دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الماعون

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ننتقل إلى السورة التي بعدها، وهي سورة الماعون. ابتدأ الله عز وجل بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: 1]. ألم تعلم عن حال الذي يكذب بالدين؟ والدين هو يوم الجزاء والحساب، يوم القيامة، سمي بالدين لأنه يدان الناس فيه، يعني يجازون ويحاسبون على أعمالهم. فهذا الذي يكذب بيوم الجزاء والحساب، ومن أوصافه أنه يدع اليتيم، يعني يدفعه عن حقه، اليتيم هو الذي فقد والده عند البلوغ، نعم، فقد والده قبل البلوغ فهو صغير لم يبلغ الحلم ومع ذلك فقد والده، فهذا يتيم.

وقد جاءت الشريعة بالحرص على رعايته وحفظ أمواله وتنميتها، فمن دفعه عن حقه واستولى على حقه أو لم يوصل حقه كاملاً فهو متوعد بالعذاب الأليم من الله عز وجل، فذلك الذي يدع اليتيم. ومن أوصافه أيضاً أنه لا يحض، لا نفسه ولا يحض غيره على طعام المسكين، على طعام المسكين الذي بلغ من الفقر غايته ويحتاج إلى الطعام، يحتاج إلى النفقة، فهو لا ينفق عليه ولا يحض غيره على النفقة. فهذا الذي اتصف بهذه الأوصاف متوعد بالعذاب الأليم من الله عز وجل يوم القيامة.

وانظروا إلى أن الله عز وجل توعد من لا يحض غيره على طعام المسكين؛ يعني حتى أنت ما استطعت، ما عندك أموال تتصدق بها، حاول أن تحض غيرك ولو برسالة، ببشارة ونحو ذلك، باتصال، بنصيحة لغيرك أن ينفق على المساكين. يعني لا تعذر إذا لم تجد بنفسك، حاول أن تحث غيرك لكي تكسب أجره وهو يكسب الأجر أيضاً من الله تعالى.

ثم توعد الله عز وجل المصلين، ليس كل مصلي، وإنما الذين هم عن صلاتهم ساهون، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم، فهم يسهون عن الصلاة، والسهو عن الصلاة إما بالتاخير عن وقتها، وإما بالتهاون بها بأن يصلي أحياناً ويترك أحياناً، فهو متوعد بالعذاب الأليم من الله عز وجل يوم القيامة فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون.

حتى من يترك واجبات الصلاة، مثلاً يترك صلاة الجماعة؛ لأن من يترك صلاة الجماعة ولا يصلي الجماعة إلا نادراً، فإن هذا يسول له الشيطان ويتمادى به إلى أن يترك بعض الصلوات، ثم والعياذ بالله يترك الصلاة نهائياً. فترك صلاة الجماعة هذا سبيل للتهاون بأوقات الصلاة ثم تركها والعياذ بالله نهائياً، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون.

ثم ذكر من أوصافهم أنهم يراءون، الذين هم يراءون؛ يعني يعملون الأعمال الصالحة ليس لوجه الله عز وجل، وإنما ليثني الناس عليهم ويمدحوا على ما قاموا به من أعمال. وهذا القصد يقلب العمل من كونه صالحاً من أسباب دخول الجنة إلى كونه عملاً سيئاً من أسباب دخول النار والعياذ بالله تعالى. ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة والعياذ بالله ثلاثة.

رجل قتل في سبيل الله فيؤتى به فيعرفه الله نعمه فيعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. انظروا، الكلام هذا على رؤوس الأشهاد، فيقول الله عز وجل: كذبت. انظر، يفضح على رؤوس الأشهاد: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، شجاع، فقد قيل، يعني حصلت المدح أن قيل لك شجاع، فقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار والعياذ بالله.

ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فيؤتى به فيعرفه الله نعمه فيعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار والعياذ بالله.

ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فيؤتى به فيعرفه نعمه فيعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت لك فيها. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال جواد كريم، فقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار والعياذ بالله.

انظر، جهاد، استشهاد في سبيل الله، تعليم العلم وحفظ القرآن وإقرائه، الصدقة، هذه من أسباب دخول الجنة، لكن لما فقدت فيها النية الصالحة، الإخلاص لله عز وجل، وكانت النية هي تحصيل مدح الناس وثنائهم، انقلبت هذه الأعمال من أعمال صالحة إلى أعمال سيئة، بدل أن تكون من أسباب دخول الجنة صارت من أسباب دخول النار، بل إن اصحابها والعياذ بالله هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

لذلك الإنسان يحرص على مجاهدة نفسه على الإخلاص لله تعالى، لا يقول ما دام الخلاص قد يأتي الشيطان طالب العلم يقول له: لا، أخاف أن تطلب العلم وتسوء النية، يكون هذا السبب دخلك النار، اترك طلب العلم عشان ما يسبب دخولك النار! لا، نقول: تعلم وأصلح النية، جاهد نفسك على إصلاح النية، نعم النية تحتاج إلى مجاهدة، النية تشرد منك، تحاول أن تكون على الطريق الصحيح فتنحرف بك يميناً ويساراً، لكن كلما انحرفت بك فرد نفسك إلى الجادة وأصلح نيتك، وادع الله عز وجل كثيراً بأن يصلح النية.

ومن الأدعية المأثورة في ذلك: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أنا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلم». يعني أحياناً من غير قصد الإنسان قد يعمل عمل ويحب أن يثنى عليه من غير قصد، يعني يصرف النية لغير الله تعالى، لكن النية شرود، لذلك الإنسان يحرص على الإخلاص، الإخلاص لله تعالى فهو إكسير العمل، فمن لم يخلص فلا يتعب.

فمن لم يخلص فلا يتعب؛ لأنه إذا لم يخلص صار عمله رياء، وقد يحصل له المدح والثناء وقد لا يحصل له. بل إن بعض السلف رحمهم الله تعالى، وهذا يبينه ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد يقول: قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه! قلب من ترائيه مثلاً أنت شخص أطال صلاته وأحسن قراءته وأظهر صدقته لكي يثني عليه مثلاً محمد من الناس، محمد هذا قلبه بيد الله عز وجل، قد يصرف الله عز وجل قلبه فلا يلقي بالك بالاً، وقد يبغضك وأنت تريد منحوة. قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه، فيوشك أن يقلب قلبه عليك، فلا أنت حصلت الأجر ولا أنت حصلت الثناء، ما حصلت إلا التعب، لذلك إذا لم تخلص فلا تتعب.

الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون. يمنعون الماعون، يمنعون إعانة الناس، لا يعينون الناس على أمور دنياهم، طلبوا منهم مثلاً صدقة، طلبوا منهم مثلاً عارية، يمنعونه، فهذا هو الماعون المقصود به في الآية، لا يعينون الناس على ما يريدونه.

نقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى غدا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، ونسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا جميعاً من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.