ثم قال الله عز وجل في السورة التي تليها سورة القارعة: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-3]. القارعة من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقرع الآذان لهولها، والقارعة ما القارعة استفهام للتشويق والتهويل، وما أدراك أي شيء أعلمك بالقارعة. ثم ذكر الله عز وجل من الأهوال التي تكون في ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: 4]. الناس من عهد آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا يعلم عددهم إلا خالقهم سبحانه.
هؤلاء الناس الإنس، فكيف الجن؟ فكيف الملائكة؟ والملائكة عالم غيبي لا يعلم عدده إلا الله تعالى، يكفي أن تعلموا أن في السماء السابعة يوجد البيت المعمور الذي أقسم الله عز وجل به في سورة الطور، هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، كل يوم سبعون ألف ملك، واليوم الثاني سبعون ألفاً، واليوم الثالث هكذا، لا يعودون إليه؛ فما هؤلاء من الملائكة؟ وعدد الملائكة لا يحصيهم إلا من خلقهم سبحانه. الإنس والجن والملائكة كلهم يجتمعون في صعيد واحد، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال العظيمة من هول ذلك اليوم ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: 5]. ما في جبال يصعد عليها، لا خلاص، الجبال تذهب كالعهن المنفوش.
ثم الناس ينقسمون إلى قسمين: قسم وفقهم الله عز وجل للأعمال الصالحة وغلب حسناتهم سيئاتهم، نسأل الله أن نكون منهم، ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 6-7]. هذا هو الفلاح، أن تعيش عيشة راضية يوم القيامة. أما في الدنيا فالنبي صلى الله عليه وسلم ما عاش العيشة الراضية المرفّهة، أقصد المرفّهة بدنياً، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم عاش عيشة سعيدة في قلبه، لكن ترفيه البدن لم يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ يضجع على الحصير اليابس عليه الصلاة والسلام ويؤثر في جنبه، يبكي عمر وهو يراه فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أنت رسول الله يؤثر الحصير في جنبك وكسرى وقيصر على السرر العظيمة! فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟». سلي نفسك يا عبد الله إذا لم توفق لحياة سعيدة بدنيا، فقل لنفسك: إن العيش عيش الآخرة، العيش ليس عيش الدنيا بل هو عيش الآخرة. وهذا لا يعني أن الإنسان لا يترفّه في الدنيا، ترفّه في الدنيا الذي لا يصد عن طاعة الله عز وجل لا إشكال فيه، ونصيبك من الدنيا خذه لكن بشرط ألا يصدك عن طاعة الله عز وجل وعن القيام بعبادته.
وأما من خفت موازينه، هذا القسم الثاني من الناس الذين خفت موازينهم، وأسباب خفة الموازين كثيرة؛ أحياناً الشخص يكون عنده حسنات عظيمة لكنه يذهبها باعتداء على الخلق. قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً: «أتدرون من المفلس؟». قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، لكن يأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا»، يعني اعتداء على الخلق بجميع أنواع الاعتداء، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، تفرق حسناته على الخلق الذين اعتدى عليهم، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. لماذا تذهب حسناته باعتداء؟ فلذلك العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: حقوق العباد مبنية على المشاحة، يعني المخلوق إذا ما سامحك لا بد أن يأخذ حقه منك. الله عز وجل قد يتوب عليك مثلاً؛ تكذب كذبة، تسرق سرقة، يسمح لك المخلوق، لكن المخلوق إذا لم تستسمح منه في الدنيا فإنه يأخذ حقه يوم القيامة، لن يأخذ حقه مالاً وإنما سيأخذ حقه حسنات، وهذا عزاء للمظلومين أنك إذا لم تصل إلى حقك في الدنيا ستصل إلى حقك يوم القيامة أحوج ما تكون إليه، وتهديد للظالمين. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلله اليوم قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا متاع».
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 8-9] يعني مسكنه هاوية وهي النار، وهذا من أسماء النار، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 10-11] شديدة عظيمة والعياذ بالله.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان