السورة التي بعدها هي سورة البينة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1]. الذين كفروا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين الذين أشركوا بالله وعبدوا معه غيره، لم يكونوا منفكين حتى تأتيهم البينة. فسر بعض المفسرين هذه الآية بأنهم لم يكونوا متروكين بدون رسول حتى تأتيهم البينة، بل يرسل إليهم رسول حتى تأتيهم البينة. ما هي البينة؟ رسول من الله، هذه البينة؛ رسول من الله يبين لهم الحق ويدعوهم إليه، يتلو صحفًا مطهرة، صحفًا مطهرة أتت من عند الله تعالى فيها كتب قيمة، هذه الصحف فيها كتب قيمة أتت ونزلت من عند الله تعالى.
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4]. أهل الكتاب خاصة اليهود في عهد النبي ﷺ قبل أن يبعث النبي ﷺ كانوا يقولون للأوس والخزرج: سيبعث نبي وسنقاتل معه، ظنوا أن النبي منهم. فلما بعث النبي من العرب عليه الصلاة والسلام تفرقوا، فبعضهم آمن به والكثيرون كفروا به، مع أنهم يعلمون أنه نبي، لكن لماذا كفروا به؟ حسدًا وهوى من عند أنفسهم، واتباعًا لهوى. فلما جاءهم الرسول تفرقوا فآمن بعضهم وكفر بعض، وإلا فقبل أن يبعث الرسول كانوا يزعمون أنهم سيؤمنون به.
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. الذي أمرهم الله عز وجل به هو عبادته وحده لا شريك له، مخلصين له الدين أي يخلصون العمل لله تعالى، حنفاء مائلين عن الشرك إلى التوحيد، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة أي يؤدوا الصلاة على الوجه الأتم ويؤتوا زكاة أموالهم، وذلك الدين القيم أي أن هذا التوحيد وهذه عبادة الله هو الدين الصحيح.
ثم بين الله عز وجل افتراق الناس إلى فريقين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6]. هذا مصيرهم في نار جهنم والعياذ بالله، مستمرين في هذه النار لا يخرجون منها، أولئك هم شر خلق الله تعالى.
والفريق الآخر هم المؤمنون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] خير ما خلق الله تعالى. جزاؤهم ماذا؟ ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]. جنات عدن أي محل هذه الجنات عدن يقيمون فيها خالدين فيها أبد الآباد، وأنهارها متنوعة فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى. رضي الله عنهم وهذا من أعظم النعيم لهم، أن الله عز وجل يرضى عنهم رضًا لا يسخط عليهم بعده أبدًا ورضوا عنه، ذلك الجزاء لمن خشي ربه، لمن خاف الله وخافه عن علم وتقوى، خاف عقاب الله عز وجل له إن فرط في حقه. فهو يسير إلى الله عز وجل بين الرجاء والخوف؛ يرجو رحمة الله عز وجل ويخاف عذابه حتى يأتيه الموت وهو على ذلك، فمن عمل الصالحات وداوم عليها فإن مصيره جنة الفردوس بإذن الله تعالى. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم جنة الفردوس بفضله ومنته ورحمته، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان