السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. اللهم يا معلم إبراهيم علمه، ويا مفهم سليمان فهمه، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أيها الأحبة، هذا هو اللقاء الثالث والأخير الذي نختم به الكلام على تفسير بعض السور من جزء الثلاثين، جزء النبأ. وكما تفضل أخونا إمام المسجد وفقه الله، فإن للقرآن معاني عظيمة، والسورة اليسيرة أو الآيات القصيرة تجد لها معاني كثيرة لو تأملت وتمعنت خرجت بمعانٍ غزيرة، لكن بضيق الوقت لا يمكننا أن نحيط بهذه المعاني كلها ونحن سنتكلم عن سور عديدة. وهذا من معاني قوله تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، فهو مبارك؛ تجد الجملة الواحدة تستخرج منها فوائد كثيرة، والآية الواحدة تستخرج منها فوائد وهدايات كثيرة، وهذا من هداية القرآن وتصديق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
نكمل ما وقفنا عليه؛ وقفنا على سورة التين. ابتدأ الله عز وجل هذه السورة بالقسم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. أقسم الله عز وجل بالتين والزيتون، وهاتان شجرتان معروفتان، وفي الأقسام بهما إشارة، وهما يكثر نشوؤهما وزراعتهما في بلاد الشام، وهي مهبط أو مبعث بعض أنبياء الله موسى وعيسى عليهما السلام، ففيها إشارة إلى مبعث أو مكان مبعث نبي الله عيسى عليه السلام. و﴿طُورِ سِينِينَ﴾ وهو جبل الطور الذي كلم الله عنده نبيه موسى عليه السلام، و﴿هَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ وهو مكة. إذاً أقسم الله عز وجل بأماكن بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وكما قلنا سابقًا، إن الله عز وجل يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأقسمه بالشيء دليل على عظمته، وهذا دليل على تعظيم أنبياء الله عز وجل. أما المخلوق فهل يجوز له أن يقسم بغير الله تعالى؟ لا، لا يجوز له أن يقسم بغير الله، ولو كان نبيًا، ولو كان ملكًا، ولو كان عبدًا صالحًا، ولو كان مكانًا مقدسًا كمكة والكعبة؛ لا، لا يجوز له أن يقسم إلا بالله تعالى.
ثم قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. هذا يسميه العلماء جواب القسم، يعني أقسم الله على ماذا؟ على أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، على أحسن صورة ظاهرة. لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، يعني أحسن صورة وأحسن شكل يكون عليه الإنسان؛ عيناه مكانهما في أعلى الوجه، أذناه في يمينه ويساره، يداه في منتصف الجسم، وقدماه في أسفل الجسم، بطنه من الأمام وظهره من الخلف، عظامه وأعصابه كلها خلقها الله عز وجل متناسقة القوام، وهذا دليل على عظمة خلق الله عز وجل.
والإنسان لو تفكر في خلقه، ولو تفكر في أعضائه، ولو تفكر في وظائف هذا العضو، ولو تفكر في وظائف عضو واحد؛ الذي يتنفس النفس وهو أيسر الأشياء، لو أصاب الإنسان ضيق في النفس لعلم مقدار نعمة الله عز وجل عليه في النفس. إن البنا مثلا عندهم أزمات ربو حادة، شفاهم الله، تجدهم هم الذين يحسون بنعمة النفس، أما الإنسان الطبيعي الذي يتنفس بطبيعته ولا يجد أثرًا أو صعوبة في التنفس فإنه لا يحس بقيمة هذه النعمة.
وأخرجوا الفضلات -أكرمكم الله- نعمة عظيمة، لو بقيت الفضلات في جسم الإنسان لتأذى منها وربما أدت إلى وفاته. ولذلك ذكر بعض أهل العلم -رحمهم الله تعالى- قصة عن رجل عابد، كان من شدة حبه لله عز وجل قال: يا ربي أنا أحبك فامتحني بما شئت، فامتحنوه بعسر في البول -أكرمكم الله-، فكان يجد صعوبة شديدة في ذلك، فكان يدور على صبيان الكتاب، الأطفال الذين يدرسون في الكتاتيب، فيقول: ادعوا لعمكم الكذا، لم يصبر على هذه المصيبة التي يظن أنها يسيرة، لكن من فقد ذلك ما يحس بقدر النعمة إلا من فقدها.
والإنسان لا ينبغي له أن يدعو على نفسه بالبلاء. عاد النبي ﷺ رجلًا من أصحابه قد خفت، فصار مثل الفرخ، ضعف جسمه وهزل جدًا، فقال له النبي ﷺ: «هل كنت تدعو الله بشيء تسأله إياه؟» قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، العقوبات عجلها لي في الدنيا لكي يدخل الجنة مباشرة، فقال له النبي ﷺ: «سبحان الله! لا تطيقه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟». فالإنسان لا يدعو على نفسه بالبلاء، وذلك يقول النبي ﷺ: «لا تتمنوا البلاء، واسألوا الله العافية، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا». الإنسان لا يتعرض للبلاء لكنه إذا ابتلي فليصبر، لكنه لا يدعو على نفسه بأن يبتلى.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4-5]. يعني أن الإنسان إذا كفر ولم يؤمن بالله عز وجل فإنه يرد إلى أسفل سافلين في النار والعياذ بالله، واستثنى الله عز وجل من ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 6]. فالمؤمنون لا يردون إلى أسفل سافلين، لهم أجر ثواب غير ممنون، غير مقطوع؛ ثواب الله عز وجل لهم مستمر، وهذا ثواب العمل الصالح يستمر لك، فاحرص على الاستكثار من الأعمال الصالحة، خاصة ما كان يبقى أجره بعد وفاتك، من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو لك بعد وفاته، فاستكثر من الأعمال الصالحة خاصة ما كان يبقى أجره بعد وفاتك لكي يستمر أجرك لا ينقطع بوفاتك، فالموفق من لا تنقطع حسناته بموته، والغافل من تنقطع حسناته وهو حي، نسأل الله أن يجعلنا من الموفقين.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7]. ما يكذبك يا محمد بعد هذا البيان بالدين؟ أي بالجزاء والحساب. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]. ومن حكمته سبحانه أنه لا يترك عباده عبثًا، بل جعل لهم يومًا يجازون فيه ويحاسبون، أنزل عليهم شرعًا، وبعث لهم رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، وأمرهم باتباعه، وجعل لهم يومًا يجازون فيه؛ فمن أطاع الرسول أطاع الله ورسوله دخل الجنة برحمة الله، ومن عصاه -والعياذ بالله- كان مصيره النار. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؟ الجواب: بلى، الله سبحانه أحكم الحاكمين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان