دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة النصر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم ننتقل إلى سورة النصر، وسورة النصر من أواخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلت في المدينة في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الفتح. ولذلك جاء فيها الإشارة إلى فتح مكة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]. أتت انتصارات المؤمنين التي نصرهم الله عز وجل، وجاء فتح مكة الذي انتقلت بسببه مكة من بلد شرك إلى بلد إسلام، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 2].

يعني أنت يا محمد بعثت لدعوة الناس إلى الدين الحق، فإذا فتحت عليك مكة وتتابع الناس في الدخول لهذا الدين، وكان ذلك عام الوفود وهو عام تسع من الهجرة. فسميت هذه السنة لأنها جاءت الوفود، بدأت الوفود من جزيرة العرب تفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لإعلان إسلامها. قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3].

عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان من عادته أن يجمع كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم عنده، وكان يدعو معهم عبد الله بن عباس. كان الشاب الصغير بالعشرينات يمكن في ذاك الوقت، والصحابه الكبار فنقموا على عمر وقالوا: ابن عباس صغير، لماذا تدعو معنا؟ لنا أولاد وأنت لا تدعوهم معنا. فقال: سأريكم سبب ذلك.

فمرة من المرات قال لهم: ما تقولون في سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3] ما المقصود منها؟ ما المغزى منها؟ فكلهم قالوا إن هذا أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه إذا فتحت عليك مكة ورايت الناس يتبعون في الدخول لهذا الإسلام، فاحمد الله عز وجل على ذلك، وأكثر من تسبيحه وذكره والتوبة إليه، فقط يعني فسر السورة بظاهرها.

فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه. يعني أن الله عز وجل قصد بهذه السورة أن هذه السورة تدل على قرب وفاتك؛ فنحن بعثناك لدعوة الناس إلى الدين الحق، والآن الحمد لله الناس بدأوا يدخلون في هذا الدين، فاختم حياتك بذكر الله عز وجل واستغفاره. هكذا فهم ابن عباس، فقال عمر: ما أفهام منها إلا ما فهمت يا ابن عباس. انظروا هذا الفهم الدقيق لابن عباس رضي الله تعالى عنه هذه السورة.

وهذا ليس بغريب، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس رضي الله تعالى عنهما بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل بهذه الصلاة، فكان كثيراً ما يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، عملاً بهذه الآية: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3].