ثم قال الله عز وجل في السورة التي بعد سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]. في هذه السورة يمتن الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه الكوثر، والكوثر فسر بأنه الخير الكثير الذي أعطاه الله النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الخير الكثير الذي أعطاه الله للنبي صلى الله عليه وسلم نهر في الجنة، وهو نهر الكوثر. ونهر الكوثر كما فسره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم آانيته عدد نجوم السماء، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعده أبدا، فهذا النهر أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
لما من الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه الخير الكثير، أمره أن يشكره على ذلك بأن يقوم بعبادته ويخلص العبادة لله عز وجل؛ بأن يصلي له وينحر له. وذكر هاتين العبادتين وقرن بينهما؛ لأن الصلاة أعظم العبادات البدنية، والنحر أعظم العبادات المالية التي تراق فيها الدماء لوجه الله عز وجل ولقصد التقرب إلى الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
الكفار كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر، يعني أنه لا يبقى له ولد. انظر، أولاد النبي صلى الله عليه وسلم الذكور كلهم توفوا صغاراً. كم عددهم؟ اثنين؟ ثلاثة؟ إبراهيم والقاسم وعبد الله، أحسنتم. إبراهيم والقاسم وعبد الله. هل كلهم من أم واحدة؟ إبراهيم من مارية القبطية، والآخرين من خديجة، أحسنتم، اللي هم القاسم وعبد الله من خديجة، وإبراهيم من مارية، كلهم توفوا صغاراً.
فكانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر، يعني لا يعيش له ولد عليه الصلاة والسلام. فرد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾، يعني مبغضك، ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ هو الذي منقطع؛ لأنهم يقولون: أبتر يعني سينقطع ذكره. فالله عز وجل أبقى ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم حتى تقوم الساعة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وجعل هؤلاء الذين وصموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر وأبغضوه، هؤلاء انقطع ذكرهم، وإن ولد لهم أولاد، وإن كان لهم أموال، لكن انقطع ذكرهم.
يعني من يعرف كفار قريش الذين كانوا يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم؟ المعروفون هم الرؤساء منهم، لكن هم كثر؛ الذين شركوا في غزوة أحد قرابه الألف، شركوا في غزوة بدر... نعم، اللي شركوا في غزوة بدر قرابة الألف، وغزوة... قرابة ثلاثة آلاف، فهم كثر، لكن انقطعوا. لماذا؟ شانئ النبي صلى الله عليه وسلم أبغضه فقطع الله ذكره: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾.
وهكذا كل من أحيا سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحرص عليها فإن الله يبقي ذكره، وكل من ابتدع وأبغض سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله يقطع ذكره. ولذلك يعني من الأمثله في التاريخ الإمام أحمد رحمه الله تعالى، امام أهل السنة، عذب في حياته، سجن، جلد، ومع ذلك أبقى الله ذكره، أحيا الله ذكره إلى الآن، كل سمع الإمام أحمد رحمه الله إمام أهل السنة؛ لماذا؟ لأنه حرص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ونشأ في عهده شخص يققال له أحمد بن أبي دؤاد، تعرفونه؟ ها، اللي يعرفه؟ سمع، سبق أن سمع باسمه؟ أحمد بن أبي دؤاد ها، أحدس ها، واحد؟ طيب، هذا كان مقرب من المعتصم والمأمون، وقبلهم، كان هو الذي يحرضهم على تعذيب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، تعذيب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، بل انه قال المعتصم: اقتل الإمام احمد ودمه في عنقي! ويقول الإمام أحمد كافر، هذا، لكنه مبتدع! مبتدع هذا لما مات، يعني مقرب من أمير المؤمنين المعتصم، لكن لما مات ما صلى عليه إلا ثلاثة أشخاص! ما صلى عليه، كان مقرب، لكن البدعة قطعت ذكره. البدعة قل ذكران، يعني لا يعرفه إلا آحاد طلاب العلم، آحاد طلاب العلم. وهو كان مقرب، كان يعني بسطت في ذاك الوقت، لكن لما ابتدع قطع الله ذكره، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان