ثم قال الله عز وجل في السورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾ [الليل: 1-3]. هنا أقسم الله عز وجل بالليل إذا غطى الأرض بظلامه، وبالنهار إذا تجلى وظهر وبرز، وما خلق الذكر والأنثى؛ أقسم الله عز وجل بنفسه وأنه خلق الذكر والأنثى.
وفي أقسام الله عز وجل هنا بالليل وبالنهار، وفي سورة الضحى أقسم بالضحى، وفي سورة العصر أقسم بالعصر، وسورة الشمس أقسم بالشمس وضحاها والنهار وبالليل. أقسام الله عز وجل بالأوقات دليل على عظمة الوقت، وأن الإنسان ينبغي له أن يحرص على استغلال وقته واستثماره بما يقربه إلى الله تعالى.
ونجد تفريطًا من كثير من المسلمين في أوقاتهم، وهذا أمر لا ينبغي؛ فالمسلم ينبغي له أن يحرص على وقته، وألا يضيع وقته في أمر لا يقربه إلى الله تعالى أو لا يعينه على التقرب إليه. فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى، وهو من التابعين: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على دراهمكم ودنانيركم، كانوا يحرصون على أوقات لا تضيع بغير ما يقربهم الله تعالى».
بل إن بعض العلماء رحمهم الله تعالى كان لا يريد أن يضيع وقته ولا أثناء قضاء الحاجة أكرمكم الله، فكان إذا دخل للخلاء ليقضي حاجته يأمر أحد بنيه أن يقرأ عليه من كتاب وهو يسمع، يقول: لا أريد أن يذهب علي الوقت هذا بغير التزود من العلم والتزود مما يقربني إلى الله تعالى. فالإنسان يحرص على ألا يضيع وقته بغير طاعة لله تعالى، ويحرص على الالتزام بالوقت؛ إذا وعد إنسانًا في وقت معين عليه أن يحضر في هذا الوقت، وإذا تأخر لظرف عليه أن يعتذر، ولا يجعل الوقت مفتوحًا متى ما جاء بزميله أو صديقه. عليه أن يحدد وقته ويحرص على ألا يضيع في غير ما يقربه إلى الله تعالى.
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾؛ أي أعمالكم مختلفة، فالناس مختلفون؛ فإما من أعطى واتقى، هذا الصنف الأول: أعطى واتقى، تصدق لله تعالى واتقى الله عز وجل وصدق بالحسنى، صدق بالجنة وصدق بأن الله يخلف على المتصدق خيرًا؛ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾، هذا جزاؤه؛ أن الله عز وجل ييسر له عمل الخيرات وييسر له الطريق إلى الجنة.
بخلاف الصنف الآخر؛ وأما من بخل بما تصدق به من أمواله واستغنى، استغنى عن الأجر واستغنى بماله، وكذب بالحسنى، صدق بموعود الله عز وجل وصدق بالجنة وكذب بالحسنى؛ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾، أي نصعب عليه الأمور. ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾، أي أي شيء يغني عنه ماله إذا هلك وسقط في نار جهنم والعياذ بالله.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾؛ يبين الله عز وجل أن الهدى عليه، أنه هو الذي يبين طريق الهدى، وأن الآخرة والأولى له سبحانه، فهو مالك الآخرة والأولى، وجميع ما في يدك هو ملك لله عز وجل وأنت مستخلف في هذا المال؛ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، فأنت مستخلف في هذا المال، فالمال مال الله، فأنفق فيما يقربك إلى الله تعالى.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ * فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾؛ حذرتكم النار التي تتوقد ويشتد لهبها. ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾، لا يقاسي حرها إلا الشقي الذي لم يتبع هدى الله عز وجل، الذي كذب وتولى؛ كذب بموعود الله عز وجل، كذب بالله، كذب برسوله صلى الله عليه وسلم وتولى، أي أعرض عن الحق.
أما الصنف الآخر: ﴿سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، الأتقى يجنب النار، الأتقى الذي اتقى الله عز وجل واتبع أوامره واجتنب نواهيه، ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾، يعطي ماله يزكي الله به نفسه، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾؛ يعني هو لا يرجو إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، يتصدق لوجه الله تعالى، لا يريد من الناس الذين تصدق عليهم جزاءً ولا شكورًا، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾؛ يعني يرضيه الله عز وجل، وأعظم ما يرضيه الله عز وجل برحمته والجنة.
وهذه الآيات يذكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ فهو الذي يتصدق بماله وهو أعتق بعض الرقاب كبلال وغيره، هو الذي أعتقهم، حتى إن والده أبا قحافة رضي الله تعالى عنه كان يقول له قبل إسلامه: لماذا تتصدق على هؤلاء وهم ضعفاء؟ تصدق على أناس ينفعونك. فكان يقول: إنما أريد وجه الله. وإن نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فهي شاملة لكل عامة، لكل من تصدق ابتغاء وجه الله تعالى؛ فإن الله عز وجل سيرضيه.
ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تعليقًا على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾: «إن من طلب الدعاء من الفقير الذي تصدق عليه، فقد خرج من هذه الآية». من طلب الدعاء من الفقير الذي تصدق عليه فقد خرج من هذه الآية؛ لأنه تصدق عليه وطلب منه الجزاء، طلب منه مثلاً أن يقول له: ادعُ لي بكذا. لا تجعل نيتك خالصة لله عز وجل وسيرضيك، بل اجعل نيتك خالصة، ولا تطلب الدعاء من الفقير.
ولذلك كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تبعث بصدقات الفقراء، وتقول لمن تبعث معه الصدقة: انظر ما يدعون به لنا لكي نكافئ بالدعاء، يعني إذا قالوا: الله يوسع عليها، أو الله يرزقها، تقول: لكي نكافئ بالدعاء نقول وندعو لهم بذلك، لكي لا نكون قد أتينا من هذه الصدقة جزاءً من الناس وشكورًا منهم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان