دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة التكاثر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السورة التي بعدها سورة التكاثر، ابتدأ الله عز وجل بقوله ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1]. التكاثر يعني شغلكم التكاثر، تتكاثرون وتتفاخرون بمن هو الأكثر في الأموال، في الأولاد، في المناصب، ونحو ذلك. ألهاكم التكاثر، إلى متى تتكاثرون؟ إلى متى تتفاخرون بهذه الأمور الدنيوية الزائلة؟ حتى زرتم المقابر. أنتم تتكاثرون وتتفاخرون بالتكاثر ما تدرون إلا أنكم توفيتم وزرتم المقابر، فكل إنسان مصيره المقبرة، كلنا ميت لا محالة.

وقوله ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يدل على أن الوقت في المقبرة، وقت دخول الإنسان للقبر، مؤقت زيارة؛ لأنه سيدخل القبر دخولاً مؤقتاً، ثم سينتقل بعده إذا قامت القيامة؛ إما إلى جنة نسأل الله من فضله، وإما إلى نار نعوذ بالله من عذابه. ثم توعدهم الله عز وجل ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: 3-4]، وفي هذا تكرار للوعيد.

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: 5-6]، يعني أنكم تعلمون يقيناً سترون الجحيم. كلنا سيرى الجحيم؛ ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]، كلنا سيمر على الصراط المنصوب على متن جهنم، أحدّ من الشعر وأدق من السيف. كلنا سيمر على هذا الصراط، ومرور الشخص على قدر عمله، سرعة مروره على قدر عمله. فإذا كان مسارعاً للخيرات ومسابقاً إلى الطاعات مر بسرعة، كما قال النبي ﷺ: «فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم كأجاويد الخيل والركاب، ومنهم من يسعى سعياً، ومنهم من يمشي مشياً والنار تحته، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم -والعياذ بالله- من يكب على وجهه في النار».

والله عز وجل أقسم ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72]. فكلنا سيرى الجحيم ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 6-7]، هذا أشد أنواع اليقين وهو أن تراها بعينك.

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]، يعني أنكم يوم القيامة ستسألون عن النعيم الذي أنعم الله عز وجل به عليكم، والنعيم عام لكل نعمة أنعم الله بها عليك، هل أديت شكرها أو لا؟ ستسأل عن كل نعمة هل أديت شكرها أو لا؟

ولذلك النبي ﷺ وهو أفضل هذه الأمة، بل أفضل البشر عليه الصلاة والسلام، خرج مرة يشكو الجوع، ووجد أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما كلهم خرجوا يشتكون الجوع، أفاضل هذه الأمة. أقبل النبي ﷺ، وعرف أن رجلاً من الأنصار كريم، فذهب إليه في بيته، فلم يجده، استقبلته امرأته فأدخلتهما بيته. جاء هذا الأنصاري فوجد النبي ﷺ وصاحبه أضيافاً له في بيته، فلم تسعه هذه الفرحة؛ ذهب إلى غنيمة له فذبحها وطبخها وقدمها لهم، ومعهم خبز وشعير. فلما أكلوا وشبعوا، قال النبي ﷺ لصاحبه: «هذا من النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة، هل أدينا شكره أو لا؟».

كل نعمة أنعم الله بها عليك من صحة، من مال، نعمة هذا الدين، كونك في بلد إسلامي، نشأت في بلد إسلامي، على السنة، على العلم، هذه نعمة عظيمة، لا تعرف مقدار هذه النعمة إلا إذا سمعت عن أخبار هؤلاء الذين عاشوا في بلاد الكفر سنين عدداً ثم اهتدوا إلى هذا الدين، فإنهم يعرفون قدر هذه النعمة. يتقطع قلب بعضهم على أنه أسلم ولم يحظَ بإدخال والديه في الإسلام الذين لهم حق عليه، يتقطع قلبه على أنهم ماتوا على الكفر والعياذ بالله، يتقطع قلبه على سنين مضت ولم يدخل في هذا الدين.

فنحمد الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة، ومن شكر هذه النعمة أن نقوم بدعوة الناس إلى الدين. قد تقولون ما عندي أسلوب، ما أعرف أدعو، أقول: هناك مكاتب خيرية تُعنى بدعوة الناس إلى هذا الدين، ولله الحمد يدخل يومياً أو شبه يومي أناس في هذا الدين. فساهم ولو بالشيء اليسير؛ فقد يكون المال الذي تبذله سبباً لدخول شخص في هذا الدين، ويكون لك أجره، أجر صلاته، أجر صدقته، أجر ذكره لله تعالى، كل حسنة يعملها يكون لك أجرها لأنه دخل للإسلام بتبرعك الذي تبرعت به. فاحرص على ذلك، فهذا شكر نعمة الله عز وجل عليك أن عشت في بلد إسلامي.