دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الشمس

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم قال الله عز وجل في السورة التي تليها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾. هذه السورة أقسم الله عز وجل فيها بعدة أقسام؛ أقسم بالشمس وبضحاها، والقسم الثاني: ﴿وَالْقَمَرِ﴾، الثالث: ﴿إِذَا تَلَاهَا﴾، أي إذا تلا الشمس، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، أي إذا جلى الشمس، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، يعني يغطي الشمس والسماء، السادسة: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ وهو الله عز وجل، هذا السابع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ هذا الثامن، ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ وهو الله عز وجل أقسم بنفسه مرة أخرى، طحاها أي بسطها ومهدها، وهذه العاشرة: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ أقسم بنفسه عز وجل.

السؤال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾، ربنا سبحانه وتعالى يقسم بنفسه، لماذا؟ لم أنشئ الأرض ومن طحاها؟ أحسنت. يقول الله عز وجل أقسم بنفسه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَالنَّفْسِ وَمَا سَوَّاهَا﴾، لماذا قال «ما» ولم يقل «من»؟ «من» تطلق للعاقل، و«ما» تطلق لغير العقل.

أحياناً تطلق «ما» تطلق للعاقل ويراد بها الإشارة إلى بعض الأوصاف؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، النساء عاقلات، لماذا قال «ما طاب» ولم يقل «من طاب» من النساء؟ «ما طاب» الإشارة إلى وصف النساء وهو وصف الطيب. فهنا أقول، لعل -ولا أجزم- لعل لعله أشار بـ«ما» ولم يذكر «من» للإشارة إلى وصف الله عز وجل بالتسوية للنفس، وبناء السماء، وبطحي الأرض وبسطها، فلعل لعله عبر بـ«ما» للإشارة إلى هذا الوصف، والله أعلم، وقد يكون هناك سبب آخر، لكن أقول قد يكون هذا هو السبب، والله عز وجل أعلم بما أراد.

نكمل، أقسم الله أحد عشر قسماً، أقسم على ماذا؟ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، يعني ألهمها، ألقى فيها من غير تعليم أحد، ألقى فيها الفجور والتقوى، علمها سبيل الفجور وسبيل التقوى، سبيل الشر وسبيل الخير. أقسم على ماذا؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، هذا هو جواب القسم؛ أقسم أحد عشر قسماً على هاتين الجملتين.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ يعني أن من زكى نفسه وطهرها من الذنوب والمعاصي بطاعة الله عز وجل فإنه هو المفلح الفائز، لن يخسر بإذن الله تعالى. وأما ﴿مَن دَسَّاهَا﴾ يعني أخفى نفسه بالمعاصي ودنس نفسه بالمعاصي والذنوب والشرك نحو ذلك، فإنه خائب خاسر، قد خاب من دساها.

ثم ذكر الله عز وجل مثالاً على من دسى نفسه وخاب بقصة ثمود قوم صالح: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾، بتجاوزها للطغيان، إذ انبعث أشقاها، أي قام أشقى القوم واسمه قدار بن سالف، فقال لهم رسول الله الذي هو نبي الله صالح عليه السلام: ﴿لَكُمْ شَرَابُهَا يَوْمَ مَعْلُومٍ﴾، يعني احذروا أن تتجرأوا على ناقة الله وأن تتجرأوا على سقياها، لأنه اتفق معهم على أن تشرب الناقة من البئر يوماً، وتشرب نوق من البئر اليوم الآخر، لها شرب ولكم شرب يوم معلوم.

فكذبوه، فكذبوا صالحاً عليه السلام فعقروها، عقروا الناقة، وإنما عقرها واحد ولكن أسند الله العقر إليهم جميعاً لأنهم رضوا بفعله، والراضي كالفاعل. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ﴾، يعني أهلكهم الله عز وجل بذنبهم بالصيحة والرجفة الشديدة، ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي استووا في العقوبة، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ يعني أن الله عز وجل لا يخاف عاقبة هذا العذاب، فالله عز وجل يفعل ما يشاء لا يخاف شيئاً سبحانه وبحمده، فهو المالك المتصرف سبحانه وبحمده.