دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الأعلى

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم قال الله عز وجل في السورة التي تليها ونختم بها، وهي سورة الأعلى وسورة الغاشية. النبي ﷺ يقرأ بهما في صلاة العيدين، والجمعة، أحسنتم. والأعلى أيضًا يقرأ بها النبي ﷺ في صلاة الوتر؛ يقرأ في صلاة الوتر بالأعلى والكافرون والإخلاص.

سبح ابتداء الله عز وجل بأمره لنبيه ﷺ بالتسبيح: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]. سبح الله عز وجل وهو أعلى، عالٍ سبحانه على عرشه، مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه، سبحانه وصفاته عليا أيضًا، فله من الأسماء أحسنها ومن الصفات أعلاها سبحانه.

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ثم ذكر من صفاته الذي خلق فسوى؛ خلق خلقه فأبدع خلقهم في أحسن صورة. ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قدر لخلقه وهداهم لمقادير، هداهم لأمور معاشهم. انظروا إلى الطفل الصغير الرضيع، هداه الله عز وجل إلى كيفية رضاعه من أمه، وهو صغير لم يتعلم أن هذا الثدي فيه حليب، لكن هداه الله عز وجل. فالله عز وجل يخلق ويهدي خلقه إلى ما فيه منفعته.

﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾؛ أخرج النبات من الأرض ثم نبتت فصار مصيرها إن كانت غثاءً يعني ماتت بعد ذلك، وهكذا الأرض تموت تحيا ثم تموت. وفي موت الأرض بعد حياتها، وحياتها بعد موتها دليل على قدرة الله عز وجل على بعث خلقه بعد موتهم، ولذلك الله عز وجل يكرر ذلك دائمًا، كذلك النشور، كذلك الخروج. إذا ذكر حياة الأرض بعد موتها، ذكر أنه كذلك يحيي الناس بعد وفاتهم لبعثهم في يوم الجزاء والحساب.

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾؛ سنجعلك تقرأ القرآن وتحفظه ولا تنساه. فلا تنسى إلا ما شاء الله، يعني ما شاء الله أن تنساه مما ينسخه الله عز وجل فينسى تلاوته؛ لأن بعض الآيات ينسخ الله عز وجل يحذفها من القرآن، يزيلها من القرآن فهي منسوخة غير موجودة في القرآن، أنساها الله نبيه ﷺ. والله عز وجل لا ينسي نبيه إلا ما كان منسوخًا، أما ما لم ينسخ فإن الله لا ينسيه نبيه ﷺ لأن الله تولى حفظ القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾؛ يعني أن الله عز وجل عالم بكل شيء، بالجهر وبما يخفيه الإنسان من السر، ما يسر به الإنسان، فالله عز وجل عالم بكل شيء. وإذا أيقن الإنسان بأن الله عز وجل عالم بسره ونجواه وعلانيته، وعلم باطلاع الله عز وجل عليه، فإن هذا يحثه إلى أن يصلح نيته ويصلح سريرته ويجعل باطنه خيرًا من ظاهره؛ لأنه يعلم أن الله عز وجل عالم بكل شيء.

﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾؛ ييسر لأمور الخير. ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾؛ فذكر غيرك إن نفعت الذكرى. وإنما تنفع الذكرى من استقبلها بقلب خاشع واستعد لتنفيذها. فذكر النفع بالذكرى سيتذكر من يخشى. الناس خلال هذه الذكرى نوعان: إنسان يخشى الله عز وجل فهو سيتذكر وسينتفع بهذه الذكرى، وإنسان كتب الله عليه الشقاء فإنه لن ينتفع بهذه الذكرى وسيتجنبها، الأشقى الذي يصلى النار الكبرى والعياذ بالله. فمن لم يتذكر بما وعظه الله عز وجل به فإنه والعياذ بالله سيكون ماله الشقاء ومصيره النار؛ إذا ترك وعظ الله عز وجل لم يتعظ بما وعظه الله عز وجل به، ترك التوحيد، ترك الإيمان، فهذا مصيره النار، العياذ بالله الذي يصلى النار الكبرى العظيمة التي سبق أن ذكرنا بعض أوصافها، ثم ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾؛ لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة يرتاح بها، بل هو معذب شقي لا يرتاح لحظة واحدة.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾؛ يعني فاز من زكى نفسه وطهرها بتقوى الله عز وجل، وذكر اسم ربه فصلى، يعني أنه أقبل على ذكر الله عز وجل وعبادته والصلاة لله عز وجل. ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾؛ ثم يرشد الله عز وجل الناس إلى أنهم يقبلون على الآخرة ولا يقدمون الدنيا عليها، فالدنيا على اسمها دنيا يعني أنها دنيئة حقيرة، أما الآخرة فهي الباقية. وهذا لا يعني كما قدمنا سابقًا أن الإنسان يترك الدنيا بحذافيرها، لا، باس من التمتع بأمور الدنيا، لكن بما لا يشغله عن طاعة الله عز وجل ولا يقطعه عن عبادة الله عز وجل، بل يتمتع بالدنيا ويجعل الدنيا سبيلاً له للاستزادة في الآخرة خير وأبقى.

﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، إن هذا المرشد إليه سابقًا والمذكر به سابقًا في الصحف الأولى، يعني موجود هذا الكلام في الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى، الصحف التي أنزلها الله على النبيين إبراهيم وموسى -عليهما الصلاة والسلام- وهما من أولي العزم من الرسل، فهذا الكلام لعظمته لم يتفرد القرآن بذكره، بل ورد في الكتب السابقة، كتب إبراهيم والكتاب الذي أنزل على موسى عليهما الصلاة والسلام. أسأل الله أن يوفقنا لكل خير.

بارك الله فيك يا شيخ. السؤال بالنسبة لذكر سورة الأعلى والغاشية في صلاة الجمعة، وتكرارها كل صلاة جمعة وعدم الثبات لها سنوات، هل على الخطيب أو الإمام في صلاة الجمعة إذا كان يقرأ في كل أسبوع سورتي الغاشية والأعلى -وهو ورد عن النبي ﷺ أنه كان يكرر في الجمعة بالغاشية والأعلى وقول الراوي كان يقرأ، هذا يدل على التكرار لكنه لا يدل على الدوام، بدليل أنه ﷺ كان يقرأ أحيانًا في الجمعة بالمنافقون وسورة الجمعة- فالسنة للإمام أن ينوع، فيقرأ أحيانًا الغاشية والأعلى، وأحيانًا الجمعة والمنافقون، فالسنة في التنويع ليست في المداومة، وإن قرأ بغيرهما أحيانًا فلا بأس، لئلا يظن الناس أنها واجبة. أسأل الله أن يوفقنا لكل خير.

نعم، أحسنت. يسأل عن سورة الملك، وهل هي تقي أو تحمي من عذاب القبر؟ نعم، هذا ورد في حديث النبي ﷺ: «إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى يُغفر له»، وهي {تبارك الذي بيده الملك}، هذا ثابت عن النبي ﷺ، لذلك الإنسان يحرص على قراءتها وتأملها وتدبرها. أسأل الله أن يوفق الجميع لكل خير، وأن يغفر لنا ويرحمنا، وأن يجعل هذا العلم حجة لنا يوم القيامة، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.