ثم ننتقل إلى السورة التي بعدها، وهي سورة الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: 1]. هذه السورة تكلم الله عز وجل فيها عن قصة الفيل وما وقع من أبرهة وقومه لما أرادوا غزو الكعبة وهدمها، وكان ذلك في العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم كما تعلمون ولد عام الفيل عليه الصلاة والسلام.
في تلك السنة -قبل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم- أراد أبرهة، وهو ملك الحبشة، أن يغزو الكعبة؛ لأنه رأى انصراف الناس عن قصد كنيسته التي بناها، فانصرفوا إلى الكعبة بيت الله الحرام. وكانوا في جاهلية، لكن هذا من بقايا الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام. ومما زاد حنقه وغيظه ما ذكره أهل التاريخ أن أحد العرب لما علم بنية أبرهة لما بنى كنيسة عظيمة وأراد أن يصرف الناس عن قصد بيت الله الحرام، جاء أحد العرب وأحدث في هذه الكنيسة حدثاً، فغضب أبرهة وحلف أن يغزو الكعبة ويهدمها انتقاماً لكنيسته.
فسير الجيش معه، وجلب معهم الفيل. وعلم أهل مكة بقدومهم، ولم يكن لهم قبل بحربهم؛ يعني قليلون وليس معهم ما يكفي للصد عن بيت الله الحرام. فسار أبرهة حتى وصل أطرف مكة، وعسكر في مكان يقال له المغمس. أتاه بعض جنده ووجدوا مائة ناقة أو أكثر لعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، فاستولوا عليها. وعلم عبد المطلب بذلك، طبعا أهل مكة لما علموا بذلك افسحوا المجال لأهل الحبشة وتركوهم؛ لأنه لا قبل لهم بهم، وصعدوا إلى الجبال.
المهم أن عبد المطلب لما علم بأن قوم أبرهه استولوا على إبله، ذهب إلى أبرهة. ظن أبرهة أنه يريد أن يصده عن بيت الله الحرام، فلما جاء قال: أريد إبلي أن قومك اخذوا الإبل. قال: يعني أمرك عجيب، جئنا نهدم بيتك وبيت آبائك وأجدادك؟! قال: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه. أنا صاحب الإبل أما الكعبة لها رب يحميها. هم مع شركهم موقنون بأن الله عز وجل قادر على أن يحمي هذه الكعبة ممن أرادها بسوء.
لما رد له إبله، أراد أبرهة أن يسير، ووجه فيله إلى جهة مكة، ورفض الفيل أن يسير، يوجهه يميناً وشمالاً وإلى الخلف فيسير، لكن إذا وجهه إلى جهة مكة يرفض أن يسير. وهذا من حفظ الله لبيته الحرام، حتى لما حاولوا به حاولوا به فلم يسر. فانزل الله عز وجل عليهم العذاب في ذلك المكان، وهذا من حماية الله عز وجل لبيته الحرام.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: 1]؛ ألم تعلم ما الذي فعله الله عز وجل بأصحاب الفيل الذين قدموا لهدم الكعبة؟ ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 2]؛ ومكرهم الذي قدموا به لكي يهدموا في تضليل، في خساره، لم يحصلوا على ما أرادوا. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: 3]؛ جماعات متفرقة من الطير جاءت لتنفيذ عذاب الله عز وجل لهم.
فالله عز وجل أرسلهم ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: 4]؛ كل طير معه حجارة من طين، لكن هذه الحجارة هي العذاب، فتسقط على رأس الشخص منهم أو يده أو ظهره أو رجله فتهلكه بذلك. أهلكتهم جميعاً حتى قيل إنه لم ينجو منهم إلا واحد هو الذي هرب وأخبر قومهم بذلك. ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 5]؛ يعني كالعلف الذي تأكله الدواب وترتركه بعد أكله؛ آثار أكل البهائم بعد أكله بعد علكها له، جعلهم صاروا كذلك بعد عذاب الله عز وجل لهم والقاء هذه الطير عليهم الحجارة.
نستفيد من هذا أن الله عز وجل حافظ دينه، ومعلن كلمته مهما تكالب الاعداء واجتمعوا، إلا أن الله عز وجل ناصر دينه ومعز كلمته. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]. مهما حاول الاعداء واجتمعوا وخططوا ودبروا المكائد وأسرفوا وأجرموا في القتل والمكيدة أعداء الدين للمسلمين ولاهل الإسلام، إلا أن الله عز وجل حافظ دينه وناصر أوليائه، ولقد سبقت كلمتنا لعباد المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون.
فمهما اجتمع الاعداء إلا أن دين الله منصور، الحق منصور وممتحن، فلا تعجب فهذه سنة الرحمن. ونستفيد من ذلك أن لله جنودا لا يعلمهم إلا هو، فلا تقل كيف دحر الاعداء؟ الاعداء سيندحرون، لكن أنت انذل السبب والاعداء سيندحرون بإذن الله تعالى. فانظروا هؤلاء القوم الذين أجلبوا بخيلهم ورجلهم ومعهم فيتهم، أهلكهم الله عز وجل بشيء يسير؛ طيور صغيرة في السماء تلقي عليهم حجارة، لكن هذه الحجارة كان فيها حتفهم وهلاكهم.
فلذلك لا تقل كيف ينتصر المسلمون؟ المسلمون سينتصرون بإذن الله تعالى، لكن الواجب علينا حيال ذلك أن ندعو لهم بالنصر والتمكين، وأن نمدهم بما يسر الله عز وجل امداده به عبر القنوات الميسرة والمسموحة شرعاً ونظاماً.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان