قال الله عز وجل في السورة التي تليها: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1-2]. تزلزل الأرض يوم القيامة، أو في نهاية الدنيا كما جاء في علامات الساعة، حيث قال النبي ﷺ: «إن من علامات الساعة ثلاث خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب». فتزلزل الأرض وتخرج أثقالها، تخرج ما في باطنها يوم القيامة، تخرج الأموات ومما في باطنها ما فيها من كنوز مدفونة في الأرض.
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3]، ما الذي حدث للأرض؟ لماذا زلزلت؟ لماذا أخرجت أثقالها؟ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4]، يعني أن هذه الأرض تذكر ما عُمِل عليها من خير أو شر، فما عُمِل عليها الشهود عليك يوم القيامة. سيشهد عليك الملكان اللذان عن يمينك وشمالك، وستشهد عليك جوارحك لو أنكرت، قال الله تعالى: «لماذا سمعت كذا وكذا ولم تسمع؟»، يُختم على لسانك ويقال لجوارحك انطقي فتنطق جوارحك يوم تشهد عليهم؛ ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: 21]. فتشهد عليك جوارحك، ومما يشهد عليك الأرض، فالأرض التي أنت عليها ستشهد لك بالخير وتشهد عليك بالشر، فاحرص أن تستكثر من شهود الناس والأرض لك بالخير.
ولذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه: «ما من حجر ولا شجر ولا صخر إلا ويشهد له يوم القيامة». فهذا من شهودك عند الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ [الزلزلة: 4-5]، يعني أن الله عز وجل أذن لها بأن تُحدث وأمرها بأن تُحدث. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: 6]، يخرج الناس جماعات ليروا أعمالهم التي عملوها، فكل عمل عملته ستراه يوم القيامة، من خير أو شر: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
الذرة الصغيرة، يعني مثقال الذرة ليس بشيء. لو أن بعض السلف قام مرة في الصباح ووجد الرغيف أو الأكل الذي عنده مليئًا بالذر، فوزنه ثم ألقى الذر -وليس ذرة واحدة بل مليئًا بالذر- ثم وزنه مرة أخرى، وإذا هو لم يتغير وزنه؛ فالذرة لا تمثل شيئًا، لا تُثقل الشيء، ذرة واحدة فكيف بجيش من الذر! المهم أنه لن تعمل عملًا من خير أو شر إلا ستراه يوم القيامة، فلذلك احرص تمام الحرص على الاستكثار من الخيرات، وعلى الاستعداد والتوبة من عمل الشر.
الإنسان غير معصوم، لكن كلما عملت سيئة فاحرص على أن تبادر بالتوبة لله تعالى، وما يمنعك من تعجيل التوبة وأنت لا تدري متى يقضي الأجل؟ كم نسمع عن أناس طيبين ما من عافية، أصابهم الهلع فماتوا، أو ينامون فلا يستيقظون وإنما يُحملون إلى المغسلة مباشرة. كم نسمع من أناس ذهبوا في الصباح في مشوار، لبسوا ثيابهم ولم يخلعوها، وإنما خلعهم الموت، الذي تخطى غيرك إليه سيتخطى إليك، متى؟ الله أعلم. فكن مستعدًا لذلك، كن مستعدًا للقاء الله تعالى، وبادر إلى الطاعات والقربات، لعل الله أن يختم لك بخير.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان