دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الضحى

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم في السورة التي تليها، سورة الضحى، بدأ الله عز وجل بالقسم: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ [الضحى: 1-2]. وسبب نزول هذه السورة أن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع عنه الوحي ليالي، فقالت له أم جميل بنت حرب وهي زوجة أبي لهب التي مرت معنا في سورة المسد، قالت: ما أرى ربك إلا قد قلاك؛ يعني: قد كرهك وأبغضك. فانزل الله عز وجل: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 3].

أقسم الله عز وجل بالضحى، وهو وقت ارتفاع النهار، وبالليل إذا سجى، أقبل ظلامه: ما ودعك ربك وما قلى، ما تركك الله عز وجل وما قلاك، ما أبغضك ولا كرهك، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم محبوب لربه عز وجل. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ [الضحى: 4]، هذه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن سار على نهجه أن الآخرة خير له من الأولى. فالآخرة خير للمؤمنين من الأولى، لأن الدنيا حقيقة سجن المؤمن وجنه الكافر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

يذكرون أن ابن حجر رحمه الله تعالى، وهو كان رئيس القضاة في زمنه في بلاد مصر، كان إذا سار يسير بمراكب فاخره ومعهم جمع من الناس يسيرون معه، فمر على حداد يهودي. فقال ذلك الحداد: استوقف ابن حجر وقال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». أنا الآن في سجن، أنا كافر وأنا في سجن يعني في عملي في الحدادة وتكون رائحتي كريهه، وأنت مسلم تعيش في جنة!

فقال له ابن حجر رحمه الله: أنت إذا مت على الكفر فما أنت فيه من الشقاء ليس بشيء أمام ما سينتظرك من الشقاء في الآخرة، فأنت حقيقة في جنة، شقائك هذا جنة. وأنا إذا مت على التوحيد فما أنا فيه من أبهة ليس بشيء أمام نعيم الآخرة، فأنا حقيقة في سجن. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأسلم هذا اليهودي.

المقصود أن الآخرة خير للمؤمن من الأولى، فعليه أن يقبل عليها ولا يفرط فيها ولا يقدم الدنيا عليها. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5]؛ يعني أن الله عز وجل يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حتى يرضى، يعطيه من اليقين، يعطيه من الانتصارات على الكفار، يعطيه من قبول الناس له، وهكذا إلى أن يرضى النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكره الله عز وجل ببعض نعمه عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ [الضحى: 6]. النبي صلى الله عليه وسلم ولد يتيما، متى توفي أبوه وهو في بطن أمه عليه الصلاة والسلام؟ ثم توفيت أمه عليه الصلاة والسلام وعمره ست سنوات، ثم كفله جده فتوفي وعمره ثمان سنوات، ثم انتقل إلى كفالة عمه أبي طالب. فالنبي صلى الله عليه وسلم عاش يتيما لكنه سيد الأيتام عليه الصلاة والسلام.

من سبيل ذلك أن الله عز وجل برحمته إذا اخذ من الانسان شيئا لابد أن يعوضه. نعم اليتيم فقد والده، لكن تجدون من الأيتام من هو مبدع في بعض أموره، اخذ الله منه شيئا وعوضه شيئا آخر، وهذا كثير. ليس اليتيم فقط، الكفيف نجد كثيرا من الأكفاء أعظم ذكاء من كثير من المبصرين، فقدوا حاسه البصر وعوضوا بالبصيره.

﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7]؛ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل بعثته لا يعلم الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]، فهداك الله إلى الحق. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ [الضحى: 8] أي فقيرا فأغنى، أغناك الله عز وجل.

ثم أرشده الله عز وجل إلى ما يفعله مع هؤلاء الذين فقدوا هذه النعمه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]، يعني إذا وجدت يتيما فتذكر يتمك فلا تقهره، لا تغلبه على حقه. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ﴾، سواء السائل عن العلم أو السائل عن المال، ﴿فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]، لا تسجره، تذكر حالك سابقا ووجدك عائلا فقيرًا. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، يعني أنك تحدث بنعمه الله عز وجل عليك، وتذكر ما كنت عليه من قبل من الفقر، من اليتم، من عدم العلم؛ فإذا تذكرت ذلك فحدث بنعمه الله عز وجل عليك.

وتحدث بنعمه الله عز وجل على الانسان، أن يكون الانسان يتحدث عن نفسه هذا هل هو مرغب فيه أو لا؟ يعني كون الإنسان يذكر سيرته وما حصل له مثلا من إبداع ونحو ذلك، أو حصل له من انحراف ثم هدايه ونحو ذلك مما قد يكون فيه مدح لنفسه، هل هذا ينبغي أو لا ينبغي؟ نقول: هذا يختلف باختلاف مقصد الإنسان.

فاذا كان مقصده التحدث بنعمه الله عز وجل عليه فإن هذا لا باس به. وإذا كان مقصده حث غيره على أن يقتدي به؛ يعني مثلا عالم من العلماء يتحدث عن اجتهاده في طلب العلم في الصغر لكي يرغب طلاب العلم في الاجتهاد في العلم، هذا لا باس به، فهو نيته ليس نية مدح نفسه مدحا مجردا، وإنما نيته أن يقتدي به. أما إذا كان مقصده الرياء ليمدحه الناس ويثنوا عليه، فهذا أمر مذموم. وأما إذا كان مقصدك مجرد الحديث لم يقصد لا هذا ولا هذا، فنقول: هذا أمر مباح، لكن تركه أولى. فهذا هو التفصيل في حديث الإنسان عن نفسه.