دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الفلق والناس

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ننتقل إلى سورة الناس. سورة الناس وسورة الفلق عرفتا باسم المعوذتين، وسبب نزولهما نزل بعد أن سحر النبي صلى الله عليه وسلم، سحره شخص يهودي اسمه لبيد بن الأعصم. اليهودي هذا اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل عليه سورة الفلق والناس، فأثر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا، لكن لم يؤثر عليه في الوحي، لم يخترع النبي صلى الله عليه وسلم وحيا من عنده بسبب السحر، لا، أثر عليه في أمور الدنيا فقط، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله عليه الصلاة والسلام، حتى دله الله عز وجل على مكان عمل السحر فأحرق عليه الصلاة والسلام في قصة مشهورة.

نزلت عليه هاتان السورتان، وهاتان السورتان لما نزلت عليه بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بهما من شر الأشرار ومن شر السحرة ومن شر الشيطان. سورة الناس فيها التعوذ من الشر الداخلي وهو شر الشيطان، وسورة الفلق فيها التعوذ من الشرور الخارجية. كلا السورتين بدأتا بالأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يتعوذ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾.

والاستعاذة، الاستعاذة هي طلب اللجأ والحماية من الشر. فالله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ في سورة الناس، قل أعوذ برب الناس. قلنا الرب هو المالك المتصرف، خالق مالك متصرف، فرب الناس وخالقهم ومالكهم المتصرف فيهم. قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، وهذا الملك من فروع الربوبية، إله الناس، وقلنا الإه هو المألوف المعبود، هو المستحق للعبادة. فالإنسان يتعوذ بالله رب الناس، لأنه يتعوذ بالله من شيء عظيم، فلذلك ذكر أوصاف الله عز وجل العظيمة التي تحميه بإذن الله من هذا الشر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾.

من أين يتعوذ؟ من شر الوسواس الخناس. وهو الشيطان، الشيطان يوسوس، يسول للإنسان الشر، خناس، يعني أنه إذا ذكر الانسان ربه خنس الشيطان وطرد وأبعد، فهو جاثم على قلب ابن آدم يوسوس له الشر، فاذا ذكر ربه خنس الشيطان، خنس وتراجع وهرب وطرد. من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، يسول لهم الشر، من الجنة والناس. يعني يوسوس للناس من الجنة والناس، يوسوس حتى للجن، ويوسوس للانس، فهو شره عظيم. ولذلك الله عز وجل أمر أن يستعاذ بالله من شره. نعم كيده ضعيف، لكن الإنسان قد يضعف إذا لم يتقوى ويتحصن بذكر الله عزوجل، وإلا كيد الشيطان ضعيف، لكن الإنسان إذا لم يتحصن بذكر الله عز وجل يكون ضعيف فيستهويه الشيطان ويزلُّه ويضله. ولذلك الشيطان ليس له إلا التسويل والوسوسة، هل رايت شيطانا -أقصد شيطان الجن- وقف في وجه انسان يريد أن يذهب إلى الصلاة ومنعه وضربة؟ لا، إنما يوسوس له: الصلاة توا تو، الإقامة، لازم تصلي اليوم؟ إلى أن يستهين بالصلاة، إلى أن يتدرج حتى يتركها والعياذ بالله.

ولذلك الشيطان يخطب بأصحابه الذي سول لهم يوم القيامة، بما ذكر الله عز وجل في سورة إهراهيم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيّ﴾ [إبراهيم: 22]. فلذلك الإنسان يتعوذ بالله من شر الشيطان. الشيطان حريص على إضلال الإنسان، وهو كما قال ابن القيم رحمه الله: يشام قلب الإنسان، فاذا رآه متجها للخير ياتي من باب الخير، وإذا رآه متجها للشر يأتي من باب الشر. قد أحيانا تجد نفسك منجذبة لعمل خير، لكن ترى الشيطان يريد هو الذي يعني ييسر لك هذا العمل أو جعلك تنقاد لهذا العمل لكي يصرفك ترى عن عمل خير أعظم، عن عمل خير أعظم.

ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الشيطان مع الإنسان على مراتب، يعني وسوسة. يقول: أعظم شيء أن يخرجه من الإسلام إلى الكفر، ما استطاع يخرجه من السنة إلى البدعة البدعة العظيمة، ما استطاع يخرجه إلى الكبائر السرقة مثلا، شرب الخمر إلى آخره، الزنا، ما استطاع يخرجه إلى الصغائر، ما استطاع -يعني كان الإنسان حتى الصغائر ما يحاول أن يفعلها- يلهيه بالمباحات، يخليه يلهى بالمباحات، فعل مباحات على وجه معتدل ما في إشكال، لكن الإكثار من المباحات هذا ترى من تزيين الشيطان، ما استطاع كان الإنسان حريصا جدا على وقته يشغله بالعمل المفضول عن الفاضل، يشغله بالعمل المفضول عن الفاضل. فهي ست مراتب، ما استطاع عبد، يسلط عليه أوليائه من الشياطين الانس والجن فيؤذونه، يؤذونه، هذه آخر المراتب. فلذلك يحرص الإنسان على فقه وفهم نزغات ووسوسة الشيطان لئلا يضله.

مثلا يؤذن المؤذن الآن، نقول: خلاص أترك اللي عندك، تابع المؤذن، استعد للصلاة واذهب للمسجد. يقول: ترى فيه عمك فلان ترك من زمان ما زرته، لو تزورها الان، يعني يمديك بدك تروح تزور بعدين تصلي، المسجد عندك صحيح، من زمان ما زرته عقب الصلاة، مشغول، زوره الحين، يعني خمس دقائق إن شاء الله وتذهب، تتصل عليها. نعم، الوقت مناسب تجي، تحصل لك زحمة بالطريق، تجي حول الإقامة تستحي أنك بس تسلم وتطلع، تقعد عندها شوي، تطلع إلى الناس، يعني تلحق الركعة الأخيرة أو الناس قد خرجت الصلاة. فهذا عمل خير، نعم عمل خير اللي هو الزيارة في القريب، لكن الشيطان أردك أن تنصرف عن التبكير إلى الصلاة، فهو يشغلك بعمل خير لكن عن عمل أفضل منه وهو التبكير إلى الصلاة.

طيب السورة الثانية، وهي سورة الفلق، هي استعاذة بالله من الشرور الخارجية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، الفلق هو الصبح، لأنه ينفلق به النهار يعني يظهر. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ هنا استعاذ بالله من شر جميع خلق الله عز وجل، جميع، يعني جميع مخلوقات الله، جميع الشرور التي في مخلوقات الله عز وجل استعاذ الإنسان بربه منها في قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ثم ذكر بعض هذه الشرور، قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، والغسق إذا وقب هو الليل إذا اشتد ظلامه، الليل إذا اشتد ظلامه. لأن الليل إذا اشتد ظلامه تكثر فيه الآفات والمؤذيات، الحشرات والهوام ونحو ذلك، فيستعيذ الإنسان بربه مما في هذا الليل إذا اشتد ظلامه. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ وهي السواحر الأنفس السواحر، سواء ذكوراً أو إناثاً، التي تنفث في العقد. لأن يعني السحرة يعقدون العقد وينفثون فيها من نفوسهم الشيطانية، فيستعيذ بالله من شرهم. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، والحاسد هو الذي يتمنى زوال نعمة الله عن الغير، يعني مثلا يجد إنسان رزق بمال وفير تمنى أن تزول هذه النعمة، من رزق باولاد صالحين أو بررة تمنى أن تزول هذه النعمة منه لأنه لم يرزق كما رزق، فهذا حاسد، فيستعيذ الإنسان بالله من شره من شر الحاسد إذا حسد.

فهذه هذه شرور خارجية، شر جميع الشرور شر ما خلق، ثم ذكر بعض الشرور الغاسق وقب هو ما في الليل وظلامه من الهوام والمؤذيات، النفاثات السواحر، والحاسد الذي هو الحسد، فهذه من الشرور الخارجية يستعيذ الإنسان بربه من شرها.