ثم قال الله تعالى في السورة التي بعدها: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. هذه سورة عظيمة، هذه سورة عظيمة قال عنها الإام الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم. من عمل بها حصل الفلاح المبين بإذن الله تعالى؛ لأنها بينت ما سبيل الفلاح وما كيف تنجو من الخسران.
ابتدا الله عز وجل بالإقسام بالعصر، والعصر قيل إنه هو الوقت المعروف العصر، وقيل إنه هو الدهر يعني الزمن. الله عز وجل يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله تعالى أو بصفة من صفاته، لا يجوز له أن يقسم بغير الله تعالى؛ فلا يجوز أن يقسم بالنبي، لا يجوز أن يقسم بالكعبة، لا يجوز أن يقسم بصالح من الصالحين، لا يجوز أن يقسم بوالديه، لا يجوز أن يقسم إلا بالله تعالى أو بصفة من صفاته، فالإقسام بغير الله تعالى شرك كما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى.
والعصر إن الإنسان لفي خسر؛ يعني جميع الناس في خسارة، يخسرون يخسرون حياتهم، يخسرون ما عملوه إلا من كل الناس في خسارة إلا من اتصفوا بهذه الصفات الأربعة: الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. الوصف الأول هو الإيمان، وهو الإقرار والتصديق بكل ما أخبر الله عز وجل به، بكل ما يجب الإيمان به من الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه، والإيمان بالرسل والأنبياء، والإيمان باليوم الآخر يوم القيامة، والإيمان بالقدر خيره وشره، فكل ما يجب الإيمان به فإنه يدخل فيها.
آمنوا وعملوا الصالحات؛ يعني أنهم لم يكتفوا بمجرد التصديق بالله عز وجل وبرسله، بل عملوا الصالحات، عملوا الأعمال الصالحة التي تقربهم من الله تعالى. وتواصوا بالحق؛ يوصي بعضهم بعضاً بطاعة الله عز وجل، الذاكر يذكر الناس ويذكر الغافل، والعالم يعلم الجاهل، وهكذا يوصي بعضهم بعضاً بطاعة الله عز وجل. وتواصوا بالصبر؛ يصبرون على ما يواجهونه، يصبرون على الأذى الذي يأتيهم في القيام بطاعة الله عز وجل، التعب الذي يلاقونه في طاعة الله عز وجل.
يصبرون على ما يلاقونه من ألم في ترك المعصية؛ لأن بعض المعاصي يحبها القلب ويشتهيها، لكن الإنسان يصابر نفسه ويترك هذه المعصية لله تعالى، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. يصبرون أيضاً على أقدار الله المؤلمه، إذا أصيبوا بمرض، بفقد حبيب، بخسارة مالية، بمشكلة مع صديق أو نحو ذلك، صبروا على هذا القدر، صبروا عليه، يوصي بعضهم بعضاً بالصبر. هؤلاء هم الناجون، هم الناجون لا خسارة، هم المفلحون: آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
ولذلك قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم أربع مسائل والعمل بها؛ الأول العلم، والثاني العمل به، والثالث الدعوة إليه، والرابع الصبر على الأذى. يعني التعلم، ثم تعمل بعلمك، ثم إذا عملت بعلمك تدعو الناس إلى هذا العلم، وإذا دعوت الناس إليه فإنه لابد أن يوجهك لابد أن يواجهك أذى من الناس الذين تدعوهم فتصبر على هذا الأذى. فهذه الأمور الأربعة التي ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه يجب تعلمها، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان