دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة العلق

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم ننتقل إلى السورة التي تليها، وهي سورة العلق. وأول خمس آيات منها هي أول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم. كان النبي صلى الله عليه وسلم، كما تذكر عائشة رضي الله تعالى عنها، كان يعتكف في غار حراء، يجلس أياما في غار حراء، يعتزل الناس، يتخلى لعبادة الله عز وجل. وكان عليه الصلاة والسلام يمكث فيه، ويرجع إلى بيته، ثم يرجع إليه أياما، ثم يرجع إلى البيت، وهكذا.

كان يحبب إليه الخلاء؛ يعني الاعتزال، اعتزال الناس، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك، وهو جبريل عليه السلام، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ؛ يعني أنا لا أعرف القراءة، النبي صلى الله عليه وسلم أمي، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني -ضمني ضمة شديدة- ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني الثانية -غطة شديدة- ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

خمس آيات فرجع بها النبي صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة زوجة عليه الصلاة والسلام، وهو خائف مذعور، فقال لها: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجه: يا خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر وقال: لقد خشيت على نفسي، خشي على نفسي الهلاك من شدة ما لقيه من الوحي. فقالت له خديجة المؤمنة، التقية، الصالحة، التي ثبتته، وكانت بإذن الله السبب للثبات على الحق: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا؛ لماذا؟ والله انك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعین على نوائب الحق؛ يعني أنت تعمل أعمال صالحة تقدمها للناس، فمن يقدم للناس الأعمال الصالحة لا يخزيه الله أبدا، والجزاء من جنس العمل.

ثم ذهبت به خديجة رضي الله تعالى عنها إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا عم، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: وماذا عندك يا ابن اخي؟ فقص عليه النبي صلى الله عليه وسلم قصة ونزول الوحي عليه. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَمُخْرِجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. لكن ورقة توفي بعد فترة يسيرة من نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ اقرأ باسم الله، مستعينا بالله عز وجل، الذي خلقك؛ تعلم القراءة، واقرأ. وهذا دليل على الترغيب في طلب العلم؛ لان طلب العلم إنما يأتي عن طريق القراءة والاستماع. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ خلقك ورزقك، وهو المتصرف فيك، وهو المالك. ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ كل الناس خلقه ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، وهذه من مراحل خلق الناس في بطون أماتهم؛ أنهم يتحولون إلى قطعة دم جامدة، نطفة، ثم علقة، والعلقة هي قطعة الدم.

﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وهذا فيه استعانة بالله عز وجل وباسمه الأكرم، فهو كريم، ومن كرمه أن يعلم الإنسان. فإذا استعصت عليك مسألة لم تفهمها، أو عزبت عن ذهنك، فالجأ إلى الله الأكرم، واسأله أن ييسرها لك، وأن ييسر لك فهمها واستذكارها. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فكل ما تعلمته أيها الحبيب فهو من تعليم الله لك، لا تغتر بعلمك، لا تغتر بما تعلمته من علم شرعي أو علم دنيوي، لا تغتر بذلك، فهو من تعليم الله لك ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمۡعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. وهذه منافذ العلم: السمع والبصر والفؤاد، فاحمد الله عز وجل على أن يسر لك العلم ويسر لك فهمه. ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ يعني الإنسان بطبعه، إذا أنعم الله عليه ولم يوطئ نفسه على الشكر لله عز وجل، فانه يطغى، يتجاوز الحد في الطغيان في العصيان؛ لماذا؟ لأنه رأى نفسه مستغنيا عن الله تعالى. ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ تذكير الإنسان بأن ماله ومصيره إلى الله تعالى، مهما طغيت وتجاوزت فانك راجع لا محاله إلى الله فمحاسبك ومجازيك. ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾.

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾ هذه نزلت في أبي جهل، لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود عند الكعبة، وقال: لئن رأيته يسجد لأفعلن به كذا وكذا. حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم مرة يصلي في جوف الكعبة، فذهب شخص إلى أبي جهل وأخبره بذلك، فأراد أبو جهل أن ينفذ تهديده وحمل حجرا ليلقيه على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الله ابطل كيده؛ فبدأ يرجع القهقري، يرجع إلى الخلف. فقال له اصحابه: لماذا لم تنفذ وعيدك؟ فقال: لقد رأيت شيئا مهولا، رأى خندقا بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مليئا بالنار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دنا لتخطفته الملائكة». ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ يعني إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم على الهدى، فكيف تنهى أو أمر بالتقوى، أمر العباد بتقوى الله عز وجل، فكيف تنهاه؟ ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ ألم تعلم يا أبا جهل وغيره؟ وهذا موجه لكل أحد: يا أيها العبد المسلم، إذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان، تستحي من نظر الإله وقل له: الذي خلق الظلام يراني. خير من ذلك ذكرها بقول الله: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾. إذا حدثتك نفسك لظلم عامل عندك مكفول لديك، فتذكر: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾. إذا حدثتك نفسك لظلم من تحت يدك من موظفين من مراجعين، تذكر: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾.

﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ تهديد لأبي جهل: لئن لم ينتهي من تهديده للنبي صلى الله عليه وسلم لنسفعا بالناصية؛ أي نجذب بشده من مقدم رأسه وندفعه في النار. ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ يعني صاحبها كاذب مرتكب للأخطاء. ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ لما سمع أبو جهل تهديد الله عز وجل له، قال: أيهددني محمد، وانا أكثر أهل هذا الوادي ناديا جلساء؟ فقال الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ملائكة العذاب لكي تدفعه في النار العياذ بالله. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تطع أبا جهل إذا نهاك أن تصلي في الكعبة، حول الكعبة. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ قم بعباده الله عز وجل واسجد له وتقرب إليه، فإن أبا جهل لن يضرك. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾.

وبهذا نختم الكلام على هذه السورة، ونختم الكلام في هذه الليله، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الاستقطاع للدعوة، نور وهداية.