دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة العاديات

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم قال الله عز وجل في السورة التي تليها، سورة العاديات: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: 1-5].

هنا أقسم الله عز وجل بالعاديات، والعاديات قيل إنها الخيل، وقيل إنها الإبل العاديات، يعني التي تعدو وتسرع. ﴿ضَبْحًا﴾؛ فيصحب منها الضبح، وهو صوتها أثناء العدو. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ يعني أنها في ركضها قد تحتك حوافرها فتوري النار، يعني تشعل نارًا باحتكاك حوافرها ببعض. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ يعني أنها يغار بها، يعني يؤتى بها العدو، يركب عليها الجيش فيغير بها على العدو في الصبح، في النهار. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ يعني إذا عدوا وركضوا يثيرون النقع، يعني الغبار. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فيتوسطون ويأتون وسط هذا الجمع.

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، أي لجحود يجحد نعم الله عز وجل عليه. ﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يعني هو شاهد على أن الله عز وجل منعم عليه، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يعني الإنسان يحب الخير، والخير في الآية هو المال، يحب المال حبًا شديدًا، وهذا من طبع الإنسان، حب الإنسان للمال حب طبعي؛ إذ قال الله عز وجل: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]، فلا يلام الإنسان على حبه للمال، لكن يلام إذا طغى حب المال على قلبه فكان المال هو الذي يحركه. أما مجرد محبة المال فهذا أمر طبيعي.

﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ يعني أخرج ما في القبور، بُعث الناس من قبورهم لله عز وجل، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾؛ أبرزت ما يخفيه الإنسان في الدنيا، سيبرز يوم القيامة، كما قدم بالحديث البارحة عن الذي يراءي وهو في الجهاد، أو في الصدقة، أو في طلب العلم وقراءة القرآن وتعليم العلم، هؤلاء أخفوا رياءهم ونيتهم الفاسدة في الدنيا، فيبرزها الله يوم القيامة. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، تُبلى السرائر، في الدنيا لا أحد يعلم عن نيتك، ولا يجوز للشخص أن يحكم الإنسان بنيته وقصده، لا يعلم عن نيتك إلا الله عز وجل.

ولذلك لما كان عند النبي صلى الله عليه وسلم اسمه ابن زيد رضي الله تعالى عنه في إحدى السرایا، قتل كافرًا أعلن إسلامه قبل أن يقتله، لما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقال أسامة: إذاً هو أراد أن لا أقتله فقتله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أقتلتَه بعد أن قال لا إله إلا الله؟»، قال: قاله متعودًا، يعني يريد أن لا أقتله فقط، وأنه ما قصد أن يدخل في الدين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا شققت عن قلبه؟»، يعني لا نحكم إلا بالظاهر، كونه أسلم ليس لقصد الإسلام هذا لله تعالى، لكن نحن منا إلا الظاهر، لذلك لا يجوز أن نحكم على الإنسان بقصده، لا نحكم عليه إلا لظاهره، أما المقاصد والنيات فأمرها إلى الله تعالى.

ولذلك على الإنسان أن يحسن نيته، أن يجاهد نفسه على تصحيح النية؛ فما تخفيه الآن ستبرز يوم القيامة، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. ﴿وَإِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ سبحانه وتعالى، والخبير اسم من أسماء الله عز وجل، والخبير أخص من العليم، الخبير هو العليم ببواطن الأمور. وهذا كما تقول في أهل الدنيا: هذا خبير بالشيء الفلاني، خبير بالكهرباء، خبير بالسباكة، يعني ليس يعلم فقط، بل إنه يعلم بالأشياء الدقيقة، وهكذا، ولله المثل الأعلى، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور، ومن يعلم بواطن الأمور يعلم ظواهرها.