دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الفجر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم في السورة التي تليها أقسم الله عز وجل في أولها بالفجر، وهو الوقت المعروف، وليالٍ عشر، وهي عشر ذي الحجة، وهذا دليل على عظمتها؛ فالله عز وجل أقسم بها، والقسم بالشيء دليل على عظمته. وقد قرر أهل العلم -أو بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى- فضل هذه العشر، أنها أفضل أيام العام، بدليل قول النبي ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، يعني عشر ذي الحجة. قالوا: يا رسول الله، والجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا، ولا الجهاد إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».

والمشكلة أننا نجد تهاونًا من الناس في التسابق للعمل الصالح في هذه الأيام، نعم، نجدهم يتسابقون ويتنافسون عن العمل الصالح في العشر الأخير من رمضان وفي رمضان كله، لكن قليل من الناس من يحرص على العمل في هذه العشر الأول من ذي الحجة، وهي أيام فاضلة، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله من العمل في غيرها. والشفع والوتر اختلف في المراد بهما، هل هو يوم النحر ويوم عرفة، أو أي عدد شفع وأي عدد وتر.

على كل، الله عز وجل أقسم بالشفق والليل إذا يسرى، ويأتي، هل في ذلك قسم لذي حجر؟ يعني هل في هذه الأقسام ما هو مقنع لذي عقل؟ الحجر هو العقل، وسمي العقل حجرًا؛ لأن الحجر أصلاً من المنع، حجر على فلان أي منعه، وسمي العقل حجرًا لأنه يمنع صاحبه من فعل ما لا ينبغي.

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، هنا يذكر الله عز وجل قصة بعض أنبياء الله عز وجل أو بعض الأقوام الذين أرسلهم الأنبياء، كيف فعل ربك بعاد، إرم وهم قوم عاد، ذات العماد، يعني أنهم أصحاب بيوت عالية التي لم يخلق مثلها في البلاد من شدة مساكنهم وبيوتهم. وثمود من قوم صالح الذين جابوا الصخر بالواد، نحتوا الصخر فجعلوا في الجبال بيوتًا. وفرعون ذي الأوتاد، ذي الأوتاد، الحبال العظيمة والحديد التي يعذب بها الناس الذين طغوا في البلاد. هؤلاء كلهم عاد وثمود وفرعون، طغوا وتجاوزوا الحد في الطغيان، فأكثروا فيها -أي في البلاد- من الفساد ومعصية الله عز وجل، فعاقبهم الله عز وجل بأن صب عليهم سوطًا من عذاب. جاءهم توز من عذاب الله عز وجل، وإلا فعذاب الله عظيم، لكن الذي يأتي في الدنيا جزء يسير من عذاب الله، لهم في الآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. إن الله عز وجل في طريق من يعتدي ويظلم ويبغى، فهو بالمرصاد لكل طاغٍ، وبالمرصاد لكل معتدٍ، وبالمرصاد لكل ظالم.

وهذا مسلت للمظلومين، فيا أيها المظلوم، اعلم أنه إن لم يكن لك ناصر في الأرض فلك ناصر في السماء، والله عز وجل بالمرصاد لمن ظلمك، إن لم يذق وبال ظلمه في الدنيا فسيذهب إن لم يتدارك نفسه من هذا الظلم. ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾. هنا يبين الله عز وجل أن الرزق لا يرتبط، وأن العطاء الدنيوي لا يرتبط بالرضا، فقد يعطي الله الإنسان ويوسع عليه في الدنيا وهو غير راضٍ عنه، وقد يضيق عليه في الدنيا وهو يحبه. فلذلك يقول الإنسان عندما يبتليه ربه فيُكرمه وينعمه: "ربي أكرمني" لأنه يحبني، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: "ربي أهانني"، لا، ليس الأمر كذلك، العطاء ليس مقرونًا بالرضا، وليس مقرونًا بالمحبة، فالدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب، أما الدين فلا يعطيه الله عز وجل إلا من يحب.

﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. وهذا كما ذكرنا سابقًا أنه من طبع الإنسان أنه يحب المال حبًا شديدًا. ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. يجيء الله عز وجل للفصل بين العباد، وجاء ربك والملك صفًا صفًا، صف الملائكة صفوفًا لهذا المقام العظيم، والناس كلهم في المحشر. ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، من شدة الهول، لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن، ومن شدة الهول وجيء يومئذ بجهنم. جهنم يُجاء بها يوم القيامة لها سبعة آلاف زمام، مع كل زمام سبعة آلاف ملك يجرونها.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾. كيف سيتذكر الإنسان؟ لن تنفعه هذه الذكرى يوم القيامة ما دام لم يتذكر في الدنيا، فلن تنفعه الذكرى. ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، يتحسف ويتأسف، يقول: "يا ليتني قمت بالأعمال الصالحة في حياتي"، لكن ندم يوم لا ينفع الندم. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، عذاب الله عظيم، فلا يعذب عذاب أحد، ولا يوثق أحداً.

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. وهذه تقال لروح المؤمن عند خلع روحه: ارجعي إلى ربك راضية عن الله عز وجل، مرضية مرضيًا عنك، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. وهذا أعظم ما يسمعه المؤمن من البشرى، نسأل الله من فضله.