة جدا؛ ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾، وفي آخرها: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. انظروا للآية التي قبلها: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾. استعمل مفردة الشقاء في البداية وفي النهاية، وهي تناسبات لطيفة واضحة.
سورة الأنبياء في أولها قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وفي آخرها: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. جميل، الاقتراب ذكر في الابتداء والانتهاء؛ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ في بدايتها، وفي الصفحة قبل الأخيرة من ختامها: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، والاقتراب ليوم القيامة.
سورة الحج بدأت بذكر الساعة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، وبماذا ختمت؟ بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. ومتى يكون هذا؟ في يوم القيامة، فكأنها ابتدأت بذكر يوم القيامة وختمت بذكر مشهد من مشاهد يوم القيامة، وهو شهادة الرسول ﷺ على الأمة وشهادتنا على الناس.
سورة المؤمنون أولها قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وفي آخرها: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. بدأت بـ «قد أفلح المؤمنون» وختمت بـ «إنه لا يفلح الكافرون»، أثبتت الفلاح للمؤمنين في أولها ونفت نفس المفردة -الفلاح- عن الكافرين في آخرها. وهذا من كلام الزمخشري رحمه الله.
سورة النور في أولها: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، وفي آخرها: ﴿مِنَ النِّسَاءِ الْقَوَاعِدِ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. فأول سورة النور التشديد على النساء في اللباس خاصة النساء الشابات، وفي آخرها التخفيف في اللباس عن النساء القواعد. فالموضوع كله عن الثياب وعن صيانة المرأة، لكن لكل حكم حكمة، تعالى: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
سورة الفرقان بدأت بـ «تبارك» وختمت بـ «تبارك». بماذا بدأت؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وبماذا ختمت؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ في الصفحة قبل الأخيرة منها.
سورة الشعراء بدأت بذكر الكتاب وختمت به، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أول سورة الشعراء: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، وختمت بذكر القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ افتتحت بذكر القرآن واختتمت بذكر القرآن.
سورة النمل بدأت بذكر الكتاب وأنه هدى، وختمت بذلك. ما بداية سورة النمل؟ ﴿طس * تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وبماذا ختمت؟ بقوله: ﴿وَأَنِ اتْلُ الْقُرْآنَ فَأنتَ عَلَىٰ هُدًى مُّبِينٍ﴾. وختمت بتلاوة القرآن وأنه سبب في الهداية: ﴿فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾.
سورة القصص في أولها قوله تعالى: ﴿فَلَن أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾؛ من الذي قالها؟ موسى عليه السلام لما قتل الإسرائيلي ثم تاب إلى الله، فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾. وبماذا ختمت سورة القصص؟ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾. حقيقة هذا شيء ملفت، استعمال نفس المفردة في البداية والنهاية: «ظهيرا». قال الله للنبي ﷺ في ختام السورة: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ * قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۗ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾.
وفي أولها هجرة موسى من موطنه والعودة إليه؛ موسى هاجر من موطنه وهو مصر ثم عاد إليه داعياً فرعون، وفي آخرها هجرة النبي ﷺ من بلده والعودة إليها؛ أين هذا؟ ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾، على رأي بعض المفسرين «لرادك إلى معاد» أي سيرد إلى بلدك التي أخرجت منها وهي مكة، وبعض المفسرين يقول إن المعاد هنا الدار الآخرة، وبالتالي ستنتقل في هذه المناسبة التي ذكرها.
سورة العنكبوت ختمت بالهجرة والجهاد؛ لقوله في أولها: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، وهذه مناسبة ظاهرة، ثم ختمت بالأمر بالهجرة والجهاد فقال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، وختمت أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. ما دمت عرفت في بداية السورة أن الطريق طريق بلاء، فإذا علم بالمجاهد فختمت السورة بالأمر بالمجاهدة، وهذا تناسب ظاهر.
سورة الروم في أولها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي ييأسون ويحبطون. وفي آخرها في الصفحة الأخيرة من الروم: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾. هناك تعديل في الآية، فيها سقط انتبهوا. موطن المناسبة أن السورة ابتدأت بذكر مشهد من مشاهد الساعة وختمت بذكر مشهد من مشاهد الساعة، وبنفس المفردات: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾؛ لاحظوا تناسب المفردات.
سورة لقمان في صدرها: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [لقمان: 10]، وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [لقمان: 10]. وفي آخرها: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: 34]. ففي بدايتها ذكر إنزال الماء وبث الدواب، وفي الآية الأخيرة منها ذكر إنزال الغيث وهو الماء، ويعلم ما في الأرحام مما يكون من الدواب، فبدأ بذكر الدواب والمياه، وختم بذكر الغيث وهو المياه ويعلم ما في الأرحام من الدواب.
سورة السجدة في أولها قوله تعالى: ﴿لِّتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: 3]. فذكر الإنذار في بدايتها، وفي آخرها ذكر الإعراض، فقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ [السجدة: 30]. ففي بداية السورة ذكر الهدف من البعثة وهو الإنذار، ثم ختم السورة بكيفية التعامل مع حالة إعراضهم عن هذا الإنذار فقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ﴾، إذا لم يسمعوا للإنذار فأعرض عنهم وانتظر.
سورة الأحزاب بدئت بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1]. وفي آخرها خطاب لأزواجه: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 32]. هي مناسبة بالتقوى، جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية السورة، وجاءت لزوجاته في الصفحة قبل الأخيرة، وإن كان يمكن استخلاص مناسبات أقوى من هذه.
سورة سبأ بدئت بقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: 3]، وفيها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾. وختمت بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: 48]. فذكر الغيب والعلم به ابتداءً وانتهاءً.
سورة فاطر في أولها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10]. وذكر في آخرها أيضاً: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]. نفس الفكرة أن المكر السيئ يضر أهله، فابتدأت بذكر أن مكر الكافرين يبور، وختمت بذكر أنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فهذا تناسب في المطلع والختام.
سورة يس بدئت بوصف القرآن، قال تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 1-3]. فابتدأ بوصف القرآن بالحكمة، وختمت في الصفحة قبل الأخيرة في الآية الأخيرة منها: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69]. وبدئت بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ [يس: 12]، وختمت بإقامة الحجة على قدرة الله على إحياء الموتى في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 78-79]. فابتدأ بذكر إحياء الموتى، وختمت بذكر الدليل على ذلك، وهذا تناسب لطيف.
سورة الصافات أولها قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1] وهم الملائكة، وآخرها فيهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: 165]. هذه مناسبة لطيفة واضحة، ابتدئت بذكر ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ وهم الملائكة، وختمت بقول الملائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، فكلمة الصف وردت ابتداءً وانتهاءً.
سورة ص أولها قوله تعالى: ﴿ص * وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1]. وآخرها: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87]. جميلة هذه المناسبة أيضاً، ابتدئت بقوله سبحانه ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وختمت بقوله عن القرآن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.
سورة الزمر في أولها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 2]. وفي آخرها: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 66]. ابتدئت بالأمر بالإخلاص وانتهت بالأمر بالإخلاص، و﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ تدل على الحصر، أي اعبد الله ولا تعبد سواه.
وفيها: فاتحتها بدء الخلق في أول الصفحة الثانية: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6]. فبدأ بذكر الخلق في البداية، ثم ختم بذكر المعاد في النهاية فقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا... وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر: 71-73]. وفي أولها قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: 5]. وفي ختامها نهاية المعاد: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: 75]. فبدأت بذكر بداية الكون وختمت بذكر نهاية الكون، كانه كتاب ابتدئ بخلق السماوات والأرض وانتهى بالحساب.
سورة غافر في أولها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: 21]. وفي آخرها: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: 82]. ففي بداية السورة: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [غافر: 21]. وفي آخرها: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: 82]. فأمر بالسير والنظر والاعتبار في البداية وفي النهاية. وفي أولها قوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14]. وفي آخرها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. ابتدئت بالأمر بالدعاء وختمت بالأمر بالدعاء.
سورة فصلت في أولها قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: 4]. وفي آخرها: ﴿أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: 51]. فذكرت الإعراض من الإنسان في البداية وفي النهاية. وفي آخرها تكلم عن الإنسان: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51]. فذكر الإعراض، انظر استعمال المفردات، هذا شيء ملفت أنه نفس المفردة تجدها في البداية وفي النهاية: أعرض، ادعوا، سيروا في الأرض، هذه التناسبات هي التي لفتت العلماء لهذه القضية.
سورة الشورى في أولها قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: 3]. وفي آخرها: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]. جميل، بدأت بذكر الوحي وختمت بذكر الوحي، وهو القرآن.
سورة الزخرف في أولها قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 9]. وفي آخرها قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]. نفس الشيء، اعتراف منهم بالبداية واعتراف منهم بالنهاية في بدايه السورة وفي نهايتها، اعتراف بالرب الخالق سبحانه. وفي أولها قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: 5]، وفي آخرها: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 89].
سورة الدخان بدأت بذكر القران وختمت به، في بدايتها: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان: 1-2]. وبماذا ختمت؟ ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: 58-59]. فبدأت بذكر القرآن وختمت بذكر القرآن. وأولها قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: 10]، وآخرها: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾، هذه اللفتة جميلة، ذكر ﴿فَارْتَقِبْ﴾، بدأت بذكر الارتقاب، ثم نفس الفعل تكرر في آخر آية، هذا التكرار يجب أن يلفت نظرك، لماذا اختار هذه المفردة في السورة وكررها في البداية وفي النهاية؟
سورة الجاثية في صدرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ [الجاثية: 9]. وفي آخرها قوله: ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: 35]. واضح، اتخذوا آيات الله هزواً، وردت كلمة الاتخاذ هزواً للقرآن في الصفحة الأولى وفي المقطع الأخير.
سورة الأحقاف بدئت بذكر خلق السماوات والأرض وختمت به: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: 2-3]. وختمت بذكر: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: 33]. فبدأت بذكر خلق السماوات والأرض وأشارت في الختام إلى ذكر خلق السماوات والأرض وأنه دليل على قدرة الله.
سورة القتال بدئت بالأمر بالقتال وختمت به: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]. وختمت بالقتال بالمال، أي: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]. إن تتولوا عن الجهاد والقتال يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.
سورة الفتح بدئت بوصف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ... هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 2-4]. وختمت بذكر صفات المؤمنين: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
سورة الحجرات بدئت بالنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، وختمت بالنهي عن المنّ على الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. وختمت بالنهي أن تمنّ باتباعك لله ورسوله على الله ورسوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 17]. يعني أنت لا يجوز لك أن تتقدم على الله، وإذا اتبعت الله لا تمنّ على الله باتباعك، أنت الذي تحتاج إليه. وبدئت بوصف الله سبحانه وتعالى بالعلم واختتمت في مثل ذلك: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]، والآية الأخيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحجرات: 18]. فذكر العلم في البداية وفي الختام.
سورة ق بدئت بذكر البعث: ﴿ق * وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق: 1-3]. العجب أن كل السورة أصلاً تتكلم عن البعث فعلياً، وختمت به: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: 41-42].
سورة الذاريات بدأت بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات: 5]. وختمت بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 60]. جميل هذا الالتفات، ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ وختمت ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، نفس المفردة.
سورة الطور بدئت بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: 7]. وختمت بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ [الطور: 47]. ذكر العذاب في بدايتها وفي ختامها.
سورة النجم بدت بالنجم وهو الثريا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: 1]. قيل أراد نجم الثريا ومجموعة نجمية، وختمت: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ﴾ [النجم: 49]، وهو نجم آخر.
سورة القمر بدت باقتراب الساعة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]. وختمت: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46]. فهذا ذكر للساعة في البداية وفي الختام.
سورة الرحمن افتتحت باسم من أسماء الله الحسنى: ﴿الرَّحْمَٰنُ﴾ [الرحمن: 1]. واختتمت باسم من أسماء الله الحسنى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 78].
سورة الواقعة صدرت بذكر أزواج الخلق الثلاث، أصناف الخلق: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: 7-10]. وبماذا ختمت؟ ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ... وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ... وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة: 88-92]. فابتدأ بذكر الأصناف الثلاثة وختمت بذكر الأصناف الثلاثة.
سورة الحديد بدأت بوصف الله جل جلاله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]. وختمت بماذا؟ ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 29]. وفي صدرها قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: 7]. وفي آخرها: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: 28]، الأمر بالإيمان. وفي صدرها ذكر النور: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم﴾ [الحديد: 12]. وختمت: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28]. ذكر النور جاء في بدايتها ونهايتها.
سورة المجادلة في أولها ذكر من سمع الله من أوليائه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1]. وهي نحسبها ولية من أولياء الله، وختمت بذكر من هم أولياء الله: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].
سورة الحشر في أولها قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر: 1]. هذه من أوضح المناسبات، ابتدأت ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ وختمت: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 24].
سورة الممتحنة في أولها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1]. وآخرها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 13]. إذاً سورة الممتحنة ما موضوعها؟ النهي عن موالاة الكافرين، فابتدأ بالنهي وختم بالنهي.
سورة الصف أولها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2]، النازل في الجهاد. وآخرها ذكر أنصار الله الذين جاهدوا من قوم عيسى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14]. وفي أولها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: 4]. وفي آخرها: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف: 11]. فهي تتكلم عن الجهاد في أولها وفي آخرها. وفي أولها قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ [الصف: 6]، وفي آخرها: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: 13]، استعمال مفردة البشارة.
إيجاد التناسب فيه شيء من التكلف؛ لأن الصورة صفحة، فمن الصعب أن تلاقي وحدة واحدة، فكلما صغرت السورة قل التناسب.
سورة الجمعة بدئت بوصف الله سبحانه، بدئت بوصف الله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: 1]، وختمت بقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: 11]، أي آخر جملة في السورة، وهذا وصف وهذا وصف.
سورة المنافقون في أولها قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 2]، وفي آخرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9]، فهذا كله صد؛ فالمنافقون يصدون عن سبيل الله، وأموالك وأولادك قد يصدونك عن سبيل الله فانتبه. وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: 1]، وفي آخرها: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، ذكر المنافقون ابتداءً وانتهاءً. لكن أرجع وأقول: أصلاً هي سورة صغيرة، فيصبح التناسب فيه شيء من التكلف قليلاً هنا. في أولها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، وفي آخرها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: 11]. وجه التناسب أن السورة بدأت ببيان علم الله وإحاطته بما في القلوب، واختتمت بذكر علم الله وإحاطته بما في القلوب، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ و﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ﴾، علم وإحاطة.
سورة التغابن في أولها قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: 4]، وآخرها قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [التغابن: 18]. يعلم ما تسرون وما تعلنون، وفي آخرها عالم الغيب والشهادة، الظاهر والباطن.
سورة الطلاق في أولها قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1]، وقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]، وآخرها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]. تأكيد أنك لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، من المحيط بالأمور ويعرف مآلاتها؟ الله، فقال في الآية الأولى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنت لا تعرف، من المحيط بالأمور؟ الله هو سبحانه، ثم ختم بتأكيد هذه الفكرة: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، فهو الذي يعرف مآلات الأمور وإلى أين تنتهي.
سورة التحريم بدئت بذكر أزواج النبي ﷺ، وختمت بذكر زوجتين في الجنة: آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وهذا ظاهر. وفي أولها مظاهرة أزواجه عليه، وفي آخرها خيانة امرأتي نوح ولوط لهما، تحذيراً لأمهات المؤمنين وتخويفاً؛ أظنها واضحة القضية.
سورة تبارك بدئت بوصف القدرة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]، وختمت بمعناه في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: 30]، وهو القدير. وعجز الخلق في قوله: ﴿فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾؛ الله هو الذي يأتينا بماء معين، فالقدير ابتدئ به وهو الذي ختم به.
سورة القلم بدئت بقوله تعالى: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2]، وختمت بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: 51]، فنفى عنه الجنون ابتداءً، وبين انتهاءً أنه من أقوال الكافرين في ذمِّه وهو ﷺ مبرأ منه.
سورة الحاقة بدئت بالحاقة، وختمت بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: 51]. الحاقة هو الحق، ابتدأت بذكر الحاقة وهو الحق، وختمت بذكر الحق.
سورة سأل سائل، التي هي سورة المعارج، ابتدئت بالوعد يوم القيامة: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: 6]، وختمت يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ذلك حشر علينا يسير، فابتدأ بالوعد بيوم القيامة، وختمت بذكره يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً.
سورة نوح بدئت بالوعيد بالعذاب الأليم: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: 1]، وختمت بالعذاب الأليم الذي نزل بهم بقوله تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: 25].
سورة الجن بدئت بالوحي: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: 1]، وختمت بذكره في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: 26-27]، فإنه يطلعه من خلال الوحي على ما يشاء، ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: 27].
سورة المزمل بدئت بقيام الليل وختمت به، وهذه واضحة، بدئت بقيام الليل وذكرت وانتهت بنسخ وجوبه.
سورة المدثر بدأت بالإنذار وختمت به في قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 2]، وبماذا انتهت؟ ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً * كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: 49-54]، والتذكرة هي شكل من أشكال الإنذار، ولو جاب هذه الآية مباشرة كان أسهل عليه، ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾، ابتدأت ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ واختتمت ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ فمن شاء ذكره.
سورة القيامة بدأت بذكر الإعادة وإحياء الموتى وختمت بذلك؛ ابتدأت بذكر القيامة وإحياء الموتى، وختمت: ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ [القيامة: 40]، فتناسب واضح.
سورة الإنسان بدأت بذكر الشاكر والكفور: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، وختمت بقوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: 31]، الشاكر، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: 31]، الكفور، فابتدأت بذكر حالهم واختتمت بذكر مآلهم.
سورة المرسلات في أولها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: 7]، وهو مشعر بقرب وقوعه وقلة مقامهم في الدنيا. وفي آخرها: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ [المرسلات: 46]، فقال لهم ابتداءً ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾، ثم أخبرهم انتهاءً ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾؛ لأنه اقترب حصوله.
سورة عم يتساءلون آخرها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: 40]، وهو النبأ العظيم الذي قُرب بقوله ابتداءً: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 4]، فإن السين تدل على المستقبل القريب وليست كسوف، فلما قربه إليهم قال: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾.
سورة النازعات بدت بالراجفة وختمت بالطامة، وكلاهما من أسماء يوم القيامة.
سورة عبس أولها ﴿عَبَسَ﴾ [عبس: 1] وهو من صفة الوجه، وآخرها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38]. عبس وتولى، العبوس صفات الوجه، وختم بذكر صفات الوجه يوم القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: 38-40].
سورة التكوير أولها قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1]، وآخرها: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26]. ابتدأ بذكر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾، إذا حصلت هذه الأشياء فختم فقال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾، إذا حصلت فأين تذهبون؟ كأنها إجابة عن التساؤلات الماضية.
سورة الانفطار أولها قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1]، وآخرها: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 19]، يعني إذا حدثت كل هذه الأمور فهذا يوم القيامة الذي الأمر فيه لله فقط.
سورة المطففين أولها قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1]، وآخرها: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: 36]، تتوعده في الدنيا ويل لهم، ثم ختم السورة بماذا سيكون حالهم يوم القيامة: هل ثوب الكفار ما وعدتهم به في الدنيا؟ فبدأها بالوعيد وختم بالمال.
سورة الانشقاق بدئت بذكر السماء ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1]، وختمت به في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 19]، على قراءة فتح الباء، لتركبن يا محمد ﷺ، هذه ليست قراءتنا، وعلى هذه القراءة فسرت ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أي في ليلة الإسراء والمعراج ستصعد إلى طبق فوق طبق، والمناسبة هنا متكلفة قليلاً حقيقة، كان بإمكانه يبحث عن مناسبة أقوى. على قراءة فتح الباء خطاب للنبي ﷺ، مراداً بذلك ركوبه سماءً بعد سماء ليلة الإسراء.
سورة البروج بدت بذكر قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، وختمت به في قوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 22]، وكلاهما من عالم الملكوت، يعني البروج واللوح المحفوظ ليس من عالمنا بل من عالم الملكوت. وقوله تعالى في أولها: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: 2]، وفي آخرها: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ [البروج: 20].
سورة الطارق، لم يذكر فيها شيء، يمكن قول هناك في آخر الكتاب ستجدون سقطاً في بعض السور، هل هو سقط من النساخ أو السيوطي نفسه لم يجد شيئاً ممكن. مثلاً سورة الطارق بدأت بـ ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5]، تحذير الإنسان العاصي من استكبار وتذكيره بأصل خلقته، ثم ختمت: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: 13]، إن هذا الموضوع موضوع الدين ليس بالشيء الذي يستهزأ به.
سورة الأعلى بدأت مثلاً بذكر التسبيح ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، ثم مثلاً في آخرها بين الله أن التسبيح والذكر هو سبب نجاة المؤمن، فماذا قال؟ ﴿وَسَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ * قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 11-15]، بدأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ثم ختم ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيضاً ذكر تقلب الدنيا وعدم بقائها في البداية فجعله ﴿غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾ [الأعلى: 5]، وذكر في النهاية أن ما هو الباقي؟ الدار الآخرة، فماذا قال؟ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 16-17]، فهذه من المناسبات اللطيفة.
سورة الغاشية أولها حديث الغاشية وهي القيامة، وآخرها ذكر الإياب والحساب. بدأت بذكر الغاشية وختمت بذكر الإياب والحساب.
الفجر من مناسباتها أنها ذكرت ابتداءً النفس المضطربة غير الراضية: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]، فذكر النفس المضطربة، ثم ختم بذكر النفس المطمئنة فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27]، فهذا من المناسبة بين مطلعها وختامها.
سورة البلد في أولها قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 3]، وآخرها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ذكر حال المؤمنين وذكر حال الكافرين، ﴿وَوَالِدٍ﴾ هو آدم عليه السلام، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ ذريته، ثم ختم بذكر حال ذريته: ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ و﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: 18-19]. وهما قسيما ﴿مَا وَلَدَ﴾، ﴿مَا وَلَدَ﴾ أي أولاد آدم سينقسمون إلى أصحاب مرحمة وأصحاب مشأمة، فذكر الوالد وما ولد ثم ختم بذكر انقسامهم يوم القيامة إلى جنة ونار.
سورة الشمس ﴿خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 10]، ثم ذكر في نهايتها نموذج لمن دسى نفسه، وهو الذي قتل الناقة من آل فرعون، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 14].
سورة الليل ابتدأت ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]، بذكر تنوع الناس في السعي في الدنيا، وختمت بذكر نتيجة السعي في الآخرة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ [الليل: 5-6] إلى آخرها، ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ * فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَىٰ﴾ [الليل: 11-15]. ثم قال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ [الليل: 17-18]، فلما أخبر أن سعيكم لشتى في بداية الليل، أخبر نهاية هذا السعي ومآله في نهاية سورة الليل.
سورة الضحى، ماذا يمكن أن نستخرج من سورة الضحى؟ البعض يقول الضحى هو الصباح وهو خير ونعمة، فختم بذكر النعمة والخير: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، والبعض يقول: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 3]، وهذه من نعم الله فلا بد في ختام السورة ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فذكره بالنعم ثم أمره بالتحديث بها، ذكره بالنعم ابتداءً ثم أمره بالتحديث بها انتهاءً.
سورة الم نشرح، ذكر شرح الصدر ثم ختم بذكر الوسيلة التي يشرح بها الصدر فقال: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 8]، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، هذه نتيجة ما آلتها، كيف أصل إليها؟ ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾، هكذا ينشرح صدرك.
سورة اقرأ، أولها قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1]، وفي آخرها: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: 19]، ولا يخفى ما بينهما من المناسبة البديعة، فإن الصلاة كيف تكون؟ بقراءة في القيام وسجود عند النزول، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أنت وأنت قائم ماذا تقرأ؟ الفاتحة والسور، وإذا سجدت فهذا أيضاً من هيئات الصلاة.
سورة القدر بدئت بذكر الليل وختمت بمطلع الفجر، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وختمت: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]، فابتداء الليل وختمت بالفجر.
سورة الهاكم، لا يخفى أن التكاثر الملهي من نعيم الدنيا، فلذا اختتمت بقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]، ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، التكاثر ملهٍ، فهذا نعيم سنسأل عنه يوم القيامة، فختم بذكر ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾.
سورة العصر، قال بعض العلماء: الزمان، إنما سمي عصراً لأنه ينبغي أن يُعصر، لذلك سمي الزمان عصراً، والعصر يحتاج إلى صبر، فختمت السورة بماذا؟ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]، الزمان يحتاج إلى صبر، فأقسم بالزمان ثم أخبر ماذا يحتاج الزمان حتى يقطع؟ إلى صبر، فانتهت ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، العصر والصبر.
سورة الهمزة أولها قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ﴾ وهو اسم، قيل اسم وادٍ من أودية جهنم، وختمت بماذا؟ الحطمة، صفاتها صفات، والحطمة اسم من أسماء جهنم.
سورة الفيل بدأت ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 2]، ثم ختم.
ببيان كيف أصبح كيدهم في تضليل، فجعلهم كعصف، هكذا أصبح كيدهم في تضليل وذهاب وضياع. سورة قريش حقيقة لم يظهر لي مناسبة سأقف عنها، ثلاث آيات يصعب أن أجد مناسبة بين أولها وآخرها، أن تجتهد في ذلك.
سورة الماعون بدأت بماذا؟ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 1-2]، والدع هو المنع، وانتهت بماذا؟ ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]، وهو منع أيضاً. فبدأت بنهي عن منع اليتيم الخير، وانتهت بالمنع عموماً، يعني لا يعيرون الناس ما يحتاجونه، الماعون كل ما يحتاجه الناس منك؛ من قلم، من أداة، من صحن، من سِفر. فالله عز وجل بدأ السورة بالنهي عن المنع وأنه من صفات الكافرين، وختم بالنهي عن المنع.
سورة الكوثر ممكن نقول بدأت بالعطاء وختمت بالقطع، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، وختمت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]، والأبتر هو المقطوع، فبدأت بالعطاء وختمت بالقطع، وهذا تناسب.
سورة الكافرون واضحة، ابتدأت ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 2]، وختمت ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، ابتدأت بالبراءة وانتهت بالبراءة من المشركين.
سورة النصر ماذا يمكن أن يقال؟ النصر عادة هو ثمرة ونهاية الطريق، وكذلك الاستغفار يجب أن يكون ثمرة ونهاية الطريق، بل ونهاية العبادات. لذلك أنت إذا أنهيت أي عبادة يشرع لك أن تستغفر، لذلك قال الله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]، والنصر هو دائماً نهاية المشوار، فكذلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: 3]، نهاية مشوار العبادات ونهاية العمر يجب أن تكون بالاستغفار.
المسد أيضاً لم يظهر لي فيها مناسبة حتى لا نتكلف فيها، أنها تتكلم عن حال أبي لهب وحال امرأته. سورة الإخلاص مطلعها قوله تعالى ﴿أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، ومقطعها ﴿أَحَدٌ﴾، ابتدأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، وانتهت ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، فانتهت بهذا المفهوم أو بهذه المفردة.
سورة الفلق وسورة الناس هما حقيقة وحدة واحدة نزلتا مع بعضهما البعض، فسورة الفلق تتكلم عن الشر الظاهر والاستعاذة منه، وسورة الناس تتكلم عن الشر الباطن وهي الوساوس الداخلية والاستعاذة منه. سورة الناس مطلعها قوله تعالى ﴿النَّاسِ﴾، ومقطعها ﴿النَّاسِ﴾، ابتدأت ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]، وانتهت ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6]، ابتدأت بالناس واختتمت بالناس، مما يدل أنها موجهة للناس على وجه التحديد.
وتكرر فيها خمس مرات مختلفة المعاني، وقد عد من الجناس، على رأي بعضهم، أن كلمة الناس كم مرة تكررت في هذه السورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]. بعض المفسرين يقول كلمة الناس في كل آية لها معنى مختلف عن كلمة الناس في الآية الأخرى، لكن حقيقة لما تنظر في تفاسيرهم، فيه نوع من التكلف فيها شوي، وإلا لا يظهر لي أن كلمة الناس في كل آية لها معنى مختلف، فهو عدها من الجناس بناءً على أن اللفظ واحد والمعاني مختلفة، لكن هذا كلام فيه نظر.
هذه فكرة فتحت أمامك يا طالب العلم في تدبر القرآن، حاول وأنت تقرأ سور القرآن أن تلاحظ مثل هذه التناسبات بين البداية والنهاية، لأنه هذا سيساعدك على لملمة موضوع السورة، ومعرفة أنه في هناك مفردات سبحان الله يؤتى بها في البداية وفي النهاية حتى تشعرك بالجسد الواحد للسورة. هذه المفردات يجب أن تكون على دراية بها ليكون تدبر القرآن واعياً. وهذا آخر الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل