دخولتسجيل الدخول

المجلس السادس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ، طيب مبارك فيه كما يحب ربنا ويرضى. والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في اليوم السادس من الدورة العلمية المكثفة مدارج العلم في موسمها الثالث لعام 1445 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وما زال هذا المسير مستمراً بحمد الله وقوته وتيسيره وتوفيقه لعبيده. ونسأله سبحانه وتعالى أن يمدنا بالهمة، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يرزقنا الاستمرار دوماً في طلب العلم، وأن نكون من أصحاب المشاريع الناجحة ومن أصحاب الهمم المستمرة، وألا نكون من الملول الكسولين، ومن أصحاب المشاريع المبتورة الذين إذا شرعوا في دورة لم ينهوها، وإذا شرعوا في كتاب لم يتموا ختمه؛ فإن هذا من علامات العجز والقصور، فنستعيذ بالله من ذلك دائماً.

يا طالب العلم، كن صاحب همة عالية في حضور المجالس العلمية والدورات الشرعية وإتمام القراءة للمصنفات والكتب، فإن هذا هو أمارة التوفيق وأمارة إرادة الله الخير بك؛ بإذن الله إنه يعينك على الاستمرار، يعينك على الاستدامة، وهذه نعمة عظيمة. النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن «أحب الأعمال إلى الله أدومها». إذاً العمل المنقطع هذا عمل، وإن أثبت عليه لكن لا يعطيك البركة، لا يعطيك النجاح، لا يجعلك مبرزاً في يوم من الأيام في خدمة هذا الدين الشريف. هذه الأمة إن أرادت أن تحمل لواءها وأن تعيد لها أمجادها، يجب أن تتسم بالنفس الطويل، وأن تتحمل عقبات الطريق. كل ما نحن فيه الآن، نحن لم نرَ العقبات بعد أيها الشباب، تظن أنك رأيت عقبات بشيء من زحمة الطريق أو زحمة المجلس أو طول المجلس؟ هذه ليست عقبات، هذه نتف؛ العقبات أصعب من ذلك، فمن انهدم بنيانه أمام عقبات يسيرة، هذا كيف يثبت أمام العقبات الكبيرة في حياة الأمة؟ فالله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: 200]. لأن الثبات والديمومة إلى نهاية الطريق هذا ليس بالصبر بل بالصبر والمصابرة والمرابطة. طريق طويل لكن بإذن الله نهايته في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الختام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زال حديثنا قائماً أيها الشباب في الصفحات الأخيرة من مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير. وهذه الصفحات كانت تتكلم عن كيف تفسر القرآن، فذكر مجموعة من القواعد. شيخ الإسلام، القاعدة الأولى: أن أنفع أنواع التفسير هو أن تفسر القرآن بالقرآن نفسه؛ تفسر آية من خلال آية أخرى. فإن لم تجد، ففسر القرآن بالسنة، حاول أن تبحث عن حديث نبوي صحيح يكشف لك معاني القرآن. فإن لم تجد، ففسر القرآن بأقوال الصحابة؛ خاصة الصحابة المبرزين مثل ابن مسعود وابن عباس الذين تخصصوا في هذا العلم. فإن لم أجد في أقوال الصحابة، وهذا ما وصلنا إليه وانتهى إليه الحديث، فنشرع مستعينين بالله.

نعم، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا.

ولا في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين. إذاً الخطوة الرابعة، إذا لم تجد تفسير الآية لا في القرآن ولا في السنة ولا في تفاسير الصحابة، فكثير من الأئمة رجعوا إلى تفاسير التابعين؛ لماذا؟ لأن التابعين في العادة إذا فسروا فإنما يكون التفسير مأخوذاً عن الصحابة. نعم قد يجتهد، قد يستنبط، لكن نقول في العادة إذا فسر الآية مثل الحسن البصري أو سعيد أو غيرهم من كبار التابعين، فإنما يكون تلقى ذلك عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.

قال رحمه الله تعالى: كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير. آية يعني كان مبرزاً علامة، وهذا مر معنا أن مجاهد بن جبر من خيرة التابعين في التفسير لأنه تلقاه عن كباره، خاصة عن ابن عباس رضي الله عنه. قال كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منها وأسأله عنها؛ يعني ختم ثلاث مرات القرآن، ختمة تدبر وتفسير مع ابن عباس رضي الله عنهما.

وبه إلى الترمذي قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري، قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً. وهذا يدل على أن قتادة أيضاً من علماء التابعين الذين يهتمون بتفسير القرآن فيرجع إليه ويقول: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً؛ أي سمعت تفسيراً من الصحابة، وهذا الفكرة أنه إنما أخذ تفسيره من الصحابة الكرام الذين لقيهم.

وبه إليه قال: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. لأنه في خلاف كان بين قراءة ابن مسعود وقراءة ابن عباس في بعض الآيات، فيقول: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لما احتجت أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت، وهذا يدل على أن قراءة ابن عباس كانت تختلف عن قراءة ابن مسعود.

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله. وهذا يدل على احتفاء مجاهد بملازمة ابن عباس. ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به؛ يعني يكفيك دلالة أنه مليء بالتفسير.

وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء أيضاً من علماء التفسير من التابعين، وكل هؤلاء من تلاميذ ابن عباس أيضاً. وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، وهؤلاء إذاً هم المتخصصون، أشهر المتخصصين بالتفسير من التابعين.

قال: فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، فيحسب من لا علم عنده اختلافاً، فيحكي أقوالاً. والصواب أن حتى التابعين أكثر اختلافاتهم ليست خلافات حقيقية، وإنما كما مر معنا اختلاف تنوع؛ لكن من يجهل فكرة اختلاف التنوع وأنواع اختلاف التنوع كما قال، يحسبها أقوالاً متعددة فيقول: واختلف التابعون. لا، هم ما اختلفوا، هو أنت فهمت اختلاف تناقض أو تضاد وهي ليست خلافاً، وإنما هو تنوع في العبارة. يحسبها من لا علم عنده اختلافاً فيحكي أقوالاً وليس كذلك، يحكيها على أنها اختلاف تضاد وهي ليست اختلاف تضاد.

فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه؛ يعني يذكر مثالاً مما يندرج تحت الآية. وهذا أو يمكن أن تفسر بطريقة أخرى، فنقول: فان منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، يمكن نقول إنه أراد أن بعض التابعين يأتي باللفظ المطابق لمعنى الآية، وبعضهم يأتي باللفظ اللازم لمعنى الآية؛ وهذا الذي يظهر أقوى، أن هذا تابع للكلام السابق، يريد أن يخبرك أن التابعين عباراتهم تختلف في تفسير الآية، وهم متفاوتون في قدراتهم في التعبير، فبعضهم يفسر الآية بعينه؛ يعني يأتي باللفظ المطابق مئة في المئة، وبعضهم يفسر الآية بمعنى مقارب، زي ما مر معنا في ﴿لَا رَيْبَ﴾ البعض يقول: لا شك، البعض قد يستعمل لفظة غير الشك على حسب ما يظهر له ما هو المعنى المطابق وما هو المعنى اللازم وهكذا.

والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك والله الهادي. وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم. وهذا صحيح؛ نحن في الحقيقة كمرجع تشريعية، هل في علم أصول الفقه -إخواني نرجع لعلم أصول الفقه- هل أخذنا من مصادر التشريع قول التابعي؟ لا، قلنا في خلاف في قول الصحابي هل هو مصدر تشريعي ولا لا، لكن قول التابعي بالاتفاق أو شبه اتفاق ليس مصدر تشريعي. فإذا كانت أقوالهم في الفقه ليست مصدراً تشريعياً، فاختلافهم في التفسير أو أقوالهم في التفسير ليست مصدراً تشريعياً تحرم مخالفته. وإنما هم مجتهدون، فالتابعون يبقون في منزلة أقل من الصحابة؛ الصحابة أقوالهم عند كثير من الأئمة مصادر تشريعية، أما التابعون فليست أقوالهم مصادر تشريعية، فهل يجوز مخالفتهم؟ يجوز.

لذلك ماذا قال: وقال شعبة بن الحجاج: أقوال التابعين في الفروع -يعني في الفقه- ليست حجة؛ يعني ليست مصدر تشريعي، فإذاً كيف تكون حجة في التفسير؟ هي بالتأكيد ليست أيضاً حجة بمعنى عدم جواز المخالفة، فيجوز مخالفتهم إذا كان الأمر قد وصل إليهم. يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم وهذا صحيح؛ أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة. إذاً التابعون إذا اختلفوا، أقوالهم ليست حجة؛ فبيحق لي أنا أصير أرجح من أقوالهم بناء على قواعد الشريعة ما يكون الأنسب ولست ملزماً بقول شخص منهم. لكن إذا أجمع التابعون على تفسير آية، هل يجوز مخالفتهم؟ لا، لماذا؟ لأنه إجماع، لأنه صار هنا مصدر تشريعي اللي هو الإجماع؛ لذلك قال: أما إذا أجمعوا على الشيء في الفقه أو في التفسير هنا فلا يرتاب في كونه حجة لأنه أصبح إجماعاً وليس لأنه قول تابعين.

فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم؛ أما إذا اختلفوا زي ما قلنا فقول بعضهم ليس حجة على بعض ولا حجة على من بعدهم أيضاً من العلماء. ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب. فكيف نرجح إذاً إذا اختلف التابعون في تفسير آية؟ قال: ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، وهذا مصطلح -يعني يقول ابتدعه ابن تيمية- مصطلح جميل: لغة القرآن؛ لأنه فرق بين لغة القرآن ولغة العرب. إيش يعني لغة القرآن؟ يعني أسلوب القرآن ونمط القرآن؛ القرآن من يقرأه ويعتده يجد له طريقة معينة في التعبير، ولكن هذه الطريقة في المعاني وفي التعابير لن تستطيع أن تفهمها إلا إذا تشربت القرآن تشرباً، تصبح تفهم طريقة القرآن أو ما الذي يريد القرآن أن يقوله. فهذا فهم للغة القرآن، وهذا يكون بعد الممارسة الشديدة في التفسير وأسباب النزول ومعرفة الناسخ والمنسوخ؛ تصبح تفهم أسلوب القرآن ولغة القرآن. ومعرفتك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفتك بلغة العرب، ومعرفتك بأقوال الصحابة إن وجدت قد تساعدك على الترجيح بين أقوال التابعين. طبعاً مراد أقوال الصحابة بالمعنى العام ليست في هذه الآية بالتحديد، لأنه إذا كانت أقوال الصحابة في هذه الآية، صار إذاً المسألة فيها أقوال صحابة فما في داعي أصلاً أنزل إلى قول التابعين.

فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام. الآن انتهى من الكلام عن القواعد الأربع المتعلقة بالتفسير بالمأثور. إذاً الأصل أن يفسر القرآن بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يكن أقوال الصحابة، فإن لم نجد في أقوال الصحابة نذهب إلى التابعين؛ إذا أجمع التابعون على تفسير آية فهذا إجماع لا يجوز مخالفته، أما إذا اختلفوا فيما بينهم في تفسير آية فيجوز مخالفتهم بالترجيح بين أقوالهم والترجيح يكون من خلال ماذا؟ النظر في لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك.

قال رحمه الله تعالى: فأما تفسير القرآن -الآن سيذهب إلى الحالة الثانية وهي التفسير بالرأي- هل التفسير بالرأي مذموم؟ ماذا قال ابن تيمية؟ قال: فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام. لاحظ ماذا قال: لم يقل فأما تفسير القرآن بالرأي فحرام، شو قال؟ بمجرد؛ كلمة مجرد ضع تحتها أربع خطوط. هو يقول: تفسير القرآن بمجرد الرأي حرام. ما معنى مجرد الرأي؟ مجرد الرأي هو الرأي الذي لا ينبني على قواعد الشريعة ولا على قواعد اللغة العربية؛ مجرد الرأي هو الذي لا ينبني على قواعد الشريعة مع قواعد اللغة العربية. فأي إنسان بده يفسر تفسير بالرأي، عليه أن ينظر في قواعد الشريعة الكلية وفي قواعد العربية بعد ذلك.

يجتهد برأيه، أما رأي بدون قواعد شريعة كما يفعل من المعاصرين، هؤلاء شحرور ولا غيرهم، هذه التفاسير مذمومة ومحرمة؛ لأنه يفسر القرآن على هواه؛ هو حاب يفهم الآية لا، القرآن لا يفهم على مزاجك أو طريقتك كيف تريد. القرآن محكوم بقواعد شريعة وقواعد لغة عربية، قال ابن تيمية: ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب، هذه المرجعية، أما مجرد الرأي الذي لا ينبني على ذلك فهذا تفسير محرم.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا مؤمن قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». من قال في القرآن يعني من فسر القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار، يعني مقعده في النار ينتظره والعياذ بالله.

حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».

وبه إلى الترمذي قال: حدثنا عبد بن حميد قال حدثنا حبان بن هلال قال حدثنا سهيل أخو حزم القطعي قال حدثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». قال الترمذي: من قال في القرآن برأيه حتى لو أصاب المعنى هو مخطئ عند الله؛ ليه؟ لأنه قال برأيه؛ يعني أنت ممكن تتكلم في آية برأيك وهواك وسبحان الله صادف أن رأيك وهواك صادف المعنى الصحيح، أنت مع ذلك مخطئ وآثم لأنك اعتمدت الرأي المجرد وسيلة في تفسير القرآن، وهذا حرام.

قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم، وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم، وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، هم في العادة يأخذون عن الصحابة.

فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ، لأنه لم يأتِ الأمر من بابه، قال الله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189]، الذي يفسر القرآن برأيه لم يأتِ الطريق من بابه. كمن حكم بين الناس على جهل، فهو في النار، فهو كمن حكم بين الناس على جهل، قاضٍ جاهل يحكم بين الناس بجهل، ما حكمه؟ حكمه آثم، اليس كذلك؟ حتى لو أصاب الصواب، جاءني رجلان يتقاضيان إليَّ وأنا جاهل بالقضاء فحكمت لأحدهما على الآخر، ما حكم هذا الحكم؟ حرام، حتى لو كان فعلاً الذي نصرته هو المظلوم؟ أنا آثم؛ لأنني أقضي بجهل، أنا ما بعرف قواعد القضاء، فكيف أقضي؟ لذلك قال: هذا الذي يقول في القرآن برأيه هذا آثم ولو أصاب الحق، كمن يقضي بين اثنين فينصر المظلوم وهو يجهل قواعد القضاء، هو آثم وإن نصر المظلوم، لأنك كيف تتصدر وأنت تجهل قواعد القضاء؟

قال رحمه الله: فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر. القاضي هذا في النار ولو وافق حكمه الصواب في الواقع، ليش هو في النار؟ لأنه نصب نفسه وهو جاهل بقواعد القضاء. لكن يكون أخف جرماً ممن أخطأ، انظر ماذا يقول ابن تيمية: لكن يكون الذي نصب نفسه للقضاء وهو جاهل آثم حتى لو أصاب الحق، لكن إثمه إذا أصاب الحق يكون أخف من إثم من لم يصب الحق؛ لأن ذلك جمع كارثتين مش كارثة واحدة.

وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، القذفة الذين يقذفون الرجل بالزنا سماهم الله كاذبين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13]، فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر، يعني شخص قال لرجل يا زاني، هو ما بيعرف إنه زاني ولا لا، هو آثم ولا مش آثم؟ طب لو طلع اللي سبه هو فعلاً زاني، يكون آثماً ولا مش آثم؟ برضه آثم؛ لأنك لما سببته سببته وأنت ما بتعرف إنه هو فعلاً زاني ولا لا، فتجتمع، فلذلك قال: فالقاذف الذي يقذف غيره بالزنا كاذب ولو كان قد قذف شخصاً قد زنى في نفس الأمر، يعني في الواقع بس أنت لما سببته وقلت إنه زاني هل كنت تعلم ذلك؟ لا، فالله سيحاسبك على أنك رميت شخصاً بالزنا وأنت جاهل بذلك حتى ولو كان ذاك الشخص فعلاً زانياً في نفس الأمر؛ فالله يحاسبك على منطلقاتك في التفكير ومنطلقاتك في الكلام بغض النظر عن طبيعة الأشخاص الآخرين.

لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، لذلك هو آثم لأنه أخبر بما لا يحل الإخبار به، وتكلف ما لا علم له به والله أعلم. ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، كان إذا جاءت آية لا يعرفون تفسيرها أو دقيق تفسيرها يتوقف ولا يخوض فيها.

ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبي معبر قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟"، أرض تقلني أي تحملني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم، وهذا أبو بكر الصديق! إخواني، اليوم تجد الإنسان يسأل عن تفسير آية في مجلس عائلي، أبوك بيحكي وعمك بيحكي في تفسير، أو جماعة بتخوض، وأبو بكر الصديق يقول لك: يا أخي أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله؟ بيفكروا الناس الكلام في القرآن سهل وأنه مش مشكلة، لا، القرآن خطير، الكلام في القرآن عظيم يا جماعة.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا محمود بن يزيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبَّا﴾ [عبس: 31] فقال: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟". هذا منقطع الإسناد، وليس المراد أنه كان يجهل أصل معنى الأب لأن الأب نبتة معروفة عند العرب، لكن كأنه قال يجهل سياقها في هذه الآية، جهل سياقها في هذه الآية فتوقفوا، أما معنى الأب يعرفه العرب، الأب هو عشب ينبت في الأرض.

وقال أبو عبيد أيضاً حدثنا يزيد عن حميد عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبَّا﴾ فقال: "هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟" ثم رجع إلى نفسه فقال: "إن هذا لهو التكلف يا عمر"، أعود فأقول: ليس عمر لم يتوقف في معنى الأب، وإنما الصورة المراد بها في الآية.

وقال عبد بن حميد قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كنا عند عمر بن الخطاب وهو في ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبَّا﴾، هذا من زهده رضي الله عنه، قميصه يعني دشداشته فيها أربع رقع عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فقرأ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبَّا﴾ فقال: "ما الأب؟" ثم قال: "إن هذا لهو التكلف، فما عليك ألا تدريه"، يعني ألا تدري صورته في هذا السياق، وأما أصله أكيد الإنسان لازم يعرف معاني الكلمات الغريبة في القرآن.

هذا كله محمول على أنهم رضي الله عنهما إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، مش معنى كلمة الأب، ولا هي معروفة، يعني ما المراد بالأب ككيفية وصورة في هذه الآية؟ قال: وإلا فكونه نبتاً من الأرض ظاهر، لا يجهل، لقوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: 27-30].

وقال جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة: ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها، إسناده صحيح، ابن عباس سئل عن آية لو عوام المسلمين سألناهم عنها اليوم ما شاء الله كلهم بيفتوا فيها، ابن عباس توقف فيها.

وقال أبو عبيد قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5]، فقال له ابن عباس: فما قوله تعالى: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، يعني الله أعلم ما الفرق بين اليوم المقدار 1000 سنة، وما اليوم الذي مقداره 50 ألف سنة، هل كل واحد منهم يوم مستقل؟ إيش تفاصيل الفرق بهذه الأرقام؟ الله أعلم بهذه الأرقام، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.

قال ابن جرير حدثني يعقوب قال حدثني ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن، فقال: "أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عني"، أو قال: "أحلفك بالله إذا أنت مسلم أن تقوم من عندي"، لماذا؟ قال: لا تجالسني، ما بحب أحداً يسألني عن آية وأنا أتجرأ فأفتي فيها بغير علم.

وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: أنا لا نقول في القرآن شيئاً، يعني فيما نجهل المراد، لا نخوض فيه. وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن.

وقال شعبة عن عمر بن مرة قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء، يعني عكرمة، روح اسأل الذي يزعم أنه كل شيء فاهمه في القرآن، طبعاً هو يعني زي ما طخ قاعد على عكرمة.

وقال ابن شوذب حدثني يزيد بن أبي يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأنه لم يسمع.

وقال ابن جرير حدثني أحمد بن عبدة الضبي قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، يرون الكلام في التفسير عظيماً لا يتجرأ عليه أي أحد، وسعيد بن المسيب ونافع.

وقال أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط، عروة بن الزبير، تأول هنا بمعنى التفسير والمراد ما سمعته تأول آية من الآيات التي تحتاج إلى تفسير عميق، وليس المراد أن عروة ما كان يعرف تفسير القرآن وهو من كبار التابعين.

وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد، عليك بالسداد يعني خلص، خلينا فيما نعرف ولا تجعلنا نخوض فيما لا نعرف. وقال أبو عبيد حدثنا معاذ قال عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله.

أما بعد، نعم إذا حدثت عن الله، قف حتى تحسب أمورك جيدة. نعم، قال حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها. ولكنها الرواية عن الله؛ قال: التفسير هو كلام عن الله، ما أقدر أخوض فيه حتى ولو كنت على علم عام؛ كان في نوع من الورع الكبير عند السلف عن تفسير القرآن.

اليوم حتى بعض الطلبة المبتدئين تجده يعقد مجالس تفسير؛ هسّه إذا مجرد تنقل كلام المفسرين نقلاً فما في مشكلة، هذا ليس تفسيراً، أنت تنقل، اسمك ناقل، لكن أن تصير تجتهد في تفسير الآيات، لا انتبه، اجتهد في لغة عربية، اجتهد في مسائل فقهية، مسائل أصولية، مصطلح، لغة، بيمشي الحال، لكن لا تتجرأ على الاجتهاد في القرآن وفي معاني القرآن، انقل عن السلف فقط.

نعم، قال أبو عبيد حدثنا هشيم قال: هذه عظيمة الكلمة، ولكنها الرواية عن الله، تفسير أنت تحكي ماذا قصد الله، أنت متخيل شأن التفسير؟ أنت تقول ماذا قصد رب العزة، فمن عظم الله خاف أن يشرح بدون أن يكون متوثقاً 100%، ويصير يعطي اقتراحات والله ممكن الله قصد كذا؛ لا أنت صعب، كبيرة الكلمة هي ممكن الله قصد كذا، متأكد أنت من كلامك؟ تعرف ما الذي ظهر من شفتيك؟ مهم جداً التورع هنا.

نعم، وقال أبو عبيد قال حدثنا هشيم قال أنبأنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله. اتقوا التفسير، والمراد ليس اتقوا التفسير أنك ما تتعلمه، لا، لازم نتعلم التفسير، اتقي التفسير يعني اتقي أن تجتهد بهواك في التفسير، اتقي أن تجتهد بهواك في التفسير، فإن التفسير تروي فيه عن الله أنت مباشرة.

نعم، قال رحمه الله: فهذه الآثار، الخلاصة الآن ابن تيمية سيجمع لك الخلاصة، قال: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فهذه كلها يجب أن تحمل على هذا السياق؛ الكلام فيما لا علم لهم به. نعم، قال: فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، فالمطلوب الذي يتكلم التفسير بالعلم، هذا مطلوب، وإلا كيف سيعرف الناس معاني كلام الله؟ لا بد وجود مشايخ وعلماء يعرفون الناس معاني كلام ربهم لكن بعلم.

نعم، قال: ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ نفس هؤلاء الذين يقولون لك اتق التفسير، هم أنفسهم الذين مروا معنا، هم نفسهم كانوا يفسرون، هل هذا تعارض عندهم؟ لا، هم فسروا ما علموا، وما لم يعلموا قالوا نحن نهابه. نعم، قال: لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، هكذا الجمع. نعم، قال: وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، القاعدة كما يجب السكوت عما لا علم لك به، يجب أن تتحدث فيما لك به علم، وإلا كان كتماناً للعلم وهذا لا يجوز.

نعم، قال: لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]. ولما جاء في الحديث المروي من طرق: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار».

وقال ابن جرير: قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. ختم ابن تيمية هذه الرسالة بهذا الأثر، ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قسم التفسير إلى أربعة أقسام، أنا سأرتب لك إياها من حيث الترتيب التصاعدي:

تفسير لا يعذر أحد بجهالته، وهو الآيات المعلوم معناها معلوم بالدين بالضرورة مثل: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذه خلاص معلومة من الدين بالضرورة معانيها، ولا تحتاج أنت كعامي أن أحداً يفسر لك إياها، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في أحد فيكم مش عارف شأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ فهذه لا يعذر أحد بجهلها من عوام المسلمين.

النوع الثاني: آيات معانيها أصعب قليلاً، لكن يمكن من خلال معرفتنا بالمعاجم اللغوية ولغة العرب نعرف إيش تفسيرها، حتى ولو كنا طلاب علم مبتدئين.

النوع الثالث: آيات لا يعرف دلالاتها العميقة إلا العلماء الراسخون، والمراد دلالاتها العميقة استنباطات، وما تدل عليه من اللوازم.

ونوع رابع: آيات لا يعلمها إلا الله، والمراد لا يعلمها إلا الله هنا، آيات لا يعرف كيف هي في الواقع إلا الله، مثلاً زي آيات الصفات، استوى على العرش، أنت إيش بتعرف منها؟ الاستواء معلوم لكن الكيف، فمعنى أن كيف هي في الواقع لا يعرف ذلك إلا الله، ولا يوجد في القرآن كلمة لا يعلمها إلا الله ككلمة، لأن القرآن يا إخواني نزل بياناً، فليس ممكناً أن يكون في القرآن كلمات ليست مفهومة للعلماء، لا، حتى صحيح، لكن المراد وتفسير لا يعلمه إلا الله كما قالوا، يعني كيف هو في الواقع صورته، فكل ما يتحدث عن الله وحتى عن بعض تفاصيل الدار الآخرة، في أحد فينا يعرف كيف هو في الواقع؟ لا، وإنما نقول كما قال مالك: الاستواء معلوم، وصورته في الواقع لا يعلمها إلا الله.

فهذه مراتب التفسير: تفسير معلوم من الدين بالضرورة يعرفه الجاهل والصغير والكبير مثل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهذا يعني لا يحتاج إلى فذلكة. النوع الثاني: التفسير يمكن يعرفه مبتدئ طلاب العلم بالرجوع إلى لغة العرب الأساسية. النوع الثالث: تفاسير عالية تحتاج إلى علماء راسخين كاستنباطات الشافعي من القرآن واستنباط أحمد واستنباط مالك وأبي حنيفة، فهذه استنباطات راسخين في العلم، وأما أنت فالآية تفهم منها معنى، الشافعي يفهم من نفس الآية أربعين معنى، من أين جابهم؟ لسعة علمه بدلالات لغة العرب تضُمناً ومطابقةً والتزاماً، يستطيع أن يستنبط العديد من الأفكار، أنت لأنك مبتدئ ما بتعرف تستنبطها. وأخيراً النوع الرابع: تفسير لا يعلمه إلا الله، والمراد به ما هو؟ هل في القرآن كلمة ليست مفهومة؟ لا، لكن مراد تفسير لا يعلمه إلا الله يعني لا يعلم كيف هو في الواقع وفي الخارج إلا الله، مثل كيفية الصفات في الخارج، كيفية الميزان والحوض، وهذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله، يمكن أن نكتشفها نحن في الآخرة فيما يتعلق بأمور الدار الآخرة، يعني الصراط، الميزان، نحن الآن لا يعلمها إلا الله، لكن في الدار الآخرة سنشوفها، وفي أمور ستبقى لا يعلمها إلا الله حتى لو دخلت الجنة، ستبقى لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

هذا نهاية تعليقنا على مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكما حثثت على أهمية تلخيص هذه المقدمة وإعادة قراءتها مرتين وثلاث، إخواني الكتاب حتى يفهم، خاصة الكتب الرصينة لا يقرأ مرة واحدة، يقرأ مرتين وثلاث، أول مرة أنت الآن بجوز فهمت مني 30%، يخلف عليك، 40%، على حسب درجاتكم في العلم، لكن مرتين ثلاث أربع مع سماع شروح المشايخ، خلص الكتاب يتجلى ويصبح واضحاً بإذن الله. يعني لا تبتئس ولا تكتئب إذا شعرت أنه لسه بعض الأمور ما زالت تحتاج إلى وضوح، فنحن نتفق في هذه الدورة نركز على الكليات وليس على التفاصيل الجزئية، لأننا لو أردنا أن نجلس على كل سطر وسطر، يعني إن شاء الله لن تكون مدارج عشرة أيام، ستكون سنوات وشهور، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الفهم، وأن يجزي شيخ الإسلام ابن تيمية عنا خير الجزاء.

نشرح الآن إن شاء الله في الكتاب المقرر لهذا اليوم الموقظة للإمام الذهبي في مصطلح الحديث.

تمام، قبل كنا في أي علم؟ أصول التفسير، الآن التفسير يتعلق بإيش؟ بالقرآن، المصدر التشريعي الأول، الآن سننتقل إلى المصدر التشريعي الثاني وهو السنة، وندرس القواعد والمقدمات المتعلقة بالحديث النبوي، يعني علم الحديث الشريف. الحمد لله نحن في هذه الدورة المباركة تكلمنا في العقيدة، تكلمنا في أصول الفقه، تكلمنا في أصول التفسير، الآن نتكلم في أصول الحديث، فأنت تحاول أن تجمع ما يمكن أن يجمع في مختلف العلوم الشرعية.

الكتاب الذي قررناه في هذه الدورة هو كتاب الموقظة لشمس الدين الذهبي عليه رحمة الله تعالى، وهو كتاب جميل اختصره من مقدمة ابن الصلاح، وقيل إنه اختصره من الاقتراح لابن دقيق العيد، والاقتراح هو مختصر من مقدمة ابن الصلاح، والدليل على أنهم قالوا إنه اختصره من الاقتراح كثرة ما يستشهد بقول شيخه ابن دقيق العيد، كثرة ما يستشهد في هذا الكتاب بقول شيخه ابن دقيق العيد.

طبعاً لماذا سميت الموقظة؟ ما معنى الموقظة؟ الموقظة المنبهة، تقول لك الله بقول هذا الشيء أيقظني، أنت مش نائم كنت بس شو يعني أيقظني بالمعنى المجازي؟ والله نبهني، نبهني على ما كنت غافلاً عنه، أحياناً بتسمع موعظة من شيخ فتقول والله موعظة الشيخ أيقظتني، إيش يعني أيقظتك؟ أنت كنت نائم يعني؟ لا، أيقظتك يعني نبهتني على معاني كنت غافلاً عنها، فهذه مقدمة في مصطلح الحديث موقظة، يعني منبهة على معاني هذا العلم، علم مصطلح الحديث. لماذا سمي مصطلح الحديث؟ المراد بالمصطلح يعني المصطلحات التي اتفق عليها العلماء وتصالحوا على إطلاقها في وصفهم للأحاديث النبوية، كقولهم حديث صحيح، حديث ضعيف، حديث موضوع، حديث مسلسل، حديث معضل، هذه إيش اسمها؟ مصطلحات، إيش يعني مصطلحات؟ ما معنى اصطلح في اللغة العربية؟ اتفق. يعني المصطلحات هي ألفاظ اتفق العلماء على إطلاقها لوصف الحديث النبوي بها، طبعاً لوصفه بأمور مختلفة، سند، متن، متواتر، آحاد، مشهور، عزيز، منقطع، هي كلها مصطلحات. طيب كيف بدي أعرف دلالتها؟ لازم تقرأ كتب المصطلح التي تشرح لك ما معنى حديث آحاد، حديث متواتر، حديث مشهور، حديث عزيز، حديث منقطع، هذه الكتب هي التي تعينك على الدخول في هذا العالم، عالم فهم الحديث النبوي وطريقة الحكم عليه سنداً ومتناً وما فيه من العلوم والإشكالات والفوائد، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا.

في المدارج الاثنين أخذنا نخبة الفكر، نخبة الفكر أسهل، الموقظة طويلة شوي وفيها مناقشات، هي جميلة بس بدها نفس، بدك تركز لأنه في مصطلحات ونقاش في المصطلحات، أنه مش كل المصطلحات متفق على دلالتها بين العلماء، خاصة في علوم الحديث ما أكثر الاختلاف في تحرير ما المراد بهذا المصطلح، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم لهذه لهذا المتن الطيب المبارك.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. آمين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجي المستضعفين من المؤمنين. قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه، ربي زدني علماً، موفق يا كريم، أما بعد. قال الشيخ الإمام العالم العلامة، هذا طبعاً مش بالكلام، الحافظ هذا من كلام النساخ، الحافظ يأتي كلامه، نعم الرحلة المحقق بحر الفوائد ومعدن الفرائد عمده الحفاظ والمحدثين وعدة، الرحلة إما أن نقول الرحلة يعني من يستحق أن يرتحل إليه أو أنه هو كان رحالة في طلب العلم. نعم، قال: عمده، وهذا الثاني قد يكون أعلى يعني، نعم عمده الحفاظ والمحدثين وعدة الأئمة المحققين وآخر المجتهدين شمس، قضية وآخر المجتهدين هذه يعني ليست عبارة محققة، يعني لا يمكن أنك تقول 100% أن هذا الشخص هو آخر المجتهدين، هذا ليس حكماً علمياً تمام، فبدي أمشيها لكنها ليست حكماً علمياً، وهذا من شغل المحققين والطلاب وليس من شغل الذهبي نفسه. نعم، قال شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الدمشقي رحمه الله ونفعنا بعلومه وجميع المسلمين.

قال رحمه الله: الحديث الصحيح. ستجدون أن هذا الكتاب مرتب على شكل أرقام، مرتب على شكل أرقام الأفكار فيه، تمام، طبعاً في الفصل الأول الطويل ثم بعد ذلك سيصبح في جانب من السرد، ولكن هذه الأرقام جيدة أنها تعرفك إلى أين وصلنا وإلى أين انتهينا، بدأ رحمه الله تعالى عليه باكتب تقسيم الحديث باعتبار القبول والرد، الذهبي رحمه الله عليه سلك مسلكاً يختلف عن المسلك المشهور، وهو أنكم في العادة تقسمون الحديث إلى ماذا؟ صحيح من حيث القبول والرد، تقسيم الحديث النبوي من حيث المقبول والمردود، أنتم عادة صحيح، حسن، ضعيف، الذهبي لا، قدم قسمة خماسية، فقال: صحيح، حسن، ضعيف، مطروح، موضوع، جعل القسمة خماسية، تمام، طيب ما معنى هذه الأمور وما الفرق بينها؟ سندرس إن شاء الله، لكن هذا من باب البداية أن تفهم أن الرجل أعطى قسمة خماسية: صحيح، ثم حسن، ثم ضعيف، ثم مطروح، ثم موضوع.

دعونا نعرف تعريف الحديث الصحيح كما قدمه الذهبي: نعم، قال رحمه الله: هو ما دار على عدل متقن واتصل سنده. قال: الحديث الصحيح، الشروط المتفق عليها حتى يكون الحديث صحيحاً ثلاثة، أن يكون الرواة عدولاً متقنين، يعني عدل ضابط، عدل متقن، وأن يكون سنده متصلاً، هذه الشروط الثلاث اتفق العلماء عليها جميعاً في جميع العلوم، يعني الفقهاء والمحدثون، الكل متفق أن الحديث حتى يسمى صحيحاً لا بد وأن يجمع هذه الثلاثة، ما هي؟ أن يكون الرواة عدولاً متقنين، طبعاً حتى أكون دقيقاً كما قال ابن حجر العسقلاني، تمام الضبط يعني ليس فقط متقن في أعلى درجات الإتقان، لأن هذا الفرق بين الصحيح والحسن، فقوله متقن يعني في أعلى درجات الضبط، أن يكون إذاً عدلاً متقناً، وأن يكون السند متصلاً لا يوجد.

ما معنى أن يكون الراوي عدلاً؟ العدل إخواني هو الذي يجتنب الكبائر ولا يصر على الصغائر وخوارمها؛ هذا الشخص يسمى عدلاً. من يجتنب الكبائر ولا يصر على الصغائر وعلى خوارم المروءة فهذا يسمونه عدلاً. أما إذا كان الشخص يفعل الكبائر، يزني أو يشرب الخمر أو كذا، هذا سقطت عدالته إلى أن يتوب وتظهر صلاحه. أو كان الرجل يصر على الصغائر أو يصر على ارتكاب خوارم المروءة تمام، وخوارمها عرفية تختلف من زمان إلى زمان، فهذا تسقط عدالته. فالعدل إذاً من يجتنب الكبائر ولا يصر على الصغائر؛ ليس إلا تكون في معاصي لكن المهم أنه لا يصر على الصغيرة ولا يصر على خوارم المروءة، هذا تعريف العدل.

أما المتقن فكما قلنا المراد هنا تمام الضبط. والمراد بتام الضبط أنه لا يخطئ أبداً، هل شخص تام الضبط أخطاؤه معدودة جداً؟ أما لا يخطئ أبداً فهذا لا يكون إلا في المعصوم صلى الله عليه وسلم، فحتى الصحابة كانوا يخطئون في بعض الألفاظ أو الكلمات. واتصل السند أي عدم وجود انقطاع. قال: فإن كان مرسلاً ففي الاحتجاج به اختلاف. أما الحديث المرسل هذا سيأتي معنا إن شاء الله فلا أريد أن أطيل في شرحه الآن، وهو الحديث الذي يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسقط الصحابي. هذا المرسل عند المحدثين؛ لأنني الآن أشرح متناً حديثياً. المرسل عند المحدثين ما هو؟ أن يأتي تابعي فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسقط لنا الواسطة بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا تعبير أدق أن يسقط الواسطة بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام. ليش أدق من التعبير الأول؟ لأنه إذا قال التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن مش عارفين هل هو أسقط صحابياً أو تابعياً؟

الصحيح هكذا يقول الذهبي، سأمشى معه الآن، يقول لك أهل الحديث في الحقيقة حتى يسموا الحديث صحيحاً يشترطون خمس شروط: العدالة، والإتقان، واتصال السند، ويزيدون شرطين: السلامة من الشذوذ، والعله القادحة. فالحديث الصحيح عند المحدثين خمسة شروط مش ثلاثة: عدالة في الرواة، تمام الضبط في الرواة، اتصال السند، وألا يكون هناك شذوذ ولا علة قادحة. طبعاً لازم تكون العلة قادحة. سيأتي معنا تعريف الشاذ وهو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وإن كان حتى الشذوذ فيه خلاف كبير في تعريفه. والمراد بالعلة القادحة أحياناً الحديث إخواني قد يكون رواته عدولاً وضابطين والسند متصل، لكن المحدث الجهبذ يكتشف فيه علة خفية قادحة تدل على وجود ضعف فيه؛ هذه العلة الظاهر أن الحديث سالم منها لكن الجهبذ يعرف أنها موجودة. فبالتالي يقول لك الحديث فيه علة، صح رواته عدول ورواته ضابطون واتصال السند موجود لكن في مشكلة. هذا الحديث بالتحديد شعبة أخطأ فيه أو فلان أخطأ فيه من كبار الحفاظ. طيب كيف عرفت؟ يقول لك شغلتي. أنت طالب علم مبتدئ ما راح تعرف، بس أنا لأنني خبرت هذه الأحاديث والأسانيد أستطيع أن أقول هذا الحديث وإن كان رجاله كباراً لكن فيه مشكلة في رواية سفيان بن عيينة عن الزهري هنا، وإن كان عيينة من الكبار والزهري من الكبار لكن هذا الحديث فيه مشكلة. كيف؟ صعب أعلمك. لذلك نقول العلة هي أمر قادح خفي يطلع عليه الجهابذة، يقدح في صحة الحديث وإن كان ظاهر الحديث السلامة منه. فالمحدثون ماذا يقولون حتى يكون الحديث موصوفاً بالصحة؟ لازم يكون فيه هذه الشروط الخمس: عدالة، ضبط، اتصال سند، والسلامة من الشذوذ والعلة القادحة.

قال: وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء. نقول لك الفقهاء يشترطون فقط الشروط الثلاثة الأولى: عدالة، ضبط، واتصال السند، ولا يشترطون السلامة من الشذوذ والعلة القادحة. لكن هل هذا الكلام صحيح حقيقة؟ هنا في مشكلة عندما تقول وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء. من قصدك بالفقهاء؟ أحمد بن حنبل، طب ما هو محدث وفقيه. مالك، طب ما هو محدث وفقيه. الشافعي، بل حتى الحنفية كلهم لو نظرت في تصرفات الأئمة أئمة المذاهب كلهم يعتبرون الشذوذ والعلة القادحة بشكل من الأشكال، وليس هذا موطن استيعاب الأمثلة. فقوله وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء حقيقة يمكن اتفق معه نظر الفقهاء المتأخرين، لكن أئمة المذاهب والفقهاء المتقدمون لا؛ هم مثلهم مثل المحدثين يقولون الحديث الصحيح لازم يخلو من الشذوذ والعلة القادحة، وإذا فيه شذوذ وعلة قادحة لا يقبل؛ أحمد لا يقبل، مالك لا يقبل، أبو حنيفة لا يقبل، الشافعي لا يقبل. فقوله وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء عبارة تحتاج إلى تحرير أكثر. لو قال الفقهاء المتأخرون الذين جاءوا في القرن الرابع والخامس بمشيها ممكن، لكن أصول فقهاء الإسلام هم أصلاً محدثون وما كان فيه هذا الانفصال بين الحديث والفقه.

قال: فإن كثيراً من العلل يأبونه. يقول يعني أن الفقهاء المتأخرين كثيراً يرفضون تضعيف الحديث بالعلل التي يضعف بها المحدثون الحديث، لكن حقيقة الأمر ليس شأنه الأمر لعلماء الصنعة؛ فإذا المحدثون قالوا الحديث فيه علة قادحة، يطلع للفقيه يقول لا لا، أنا ما باخذ بكلامك. إحنا البارحة فهمنا من ابن تيمية أن العبرة بكلام المتخصص، فإذا الحديث حكم عليه المتخصص أنه فيه علة قادحة تضعفه، أنت كفقيه ما بتفهم في الحديث، ما بتفهم، تسمع كلامه. فقضية أن كثيراً من الفقهاء يرفضون علل المحدثين، الحكم ليس لهم، الحكم للمحدثين، وأصول فقهاء الإسلام كانوا يجمعون بين الفقه والحديث فهؤلاء هم المعتبرون.

قال: فالمجمع على صحته إذاً فالخلاصة إذاً أن المجمع على تسميته صحيحاً ما هو؟ قال: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس. إذاً بناءً على ما يريد أن يطرحه الذهبي؛ الذهبي يحاول أن يوفق بين المحدثين والفقهاء. المحدثون يشترطون في الحديث الصحيح كم شرط؟ خمسة. الفقهاء يشترطون كم شرط؟ فالحديث الصحيح المتفق عليه بين المحدثين والفقهاء لازم يكون فيه خمسة شروط. وأما الأحاديث التي صححها الفقهاء وما صححها المحدثون فيكون اجتمع فيها ثلاثة. فالمجمع على صحته بين الفقهاء والمحدثين هو قال: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس. زد هنا شيئاً ثالثاً قال: وعدم تدليس. حقيقة قالوا لماذا الذهبي زاده هنا ولم يذكره ابتداء؟ لأنه حقيقة عدم التدليس سيأتي معنى التدليس؛ التدليس إما يسبب لي مشكلة في اتصال السند أو يسبب لي مشكلة في ضبط الراوي؛ فالتدليس ليس شرطاً منفصلاً زائداً؛ لأنه سيأتي معنا إما تدليس شيوخ وإما تدليس أسانيد، فتدليس الشيوخ يؤثر على الضبط إذا أثر، وتدليس الأسانيد يؤثر على اتصال السند. فقوله وعدم تدليس قالوا فقط أراد التأكيد والتوضيح لهذه الفكرة أكثر وأكثر، لأنه يجب أن يكون الراوي غير مدلس، أو أن يسلم الحديث من التدليس. ولو أنك لم تذكرها ما فيها مشكلة، وبقينا على ما اتفقنا عليه أن شروط الحديث الصحيح خمسة عند المحدثين، وهو الصواب: أن يكون رواته عدولاً، ضابطين، واتصال السند، والسلامة من الشذوذ والعلة القادحة. وأما قضية عدم التدليس فهي داخلة ضمن هذه الشروط الخمس.

بناءً على ذلك قال: فأعلى مراتب المجمع عليه مالك عن نافع. الآن إذا عرفت تعريف الحديث الصحيح، فالأحاديث الصحيحة التي فيها هذه العناصر الخمسة متفاوته في قوتها، هي كلها صحيحة لكن متفاوته في قوتها. لماذا متفاوته؟ ما سبب التفاوت؟ بحسب تمكن الشروط الخمسة في الإسناد. هسه الشروط الخمسة موجودة في كل الأسانيد الصحيحة، ولا كيف صار حديثاً صحيحاً؟ لكن فيه حديث صحيح الشروط الخمسة موجودة فيه 60%، وفيه حديث صحيح الشروط الخمسة موجودة فيه 70%؛ فهل الحديث الصحيح في البخاري ومسلم في درجة الحديث الصحيح في سنن أبي داود والنسائي؟ لا، وإن كان هذا صحيحاً وهذا صحيحاً، بس هناك الصحة وصلت عند البخاري 90-95، عند أبي داود الصحة 75-80. فلذلك حتى الأحاديث الصحيحة وإن كانت كلها صحيحة لكن تتفاوت مراتبها. فمثلاً قال: فأعلى مراتب المجمع عليه مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا من السلاسل الذهبية؛ رواية مالك عن نافع عن ابن عمر من أعلى الأحاديث الصحيحة. أو منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، منصور ابن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، هذا من أقوى الأحاديث الصحيحة. أو الزهري عن سالم عن أبيه، الزهري عن سالم عن أبيه -مين أبوه؟ عبد الله بن عمر-. أو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أبو الزناد عبد الله بن ذكوان عن الأعرج بن هرمز عن أبي هريرة، من أقوى الأسانيد الصحيحة.

ثم بعده، هذه تسمى أعلى الأحاديث الصحيحة، بعدين في أحاديث صحيحة تأتي في المرتبة الثانية. قال ثم بعده معمر عن همام عن أبي هريرة، معمر بن راشد عن همام عن أبي هريرة. وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك، أو ابن جريج عن عطاء عن جابر وأمثاله. وهنا العلماء كما قلت سبروا هذه الأسانيد فوجدوا أن المجموعة الأولى وجدت فيها الشروط الخمسة بشكل عالٍ جداً، المجموعة الثانية وجدت فيها الشروط الخمسة بس يعني 80-85%.

ثم بعده في المرتبة الثالثة والأخيرة، قال هنا الليث وزهير عن أبي الزبير عن جابر، الليث إذا روى عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، أو قال سماك عن عكرمة عن ابن عباس، سماك بن حرب إذا روى عن عكرمة عن ابن عباس، أو أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء، أو العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ونحو ذلك من أفراد البخاري أو مسلم. مما تفرد بإخراجه البخاري ومسلم كله، يعني البخاري ومسلم هو مظنة الأحاديث الصحيحة بالتأكيد على تفاوت مراتبها في الصحة. هيك بنكون انتهينا من المصطلح الأول وهو الصحيح.

قال رحمه الله: الحسن، وفي تحرير معناه اضطراب. فقال الحسن، لاحظوا إيش قال: وفي تحرير معناه اضطراب. هذه مهم نفهمها إخواني، العلماء لم يتفقوا على تعريف الحديث الحسن، وفي مشكلة كبيرة في تعريف ما هو الحديث الحسن مشكلة ما قبل ابن الصلاح وما بعد ابن الصلاح، في غموض والأمر يحتاج إلى استقراء أكبر وأكبر، وهذا أقر به الذهبي. الآن سيذكر الذهبي ربما فوق الست سبع تعاريف للحسن ويبلش ينقد ويحاور، يعني أنت امشي معي حبة حبة. فمثلاً أول تعريف للحسن تعريف الخطابي رحمه الله تعالى عليه. ماذا قال؟ قال الخطابي رحمه الله: هو ما عرف مخرجه. الآن الخطابي قال الحديث الحسن هو ما عرف مخرجه، ايش يعني عرف مخرجه؟ يعني اتصل سنده، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وأكثر الأحاديث من النوع الحسن، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. الآن لو نظرت في تعريف الخطابي رح تجده فضفاضاً، ليه؟ قال لك الحديث الحسن بالمعنى ما اتصل سنده واشتهر رجاله؛ طب هذا التعريف ألا ينطبق على الحديث الصحيح؟ تشعر أنه ما أعطاني فاصلاً واضحاً بين الحديث الحسن والحديث الصحيح؛ أنت بتقول الحسن اتصل سنده واشتهر رجاله، طب الحديث الصحيح نفس الشيء.

لذلك انتقده الذهبي ماذا قال؟ قال وهذه عبارة ليست على صناعة الحدود والتعريفات، قال هذا مش تعريف بالمعنى العلمي للتعريف، مش تعريف جامع مانع، تعريف فضفاض. إذ الصحيح ينطبق ذلك عليه أيضاً. لكن مراده مما لم يبلغ درجة الصحيح؛ لكن إحنا نعرف أن مراد الخطابي ما عرف مخرجه واشتهر رجاله بشرط ألا يصل رجاله إلى درجة رجال الصحيح؛ يعني اشتهر رجاله لكنهم ليسوا في تمام الضبط. ولذلك ابن حجر ماذا يقول؟ هو ما اتصل سنده وكان رجاله عدولاً ولكن ضبطهم أقل من ضبط رجال حديث الصحيح. فالفرق بين الحديث الصحيح والحسن ما هو؟ أن الحديث الصحيح رجاله في أعلى درجات الضبط، الحديث الحسن رجاله أقل، هم ضابطون لكن ضبطهم أقل.

قال رحمه الله: فأقول الحسن ما ارتقى عن درجة الضعيف ولم يبلغ درجة الصحة. ولكن هذا... إحنا هو الذهبي ينتقد غيره، ولكن برضه تعريفك فيه مشكلة؛ الحسن أعلى من الضعيف ولم يبلغ درجة الصحة، طب شو هو؟ أنت ما أعطيتني تعريفاً، هذا ليس تعريفاً، هذه بيان لمرتبة. فهل هذا تعريف يصلح؟ أعطنا شو تعريفه؟ طب كيف أعرف ما هو الألى من الضعيف وأدنى من الصحيح؟ كيف أميز؟ ماذا أفعل في الأسانيد حتى أعرف هذه المرتبة؟

قال: وإن شئت قلت الحسن ما سلم من ضعف الرواة. اقتراح آخر له. قال: وإن شئت...

الحديث الحسن هو الحديث الذي سلم من ضعف الرواة. من يقول لي شو المشكلة في هذا التعريف؟ صحيح، قال هو نفسه فهو إذاً داخل في قسم الصحيح؛ لأنه حتى الصحيح سلم من ضعف الرواة. ما وضعت الفاصل الواضح بين الصحيح والحسن. نعم، قال فهو حينئذ داخل في قسم الصحيح، وحينئذ يكون الصحيح مراتب كما قدمناه، والحسن ذا رتبة دون تلك المراتب، فجاء الحسن مثلاً في آخر مراتب الصحيح.

هذا هو التقسيم القديم قبل ابن الصلاح، وسياتي معنا الآن. اقرأ الآن؛ لأن هذا الكلام مهم تفهمه، وهو أن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف هو مصطلح ناشئ وليس مصطلح المتقدمين من العلماء، وأن العلماء كانوا يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف فقط. العلماء المتقدمون أحمد بن حنبل وسفيان وهؤلاء كان تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وضعيف، والصحيح مراتب والضعيف مراتب، أما تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف فهذا من أول من اشتهر به؟ قال: واما الترمذي فهو أول من خص هذا النوع باسم الحسن. هو أول من أتى بهذه الفكرة، فكرة أنه في شيء صحيح وحسن بهذا التقسيم، وأعطى تعريفاً للحسن ورأيه في خلاف الصحيح، ولكن المتقدمين ما كان عندهم هذا المصطلح. لذلك الترمذي، نحن قرأنا سننه، دائماً يقول لك: حديث حسن صحيح، حديث حسن صحيح، لا يعرف إلا من هذا الوجه. هو الذي جاء بمفهوم الحسن وجعله شيئاً مع الصحيح، وإن كان حتى ماذا قصد الترمذي بالحسن فيه مشكلة، لكن عموماً وهذا ذكره ابن تيمية: أول من استعمل مصطلح الحسن كمصطلح جديد هو الترمذي.

نعم قال: وذكر هو في مقدمة كتابه أنه يريد به ماذا؟ أن يسلم راويه من أن يكون متهماً. يعني عند الترمذي هو ماذا قال؟ لا بد أن يكون حتى يكون الحديث حسناً، لا بد أن يكون الراوي عدلاً، فلا يكون متهماً بالكذب أو ما شابه ذلك، وأن يسلم من الشذوذ، وأن يروى نحوه من غير وجه. يعني هذا الحديث سنده رواته عدول وسلم من الشذوذ -الشذوذ مخالفة الثقة أو الراوي لمن هو أوثق منه- وأن يروى بعدة أسانيد. هذا التعريف هو يصلح لتعريف الحسن لغيره ولا يصلح لتعريف الحسن لذاته. قال: وهذا مشكل أيضاً. أقول لك الذهبي برضه تعريف الترمذي يشكل على طريقة تصرف الترمذي في كتابه؛ لأن الترمذي لاحظ لما عرف الحسن اشترط فيه أن يروى من غير وجه، شو يعني أن يروى من غير وجه؟ يعني حتى يسمى الحديث حسناً لازم يكون له أكثر من إسناد. طيب تعال نشوف جامع الترمذي، نجد أن الترمذي أحياناً ايش يقول؟ يقول: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. إذاً كم إسناد له؟ طيب كيف صار حسناً؟ ما أنت بتقول الحسن شرطه أن يروى من غير وجه، فكيف تقول بعد ذلك في كتابك في توصيف بعض الأحاديث أنها حسنة غريبة لا تعرف إلا من وجه واحد؟ هذا نوع من التعارض.

قال رحمه الله تعالى: وقيل الحسن ما ضعفه محتمل. هذا تعريف ابن الجوزي في كتاب الموضوعات: الحسن ما ضعفه محتمل ويسوغ العمل به. ابن الجوزي ايش يقول لك؟ الحديث الحسن هو حديث ضعيف بس ضعفه محتمل، يعني ضعفه ممكن ينشال؛ جعله من مراتب الضعيف، قال: ما ضعفه محتمل ويسوغ العمل به، اللي هو ممكن نسميه برضه الحسن لغيره. قال: وهذا أيضاً ليس مضبوطاً بضابط يتميز به الضعف المحتمل. أحسنت، هذا مشكلة التعريف؛ ما مشكلته لما تقول لي الحسن ما ضعفه محتمل؟ متى يكون الحديث ضعفه محتملاً؟ أنت ما بينت لي هذا الضابط، ما ضعفه محتمل شو يعني؟ هذه عبارة مش واضحة أيضاً فضفاضة.

وقال ابن الصلاح رحمه الله -ابن الصلاح اللي هو مركزية وكل من جاء بعده بنى على كلامه صاحب المقدمة المشهورة- ابن الصلاح ماذا قال؟ قال إن الحسن قسمان، بناءً على استقرائه، قال الحديث الحسن نوعان. النوع الأول قال: أحدهما ما لا يخلو سنده من مستور. المراد بالمستور يسمى المجهول عند بعضهم، مستور الحال ما لا يخلو سنده من مستور، والرجل إذا كان مستوراً فحديثه لا يعتبر صحيحاً ابتداءً، فيقول: ما لا يخلو سنده من مستور، يعني مجهول العدالة في الباطن. والحديث إذا كان في سنده رجل مستور لم تتحقق أهليته هو يعتبر ضعيفاً ابتداءً. قال: لكنه غير مغفل، ولا هو خطاء ولا متهم بالكذب، ويكون المتن مع ذلك عُرف مثله أو نحوه من وجه آخر اعتد به. هنا ابن الصلاح قال: الحديث الحسن نوعان، بدأ بتعريف الحسن لغيره؛ وهو حديث في إسناده ضعف لأنه في راوٍ مستور، لكن هذا الحديث روي من طرق وأوجه متعددة فارتقى من كونه ضعيفاً إلى كونه حسناً لغيره. فهذا بنسميه الحسن لغيره، حديث يروى من أوجه متعددة كلها فيها ضعف يسير، لكن هذا يشيل هذا حتى يصبح حسناً لغيره. الأعلى منه الحسن لذاته، وهذا الذي سيقول: وثانيهما قال: أن يكون راويه مشهوراً بالصدق والأمانة، لا، الحسن لذاته لا، ما فيش فيه واحد مستور، كل الإسناد رجاله اشتهروا بالصدق والأمانة. قال: لكنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعد تفردُه منكراً مع عدم الشذوذ والعلة.

فما هو الحسن لذاته؟ أن يكون الحديث راويه مشهور بالصدق والأمانة، وإن لم يبلغ درجة رجال الصحيح، وسلم من الشذوذ والعلة، ففي هذه الحالة ماذا نسميه؟ حديث حسن لذاته. وهو ما أخذه ابن حجر العسقلاني في نخبة الفكر وقال: رجاله عدول خف ضبطهم مع اتصال السند والسلامة من الشذوذ والعلة القادحة. ومع ذلك الذهبي ايش يقول على تعريف ابن الصلاح؟ قال: عليه مؤاخذات؛ لأن كلمة مستور مش واضحة كثيراً. لكن دعني أقول إن كلام ابن الصلاح من أفضل ما يقال، تقسيمه للحسن إلى حسن لذاته وحسن لغيره، وعرفنا أن الحسن لذاته هو رجاله مشهورون بالصدق والأمانة، لكنهم ليسوا في غاية الإتقان. وأما الحسن لغيره فيه رجال مستورون وفيهم ضعف، لكن لتعدد الطرق قوى بعضها بعضاً فأصبح حسناً لغيره. هذا التقسيم هو الذي صار عليه العلماء بعد ذلك، أن الحديث الحسن حسن ذاته وحسن لغيره. بس بدي إياك تعرف جزئية مهمة أن هذا التقسيم وهذا المصطلح مصطلح حادث، يعني لم يكن موجوداً كاستعمال أن صحيح وحسن وضعيف في أيام أحمد بن حنبل ومن قبله من المحدثين، وأن الأوائل كانت القسمة عندهم ثنائية، صحيح وضعيف.

قال رحمه الله: وقد قلت لك إن الحسن ما قصر سنده قليلاً عن رتبة الصحيح، وسيظهر لك بأمثلة. بس إحنا متفقين خلص أنه عند المتأخر الحسن سنده أقل من سند الحديث الصحيح، والعلة تكون أو المشكلة في ضبط الرواة، حتى تكون أنت خلص فهمت الخلاصة. قال رحمه الله: ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك. يعني باختصار يقول لك لا تطمع يا طالب العلم أن تجد قاعدة واضحة تجعلك مباشرة تقول هذا حديث صحيح هذا حديث حسن، ولا كيف بدي أعرف؟ بالممارسة والخبرة بس. يعني الآن في أصول الفقه في عندنا تعريف للعام، في تعريف للخاص، مباشرة تقول هذا لفظ عام هذا لفظ خاص، بدهاش خبرة كبيرة. لكن بقول لك إن تفرق بين السند الصحيح والسند الحسن، هذه ما فيش لها قاعدة واضحة وإنما الخبرة، هذه هي بس باختصار.

نعم قال رحمه الله: فكم من حديث تردد فيه الحفاظ هل هو حسن؟ والدليل على أن الموضوع مجرد خبرة أنه في أحاديث كثيرة تجد حافظاً معيناً يقول هذا حديث حسن، وحافظاً آخر يقول لك هذا حديث صحيح، وحافظاً ثالثاً يقول لك ضعيف. هذا يدل على أن الموضوع خبرة، ولو كان موضوع زائد واحد يساوي اثنين كان ما اختلف الحفاظ في حكمهم على الأسانيد. بل حتى الحافظ الواحد -أنت نفسك إذا إن شاء الله صرت حافظاً يا شيخ حسن- أنت نفسك ممكن في مرحلة معينة تقول والله الحديث إسناده صحيح، بعد سنتين ثلاثة من البحث أكثر تقول لا والله تغير اجتهادي، أنا شايف أنه حسن. شو سبب تغير اجتهادك؟ توسع خبرتك، لأنك ما فيش قاعدة واضحة، توسع معرفتك بالرجال وإدراكك بأحوالهم هو ممكن أما يخليك تنزله من الصحيح للحسن، أو ترفعه من الحسن للصحيح. هذه الخبرة بمعرفة الرجال وما حُكم عليهم جرحاً وتعديلاً، هل هو حسن أو ضعيف أو صحيح. بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد، فيوماً يصفه بالصحة ويوماً يصفه بالحسن، ولربما استضعف. طبعاً يوماً ويوماً مش على كيفه، طبعاً مش يوماً يصفه بالصحة واليوم الثاني يلا جعبه يصير حسن، لا يوماً يعني ممكن ابتداءً يقول إنه صحيح، يتوسع اجتهاده في يوم آخر يقول لك لا، لا أظن أنه حسن، ايش اللي اختلف؟ الخبرة والاطلاع.

نعم قال: وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعف الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح، فهذا فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما. إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما. ولو انفك عن ذلك لصح باتفاق. ما المراد أن الحسن لا ينفك عن ضعف ما؟ ليس المراد أنه ضعيف، لا المراد أن رواة الحديث الحسن أضعف من رواة الحديث الصحيح، بس كلياتهم مقبولين، يعني عندهم عدالة وعندهم ضبط، لكن الحديث الحسن رواته أقل ضبطاً من رواة الحديث الصحيح، وهذا ضعف لكنه ضعف بالمعنى العام وليس مرتبة الضعف أنه يجعل الحديث من رتبة الحديث الضعيف، لا.

قال رحمه الله: وقول الترمذي هذا حديث حسن صحيح عليه إشكال. لا، رجع للترمذي الآن، الذهبي رجع للترمذي الآن، الترمذي كثيراً ما يقول في كتابه عن حديث مثلاً يقول وهذا حديث حسن صحيح. طب ماذا قصد الترمذي بالحسن؟ قال فيه إشكال، ماذا قصد؟ ترى إلى الآن العلماء مش قادرين يجزموا ماذا قصد الترمذي بالحسن في كتابه، إلى الآن ما في جزم بهذه القضية وفيها إشكال. نعم أحسنت، قال: عليه إشكال بأن الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بين السمتين لحديث واحد مجاذبة. إذاً عليه إشكال؛ فإن الحسن قاصر عن الصحيح في اصطلاح المتأخرين، ففي الجمع بين السمتين، بين الوصفين لحديث واحد، مجاذبة، أنت عامل لي إشكال، تصف أنه صحيح وتصف بأنه حسن. طيب بماذا أُجيب؟ إخواني خليكم معي، قال رحمه الله تعالى: وأُجيب عن هذا بشيء لا ينهض أبداً. وأُجيب عن هذا بشيء مثل إيش؟ قال: وهو أن ذلك راجع إلى الإسناد، فيكون قد روي بإسناد حسن وبإسناد صحيح. وحينئذ لو قيل حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه لبطل. من أبرز الأجوبة التي قيلت أنه قول الترمذي عن حديث بأنه حسن صحيح يعني أن له إسنادين، إسناد حسن وإسناد صحيح؛ يعني إسناد رجاله في تمام الضبط، وإسناد آخر له رجالهم خف ضبطهم. بس هذا بقول لك يشكل عليه أنه في بعض الأحاديث ماذا يقول: حديث حسن صحيح لا يعرف إلا من طريق واحد. إذاً صار هو سند واحد بس مش غيره، فكيف صار حسن صحيح؟ فبقول لك هذه المشكلة تبطل الجواب السابق. طيب دعونا نشوف اقتراحاته. قال: وحقيقة ذلك أن لو كان كذلك أن يقال حديث حسن وصحيح، فكيف العمل في حديث يقول فيه حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه؟

أصلاً لو كان التوجيه هذاك صحيح، لو كان الترمذي إذا قال حسن صحيح يقصد أن له إسناداً حسناً وإسناداً صحيحاً، لكان أضاف الواو، لكان قال: حديث حسن وصحيح، لكان أضاف الواو، حسن باعتبار إسناد وصحيح باعتبار إسناد آخر، بس هو ما بيحط واو العطف، هو بيقول: حسن صحيح. والمشكلة أنه أحياناً بضيف ولا يعرف إلا من هذا الوجه، وهذا يدل أنه إسناد واحد لا غير؛ فهذا التوجيه ليس توجيهاً دقيقاً، قال: فهذا يبطل قول من قال إن الترمذي إذا قال حسن صحيح فهذا باعتبار إسناد.

أكمل قال رحمه الله: ويسوغ أن يكون أراد بالحسن المعنى اللغوي لا الاصطلاحي. هذا أكثر ما عليه العلماء، أن الترمذي لما كان يسمي حديثاً حسن صحيح قصد بالحسن المعنى اللغوي وهو ما يقبل الاحتجاج به، قصد بكلمة الحسن المعنى اللغوي، وهو ما يقبل الاحتجاج به، فلما يقول حسن صحيح.

أكمل قال رحمه الله للمعنى الاصطلاحي، شو الفرق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي؟ المعنى اللغوي للحسن ما يقبل الاحتجاج، المعنى الاصطلاحي للحسن هو ما خف ضبط رجاله عن رجال الصحيح، مش هيك حكينا؟ طيب قال: وهو إقبال النفوس وإصغاء الأسماع إلى حسن متنه وجزالة لفظه وما فيه من الثواب والخير، فكثير من المتون النبوية بهذه المثابة، هو شرح المعنى اللغوي لكلمة الحسن، طبعاً المعنى اللغوي اللي أعطاه الذهبي لكلمة الحسن ممكن حتى يدخل في الحديث الضعيف؛ لأنه قال والحسن بالمعنى اللغوي هو كل حديث تقبل النفوس على سماعه والإصغاء له لجمال لفظه وفيه من الثواب والخير، بغض النظر طبعاً هنا هل هو ضعيف ولا صحيح.

نعم قال: فكثير من المتون النبوية بهذه المثابة، كثير من الأحاديث النبوية حتى الضعيفة فيها جزالة ألفاظ ويحب الإنسان استماعها ويطرب لها. طيب قال شيخنا ابن دقيق العيد: فعل هذا يلزم إطلاق الحسن على بعض الموضوعات، اه هذه مشكلة، إذا قلت الترمذي لما أطلق الحسن في كتابه قصد الحسن بمعناه اللغوي، وفسرت الحسن بالمعنى اللغوي اللي هو ما تقبل النفوس على سماعه، هذا سيدخل فيه الموضوعات؛ لأن بعض الموضوعات أنت قد تحب سماعها، فابن دقيق العيد يقول: فعلى هذا إذا قلنا إن الحسن بالمعنى اللغوي سيدخل حتى الموضوعات في هذا الكلام، قال: ولا قائل بهذا.

ثم قال: فأقول لا يشترط في الحسن قيد القصور عن الصحيح، ثم قال ابن دقيق العيد: نعم فأقول لا يشترط في الحسن قيد القصور عن الصحيح، وإنما جاء القصور إذا اقتصر، لا يشترط في الحسن أن يكون قاصراً عن الصحيح، لا يشترط في الحديث الحسن أن يكون قاصراً عن الصحيح، بل إنما فبالتالي الحديث الحسن في وجهة نظر ابن دقيق العيد هو الحديث المقبول سواء كان صحيحاً أو أقل من درجة الصحيح، لكنه في دائرة ماذا؟ المقبول، اللي هو ما قلته لكم الحديث الحسن ما يحتج به سواء كان صحيحاً أو نزل قليلاً عن رتبة الصحيح، وإنما قال: وإنما جاء القصور إذا اقتصر على حديث حسن، فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار لا من حيث حقيقته وذاته، شو معنى هذا الكلام؟ هنا ابن دقيق العيد حاول يعطي توجيه آخر لمعنى كلام الترمذي حديث حسن صحيح، شو بيقول؟ بيقول الحسن هو ما يحتج به عموماً، فإذا قلنا حديث حسن صحيح إذاً هو حديث يحتج به ووصل إلى رتبة الصحة، إذا قال حديث حسن وسكت شو بيكون معنى كلام الترمذي؟ حديث حسن يعني يحتج به لكن لم يصل إلى درجة الصحة، فالحسن في وجهة نظر ابن دقيق العيد ماذا يقصد به الترمذي؟ ما يحتج به، فإذا قلنا حسن صحيح إذاً كأنه يقول يحتج به وقد وصل إلى الأعلى إلى أعلى الدرجات، إذا قلنا حديث حسن وسكت يحتج به لكن هل وصل إلى أعلى الدرجات؟ لا، وبالتالي أعد قراءة العبارة، قال: فأقول لا يشترط في الحسن قيد القصور عن الصحيح، وإنما جاء القصور إذا اقتصر على حديث حسن.

يعني لا يشترط في الحسن حتى يسمى حسناً أن يكون أقل من الصحيح، لا، الحسن كل ما يحتج به سواء كان صحيحاً أو أقل. نعم قال: وإنما جاء القصور إذا اقتصر، متى في مصطلح الترمذي؟ متى يكون الحسن أقل من الصحيح؟ إذا الترمذي قال حديث حسن وسكت، معناه حديث يحتج به ولكنه لم يبلغ درجة الصحيح، فإذا لم يذكر قيد الصحيح نفهم أن الترمذي يرى أن هذا الحديث أقل من الحديث الحسن الصحيح، إذاً الترمذي عنده حديثين، حديث قال حسن صحيح، وحديث قال حسن وسكت، أيهما أعلى؟ كيف أنه هناك زاد قيد الصحيح وهنا لم يزد فكلمة حسن ما يحتج به، فإذا قال حسن صحيح إذاً هو حسن أعلى درجات الصحة، قال حسن وسكت يعني يحتج به لكنه لم يصل إلى أعلى درجات الصحة، هذا توجيه آخر لمعنى كلام الترمذي.

نعم قال: فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار لا من حيث حقيقة قيد الاختصار يعني من حيث عدم ذكر قيد الصحيح معه، لا من أنه تعريف الحسن عند الترمذي هو معنى تعريف الحسن عند المتأخرين، وهو ما خف ضبط رواته. طيب قال: ثم قال، فللرواة صفات تقتضي قبول الرواية، ولتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض، كالتيقظ والحفظ والإتقان، فالإتقان شيء متفاوت، والحفظ شيء متفاوت، والتيقظ شيء متفاوت، وبالتالي سيكون عندنا ما هو في أعلى درجات الصحة، وما هو يحتج به لكنه لم يصل إلى درجات الصحة، فيكون مقبولاً عموماً لكنه ليس صحيحاً بالمعنى العلمي.

نعم قال رحمه الله: فوجود الدرجة الدنيا كالصدق مثلاً وعدم التهمة لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه في الإتقان والحفظ، فعندي شخص صادق مش متهم أموره طيبة، بس هذا لا يعني أنه في شخص آخر أعلى منه في الإتقان والحفظ، فإذا في شخص أعلى منك أكيد حديثه راح يكون أصح من حديثك، وإن كنت أنت وهو كلاكما حديث مقبول، بس في غيرك أحفظ منك وأتقن منك، وهذا هو الذي يسبب تفاوت الدرجات حتى في دائرة الحديث المقبول.

نعم قال: فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا، فالحسن باعتبار الدنيا صحيح باعتبار العليا، إذاً لما نقول حسن صحيح كأنه يقول: حسن يعني زي ما حكينا يحتج به لوجود الصفات الأساسية فيه، صحيح يعني وصل إلى أعلى الدرجات، إذا قيل حسن وسكت زي ما قلنا يعني الصفات الأساسية موجودة لكنه ما وصل فيها إلى أعلى أعلى المراحل.

نعم قال: ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسناً، فبناءً على كلام ابن دقيق العيد هذا التخريج إذاً كل حديث صحيح سيكون ماذا؟ حسناً، لأن الحسن ما هو عندهم عند ابن دقيق كل ما يحتج به، إذاً الحديث الصحيح دائماً هو ضمن الحديث الحسن. نعم قال: فيلتزم ذلك، وعليه عبارات المتقدمين، هذا اختيار الذهبي في فهم عبارة الترمذي حديث حسن صحيح، إذاً الذهبي وافق شيخه ابن دقيق العيد أن الترمذي إذا قال حديث حسن صحيح يقصد بالحسن ماذا؟ ما يحتج به.

طيب قال: فيلتزم ذلك وعليه عبارات المتقدمين، إيش يعني؟ يعني إذا الآن أحمد بن حنبل أو البخاري أحياناً كانوا يصفون الحديث كوصف عام بأنه حسن، المتقدمون إذا وصفوا حديثاً بأنه حسن لا يقصدون الحسن بالمعنى الاصطلاحي المتأخر زي ما قلنا، وإنما يقصدون بالحسن صلاحيته للاحتجاج بس، لذلك قال: فيلتزم ذلك وعليه عبارات المتقدمين، يعني المتقدمون كالبخاري وأحمد وما قبل أحمد إذا أطلقوا على الحديث أنه حسن ماذا يقصد بالحسن؟ صلاحية للاحتجاج بغض النظر هل رجاله في أعلى درجات الضبط ولا أخف درجات الضبط، فعند المتقدمين كل الأحاديث الصحيحة تعتبر من الأحاديث الحسنة، وأما قضية تقسيم الحديث إلى صحيح ثم أقل منه حسن هي نشأت من عند ابن الصلاح فصاعداً، يعني حتى الترمذي لم يقصدها، حتى الترمذي بناءً على وجهة نظر ابن دقيق العيد لم يقصدها، فابن الصلاح هو من أسس لفكرة أن الحديث الحسن أقل من الصحيح، وأما المتقدمون فعندهم الحديث الحسن يشمل الصحيح وما دونه في الرتبة، يعني إذا أنت ضائع الآن معي بدي أحاول أجيبك، احفظ هذه الخلاصة بس وافهمها، عند المتقدمين والمراد ما قبل مرحلة ابن الصلاح، إذا أطلق الحديث الحسن فماذا يقصد؟ كل ما يحتج به، فالحديث الصحيح هو نوع من أنواع الحسن، عند ابن الصلاح فصاعداً لا الحديث الحسن هو ما خف ضبط رجاله عن رجال الصحيح، فالحسن عند ابن الصلاح فصاعداً أقل من مرتبة الصحيح. الذهبي يرجح مصطلح المتقدمين على مصطلح ابن الصلاح، هذه الخلاصة، لذلك قال: وعليه عبارات المتقدمين، فإنهم يقولون فيما صح من الحديث أي وصل إلى مرتبة الصحيح، تجد أحمد أو البخاري يقول حديث إيش؟ حسن، شو يقصد حسن؟ محتج به، فالحسن عند المتقدمين كل ما يحتج به والصحيح داخل فيه، أما عند ابن الصلاح فصاعداً الحسن أقل مرتبة من الصحيح لأن الحسن ما خف ضبط رجاله عن رجال الصحيح، هذه الخلاصة النهائية.

طيب قال رحمه الله تعالى: قلت، فلعله يعطيك أمثلة على أحاديث حسنة بس باصطلاح المتقدمين والمتأخرين، المتأخرين اللي هم الحسن بالمعنى الاصطلاحي المتأخر ما خف ضبط رجاله. نعم قال: فأعلى مراتب الحسن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، حتى الحسن يقسم إلى مراتب من حيث الحسن. نعم قال: وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده جده عبد الله بن عمرو بن العاص، ومحمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي، وأمثال ذلك، وهو قسم كل هذه تعتبر أسانيد حسنة يعني أقل من أسانيد الأحاديث الصحيحة لكن مقبول ولا لا؟ مقبولة، يعني يصح الاعتماد عليها في بناء الأحكام الفقهية.

نعم قال رحمه الله: وهو قسم متجاذب حسن لكنه أدنى مراتب الصحيح، فباختيارك أمثلة كثيرة يتنازع فيها بعضهم يحسنون وآخرون يضعفون، ثم بعد ذلك يعني بعد أعلى مراتب مراتب الحسن تاتي مجموعة من الأسانيد البعض يعتبرها من الحسن والبعض يعتبرها من الضعيف، قال: كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، وخصيف، ودراج أبي السمح، وخلق سواهم، فهؤلاء يختلفون في تصنيفهم، فبعض العلماء يعتبرهم من أصحاب الأحاديث الحسنة وبعض العلماء يعتبر هؤلاء أحاديثهم ضعيفة.

نعم قال رحمه الله: الضعيف ما نقص عن درجة الحسن قليلاً، هيك إحنا خلصنا من موضوع الحسن، وأنا يهمني من كل هذه الحفلة اللي دخلنا فيها الذهبي أنك تفهم أنه فعلاً في اضطراب شو هو الحديث الحسن، يعني هذا بحد ذاتها بالنسبة لك مكسب، أنك ما تفكر أن الحديث الحسن خلاص العلماء فرغوا من تعريفه والأمور واضحة، لا لا إلى يومنا هذا في هناك إشكال في تعريفه، لكن المتقدمون استعملوا الحسن فيما يظهر بمعنى ما يحتج به، والمتأخرين أتوا بذاك المعنى المختلف، نيجي الآن للنوع الثالث وهو الحديث الضعيف، وأنا قلت لكم قبل قليل أن الضعيف عند الذهبي يختلف عن الضعيف عند غيره، ليه؟ لأنه الذهبي قسم الأحاديث من حيث القبول والرد لكم كم قسم؟ خمسة، إيش هي؟ صحيح، حسن، ضعيف، مطروح، موضوع، فالضعيف عنده يقصد به ما خف ضعفه بس، إذا أطلق الذهبي الضعيف ماذا يقصد؟ ما كان خفيف الضعف وليس شديد الضعف، شديد الضعف ما بيسميه ضعيف، بيسميه مطروح، بيسميه إيش؟ مطروح، هذا مصطلحه خلاص، إحنا بدنا نمشي معه. نعم هو حقيقة طريقة جيدة، يعني طريقة جيدة في التقسيم الخماسية.

نعم قال رحمه الله: الضعيف ما نقص عن درجة الحسن قليلاً، اه شوف شو عرفه؟ الضعيف عنده إيش؟ ما نقص عن درجة الحديث الحسن قليلاً، بس نعم. قال رحمه الله تعالى: ومن ثم تردد في أحاديث أناس هل بلغ حديثهم إلى درجة الحسن أم لا، نعم وبلا ريب فخلق كثير من المتوسطين في الرواية بهذه المثابة، فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، بده يقول لك فخلق كثير من المتوسطين في الرواية يعني اللي روايتهم لا تعتبر قوية جداً، بعض العلماء يدخلهم في الحسن وبعض العلماء يجعلهم من الضعيف بهذا المعنى للضعيف وهو الضعيف الخفيف، فيقول لك آخر مرتبة من مراتب الحديث الحسن يمكن أنك تعتبرها أول مرتبة من مراتب الحديث الضعيف بمعنى خفيف الضعف.

نعم قال رحمه الله تعالى: أعني الضعيف الذي في السنن وفي كتب الفقهاء، السنن أي سنن أبي داود وغيره. نعم قال: وفي كتب الفقهاء ورواته ليسوا بالمتروك كابن لهيعة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم اللي أخذنا البارح، ابن لهيعة شو مشكلته؟ مش حكينا البارح مع ابن تيمية احترقت كتبه، فابن لهيعة هل يعتبر من أدنى درجات الحسن ولا يعتبر من أول درجات الضعيف؟ يعني بيقول لك مسألة نسبية، بعض العلماء بيقول لك هو أدنى درجات الحسن لأنه كان جيد بس اختلط، البعض بيقول لك هو يعني من الضعيف بمعنى خفيف الضعف، وأي مسألة فيها نسبية، كذلك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. نعم قال: وأبي بكر.

نعم قال رحمه الله: المطروح. طب خلصنا الضعيف وفهمنا إذا الضعيف عند الذهبي ما هو؟ خفيف الضعف، خلص، بس خفيف الضعف. نيجي نشوف المطروح، ما هو المطروح؟ قال: من حط عن رتبة الضعيف، يعني اكتب بين قوسين شديد الضعف، شديد الضعف تمام، بحيث يكون الراوي والله مثلاً في مشكلة في عدالته، فاسق، إذا الراوي في مشكلة في عدالته فاسق أو متهم بمتن أو حفظه رديء بشكل فظيع، هذا ما بقول إنه ضعيف خفيف الضعف، لا هذا ضعيف شديد الضعف.

نعم قال رحمه الله تعالى: ويروى في بعض المسانيد الطوال وفي الأجزاء بل وفي سنن، الأجزاء يعني بعض الأجزاء الحديثية كجزء ابن عرفة وغيره، يعني يقول لك أينما ظن الحديث المطروح بعض المسانيد تمام زي مسند البزار، هذا فيه كثير من الأحاديث المطروحة شديدة الضعف، مسند أبي يعلى تمام، كذلك مثلاً الأجزاء زي جزء ابن عرفة وما شابه ذلك.

نعم قال: وبل وفي سنن ابن ماجه، وجاء حتى في سنن ابن ماجه في أحاديث شديدة الضعف، هذا معروف، وجامع أبي عيسى الترمذي. الآن جامع الترمذي هل فيه هذه الأحاديث؟ شوف، الترمذي مر معنا إذا ذكر حديثاً شديد الضعف هو يبين ذلك ويذكر مشكلته، فهذا لا يؤاخذ به الترمذي أنه إذا روى حديثاً شديد الضعف هو نفسه كما مر معنا يبين علته وما فيه من الإشكال.

طيب، قال: مثل من رواه يعتبر شديد الضعف تمام؟ قال: مثل عمرو بن شمر، لا هو اسمه عمرو بن شمر كما ضبطه ابن حجر العسقلاني في النكت، عمرو بن شمر بكسر الشين وتسكين الميم، نعم قال: مثل عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن علي، يعني هذا الإسناد عمرو بن شمر إذا روى عن جابر الجعفي عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب هذا إسناد يعتبر مطروحاً، والمشكلة في عمرو بن شمر أنه متهم بالكذب، عمر بن شمر متهم بأيش؟ أنه بيكذب، فهذا أكيد حديثه مطروح.

نعم قال: وصدقة الدقيقي عن فرقد السبخي قال عن مرة الطيب عن أبي بكر الصديق، هذا حديث أيضاً مطروح، ليه؟ لأن صدقة أيضاً متهم بالكذب. نعم قال: وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس مطروح، لأنه جويبر متروك، قال: وحفص بن عمر العدني عن الحاكم بن أبان عن عكرمة أيضاً، حفص هنا متروك، قال: وأشباه ذلك من المتروكين والهلكات، هلكة يعني اللي ما بيصير تسمع منهم حديث، هلكة يعني حديثهم هالك لا قيمة له.

نعم قال رحمه الله في الموضوع: بعضهم أفضل من بعض، يعني حتى الهلكة في واحد هلكة 70% وواحد هلكة 80%. طيب الآن إذا انتهينا من الصحيح، الحسن، الضعيف اللي هو خفيف الضعف، المطروح شديد الضعف، الخامس وهو الأسوأ خلص الكحلي هذا، هذا ايش الموضوع، يعني المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ما كان متنه مخالفاً للقواعد وراويه كذاباً، كالأربعين الودعانية ونسخ علي الرضا المكذوبة عليه.

الحديث الموضوع هو ذكر علامته حقيقة، هو ما كان متنه مخالفاً لقواعد الشريعة، ما كان متنه مخالفاً للقواعد يقصد القواعد إيش؟ قواعد الشريعة الكلية التي ثبتت بالاستقراء في الكتاب أو في الأحاديث المتواترة، يعني حديث بيجي بيقول لك إنه علي أحق بالخلافة من أبي بكر، خلص مباشرة الحديث موضوع، الله يسهل عليك، تمام لأنه هذا مخالف لما ثبت بالأحاديث المتواترة في صحة خلافة أبي بكر رضي الله عنه. طيب كذلك حديث ينفي قضية مثلاً الصحف أو الميزان، هذه كلها أحاديث مباشرة إيش بعتبرها موضوعة، لأنها تخالف القرآن أو تخالف الأحاديث المتواترة، فالحديث إذا كان متنه نصه يعني مخالفاً لقواعد الشريعة لما ثبت بالقرآن أو بالأحاديث المتواترة أو ما هو مستقر، زائد وكان راويه كذاباً.

الآن هل يشترط حتى أحكم على المتن بأنه موضوع اجتماع الخصلتين أن يكون مخالفاً للقواعد زائد راوي كذاب؟ لا، هو مجرد مخالفته للقواعد يرد ويعتبر موضوعاً، سواء كان الراوي كذاباً ولا لا، بس إذا كان الراوي معروفاً بالكذب يعني هذه سوء على سوء، مش نور على نور، سوء على سوء إنه هو مخالف للقواعد وراويه مشهور بالكذب، مثل الأربعين الودعانية هذه قال وضعها القاضي الودعاني في القرن الخامس الهجري وهي كلها أحاديث موضوعة من جيبه، مواعظ بديعة، كلمات جميلة، وكل ما هذا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام وهي كلها من كيسه وجيبه. نعم، ونسخ ينسبها الروافض لعلي الرضا أنها منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكلها من وضع الروافض لا وجود لها.

نعم قال: وهو مراتب، الحديث الموضوع حتى الحديث الموضوع إخواني ترى مراتب، فقال منه اتفقوا على أنه كذب، ويعرف في أحاديث الكل متفق أنها كذب، قال: ويعرف ذلك بإقرار واضعه وبتجربته منه ونحو ذلك، كيف بدنا نعرف إنه 100% كذب ويتفق الجميع إنه صاحبه قال أنا وضعت هذا الحديث، خلص عيني عينك يعني على المكشوف، هو كذب وأجاء اعترف وهذا صار في التاريخ، اعترف بشحمه ولحمه إنه هو اللي وضع هذا الحديث.

وهذا ذكرنا بقصة كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في مجلس في بغداد دخلوا مسجداً خفية فهم جالسين بيسمعوا، فاللي جالس بيحكي يقول حدثني أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كذا وكذا وساق الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأحمد بيطلع على إسحاق بيقول له أنت حدثته؟ قال له لا، فإسحاق بكي لأحمد طيب أنت حدثته؟ قال له لا، فذهبوا إلى هذا الذي يحدث الناس، قالوا له أنت رويت حديثاً عن أحمد وإسحاق، طب أنا أحمد وهذا إسحاق وأنا ما عمري ما حدثت بهذا الحديث ولا إسحاق قالوا فيش أحمد بن حنبل غيرك، خلص طلع حاله من الورطة وهذا واضح إنه ماذا كذب عيني عينك يعني، طيب ويعرف ذلك بإقرار واضعه.

وبتجربته، وبتجربته الكذب منه لكن طبعاً تجربة الكذب منه مين بده يعرفها؟ الكبار الدهاقين. نعم قال رحمه الله: ومنهما الأكثرون مجرد تجربة الكذب منه الحقيقة لا توصل إلى الجزم، تحتاج إلى ماذا؟ تحتاج إلى قرينة حتى نتأكد أن هذا الرجل مجرب بالكذب وبالتالي وضع هذا الحديث. نعم قال رحمه الله: ومنهم الأكثرون على أنه موضوع، والآخرون يقولون هو حديث القسم الثاني ليس متفقاً على أنه موضوع، الأكثرون على أنه، إذاً الأول الكل متفق إنه موضوع، الثاني الأكثرون على أنه موضوع والبعض خالف في وضعه، البعض قال هو ضعيف لكنني لا أجزم.

إخواني برضه أحياناً ممكن الحديث مطروح بس مش سهل تحكي إنه مكذوب، يعني هذه ننتبه لها إنه بعض الطلاب بيفكر إنه الحكم على الأحاديث إنه مكذوب سهل، لا أنت بدك تتروى، ممكن يكون ضعيف ما في مشكلة، مطروح، لكن مش سهل تجزم إنه كذب يعني أنت بتتهم رواة قاعد. نعم قال والآخرون يقولون هو حديث ساقط مطروح، يعني مختلفين، الأكثر قال موضوع، والبعض قال ما أوصل للموضوع ولكنني أراه مطروحاً. قال والآخرون يقولون هو حديث ساقط مطروح ولا نجسر أن نسميه موضوعاً، يعني لا نتجاسر أن نسميه موضوعاً، يعني هي شوي حبة زيادة، إحنا بنخاف منها. قال ومنهم الجمهور على وهنه وسقوطه والبعض على أنه كذب، القسم الثالث من الموضوع ما الأكثر على أنه ليس موضوعاً ووضعه أو حكم بوضعه البعض القليل.

نعم قال: ولهم في نقد ذلك طرق متعددة وإدراك قوي تضيق عنه عباراتهم، يعني كيف العلماء يعرفون الحديث الموضوع؟ قال: ولهم أي ولعلماء الحديث في نقد ذلك يعني في معرفة الموضوع طرق وأساليب، يعني كيف، أنت صاحب خبرة خلص بتقول أنا بعرف العملة المزيفة من العملة الصحيحة، مش بتروح على الصيرفي بقول لك إيش أنا بعرف العملة المزيفة، بصير يعملها هيك كذا، بيطلع عليها بيقول لك هذه مزيفة، كذلك أهل الحديث وعلماؤه لهم في نقد ذلك ومعرفة الموضوع طرق متعددة وإدراك قوي تضيق عنه عبارتهم، شو يعني تضيق عنه عبارتهم؟ يعني علماء الحديث الجهابذة لما يسمع حديث ممكن يقول لك الحديث موضوع، بتقول له كيف عرفت؟ بيقول لك مش عارف أفهمك كيف بس أنا عارف إنه الموضوع، هذا معنى تضيق عنه عبارتهم، يعني هو قد لا يستطيع أن يخبرك لأنه أنت لسه مبتدئ، فاللي بده يقعد يشرح لك إياها أنت ما راح تفهمها أصلاً، فبقول لك خلص أنا بخبرتي بقول لك هذا الحديث موضوع، بس هذه مين بده يعملها؟ مش أنا وإياك، أحمد بن حنبل والشافعي الأئمة الكبار الجهابذة، أما أنا وإياك لا نصل لهذه المرحلة.

طيب وإدراك قوي تضيق عنه عبارتهم يعني لا يستطيعون أن يعرفوا الطالب المبتدئ كيف عرفوا ذلك بس بالخبرة. نعم قال: من جنس ما يؤتاه الصيرفي الجهبذ في نقد الذهب والفضة، زي ما أخونا في محل الصرافة بشوف عملة بيقول لك هي مزورة، بتقول له كيف عرفت؟ بيقول لك خلص يعني خليها الخبرة، أنت ما راح تعرف كيف أنا بقول لك إنها مزورة. نعم قال: أو الجوهري لنقد الجواهر والفصوص، يعني صانع الجواهر أو المشغول بها، نعم قال لنقد الجواهر والفصوص لتقويمها، الفصوص يعني الخواتم.

نعم قال: في كثرة ممارستهم للألفاظ النبوية، إذا جاءهم لفظ ركيك أو مخالفاً للقواعد، اللفظ الركيك المخالف لقواعد الشريعة زي ما حكينا قبل شوي. نعم قال: أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب، يعطيك بعض القرائن اللي بتساعدك تعرف إنه هذا الحديث موضوع، أول شيء إذا كان الحديث مخالف لقواعد الشريعة هذه أول قرينة إنه الحديث موضوع، ثانياً فيه مجازفة في الترغيب والترهيب، يعني يأتي من شرب جالساً أدخله الله سبعة أبواب من الجنة، يعني بتعرف مباشرة إنه في مبالغة في الترغيب لما يكون عمل صغير، لا يجوز أن يكون بطبيعة أحاديث الترغيب عليه عالي جداً. فمن قال مثلاً من قال كذا وكذا دخل الفردوس الأعلى، لا هون مباشرة العالم بيقول لك الحديث فيه مشكلة، يعني بس اللي بيحكي جملة واحدة دخل الفردوس الأعلى معناتها طلعت سهلة الفردوس الأعلى، أو من قال كلمة وتكون كلمة خفيفة حشر مع هامان وفرعون وقارون، مباشرة بتعرف إنه أي حديث فيها مبالغة في الترغيب أو مبالغة في الترهيب هذا الحديث في العادة بيكون موضوع، فلذلك دائماً العلماء بالخبرة بيعرفوا حجم الحسنات التي ترتب على أعمال من كثرة معاملتهم للحديث يعرف ما يمكن أن يرتب.

نعم قال وفيه المجازفة في الترغيب والترهيب أو الفضائل، وكان المجازفة بالفضائل، زي فضائل علي بن أبي طالب، أوه يعني عند الشيعة بتجد من القصص العجيبة العجيبة في الفضائل ما لها أصل، فالمبالغة في الفضائل تدلك على أن الحديث موضوع، سواء حتى فضائل معاوية خاصة لأنه في بعض الأمور صارت مناوشات، فاللي بيحبوا سيدنا معاوية الله يرضى عنه يضع أحاديث موضوعة في فضائله، واللي بيحبوا سيدنا علي بن أبي طالب يضعون أحاديث موضوعة في فضائله، وإحنا بنحب الاثنين بس ما فيش داعي نحط أحاديث موضوعة في فضائلهم.

نعم قال: وكان بإسناد مظلم أو إسناد مضيء كالشمس في أثنائه رجل كذاب أوها، أو كان بإسناد مظلم، يعني من أوله لآخره كل رجاله مضروبين فتعرف إنه هذا الحديث فيه إشارة إلى وضعه، إسناد مظلم يعني كل رجاله مضروبين، أو إسناد مضيء كالشمس، مالك عن نافع عن ابن عمر مثلاً، وبنص الحلقة في واحد يعني كذاب في السند، فبتعرف يا أخي مالك عن نافع عن ابن عمر هذا إسناد كالشمس شو بيعمل واحد معروف بالكذب في النص هون في حلقة الإسناد، هذا بتعرف إنه الإسناد على الأقل مكذوب، لذلك قال إسناد مضيء كالشمس في الصحة وفي خلال الإسناد فجأة بيطلع لك اسم راوي كذاب أو وضاع، مباشرة بتعرف إنه الحديث موضوع. نعم لأنه مالك لا يروي عن الوضاعين ولا يروي عن الكذابين، معروف مالك أو يحيى هؤلاء لا يروون عن الوضاعين، فشو بيعمل هذا الوضاع؟ لا يمكن يكون مالك أخذ عنه، قال: فيحكمون بأن هذا مختلق، مختلق يعني مكذوب ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعم قال وتتواتر، تتواتر أقوالهم إنه موضوع، يحيى بن معين بيقول لك موضوع، الكل مباشرة بيقول لك موضوع مع إنه يحيى بن معين في مكان والبخاري في مكان وأحمد في مكان، كيف كلهم اتفقوا؟ الخبرة عند الجميع تمام، بيقول لك كلياته موضوع زي ما أنت بتروح على محل صيرفي بقول لك مزورة بتقول له مش مصدقك، بتروح على المحل اللي جنبه شو بيقول لك، بتروح على مدينة على معان بيقول لك مزورة، كل واحد في جهة بس الخبرة عندهم واحدة فعرفوا إنه الحديث مزور.

نعم وقال شيخنا ابن دقيق الذهبي من تلاميذ مين ابن دقيق العيد؟ نعم وهو من تلاميذ أيضاً ابن تيمية، وهذا يدل إن الذهبي موسوعي يعني توسع في شيوخه، ابن دقيق العيد أصولي بارع حقيقة رحمه الله عليه، إقرار الراوي بالوضع في رده ليس بقاطع في كونه موضوعاً لجواز أن كذب في الإقرار، ايش يعني هذا الكلام ابن دقيق؟ شوف شو يقول، إذا أقر الراوي على نفسه إنه وضع الحديث، هل هذا يجعلنا نجزم بأن الحديث موضوع مع إنه إحنا قبل شوي شوف ارجعوا لما.

ذكرنا في صفحة 377 مراتب الحديث الموضوع، أولاً: ما اتفقوا على أنه كذب، ويعرف ذلك بإقرار الوضاع أنه وضعه. وهنا يقول ابن دقيق العيد: إقرار الراوي بأنه وضع ليس قاطعاً في كونه موضوعاً. ما يقصد؟ إذا جاءك شخص فقال: أنا وضعت هذا الحديث، هل هذا دليل قاطع أنه فعلاً كذب؟ لا؛ ممكن يكون كذب في أنه وضعه، لكن كإنسان ماذا سأتحمل؟ سأتعامل مع الظاهر، وأتعامل معه على أنه موضوع، لكن لا أجزم أنه موضوع؛ فانظر الفرق بين أن أحكم على الحديث بأنه موضوع وبين أن أقطع 100%.

أنا ممكن أقول هذا الحديث موضوع بغلبة الظن، وهذا بصير، ليس لازماً حتى تحكم على حديث بأنه موضوع أن تكون متيقناً 100%. لا، إذا جاءني شخص وقال: أنا وضعت هذا الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم، سأتعامل معه على أنه موضوع، لكن هل أقطع 100%؟ لا، لا أقول هذا علم، بل أظن أنه مقطوع؛ لأنه توجد احتمالية أنه هو كذب في إقراره بأنه وضع الحديث ليعمل فيه أو ليشوه صورتي أو ما شابه ذلك. فأنا سأتعامل مع إقراره وسأقول موضوع، لكن هل أجزم؟ لا.

قال رحمه الله: وقلت هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو فتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد لوقعنا في الوسوسة. الذهبي لم يعجبه كلام شيخه، يقول لشيخه: كلامك هذا ما دخل دماغي كثيراً؛ هو مش مقتنع، فاحتمالية أن يكون كذب في إقراره احتمالية بعيدة، خلاص خلينا نجزم بأنه موضوع وننتهي من الأمر. لكن كلام ابن دقيق أحكم من كلام الذهبي من حيث العلمية، هو يقول: لو فتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد لوقعنا في الوسوسة. عندما تقول ممكن الشخص أقر وهو كاذب، هذا احتمال ضعيف جداً من حيث المنطق والعادة، فأنا لماذا أعتمدها؟ لكن نرجع ونقول: ابن دقيق العيد هو ما عنده مشكلة، هو يقول لك يا أخي احكم على الحديث بأنه موضوع، بس علمياً ما بصير تصل للجزم، ابن دقيق يتكلم بقواعد علمية أدق من كلام الذهبي.

قال رحمه الله: نعم، كثير من الأحاديث التي وسمت بالوضع لا دليل على وضعها، كما أن كثيراً من الموضوعات لا نرتاب في كونها موضوعة. هنا ابن الجوزي ألف كتاباً اسمه الموضوعات، وللأسف كثير من الأحاديث التي حكم عليها ابن الجوزي بأنها موضوعات هي لم تصل لهذه الدرجة، فالذهبي هنا ينتقد ابن الجوزي. لا يقصد أن العلماء تساهلوا في الحكم على الأحاديث بالوضع، لأن العبارة فيها إفاضة، عندما تقول لي كثير من الأحاديث وسمت بالوضع ولا دليل على وضعها، من أين هذا الكثير؟ أنا بدي أفهم، هذا التساهل هو حقيقة الكلام عن ابن الجوزي.

هنا انتهى التقسيم الخماسي للأحاديث من حيث القبول والرد إلى خمسة أقسام: صحيح وحسن وضعيف ومطروح وموضوع. ومهم جداً أن تفهم رؤوس الأقلام، فائدة استفدناها أن الذهبي يقصد بالضعيف خفيف الضعف، بخلاف المطروح وهو شديد الضعف؛ جيد أن يكون عندك خبرة بمصطلحات العلماء في إطلاقاتهم. الآن رقم ستة، تقسيم جديد سيبدأ يقسم. نحن قلنا أول شرط من شروط الحديث الصحيح هو اتصال السند، فما هي صور انقطاع السند؟ انقطاع حلقات السند لها صور وأشكال، سيذكر لك هذه الصور وما اسمها عند علماء الحديث.

قال رحمه الله: المرسل علم على ما سقط ذكر الصحابي من إسناده، فيقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا تعريف المرسل عند المحدثين، أن يقول التابعي مثل الحسن البصري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن ما المشكلة؟ الحسن البصري ما أدرك النبي عليه الصلاه والسلام، هو تابعي، فإذا قال الحسن البصري: قال رسول الله، أكيد في حلقة مفقودة في السند، وهذا اسمه انقطاع في السند، واسمه عند المحدثين الإرسال. لأننا لو جئنا للحسن البصري وقلنا له: أنت من ممن سمعت هذا الحديث؟ أكيد ما سمعته من النبي عليه الصلاه والسلام لأنك ما كنت في عصره، فمن أين سمعته؟ هنا سنكتشف إما أخذه الحسن من تابعي آخر أو أخذه من صحابي. إذا كان هناك احتمال أنه أخذه من تابعي آخر، فهذا التابعي الآخر ممكن يكون حفظه ضعيفاً، فعملت لي مشكلة أنك نقلت الحديث عن النبي عليه الصلاه والسلام مباشرة وما أخبرتني من الواسطة التي بينكم. ولو أنا عارف أن المحذوف صحابي خلصنا، الصحابة كلهم عدول، هذه قاعدة. إذا عرفت أن المحذوف الصحابي يقبل؛ لذلك إذا تذكر معي في أصول الفقه لماذا الشافعية يقبلون مراسيل سعيد بن المسيب؟ لأنهم عارفين أنه أسقط أبا هريرة، وكان حماه. المشكلة إذا ما عرفت من الصحابي الساقط، لأنه ممكن يكون الذي سقط صحابياً أو تابعياً، وإذا كان الساقط تابعياً سيكون هناك إشكال، هل هذا التابعي ضابط أم لا؟

قال رحمه الله تعالى: ويقع في المراسيل الأنواع الخمسة الماضية. ما معنى هذا؟ المراسيل منها صحيحة لأنها فتشت فعرف من المحذوف فيها، مثل مراسيل سعيد، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو مطروح، ومنها ما هو موضوع. نعم قال رحمه الله تعالى: فمن صحاح المراسيل مرسل سعيد بن المسيب ومرسل مسروق ومرسل الصنابحي ومرسل قيس بن أبي حازم ونحو ذلك. كل هؤلاء إذا أرسلوا، فتش العلماء أسانيدهم فعرفوا أنهم لا يرسلون إلا عن صحابة، فمراسيلهم كحكم الأحاديث الصحيحة لا إشكال. قال: فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير فهو حجة عند خلق من الفقهاء. قال: فإن كان في الرواة ضعيف إلى مثل ابن المسيب ضعف الحديث من قبل ذلك الرجل.

قال: وإن كان متروكاً أو ساقطاً وهن الحديث وطرح، ليس من جهة سعيد، بل من جهة أن الإسناد من ابن ماجه لسعيد أو من البزار لسعيد فيه واحد ضعيف. قال رحمه الله: ويوجد في المراسيل موضوعات؟ نعم، وإن صح الإسناد إلى تابعي متوسط الطبقة، كمراسيل مجاهد وإبراهيم والشعبي، فهو مرسل جيد لا بأس به، يقبله قوم ويرده آخرون. قال فهذه مراسيل جيدة لا بأس بها، يعني كأنها من الحسن؛ فيقول هؤلاء مراسيل تعتبر عند قوم من المراسيل الحسنة وبعضهم يردها.

قال: ومن أوهى المراسيل عندهم مراسيل الحسن البصري إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حقيقة الحكم عليها بأنها واهية فيه إشكال، ويحيى بن معين وغيرهم يقولون مراسيل الحسن البصري متوسطة، ليست واهية بهذا الحكم الشديد. قال رحمه الله: وأوهى من ذلك مراسيل الزهري وقتادة وحميد الطويل. طبعاً هؤلاء كبار الحفاظ، كيف مراسيلهم أضعف أنواع المراسيل؟ لأنهم من صغار التابعين، فبالتأكيد الحلقة بينهم وبين النبي عليه الصلاه والسلام والصحابة أبعد. هذا التقسيم إياك أن تظن لما يقول لك أوهى المراسيل مراسيل الزهري أن الزهري ضعيف، لا يا عمي الزهري هذا إمام الحفظ في الدنيا، هنا الحكم عليها بأنها أضعف المراسيل من جهة أنهم من صغار التابعين فالفجوة كبيرة. قال غالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير عن صحابي.

قال رحمه الله: المعضل هو ما سقط منه اثنان فصاعداً. إذا عرفنا أول نوع من أنواع الانقطاع في السند الذي سميناه المرسل، المعضل هو سند سقط منه راويان فصاعداً، هنا الذهبي لم يشترط أن يكون على وجه التوالي. والبعض يطلق ما سقط منه اثنان فصاعداً سواء على وجه التوالي أو لا، وهذا اختيار الذهبي. أي حديث إسناده سقط منه راويان فأكثر، سواء متوالياً أو في أماكن مختلفة، يعتبر حديثاً معضلاً. قال رحمه الله: وكذلك المنقطع، فهذا النوع قل من احترز فيه. والظاهر أن المنقطع ما سقط منه راوي واحد من جهة وسط الإسناد أو أوله.

قال رحمه الله: وأجود ذلك ما قال فيه مالك: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا. مالك تابعي، فإذا قال مالك: قال رسول الله، أكيد سقط اثنان فصاعداً بين مالك والنبي عليه الصلاه والسلام. فقول مالك: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، تعتبر معضلات، لكنها جيدة لأن مالكاً متثبت، فلعله ما حذف السند إلا لتيقنه من صحته.

لعل بلاغاته أقوى من مراسيل مثل حميد وقتادة. انظر، أقول لك معضل مالك أقوى من مرسل حميد، مع أن المرسل الذي سقط منه واحد يكون في العادة أضعف، لكن أقول لك معضل مالك أقوى من مرسلات بعض كبار التابعين أو متوسطيهم.

انتهينا الآن من تقسيم الإسناد باعتبار انقطاعه، فذكرنا ثلاثة مصطلحات: المرسل والمعضل والمنقطع. طبعاً كما قلت لكم، ابن حجر يزيد المعلق وهو أن يسقط من أول الإسناد، لكن أنا أريد أن أمشي مع هذا الكتاب، فهذه شغلتنا.

الآن سنقسم الحديث باعتبار آخر، وهو تقسيم الحديث باعتبار من الذي رواه. الآن إخواني إذا عمر بن الخطاب قال قولاً، هذا يسمى حديثاً بالمعنى العام أيضاً، وإذا بعض التابعين قال قولاً من عنده، هذا يسمى أثراً أو حديثاً بالمعنى العام. فهنا تقسيم في علم الحديث وهو تقسيم الحديث باعتبار المتكلم به: هل المتكلم به النبي صلى الله عليه وسلم -يعني هل هو كلام النبي عليه الصلاة والسلام- أو كلام صحابي أو كلام تابعي؟

فما كان الحديث فيه كلام النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يسمى؟ مرفوع. وهذا ليس من حيث القبول والرد، لكن الحديث إذا كان «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون»، هذا نسميه حديثاً مرفوعاً. أما الحديث عن عمر بن الخطاب قال: مقاطع الحقوق عند الشروط، هذا نسميه موقوفاً. أما حديث عن تابعي قال: الحسن البصري كذا وكذا -تعرفون زهديات الحسن البصري- فهذا يسمى مقطوعاً.

فالحديث باعتبار من الذي تكلم به إما مرفوع أو موقوف أو مقطوع. دير بالك مش منقطع؛ لأنه بعض الطلاب تشبك عندهم الأمور آخر الدرس فيصير يخربط بين المنقطع والمقطوع. المنقطع هذا من تقسيمات الحديث باعتبار انقطاع السند، أما المقطوع هو حديث صحيح ممكن يكون بس راويه تابعي، يعني قال الحسن البصري كذا وكذا، وليس إلى الصحابة ولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله: الموقوف هو ما أسند إلى صحابي من قوله أو فعله. إذاً الموقوف هو كل حديث يروى عن صحابي من قول هذا الصحابي أو فعله، كقول عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط، وقول أبي بكر الذي مر معنا قبل قليل: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ هذا نسميه موقوفاً، كلام صحابي أو فعله.

مقابله المرفوع، وهو ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره. ألم يمر معنا أن السنة هي قول النبي عليه الصلاة والسلام أو فعله أو تقريره؟ طبعاً المقطوع أضيفوه أنتم لأنه الظاهر أن الذهبي اختصره؛ المقطوع ما أضيف إلى التابعي من قول التابعي أو فعله. هذا يسمى مقطوعاً، الذهبي لم يذكره.

قال رحمه الله: المتصل ما اتصل سنده وسلم. الآن سيذكر لك بعض المصطلحات المشهورة في علم الحديث. الحديث المتصل، ما معناه؟ قال: ما اتصل سنده وسلم من الانقطاع، ويصدق ذلك على المرفوع والموقوف. يعني الحديث المرفوع أو الموقوف كلاهما قد يكون متصل السند أو منقطع السند. فإذا كان متصل السند واضح أنه يسمى متصلاً، هذا كاصطلاح عام، وإذا كان فيه انقطاع فعلى حسب نوع الانقطاع؛ يا مرسل يا معضل يا منقطع.

قال: المسند هو ما اتصل سنده. مصطلح المسند، نحن قلنا نتعلم مصطلح الحديث، كثير من الكتب اسمها الجامع المسند، مثل البخاري، أليس هكذا اسمه؟ الجامع المسند. كثير من الكتب في علم الحديث سميت بالجامع المسند، ما معنى كلمة مسند إذا أطلقت في أسماء الكتب؟ المسند هو متصل السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع بين أن يكون إسناده متصلاً زائد أنه فقط كلام النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا أنا أريد أن أؤلف كتاباً في الحديث وقلت هذا كتاب مختصر في المسند، ما معنى المسند هنا؟ لازم يكون حديث متصل السند -لا يوجد فيه انقطاع- زائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أذكر فيه الأحاديث الموقوفة ولا الأحاديث المقطوعة إلا تبعاً. فمعنى كلمة المسند عند العلماء المتقدمين هو ما جمع وصفين: اتصال السند زائد أن يكون مرفوعاً وليس موقوفاً.

فقال المسند هو ما اتصل سنده بذكر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل يدخل في المسند كل ما ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان في أثناء سنده انقطاع. البعض قال: لا، المسند هو المرفوع بس، هو زيه زي المرفوع سواء سند منقطع ولا غير منقطع، فهؤلاء جعلوا المسند مساوياً للمرفوعات، والمشهور أن الحديث لما نقول هذا كتاب مسند يعني جمع بين اتصال السند وأنه مرفوع.

قال رحمه الله: الشاذ هو ما خالف راويه الثقات، أو انفرد به من لا يحتمل حاله قبوله. نحن الآن سنرجع لبعض المصطلحات القديمة، قلنا ما تعريف الحديث الصحيح؟ هو ما توفر فيه خمسة شروط: اتصال السند، ورواية العدل المتقن، من غير شذوذ ولا علة. طيب شو يعني شذوذ؟ الآن بده يعطيك شو معنى كلمة شذوذ التي ذكرناها كشرط من شروط الحديث الصحيح. ذكر تعريفين للشاذ، وحقيقة الشاذ له تعاريف كثيرة مش بس تعريفين، خلينا على هذا هنا.

قال: الشاذ هو ما خالف راويه الثقات. هو الراوي روى هذا الحديث ورواه غيره من الثقات، وهذا الشخص خالف في روايته لهذا الحديث رواية الثقات له تماماً، سواء هذا الذي خالف ضعيف أو قوي. لذا قال: هو ما خالف راويه -سواء كان قوياً أو ضعيفاً- هذا اصطلاح الذهبي؛ إذا خالف الراوي في روايته للحديث رواية الثقات، نسمي الحديث أو نسمي رواية شاذة. كما مثلاً قالوا في رواية شريك لحديث الإسراء والمعراج أنها رواية شاذة لأنها خالفت رواية الثقات لحديث الإسراء والمعراج، تمام، مع أن شريك نوعاً ما مقبول، شريك مقبول لكن روايته لما خالفت رواية الثقات حكموا عليها بالشذوذ.

طبعاً بعضهم حكم عليها بالشذوذ؛ إذاً الشاذ ما رواه الراوي -سواء كان هذا الراوي قوياً أو ضعيفاً- مخالفا لمن هو أوثق منه. ابن حجر العسقلاني في نخبة الفكر ماذا عرف الشاذ؟ ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه. هنا يأتي دور أنك تقرأ المتون المختلفة في المصطلح؛ أنك ستكتشف أن العلماء ليسوا متفقين على المصطلحات. فأيهما أوسع؟ الذهبي؛ لأن الذهبي يقول لك الشاذ ما رواه الراوي سواء كان ثقة أو ضعيفاً مخالفاً للثقة، ابن حجر شو قال؟ ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه. فالشاذ عند الذهبي أوسع من الشاذ عند ابن حجر.

التعريف الثاني للشاذ قال: هو من انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده. يعني راوٍ صدوق، بس هذا الراوي إذا تفرد برواية حديث ما نقبله. يعني هنا مخالفة، بس هنا جاء راوٍ صدوق لكنه ليس قوياً، تفرد برواية سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذه السنة التي رواها ولم يروها غيره نسميها ماذا؟ شاذة على رأي بعضهم؛ لأنه تفرد بروايتها شخص لا يحتمل قبوله تفرده. بقول: أنت زلمة محترم والله يرضى عليك وفاضل بس سامحنا أنت مش قوي كثير، فتروي لي سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يرويها غيرك؟ لا صعب، أنت تفردت بها وأنت ممن لا يقبل أو لا يحتمل تفرده. إذا انفردت لازم تجيب لي واحداً معك يشهد لصحة ما رويته عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن انفرد به شخص لا يحتمل حاله قبول تفرده، لأنه ليس عالياً في الضبط والإتقان، فهذا يسمى أيضاً حديثاً شاذاً في اصطلاح بعضهم.

قال رحمه الله: المنكر وهو من انفرد الراوي الضعيف به. وقد يعود مصطلح المنكر دائماً مصطلح مشهور عند المحدثين، يقول لك حديث منكر، فيقول لك المنكر ما هو؟ قال: وهو من انفرد الراوي الضعيف به. شو الفرق بين المنكر والشاذ على التعريف الثاني للشاذ؟ لما نقول من انفرد به من لا يحتمل حاله، قلنا هو رجل محترم معنا، وفيك صدق بس أنت لا يحتمل تفردك، بس هي مشكلته لأنه مش عالٍ جداً في الإتقان. هنا في المنكر قال: من انفرد الراوي الضعيف به. آه، هنا انفرد الراوي ضعيف، هذا أقل من الراوي الشاذ؛ راوٍ ضعيف انفرد برواية سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إيش بنقول الحديث تبعه؟ منكر. راوٍ ضعيف انفرد برواية سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنقول سامحني أنت ضعيف، أنت الوحيد الذي رويت هذه السنة في كل الأمة الإسلامية، حديثك منكر.

لكن المنكر قد يشارك الشاذ، فقال رحمه الله تعالى: وقد يعد مفرد الصدوق منكراً. هذه الحالة الثانية هي نفس تعريف الشاذ الثاني، يعني وقد يعد مفرد الصدوق منكراً؛ إذا جاء شخص صدوق محترم بس مش عالٍ، تفرد برواية سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، يوصف حديثه بأنه منكر، ويوصف أيضاً بأنه شاذ. لأنه هذه الحالة يشترك فيها الشذوذ مع المنكر، لأنه الشاذ قبل قليل في تعريفه الثاني: من انفرد به من لا يحتمل حاله قبول انفراده، مين هو الذي لا يحتمل حاله قبول انفراده؟ هو الصدوق الذي ليس متقناً، هو متقن بس صدوق ومحترم. فالحالة الثانية لما قال وقد، وهذا يدل على أنها ليست كثيرة، وقد يعد ما تفرد به الصدوق منكراً، هنا تقول هذه الحالة الثانية للمنكر هي نفس الحالة الثانية للشاذ، لا فرق بينهما.

قال رحمه الله تعالى: الغريب ضده المشهور. الآن نذهب إلى تقسيم ثانٍ، اكتب تقسيم حديث الآحاد باعتبار عدد رواته. حديث الآحاد باعتبار عدد رواته ينقسم إلى قسمة ثلاثية: ما هي؟ مشهور، عزيز، غريب. الذهبي اختار قسمة ثنائية، ما ذكر العزيز، فقال حديث الآحاد باعتبار رواته يقسم إلى غريب ومشهور. فلذلك لاحظوا ماذا عرف الغريب، قال: الغريب ضد المشهور. بس طبعاً شو هو المشهور؟ ما أعطانا تعريفه هنا. قال لك الغريب ضد المشهور؛ المشهور هو ما كان رواته ثلاثة فصاعداً في كل طبقة من طبقاته. ممتاز، إذا الحديث طبقات السند لا يوجد فيها ثلاثة فصاعداً، يوجد فيها اثنان فأقل، عند الذهبي يسمى هذا الحديث غريباً. الآن أصحاب القسمة الثلاثية شو يقولون؟ الغريب الذي في طبقاته راوٍ واحد، العزيز طبقاته اثنان، المشهور ثلاثة فصاعداً. الذهبي لم يسلك هذه القسمة، الذهبي قال خلص حديث الآحاد يا مشهور يا غريب؛ المشهور في كل طبقة من طبقاته ثلاثة رواة فصاعداً، الغريب ما كان دون ذلك.

قال رحمه الله تعالى: فتارة ترجع غرابته إلى المتن، وتارة إلى السند. فتارة ترجع الغرابة إلى المتن وتارة يكون الحديث غريباً باعتبار السند. إيش يعني الحديث الغريب متناً؟ هو حديث يسمى الغريب المطلق، هو حديث ومتن فعلاً لم يرو إلا بإسناد واحد في كل طبقة من طبقاته، أو في بعض طبقاته راوٍ واحد، يعني له مخرج واحد باختصار. هذه السنة وهذا المتن انطلقا عن طريق شخص واحد، هو الذي ذكر هذا للناس.

والغرابة من حيث السند هو حديث روى من طرق متعددة، لكن أحد الأسانيد، أحد الطرق فيه الغرابة، أحد الطرق فيه ماذا؟ التفرد. فيقول مثلاً: تفرد به عن سفيان فلان الفلاني، أو تفرد به عن ابن شهاب سفيان، بكون الحديث رواه غير ابن شهاب، رواه ابن شهاب ورواه الليث ورواه ورواه، لكن عن ابن شهاب ما روى إلا شخص، وأما عن طريق الليث بن سعد رواه كثيرون، فيقولون هنا الغرابة من جهة السند. وهذا يسمى الغريب النسبي؛ أن الغرابة جاءت عن طريق سند معين، وإلا الحديث له أسانيد كثيرة. فهذا معنى قوله: فتارة ترجع الغرابة إلى المتن، يعني هو كل المتن ماله إلا طريق واحد وهذا الطريق منطلقه شخص، وأما من حيث السند هو حديث له طرق متعددة لكن في بعض طرقه وقعت الغرابة؛ كيف؟ زي ما حكينا، حديث رواه أنس بن مالك فرضا عن أنس بن مالك له طريقان؛ طريق عن ثابت البناني، وطريق عن حميد الطويل. طريق ثابت البناني أخذه الكثيرون، لكن طريق حميد الطويل لم ينقله إلا شخص واحد، فنقول هذا حديث غريب من حيث السند، لأنه من حيث المتن روي من أكثر من طريق، بس وقعت الغرابة في أحد الأسانيد أنه ما نقلها إلا فلان الفلاني، وأما الأسانيد الأخرى لا، ما شاء الله، معروفة ومشهورة. فهذا تقسيم للغريب: نقول إلى غريب من حيث المتن وهو الغريب المطلق، وإلى غريب من حيث السند وهذه غرابة نسبية.

قال رحمه الله: والغريب صادق على ما صح وعلى ما لم يصح.

نعم، إذا كان الحديث غريبًا هل هذا يعني أنه ضعيف؟ لا؛ حتى لو لم يروه إلا واحد. هل هذا بحد ذاته دلالة على أنه ضعيف؟ لا، لذلك قال: والغريب قد يكون صحيحًا وقد لا يكون صحيحًا؛ لأن تقسيم حديث الآحاد إلى كونه مشهورًا وغريبًا هذا تقسيم آخر يختلف عن تقسيمه باعتبار ضعيف وصحيح، هذه قسمة وهذه قسمة أخرى.

قال: والتفرد يكون لمن تفرد به الراوي إسنادًا أو متنًا، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين. حقيقة هذا الكلام أنا لا أرى فيه فرقًا بينه وبين الكلام السابق، حتى الشراح للموقظة لم أجد تفريقًا واضحًا. والحديث الغريب هو نفسه حديث الفرد في العادة؛ إذا قلت حديث غريب أو حديث فرد هما مصطلحان متقاربان كما ذكر ابن حجر. فقول: والتفرد يكون لمن تفرد به الراوي إسنادًا أو متنًا، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين، هو نفس ما ذكرته لكم، الغريب المطلق والغريب النسبي يسمى أيضًا فردًا مطلقًا وفردًا نسبيًا.

التفرد يكون لمن تفرد به الراوي إسنادًا أو متنًا؛ إذا في راوي تفرد هو بهذا الإسناد أو بهذه اللفظة في المتن لم يذكرها غيره، فنقول: هذا فرد مطلق أو غريب مطلق. وأما الغريب النسبي زي ما قلنا قبل شوي، أنس بن مالك روى عنه حديث ثابت وحميد، عن حميد لم ينقله إلا شخص واحد، وأما عن ثابت نقله الكثيرون، فهنا نقول مثلاً تفرد به فلان عن حميد. كما يقال مثلاً، وهذا كثير ما تجدونه عند الترمذي يقول: لم يروه عن سفيان الثوري إلا عبد الرحمن بن مهدي، وإن كان هذا الحديث نفسه جاء عن طريق راوٍ آخر غير سفيان الثوري بأسانيد كثيرة، لكن هذا الحديث من طريق سفيان الثوري مين اللي نقله؟ فقط ابن مهدي، فهذا يسمى غريبًا بالنسبة إلى سفيان، وأما بالنسبة للأسانيد فهو غريب.

قال والتفرد يكون لمن تفرد به الراوي إسنادًا أو متنًا، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين، كما يقال لم يروه عن سفيان إلا ابن مهدي، ولم يروه عن ابن جريج إلا ابن المبارك. أو مثلاً تقول هذا الحديث لم يروه عن ابن جريج إلا ابن المبارك، وإن كان هناك أسانيد أخرى كثيرة له، لكن عن طريق ابن جريج مين نقله؟ فقط ابن المبارك. زي حديث «إنما الأعمال بالنيات»، له أسانيد كثيرة، لكن من حيث الصحة كإسناد صحيح هو إسناد واحد غريب، ثم اشتهر بعد يحيى بن سعيد الأنصاري.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. من المصطلحات أيضًا المشهورة وهو المصطلح رقم 16، والجميل في هذا الكتاب مرقم على شكل أرقام، يعني أنت إلى الآن عندك 15 مصطلحًا، بدك تكون حصل نوع تصور عنها. المصطلح رقم 16، الحديث متى يوصف سنده بأنه مسلسل؟ ربما كثيرًا ما سمعتم حديث مسلسل بالأولية مثلاً. متى يوصف السند بأنه مسلسل؟ قال: ما كان سنده على صفة واحدة في طبقاته.

أما أن يكون مسلسلًا بصيغة الأداء أو مسلسلًا بالهيئات. سبحان الله، بعض الأحاديث تسلسلت بصيغة الأداء، يعني في كل طبقات السند الكل يقول: سمعت؛ شيخي اللي فوقي بقول سمعت، واللي فوقي بقول سمعت، فيقال والله مسلسل بالسماع؛ أنه كل راوٍ لما نقل عمن فوقه ماذا قال؟ سمعته، ما في راوٍ قال عن، وراوٍ قال أن، وراوٍ قال سمعت، الكل قال سمعته. أحيانًا مثلاً ممكن يكون قال فلان سمعت فلان عن فلان، هنا اختلف؛ واحد قال سمعت، واللي فوقي قال عن. الحديث المسلسل بالسماع مثلاً يكون كل الرواة كل واحد سمع ممن فوقه، هذا يسمى مسلسلًا بصيغ الأداء أو المسلسلات القولية.

المسلسلات الفعلية؛ بعض الأحاديث كان كل شيخ إذا رواه لتلميذه أخذ بيده؛ يقول حدثني شيخي وقد أخذ بيدي، أن شيخه حدثه وقد أخذ بيده، أن شيخه حدثه وقد أخذ بيده، أن شيخه حدثه وقد أخذ بيده، أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، فكل الحديث مسلسل بالأخذ باليد. هذا يسمى مسلسلًا بصورة ما، طبعًا هذا يدل على، رح تقول لي يعني هل هذا الموضوع مهم جدًا؟ لا، هو مش مهم جدًا صراحة، لكنه يدل على مدى الضبط والإتقان، وأحيانًا قد يدل على نواحي إيمانية أو نواحي تربوية.

قال: كما سلسل بسمعته، أو كما حديث المسلسل بالأولية، وهذا حديث لا يصح إسناده كاملًا بالأولية إلا سفيان بن عيينة، وهو ما دائمًا يقوله المشايخ: حدثني شيخي وهو أول حديث سمعته منه أنه سمع شيخه يقول وهو أول حديث سمعه منه، أن شيخه قال أن وهو أول حديث سمعه منه، أن شيخه قال... هذا يسمى مسلسلًا بالأولية، يعني أول حديث سمعوه منه، لكن هذا لا يصح إسناده بالأولية إلا إلى سفيان، وأما من سفيان بن عيينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال شيخنا الشيخ صالح العصيمي لم يثبت إسناده بالأولية، يعني ما بين سفيان إلى النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء الرواة لم يلتزموا بقضية: وهو أول حديث سمعته منه.

قال: وعامة المسلسلات واهية، للأسف أن عامة الأحاديث المسلسلة واهية، وأكثر من يهتم بها الصوفية؛ مسلسل بحمل الخرقة، ومسلسل بالمسبحة، هذا كثير ما يعتني بها الصوفية وأغلبها مش كلها، أغلبها واهية الأسانيد. قال: وعامة المسلسلات واهية وأكثرها باطل لكذب رواتها، وأقواها المسلسل بقراءة سورة الصف؛ أنه كل راوٍ يكون قرأ سورة الصف لما حدث هذا الحديث عن شيخه، أو شيخه قرأ عليه سورة الصف.

أو المسلسل بالدمشقيين؛ كل الرواة من دمشق، كلهم كل واحد روى عن شيخه والكل من دمشق. أو المسلسل بالمصريين نفس الفكرة، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب؛ كل راوٍ اسمه محمد، حدثني محمد عن محمد عن محمد عن محمد عن محمد، بس هذا لا يصح إلا إلى ابن شهاب؛ أن ابن شهاب أيضًا اسمه محمد، لكن من ابن شهاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام انقطعت فيه هذه الشرط، انقطع فيه هذا الشرط.

قال: المعنعن ما إسناده فلان عن فلان. الحديث المعنعن؛ المعنعن هذا وصف للإسناد، الإسناد المعنعن هو الإسناد الذي يقول فيه الراوي ما يقول سمعت فلان، شو بيقول فيه؟ عن فلان، ما بقول سمعت شيخي، بقول عن شيخي. هسه أنت بتقول شو المشكلة؟ لا في مشكلة، لأنه إذا قال سمعت شيخي هذا بيطمنا أن الحديث هو سمعه مباشرة من شيخه. طيب إذا قال عن شيخي؟ في احتمال أنه سمعه، وفي احتمال أن واحدًا من الشباب في المجلس حكى له إياه عن الشيخ. أنت الآن تسمعني صح، فبتقول سمعت شيخي، الآن ممكن أنت اليوم غبت عن الدرس، وبتحكي للشباب شو حكى الشيخ اليوم، بيقولوا لك والله حكى كذا وكذا، فأنت حضرتك لما بكره تعلم الناس شو بتقول؟ عن شيخي أنه قال كذا وكذا. شو الناس بتفهم؟ أنك أنت سمعته، بس أنت فعليًا ما سمعته مني، أنت سمعته من واحد حضر وأنت كنت غائبًا، فكان الأصل والدقة أنك شو تحكي؟ حدثني من حضر مجلس الشيخ أن الشيخ قال، صح هيك الدقة العلمية، فهذا يدل على خامة علماء المصطلح في التدقيق في هذه الجزئيات، أنك أنت لما تقول عن شيخي وأنت ما سمعته ولا صاحبك حكى لك عن الشيخ، فرق.

قال: فمن الناس من قال لا يثبت حتى يصح لقاء الراوي بشيخه يومًا ما، هذا شرط البخاري، البخاري حتى يقبل المعنعن شو بقول؟ لازم يثبت الراوي اللي قال عن شيخي لازم يثبت لي أنه لقي هذا الشيخ في يوم من الأيام، ولا غير هيك ما بقبل عنعنته. مسلم شو قال؟ قال: ومنهم من اكتفى بمجرد إمكان اللقي. مسلم شو قال؟ أنا لا أشترط أن أتأكد 100% أنه لقي هذا الشيخ، يكفي إمكان اللقي بأن يكون معاصرًا له زمانيًا.

فإذا قال فلان عن شيخي أنه قال، البخاري متى يعتبر هذا الحديث صحيحًا؟ إذا ثبت أن هذا الراوي التقى الشيخ، لازم يثبت 100%. مسلم متى بيعتبره صحيحًا؟ إمكانية اللقاء، ما ثبت لي 100% أنه التقى، بس إمكانية اللقاء تكفي عند مسلم، ولهذا مسلم في مقدمة صحيحه رد على البخاري، أنك يا بخاري شددت في الجزم باللقاء ومجرد المعاصرة تكفي. لذلك لماذا صحيح مسلم هو أقل من صحيح البخاري؟ لأن البخاري شدد أكثر، البخاري يشترط في العنعنة لا يقبلها إلا مع التأكد باللقاء، أما مسلم يكتفي بمجرد إمكانية اللقاء، حتى ولو لم يثبت ذلك 100%، فيقبل المعنعن بمجرد إمكانية اللقاء.

قال: ومنهم من اكتفى بمجرد إمكان اللقي وهو مذهب مسلم، وقد بالغ في الرد على مخالفه البخاري، وإن كان شيخه، طبعًا هو شيخه بس في النهاية النقاش العلمي حاضر. ثم بتقدير تيقن اللقاء يشترط ألا يكون الراوي عن شيخه مدلّسًا. إذًا الشرط الأول من شروط قبول المعنعن ما هو؟ الجزم باللقاء أو إمكانية اللقاء على حسب أنت بدك طريقة البخاري ولا مسلم. الشرط الثاني: ألا يكون الذي عنعن مدلّسًا، سيأتي معنا شو التدليس.

الاختصار حتى تفهم التدليس: أن أروي عن شخص عاصرته أو لقيته حديثًا لم أسمعه منه، موهمًا أنني سمعته منه، هذا اسمه تدليس. بعيد، وراح يجي معنا إن شاء الله: أن أروي عن شيخ أنا شفته أو عاصرته، أروي حديثًا لم أسمعه منه موهمًا أنني سمعته منه، لما يجي سفيان بن عيينة يقول لك عن ابن شهاب الزهري، هسه سفيان لقي ابن شهاب، فلما يقول لك عن ابن شهاب أنت شو تتصور؟ أنه أخذه منه، هيك أنا فاهم، لكن ممكن أكتشف أن سفيان لم يسمع هذا الحديث من ابن شهاب مباشرة، سمعه من زميله عن شيخه. طيب ليش يا سفيان ما صرحت بهذا الكلام؟ ليش ما كنت واضحًا معي وما قلت عند ابن شهاب؟ قلت سمعت زميلي ينقل عن شيخي ابن شهاب، هذا اسمه تدليس، أنه هو حذف الواسطة التي سمع منها، وأوهم أنه سمع من شيخه مباشرة. بس هذا الحديث بالتحديد هو ما سمعه، بس طبعًا مين بده يعرف هذه الشغلة؟ الجهابذة، مش أنت، يعني أنت اليوم ما رح تعرف التدليس، أريحك، أنت ما رح تعرف، الذي يعرف المتقدمون هم الذين يستطيعون أن يكتشفوا مثل هذه الأمور.

المهم، إذا كان الراوي للحديث بالعنعنة معروف أنه بيمارس التدليس قالوا: خلص هذا ما بنقبل عنعنته. أي راوٍ عرف عنه أنه يمارس هذا النوع من التدليس، فهمتوا ليش التدليس اللي معروف أنه بيعمل هذا كثير؟ ترى هذا بيعمله بعض الثقات، حتى ما تشك أنه أكيد اللي بيعملوه ناس مش مناح، لا بيعمله سفيان والحسن البصري وغيره، يعني لهم مقاصدهم، بس اللي انعرف أنه مدلّس، إذا قال عن بتتوقف، بنقول ما بقبل، ليش؟ لأنه أنت انعرف أنك بتدلّس، فلا أقبل حتى تصرح بالسماع. فإذا رويت الحديث لازم تحكي سمعت شيخي، إذا قلت عن شيخي ما بقبلك. طب رح يقول لك طب هيك قبلت غيري، شو بتقول له؟ والله غيرك ما ثبت أنه مدلّس فقبلت عنعنته، أما أنت لا، أنت للأسف مارست التدليس، فأنت اللي جبت لحالك الحكي، فما بقبل عنعنتك.

إذًا الشرط الثاني ألا يكون الراوي مدلّسًا، إذًا كم شرط حتى تقبل الحديث المعنعن؟ شرطان. الشرط الأول: في خلاف بين البخاري ومسلم الجزم باللقاء أو إمكانية اللقاء. الشرط الثاني: ألا يكون الراوي مدلّسًا. لذلك قال: ثم بتقدير تيقن اللقاء، يعني لو بدنا نفرض رأي البخاري، يشترط شرط آخر وهو ألا يكون الراوي عن شيخه مدلّسًا. فإن لم يكن الراوي معروفًا بالتدليس حملناه على الاتصال. فإذا كان مش معروف بالتدليس خلص توفر الشرطان بقبل المعنعن. فإن كان مدلّسًا فالأظهر أنه لا نحمله على السماع، وبنقول الحديث منقطع حتى تصرح لي بالسماع، تقول سمعته، غير هيك ما بقبله.

قال رحمه الله: ثم إن كان المدلس عن شيخه ذا تدليس عن الثقات فلا بأس. الآن بعض العلماء رواة الحديث كان مدلساً، بس كان معروفاً أنه إذا دلس لا يدلس إلا عن ثقات، يعني سفيان بن عيينة مارس التدليس أحياناً، بس إذا حذف الواسطة معروف أن الواسطة بتكون شخصاً ثقة؛ يعني لما يكون يأخذ عن زملائه يروح يشوف زميل كسلان لا يحضر الدروس، يروح يقول له شو حكى الشيخ، أو يروح يشوف زميل مجتهد بس يحذف ذكر الزميل ويقول عن شيخه. فهناك من عرف أنه يدلس لكنه إذا دلس لا يحذف إلا ثقة، فهذا عموماً العلماء مشوا روايته ويحمل على الاتصال.

قال رحمه الله: وإن كان ذا تدليس عن الضعفاء فمردود. أما الذي يدلس وعرف أنه ممكن يحذف واسطة وتكون هذه التي حذفها ضعيفة، فالذي اكتشفوا منه أنه فعل هذا مرة واحدة، خلص راحت عليه؛ إذا دلست لا نقبل حتى تصرح بالسماع؛ لأنه اكتشفنا أنك مرة دلست وحذفت الواسطة والواسطة التي حذفتها طلعت ضعيفة، فأنت ممكن تدلس عن ضعفاء فما نقبل تدليسك أبداً.

نعم، قال رحمه الله: فإذا قال الوليد أو بقية عن الأوزاعي فواه؛ فإنهما يدلسان كثيراً، الوليد وبقية، هؤلاء دلسا كثيراً عن الإمام الأوزاعي تمام، مع أنهم عاصروه. قال: فهؤلاء تدليسهم واهٍ، لماذا؟ لأنه للأسف اكتشفوا أن الوليد بن عقبة وبقية بن مسلم إذا دلسا عن الأوزاعي، يعني هيك يأتون ويحكون يقول الوليد بن عقبة هكذا عن الأوزاعي، نقول له: تعال، أكيد في شيء ساقط بينك وبين الأوزاعي، أنت ما سمعت من الأوزاعي مباشرة. أو بقية بن مسلم يقول عن الأوزاعي، ويكمل السند، نقول له: تعال يا بقية عن الأوزاعي مين الذي سقط؟ أنت 100% ما سمعت هذا من الأوزاعي. فراح العلماء يمشون وراءهم، الاثنين اكتشفوا أنه إذا أسقطوا شخصاً يسقطون شخصاً ضعيفاً، الواسطة التي يأخذون منها أحاديث الأوزاعي ضعيفة، فللأسف أنتم تدلسون عن ضعفاء، أنت عم تسقط لي واسطة ضعيفة، يعني لو كانت مذكورة لما قبلت الحديث، فليش تحذف الشخص الضعيف؟ مش هكذا أنت دلست عليّ؟ أسقطت الواسطة لأنها ضعيفة، فعاقبوهم طبعاً عقاباً معنوياً، قالوا: كل ما رويتم مدلساً لا يقبل حتى تصرحوا بالسماع، إذا قالوا سمعنا خلص صادقون، هم الاثنين صادقون، بس إذا صرحوا بالسماع صادقون، بس إذا قالوا عن، خلص في تدليس، ويدلس عن الهلكة أي يدلس عن الضعاف، فلا نقبل عنعنتهم، نعم. قال رحمه الله: ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فأصحاب الصحاح أي العلماء الذين اشترطوا إخراج الأحاديث الصحيحة فقط لا يخرجون أحاديث الوليد المعنعنة؛ ليه؟ لأنه خلاص مدلس وهو مدلس يدلس عن الضعفاء، فأحاديثه المعنعنة ضعيفة. نعم، قال: فما جاء إسناده بصيغة عن ابن جريج أو عن الأوزاعي تجنبوه.

نعم، وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، اه شايف أنت الآن ما إذا الذهبي يقول لك نحن ما رح نعرف التدليس، الذي يحكم أنه في تدليس العلماء المتقدمون، يعني خلص يجيء واحد شاب معاصر يقول لك بدي أحكم على التدليس هذه مجازفة كبيرة منه، لأنه بدها ذكاء وفطنة، لأن هؤلاء مثلاً سفيان بن عيينة هو سهل تعرف أن سفيان دلس عن ابن شهاب؟ والله ما هي سهلة، أنه هو شيخه ابن شهاب، فليس من السهل تعرف أن هذا الحديث بحد ذاته دلس سفيان وهو لم يسمعه مباشرة إلا بقرائن عالية في العادة، نحن صعب نعرفها، أحمد بن حنبل وهؤلاء يعرفونها لقرب العهد والزمان، أنا وإياك راحت قرون بيننا وبينهم.

نعم، قال رحمه الله: فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وعرفوا عللها، عاينوا الأصول يعني كانوا قريبين من الأصول، فعرفوا إمكان يعني من الذي دلس ومن الذي ما دلس، خاصة تدليس الثقات؛ يعني أن الثقات مارسوا التدليس، فليس سهلاً تعرف أن الثقة هنا دلس. نعم، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، طالت علينا الأسانيد يعني بينك وبين سفيان بن عيينة فيافي وقفار وصحاري ودهور. نعم، قال: وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدخل على الحاكم في تصرفه في المستدرك، اه لأنه الحاكم زمنه كان متأخراً، فمن أكثر أخطاء الحاكم أنه كان يسارع في الحكم بالتدليس أو لا يعرف وقوع التدليس وهو متأخر زمنياً، يعني أنت يا حاكم متأخر زمنياً عن البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، فكان أحياناً يجازف في الحكم بالتدليس، وهذا خطأ، أنت متأخر، الأصل لا تجازف بهذه المرتبة.

نعم، قال رحمه الله تعالى: المدلس ما خلص ما دام عرفنا التدليس الآن بنبدأ ندخل في المدلس، وجيد أني أعطيتكم مقدمة حتى أخفف على حالي في الشرح. قال المدلس: قال ما رواه رجل عن آخر ولم يسمعه منه أو لم يدركه، خلوني الآن التعريف، أنا أعطيتكم إياه قبل شوي، هو ما رويته عمن لقيته، أن تروي شيئاً عمن لقيته ولم تسمعه منه موهماً أنك سمعته منه، هذا التعريف أسهل شوي. هنا ماذا يقول الذهبي في تعريف المدلس؟ هو ما رواه الرجل عن آخر، يعني تروي الحديث عن شيخك وأنت لم تسمع هذا الحديث منه، بس لازم نزيد قيد: موهماً أنه سمعه منه، لأنه هي المشكلة، أن تروي حديثاً عن آخر ولم تسمعه منه موهماً أنك سمعته منه، فلما سفيان يقول عن ابن شهاب هو أوهمني أنه سمعه منه، بس هو بعد التفتيش طلع مش سامعه منه، سامعه من واحد عن ابن شهاب، فلازم نزيد هذا القيد في تعريف الذهبي حتى يكون الكلام مفهوماً، ما رواه الرجل عن آخر يعني عن شيخه ولم يسمعه من شيخه موهماً أنه سمعه منه.

طيب قال أو لم يدركه، شو يعني أو لم يدركه؟ الآن إخواني التدليس له صور، الصورة الأولى أن تدلس عن شيخك، الصورة الثانية أن تدلس عن غير شيخك، عن شخص أنت ما أدركته أصلاً، وهذا أسوأ، بس هذا سهل كشفه، الأول صعب أنك تدلس عن شيخك، صعب لأن أنا أعرف أنك لقيته، بس أن تدلس عن شخص أنت لم تدركه هذا كشفه أسهل، تمام؛ يجيء شخص في القرن الثالث الهجري يروي حديثاً عن رجل في القرن الثاني الهجري قديش بينك وبينه أمم وسنوات؟ فهذا التدليس سهل كشفه، يعني شخص في القرن الثالث يقول عن ويروي عن شخص في القرن الثاني، لا يمكن، وهذا مباشرة يكشف لأنه في مدة زمنية بينهم كبيرة. لكن المشكلة متى؟ لما تكون المدة الزمنية قصيرة، تعمل دربكة، هو أدرك ما أدرك؟ يصير في نوع من التردد إذا ما أدرك. إذا ما رواه الرجل عن آخر أدركه حتى يكون الكلام متكاملاً، ما رواه الرجل عن آخر أدركه ولكن لم يسمع منه هذا الحديث موهماً أنه سمعه منه. الحالة الثانية ما رواه الرجل عن شيخ آخر هو لم يدركه، فيروي الحديث موهماً أنه سمع منه. فإذا هناك صورتين في التدليس؛ لأنه الذي سأدلس عنه يا هو شيخي وأنا أدركته، يا هو شخص لم أدركه وأنا لما أروي عنه مباشرة شو بوهمك؟ أني أنا أدركته، يجوز أنا أصلاً هو مات قبل ما أنا أعيش في الدنيا أصلاً.

قال رحمه الله: فإن صرح بالاتصال وقال حدثنا فهذا كذاب. اه إذا إذا صرح بالاتصال، يعني إذا هو لم يسمع الحديث من شيخه وقال حدثني شيخي، هذا شو بنعتبره؟ كذاب، بس هذا ما يفعله الثقات 100%، هذا يفعله واحد مريض النفس، أما أنت تجي تحكي والله، الآن تطلع من المجلس تقول حدثني شيخي، أنت سمعت مني؟ طيب تكون أنت نائم في الدار ولا حضرت الدرس اليوم، تروح تحكي للناس حدثني شيخي تكذب أنت، لأنه أنت ما سمعت مني، فهذا المعنى أنه إذا لم تسمع الحديث من شيخك لا يجوز أن تقول حدثنا، هم حتى ما يقعوا في الكذب شو كانوا يقولوا؟ عن، عن فضفاضة، شو هي عن؟ سمعت ولا ما سمعت، أنت حطيتني في بلبلة من أمري. طيب قال وإن قال عن احتمل ذلك، ونظر في طبقته، طيب وإذا قال عن اه احتمل ذلك، يعني إذا قال سفيان عن ابن شهاب، هسه في احتمالين، شو هي احتملنا ذلك؟ في احتمال أنه فعلاً سمعه من ابن شهاب، وفي احتمال أنه في تدليس وحذف الواسطة، فهنا قال: ونظر في طبقته، نبدأ نفتش لما قال عنه، هل هذا الشخص، أيوة قال ونظر في طبقته: هل يدرك من هو فوقه؟

اه ننظر هل سفيان بن عيينة أدرك ابن شهاب؟ اه والله أدرك، إذا هذا احتمال يقرب صحة الحديث. فرضاً يجي واحد يقول عن فلان وهو ما أدركه، يعني مثلاً زي البخاري يقول لك عن ابن شهاب مثال، بس تقول لا يا عم هو لم يدركه أصلاً، فكيف يقول عن ابن شهاب؟ ما هو مات قبله تمام، البخاري متى مات 266، ابن شهاب مات 124، بينهم، فلو فرضاً فرضاً البخاري قال عن ابن شهاب مباشرة بتعرف أنه في ناس ساقطة في الإسناد لأنه ما أدركه زمناً. فإذا إذا جاء الحديث معنعناً الآن في احتمال يكون متصلاً وفي احتمال يكون منقطعاً، كيف بدنا نعرف ذلك؟ الذهبي أعطاه خطوات، الخطوة الأولى تشوف هذا الراوي لما عنعن عن شيخ هل هو يمكن أن يكون أدركه زمنياً ولا لا؟ إذا كان لا يمكن أدركه زمنياً مباشرة في تدليس. اه والله ممكن أدركه زمنياً بل ممكن يكون شافه، هون بدنا نعمل اختبار أدق وأدق حتى نكتشف إذا في تدليس أو لا.

قال هل يدرك من هو فوقه؟ فإن كان لقيه فقد قررناه. اه إذا كان لقيه الآن خلص الأصل أنك متصل، يعني سفيان التقى ابن شهاب، فإذا قال عن ابن شهاب شو الأصل أنه سمع؟ إلا إذا ثبت أن سفيان مدلس، فساعتها راح أقول يا سفيان سامحني أنت صح لقيت شيخك والله مصدقينك بس أنت مدلس، فما رح أقبل حتى تصرح بالسماع. إذا ما كان معروفاً بالتدليس، خلص مباشرة بقبله. قال وإن لم يكن لقيه، قال وإن لم يكن لقيه فأمكن لقيه وجهاً لوجه، نعم، قال فأمكن أن يكون معاصره، فهو محل ممكن أنا ما أكون لقيت شخصاً بس أنا وإياه متعاصرين، أنا في الأردن وشيخ في المغرب، هسه عمري ما رحت على المغرب ولا هو عمره جاء على الأردن، نحن نسمي متعاصرين، بس هل أنا شفته؟ لا، وهو شافني؟ لا. فإذا أنا رويت عنه قلت عن الشيخ المغربي الآن نحن عشنا في نفس المدة الزمنية، فالأجيال القادمة رح يشكل عليها لما هو قال عن الشيخ المغربي، هم عاشوا في نفس المدة ولا لا؟

والله عاشوا في نفس المدة، في احتمالية أنه يكون شافه، فهنا أنا عملت عليك مشكلة لبست عليك أنه أنا قلت لك عن الشيخ المغربي ونحن متعاصرين، فأنت بتقول ممكن يكون شافه، ممكن لا، لكن الذي عايش في عصرنا رح يعرف أني أنا عمري ما شفته ولا هو شافني، فرح يكون فهم التدليس عليه أسرع، لكن في العصور المتأخرة التي بعد سنتين ثلاث عشرة 20 ما رح يعرف أني أنا صدقت ولا لا، كثير في هذا الكلام لأنه ما كان عايش زمني، فهو لا يعرف هل لقيت الشيخ المغربي أو لا، لذلك قال لكم قبل قليل أن التدليس مين الذي يعرفه؟ العلماء الأقدمون، أما أنت الآن صعب تعرف التدليس لأنك ما بتعرف كثيراً من أحوال الرجال، خاصة المتعاصرين الذين هل التقوا ولا لم يلتقوا، لذلك قال فهو محل تردد إذا كان لم يثبت لقاؤه لكن ثبتت المعاصرة الزمنية وقال عن فلان، أنت هنا رح تظلك متردد وشافه ولا ما شافهوش.

نعم، قال وإن لم يمكن، أما إذا لم يمكن اللقاء، شوفوا إذا لم يمكن اللقاء وكان معروفاً أنه لا يمكن اللقاء ترى هذا لا يعتبر تدليساً، يعني البخاري إذا قال عن ابن شهاب ترى علمياً هذا لا يعتبر تدليساً، ليه؟ لأنه معروف أنه ما التقيا زمنياً، يعني لو أنا اليوم قلت لكم عن البخاري هل أعتبر أنا مدلساً؟ لا، ليش؟ لأنه مفهوم أني أنا في بيني وبينه مدة زمنية طويلة، فانا ما لبست عليك، لأنه أنت عقلياً ومنطقياً مستحيل إبراهيم التقى بالبخاري لأنه في بينه وبينهم عشرات القرون، فإذا كان معلوماً للجميع أن فلاناً لم يلتق بفلان وروى عنه مباشرة فقال عن فلان هذا لا يسمى تدليساً لأن الأمر مكشوف على الواضح، لذلك قال وإن لم يمكن اللقاء ومعلوم ذلك للجميع فهذا منقطع، مثلاً قتادة لما يقول عن أبي هريرة هو معروف أنه ما التقى، فهل نقول قتادة دلس؟ لا، حرام ما بصير أقول أن قتادة دلس، ليه؟ لأنه قتادة يقول لك أنتم عارفين أني أنا ما شفت أبا هريرة، فلما أقول لكم عن أبي هريرة أنتم عارفين أن في ناس محذوفين في الإسناد، ليش حذفته؟ موضوع آخر، بس أنتم عارفين أني أنا ما بدلس لأنكم تعلمون جزماً أنني لم أدرك هذا الشخص. التدليس إخواني من اسمه تدليس في نوع خداع.

الخداع في التدليس محتمل، أما إذا كانت معلومة زمنياً عدم الالتقاء؛ فلا يوجد خداع. قال رحمه الله تعالى في حكم التدليس: إذا قال سفيان الثوري -عفواً إذا سفيان بن عيينة- قال عن ابن شهاب، فهمناها، يسمونها العنعنة. طيب، إذا سفيان ما قال عن ابن شهاب، شو قال؟ قال: ابن شهاب قال، "زعماً" بالضبط عند المحدثين، قال: حكم عن لا بد من ثبوت اللقاء أو إمكانيته على الخلاف بين البخاري ومسلم، ولا بد من أن يكون غير مدلس حتى أحمل هذا الحديث على الاتصال.

فحكم "عن" الشرطين اللذين اشترطناهما في "عن" حتى يكون الحديث صحيحاً، هما نفس الشرطين إذا قال الراوي: قال شيخي. الراوي شو قال؟ ما قالش عن شيخه، قال: قال شيخي، ما هي برضو "قال شيخي" فيها لف ودوران شوي. قال شيخي، هو أنت سمعته ولا لا؟ أنت حكيت "قال" محتملة، فمثلها مثل "عن".

طيب، الآن الثقات لماذا كانوا يدلسون؟ وغير الثقات أيضاً، لماذا كانوا يدلسون؟ قال: ولهم في ذلك أغراض، يعني هناك أهداف للتدليس حتى تفهم أنه ليش واحد ثقة يدلس أحياناً، شو اللي بخليه يعمل كده؟ نعم، قال رحمه الله: فإن كان لو صرح بمن حدثه عن المسمى لعرف ضعفه، فهذا غرض مذموم وجناية. السبب الأول الذي كان يدفع بعض الرواة للتدليس أنه إذا ذكر الواسطة التي أخذ عنها، الواسطة ضعيفة. فلو قال: حدثني زميلي عن شيخي، طب مين زميلك؟ فلان الفلاني، إيه فلان الفلاني مشطوب هذا ضعيف. فهو يدرك أنه إذا روى عن زميله عن الشيخ، ما حدا راح يقبل حديثه، فيقول لك: خليني أنا أسقط زميلي وأقول عن شيخي مباشرة حتى الناس تقبل الحديث. بس هذا أمانة ولا مش عدم أمانة؟ هي عدم أمانة؛ لأنه أنت أخذت هذا عن صديقك مش عن شيخك مباشرة، صديقك ضعيف ولا ثقة؟ ضعيف، إذاً لازم تخبرني لأنه أنا بشك فيه.

فلذلك قال من أغراض التدليس أن الراوي المدلس لو صرح بمن حدثه عن شيخه، يعني عن زميلي عن شيخي، لعرف أن زميله ضعيف وبالتالي رح يحكم على حديثي بأنه إيش؟ أكس. فقال: فهذا غرض مذموم، أنه ما بصير أنت تدلس لإخفاء زميلك الضعيف حتى يقبل حديثك، أنت غريت الناس وفعلاً زميلك ضعيف سيء الحفظ، ممكن يقول هذه كثيرة ما تحصل، أنك بتروح بتسأل وحتى في حياتنا المعاصرة، بتروح بتسأل صديقك: والله الشيخ إبراهيم شو حكى اليوم في الدرس؟ قلك: والله حكى هيك وهيك وهيك. أنت بتروح تنشر عني هذا الكلام، بطلع أنا ما حكيت هذا الكلام. طيب شو السبب أنه أنت اعتمدت على زميل ضعيف، مستوٍ كان نايم في الدرس، أو ماله دخل في الحفظ، أو بفهم الكلام غلط. فلما أنت نقلت عني، أنت صح إنسان طالب علم قوي، بس استعجلت؛ كان المفروض تسمع مني مباشرة. أنت أخذت من زميلك وزميلك ضعيف، لكن لو زميلك نبيه وثقة، لا بتختلف شوي الأمور، صح ولا لا؟

نعم، قال رحمه الله: قال فهذا غرض مذموم. نعم، قال وجناية على السنة، جناية على السنة هذه. لذلك هذا ما كان يفعله الثقات، ما كانوا يدلسون الضعفاء. نعم، قال: ومن يعاني ذلك جرح به، يعني ومن عرف أنه يدلس الضعفاء أسقطوا عدالته وقالوا هذا راوٍ مجروح، وهو الذي جنى على نفسه. نعم، قال: فإن الدين النصيحة، الأصل تنصح للمسلمين، فإذا زميلك ضعيف عادي كن صريحاً، حدثني زميلي الضعيف، يعني حتى تلقي، أما تخفي لنا إياه وعاد نتورط ونحمل الحديث يطلع ضعيف.

نعم، قال: وإن فعله طلباً للعلو فقط، هذا كان يفعله كثير من الثقات، أنه هو وزميله ثقة بس قال: عن ابن شهاب مباشرة وحذف زميله، لماذا؟ بده يطلب الإسناد العالي، لو ذكر زميله صار في بينه وبين ابن شهاب طبقة، فهو طلباً لعلو الإسناد حذف زميله موهماً علو الإسناد وأنه سمعه من ابن شهاب مباشرة. الآن إذا كان زميلك ثقة وفقط طلباً للعلو أنت حذفت زميلك هذه أهون بلاءً شوي، بس بشرط يكون زميلك اللي حذفته ثقة، ولكن حتى مع هذا الأصل المصداقية؛ يعني ايش يعني عروض الإسناد يا أخي، لو كان إسنادك أنزل حبة شو المشكلة؟ كده، لكن قديماً علماء الحديث أو رواته كانوا يحبوا فكرة العلو في الإسناد.

نعم، قال رحمه الله: وإن فعله طلباً للعلو فقط أو إيهام بتكثير الشيوخ. الآن إخواني، أو إيهام بتكثير الشيوخ هذا نوع آخر مختلف تماماً في التدليس، رح أعلمكم إياه اسمه تدليس الشيوخ، هذا سهل. شو تدليس الشيوخ؟ تدليس الشيوخ أنت ما حذفت الواسطة، لا، أنت بتروي عن شيخك بس مرة بتقول حدثني إبراهيم رفيق، مرة بتقول حدثني أبو عبد الرحمن، مرة بتقول حدثني ابن رفيق. فأنت عجقت الناس كل مرة بتعطيني اسم، ليه؟ أنت بتوهم الناس أن هؤلاء أشخاص مختلفون وهم نفس الشخص، أبو عبد الرحمن وإبراهيم رفيق وابن رفيق وكذا. تمام، هذا كان قديماً يفعلونه من أجل أنه يشعر الناس أنه أنا شيوخي كثر، فحدثني أبو عبد الرحمن وحدثني إبراهيم رفيق وحدثني ابن رفيق، وهم نفسهم نفس الشخص. فهذا كان يفعله البعض بس هذا ما اسمه تدليس تسوية أو تدليس إسقاط، هذا تدليس شيوخ. طب هذا فيه مشكلة ولا ما فيه مشكلة؟

قال: بأن يسمي الشيخ مرة ويكنيه، زي ما حكيت مرة بإبراهيم الرفيق، مرة أبو عبد الرحمن. نعم، قال: وينسبه إلى صنعة أو بلد لا يكاد يعرف به. مرة حدثني شيخي مثلاً وتنسبه مرة إلى الصنعة بتاعته ومرة بتنسبه إلى بلده، مرة بتنسبه إلى كذا هو نفس الشخص نفسه. نعم، قال: أو بلد لا يكاد يعرف به تمام، يكون الشيخ ما حدا بيعرف شو نسبه، فأنت ما تقول حدثني الشيخ إبراهيم، إيش بتنسبني إلى بلد؟ حدثني فلان الفلاني إلى بلده ما حدا داري عنها، فبقول: والله ما شاء الله هذا وصل للشيخ إلى ما وراء النهر عدو الشيخ، أنا نفسي يعني.

طيب، قال رحمه الله: وأمثال ذلك، كما تقول حدثنا البخاري وتقصد به من يبخر الناس، تقول حدثنا البخاري وقصدك واحد ببخر الناس بتسميه أنت البخاري توهم الناس أنك والله سامع من البخاري. طيب، قال: أو حدثنا علي بما وراء النهر، وتريد حدثنا علي من وراء النهر. طبعاً كلمة وراء النهر قديماً شو هي؟ ما يعني جهة تركستان وأفغانستان وهذا، أنت إيش قصدك ما وراء النهر؟ سيل الزرقاء! تمام، الناس تفكر أنك إيش رايح ما شاء الله رحلة طويلة في طلب العلم لما وراء النهر، طلع النهر هذا اللي جنب دارك. هذه عبارات أنت تقصد بها تكثير الشيوخ وإيهام الناس بالرحلة وما شابه ذلك. طيب، قال: وتعني به نهراً، أو حدثنا بزبيد وتريد موضعاً بقوص منطقة أخرى يعني. نعم، قال: أو حدثنا بحران وتريد به قرية المرج؛ لأن هذه أسماء مشهورة أنت بتكون شفتها ولا زرتها، بس أحياناً أسماء المدن بتلتقي، يعني بتلاقي مثلاً اسم المدينة في عمان واليمن والأردن نفس الاسم، فأنت من أهل الأردن تعطيني حدثني فلان بزبيد، طبعاً زبيد مشهور أنا في اليمن بس أنت قصدك زبيد اللي جنب دارك، فتوهم الشخص أنك سافرت على اليمن وتعبت وأنت لا سافرت ولا شيء، فهذه كلها من أنواع تدليس الشيوخ.

طيب، قال: فهذا محتمل، بس قال لك إيش؟ هذا محتمل، بس أهم شيء أنه يكون الشخص اللي أنت عم بتلفلف باسمه هو إيش ثقة، وإذا ما عرفناه رح نتوقف. نعم، قال: فهذا محتمل، والورع تركه. قال: والورع شو قال؟ يعني سيبك من القصص خلاص، يعني خلك واضح ومكشوف. نعم، قال: ومن أمثلة التدليس عن أبي هريرة، وجمهورهم على أنه منقطع لم يلقَه، هذا تدليس إسقاط. الحسن البصري يروي عن أبي هريرة ويقول: عن أبي هريرة، وأكثر العلماء يقولون أن الحسن لم يلقَ أبا هريرة، فيكون أوهمك أنه لقي وهو لم يلقه. نعم، قال: وقد روي عن الحسن قال: حدثنا أبو هريرة، فقيل... عنا حدثنا أه شوف وصلت أن الحسن البصري في بعض الأسانيد -هذا شديد التدليس- أن يقول: حدثنا أبو هريرة، مع أنه أنت ما لقيت أبا هريرة، فكيف تقول حدثنا أبو هريرة؟ يقصد حدثنا أبو هريرة، حدثنا أهل بلده، بس هذه كبيرة شوي؛ لأنه يعني مين بده يفهم هذا الفهم أنه لما تقول حدثنا أبو هريرة، أنا أول ما أفهمه إيش هو؟ أنك سمعت منه، فتقول حدثنا أبو هريرة وتقصد حدثنا أهل بلده عن... التدليس فيها عالي جداً جداً.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وقد يؤدي تدليس الأسماء إلى جهالة الراوي الثقة فيرد خبره الصحيح. أحياناً تدليس الأسماء -يعني أنت شيخك معروف أنه ثقة- لما يوم تسميه كنية يوم تعطيه كذا، ترى رح تخلي العلماء يتوقفوا في قبوله، يعني لما تقول اليوم حدثني إبراهيم، اليوم الثاني حدثني أبو عبد الرحمن، طيب الناس مش عارفة من أبو عبد الرحمن شو رح تعمل؟ رح تلغي الحديث، تقول لك مين أبو عبد الرحمن؟ طيب أنت خلاص خليه باسمه ترى الناس بتقبله، كثرة لعبك باسم شيخك خلت كثيراً من أحاديث شيخك المقبولة لا تقبل؛ لأن الناس مش عارفة مين هو أبو عبد الرحمن اللي بتتكلم عنه، وهم لو عرفوا أنه هو نفسه قبلوه، بس أنت لعبت بالاسم وغيرته حتى توهم كثرة الشيوخ، لكنك للأسف سببت إيش جهالة في أبو عبد الرحمن، مش كل الناس بتعرف منين أبو عبد الرحمن.

نعم، قال رحمه الله: فهذه مفسدة. ولكنها في غير جامع البخاري ونحوه، آه، البخاري أحياناً كان ينوع في الأسماء في أسماء شيوخه، مرة بيذكر باسم أبوه، مرة بيذكر كنيته، لكن البخاري ما في مشكلة لو نوع في الأسماء؛ يعني لو نوع في اسم الشيخ مرة ذكره باسمه الشخصي مرة ذكره بكنيته ما في مشكلة. لماذا البخاري ما عنده مشكلة في ذلك؟ اشترط الصحة، أحسنت، أنه اشترط الصحة ومعروف باختبار رجاله أنه لا يروي إلا عن الثقات، فحتى لو ما عرفت مين أبو عبد الرحمن، خلص نحن عارفين البخاري لا يروي إلا عن الثقات أصلاً. نعم، قال: ولكنها في غير جامع البخاري ونحوه الذي تقرر أن موضوعه للصحة، الذين اشترطوا الصحة لا يخاف عليه من تدليس الشيوخ. نعم، قال: فإن الرجل قد قال في جامعه حدثنا عبد الله وأراد به ابن صالح. يعني البخاري مثلاً إيش يقول: حدثنا عبد الله ويسكت عن فلان، طب مين عبد الله؟ ما هو في مئة ألف واحد اسمه عبد الله، لكن هم بعد التنبيش والتنبه عرفوا أنه إذا قال عبد الله أراد به ابن صالح المصري وهذا رجل مقبول عموماً، فما في مشكلة لو حذف ابن صالح، يعني ما قال حدثني عبد الله بن صالح المصري، ولو حكى هيك ريحنا بس هو إيش قال؟ حدثني عبد الله عن شيخه، طب عبد الله شوي موهم مين عبد الله، لكن بالتحري ومعرفة الأسانيد عرفوا أنه يقصد بعبد الله إذا أطلقه ابن صالح، فهذا لا يشكل على البخاري لأن البخاري لا يروي إلا عن الثقات.

نعم، وقال: حدثنا يعقوب وأراد به ابن كاسب، وكذلك كان يقول حدثنا يعقوب ولا يذكر من والده، وكشف اكتشف العلماء بالتتبع أنه يقصد يعقوب بن كاسب. وفيهم والين انتبهوا لحتى ما تقفوا هنا، لا يقصد الذهبي أن عبد الله بن صالح ضعيف وأنه يعقوب بن كاسب ضعيف، لا يقصد أنهما ليس في أعلى درجات الصحة كما قال شراح الموقظة، لأن البخاري هل يروي عن أناس ضعفاء؟ لا، فقول الذهبي أن عبد الله بن صالح ويعقوب بن كاسب فيهما لين، طب البخاري يروي عنهم في صحيحه، طب كيف فيهما اللين؟ هو الضعف، نقول لا يقصد هو الضعف الراد للحديث، يقصد فيهما لين أنهما ليس في أعلى أعلى درجات رجال الصحيح، لكن أحاديثهم مقبولة. نعم مقبولة.

قال رحمه الله تعالى: وبكل حال التدليس مناف للإخلاص لما فيه من التزين. هذه خلاصة الذهبي، على كل حال التدليس مناف للإخلاص، الإنسان الصادق يعني اللي بده كمال الإخلاص ما بده حتى يتزين بإظهار كثرة شيوخ أو بطلب علو الإسناد، خلك واضح أنت بترتاح وبتريح الناس معك. نعم، قال رحمه الله تعالى، الآن انتهى من التدليس. قال: المضطرب والمعلل، حقيقة هو المضطرب، أظن كلمة المعلل كما قال أحد المشايخ هذه مقحمة من قبل المحققين للنسخة، ولا هو تعريف المضطرب، ولكن المضطرب يعتمد على وجود العلة القادحة. نعم، قال: ما روي على أوجه مختلفة فيعتلجان. الحديث المضطرب، ترى شوفوا إخواني، ابن حجر العسقلاني إذا درستم معنا نخبة الفكر السنة الماضية الحديث الشاذ والمنكر والمضطرب، هذه كلها جعلها من أقسام الحديث الأيش؟ الضعيف، فابن حجر في نخبة الفكر تشجيره أفضل من الذهبي في الموقظة، حتى أكون واضح معكم يعني عمل تسلسل أفضل، الذهبي في الموقظة بتحس أنه هدفه أن يذكر المصطلحات بدون ما يبني تشجيراً لها في ذهن طالب العلم، فنخبة الفكر من حيث التشجير أفضل، لكن الذهبي الجميل في الموقظة المناقشات. طيب ما هو الحديث المضطرب؟ الحديث المضطرب هو حديث روي بعدة صيغ ولا يوجد مرجح للصيغة الأقوى، يعني متناً أو سنداً، السند روي بعدة وجوه أو المتن.

روي بأوجه متعارضة ولا يمكن الجمع بينها، وطبعاً لا يعرف ما هو الأرجح، تذكروا أنه مر معنا في أصول الفقه التعارض. أنا الآن عندي حديث صحابي، أو خلينا نقول متنين، أو هو خلينا نقول نفس المتن أحسن؛ نفس المتن بعض الرواة رووه بطريقة، وبعض الرواة رووه بطريقة معارضة تماماً للسياق، ممتاز. طيب، حاولنا نجمع ما فيش مجال للجمع، تعارض كامل، حاولنا نرجح ما عرفنا مين الأرجح، فهنا ماذا سيحكم على المتن؟ مضطرب، أحكم عليه أنه إيش؟ مضطرب.

قال: ما روي من أوجه مختلفة، بس لازم نضيف بعض الشغلات حتى يكون التعريف كاملاً، ولم يمكن الجمع ولا الترجيح؛ لأنه إذا روي من أوجه مختلفة بس يمكن الجمع بينها ما في مشكلة لا يسمى مضطرباً، أو روي من أوجه مختلفة بس في واحد الأوجه صحيح والآخر ضعيف، هذا لا يقال إنه مضطرب، خلص بقبل الصحيح ونرد الضعيف. لكن المشكلة أنه بعض المتون رويت من أوجه مختلفة متقاربة في الصحة ولا يمكن الجمع، فهنا ماذا يقولون؟ هذا متن مضطرب؛ روي من أوجه مختلفة، لا يمكن الجمع بينها، ولم نستطع الترجيح. فالاضطراب يجعل الحديث ضعيفاً، خلاص نقول مضطرب إذاً هو ضعيف، هذا طبعاً إذا كان الاضطراب مؤثراً؛ لأنه في أنواع من الاضطراب لا تؤثر كما سيأتي معنا.

قال رحمه الله: فإن كانت العلة غير مؤثرة بأن يرويه الثبت على وجه ويخالفه واه، فليس بمعلول. إذاً فإذا كانت العلة غير مؤثرة -اللي هو زي ما حكينا- روي بصيغتين، صيغة رواها ثبت والصيغة الأخرى رواها ضعيف، هل هذا مضطرب؟ لا، الضعيف الله يسهل عليه، ونقبل رواية الثبت، فهذا ليس بمعلول؛ يعني ليس بمضطرب.

نعم، قال رحمه الله: وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل، الدارقطني له كتاب كبير اسمه كتاب العلل. نعم، قال: وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب، يعني الدارقطني في كتاب العلل خطأه بعض العلماء، كان يحكم على الأحاديث بالاضطراب مستعجلاً هكذا يقول، لكن عندما نبحث نجد أن هذه الأحاديث التي أنت حكمت عليها أنها مضطربة فيها وجه صحيح وفي المقابل ضعيف، إذاً هو ليس مضطرباً، فكيف حكمت عليه بأنه مضطرب؟ اقبل الصحيح ورد الضعيف، فهذا مما خطأ فيه الذهبي الدارقطني. يقول الدارقطني كثيراً ما يحكم على الحديث بالاضطراب مع أن الحديث لم يرو بأوجه متساوية، بل هناك وجه صحيح ووجه ضعيف، فالأصل أنك تركت الضعيف وأخذت الصحيح، ولم تحكم بالاضطراب.

لان الحكم للثبت، الحكم دائماً للقوي، والضعيف يرد. قال: لأن الحكم للثبت، فإن كان الثبت أرسله مثلاً والواه وصله، فلا عبرة بوصله لأمرين؛ الحديث الرواة الأثبات قالوا حديث مرسل، في المقابل رواه راوٍ ضعيف متصل، هل هذا مضطرب؟ أقول والله اضطرب فيه؛ البعض رواه مرسلاً والبعض رواه متصلاً، لا، هنا في مرجح، إيش هو؟ أنه اللي رواه مرسل قوي واللي رواه متصل راوٍ ضعيف، فيؤخذ بالقوي ويترك الضعيف. نعم، قال: فلا عبرة بوصله لأمرين؛ لضعف راويه، ولأنه معلول بإرسال الثبت له، ما دام الثبت المتقن أرسله خلاص يقدم.

قال رحمه الله: ثم اعلم أن أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم للأثبات، يعني أصلاً أغلب الرواة المجروحين لماذا جرحوا؟ لمخالفتهم في روايتهم للأثبات. نعم، قال: وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أو وقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمعت عليه الثقات؛ فإن الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجح ظهور غلطه. أيضاً من الأمور الخطأ أن بعض الناس يستعجل في الحكم على الحديث بأنه مضطرب مع أنه إيش بيكون؟ يكون الحديث رواه ثقة بصيغة ورواه باقي الثقات بصيغة أخرى، هنا مر معنا قبل قليل، هذا إيش بنسميه؟ الشاذ؛ ما رواه الثقة مخالفة لمن هو أوثق منه، فهنا هل بقول والله الحديث مضطرب؟ لا يا عمي، الله يرضى عليك الحديث مش مضطرب، في ثقة وفي قدامه عشر ثقات، هو خالف العشر ثقات فاترك الثقة وأخذ بكلام العشر ثقات؛ لأنه هذا مرجح. الاضطراب يا شباب لا بد يكون ما في شكل من أشكال الترجيح في سياق وسياق آخر وما في مرجح، هون عننا مرجح، أيضاً فلا تستعجل في الحكم على الحديث بالاضطراب، هذي الفائدة أنه لا يجوز الاستعجال، عليك أن تتأكد عدم وجود المرجح قبل أن تقول الحديث مضطرب لتعارض رواته.

نعم، قال: فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإن الواحد قد يغلط ويكون روايته شاذة. نعم، قال: وهنا قد ترجح ظهور غلطه فلا تعليل والعبرة بالجماعة. نعم، قال: وإن تساوى العدد واختلف الحافظان، طيب نفرض والله هذا الحديث خمس حفاظ متقنين رووه بصيغة، وخمس حفاظ متقنين رووه بصيغة أخرى، خمسة مقابل خمسة، هل نقول اضطراب؟ قال: وإن تساوى العدد؛ خمسة مقابل خمسة، كل هذول الخمسة رووه بصيغة، الخمسة الثانيين رووه بصيغة أخرى واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، قال: فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما، وبإمكان سوقهما لما اختلفا في لفظه إذا أمكن جمع معناه.

الآن إذا خمسة رووا الحديث بصيغة سنداً أو متناً، وخمسة آخرون رووه بصيغة أخرى سنداً أو متناً، وأمكن الجمع بين رواية الطائفتين، هل نقول هذا مضطرب؟ لا، ولذلك البخاري ومسلم من كمال صنعهما أنهم كانوا يذكرون في صحيحيهما أحاديث رواها مجموعة من الثقات بصيغة، وروها مجموعة آخرون بصيغة أخرى، ويرون كلا الطريقين، ليه؟ حتى يخبرك أنه يمكن الجمع، فإياك أن تتوهم أن الحديث ضعيف. ومن هذا قال: ومن هذا إخراج البخاري لحديث الإسراء من رواية شريك من أبي نمر، قالوا أراد البخاري مع أن رواية شريك مخالفة لرواية غيره لكن قالوا أراد أن يخبر البخاري أنه يمكن الجمع بين الروايات فلا تحكم عليها بالاضطراب. إذاً إذا خمسة مقابل خمسة، هؤلاء رووا الحديث بصيغة، وهؤلاء رووه بصيغة أخرى، إذا أمكن الجمع بين الروايات، هل يحكم هذا الحديث بالاضطراب؟ لأنه شو شرط الاضطراب؟ احفظ شرط الاضطراب أمرين: عدم إمكانية الجمع، عدم إمكانية الترجيح. إذا اختل أحدهما الحديث مش مضطرب، لذلك البخاري ومسلم كانوا يروون الحديث بوجهيه في كتابيهما.

من أمثلة اختلاف الحافظين الاختلاف غير المؤثر، هذا الذي يقصده ولا يحكم بسببه بالاضطراب، إذا أحد الحفاظ روى الحديث فذكر ابن شهاب صديقه، لما رواه بدل ابن شهاب براوٍ آخر، بس حتى الراوي الآخر اللي ذكره برضه ثقة، أنا ما عندي مشكلة سواء ابن شهاب ولا مالك، كلاهما ثقة فلا يشكل. لذلك قال: ومن أمثلة اختلاف الحفاظ اختلافاً غير مؤثر، هذا الذي يقصده ولا يحكم بسببه بالاضطراب؛ إذا أحد الحفاظ روى الحديث فذكر ابن شهاب صديقه، لما رواه بدل ابن شهاب براوٍ آخر بس حتى الراوي الآخر اللي ذكره برضه ثقة، أنا ما عندي مشكلة سواء ابن شهاب ولا مالك، يعني سواء كان هو الصح مالك ولا ابن شهاب مش كلاهما ثقة؟ إذا الحديث ثقة فهذا لا يشكل.

نعم، قال: أو يقول أحدهما عن رجل، ويقول الآخر عن فلان فيسمي ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة، أي من صور الاختلاف التي لا تسبب اضطراباً، اثنين صاحبين أحدهما روى الحديث فقال حدثني رجل وما سماه، وأجا صديقه روى هذا الحديث -وإحنا عارفينهم ماخذين على نفس الشيخ- فقال حدثني فلان وذكر اسم شيخه، هنا هل نقول الحديث في اضطراب لأن أحدهما قال حدثني رجل والآخر قال حدثني شيخي وسماه؟ أقول لا، لأنه اللي سمى هو بين مين هو المبهم في رواية صديقه، فاللي قال حدثني رجل من يقصد بالرجل؟ في العادة طبعاً وبعد الفحص هو الشيخ، لكن قال حدثني رجل، طب ليش ما ذكر اسم شيخه؟ ريحنا، بتكون لهم مقاصد بغض النظر، فيقول: إذا قال أحدهما حدثني رجل أو عن رجل وصديقه قال حدثني فلان وسمى هذا الشخص، فالمسمى هو المبهم، فبالتالي خلص عرفنا من هو المسمى وما اسمه وأنه ثقة طبعاً، فبالتالي لا يحكم أيضاً في هذه الحالة بوقوع الاضطراب، لذلك قال: فهذا لا يضر في الصحة.

قال رحمه الله: فأما إذا اختلف جماعة فيه وأتوا به على أقوال عدة فهذا يوهن الحديث، أما إذا اختلف الحفاظ؛ هؤلاء رووا الحديث بطريقة سنداً أو متناً، والحفاظ الآخرون رووا الحديث بطريقة أخرى مختلفة سنداً أو متناً، هنا اكتب إضافة: ولم يمكن الجمع بين هذه الأقوال ولا الترجيح. وابن الذهبي عم يتكلم بسرعة فيحذف بعض القيود لأنه هو فاهمها، بس هو بتصور أنك فاهم عليه، لا بس أنت لازم تكتب هذه القيود حتى تفهم كلامه؛ أما إذا اختلف جماعة في رواية حديث واحد، خمسة مقابل خمسة، فأتوا به على أقوال عدة، يعني رووه بأصيغ مختلفة، لا يمكن الجمع بينها، لازم نكتب هذا، لأنه إذا أمكن الجمع ما في اضطراب، لا يمكن الجمع بينها ولا الترجيح، فهذا هو الذي يوهن الحديث ويجعلنا نقول إن هذا الحديث مضطرب؛ لأنه روي بأوجه مختلفة لم يمكن الجمع بينها ولا ترجيح إحدى الطرق على الأخرى فهو مضطرب، يتوقف حتى يظهر مرجح. نعم، قال: ويدل على أن راويه لم يتقنه.

نعم لو حدث به على ثلاثة أوجه ترجع إلى وجه واحد فهذا ليس بمضطرب، يقول مالك عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، ويقول عقيل عن الزهري عن أبي سلمة، ويرويه ابن عيينة عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة معاً. نعم، فهذا ما في مشكلة، ليه؟ أن مالك يقول عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، عقيل كيف روى عن الزهري عن أبي سلمة، الزهري بيروي عن أبي سلمة بيروي عن سعيد بن المسيب برضه بيروي، فهؤلاء كلهم ثقات فما في إشكال في اختلاف الإسناد، ما بنقول هذا مضطرب؛ لأن زي ما حكينا قبل شوي أبو سلمة ثقة وسعيد ثقة، سواء عن هذا ولا عن هذا ما عندي مشكلة، كذلك مثلاً ابن عيينة يروي الحديث عن الزهري ويجيب الاثنين عن سعيد وأبي سلمة، فهذا كله لا إشكال فيه وليس اضطراباً لأن كل هؤلاء المشايخ ثقات، فلو اضطرب في أسمائهم كله اضطراب عن ثقة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الثاني من المجلس هذا اليوم، اليوم السادس من دورة مدارج العلم، وما زال حديثنا قائماً في رسائل الإمام ابن فارس رحمه الله تعالى عليه، البارحة أخذنا القسم الأول من رسائله وهو المتعلق بماذا؟ بالسيرة الجملية للنبي صلى الله عليه وسلم، واليوم بإذن الله سندخل في القسم الثاني والثالث وهو ما يتعلق بأسمائه صلى الله عليه وسلم ومعاني هذه الأسماء، وما يتعلق بفضل الصلاة والسلام عليه.

قبل أن أشرع في القسم الثاني هناك تنبيه يسير نبهني عليه أحد الإخوة جزاه الله خيراً بالنسبة لمجلس البارحة فيما كان يتعلق بالمغازي وطريقة ابن فارس في ذكر تواريخ الغزوات، نحن كنا نناقش في بعض التواريخ لكن ننبه الإخوة أن هو يوافقنا، لكن هو طريقته في ذكر التاريخ ليست هي المشهورة؛ يعني مثلاً في حجة الوداع، إحنا قلنا حجة الوداع متى هي؟ السنة العاشرة من الهجرة، وكيف يقول: فلما أتت لهجرة تسع سنين وعشر شهراً، فهذا متى يكون؟ برضه في السنة العاشرة، ما هو إذا مر تسع سنوات إذاً نحن دخلنا في السنة العاشرة، فهو بدل ما يقول في السنة العاشرة كانت حجة الوداع، إيش بقول؟ ولما مرت تسع سنوات وعشر شهراً، هي برضه في السنة العاشرة، فهو هذا تعديل صحيح حتى لا يخطئ الرجل فيما ذكره من التواريخ، حتى مثلاً في غزوة تبوك قال: فلما أتت ثمان سنوات وستة أشهر، غزوة تبوك معروفة تاريخياً متى؟ تسعة هجري، طب هو يقول لك: لما أتت ثمان سنوات وستة أشهر هي تسعة هجري، بس متى في التسعة هجري؟ في نصفها في ستة أشهر منها، فباختصار طريقته في سرد التواريخ لأنها غير مألوفة قد يناقش فيها، لكن هو حقيقة صار على ما عليه جمهور المؤرخين، هذا فيما يتعلق بمناقشتنا له البارحة في التواريخ التي ذكرها وموافق لما عليه الجمهور، لكن طريقته أنه يذكر ثمان سنين وكذا مش بذكر السنة مباشرة باختصار، فهذا ممكن يعمل لك إيش؟ كأنك تقرأ بالعكس، فقط لينبه؛ إنصافاً للرجل رحمه الله تعالى عليه.

طيب وصلنا إلى قراءة أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، بسم الله والصلاة والسلام.

على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسا معين.

بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الشيخ الإمام المفسر أبو محمد سعيد بن إسحاق، أطال الله بقاءه، قال: الشيخ الفقيه بن منصور المظفر الحسين بن إبراهيم المسلمي رحمه الله، قال: أخبرنا الشيخ أبو سعد منصور بن إسحاق بن محمد بن البزاز البلخي، قال: الشيخ أبو بكر محمد بن إدريس الجرجرائي الحافظ، قال: أحمد بن فارس رحمه الله -أحمد بن فارس هو صاحبنا- قال: الحمد لله الذي عرفنا حمده، ورغبنا فيما عنده، حمدا لا يبلغ مداه ولا تنفصم عراه، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وزين المرسلين، وشفيع خلق الله يوم الدين، الذي ندب للأمر العظيم فطلع، وبعث إلى الخلق كافة فصدع حتى أقام قناة الدين بعد عجاج. وفتح أبواب الهدى بعد ارتتاج، وارتتاج أي بعد أن كانت مغلقة. فعليه وعلى آله صلوات الله ورحمته وبركاته.

ثم إن أحق النعم بالتعظيم وبالتبجيل نعمة ظهر في الدين والدنيا أثرها، وإن من أعظم ما من الله جل ثناؤه به علينا أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلينا، ليخرجنا من الظلمات إلى النور، وجعلنا من أمته التي هي خير أمة أخرجت للناس. وإن أحق الأشياء بالإذاعة بعد ذكر الله جل ثناؤه ذكر محمد صلى الله عليه واله وسلم؛ فأحق ما ينبغي أن يذكر بعد الله أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم. وأولى الأسماء بأن تتدبر في معانيها بعد أسماء الله أسماء نبيه صلى الله عليه وسلم، إذ كان لكل اسم من أسمائه معنى، وفي عرفان كل معنى فيها فائدة مجددة، فيحسن بالمسلم المحب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عارفا بمعاني أسمائه.

قال: وإني تتبعت أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعت منها ما وجدته في كتاب الله جل ثناؤه، وما جاء به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكر أنه في الكتاب المتقدم، وبينت ما اتجه لي من معانيها على قياس كلام العرب. وأبلغ ما أردته من ذلك التبرك بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب الثواب بتدوين أسمائه، ورجوت لكل من نظر في هذا الكتاب وتحرى فيه ما تحريت مثل ما أملته لنفسي، فنرجو أن ننال بركة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وتعلم معاني أسمائه. والى الله التوفيق أرغب، وعليه أتوكل.

قال: فأول أسمائه وأشهرها محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله جل ثناؤه: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: 29]، وقال: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: 2]. وذكر اسمه في القرآن خمس مرات. وهو اسم مأخوذ من الحمد، يقال: حمدت الرجل فأنا أحمده إذا أثنيت عليه بجلائل خصاله، ووجدته محمودا، ويقال رجل محمود، فإذا بلغ النهاية في ذلك وتكاملت فيه المحاسن والمناقب فهو محمد. فمحمد اسم مفعول من الفعل الثلاثي حمد يحمد، فهو محمد، أي كثير الخصال التي يحمد عليها.

قال الأعشى يمدح بعض الملوك: إليك أبيت اللعن كان كلاله.. إلى الماجد الفرع الجواد المحمدي أراد الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، وهذا البناء يدل على الكثرة وبلوغ النهاية. فتقول في المدح محمد، وفي الذم مذمم، فتقول الذي بلغ النهاية في الذم مذمم، والذي بلغ النهاية في المدح محمد. وكذلك بناء اسم محمد صلى الله عليه وسلم دليل على كثرة المحامد وبلوغ النهاية في الحمد. ومما يدل على ذلك قول العرب حمادا لك أن تفعل ذلك، أي غايتك وفعلك المحمود منك غير المذموم. فسمي محمدا لذلك صلى الله عليه وسلم.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم أحمد. قال الله تعالى في قصة عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]. وهو أيضا اسم مشتق من الحمد، كما تقول أحمر من الحمرة، وأصفر من الصفرة، فكأنه أبلغ؛ فذهب ابن فارس والصفدي ومجموعة من اللغويين إلى أن اسم أحمد أبلغ من اسم محمد، قالوا: لأنه مشتق من الفعل اللازم، والافعال اللازمة هي أفعال السجايا والطبائع، فهي دلالة على أن الحمد مستحق له بشكل لازم لا ينفك عنه.

وعلى هذا التأويل، وكلاهما متقارب في اللفظ والمعنى. قال الكميت: إلى السراج المنير أحمد.. لا تعدلي رغبة ولا رهب ويقال إن اسمه في التوراة أحمد. لكن ابن القيم يقول لا، اسمه في التوراة محمد. قال حدثنا سعيد بن محمد بن نضر، حدثنا بكر بن سهر الدمياطي، قال حدثنا عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: اسمه في التوراة أحمد، الضحوك القتال، يركب البعير، ويلبس الشملة، ويجتزئ بكسرة خبز، سيفه على عاتقه. وسيفه على عاتقه دلالة على أنه من جهاد إلى جهاد، لا ينزل سيفه عن عاتقه.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الماحي. قال حدثنا علي بن إبراهيم القطان، حدثنا أبو علي بشر بن موسى الأسدي، قال حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي لا نبي بعده».

فقد ذكر صلى الله عليه وسلم أن الماحي الذي يمحى به الكفر، ذلك أنه بعث صلى الله عليه وسلم والدنيا مظلمة قد شملتها غيابة الكفر ولبستها هباءة الضلالة، فأتى صلى الله عليه وسلم بالنور الساطع والضياء اللامع حتى محى الكفر ومحق. واشتقاقه من قولك محوت الخط محوا، قال الله جل ثناؤه: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: 12]. والعرب تقول للربع الدارس محته.

يتغنون به من الشعراء، يتغنون بماذا؟ بالربع الذي يكون فيه الأحبة ويغادرون، أليسوا يقفون على الأطلال كما فعل زهير من أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج؟ فهنا أيها الكرام العرب دائما تقف على الأماكن الدارسة وتبكي عليها، فتقول: عفت الديار، أي ذهبت آثارها، إن محت الديار أي ذهبت معالمها وآثارها.

قال رحمه الله: والعرب تقول للربع الدارس محته الريح والمطر، قال الشيخ: محته الريح والمطر، ويريد أن يعطيك كلمة محى كيف استعمالاتها في اللغة العربية، قال الشاعر: محته الريح بعدك والسماء، والمراد بالسماء هنا المطر، قال رحمه الله: هذا محته الريح بعدك والسماء، يعني المطر.

قال رحمه الله: ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الحاشر، الاسم الرابع الحاشر، نعم. قال: وتفسيره في الحديث الذي ذكرناه قبل وهو قوله: «أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي»، يعني يحشر الناس بعدي، معناه أنه يقدمهم وهم خلفه. يحشر الناس بعد بعثته؛ لأنه أول من تنشق عنه أو أول من ينشق عنه القبر صلى الله عليه وسلم، فكل الناس ينشق القبر بعده، فهذا معنى يحشر الناس على قدمي، أي يحشر الناس بعدي؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض ثم بعده تنشق القبور عن الناس.

قال رحمه الله: لأنه أول من ينشق عنه القبر ثم تجيء بنو آدم فيتبعونه، قال: والحشر في كلام العرب الجمع، نعم، قال والحشر في كلام العرب الجمع، والمحشر هو المجمع الذي يحشرون إليه، أي مكان يحشر إليه الناس يسمى محشرا، وذلك إذا حشروا إلى معسكر ونحوه، أي معسكر أو مثلا هنا محشر لأنني جمعتكم هنا وهكذا.

قال: وقيل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 23] أنه أراد الموت، واشتقاق ذلك في كلام العرب في قولهم إذا أصابت الناس السنة وأجحفت بالمال وأهلكت ذوات الأربع، السنة هي القحط، إذا أصاب الناس سنة يعني قحط وأجحفت هذه السنة بالمال، قال: وأهلكت ذوات الأربع، يقال أهلكت ذوات الأربع يعني الدواب التي تمشي على أربعة دواب؛ الأحصنة والجمال، قال: يقال حشرته السنة، لماذا؟ تقول والله هذه البلدة حشرتها المجاعة، يعني جعلت الناس يقترب بعضهم من بعض، وذلك أنهم تضمهم من النواحي، لأنها تضم الناس من النواحي؛ الناس لما يكونوا في أزمة بيجتمعوا، بس لما يكونوا في رخاء يفترقوا.

قال رؤبة، وهو كله تأكيد على أن كلمة الحشر بمعنى الجمع على مختلف تنوعاتها: وما نجا من حشرها المحشوش، ولا طمش من الطمش الناس، يقول: وما نجا من حشرها المحشوش لا وحش ولا أناس من الأناس. قال جل ثناؤه: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 19]، أي خلق مجموعة، وخلق الطير مجموعة لأيوب.

وكل شيء تضام فهو حشر، يقول: وكل شيء ضم بعضه إلى بعض فهو حشر، لذلك لماذا الناس يوم القيامة نقول ذهبوا إلى الحشر؟ لأن الملائكة تضمهم بعضا إلى بعض حتى تجمعهم في أرض المحشر، أرض الشام والنار التي تخرج في آخر الزمان تجمع الناس إلى محشرهم؛ أرض الشام هي التي تجتمع فيها كل البشر للحشر. يقول لها أذن حشرة مشرفة كعلي ت مرخ إذا ما صفر، وقال رؤبة: لها أذن حشر وذف أثيلة وخد راق الغريبة أجدع. قال رحمه الله تعالى: يعني أذن مجموعة، الأذن الحشرة هي الأذن التي قد ضم بعضها إلى بعض.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم العاقب، هذا الاسم الخامس، العاقب. ما معنى اسمه العاقب؟ قال حدثنا علي بن إبراهيم القطان، حدثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد، قال قال يزيد بن هارون: سألت سفيان عن العاقب فقال: آخر الأنبياء. نعم، معنى العاقب أنه آخر الأنبياء لأنه يأتي عقبهم أي بعدهم.

قال أبو عبيد: وكذلك كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب، وكل شيء جاء بعد شيء يسمى عاقبا، فما معنى عاقبتك في المكان؟ جئت بعدك فيه فأنا عاقبك فيه، فهو عاقب، وقد عاقب يعقوب، قال الأصمعي: يقال فرس ذو عقب إذا كان يجري بعد جريه الأول، يعني إذا كان يجري جرية أولى ثم يتبعها بجرية أخرى فيقال هذا فرس ذو عقب. قال أبو داوود: أسيل سبط العذرة ذي عقب وذي عقف، وكل شيء جاء بعد شيء فقد عاقب ذلك الشيء، ولذلك سميت العقوبة عقوبة لأنها تكون بعد الذنب، والعقوبة لماذا سميت عقوبة لنفس الأصل؟ لأنها تأتي بعد الذنب.

قال رحمه الله: وتعاقب الرجلان الناقة إذا ركباها كل واحد منهما بعد صاحبه، فهو يعقبه على الناقة. قال الشاعر: أنخه فأردفه، فإن حملتكما فذاك، وإن كان العقاب فعاقبه. أنا أخي الجمل إذا حملكم الاثنين معا اطلعوا، ما حملكم فتعاقب؛ أنت اركب شوي وهو يركب شوي. قال رحمه الله: أي إذا رأيت راجلا وأنت راكب فأردفه، فإن لم تحملكما فتعاقب، فسمي عليه، إذا رأيت رجلا راجلا وأنت راكب احمل صديقك معك، فإن لم تحملكما الدابة فتعاقب ليعقب كل منكم صاحبه.

قال رحمه الله: فسمي عليه السلام عاقب لأنه آخر الأنبياء ولا نبي بعده، إذا لهذا سمي عاقب لأنه ماذا؟ آخر الأنبياء أي جاء عاقبهم.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم المقفي، الاسم السادس المقفي، وقد جاء هذا الاسم في الحديث، ومعنى المقفي والعاقب واحد لأنه يتبع، المقفي بمعنى العاقب آخر الأنبياء، قال لأنه يتبع الأنبياء صلوات الله عليهم، وكل شيء تبع شيئا فقد قفاه، كل شيء جاء بعد شيء فقد قفاه، يقال هو يقفو أثر فلان أي يتبعه، قال الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا﴾ [الحديد: 27]، قفينا يعني اتبعنا، قال ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم، وقافية البيت تسمى كذلك منه أخذت قافية البيت لأنها تكون آخر البيت، لأنها كلمة تتبع سائر الكلمات.

قال فإما قوله صلى الله عليه وسلم: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد»، فإنه أراد بالقافية القفا، وإنما سمي لأنه خلف الوجه، هذا هو القفا، هي المنطقة الخلفية هنا لأنها أيضا خلف الوجه.

وقال قوم إنما هو المقفى، بفتح الفاء، يكون مأخوذا من القفي، في هذه الحالة سيكون مأخوذا من القفي، ما هو القفي الكريم؟ فالمقفى هو ماذا؟ قال نعم، قال والقفيز والقفا هو البر واللطف. قال سلامة بن جندل يصف الفرس: ليس بأسف ولا أقنى ولا سغل، يسقى دواء قفي للسكن مربوب. قفي السكن هو ضيف المنزل، من هو القفي؟ هو ضيف المنزل، وسمي قفي السكن لأنه يكرم، والقفي هو المكرم، فلذلك ماذا سيكون معنى اسم المقفى؟ المكرم، لأن الناس تكرمه. قال لكن هو يرجح الوجه الأول، فقال: والوجه الأول أحسن، أن اسمه المقفي وليس المقفى، فكأنه سمي المقفى أي المكرم، لأن الناس تكرمه صلى الله عليه وسلم، قال والوجه الأول أحسن وأوضح والأشبه بالرواية، والرواية جاءت به فعليا.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الشاهد، هو اسم والبعض يجعله صفة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: 45]، هذا دليله شاهدا ومبشرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، قال تعالى شهداء لأنه يشهد يوم القيامة للأنبياء صلوات الله عليهم بالتبليغ، وعلى الأمم بتبليغ الأنبياء إليهم الرسالات، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] أي شاهدا.

قال رحمه الله: الشهيد بمعنى الشاهد، وأمته أيضا تشهد للأنبياء وعلى الأمم، كذلك قال الله جل ثناؤه للأنبياء أنهم أدوا الرسالة، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]، فسمي صلى الله عليه وسلم شاهدا لذلك، والشاهد مشتق من المشاهدة، سمي شاهدا ليه؟ كما قال لأنه يشهد يوم القيامة للأنبياء بالتبليغ، قال رحمه الله: والشاهد مشتق من المشاهدة كأنه الناظر والمخبر بما رأى، ويقال للسان الشاهد لأنه يعبر ويشهد. قال الأعشى: فلا تحسبني كافرا لك نعمة على شاهدي، يا شاهد الله فاشهدي. شاهد الله هنا قصد به الملك، وشاهد الأول اللسان وشاهد الله الملك، قال رحمه الله: أراد بشاهد الله الملك وبشاهد نفسه لسانه.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية المبشر والنذير والداعي إلى الله والسراج المنير، قال فإما المبشر فمن البشارة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يبشر أهل الإيمان بالجنة والرضوان، وهو النذير لأهل النار بالخزي والبوار، وأما الداعي فلدعائه إلى الله جل ثناؤه وتمجيده، قال وأما السراج المنير فلإضاءته الدنيا بنوره ومحو الكفر وظلامه بضياء وجهه، كما قال عمه العباس رضي الله عنه: وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق، فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد نخترق.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الرحمة، قال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إنما أنا لكم رحمة مهداة»، والرحمة في كلام العرب العطف والإشفاق؛ لأنه كان بالمؤمنين رحيما كما وصفه الله جل ثناؤه فقال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، فكان من الرأفة والرحمة بالمكان الذي لا يخفى، كما قال عمه أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل، ثمال اليتامى أي ملجأ لليتامى، عصمة للأرامل أي يحمي الأرامل وهي النساء التي ليس لها زوج.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم نبي الملحمة، جاء هذا الاسم في الحديث والملحمة الحرب والقتل، يقال لحم فلان إذا قتل، واللحيم القتيل، قال الهذلي: فقال تركنا القوم قد حصروا به، فلا ريب أن قد كان ثم لحيم. لحيم يعني قتيل لأنهم حاصروهم. وإنما سمي نبي الملحمة لأنه كان مبعوثا بالذبح، وروي أنه صلى الله عليه وسلم صلى يوما فلما سجد جاءه بعض الكفار بسلى ناقة، سلى ناقة يعني فضلاتها وما في بطنها، فألقوه عليه، فلما نهض وفرغ من سجدته قال لهم: يا معشر قريش أي جوار هذا؟ والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح. فقام إليه أبو جهل فلاذ به من بينهم وقال: يا محمد ما كنت جهولا، والله إنك لصادق يا محمد صلى الله عليه وسلم. فلذلك سمي النبي صلى الله عليه وسلم نبي الملحمة، الملحمة إذا هو الجهاد والقتال وقد أرسل به صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله تعالى: ومن أسمائه الضحوك، وقد ذكرنا إسناد هذا الحديث فيما قبل، وإنما قيل له الضحوك لأنه كان طيب النفس فكها، وكذا جاء في الحديث أنه كان يمزح الناس ولكن لا يقول إلا حقا إذا داعبهم. وكذا جاء في الحديث أنه كان فيه دعابة، وقال صلى الله عليه وسلم: «إني أمزح ولا أقول إلا حقا». ومازح عجوزا فقال: «إن الجنة لا يدخلها العجوز»، فبكت، فقال عليه السلام: «إنما يعيدها الله أبكارا عربا أترابا»، ومثل ذلك منه كثير، أن يمزح معها أن الجنة لن تدخلها العجوز فهي بكت فقال إنه لن تدخلي على هذه الصورة لكن سوف تدخلين وأنت بكر.

ومثل ذلك منه كثير، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحدث إلا ضحك حتى يبدو ناجذه، وقد ذكر، وإن كان أكثر ضحكه التبسم، وقد ذكر الله جل ثناؤه لينه ورقته فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، وكذلك كانت صفته صلى الله عليه وسلم على كثرة من ينتابه ويفد عليه من جفاء الأعراب، ينتابه يعني يأتيه، وأجلاف أهل البوادي، لا يراه أحد ذا ضجر ولا ذا قلق وجفاء، لكن لطيفا في المنطق رفيقا في المعاملات لينا عند الجواب، كان وجهه إذا عبست الوجوه كدرة القمر عند امتلاء نوره، فصلى الله على روحه في الأرواح وجسده في الأجساد، اللهم صل وسلم.

ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم القتال سيفه على عاتقه، وقد ذكرنا إسناد ذلك.

ذلك في الحديث الذي ذكره في أهل الكتاب، في الصفحة الأولى لما تكلم عن اسم أحمد ومن أسمائه في التوراة أحمد الضحوك القتال، لكن الحديث ضعيف حقيقة، هذا الاسم يحتاج إلى دليل أقوى. نعم قال رحمه الله: وسمي بذلك لحرصه على القتال ومصارعته على القراع وقلة إحجامه. وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: كنا إذا احمر البأس، والبأس يعني اشتدت المعركة، قال: اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه. ودليل كونه في مقدمة الصفوف صلى الله عليه وسلم قال: والدليل على ذلك ثباته حين انحاز القوم، وذلك مشهور من فعله يوم حنين، يعني عندما هرب بعض الصحابة في غزوة أحد وفي غزوة حنين كان ثابت الجأش صلى الله عليه وسلم.

قال: إذ ذهب الناس في سمع الأرض وبصرها، ويوم في سمع الأرض وبصرها يعني ذهبوا لا يعرفون أين يذهبون، يقال: فلان ذهب في سمع الأرض وبصرها إذا ذهب هو لا يعرف أين يفر. نعم قال: ويوم حنين إذ ولوا مدبرين وهو قائم تجاه العدو، يوم حنين ثبت صلى الله عليه وسلم مع أن كثيرًا من الصحابة فروا. قال: وفي غير ذلك من أيامه حتى أقتل بإذن الله صناديد وقتل طواغيت وأذل نخوتهم ودوخ وأصلم جماهيرهم، فلذلك سمي أصلم، يعني استأصل، أصلم الشيء يعني استأصله. نعم قال رحمه الله: ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم المتوكل. قال: روى الوليد بن كثير عن ابن حلحل أن طلحة بن عبيد الله بن كريز حدثه أنه سمع أم سلمة رضي الله عنها تقول: إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الكتب اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، والمتوكل الذي يكل أموره إلى الله جل ثناؤه، فإذا أمره الله بالشيء نهض غير هيوب ولا ضرع.

قال: والتوكل اشتقاقه من قولنا: رجل وكل أي ضعيف، فبما أننا نحن البشر ضعفاء نكل أمورنا إلى الله سبحانه، وأكثر الناس توكلًا هم الأنبياء، وأكثرهم صلى الله عليه وسلم. نعم قال: فكان صلى الله عليه وسلم إذا دهمه الأمر أو نزلت به الملمة راجعًا إلى ربه متوكلًا عليه، غير متكل على حول نفسه. وكان صلى الله عليه وسلم مع ذلك صابرًا على الضنك والشدة، غير مستريح إلى الدنيا ولذتها، ولا تراه يسحب إليها ذيلًا، وهو القائل: «مالي وللدنيا؟ إنما مثلي والدنيا كراكب أدركه المقيل في أصل شجرة، فقال في ظلها ساعة ثم مضى». وإذا أصبح قال: «إذا أصبحت آمنًا في سربك، معافى في بدنك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء». وقال لبعض نسائه: «ألم أنهك أن تحبسي شيئًا لغد، فإن الله جل ثناؤه يأتي برزق غد؟». وهذا كله يدل على توكله صلى الله عليه وسلم وعدم اكتراثه بأمر الدنيا، قال رحمه الله: وهذا قليل من كثير مما روي عنه في هذا المعنى.

قال: ومن أسمائه عليه السلام القثم. قال: يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتاني ملك فقال: أنت قثم، وخلقك قيم، ونفسك مطمئنة». هذا حقيقة لم يثبت هذا، لم يثبت حديث. نعم وتسميته بقثم تحتاج إلى دليل. نعم قال: فالقثم من معنيين، أحدهما من القسم وهو الإعطاء، يقال: قسم له يقسم إذا أعطاه، وسمي القثم لأنه كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح الهادية، فإذا صح أن اسمه قثم فيكون لكثرة إعطائه وجوده صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: يعطي ولا يبخل، ويمنح نواله ولا يمنع. وقال الأعرابي الذي أتاه فسأله فأعطاه: إن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. وروي أنه أعطى يوم هوازن قومًا 500 ألف، يعني وزع على المؤلفة قلوبهم 500 ألف، نعم لكن هذا أظن الرقم مبالغ فيه تاريخيًا. قال رحمه الله غير ذلك مما لا يخفى.

قال: والوجه الآخر أنه من القثم، وهو الجمل، يقال للرجل الجموع للخير قثم وقثم، فيكون سمي بقثم لأنه جمع خصال الخير صلى الله عليه وسلم. نعم قال: كذا خبرنا به عن الخليل بن أحمد، الرجل القثم من هو الذي يجمع الخصال الحميدة. نعم قال رحمه الله: والعرب تقول هو قثم في الأكل، للكسول أكل واقتسام، فإن كان الاسم من هذا فلأنه لم تبق منقبة رفيعة ولا فضيلة ولا خلة جليلة إلا كان هو لها جامعًا، والأول أوضح وأقرب. قال رحمه الله: ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الفاتح عليه الصلاة والسلام. قال: وإنما سمي الفاتح لفتحه من الإيمان أبوابًا منسدة، يعني مغلقة، كان فتح الأبواب المغلقة من أبواب الإيمان بعد أن كانت الجاهلية في جزيرة العرب. نعم قال: وإنارته ظلمًا مسودة.

قال: والفتح الحكم، والله جل ثناؤه الفتاح أي الحاكم، قال الله جل ثناؤه في قصة من قال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 89]، أي يحكم، فسمي صلى الله عليه وسلم فاتحًا لأن الله جل ثناؤه جعله الحكم في خلقه، يحكم بين الناس: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]. نعم قال: يحملهم على المحجة البيضاء ويمنعهم من العداء. وقال: ويحتمل أن يكون الفاتح من فتحه ما استغلق من العلم، وكذا يروى عن علي رضوان الله عليه أنه كان يقول في صفته: الفاتح لما استغلق، والوجهان كلها صحيحة.

قال: ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الأمين، وهو اسم مأخوذ من الأمانة وأدائها وصدق الوعد، وكانت العرب تسميه قبل أن يبعث الأمين لما عاينوا من أمانته وحفظه لها. قال: وكل من أمن منه الخلف والكذب فهو أمين، وكل راع للأمانة فهو أمين، قال الله جل ثناؤه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 21]، أراد به جبريل عليه السلام وأنه مؤتمن على الوحي، فهذا معنى الأمين. قال رحمه الله تعالى: ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الخاتم، قال جل ثناؤه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]. وهو من قولك: ختمت الشيء إذا أتممت وبلغت آخره، وهذا خاتمة الشيء وختامه، وختم القرآن من ذلك. قال الله جل ثناؤه في صفة شراب أهل الجنة: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 25-26]. قال رحمه الله تعالى: خاتم الأنبياء لأنه أتم الأنبياء يعني بهم تموا، وخاتم الشيء هو الذي يكون به تمام الشيء.

نعم قال رحمه الله: أخبرنا الشيخ الإمام العالم الحافظ تقي سنده إلى أحمد بن فارس، قال رحمه الله: هذا كتاب فيه ذكر الصلاة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وما ثواب ذلك، وكيف الصلاة عليه، وما على من نسي الصلاة عليه من وزر، والكلام في أن صلاة المصلي تبلغه عليه الصلاة والسلام. نعم قال رحمه الله: فأول ذلك قول الله عز وجل حين أمرنا بالصلاة على النبي بحكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. فذكر أهل العلم أن الصلاة من الله جل ثناؤه رحمة، والبعض يقول هي الثناء على عبده، هناك قولان. نعم قال: ومن الملائكة استغفار، والصلاة من الملائكة هي الاستغفار للمؤمنين. قال: ومن المؤمنين الدعاء، والصلاة من المؤمنين ماذا تعني؟ الدعاء. نعم قال: ويقال من العباد طاعة، وقيل إن الصلاة من العبد هي الطاعة.

نعم قال: فإن قال قائل فما وجه قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وقد قال للمسلمين عامة: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: 43]؟ يعني إذا كان الله يصلي علينا هو وملائكته فما الفرق بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم؟ الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وقال في سورة الأحزاب: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾. هل صلاة الله علينا كصلاة على نبيه؟ هذا هو السؤال. قال: قيل له إن بين الآيتين فرقًا، وذلك أن صلاته على خلقه عطف ورحمة وهداية، هو الذي يرحمكم ويهديكم، ألا تسمع قول الله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 43]، فكان هذا شرع لصلاته علينا.

قال رحمه الله: فأما صلاته على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله فصلاة رحمة وهداية ورضا وإعظام. الا أن الفرق أن صلاته على نبيه فيها زيادة علينا أنها فيها رضا وإعظام منه. نعم قال رحمه الله: إلا أنه أمر خلقه بالصلاة عليه كما أمرهم بسائر ما افترض من العبادات، فالصلاة عليه فرض، وكذا التسليم لقوله جل ثناؤه: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فكلاهما فرض.

نعم قال رحمه الله: وإن النبي صلى الله عليه وسلم توعد من ترك الصلاة عليه، والدليل على الفرضية أنه توعد من ترك الصلاة عليه، فقال: قال حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد عن عمر بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة عليّ خطئ طريق الجنة». هذا حديث خرجه ابن ماجه وفيه ضعف حقيقة، معنى خطئ يعني ضل عن طريق الجنة، فكان طريق الجنة بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم.

قال: وحدثنا سليمان بن أحمد عن أبي زرعة الدمشقي، حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي، حدثنا سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية قال: سمعت عبد الله بن علي بن الحسين يحدث عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ». هذا يدل على ذم من لم يصلِّ عليه صلى الله عليه وسلم. قال: وروى أبو ذر الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأبخل الناس؟» قالوا: بلى، قال: «من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ، فذاك أبخل الناس».

قال: معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله: وأما الصلاة فإن أهل اللغة يقولون أصل الصلاة الدعاء، والبعض يقول أصل الصلاة العطف، والدعاء من معانيها الشرعية. نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليصلِّ». ما معنى وإن كان صائمًا فليصلِّ؟ يعني فليدعُ لصاحب الطعام بالخير، ليس أنك تذهب وتصلي بجنبه طبعًا، أي ليدعُ لهم بالبركة والخير. قال الأعشى: وقابلها الريح في دنها، وصلى على دنها وارتسم، هذا بياع الخمر الأعشى وهو جاهلي يقول: بائع الخمر وضع الخمر في دنها مقابل الريح وصلى على دنها يعني دعا على دنها. وقال أيضًا: تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا، يا رب جنب أبي الأوصاب والوجع، عليك مثل الذي صليت، قالت: عليك مثل الذي صليت، يعني مثل الذي دعوت لي، لأني دعوت لوالدها فقال: لك مثل ما دعوت لي يا بنيتي.

قال: وأما قول الأعشى: وصلي على حين العشيات والضحى، ولا تعبدي الشيطان والله فاعبدي، قال: فإنه أراد الصلاة الشرعية لأنه علم بالصلاة التي كان المسلمون يصلونها. الأعشى أدرك زمن النبي عليه الصلاة والسلام وحاول أن يسلم، ولكن سنعرف ماذا يقول ابن فارس، ابن فارس له رأي غريب في الأعشى. قال: المهم الأعشى كان يعرف الصلاة التي على المسلمين وإن كان كافرًا. نعم قال: فإنه أراد الصلاة الشرعية لأنه علم بالصلاة التي كان المسلمون يصلونها وإن لم يكن يفعلها لأنه كان كافرًا، لكن شوف شو قال، قال: وقد كان الأشات أهل مكة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ممتدحًا.

كان الأعشى مجهزاً قصيدة يريد أن يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه أخطأ في حياته؛ إذ ذهب أول شيء إلى مكة قبل أن يذهب إلى المدينة حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم. فلقيه أبو سفيان، نعم، ولقيه أبو جهل، فقال له: «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمد.. وبتَّ كما بات السليم مُسهَّد»، وهي قصيدة كاملة كان قد أنشأها لينشدها للنبي صلى الله عليه وسلم.

فجاء أبو جهل وأولئك الملا من قريش، فصدوه وأعطوه قلائص، صَدّوه عن الإسلام. قالوا له: خذ هذه النوق، اشرب وكل وسيبك من الإسلام، وماذا تريد أن تسلم؟ وقيل، والبعض قال: إن أبا جهل قال له إن محمداً صلى الله عليه وسلم يحرم الخمر وأنت تحب الخمر فدعك من الإسلام، فاقتنع وضل مروحاً.

قال: انظروا الحزين ما الذي صار معه، خُصت القصة بأنه أعطوه قلائص ملوها له بُرّاً وتَمراً، أعطوه قلائص أي إبلاً ونوقاً ملوها له براً وتمراً. قال: لكن أهم شيء ألا تسلم، كانوا خائفين من أن يسلم الأعشى لأن الأعشى صنّاجة العرب وشاعر ضخم، فإذا أسلم سينصر الإسلام بشعره، فلذلك أبو جهل كان خائفاً من أن يسلم الأعشى. قال: فانصرف فركب إحدى قلائصه، فلما بلغ قاعَ "وقصت" به راحلته فمات؛ بس أخذ الراحلة وروح، وفي الطريق وقع عن راحلته فمات، لم يتهنَّ بناقته، سبحان الله، بينه وبين الإسلام شعرة! قالوا: سقط في طريق ترويحه عن راحلته فمات، لكن انظر ماذا سيقول ابن فارس.

قال: فأنزل الله تعالى فيه وفي صد أبي جهل إياه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55]. يرد الكافر -وهو أبو جهل- كان ظهيراً، أي يعاون ضد ربه، لأن أبا جهل كان يعاون الناس على عدم الإسلام، يريد أبا جهل ومن كان في مثل حاله، شيخ من يصد الناس عن الإسلام.

قال الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس رحمه الله: "وإني لأرجو للأعشى ما يُرجى للمسلم". غريب هذا الكلام! ايش يقول ابن فارس؟ أرجو للأعشى أن يكون الله كتب له أجر المسلمين. كيف وذلك؟ انظر ما دليل ابن فارس على إسلامية الأعشى، شو يقول؟ قال: وذلك أنه كان قال في كلمته هذه، في قصيدته السابقة التي لم يلحق أن ينشدها أصلاً: "أجدك لم تسمع وصاة محمد.. نبي الإله حيث أوصى وأشهدا".

فأي شيء يقول لك؟ اعترف الأعشى في قصيدته التي لم يسمعها أمام النبي عليه الصلاة والسلام، اعترف للنبي بالنبوة. قالوا: فهذا دليل على أنه أسلم، لكن هذا لا يُقبل؛ وفي النهاية رفض الإسلام من أجل نوق وأكل وطعام وشراب وخمر. فمجرد قوله هذا الكلام في قصيدة لا يدل على إسلامه، فهذا رأي غريب من ابن فارس في إسلامية الأعشى.

قال رحمه الله: فقد تضمن بيته هذا الإيمان بالله وبأن محمداً صلى الله عليه وسلم نبيه، فلذلك رجوت له ما رجوت لأنه ذكر أنه نبي الهدى، فأقر بأنه يدعو إلى الهدى، إنه يرجو له الجنة. يا سيدي، الذي يظهر لنا أن الرجل لم يسلم.

قال رحمه الله: روى عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». هذه الصيغة ليست فقط في الصلاة إخواني، بل حتى خارج الصلاة تقال.

قال: حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا عاصم بن علي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود، عن عبد الله -ابن مسعود- أنه قال: إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرض عليه. قالوا: فعلمنا. قال: قولوا: "اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاماً محموداً يغبطه الأولون والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". هذا الأثر في ثبوت ابن مسعود ندر حديث عند ابن ماجه.

قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي الصواف، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبو بكر بن أبي شيبة -سيذكر ثواب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم- قال: حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد القطواني، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله بن كيسان، عن عبد الله بن شداد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة».

وروى أبو طلحة الأنصاري قال: هذا أول دليل على فضل الصلاة عليه، أولى الناس وأحق الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أكثرهم صلاة عليه في الدنيا. قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتهلل وجهه مستبشراً، فقلت: يا رسول الله، إنك لعلى حال ما رأيتك على مثلها! وقال: «وما يمنعني من ذلك وقد أتاني جبريل عليه السلام آنفاً فقال: بشر أمتك أنه من صلى عليك صلاة، كتب الله عز وجل له عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات، ورد الله عز وجل مثل قوله، وعُرضت عليّ يوم القيامة».

وروى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليّ صلاة، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام يصلي عليّ، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر».

قال رحمه الله: روى طفيل بن أبي بن كعب الأنصاري عن أبيه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله إن جعلت دعائي كله صلاة عليك؟ قال: «إذاً يكفيك الله ما أهمك». إذا لم أدعُ لنفسي وجعلت كل دعائي صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وثناء عليه، فقال: «إذاً يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك». هذا كله فضل الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذلك لكل مهموم، لكل مغموم، لكل مبتلى، تُفرج الكربات بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم. لو لم تذكر كربتك وجلست فقط تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، يقضي الله حوائجك من مرض أو هم أو دين أو ما شابه ذلك.

قال رحمه الله: وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى عليّ حين يُصبح عشراً، وحين يُمسي عشراً، أدركته شفاعتي يوم القيامة». وهذا أقل القليل، حقيقة أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عشرة في الصباح وعشرة في المساء، هذا أقل القليل.

قال رحمه الله: حدثنا علي بن أبي خالد بقزوين، حدثنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكة سياحين» -سياحين يعني يسيرون في الأرض- «يبلغوني عن أمتي السلام». أنت تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتسلم عليه، فهنا الملائكة تبلغه في قبره. وقال صلى الله عليه وسلم: «صلوا عليّ، فإن صلاتكم وتسليمكم يبلغني حيثما كنتم».

وروى أوس بن أوس الثقفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليّ فيه من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة عليّ، فإن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم».

قال أبو الحسين أحمد بن فارس رحمه الله: ولا حديث في هذا كثيراً، لكني أختم كتابي هذا بحديث. سيختم بهذا الحديث، وللأسف هو حديث ضعيف، أطال النفس فيه وفي شرح معانيه، ضعيف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن معانيه مقبولة لكنه ضعيف. قال: لكني أختم كتابي هذا بحديث حدثناه أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي بأصبهان، حدثنا محمد بن علي الصايغ المكي، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس الحداني، عن سلامة الكندي، قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «اللهم داحي المدحوات، وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطراتها؛ شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك، ونواميس وراف تحننك على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ جيشات الأباطيل كما حمل. فاطلع بأمرك لطاعتك مستوفزاً، غير متوان في مرضاتك، وغير ناكل في قدم، ولا واهٍ في عزم، راعياً لحقك، واعياً لوحيك، حافظاً لعهدك، ماضياً على نفاذ أمرك، حتى أورى قبساً لقابس -أي أشعل قبساً لقابس يعني أظهر الإسلام-، وحتى اتصلت أسبابه بأهله، به هديت القلوب بعد خوض الفتنة، وبالأعلام المضيئة، ومنيراً للإسلام، وموضحة الأحكام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة. اللهم افسح له في عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك؛ مهنات غير مكدرات من ثوابك المعلول، وجزيل عطائك المحلول. اللهم عليَّ على بناء البانين بناءه، وأكرم مثواه ونزله، وأتمم له نوره، وجزه من ابتعاثه له مقبول الشهادة، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخطّة فصل، ورحمة وبرهان عظيم».

واضح أن هذا الحديث إخواني لا يكون من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإنما قد يكون مما حمله الشيعة الرافضة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. وأنا قلت: ابن فارس له ميول، ابن فارس له ميول، يعني حتى لما ذكر في المجلس الماضي من نجباء النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر علي بن أبي طالب، والغريب أنه ذكر ماذا؟ ابنيه. طبعاً هم أبناء الحسن والحسين الله يرضى عنهم، لكن هل هم وقفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مواقف أبي بكر وعمر؟ مات النبي صلى الله عليه وسلم وهم صغار، مات النبي عليه الصلاة والسلام وهم صغار جداً. فتقديم أبناء علي رضي الله عنه الحسن والحسين في الذكر؛ هو طبعاً ليس شيعياً رافضياً حتى ننتبه، لكن ما تشعر من نفسه أنه بتعرف بعض.. حتى بعض السلف كان يميل إلى علي مع حبه لأبي بكر وعمر يميل إليه، فابن فارس في هذا النفس.

قال رحمه الله: قوله صلوات الله عليه: "داحي المدحوات"؛ فلأنه يريد باسط الأراضين، وكان جل ثناؤه خلقها ربوة ثم بسطها، فقال جل ثناؤه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30]، يعني بسطها بعد أن كانت هكذا زي الجبل. قال: وكل شيء بسط ووسع فقد دُحي، مثل مثلاً كرة العجين، مش المرأة تحط كرة العجين بعدين تبدأ تبسطها؟ هذا يسمى دحو، أن تضع شيئاً وتبدأ تفركه هكذا وتبسطه. ولذلك قيل لموضع بيض النعامة: "أدحي"، لأنها تدحو البيض أي تبسطه وتوسعه، وهو أعول المكان الذي تضع فيه النعام بيضها يسمى أدحي، لأن النعام لا يضع بيضه فوق بعض بل يبسطه.

قال امرئ القيس: "كعقيدة الشيء بعد موته"، واحتج بقول القائل: "وكل نفس على سلامتها.. يميتها الله ثم يحييها". الرواية الصحيحة: "ثم يبرئها"، لا، كيف سيكون الشاهد الحديث في البيت: "ثم يميتها الله ثم يحييها"؛ الرواية الصحيحة "ثم" حتى يكون شاهداً على البرء الذي هو الإعادة بعد الموت. قال: والبرية من "برأ" الله الخلق، إلا أنهم تركوا همزة، أصلها بريئة، ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7]، مش نقول في سورة البينة البرية، أصلها بريئة، ثم حولت الهمزة إلى ياء وأدغم الياء في الياء فأصبحت برية. والبرية من الخلق.

وأما "المسموكات" فالمرفوع، إذاً بارئ المسموكات يعني بارئ كل شيء مرفوع من السماء وما شابه، وكل شيء أيته...

ورفعته، فقد سمكته، رفع سمكها ارتفاعها وعلوها. قال الفرزدق: إن الذي سمك السماء، أي رفعها. وقال: إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول. ويقول أهل اليمن: سمق في الدرج، يريدون صعد في الدرج. وقوله: «جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيد»، قال: فالجبر جبرت العظم إذا كان مكسورا فأقمته، تقول جبرته، فجبر الجبار ليس المكره؛ الجبار هنا الذي يجبر الشيء أي يقيمه بعد انكساره أو يصلحه بعد انكساره. كذا تقول العرب، قال العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر، وعور الرحمن من ولي العور. نعم، عور أفسد، وولي العور من جعله وليا للعور، فساد الأمر وقبحه، من جعله مسؤولا عن الإفساد. وقوله: «على فطرتها»، يقول أثبتها على ما فطرها عليه، فجبار القلوب على فطرتها يعني مثبتها ومصلحها على ما فطرها عليه. يقول: وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته، فإن القلوب مجبولة على التوحيد وعلى معرفة الله سبحانه وتعالى والإقرار به.

قال وخب أبو محمد سلم بن الحسن قال: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: فطرة الله تعالى الخلقة التي خلق عليها البشر. قال: ومعنى فطره أي دين الله، وذلك قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] أي لا تبديل لدين الله. وقد ذكرنا معاني الفطرة في كتاب أفرد. وخبرني علي بن إبراهيم عن المغلس عن القتبي قال: لم أجعل جبارا في دعاء علي عليه السلام من أجبرت فلانا على الأمر إذا أدخلته فيه. انظر هنا، علي عليه السلام، هذه إشارات أن الرجل ميال لهذا الجانب. قال: من أجبرت فلانا على الأمر إذا أدخلته فيه. قال: هل جبار في هذا الحديث بمعنى أجبرت فلانا بمعنى أكرهته، ولا الجبار بمعنى المصلح؟ إحنا مر معنا أن المعنى الأول جبار يعني مصلح القلوب، لكن هل يجوز أن تحمل على معنى الجبار الذي يجبر الإنسان على الشيء؟ هل يجوز حمله على معنى الجبر؟ فقال: إذا أدخلته فيه كرها، ولا يقال من أفعل فعال. قال: لا أعلم ذلك، لماذا؟ هو من ناحية لغوية أن العرب لا تقول جبار فعال من أفعل من أجبر، العرب لا تقول من وزن أفعل فعال، لا تأتي بذلك.

قال: لا أعلم ذلك إلا أن بعض القراء قرأ ﴿اهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 38] بتشديد الشين، بعض القراء ماذا قرأ؟ قال: إلا شاهدا واحدا وهو أن بعض القراء قرأ اهدكم سبيل الرشاد، طب رشاد مأخوذة من الفعل أرشد إذا هي في أفعل فعال، قال هذه شاذة. قال: وهذا يروى عن معاذ بن جبل فهذا فعال من أفعل لكنها شاذة. قال القتبي: فإن كان يجوز أن يقال من أجبرت فلانا على الأمر جبار وكان هذا محفوظا، فيجوز أن يجعل قول علي عليه السلام جبار القلوب من ذلك وهو أحسن، بمعنى أنه يخضعها ويجبرها على شيء هو فطرها عليه، يجوز يعني يمكن أن يؤول هذا.

وقوله «شرائف صلواتك»، فهي جمع شريفة وهي العالية، فعيلة وفعائل، كريمة وكرائم. والنواميس الأباطيل. قوله «صلِّ على الدامغ جيش الأباطيل»، قال: نعم، الدامغ من هو؟ قال: فالدامغ مثل، أراد المهلك لما نجم وارتفع من الأباطيل، يعني هذا مثل الدامغ، أراد أن يمثل باستعارة للمهلك لما نجم وارتفع من الأباطيل. وأصله من الدماغ، أصبت دماغه كما يقال رأس رأسته، أصبت رأس، دمغت فلانا يعني ضربته في دماغه. قال الله جل ثناؤه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: 18] كأنه يصيبه في دماغه. قال: والدماغ مقتل، فإذا أصيب هلك صاحبه، الإنسان إذا أصيبت جمجمته مات. والجيش جمع جيشة وهي المرتفعة، يقال جاش، فالدامغ جيش الأباطيل يعني الضارب المهلك لارتفاع الباطل. جاش الشيء ارتفع، وجاشت النفس، وجاش الماء طم. قال الشاعر: طم يعني فاض ارتفع. وقولي كلما جشأت وجاشت نفسي مكان أنك تحمدي أو تستريحي. وجيش العسكر من ذلك، يقال جاش القوم على فلان إذا سطوا عليه. قال: يجيش في ليلى علي ولم أنل مع العذل من ليلى حراما ولا حلا، سوى أن حبا لو تشاء أقلها، ولو تبتغي ظلا لكان لها ظلا.

وقوله «اطلع»، فإنه افتعل من الضلاع وهي القوة، يقال مطالع، طلع كما قلنا اطلع بالشيء يعني نهض به، وهو صلى الله عليه وسلم نهض بالدعوة وقام بها، قال مطلع بحمله إذا كان قويا عليه، ومنه في حديث الجني: إني من بينهم لضلي، أي عظيم قوي. قال: وكان بعض أصحابنا ذهب إلى أن ذلك مأخوذ من الأضلاع، وذلك أن الجنبين إذا عظما كان أقوى للبعير على الحمل، فقيل إن الطلع مأخوذ من الأضلاع من جهة أن الإنسان إذا قويت أضلاعه قام بالشيء.

وقوله «غير متوان»، فهو متفاعل من ونى أي ضعف، والوان الضعيف، عليه الصلاة والسلام لم يتوانَ في شيء من أمر الدين يعني لم يضعف في شيء من أمر الدين. قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: 42] من الفعل ونا أي ضعف، والوان الضعيف. قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: 42] يقال امرأة أناة إذا كانت ذات أناة، وأناة: ناه إذا كان فيها فتور عند القيام. قال الشيخ: ما الفرق بين الأناة والونى؟ إذا قلنا امرأة ذات أناة يعني ايش تاني، طيب امرأة ذات ونى، ذات فتور وكسل، فالونى من وني، والأناة من أنية، وأني غير وني، وني من الضعف، وأني أني من الروية وعدم الاستعجال، فهذا شيء وهذا شيء. قال الشاعر: أناة وحلما وانتظارا بهم غدا، فما أنا بالوان ولا الضرع الغمر.

وقوله «غير ناكل»، قال بعض أصحابنا: تقول العرب نكل عن الأمر ينكل نكلا فهو نكل، قال وهي قليلة. قال الشيخ أبو الحسين: إن كانت الكلمة محفوظة عن علي رضي الله عنه فلا يجوز أن يقال إنها قليلة، ولكن من العرب من يقول نكلا ينكل نكولا، واللغتين جيدتين فصيحتان، وأصل ذلك الحبس، ولذا سمي القيد نكالا لأنه حابس، ومنه النكول عن اليمين. قال أبو الحسين: هو نفسه ابن فارس طبعا، قال الشيخ أبو الحسين ابن فارس.

وأما قوله في قدم، قال: فخبرني علي عن المغلس عن القتيبي قال: القدم المقدم، وحكى عن أبي زيد رجل قدم أي شجاع، والقدم يجوز أن يكون بمعنى التقدم. قال وغير ناكر في قدم أي في تقدم، لا يبطئ عن تقدم صلى الله عليه وسلم، فالقدم بمعنى التقدم إلى الشيء. وقوله «ولا واه في عزم»، أي غير ضعيف، وها يهي فهو واه. قوله «أورى قبسا لقابس»، أي أظهر نورا من الحق، يقال أوريت النار إذا قدحت وأظهرت، أورى يعني أشعل. قال الله جل ثناؤه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: 71] تورون يعني تشعل. وزند وار ووري، قال الهذلي: ومن خير ما جمع الناشي المعمم خير، وزند وري. قال خير، خير بالكسر، والخير هو الكرم يعني خير ما يجمعه الإنسان خير يعني كرم، وزند وري أي وريو، وريو يعني إشعال النار. وروى بعضهم في هذا الحديث حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه. قال: فحدثني علي عن المغلس عن القتيبي قال: آلاء الله نعمه، واحدها الإل، نعم الإل تصل بأهله ذلك القبس، وهو الإسلام والحق أسبابه، قال وأهله المؤمنون، فمعنى آلاء الله إذا حتى أورى قبسا لقابس تصل بأهله أسبابه يعني أشعل الإسلام وأظهره حتى أوصل أسباب الخير إلى أهل الإسلام، حتى أوصل أسبابه أي أسباب الخير والنعم إلى أهله، أهل الإسلام هم المؤمنون. وشاهد قوله واحدها الإل قول الأعشى: أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحما ولا يخون الإل.

وقوله «وخوضه الفتنة»، جمع خوضه، فيقال هو يخوض في الباطل، قال الله تعالى في قول من قال: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: 45]، والمنى الواضحات، يقال نار الشيء ونار أي وضح. وقوله «شهيدك يوم الدين» أي شاهدك على أمته يوم القيامة، من قول الله عز وجل: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]. وفي الحاشية يجوز أن تقول في مفرد آلاء الإل والإل، يجوز أن تقول في مفرد آلاء الإل والإل، قال إن الكسر والقصر وجهان ثابتان في هذه الكلمة.

وقوله «بعيثك رحمة» أي مبعوث، وهو فعيل بمعنى مفعول، وأصل البعث الإثارة، يقال بعثت الناقة أي أثرت، قال: فقاموا بالعصي ليبعثوا، فهبت كالقضيب من النعام. وقوله «افسح له» أي وسع له، سعة في سعة في عدلك أي في ذات عدلك، ورواه غيره في عدن أي أراد العدن هي الجنة، وسميت الجنة عدن جنات عدن لأنها بمعنى الإقامة، فافسحوا في عدن أي في جنات العدن، ولعل هذه العبارة أوضح من رواية افسح له في عدلك، رواية افسح له في عدلك لعلها أوضح أي في جنات العدن. قال: أي أراد في جنة العدن والعدنانيين.

وقوله «من ثوابك المعلول»، والمعلول من العلل، والعلل منه سمي المعدن، المعدن سمي معدنا من العدن وهو الإقامة لأنه مقيم في الأرض تحتاج إلى استخراج منها حتى يخرج. والمعلول من العلل، والعلل الشرب بعد الشرب، قال أعطه من ثوابك المعلول يعني ثوابك المتكرر مرة بعد أخرى، لأن العلل هو الشرب الثاني بعد الأول أو الشرب بعد الشرب، دع يقول: نعم، فالأول نهل وثان، العرب تسمي أول شربك للشيء نهل تسميه نهلا، وأما الشرب الثاني والثالث والرابع يسمى عللا، فإذا قيل ثوابك المعلول يعني المتكرر مرة بعد أخرى. فالأول نهل والثاني علل. وقوله «علي» من العلو، فيقال عليت الشيء وعليت كما يقال كرمت وأكرمتهم العاملين عمله وأكر، هذا معنى من ثوابك المعلول، وأكرم مثوى أكرم مثواه أي منزله، يقال ثوى بالمكان وأثوى أي أقام ثواء، قال: أذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء، وهذه في معلقة الحارث بن حلزة، هذه مطلعها.

والخطة الأمر، يقال خططت لك أي بينت، والخط بيان، والفصل القطع الذي لا هزل فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: 13]، وما فصل يعني لا هزل فيه، ويقال للسان المفصل لأنه يبين. قال الأخطل: صريع مدام يرفع الشرب رأسه، ليحي صريع مدام، نعم قال صريع مدام يرفع الشرب رأسه، دا هنا الخمر يعني هو صريع خمر لكثرة شربه للخمر، قال هو صريع خمر والأخطل يعني معروف نصراني، يرفع الشرب رأسه ليحي وقد ماتت عظام ومفصل. والنزل الرزق والخير، يقيم عنده الإنسان وينزل، قال الله تعالى: ﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [الواقعة: 93]. وهذا آخر تعليقنا على رسائل الإمام اللغوي أبي الحسين بن فارس، أسأل الله أن يرحمه. إخواني، غدا يوجد درس، طبعا ها غدا الجمعة يا إخوان يوجد درس في نفس الوقت، جزاكم الله حرصا على الخير بالتوفيق، الله يرضى عليك.