ثم ننتقل إلى السورة التي تليها وهي سورة الغاشية، وابتدأ الله عز وجل بقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وهذا استفهام للتقرير، أي: أتتك الغاشية؟ والغاشية من أسماء يوم القيامة.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾؛ ذليلة عاملة ناصبة، يعني أنها تعمل وتنصب في نار جهنم والعياذ بالله، ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، أي تدخل هذه النار وتقاسي حرها، ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ أي عين شديدة الحرارة.
ليس لهم طعام لأهل النار إلا من ضريع، ومن الشوك الذي يغص فيه، كما قال الله تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: 6]، وهو الشوك الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فهم يجوعون ويأكلون هذا الشوك، ثم يحتاجون إلى ماء يدفعون به هذا الشوك فيسقون من الحميم، والغاسلين من وجوههم شوى وجوههم، وإذا شربوه قطع أمعاءهم والعياذ بالله، والماء المنتن شديد النتن لكن يشربونه لشدة عطشهم.
ثم ذكر الله عز وجل الصنف الآخر: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾؛ راضية لما قامت به من طاعة الله عز وجل، وجدوا نتيجة عملهم في الآخرة في جنة عالية، ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾؛ لا يسمعون فيها كلامًا بذيئًا ولا قبيحًا، ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾، فيها سرر مرفوعة عالية، وأكواب يعني أواني الشرب موضوعة عندهم متى ما أرادوا أن يشربوا، ونمارق مصفوفة؛ أي الوسائد مصفوفة ومرتبة بعضها إلى جانب بعض، وزرابي مبثوثة؛ أي البسط مفرقة ومنشورة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. وهذا بيان أن الكفار إنما حرموا الجنة لأنهم لم يأتوا بالتوحيد، فمن تفكر في خلق الله للإبل وفي خلقه للسماء والأرض والجبال أدرك عظمة الله عز وجل فوحده، لكن هؤلاء لم يعظموا الله عز وجل، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
عظيم خلق الله لها، ومع عظم خلقها إلا أنها مذلة منقادة، وإلى السماء كيف رفعت ومدت بلا عمد، ومع ذلك أمسكها الله عز وجل أن تسقط، وإلى الجبال كيف نصبت وقد ثبت الله الأرض بها فهي أوتاد للأرض، وإلى الأرض كيف سطحت جاءت سطحًا ممتدًا وعاش الناس عليها.
فهذه نعم عظيمة، لكن الإنسان مع مرور هذه النعم عليه وتمر أمام عينيه دائمًا لا يتفكر في عظيم خلق الله عز وجل له، وإلا لو جلس مع نفسه وتفكر في عظمة خلق الله لأدرك أنه مخلوق صغير جدًا بين يدي الله تعالى.
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾؛ يخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بالحق، فإنما هو مذكر وظيفته التذكير، ليس وظيفته هداية الناس، ويبين للناس، إما يهتدون أو لا يهتدون، هذا ليس مسؤوليتهم، لست عليهم بمسيطر، لا تسيطر عليهم وتجبرهم على الهداية، إلا من تولى وكفر، فإن الله عز وجل يعذبه العذاب الأكبر العظيم.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾؛ أي مرجع الناس كلهم إلى الله تعالى، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾؛ حسابهم على الله، وهذا فيه تهديد لمن قصر في جنب الله عز وجل أو ظلم خلقه، وفيه تسلية للمظلوم والمعتدى عليه ومن لم يصله حقه كاملًا، فحساب من اعتدى عليك الله تعالى مرجعه إلى الله تعالى، فأيقن وأبشر بما يسرك من خير في الدنيا أو في الآخرة، وخير الآخرة أعظم، وإنه يأتي وأنت في حاجة ماسة إلى الحسنة الواحدة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان