دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة البلد

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم قال الله عز وجل في السورة التي تليها: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2]. أقسم ليس نفياً للقسم، وإنما تثبيت له. قال بعض المفسرين إن المراد نفي ما كان المشركون يدعونه، من مثلاً عد قدرة الله عز وجل ونحو ذلك.

أقسم بهذا البلد الذي هو مكة: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾، يعني وأنت حلال بهذا البلد، لم تحرم عليك مكة. وكان هذا وقت فتح مكة، وفي هذا إشارة إلى أنه سيفتح على النبي ﷺ مكة وستكون حلالاً له وقتاً من الزمن، لأن هذه السورة مكية.

﴿وَلَا وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، أقسم الله عز وجل بكل والد وما ولده، أقسم على ماذا؟ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]؛ يعني إن الإنسان مخلوق يتكبد المشاق من خروجه من بطن أمه إلى أن تقبض روحه، فهو في مشقة؛ مرض، تعب، فقر، لا يسلم من مشاكل صحية أو مشاكل نفسية، لا يسلم من أيام متتالية بدون مشقة ومشكله، فهو في كبد.

﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: 5]، يظن الإنسان أن لن يستطيع أحد أن يقدر عليه، يعاقبه، أو يقدر عليها. يقول: أهلكت مالاً، يفتخر ويقول: أنا أنفقت مالاً كثيراً، ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: 7]؟ أيحسب أن لم يطلع عليه أحد؟

ثم يبين الله عز وجل بعض نعم: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]؛ جعل له عينين ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين، بين له الطريقين: طريق الخير وطريق الشر.

﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، لماذا لم يقتحم العقبة وهي الطريق الشاق؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، الاستفسار للاستفهام التشويق؛ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، هذا من طريق الخير، فك رقبة، إعتاق. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، يعني أن يطعم الإنسان في يوم شديد المجاعة، ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾، الذي فقد والده دون البلوغ ويكون قريباً منه، ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، فقيراً قد لصق بالتراب من الفقر.

إذن هذه هي العقبة الكؤود، التي من التعب الذي على الإنسان أن يتجاوزه بهذه الأمور: فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يطعم يتيماً قريباً منه، أو مسكيناً ذا متربة.

﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، يعني أن هذا الذي تجاوز هذه العقبة هو من المؤمنين الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة؛ يوصي بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله، وعلى معصية الله، وعلى قدر الله، ويوصون بالمرحمة والتراحم فيما بينهم.

﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، هم أصحاب اليمين الذين مصيرهم الجنة. أما الفريق الآخر الذين كفروا بآياتنا فهم أصحاب المشأمة، أصحاب الشمال، أصحاب النار: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 20]، يعني أنهم سيعاقبون بنار مؤصدة، يعني مغلقة مطبقة عليهم ولا يستطيعون الخروج منها، والعياذ بالله.