دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الهمزة

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم ننتقل إلى السورة الأخرى، وهي سورة الهمزة: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. هنا ابتدأ الله عز وجل هذه السورة بالوعيد لكل همزة لمزه، الذي يستهزئ بالناس ويسخر بهم ويكون من عادته ذلك، سواء يسخر بهم بالقول أو يسخر بهم بالفعل بالإشارة ونحو ذلك. فهذا هو الهماز اللماز، هذا متوعد بالعذاب الشديد ويل لكل همزة لمزه.

ومن أوسافه أنه اطمأن إلى هذه الدنيا جمع مالاً وعدده، ركن إلى المال وحاول أن يستغني به ويلهيه عن إلهه، هذا المال عن طاعة الله عز وجل. أيحسب أن الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخذه، يحسب أنه سيخلد بهذا المال الذي رزقه الله عز وجل؟ كلا، ليس الأمر كذلك، لن يخلده هذا المال.

لكنه إذا طغى وبغى وتجبر وتكبر وعاند الحق لينبذن في الحطمة، ليطرح. ينبذ النبذ هو الطرح والالقاء بشدة وقوة في الحطمة، وهي النار والعياذ بالله. وهذا من أسمائها الحطمة، التي يحطم بعضها بعضاً وتحطم ما يلقى فيها والعياذ بالله من أجسام الكفار والعياذ بالله. تحطم جسم الكافر، أيها الأحبة، ليس كجسم الآن في الدنيا. جاء في الحديث عن عليه الصلاة والسلام أن ضرس الكافر مثل جبل أحد، وأن غلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام، يسير الشخص الراكب ثلاثة أيام هذا غلظ جلده. فجسمه عظيم جداً، لكن جسمه يحترق والعياذ بالله في النار تحطمه النار والعياذ بالله. فجسمك أيها الحبيب، أيها المسلم، أيها الأخ الصالح، إياك أن تفرط فيه فيكون حطبا لنار جهنم والعياذ بالله.

ثم استفهم الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: 5]. الاستفهام بالتشويق: وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقده، هذه النار العظيمة جداً التي نار الدنيا ليست بشيء حيالها. الآن لو لا قدر الله احترق مثلاً بيت أو احتضرت غرفة أو احترق شيء يعني في الكهرباء ونحو ذلك، سار الحريق وأضر بأشياء كثيرة وهو حريق لنار الدنيا. ونار الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم». الإنسان لا يتحمل، لا يتحمل أن تلسعه نار هذه الدنيا لسعة خفيفة، لا يتحمل ذلك. فكيف إذا كان النار والعياذ بالله مصيره وماله والعياذ بالله تحرقه؟

وأهل النار يصطرخون فيها: ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل. ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب. يوم يعني أيتم الحيل، ما قالوا يا ربنا خفف عنا لا نادوا خذ ادعوا ربكم، ما قالوا ربنا لأنهم لا يرون أنفسهم أهلاً لذلك. وادعوا ربكم يخفف، ما قال يخرجنا من النار، يخفف عن، ما قال العذاب يوما من العذاب نرتاح لو وقت يسير، لا، لا راحة في النار والعياذ بالله.

العذاب يتنوع عليهم، يتنوع عليهم العذاب من حر وبرد. النار كما أن فيها حرا ففيها برد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها فقالت يا ربي أكل بعضي بعضا، فأذن الله عز وجل لها بنَفَسين، نَفَس في الشتاء ونَفَس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر فهو من، وأشد ما تجدون من الزمهرير فهو من نَفَس جهنم والعياذ بالله». فلذلك الإنسان يحرص تمام الحرص على أن يستعيذ بالله عز وجل من النار ومن العذاب، لأجل أن يوقى هذه النار العظيمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، أن يصل جحيمها ونارها إلى فؤاد الإنسان وقلبه يعني لا لا يصير العذاب ظاهرياً فقط بل يصل إلى القلوب والعياذ بالله.

ولذلك جاء في صفة الماء الذي يشربونه: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]. فإيش قطع أمعاءه؟ إذا كان الأمعاء التي في الداخل قطعها هذا الماء، ومعلوم أن الشيء إذا دخل فانه يبرك، فاذا كان يقطع الأمعاء فما بالكم بالأشياء الظاهرة الفم ونحوه؟ أضاف إلى أن هذا الماء إذا قرب، إذا قربه الكافر ليشرب يشوي وجهه والعياذ بالله، يشوي وجهه. فلذلك نار جهنم نار عظيمة، والإنسان إذا تفكر فيها وعلم عظم تقصيره بين يدي الله عز وجل، وانه لن ينجو من النار ويدخل الجنة إلا برحمة الله عز وجل، ولو حاسبه الله عز وجل على عمله فانه لن ينجو.

كم عندنا من التقصير والتفريط حتى في عباداتنا! يعني الإنسان إذا قام يصلي هل يصلي صلاة تامة كاملاً في أركانها وواجباتها ومستحباتها وروحها الذي هو الخشوع؟ لا، إلا ما رحم الله. وهذه يعني من العبادات أشياء كثيرة، علاقتك بوالديك، علاقتك بزوجتك، بأولادك، بإخوانك، لابد أن يحصل فيها نوع من الخلل والتقصير. فلذلك حرص تمام الحرص على أن تكتم التوبة والاستغفار لله عز وجل. النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يكثر من الاستغفار والتوبة في المجلس الواحد، كان يعد له في المجلس الواحد سبعين إلى مائة مرة: استغفر الله وأتوب إليه. وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بنا نحن المقصرين؟

﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8]، النار مطبقة عليهم، لا يستطيعون الخروج منها كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم، يعني كما جاء في بعض الآثار أنهم يكلفون صعود جبل في النار فإذا وصلوا قالوا خلاص وصلنا القمة سنخرج النار أعيد فيها، وهكذا والعياذ بالله. فعذاب متنوع وأخر من شكله هذا، فليذوقوه حميم وغساق. الحميم هو الماء الحار المساق، الماء البارد الممتن، وأخر من شكله يعني عندهم أنواع من العذاب والعياذ بالله. أنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة، أنهم يعذبون في عمد ممددة في النار والعياذ بالله. نسأل الله أن يجيرنا من النار بفضله وكرمه ورحمته، وأن يعتق رقابنا من النار، وأن يجعلنا مصيرنا الجنة.